كتاب :البداية والنهاية
الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي

مات ليلة السبت، وقيل ليلة الاحد مستهل جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، عن خمس، وقيل سبع وأربعين سنة.
وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة.
وهذه ترجمته هو هارون الرشيد أمير المؤمنين ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، القرشي الهاشمي، أبو محمد، ويقال أبو جعفر.
وأمه الخيزران أم ولد.
كان مولده في شوال سنة ست وقيل سبع، وقيل ثمان وأربعين ومائة، وقيل إنه ولد سنة خمسين ومائة، وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الاول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي.
روى الحديث عن أبيه وجده، وحدث عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا النار ولو بشق تمرة " (1).
أورده وهو على المنبر وهو يخطب الناس، وقد حدث عنه ابنه وسليمان الهاشمي والد إسحاق، ونباتة بن عمرو.
وكان الرشيد أبيض طويلا سمينا جميلا، وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارا، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية، وقد لقي المسلمون من ذلك جهدا جهيدا وخوفا شديدا، وكان الصلح مع امرأة ليون وهي الملقبة بأغسطه على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام، ففرح المسلمون بذلك، وكان هذا هو الذي حدا أباه على البيعة له بعد أخيه في سنة وستين ومائة، ثم لما أفضت إليه الخلافة في سنة سبعين كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوا وحجا، ولهذا قال فيه أبو
السعلي (2): فمن يطلب لقاءك أو يرده * فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر * وفي أرض الترفه (3) فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق * من المتخلفين على الامور وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة التامة، وكان يحب التشبه بجده أبي جعفر المنصور إلا في العطاء، فإنه كان سريع العطاء جزيله، وكان يحب الفقهاء والشعراء ويعطيهم، ولا
__________
(1) أخرجه البخاري في الادب والزكاة والرقاق والتوحيد، ومسلم في الزكاة ح (66 - 67 - 68 - 70) والترمذي في القيامة (1) والزهد (37) والنسائي والدارمي في الزكاة وابن ماجه في المقدمة (13) والزكاة (38) وأحمد في المسند 1 / 288، 446 و 4 / 256، 358، 6 / 79، 138.
(2) في الطبري 10 / 99: أبو المعالي الكلابي.
(3) في فوات الوفيات 4 / 225: الثنية.

يضيع لديه بر ومعروف، وكان نقش خاتمه لا إله إلا الله.
وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعا، إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، وكان ابن أبي مريم هو الذي يضحكه، وكان عنده فضيلة بأخبار الحجاز وغيرها، وكان الرشيد قد أنزله في قصره وخلطه بأهله.
نبهه الرشيد يوما إلى صلاة الصبح فقام فتوضأ ثم أدرك الرشيد وهو يقرأ (وما لي لا أعبد الذي فطرني) [ يس: 22 ] فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله.
فضحك الرشيد وقطع الصلاة، ثم أقبل عليه وقال: ويحك اجتنب الصلاة والقرآن وقل فيما عدا ذلك.
ودخل يوما العباس بن محمد على الرشيد ومعه برنية من فضة فيها غالية من أحسن الطيب، فجعل يمدحها ويزيد في شكرها، وسأل من الرشيد أن يقبلها منه فقبلها فاستوهبها منه ابن أبي مريم فوهبها له، فقال له العباس: ويحك ! جئت بشئ منعته نفسي وأهلي وآثرت به أمير المؤمنين سيدي فأخذته.
فحلف ابن أبي مريم ليطيبن به استه، ثم أخذ منها شيئا فطلى به استه ودهن جوارحه
كلها منها، والرشيد لا يتمالك نفسه من الضحك.
ثم قال لخادم قائم عندهم يقال له خاقان: اطلب لي غلامي.
فقال الرشيد: ادع له غلامه.
فقال له: خذ هذه الغالية واذهب بها إلى ستك فمرها فلتطيب منها إستها حتى أرجع إليها فأنيكها.
فذهب الضحك بالرشيد كل مذهب، ثم أقبل ابن أبي مريم على العباس بن محمد فقال له: جئت بهذه الغالية تمدحها عند أمير المؤمنين الذي ما تمطر السماء شيئا ولا تنبت الارض شيئا إلا وهو تحت تصرفه وفي يده ؟ وأعجب من هذا أن قيل لملك الموت: ما أمرك به هذا فأنفذه.
وأنت تمدح هذه الغالية عنده كأنه بقال أو خباز أو طباخ أو تمار، فكاد الرشيد يهلك من شدة الضحك.
ثم أمر لابن أبي مريم بمائة ألف درهم.
وقد شرب الرشيد يوما دواء فسأله ابن أبي مريم أن يلي الحجابة في هذا اليوم، ومهما حصل له كان بينه وبين أمير المؤمنين، فولاه الحجابة، فجاءت الرسل بالهدايا من كل جانب، من عند زبيدة والبرامكة وكبار الامراء، وكان حاصله في هذا اليوم ستين ألف دينار، فسأله الرشيد في اليوم الثاني عما تحصل فأخبره بذلك، فقال له: فأين نصيبي ؟ فقال ابن أبي مريم: قد صالحتك عليه بعشرة آلاف تفاحة.
وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن حازم ليسمع منه الحديث قال أبو معاوية: ما ذكرت عنده حديثا إلا قال صلى الله وسلم على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى، وأكلت عنده يوما ثم قمت لاغسل يدي فصب الماء علي وأنا لا أراه، ثم قال: يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء ؟ قلت: لا.
قال: يصب عليك أمير المؤمنين.
قال أبو معاوية: فدعوت له، فقال: إنما أردت تعظيم العلم.
وحدثه أبو معاوية يوما عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عم الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية ؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبا شديدا، وقال: أتعترض على الحديث ؟ علي بالنطع والسيف، فأحضر ذلك فقام الناس إليه يشفعون فيه فقال الرشيد: هذه زندقة.
ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا،

فأقسم عمه بالايمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني وأنا أستغفر الله
وأتوب إليه منها.
فأطلقه.
وقال بعضهم: دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لانه قال القرآن مخلوق، فقتله على ذلك قربة إلى الله عزوجل.
وقال بعض أهل العلم: يا أمير المؤمنين انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر وعمر ويقد مونهما فأكرمهم بعز سلطانك، فقال الرشيد: أو لست كذلك ؟ أنا والله كذلك أحبهما وأحب من يحبهما وأعاقب من يبغضهما.
وقال له ابن السماك: إن الله لم يجعل أحدا فوقك فاجتهد أن لا يكون فيهم أحد أطوع إلى الله منك.
فقال: لئن كنت أقصرت في الكلام لقد أبلغت في الموعظة.
وقال له الفضيل بن عياض - أو غيره - إن الله لم يجعل أحدا من هؤلاء فوقك في الدنيا، فاجهد نفسك أن لا يكون أحد منهم فوقك في الآخرة، فاكدح لنفسك وأعملها في طاعة ربك.
ودخل عليه ابن السماك يوما فاستسقى الرشيد فاتي بقلة فيها ماء مبرد فقال لابن السماك: عظني.
فقال: يا أمير المؤمنين ! بكم كنت مشتريا هذه الشربة لو منعتها ؟ فقال: بنصف ملكي.
فقال: اشرب هنيئا، فلما شرب قال: أرأيت لو منعت خروجها من بدنك بكم كنت تشتري ذلك ؟ قال بنصف ملكي الآخر.
فقال: إن ملكا قيمة نصفه شربة ماء، وقيمة نصفه الآخر بولة، لخليق أن لا يتنافس فيه.
فبكى هارون.
وقال ابن قتيبة: ثنا الرياشي سمعت الاصمعي يقول: دخلت على الرشيد وهو يقلم أظفاره يوم الجمعة فقلت له في ذلك فقال: أخذ الاظفار يوم الخميس من السنة، وبلغني أن أخذها يوم الجمعة ينفي الفقر.
فقلت: يا أمير المؤمنين أو تخشى الفقر ؟ فقال: يا أصمعي وهل أحد أخشى للفقر مني ؟.
وروى ابن عساكر عن إبراهيم المهدي قال: كنت يوما عند الرشيد فدعا طباخه فقال: أعندك في الطعام لحم جزور ؟ قال: نعم، ألوان منه.
فقال: أحضره مع الطعام فلما وضع بين يديه أخذ لقمة منه فوضعها في فيه فضحك جعفر البرمكي، فترك الرشيد مضغ اللقمة وأقبل عليه فقال: مم تضحك ؟ قال: لا شئ يا أمير المؤمنين، ذكرت كلاما بيني وبين جاريتي البارحة.
فقال له: بحقي عليك لما أخبرتني به.
فقال: حتى تأكل هذه اللقمة، فألقاها من فيه وقال: والله لتخبرني.
فقال:
يا أمير المؤمنين بكم تقول إن هذا الطعام من لحم الجزور يقوم عليك ؟ قال: بأربعة دراهم.
قال: لا والله، يا أمير المؤمنين بل بأربعمائة ألف درهم.
قال: وكيف ذلك ؟ قال: إنك طلبت من طباخك لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده، فقلت: لا يخلون المطبخ من لحم جزور، فنحن ننحر كل يوم جزور لاجل مطبخ أمير المؤمنين، لانا لا نشتري من السوق لحم جزور.
فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلا هذا

اليوم.
قال جعفر: فضحكت لان أمير المؤمنين إنما ناله من ذلك هذه اللقمة.
فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف.
قال: فبكى الرشيد بكاء شديدا وأمر برفع السماط من بين يديه، وأقبل على نفسه يوبخها ويقول: هلكت والله يا هارون.
ولم يزل يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر، فخرج فصلى بالناس ثم رجع يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة العصر، وقد أمر بألفي ألف تصرف إلى فقراء الحرمين في كل حرم ألف ألف صدقة، وأمر بآلفي ألف يتصدق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي، وبألف ألف يتصدق بها على فقراء الكوفة والبصرة.
ثم خرج إلى صلاة العصر ثم رجع يبكي حتى صلى المغرب، ثم رجع، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال: ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيا في هذا اليوم ؟ فذكر أمره وما صرف من المال الجزيل لاجل شهوته، وإنما ناله منها لقمة.
فقال أبو يوسف لجعفر: هل كان ما تذبحونه من الجزور يفسد، أو يأكله الناس ؟ قال: بل يأكله الناس.
فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الذي أكله المسلمون في الايام الماضية، وبما يسره الله عليك من الصدقة، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم، وقد قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [ الرحمن: 46 ].
فأمر له الرشيد بأربعمائة ألف.
ثم استدعى بطعام فأكل منه فكان غداؤه في هذا اليوم عشاء.
وقال عمرو بن بحر الجاحظ: اجتمع للرشيد من الجد والهزل ما لم يجتمع لغيره من بعده، كان أبو يوسف قاضيه، والبرامكة وزراءه، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأشدهم تعاظما، ونديمه
عمر بن العباس بن محمد صاحب العباسية.
وشاعره مروان بن أبي حفصة، ومغنيه إبراهيم الموصلي واحد عصره في صناعته، ومضحكه ابن أبي مريم، وزامره برصوما.
وزوجته أم جعفر - يعني زبيدة - وكانت أرغب الناس في كل خير وأسرعهم إلى كل بر ومعروف، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك، إلى أشياء من المعروف أجراها الله على يدها.
وروى الخطيب البغدادي أن الرشيد كان يقول: إنا من قوم عظمت رزيتهم، وحسنت بعثتهم، ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقيت فينا خلافة الله.
وبينما الرشيد يطوف يوما بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة، فقال: لا ولا نعمت عين قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول له قولا لينا.
وعن شعيب بن حرب قال: رأيت الرشيد في طريق مكة فقلت في نفسي: قد وجب عليك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فخوفتني فقالت: إنه الآن يضرب عنقك.
فقلت: لا بد من ذلك، فناديته فقلت: يا هارون ! قد أتعبت الامة والبهائم، فقال: خذوه.
فأدخلت عليه وفي يده لت (1) من حديد يلعب به وهو جالس على كرسي،
__________
(1) اللت: مصدر.
وهي القدوم والفأس العظيمة.
وهي فارسية (محيط المحيط).

فقال: ممن الرجل ؟ فقلت: رجل من المسلمين.
فقال ثكلتك أمك ممن أنت ؟ فقلت: من الانبار.
فقال: ما عملك على أن دعوتني باسمي ؟ قال: فخطر ببالي شئ لم يخطر قبل ذلك، فقلت: أنا أدعو الله باسمه يا الله، أفلا أدعوك باسمك ؟ وهذا الله سبحانه قد دعا أحب خلقه إليه بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا هود، يا صالح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى، يا محمد، وكنى أبغض خلقه إليه فقال: تبت يدا أبي لهب.
فقال الرشيد: أخرجوه أخرجوه.
وقال له ابن السماك يوما: إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله عز وجل، والوقوف بين الجنة والنار، حين يؤخذ بالكظم وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبة تقبل، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال.
فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته فقال يحيى بن خالد له: يا بن السماك ! لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة.
فقام فخرج من عنده وهو
يبكي.
وقال له الفضيل بن عياض - في كلام كثير ليلة وعظه بمكة -: يا صبيح الوجه إنك مسؤول عن هؤلاء كلهم، وقد قال تعالى (وتقطعت بهم الاسباب) [ البقرة: 166 ] قال حدثنا ليث عن مجاهد: الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا.
فبكى حتى جعل يشهق.
وقال الفضيل: استدعاني الرشيد يوما وقد زخرف منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعم فقال: عش ما بدا لك سالما * في ظل شاهقة القصور تسعى عليك بما اشتهي * ت لدى الرواح إلى البكور فإذا النفوس تقعقعت * عن ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنا * ما كنت إلا في غرور قال: فبكى الرشيد بكاء كثيرا شديدا.
فقال له الفضل بن يحيى: دعا أمير المؤمنين تسره فأحزنته ؟ فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى.
ومن وجه آخر أن الرشيد قال لابي العتاهية: عظني بأبيات من الشعر وأوجز فقال: لا تأمن الموت في طرف ولا نفس * ولو تمتعت بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت صائبة * لكل مدرع منها ومترس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجري على اليبس قال: فخر الرشيد مغشيا عليه.
وقد حبس الرشيد مرة أبا العتاهية وأرصد عليه من يأتيه بما يقول، فكتب مرة على جدار الحبس: أما والله إن الظلم شوم (1) * وما زال المسئ هو الظلوم
__________
(1) في ابن الاثير 6 / 220: لؤم.

إلى ديان يوم الدين نمضي * وعند الله تجتمع الخصوم قال: فاستدعاه واستجعله في حل ووهبه ألف دينار وأطلقه.
وقال الحسن بن أبي الفهم: ثنا
محمد بن عباد عن سفيان بن عيينة قال: دخلت على الرشيد فقال: ما خبرك ؟ فقلت: بعين الله ما تخفى البيوت * فقد طال التحمل والسكوت فقال: يا فلان مائة ألف لابن عيينة تغنيه وتغني عقبه، ولا تضر الرشيد شيئا.
وقال الاصمعي: كنت مع الرشيد في الحج فمررنا بواد فإذا على شفيره امرأة حسناء بين يديها قصعة وهي تسأل منها وهي تقول: طحطحتنا طحاطح الاعوام * ورمتنا حوادث الايام فأتيناكم نمد أكفا * نائلات لزادكم والطعام فاطلبوا الاجر والمثوبة فينا * أيها الزائرون بيت الحرام من رآني فقد رآني ورحلي * فارحموا غربتي وذل مقامي قال الاصمعي: فذهبت إلى الرشيد فأخبرته بأمرها فجاء بنفسه حتى وقف عليها فسمعها فرحمها وبكى وأمر مسرورا الخادم أن يملا قصعتها ذهبا، فملاها حتى جعلت تفيض يمينا وشمالا.
وسمع مرة الرشيد أعرابيا يحدو إبله في طريق الحج: أيها المجمع هما لا تهم * أنت تقضي ولك الحمى تحم كيف ترقيك وقد جف القلم * حطت الصحة منك والسقم فقال الرشيد لبعض خدمه: ما معك ؟ قال: أربعمائة دينار، فقال: ادفعها إلى هذا الاعرابي.
فلما قبضها ضرب رفيقه بيده على كتفه وقال متمثلا: وكنت جليس قعقاع بن عمرو * ولا يشقى بقعقاع جليس فأمر الرشيد بعض الخدم أن يعطي المتمثل ما معه من الذهب فإذا معه مائتا دينار.
قال أبو عبيد إن [ أصل ] هذا المثل أن معاوية بن أبي سفيان أهديت له هدية جامات من ذهب فرقها على جلسائه وإلى جانبه قعقاع بن عمرو، وإلى جانب القعقاع أعرابي لم يفضل له منها شئ.
فأطرق الاعرابي حياء فدفع إليه القعقاع الجام الذي حصل له، فنهض الاعرابي وهو يقول: وكنت جليس قعقاع بن عمرو إلى آخره.
وخرج الرشيد يوما من عند زبيدة وهو يضحك فقيل له مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: دخلت اليوم إلى هذه المرأة - يعني زبيدة - فأقلت عندها وبت، فما استيقظت إلا على صوت ذهب يصب، قالوا: هذه ثلثمائة ألف دينار قدمت من مصر، فقالت زبيدة: هبها لي يا بن عم، فقلت:

هي لك، ثم ما خرجت حتى عربدت علي وقالت: أي خير رأيته منك ؟ وقال الرشيد مرة للمفضل الضبي: ما أحسن ما قيل في الذئب، ولك هذا الخاتم، وشراؤه ألف وستمائة دينار، فأنشد قول الشاعر: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي * بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم فقال: ما قلت هذا إلا لتسلبنا الخاتم.
ثم ألقاه إليه فبعثت زبيدة فاشترته منه بألف وستمائة دينار، وبعثت به إلى الرشيد وقالت: إني رأيتك معجبا به.
فرده إلى المفضل والدنانير، وقال: ما كنا لنهب شيئا ونرجع فيه.
وقال الرشيد يوم للعباس بن الاحنف: أي بيت قالت العرب أرق ؟ فقال: قول جميل في بثينة: ألا ليتني أعمى أصم تقودني * بثينة لا يخفى علي كلامها فقال له الرشيد: أرق منه قولك في مثل هذا: طاف الهوى في عباد الله كلهم * حتى إذا مر بي من بينهم وقفا فقال له العباس: فقولك يا أمير المؤمنين أرق من هذا كله: أما يكفيك أنك تملكيني * وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي * لقلت من الهوى أحسنت زيدي قال: فضحك الرشيد وأعجبه ذلك.
ومن شعر الرشيد في ثلاث حظيات كن عنده من الخواص قوله: ملك الثلاث الناشآت (1) عناني * وحللن من قلبي بكل مكان ما لي تطاوعني البرية كلها * وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى * وبه قوين (2) أعز من سلطاني ومما أورد له صاحب العقد في كتابه: تبدي الصدود وتخفي الحب عاشقة * فالنفس راضية والطرف غضبان وذكر ابن جرير وغيره أنه كان في دار الرشيد من الجواري والحظايا وخدمهن وخدم زوجته وأخواته أربعة آلاف جارية، وأنهن حضرن يوما بين يديه فغنته المطربات منهن فطرب جدا، وأمر بمال
__________
(1) في فوات الوفيات 4 / 226: الانسات...بكل مكان.
(2) في فوات الوفيات: غلبن.

فنثر عليهن.
وكان مبلغ ما حصل لكل واحدة منهن ثلاثة آلاف درهم في ذلك اليوم.
رواه ابن عساكر أيضا.
وروي أنه اشترى جارية من المدينة فأعجب بها جدا فأمر بإحضار مواليها ومن يلوذ بهم ليقضي حوائجهم، فقدموا عليه بثمانين نفسا فأمر الحاجب - وهو الفضل بن الربيع - أن يتلقاهم ويكتب حوائجهم، فكان فيهم رجل قد أقام بالمدينة لانه كان يهوى تلك الجارية، فبعثت إليه فأتى به فقال له الفضل: ما حاجتك ؟ قال: حاجتي أن يجلسني أمير المؤمنين مع فلانة فأشرب ثلاثة أرطال من خمر، وتغنيني ثلاثة أصوات.
فقال: أمجنون أنت ؟ فقال: لا ولكن أعرض حاجتي هذه على أمير المؤمنين.
فذكر للرشيد ذلك فأمر بإحضاره وأن تجلس معه الجارية بحيث ينظر إليهما ولا يريانه فجلست على كرسي والخدام بين يديها، وأجلس على كرسي فشرب رطلا وقال لها غنني: خليلي عوجا بارك الله فيكما * وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجازنا * ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا غدا يكثر البادون منا ومنكم * وتزداد داري من دياركم بعدا قال: فغنته ثم استعجله الخدم فشرب رطلا آخر، وقال: غنني جعلت فداك: تكلم منا في الوجوه عيوننا * فنحن سكوت والهوى يتكلم
ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا * وذلك فيما بيننا ليس يعلم قال: فغنته: ثم شرب رطلا ثالثا وقال: غنني جعلني الله فداك: أحسن ما كنا تفرقنا * وخاننا الدهر وما خنا فليت ذا الدهر لنا مرة * عاد لنا يوما كما كنا قال: ثم قام الشاب إلى درجة هناك ثم ألقى نفسه من أعلاها على أم رأسه فمات.
فقال الرشيد: عجل الفتى، والله لو لم يعجل لوهبتها له.
وفضائل الرشيد ومكارمه كثيرة جدا.
قد ذكر الائمة من ذلك شيئا كثيرا فذكرنا منه أنموذجا صالحا.
وقد كان الفضيل بن عياض يقول: ليس موت أحد أعز علينا من موت الرشيد، لما أتخوف بعده من الحوادث، وإني لادعو الله أن يزيد في عمره من عمري قالوا: فلما مات الرشيد وظهرت تلك الفتن والحوادث والاختلافات، وظهر القول بخلق القرآن، فعرفنا ما كان تخوفه الفضيل من ذلك.
وقد تقدمت رؤياه لذلك الكف وتلك التربة الحمراء وقائل يقول: هذه تربة أمير المؤمنين.
فكان موتا بطوس.
وقد روى ابن عساكر أن الرشيد رأى في منامه قائلا يقول: كأني بهذا القصر قد باد أهله.
الشعر إلى آخره.

وقد تقدم أن ذلك إنما رآه أخوه موسى الهادي.
وأبوه محمد المهدي فالله أعلم.
وقدمنا أنه أمر بحفر قبره في حياته، وأن تقرأ فيه ختمة تامة، وحمل حتى نظر إليه فجعل يقول: إلى هنا تصيريا بن آدم.
ويبكي، وأمر أن يوسع عند صدره وأن يمد من عند رجليه، ثم جعل يقول: (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) [ الحاقة: 28 - 29 ] ويبكي.
وقيل: إنه لما احتضر قال: اللهم انفعنا بالاحسان، واغفر لنا الاساءة، يا من لا يموت ارحم من يموت.
وكان مرضه بالدم، وقيل بالسل، وجبريل الطبيب يكتم ما به من العلة، فأمر الرشيد رجلا أن يأخذ ماءه في قارورة ويذهب به إلى جبريل فيريه إياه، ولا يذكر له بول من هو، فإن سأله قال: هو بول مريض عندنا.
فلما رآه جبريل قال لرجل عنده: هذا مثل ماء ذلك الرجل.
ففهم صاحب القارورة من عنى به، فقال له: بالله عليك
أخبرني عن حال صاحب هذا الماء.
فإن لي عليه مالا، فإن كان به رجاء وإلا أخذت مالي منه.
فقال: اذهب فتخلص منه فإنه لا يعيش إلا أياما.
فلما جاء وأخبر الرشيد بعث إلى جبريل فتغيب حتى مات الرشيد.
وقد قال الرشيد وهو في هذه الحال: إني بطوس مقيم ما لي بطوس حميم * أرجو إلهي لما بي فإنه بي رحيم لقد أتى بي طوسا قضاؤه المحتوم * وليس إلا رضائي والصبر والتسليم مات بطوس يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقيل إنه توفي في جمادى الاولى، وقيل في ربيع الاول، وله من العمر خمس، وقيل سبع، وقيل ثمان وأربعون سنة.
ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة وشهر وثمانية عشر يوما.
وقيل ثلاثة أشهر.
وصلى عليه ابنه صالح ودفن بقرية من قرى طوس يقال لها سناباذ.
وقال بعضهم: قرأت على خيام الرشيد بسناباذ والناس منصرفون من طوس من بعد موته: منازل العسكر معمورة * والمنزل الاعظم مهجور خليفة الله بدار البلى * تسعى على أجداثه المور أقبلت العير تباهي به * وانصرفت تندبه العير وقد رثاه أبو الشيص فقال: غربت في الشرق شمس * فلها العينان تدمع ما رأينا قط شمسا * غربت من حيث تطلع وقد رثاه الشعراء بقصائد.
قال ابن الجوزي: وقد خلف الرشيد من الميراث ما لم يخلفه أحد من الخلفاء، خلف من الجواهر والاثاث والامتعة سوى الضياع والدور ما قيمته مائة ألف ألف دينار، وخمسة وثلاثون ألف دينار.
قال ابن جرير: وكان في بيت المال سبعمائة (1) ألف ألف ونيف.
__________
(1) في الطبري: 10 / 124: تسعمائة.

ذكر زوجاته وبنيه وبناته
تزوج أمر جعفر زبيدة بنت عمه جعفر بن أبي جعفر المنصور، تزوجها في سنة خمس وستين ومائة في حياة أبيه المهدي، فولدت له محمدا الامين.
وماتت زبيدة في سنة ست عشرة (1) ومائتين كما سيأتي.
وتزوج [ أمة العزيز ] أم ولد كانت لاخيه موسى الهادي فولدت له علي بن الرشيد.
وتزوج أم محمد بنت صالح المسكين، والعباسة بنت عمه سليمان بن أبي جعفر فزفتا إليه في ليلة واحدة سنة سبع وثمانين ومائة بالرقة، وتزوج عزيزة بنت الغطريف، وهي بنت خاله أخي أمه الخيزران، وتزوج ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العثمانية، ويقال لها الجرشية، لانها ولدت بجرش باليمن.
وتوفي عن أربع: زبيدة، وعباسة، وابنة صالح، والعثمانية هذه.
وأما الخطايا من الجوار فكثير جدا حتى قال بعضهم: إنه كان في داره أربعة آلاف جارية سراري حسان.
وأما أولاده الذكور فمحمد الامين بن زبيدة، وعبد الله المأمون من جارية اسمها مراجل، ومحمد أبو إسحاق المعتصم من أم ولد يقال لها ماردة، والقاسم المؤتمن من جارية يقال لها قصف.
وعلي أمه أمة العزيز.
وصالح من جارية اسمها رئم.
ومحمد أبو يعقوب، ومحمد أبو عيسى، ومحمد أبو العباس، ومحمد أبو علي كل هؤلاء من أمهات أولاد (2).
وكان من الاناث سكينة من قصف.
وأم حبيب من ماردة، وأروى، وأم الحسن، وأم محمد وهي حمدونة وفاطمة وأمها غصص، وأم سلمة وخديجة، وأم القاسم (3) رملة، وأم علي، وأم الغالية، وريطة كلهن من أمهات أولاد.
خلافة محمد الامين لما توفي الرشيد بطوس في جمادى الآخرة من هذه السنة - أعني سنة ثلاث وتسعين ومائة كتب صالح بن الرشيد إلى أخيه ولي العهد من بعد أبيه محمد الامين بن زبيدة وهو ببغداد يعلمه بوفاة أبيه ويعزيه فيه (4)، فوصل الكتاب صحبة رجاء الخادم ومعه الخاتم والقضيب والبردة، يوم الخميس الرابع عشر من جمادى الآخرة، فركب الامين من قصره الخلد إلى قصر أبي جعفر المنصور - وهو قصر الذهب - على شط بغداد، فصلى بالناس ثم صعد المنبر فخطبهم وعزاهم في الرشيد، وبسط آمال الناس ووعدهم الخير.
فبايعه الخواص من قومه ووجوه بني هاشم والامراء، وأمر بصرف أعطيات الجند عن سنتين، ثم نزل وأمر عمه سليمان بن جعفر أن يأخذ له البيعة من بقية الناس فلما انتظم أمر
__________
(1) في ابن الاثير 6 / 216: ست وعشرين.
(2) زيد في الطبري في أولاده الذكور: محمد أبو سليمان أمه رواح، ومحمد أبو أحمد أمه كتمان.
(3) في الطبري وابن الاثير: وام القاسم وأمها حزق ورملة أم جعفر وأمها حلى.
(4) في الطبري وابن الاثير: أول الناس أخبر الامين بوفاة أبيه وهنأه بالخلافة هو سلام أبو مسلم نائب صاحب البريد حمويه مولى المهدي وكان حمويه قد أعلم نائبه بالخبر.

الامين واستقام حاله حسده أخوه المأمون ووقع الخلف بينهما على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
اختلاف الامين والمأمون كان السبب في ذلك أن الرشيد لما وصل إلى أول بلاد خراسان وهب جميع ما فيها من الحواصل والدواب والسلاح لولده المأمون، وجدد له البيعة، وكان الامين قد بعث بكر بن المعتمر بكتب في خفية ليوصلها إلى الامراء إذا مات الرشيد، فلما توفي الرشيد نفذت الكتب إلى الامراء وإلى صالح بن الرشيد، وفيها كتاب إلى المأمون يأمره بالسمع والطاعة (1)، فأخذ صالح البيعة من الناس إلى الامين، وارتحل الفضل بن الربيع بالجيش إلى بغداد وقد بقي في نفوسهم تحرج من البيعة التي أخذت للمأمون، وكتب إليهم المأمون يدعوهم إلى بيعته فلم يجيبوه، فوقعت الوحشة بين الاخوين، ولكن تحول عامة الجيش إلى الامين، فعند ذلك كتب المأمون إلى أخيه الامين بالسمع والطاعة والتعظيم، وبعث إليه من هدايا خراسان وتحفها من الدواب والمسك وغير ذلك، وهو نائبه عليها، وقد أمر الامين في صبيحة يوم السبت بعد أخذ البيعة يوم الجمعة ببناء ميدانين للصيد، فقال في ذلك بعض الشعراء: بنى أمين الله ميدانا * وصير الساحة بستانا وكانت الغزلان فيه بانا * يهدى إليه فيه غزلانا وفي شعبان من هذه السنة قدمت زبيدة من الرقة بالخزائن وما كان عندها من التحف والقماش من الرشيد، فتلقاها ولدها الامين إلى الانبار ومعه وجوه الناس.
وأقر الامين أخاه المأمون على ما تحت يده من بلاد خراسان والري وغير ذلك، وأقر أخاه القاسم على الجزيرة والثغور (2)، وأقر عمال أبيه
على البلاد إلا القليل منهم.
وفيها مات نقفور ملك الروم، قتله البرجان، وكان ملكه تسع (3) سنين، وأقام بعده ولده استبراق شهرين فمات، فملكهم ميخائيل زوج أخت نقفور لعنهم الله.
وفيها تواقع هرثمة نائب خراسان ورافع بن الليث فاستجاش رافع بالترك ثم هربوا وبقي رافع وحده فضعف أمره.
وحج بالناس نائب الحجاز داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.
وفيها توفي:
__________
(1) نسخة كتاب الامين إلى المأمون وصالح أخويه في الطبري 10 / 125 - 126.
(2) قال ابن الاثير 6 / 226: عزله عن الجزيرة وأقره على قنسرين والعواصم.
واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم.
(3) في ابن الاثير: سبع.

إسماعيل بن علية وهو من أئمة العلماء والمحدثين الرفعاء، روى عنه الشافعي وأحمد بن حنبل، وقد ولي المظالم ببغداد، وكان ناظر الصدقات بالبصرة، وكان ثقة نبيلا جليلا كبيرا، وكان قليل التبسم وكان يتجر في البز وينفق على عياله منه ويحج منه، ويبر أصحابه منه مثل السفيانين وغيرهما، وقد ولاه الرشيد القضاء فلما بلغ ابن المبارك أنه تولى القضاء كتب إليه يلومه نظما ونثرا، فاستعفي ابن علية من القضاء فأعفاه.
وكانت وفاته في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك وفيها مات: محمد بن جعفر الملقب بغندر.
روى عن شعبة وسعيد بن أبي عروبة وعن خلق كثير، وعنه جماعة منهم أحمد بن حنبل، وكان ثقة جليلا حافظا متقنا.
وقد ذكر عنه حكايات تدل على تغفيله في أمور الدنيا، كانت وفاته بالبصرة في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها.
وقد لقب بهذا اللقب جماعة من المتقدمين والمتأخرين.
وفيها توفي: أبو بكر بن العياش
أحد الائمة، سمع أبا إسحاق السبيعي والاعمش وهشام وهمام بن عروة وجماعة.
وحدث عنه خلق منهم أحمد بن حنبل.
وقال يزيد بن هارون: كان حبرا فاضلا لم يضع جنبه إلى الارض أربعين سنة، قالوا: ومكث ستين سنة يختم القرآن في كل يوم ختمة كاملة، وصام ثمانين رمضانا، وتوفي وله ست وتسعون سنة.
ولما احتضر بكى عليه ابنه فقال: يا بني علام تبكي ؟ والله ما أتى أبوك فاحشة قط.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة فيها خلع أهل حمص نائبهم فعزله عنهم الامين وولى عليهم عبد الله بن سعيد الحرشي فقتل طائفة من وجوه أهلها وحرق نواحيها، فسألوه الامان فأمنهم ثم هاجوا فضرب أعناق كثير منهم أيضا.
وفيها عزل الامين أخاه القاسم عن الجزيرة والثغور، وولى على ذلك خزيمة بن خازم، وأمر أخاه بالمقام عنده ببغداد (1).
وفيها أمر الامين بالدعاء لولده موسى على المنابر في سائر الامصار، وبالامرة من بعده، وسماه الناطق بالحق، ثم يدعى من بعده لاخيه المأمون ثم لاخيه القاسم، وكان من نية الامين الوفاء لاخويه بما شرط لهما، فلم يزل به الفضل بن الربيع حتى غير نيته في أخويه، وحسن له خلع المأمون
__________
(1) انظر حاشية 2 صفحة 242.

والقاسم، وصغر عنده شأن المأمون.
وإنما حمله على ذلك خوفه من المأمون إن أفضت إليه الخلافة أن يخلعه من الحجابة.
فوافقه الامين على ذلك وأمر بالدعاء لولده موسى وبولاية العهد من بعده، وذلك في ربيع الاول من هذه السنة.
فلما بلغ المأمون قطع البريد عنه وترك ضرب اسمه على السكة والطرز، وتنكر للامين.
وبعث رافع بن الليث إلى المأمون يسأل منه الامان فأمنه فسار إليه بمن معه فأكرمه المأمون وعظمه، وجاء هرثمة على إثره فتلقاه المأمون ووجوه الناس وولاه الحرس، فلما بلغ الامين أن الجنود التفت على أخيه المأمون ساءه ذلك وأنكره، وكتب إلى المأمون كتابا وأرسل إليه رسلا ثلاثة من أكابر الامراء، سأله أن يجيبه إلى تقديم ولده عليه، وأنه قد سماه الناطق بالحق، فأظهر المأمون الامتناع فشرع الامراء في مطايبته وملاينته، وأن يجيبهم إلى ذلك فأبى كل الاباء، فقال له العباس بن موسى بن عيسى: فقد خلع أبي نفسه فماذا كان ؟ فقال المأمون إن أباك كان امرءا مكروها، ثم لم يزل
المأمون يعد العباس ويمنيه حتى بايعه بالخلافة، ثم لما رجع إلى بغداد كان يراسله بما كان من أمر الامين ويناصحه، ولما رجع الرسل إلى الامين أخبروه بما كان من قول أخيه، فعند ذلك صمم الفضل بن الربيع على الامين في خلع المأمون، فخلعه وأمر بالدعاء لولده في سائر البلاد، وأقاموا من يتكلم في المأمون ويذكر مساويه، وبعثوا إلى مكة فأخذوا الكتاب الذي كتبه الرشيد وأودعه في الكعبة فمزقه الامين وأكد البيعة إلى ولده الناطق بالحق على ما ولاه من الاعمال، وجرت بين الامين والمأمون مكاتبات ورسل يطول بسطها.
وقد استقصاها ابن جرير في تاريخه (1)، ثم آل بهما الامر إلى أن احتفظ كل منهما على بلاده وحصنها وهيأ الجيوش والجنود وتألف الرعايا.
وفيها غدرت الروم بملكهم ميخائيل فراموا خلعه وقتله فترك الملك وترهب وولوا عليهم إليون.
وحج بالناس فيها نائب الحجاز داود بن عيسى، وقيل علي بن الرشيد.
وفيها توفي من الاعيان: سالم بن سالم: أبو بحر البلخي قدم بغداد وحدث بها عن إبراهيم بن طهمان والثوري.
وعنه الحسن بن عرفة.
وكان عابدا زاهدا، مكث أربعين سنة لم يفرش له فراش، وصامها كلها إلا يومي العيد، ولم يرفع رأسه إلى السماء، وكان داعية الارجاء ضعيف الحديث، إلا أنه كان رأسا في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان قد قدم بغداد فأنكر على الرشيد وشنع عليه فحبسه وقيده باثني عشر قيدا، فلم يزل أبو معاوية يشفع فيه حتى جعلوه في أربعة قيود، ثم كان يدعو الله أن يرده إلى أهله.
فلما توفي الرشيد أطلقته زبيدة فرجع - وكانوا بمكة قد جاؤوا حجاجا - فمرض بمكة واشتهى يوما بردا فسقط في ذلك الوقت برد حين اشتهاه فأكل منه.
مات في ذي الحجة من هذه السنة.
__________
(1) انظر تاريخ الطبري 10 / 132 وابن الاثير 6 / 232.

وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي كانت غلته في السنة قريبا من خمسين ألفا ينفقها كلها على أهل الحديث.
توفي عن أربع وثمانين سنة.
وأبو النصر الجهني المصاب كان مقيما بالمدينة النبوية بالصفة من المسجد في الحائط الشمالي منه، وكان طويل السكوت، فإذا سئل أجاب بجواب حسن، ويتكلم بكلمات مفيدة تؤثر عنه وتكتب، وكان يخرج يوم الجمعة قبل الصلاة فيقف على مجامع الناس فيقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) [ لقمان: 33 ] و (يوم لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل) [ البقرة: 48 ] ثم ينتقل إلى جماعة أخرى ثم إلى أخرى، حتى يدخل المسجد فيصلي فيه الجمعة ثم لا يخرج منه حتى يصلى العشاء الآخرة.
وقد وعظ مرة هارون الرشيد بكلام حسن فقال: اعلم أن الله سائلك عن أمة نبيه فأعد لذلك جوابا، وقد قال عمر بن الخطاب لو ماتت سخلة بالعراق ضياعا لخشيت أن يسألني الله عنها.
فقال الرشيد: إني لست كعمر، وإن دهري ليس كدهره.
فقال: ما هذا بمغن عنك شيئا.
فأمر له بثلثمائة دينار، فقال: أنا رجل من أهل الصفة فمر بها فلتقسم عليهم وأنا واحد منهم.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائة فيها في صفر منها أمر الامين الناس أن لا يتعاملوا بالدراهم والدنانير التي عليها اسم أخيه المأمون ونهى أن يدعى له على المنابر، وأن يدعى له ولولده من بعده: وفيها تسمى المأمون بإمام المؤمنين.
وفي ربيع الآخر فيها عقد الامين لعلي بن عيسى بن ماهان الامارة على الجبل وهمذان وأصبهان وقم وتلك البلاد، وأمره بحرب المأمون وجهز معه جيشا كثيرا، وأنفق فيهم نفقات عظيمة، وأعطاه مائتي ألف دينار، ولولده خمسين ألف دينار وألفي سيف محلى، وستة آلاف ثوب للخلع.
فخرج علي بن موسى بن ماهان من بغداد في أربعين ألف مقاتل فارس، ومعه قيد من فضة ليأتي فيه بالمأمون.
وخرج الامين معه مشيعا فسار حتى وصل الري فتلقاه الامير طاهر في أربعة آلاف، فجرت بينهم أمرو آل الحال فيها أن اقتتلوا، فقتل علي بن عيسى وانهزم أصحابه وحمل رأسه وجثته إلى الامير طاهر فكتب بذلك إلى وزير المأمون ذي الرياستين، وكان الذي قتل علي بن عيسى رجل يقال له طاهر الصغير فسمي ذا اليمينين، لانه أخذ السيف بيديه الثنتيين فذبح به علي بن عيسى بن ماهان، ففرح بذلك المأمون وذووه، وانتهى
الخبر إلى الامين وهو يصيد السمك من دجلة، فقال: ويحك دعني من هذا فإن كوثرا قد صاد

سمكتين.
ولم أصد بعد شيئا.
وأرجف الناس ببغداد وخافوا غائلة هذا الامر، وندم محمد الامين على ما كان منه من نكث العهد وخلع أخيه المأمون، وما وقع من الامر الفظيع.
وكان رجوع الخبر إليه في شوال من هذه السنة.
ثم جهز عبد الرحمن بن جبلة الانباري (1) في عشرين ألفا من المقاتلة إلى همذان ليقاتلوا طاهر بن الحسين بن مصعب ومن معه من الخراسانية، فلما اقتربوا منهم تواجهوا فتقاتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى بينهم، ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن جبلة فلجأوا إلى همذان فحاصرهم بها طاهر حتى اضطرهم إلى أن دعوا إلى الصلح، فصالحهم وأمنهم ووفى لهم، وانصرف عبد الرحمن بن جبلة على أن يكون راجعا إلى بغداد، ثم غدروا بأصحاب طاهر وحملوا عليهم (2) وهم غافلون فقتلوا منهم خلقا وصبر لهم أصحاب طاهر ثم نهضوا إليهم وحملوا عليهم فهزموهم وقتل أميرهم عبد الرحمن بن جبلة، وفر أصحابه خائبين.
فلما رجعوا إلى بغداد اضطربت الامور وكثرت الاراجيف، وكان ذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وطرد طاهر عمال الامين عن قزوين وتلك النواحي، وقوي أمر المأمون جدا بتلك البلاد.
وفي ذي الحجة من هذه السنة ظهر أمر السفياني بالشام، واسمه علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، فعزل نائب الشام (2) عنها ودعا إلى نفسه، فبعث إليه الامين جيشا فلم يقدموا عليه بل أقاموا بالرقة، ثم كان من أمره ما سنذكره.
وحج بالناس فيها نائب الحجاز داود بن عيسى.
وفيها كانت وفاة جماعة من الاعيان منهم: إسحاق بن يوسف الازرق أحد أئمة الحديث.
روى عنه أحمد وغيره.
ومنهم: بكار بن عبد الله ابن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، كان نائب المدينة للرشيد ثنتي عشرة سنة وشهرا، وقد أطلق الرشيد على يديه لاهلها ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وكان شريفا جوادا معظما.
وفيها
توفي:
__________
(1) في الطبري 1 / 153: الا بناوي.
وفي غيره الانباوي.
(2) وذلك بناحية أسد اباذ وهي مدينة بهمذان من ناحية العراق - (الطبري 10 / 156 والاخبار الطوال ص 398).
(3) وهو سليمان بن أبي جعفر.

أبو نواس الشاعر واسمه الحسن بن هانئ (1) بن صباح بن عبد الله بن الجراح بن هنب بن داود بن غنم بن سليم، ونسبه عبد الله بن سعد إلى الجراح بن عبد الله الحكمي، ويقال له أبو نواس البصري، كان أبوه من أهل دمشق من جند مروان بن محمد، ثم صار إلى الاهواز وتزوج امرأة يقال لها جلبان (2)، فولدت له أبا نواس وابنا آخر يقال له أبا معاذ، ثم صار أبو نواس إلى البصرة فتأدب بها على أبي زيد وأبي عبيدة، وقرأ كتاب سيبويه ولزم خلفا الاحمر، وصحب يونس بن حبيب الجرمي النحوي.
وقد قال القاضي ابن خلكان: صحب أبا أسامة وابن الحباب الكوفي، وروى الحديث عن أزهر بن سعد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الواحد بن زياد، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان وعنه محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي.
وحدث عنه جماعة منهم الشافعي وأحمد بن حنبل وغندر ومشاهير العلماء ومن مشاهير حديثه ما روا محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، فإن حسن الظن بالله ثمن الجنة) (3).
وقال محمد بن إبراهيم: دخلنا عليه وهو في الموت فقال له صالح بن علي الهاشمي: يا أبا علي ! أنت اليوم في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وبينك وبين الله هنات، فتب إلى الله من عملك.
فقال: إياي تخوف ؟ بالله اسندوني.
قال: فأسندناه فقال: حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي شفاعة وإني اختبأت شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي يوم القيامة) (4).
ثم قال: أفلا تراني منهم.
وقال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت عن ستين امرأة منهن خنساء وليلى، فما الظن بالرجال، وقال يعقوب بن السكيت:
إذا رويت الشعر عن امرئ القيس والاعشى من أهل الجاهلية، ومن الاسلاميين جرير والفرزدق، ومن المحدثين عن أبي نواس فحسبك.
وقد أثنى عليه غير واحد منهم الاصمعي والجاحظ والنظام.
قال أبو عمرو الشيباني: لولا أن أبا نواس أفسد شعره بما وضع فيه من الاقذار لاحتججنا به - يعني شعره الذي قاله في الخمريات والمردان، وقد كان يميل إليهم - ونحو ذلك مما هو معروف في شعره.
واجتمع طائفة من الشعراء عند المأمون فقيل لهم: أيكم القائل: فلما تحساها وقفنا كأننا * نرى قمرا في الارض يبلغ كوكبا
__________
(1) في وفيات الاعيان 2 / 95: هو الحسن بن هانئ بن عبد الاول بن صباح.
(2) من الوفيات، وفي الاصل خلبان.
(جلبان معناها: وردة على غصن) وانظر خزانة الاداب 1 / 347.
(3) أخرجه مسلم في الجنة ح (81 - 82) وأبو داود في الجنائز (13) وابن ماجه في الزهد (14) وأحمد في المسند 3 / 293، 315، 325، 330، 334، 390.
(4) أخرجه الترمذي في القيامة (11) وابن ماجه في الزهد (37) وأحمد في المسند 3 / 213.

قالوا: أبو نواس.
قال: فأيكم القائل: إذا نزلت دون اللهاة من الفتى * دعي همه عن قلبه برحيل قالوا: أبو نواس.
قال: فأيكم القائل: فتمشت في مفاصلهم * كتمشي البرء في السقم قالوا: أبو نواس.
قال: فهو أشعركم.
وقال سفيان بن عيينة لابن مناذر: ما أشعر ظريفكم أبا نواس في قوله: يا قمرا أبصرت في مأتم * يندب شجوا بين أتراب أبرزه المأتم لي كارها * برغم ذي باب وحجاب يبكي فيذري الدر من عينه * ويلطم الورد بعناب لا زال موتا دأب أحبابه * ولم تزل رؤيته دأبي
قال ابن الاعرابي أشعر الناس أبو نواس في قوله: تسترت من دهري بكل جناحه * فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الايام عني ما درت * وأين مكاني ما عرفن مكاني وقال أبو العتاهية: قلت في الزهد عشرين ألف بيت، وددت أن لي مكانها الابيات الثلاثة التي قالها أبو نواس وهي هذه، وكانت مكتوبة على قبره: يا نواسي توقر * أو تغير أو تصبر (1) إن يكن ساءك دهر * فلما سرك أكثر يا كثير الذنب * عفو الله من ذنبك أكبر ومن شعر أبي نواس يمدح بعض الامراء: أوجده الله فما مثله * بطالب ذاك ولا ناشد ليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد وأنشد سفيان بن عيينة قول أبي نواس: ما هوى إلا له سبب * يبتدى منه وينشعب فتنت قلبي محجبة * وجهها بالحسن منتقب
__________
(1) في ابن خلكان 2 / 102: وتعز وتصبر.

خلته (1) والحسن تأخذه * تنتقي منه وتنتخب فاكتست منه طرائفه * واستردت بعض ما تهب فهي لو صيرت فيه لها * عودة لم يثنها أرب صار جدا ما مزحت به * رب جد جره اللعب فقال ابن عيينة: آمنت بالذي خلقها.
وقال ابن دريد قال أبو حاتم: لو أن العامة بدلت هذين البيتين كتبتهما بماء الذهب:
ولو أني استزدتك فوق ما بي * من البلوى لاعوزك المزيد ولو عرضت على الموتى حياتي * بعيش مثل عيشي لم يريدوا وقد سمع أبو نواس حديث سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (القلوب جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف).
فنظم ذلك في قصيدة له فقال: إن القلوب لاجناد مجندة * لله في الارض بالاهواء تعترف فما تناكر منها مختلف * وما تعارف منها فهو مؤتلف ودخل يوما أبو نواس مع جماعة من المحدثين على عبد الواحد بن زياد فقال لهم عبد الواحد ليختر كل واحد منكم عشرة أحاديث أحدثه بها، فاختار كل واحد عشرة إلا أبا نواس، فقال له: ما لك لا تختار كما اختاروا ؟ فأنشأ يقول: ولقد كنا روينا * عن سعيد عن قتاده وعن الشعبي والشع * بي شيخ ذو جلاده عن سعيد بن المسي * يب ثم سعد بن عباده وعن الاخيار نحكي * ه وعن أهل الافاده أن من مات محبا * فله أجر شهاده فقال له عبد الواحد: قم عني يا فاجر، لا حدثتك ولا حدثت أحد من هؤلاء من أجلك.
فبلغ ذلك مالك بن أنس وإبراهيم بن أبي يحيى فقالا: كان ينبغي أن يحدثه لعل الله أن يصلحه.
قلت: وهذا الذي أنشده أبو نواس قد رواه ابن عدي في كامله عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا " من عشق فعف فكتم فمات مات شهيدا ".
ومعناه أن من ابتلى بالعشق من غير اختيار منه فصبر وعف عن الفاحشة ولم يفش ذلك فمات بسبب ذلك حصل له أجر كثير.
فإن صح هذا كان ذلك له نوع شهادة والله أعلم.
__________
(1) ويروى: تركت

وروى الخطيب أيضا أن شعبة لقي أبا نواس فقال له: حدثنا من طرفك، فقال مرتجلا: حدثنا الخفاف عن وائل وخالد الحذاء عن جابر ومسعر عن بعض أصحابه يرفعه الشيخ إلى عامر قالوا جميعا: أيما طفلة علقها ذو خلق طاهر فواصلته ثم دامت له على وصال الحافظ الذاكر، كانت له الجنة مفتوحة يرتع في مرتعها الزاهر، وأي معشوق جفا عاشقا بعد وصال دائم ناصر ! ففي عذاب الله بعدا له نعم وسحقا دائم ذاخر.
فقال له شعبة: إنك لجميل الاخلاق، وإني لارجو لك.
وأنشد أبو نواس أيضا: يا ساحر المقلتين والجيد * وقاتلي منك بالمواعيد توعدني الوصل ثم تخلفني * ويلاي من خلفك موعودي حدثني الازرق المحدث عن * شهر وعوف (1) عن ابن مسعود ما يخلف الوعد غير كافرة (2) * وكافر في الجحيم مصفود فبلغ ذلك إسحاق بن يوسف الازرق فقال: كذب عدو الله علي وعلى التابعين وعلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وعن سليم بن منصور بن عمار قال: رأيت أبا نواس في مجلس أبي يبكي بكاء شديدا فقلت: إني لارجو أن لا يعذبك الله بعد هذا البكاء فأنشأ يقول: لم أبك في مجلس منصور * شوقا إلى الجنة والحور ولا من القبر وأهواله * ولا من النفخة في الصور ولا من النار وأغلالها * ولا من الخذلان والجور لكن بكائي لكا شادن * تقيه نفسي كل محذور ثم قال: إنما بكيت لبكاء هذا الامرد الذي إلى جانب أبيك - وكان صبيا حسن الصورة يسمع الوعظ فيبكي خوفا من الله عز وجل -.
قال: أبو نواس: دعاني يوما بعض الحاكة وألح علي ليضيفني في منزله، ولم يزل بي حتى أجبته فسار إلى منزله وسرت معه فإذا منزل لا بأس به، وقد احتفل الحائل في الطعام وجمع جمعا من الحياك، فأكلنا وشربنا ثم قال: يا سيدي أشتهي أن تقول في جاريتي شيئا من الشعر - وكان مغرما بجارية له -
قال فقلت أرنيها حتى أنظم على شكلها وحسنها، فكشف عنها فإذا هي أسمج خلق الله واوحشهم،
__________
(1) في عيون الاخبار 2 / 140: عن...* عمرو بن شمر...(2) في عيون الاخبار: غير كافره.
أي جاحده ولعلها خافره وهو ما يتفق مع السياق بمعنى نقض العهد والغدر به.
والابيات ليست في ديوانه المطبوع بمصر سنة 1898 م.

سوداء شمطاء ديدانية يسيل لعابها على صدرها.
فقلت لسيدها: ما اسمها ؟ فقال تسنيم، فأنشأت أقول: أسهر ليلي حب تسنيم * جارية في الحسن كالبوم كأنما نكهتها كامخ * أو حزمة من حزم الثوم ضرطت من حبي لها ضرطة * أفزعت منها ملك الروم قال فقام الحائك يرقص ويصفق سائر يومه ويفرح ويقول: إنه شبهها والله بملك الروم.
ومن شعره أيضا: أبر مني الناس يقولون * بزعمهم كثرت أو زارية (1) إن كنت في النار أم في جنة * ماذا عليكم يا بني الزانيه وبالجملة فقد ذكروا له أمورا كثيرة، ومجونا وأشعارا منكرة، وله في الخمريات والقاذورات والتشبب بالمردان والنسوان أشياء بشعة شنيعة، فمن الناس من يفسقه ويرميه بالفاحشة، ومنهم من يرميه بالزندقة، ومنهم من يقول: كان إنما يخرب على نفسه، والاول أظهر، لما في أشعاره.
فأما الزندقة فبعيدة عنه، ولكن كان فيه مجون وخلاعة كثيرة.
وقد عزوا إليه في صغره وكبره أشياء منكرة الله أعلم بصحتها، والعامة تنقل عنه أشياء كثيرة لا حقيقة لها.
وفي صحن جامع دمشق قبة يفور منها الماء يقول الدماشقة قبة أبي نواس، وهي مبنية بعد موته بأزيد من مائة وخمسين سنة، فما أدري لاي شئ نسبت إليه فالله أعلم بهذا.
وقال محمد بن أبي عمر: سمعت أبا نواس يقول: والله ما فتحت سراويلي لحرام قط.
وقال له محمد الامين بن الرشيد: أنت زنديق.
فقال: يا أمير المؤمنين لست بزنديق وأنا أقول: أصلي الصلاة الخمس في حين وقتها * وأشهد بالتوحيد لله خاضعا وأحسن غسلي إن ركبت جنابة * وإن جاءني المسكين لم أك مانعا وإني وإن حانت من الكاس دعوة * إلى بيعة الساقي أجبت مسارعا وأشربها صرفا على جنب ما عز * وجدي كثير الشحم اصبح راضعا وجوذاب حواري ولوز وسكر * وما زال للخمار ذلك نافعا وأجعل تخليط الروافض كلهم * لنفخة بختيشوع في النار طائعا فقال له الامين: ويحك ! وما الذي الجأك إلى نفخة بختيشوع ؟ فقال: به تمت القافية.
فأمر له
__________
(1) البيت فيه تحريف، وفي تاريخ دمشق: يلومني الناس يقولون تب * غرهم كثرة أو زاريه

بجائزة.
وبختيشوع الذي ذكره هو طبيب الخلفاء.
وقال الجاحظ: لا أعرف في كلام الشعراء أرق ولا أحسن من قول أبي نواس حيث يقول: أية نار قدح القادح * وأي جد بلغ المازح لله در الشيب من واعظ * وناصح لو خطئ (1) الناصح يأبى الفتى إلا اتباع الهوى * ومنهج الحق له واضح فاسم بعينيك إلى نسوة * مهورهن العمل الصالح لا يجتلي الحوراء (2) في خدرها * إلا امرؤ ميزانه راجح من اتقى الله فذاك الذي * سبق إليه المتجر الرابح فاغد فما في الدين أغلوطة * ورح لما أنت له رائح وقد استنشده أبو عفان قصيدته التي في أولها: لا تنس ليلى ولا تنظر إلى هند.
فلما فرغ منها
سجد له أبو عفان، فقال له أبو نواس: والله لا أكلمك مدة.
قال: فغمني ذلك، فلما أردت الانصراف قال: متى أراك ؟ فقلت: ألم تقسم ؟ فقال: الدهر أقصر من أن يكون معه هجر.
ومن مستجاد شعره قوله: ألا رب وجه في التراب عتيق * ويا رب حسن في التراب رقيق ويا رب حزم في التراب ونجدة * ويا رب رأي في التراب وثيق فقل لقريب الدار إنك ظاعن * إلى سفر نائي المحل سحيق أرى كل حي هالكا وابن هالك * وذا نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في لباس صديق وقوله: لا تشرهن فإن الذل في الشره * والعز في الحلم لا في الطيش والسفه وقل لمغتبط في التيه من حمق * لو كنت تعلم ما في التيه لم تته التيه مفسدة للدين منقصة * للعقل مهلكة للعرض فانتبه وجلس أبو العتاهية القاسم بن إسماعيل على دكان وراق فكتب على ظهر دفتر هذه الابيات: أيا عجبا كيف يعصى الال * ه أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شئ له آية * تدل على أنه الواحد
__________
(1) في البيان والتبيين 3 / 165: حظي.
(2) في البيان والتبيين: الحسناء.

ثم جاء أبو نواس فقرأها فقال: أحسن قائله والله.
والله لوددت أنها لي بجميع شئ قلته، لمن هذه ؟ قيل له: لابي العتاهية، فأخذ فكتب في جانبها: سبحان من خلق الخل * ق من ضعف مهين يسوقه من قرار * إلى قرار مكين
يخلق شيئا فشيئا * في الحجب دون العيون حتى بدت حركات * مخلوقة في سكون ومن شعره المستجاد قوله: انقطعت شدتي فعفت الملاهي إذ * رمى الشيب مفرقي بالدواهي ونهتني النهى فملت إلى العدل * وأشفقت من مقالة ناهي أيها الغافل المقر على السهو * ولا عذر في المعاد لساهي لا بأعمالنا نطيق خلاصا * يوم تبدو السماء فوق الجباه على أنا على الاساءة والتف * ريط نرجو من حسن عفو الاله وقوله: نموت ونبلي غير أن ذنبوبنا * إذا نحن متنا لا تموت ولا تبلى ألا رب ذي عينين لا تنفعانه * وما تنفع العينان من قلبه أعمى وقوله: لو أن عينا أوهمتها نفسها * يوم الحساب ممثلا لم تطرف سبحان ذي الملكوت أية ليلة * محقت صبيحتها بيوم الموقف كتب الفناء على البرية ربها * فالناس بين مقدم ومخلف وذكر أن أبا نواس لما أراد الاحرام بالحج قال: يا مالكا ما أعدلك مليك كل من ملك * لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك عبدك قد أهل لك أنت له حيث سلك * لولاك يا رب هلك لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك والليل لما أن حلك * والسابحات في الفلك على مجاري تنسلك كل نبي وملك وكل من أهل لك * سبح أو صلى فلك لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك يا مخطئا ما أجهلك * عصيت ربا عدلك وأقدرك وأمهلك عجل وبادر أملك واختم بخير عملك * لبيك إن الحمد لك والملك لا شريك لك
وقال المعافي بن زكريا الحريري: ثنا محمد بن العباس بن الوليد سمعت أحمد بن يحيى بن ثعلب يقول: دخلت على أحمد بن حنبل فرأيت رجلا تهمه نفسه لا يجب أن يكثر عليه كأن النيران قد سعرت

بين يديه، فما زلت أترفق به وتوسلت إليه أني من موالي شيبان حتى كلمني، فقال: في أي شئ نظرت من العلوم ؟ فقلت: في اللغة والشعر.
قال: رأيت بالبصرة جماعة يكتبون عن رجل الشعر، قيل لي هذا أبو نواس.
فتخللت الناس ورائي فلما جلست إليه أملى علينا: إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن في الخلاء رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة * ولا آثما يخفى عليه يغيب لهونا عن الآثام حتى تتابعت * ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى * ويأذن في توباتنا فنتوب وزاد بعضهم في رواية عن أبي نواس بعد هذه الابيات: أقول إذا ضاقت علي مذاهبي * وحلت بقلبي للهموم ندوب لطول جناياتي وعظم خطيئتي * هلكت وما لي في المتاب نصيب وأغرق في بحر المخافة آيسا * وترجع نفسي تارة فتتوب وتذكرني عفو الكريم عن الورى * فأحيا وأرجو عفوه فأنيب وأخضع في قولي وأرغب سائلا * عسى كاشف البلوى علي يتوب قال ابن طراز الجريري: وقد رويت هذه الابيات لمن ؟ قيل لابي نواس وهي في زهدياته.
وقد استشهد بها النحاة في أماكن كثيرة قد ذكرناها.
وقال حسن بن الداية: دخلت على أبي نواس وهو في مرض الموت فقلت: عظني.
فأنشأ يقول: فكثر (1) ما استطعت من الخطايا * فإنك لاقيا ربا غفورا ستبصر إن وردت عليه عفوا * وتلقى سيدا ملكا قديرا (2) تعض ندامة كفيك مما * تركت مخافة النار الشرورا (3)
فقلت: ويحك ! بمثل هذا الحال تعظني بهذه الموعظة ؟ فقال: اسكت حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي ".
وقد تقدم بهذا الاسناد عنه " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ".
وقال الربيع وغيره عن الشافعي قال: دخلنا على أبي نواس في اليوم الذي مات فيه وهو يجود بنفسه فقلنا: ما أعددت لهذا اليوم ؟ فأنشأ يقول:
__________
(1) في وفيان الاعيان 2 / 98: تكثر...فإنك بالغا (2) في الوفيات: كبيرا.
(3) في الوفيات: السرورا.
والابيات في باب الزهد من ديوانه.

تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود وتعفو منة وتكرما ولولاك لم يقدر لابليس عابد * وكيف وقد أغوى صفيك آدما رواه ابن عساكر.
وروى أنهم وجدوا عند رأسه رقعة مكتوبا فيها بخطه: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم أدعوك ربي كما أمرت تضرعا * فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم إن كان لا يرجوك (1) إلا محسن * فمن الذي يرجو المسئ المجرم مالي إليك وسيلة إلا الرجا * وجميل عفوك ثم أني مسلم وقال يوسف بن الداية: دخلت عليه وهو في السياق فقلت: كيف تجدك ؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: دب في الفناء سفلا وعلوا * وأراني أموت عضوا فعضوا ليس يمضي من لحظة بي إلا * نقصتني مبرها في جزوا ذهبت جدتي بلذة عيشي * وتذكرت طاعة الله نضوا
قد أسأنا كل الاساءة فالل * هم صفحا عنا وغفرا وعفوا ثم مات من ساعته سامحنا الله وإياه آمين.
وقد كان نقش خاتمه لا إله إلا الله مخلصا، فأوصى أن يجعل في فمه إذا غسلوه ففعلوا به ذلك.
ولما مات لم يجدوا له من المال سوى ثلثمائة درهم وثيابه وأثاثة، وقد كانت وفاته في هذه السنة ببغداد ودفن في مقابر الشونيزى في تل اليهود.
وله خمسون سنة.
وقيل ستون سنة، وقيل تسع وخمسون سنة.
وقد رآه بعض أصحابه في المنام فقال له: ما فعل الله بك ؟ فقال: غفر لي بأبيات قلتها في النرجس: تفكر في نبات الارض وانظر * إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات * بأبصار هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات * بأن الله ليس له شريك وفي رواية عنه أنه قال: غفر لي بأبيات قلتها وهي تحت وسادتي فجاؤوا فوجدوها برقعة في خطه: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت أن عفوك أعظم
__________
(1) في الوفيات 2 / 103: يدعوك...فمن الذي يرجو ويدعو المجرم

الابيات.
وقد تقدمت.
وفي رواية لابن عساكر قال بعضهم: رأيته في المنام في هيئة حسنة ونعمة عظيمة فقلت له: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا وقد كنت مخلطا على نفسك ؟ فقال: جاء ذات ليلة رجل صالح إلى المقابر فبسط رداءه وصلى ركعتين قرأ فيهما ألفي قل هو الله أحد ثم أهدى ثواب ذلك لاهل تلك المقابر فدخلت أنا في جملتهم، فغفر الله لي.
وقال ابن خلكان: أول شعر قاله أبو نواس لما صحب أبا أسامة والبة بن الحباب: حامل الهوى تعب يستخفه الطرب * إن بكى يحق له (1) ليس ما به لعب تضحكين لاهية والمحب ينتحب * تعجبين من سقمي صحتي هي العجب وقال المأمون: ما أحسن قوله:
وما الناس إلا هالك (2) وابن هالك * وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في لباس (3) صديق قال ابن خلكان: وما أشد رجاءه بربه حيث يقول: تحمل ما استطعت من الخطايا * فإنك لاقيا ربا غفورا ستبصر إن قدمت عليه عفوا * وتلقى سيدا ملكا كبيرا تعض ندامة كفيك مما * تركت مخافة النار الشرورا ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة فيها توفي أبو معاوية (4) الضرير أحد مشايخ الحديث الثقات المشهورين.
والوليد بن مسلم الدمشقي تلميذ الاوزاعي.
وفيها حبس الامين أسد بن يزيد لاجل أنه نقم على الامين لعبه وتهاونه في أمر الرعية، وارتكابه للصيد وغيره في هذا الوقت.
وفيها وجه الامين أحمد بن يزيد وعبد الله بن حميد بن قحطبة في أربعين ألفا إلى حلوان لقتال طاهر بن الحسين من جهة المأمون، فلما وصلوا إلى قريب من حلوان خندق طاهر على جيشه خندقا وجعل يعمل الحيلة في إيقاع الفتنة بين الاميرين، فاختلفا فرجعا ولم يقاتلاه، ودخل طاهر إلى حلوان وجاءه كتاب المأمون بتسليم ما تحت يده إلى هرثمة بن أعين، وأن يتوجه هو إلى الاهواز.
ففعل ذلك.
وفيها رفع المأمون وزيره الفضل بن سهل وولاه أعمالا كبارا وسماه ذا الرياستين.
وفيها ولى الامين نيابة الشام لعبد الملك بن صالح بن علي
__________
(1) في الديوان 366: فحق له.
(2) في الديوان 192: أرى كل حي هالكا، وفي ابن خلكان 2 / 97: ألا كل حي هالك.
(3) في الوفيات: ثياب.
(4) وهو محمد بن خازم، قال ابن الاثير مات سنة خمس وتسعين ومائة.

- وقد كان أخرجه من سجن الرشيد - وأمره أن يبعث له رجالا وجنودا لقتال طاهر وهرثمة، فلما وصل إلى الرقة أقام بها وكتب إلى رؤساء الشام يتألفهم ويدعوهم إلى الطاعة، فقدم عليه منهم خلق كثير،
ثم وقعت حروب كان مبدؤها من أهل حمص، وتفاقم الامر وطال القتال بين الناس، ومات عبد الملك بن صالح هنالك فرجع الجيش إلى بغداد صحبة الحسين بن علي بن ماهان، فتلقاه أهل بغداد بالاكرام، وذلك في شهر رجب من هذه السنة.
فلما وصل جاء رسول الامين يطلبه فقال: والله ما أنا بمسامر ولا مضحك، ولا وليت له عملا ولا جبى على يدي مالا، فلماذا يطلبني في هذه الليلة ؟.
سبب خلع الامين وكيف أفضت الخلافة إلى أخيه المأمون لما أصبح الحسين بن علي بن ماهان ولم يذهب إلى الامين لما طلبه، وذلك بعد مقدمه بالجيش من الشام، قام في الناس خطيبا وألبهم على الامين، وذكر لعبه وما يتعاطاه من اللهو وغير ذلك من المعاصي، وأنه لا تصلح الخلافة لمن هذا حاله، وأنه يريد أن يوقع البأس بين الناس، ثم حثهم على القيام عليه والنهوض إليه، وندبهم لذلك، فالتف عليه خلق كثير وجم غفير، وبعث محمد الامين إليه خيلا فاقتتلوا مليا من النهار، فأمر الحسين أصحابه بالترجل إلى الارض وأن يقاتلوا بالسيف والرماح، فانهزم جيش الامين وخلعه وأخذ البيعة لعبد الله المأمون، وذلك يوم الاحد الحادي عشر من شهر رجب من هذه السنة، ولما كان يوم الثلاثاء نقل الامين من قصره إلى قصر أبي جعفر وسط بغداد، وضيق عليه وقيده واضطهده، وأمر العباس بن عيسى بن موسى أمه زبيدة أن تنتقل إلى هناك فامتنعت فضربها بالسوط وقهرها على الانتقال فانتقلت مع أولادها، فلما أصبح الناس يوم الاربعاء طلبوا من الحسين بن علي أعطياتهم واختلفوا عليه وصار أهل بغداد فرقتين، فرقة مع الامين وفرقة عليه، فاقتتلوا قتالا شديدا فغلب حزب الخليفة أولئك، وأسروا الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان وقيدوه ودخلوا به على الخليفة ففكوا عنه قيوده وأجلسوه على سريره، فعند ذلك أمر الخليفة من لم يكن معه سلاح من العامة أن يعطى سلاحا من الخزائن، فانتهب الناس الخزائن التي فيها السلاح بسبب ذلك، وأمر الامين فأتي بالحسين بن علي بن عيسى فلامه على ما صدر منه فاعتذر إليه بأن عفو الخليفة حمله على ذلك.
فعفا عنه وخلع عليه واستوزره وأعطاه الخاتم وولاه ما وراء بابه، وولاه الحرب وسيره إلى حلوان، فلما وصل إلى الجسر هرب في حاشيته وخدمه فبعث إليه الامين من يرده، فركبت الخيول وراءه فأدركوه فقاتلهم وقاتلوه فقتلوه لمنتصف رجب، وجاؤوا برأسه إلى الامين، وجدد الناس البيعة
للامين يوم الجمعة، ولما قتل الحسين بن علي بن عيسى هرب الفضل بن الربيع الحاجب واستحوذ طاهر بن الحسين على أكثر البلاد للمأمون، واستناب بها النواب، وخلع أكثر أهل الاقاليم الامين وبايعوا المأمون، ودنا طاهر إلى المدائن فأخذها مع واسط وأعمالها، واستناب من جهته على الحجاز واليمن والجزيرة والموصل وغير ذلك، ولم يبق مع الامين من البلاد إلا القليل.
وفي شعبان منها عقد الامين أربعمائة لواء مع كل لواء أمير، وبعثم لقتال هرثمة، فالتقوا في شهر رمضان فكسرهم هرثمة

وأسر مقدمهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وبعث به إلى المأمون.
وهرب جماعة من جند طاهر فساروا إلى الامين فأعطاهم أموالا كثيرة، وأكرمهم وغلف لحاهم بالغالية فسموا جيش الغالية.
ثم ندبهم الامين وأرسل معهم جيشا كثيفا لقتال طاهر فهزمهم طاهر وفرق شملهم، وأخذ ما كان معهم.
واقترب طاهر من بغداد فحاصرها وبعث القصاد والجواسيس يلقون الفتنة بين الجند حتى تفرقوا شيعا، ثم وقع بين الجيش وتشعبت الاصاغر على الاكابر واختلفوا على الامين في سادس ذي الحجة فقال بعض البغاددة: قل لامين الله في نفسه * ما شتت الجند سوى الغاليه وطاهر نفسي فدا طاهر (1) * برسله والعدة الكافية أضحى زمام الملك في كفه * مقاتلا للفئة الباغيه يا ناكثا أسلمه نكثه * عيوبه في (2) خبثه فاشيه قد جاءك اليث بشداته * مستكلبا في أسد ضاريه فاهرب ولا مهرب من مثله * إلا إلى النار أو الهاويه فتفرق على الامين شمله، وحار في أمره، وجاء طاهر بن الحسين بجيوشه فنزل على باب الانبار يوم الثلاثاء لثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، واشتد الحال على أهل البلد وأخاف الدعار والشطار أهل الصلاح، وخربت الديار، وثارت الفتنة بين الناس، حتى قاتل الاخ أخاه للاهواء المختلفة، والابن اباه، وجرت شرور عظيمة، واختلفت الاهواء وكثر الفساد والقتل داخل البلد.
وحج بالناس فيها العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة بمكة والمدينة، وهو أول موسم دعي فيه للمأمون.
وفيها توفي بقية بن الوليد الحمصي إمام أهل حمص وفقيهها ومحدثها.
وحفص بن غياث القاضي عاش فوق التسعين، ولما احتضر بكى بعض أصحابه فقال له: لا تبك ! والله ما حللت سراويلي على حرام قط، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من وقع الحكم عليه منهما، قريبا كان أو بعيدا، ملكا أو سوقة.
وعبد الله بن مرزوق أبو محمد الزاهد، كان وزيرا للرشيد فترك ذلك كله وتزهد وأوصى عند موته أن يطرح قبل موته على مزبلة لعل الله أن يرحمه.
__________
(1) في الطبري 10 / 172: نفسي تقي طاهرا.
(2) في الطبري: من.
وفي مروج الذهب 3 / 488: من حينه.

أبو شيص الشاعر محمد بن رزين بن سليمان، كان أستاذ الشعراء، وإنشاء الشعر ونظمه أسهل عليه من شرب الماء، كذا قال ابن خلكان وغيره.
وكان هو وأبو مسلم بن الوليد - الملقب صريع الغواني - وأبو نواس ودعبل يجتمعون ويتناشدون.
وقد عمي أبو الشيص في آخر عمره، ومن جيد شعره قوله: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي * متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة * حبا لذكرك فليلمني اللوم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم * إذ كان حظي منك حظي منهم وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا * ما من يهون عليك ممن تكرم (1) ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة استهلت هذه السنة وقد ألح طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين ومن معهما في حصار بغداد
والتضييق على الامين، وهرب القاسم بن الرشيد وعمه منصور بن المهدي إلى المأمون فأكرمهما، وولى أخاه القاسم جرجان، واشتد حصار بغداد ونصب عليها المجانيق والعرادات.
وضاق الامين بهم ذرعا، ولم يبق معه ما ينفق في الجند، فاضطر إلى ضرب آنية الفضة والذهب دراهم ودنانير، وهرب كثير من جنده إلى طاهر، وقتل من أهل البلد خلق كثير، وأخذت أموال كثيرة منهم، وبعث الامين إلى قصور كثيرة ودور شهيرة مزخرفة وأماكن ومحال كثيرة فحرقها بالنار لما رأى في ذلك من المصلحة فعل كل هذا فرارا من الموت ولتدوم الخلافة له فلم تدم، وقتل وخربت دياره كما سيأتي قريبا، وفعل طاهر مثل ما فعل الامين حتى كادت بغداد تخرب بكمالها، فقال بعضهم (2) في ذلك: من ذا أصابك يا بغداد بالعين * ألم تكوني زمانا قرة العين ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم * وكان قربهم (3) زينا من الزين صاح الغراب (4) بهم بالبين فافترقوا * ماذا لقيت بهم من لوعة البين استودع الله قوما ما ذكرتهم * إلا تحدر ماء العين (5) من عيني
__________
(1) في الاغاني 16 / 402: يكرم.
(2) في الطبري 10 / 175: ففي ذلك يقول العتري - وهو عمرو بن عبد الملك الوراق العتري -، وفي مروج الذهب 3 / 492: فقال الشاعر: (3) في مروج الذهب: كان قربهم...* وكان مسكنهم...(4) في مروج الذهب: الزمان.
(5) في مروج الذهب: الدمع.

كانوا ففرقهم دهر وصدعهم * والدهر يصدع ما بين الفريقين وقد أكثر الشعراء في ذلك.
وقد أورد ابن جرير من ذلك طرفا صالحا، وأورد في ذلك قصيدة طويلة جدا بها بسط ما وقع، وهي هول من الاهوال اقتصرناها بالكلية.
واستحوذ طاهر على ما في الضياع من الغلات والحواصل للامراء وغيرهم، ودعاهم إلى الامان والبيعة للمأمون فاستجابوا جميعهم، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطوسي (1)، وكاتبه خلق من الهاشميين والامراء، وصارت قلوبهم معه.
واتفق في بعض الايام أن ظفر أصحاب الامين ببعض أصحاب طاهر فقتلوا منهم طائفة عند قصر صالح، فلما سمع الامين بذلك بطر وأشر وأقبل على اللهو والشرب واللعب، ووكل الامور وتدبيرها إلى محمد بن عيسى بن نهيك، ثم قويت شوكة أصحاب طاهر وضعف جانب الامين جدا، وانحاز الناس إلى جيش طاهر - وكان جانبه آمنا جدا لا يخاف أحد فيه من سرقة ولا نهب ولا غير ذلك - وقد أخذ طاهر أكثر محال بغداد وأرباضها، ومنع الملاحين أن يحملوا طعاما إلى من خالفه، فغلت الاسعار جدا عند من خالفه، وندم من لم يكن خرج من بغداد قبل ذلك، ومنعت التجار من القدوم إلى بغداد بشئ من البضائع أو الدقيق، وصرفت السفن إلى البصرة وغيرها، وجرت بين الفريقين حروب كثيرة، فمن ذلك وقعة درب الحجارة كانت لاصحاب الامين، قتل فيها خلق من أصحاب طاهر كان الرجل من العيارين والحرافشة من البغاددة يأتي عريانا ومعه بارية مقيرة، وتحت كتفه مخلاة فيها حجارة، فإذا ضربه الفارس من بعيد بالسهم اتقاه بباريته فلا يؤذيه، وإذا اقترب منه رماه بحجر في المقلاع أصابه، فهزموهم لذلك.
ووقعة الشماسية أسر فيها هرثمة بن أعين، فشق ذلك على طاهر وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، وعبر طاهر بنفسه ومن معه إلى الجانب الآخر فقاتلهم بنفسه أشد القتال حتى أزالهم عى مواضعهم، واسترد منهم هرثمة وجماعة ممن كانوا أسروهم من أصحابه، فشق ذلك على محمد الامين وقال في ذلك: منيت بأشجع الثقلين قلبا * إذا ما طال ليس كما يطول له مع كل ذي بدد رقيب * يشاهده ويعلم ما يقول فليس بمغفل أمرا عنادا * إذا ما الامر ضيعه الغفول وضعف أمر الامين جدا ولم يبق عنده مال ينفقه على جنده ولا على نفسه، وتفرق أكثر أصحابه عنه، وبقي مضطهدا ذليلا.
ثم انقضت هذه السنة بكمالها والناس في بغداد في قلاقل وأهوية
مختلفة، وقال وحريق، وسرقات، وساءت بغداد فلم يبق فيها أحد يرد عن أحد كما هي عادة الفتن.
وحج بالناس فيها العباس بن موسى الهاشمي من جهة المأمون.
وفيها توفي شعيب بن حرب
__________
(1) في ابن الاثير 6 / 273: الطائي، وفي الطبري 10 / 182: محمد بن أبي العاص.

أحد الزهاد (1).
وعبد الله بن وهب (2) إمام أهل الديار المصرية.
وعبد الرحمن بن مسهر أخو علي بن مسهر.
وعثمان بن سعيد الملقب بورش أحد القراء المشهورين الرواة عن نافع بن أبي نعيم.
ووكيع بن الجراح الرواسي أحد أعلام المحدثين.
مات عن ست وستين سنة.
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة فيها خامر خزيمة بن خازم على محمد الامين وأخذ الامان من طاهر.
ودخل هرثمة بن أعين من الجانب الشرقي.
وفي يوم الاربعاء لثمان خلون من المحرم وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر بغداد فقطعاه ونصبا رايتهما عليه.
ودعوا إلى بيعة عبد الله المأمون وخلع محمد الامين، ودخل طاهر يوم الخميس إلى الجانب الشرقي فباشر القتال بنفسه، ونادى بالامان لمن لزم منزله، وجرت عند دار الرقيق والكرخ وغيرهما وقعات، وأحاطوا بمدينة أبي جعفر والخلد وقصر زبيدة، ونصب المجانيق حول السور وحذاء قصر زبيدة، ورماه بالمنجنيق، فخرج الامين بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة الناس في الطريق، لا يلوي أحد على أحد، حتى دخل قصر أبي جعفر وانتقل من الخلد لكثرة ما يأتيه فيه من رمي المنجنيق، وأمر بتحريق ما كان فيه من الاثاث والبسط والامتعة وغير ذلك، ثم حصر حصرا شديدا.
ومع هذه الشدة والضيق وإشرافه على الهلاك خرج ذات ليلة في ضوء القمر على شاطئ دجلة واستدعى بنبيذ وجارية فغنته فلم ينطلق لسانها إلا بالفراقيات وذكر الموت وهو يقول: غير هذا، وتذكر نظيره حتى غنته آخر ما غنته: أما ورب السكون والحرك * إن المنايا كثيرة الشرك ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك إلا لنقل السلطان (3) من ملك * قد انقضى ملكه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا * ليس بفان ولا بمشترك قال: فسبها وأقامها من عنده فعثرت في قدح كان له من بلور فكسرته فتطير بذلك.
ولما ذهبت الجارية سمع صارخا يقول (قضي الامر الذي فيه تستفتيان) [ يوسف: 41 ] فقال لجليسه: ويحك ألا
__________
(1) المدائني الزاهد أحد علماء الحديث روى عن مالك بن مغول وطبقته.
قال أحمد بن حنبل: حمل على نفسه في الورع.
وقال الطيب بن اسماعيل: يأكل خبزا يابسا وهو جلد وعظم.
(2) كان مولده سنة 125 ه الفهري مولاهم المقري روى عن ابن جريج وعمرو بن الحرث وخلق.
جمع بين الفقه والرواية والعبادة وله تصانيف كثيرة.
عرضوا عليه القضاء فاختبأ ولم يقبله.
(3) في الطبري 10 / 195 وابن الاثير 6 / 281: النعيم...* قد زال سلطانه إلى ملك

تسمع، فتسمع فلا يسمع شيئا، ثم عاد الصوت بذلك فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل في رابع صفر يوم الاحد، وقل حصل له من الجهد والضيق في حصره شيئا كثيرا بحيث إنه لم يبق له طعام يأكله ولا شراب بحيث إنه جاع ليلة فما أتي برغيف ودجاجة إلا بعد شدة عظيمة، ثم طلب ماء فلم يوجد له فبات عطشانا فلما أصبح قتل قبل أن يشرب الماء.
كيفية مقتله لما اشتد به الامر اجتمع عنده من بقي معه من الامراء والخدم والجند، فشاورهم في أمره فقالت طائفة: تذهب بمن بقي معك إلى الجزيرة أو الشام فتتقوى بالاموال وتستخدم الرجال.
وقال بعضهم تخرج إلى طاهر وتأخذ منه أمانا وتبايع لاخيك، فإذا فعلت ذلك فإن أخاك سيأمر لك بما يكفيك ويكفي أهلك من أمر الدنيا، وغاية مرادك الدعة والراحة، وذلك يحصل لك تاما.
وقال بعضهم: بل هرثمة أولى بأن يأخذ لك منه الامان فإنه مولاكم وهو أحنى عليك.
فمال إلى ذلك، فلما كانت ليلة الاحد الرابع من صفر بعد عشاء الآخرة واعد هرثمة أن يخرج إليه، ثم لبس ثياب الخلافة وطيلسانا واستدعى بولديه فشمهما وضمهما إليه وقال: أستودعكما الله، ومسح دموعه بطرف كمه، ثم ركب
على فرس سوداء وبين يديه شمعة، فلما انتهى إلى هرثمة أكرمه وعظمه وركبا في حراقة في دجلة، وبلغ ذلك طاهرا فغضب من ذلك وقال: أنا الذي فعلت هذا كله ويذهب إلى غيري، وينسب هذا كله إلى هرثمة ؟ فلحقهما وهما في الحراقة فأمالها أصحابه فغرق من فيها، غير أن الامين سبح إلى الجانب الآخر وأسره بعض الجند.
وجاء فأعلم طاهرا فبعث إليه جندا من العجم فجاؤوا إلى البيت الذي هو فيه وعنده بعض أصحابه وهو يقول له: ادن مني فإني أجد وحشة شديدة، وجعل يلتف في ثيابه شديدا وقلبه يخفق خفقانا عظيما، كاد يخرج من صدره.
فلما دخل عليه أولئك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم دنا منه أحدهم (1) فضربه بالسيف على مفرق رأسه فجعل يقول: ويحكم أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي.
فلم يلتفتوا إلى شئ من ذلك، بل تكاثروا عليه وذبحوه من قفاه وهو مكبوب على وجهه وذهبوا برأسه إلى طاهر وتركوا جثته، ثم جاؤوا بكرة إليها فلفوها في جل فرس وذهبوا بها.
وذلك ليلة الاحد لاربع ليال خلت من صفر من هذه السنة.
شئ من ترجمته هو محمد الامين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور، أبو عبد الله ويقال أبو موسى الهاشمي العباسي، وأمه أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، كان مولده بالرصافة سنة
__________
(1) ويقال له خمارويه غلام لقريش الدنداني مولى طاهر بن الحسين.
(الطبري - ابن الاثير) وفي مروج الذهب 3 / 501: قرين الديراني غلام طاهر.

سبعين ومائة.
قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عياش بن هشام عن أبيه قال: ولد محمد الامين بن هارون الرشيد في شوال سنة سبعين ومائة.
وأتته الخلافة بمدينة السلام بغداد لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وقيل ليلة الاحد لخمس بقين من المحرم (1)، وقتل سنة ثمان وتسعين ومائة، قتله قريش الدنداني، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا هذه الآية (في اللهم مالك الملك) [ آل عمران: 26 ] وكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام (2)، وكان طويلا سمينا أبيض أقنى الانف صغير العينين.
عظيم الكراديس بعيدا ما بين المنكبين.
وقد رماه
بعضهم بكثرة اللعب والشرب وقلة الصلاة.
وقد ذكر ابن جرير طرفا من سيرته في إكثاره من اقتناء السودان والخصيان، وإعطائه الاموال والجواهر، وأمره بإحضار الملاهي والمغنين من سائر البلاد، وأنه أمر بعمل خمس حراقات على صورة الفيل والاسد والعقاب والحية والفرس، وأنفق على ذلك أموالا جزيلة جدا، وقد امتدحه أبو نواس بشعر أقبح في معناه من صنيع الامين فإنه قال في أوله: سخر الله للامين مطايا * لم تسخر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برا * سار في الماء راكبا ليث غاب ثم وصف كلا من تلك الحراقات.
واعتنى الامين ببنايات هائلة للنزهة وغيرها، وأنفق في ذلك أموالا كثيرة جدا.
فكثر النكير عليه بسبب ذلك.
وذكر ابن جرير: أنه جلس يوما في مجلس أنفق عليه مالا جزيلا في الخلد، وقد فرش له بأنواع الحرير، ونضد بآنية الذهب والفضة، وأحضر ندماءه وأمر القهرمانة أن تهيئ له مائة جارية حسناء وأمرها أن تبعثهن إليه عشرا بعد عشر يغنينه، فلما جاءت العشر الاول اندفعن يغنين بصوت واحد (3): همو قتلوه كي يكونوا مكانه * كما غدرت يوما بكسرى مرازبه فغضب من ذلك وتبرم وضرب رأسها بالكأس، وأمر بالقهرمانة أن تلقى إلى الاسد فأكلها.
ثم استدعى بعشرة فاندفعن يغنين: من كان مسرورا بمقتل مالك * فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه * يلطمن قبل تبلج الاسحار فطردهن واستدعى بعشر غيرهن، فلما حضرن اندفعن يغنين بصوت واحد:
__________
(1) انظر في ولايته الخلافة الطبري 10 / 208 وابن الاثير 6 / 288 ومروج الذهب 3 / 473 وابن الاعثم 8 / 308 والمعارف ص 167.
(2) انظر الطبري 10 / 209 ومروج الذهب 3 / 473 وابن الاثير 6 / 289 وابن الاعثم 8 / 309.
(3) في مروج 3 / 479: دعا بجارية من خواص جواريه تسمى ضعفا فغنت، (وانظر الطبري 10 / 218).

كليب لعمري كان أكثر ناصرا * وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم (1) فطردهن وقام من فوره وأمر بتخريب ذلك المجلس وتحريق ما فيه.
وذكر أنه كان كثير الادب فصيحا يقول الشعر ويعطي عليه الجوائز الكثيرة، وكان شاعره أبا نواس، وقد قال فيه أبو نواس مدائح حسانا، وقد وجده مسجونا في حبس الرشيد مع الزنادقه فأحضره وأطلقه وأطلق له مالا وجعله من ندمائه، ثم حبسه مرة أخرى في شرب الخمر وأطال حبسه ثم أطلقه وأخذ عليه العهد أن لا يشرب الخمر ولا يأتي الذكور من المردان فامتثل ذلك، وكان لا يفعل شيئا من ذلك بعد ما استتابه الامين، وقد تأدب على الكسائي وقرأ عليه القرآن.
وروى الخطيب من طريقه حديثا أورده عنه لما عزي في غلام له توفي بمكه فقال: حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما مات محرما حشر ملبيا " (2).
وقد قدمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفرقة، حتى أفضى ذلك إلى خلعه وعزله، ثم إلى التضييق عليه، ثم إلى قتله، وأنه حصر في آخر أمره حتى احتاج إلى مصانعة هرثمة، وأنه ألقي في حراقة ثم ألقي منها فسبح إلى الشط الآخر فدخل دار بعض العامة وهو في غاية الخوف والدهش والجوع والعرى، فجعل الرجل يلقنه الصبر والاستغفار، فاشتغل بذلك ساعة من الليل، ثم جاء الطلب وراءه من جهة طاهر بن الحسين بن مصعب، فدخلوا عليه وكان الباب ضيقا فتدافعوا عليه وقام إليهم فجعل يدافعهم عن نفسه بمخدة في يده، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه وضربوا رأسه أو خاصرته بالسيوف، ثم ذبحوه وأخذوا رأسه وجثته فأتوا بهما طاهرا، ففرح بذلك فرحا شديدا، وأمر بنصب الرأس فوق رمح هناك حتى أصبح الناس فنظروا إليه فوق الرمح عند باب الانبار، وكثر عدد الناس ينظرون إليه.
ثم بعث طاهر برأس الامين مع ابن عمه محمد بن مصعب، وبعث معه بالبردة والقضيب والنعل (3) - وكان من خوص مبطن - فسلمه إلى ذي الرياستين، فدخل به على المأمون على ترس، فلما رآه سجد وأمر لمن جاء به بألف ألف درهم.
وقد قال ذو الرياستين حين قدم الرأس يؤلب على طاهر: أمرناه بأن يأتي به أسيرا فأرسل به إلينا عقيرا (4).
فقال المأمون: مضى ما مضى.
وكتب
طاهر إلى المأمون كتابا ذكر فيه صورة ما وقع حتى آل الحال إلى ما آل إليه (5)
__________
(1) البيت للنابغة وهو في ديوانه.
(2) الحديث في البخاري صيد 13، 31 وأخرجه في الجنائز (21) والترمذي في الحج (103) والنسائي في الجنائز (41) وابن ماجه في المناسك (89) والدارمي في المناسك (35) ومالك في الموطأ في الحج: (16).
(3) في الطبري 10 / 202: المصلى وهو من سعف مبطن.
(4) انظر ابن الاعثم 8 / 308، وأما في مروج الذهب 3 / 504 قال: " فقال الفضل بن سهل: الحمد لله يا أمير المؤمنين على النعمة الجليلة، فإن محمدا كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته ".
(5) نسخة كتاب طاهر في الطبري 10 / 203.

ولما قتل الامين هدأت الفتن وخمدت الشرور، وأمن الناس، وطابت النفس، ودخل طاهر بغداد يوم الجمعة وخطبهم خطبة بليغة ذكر فيها آيات كثيرة من القرآن، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأمرهم فيها بالجماعة والسمع والطاعة ثم خرج إلى معسكره فأقام به وأمر بتحويل زبيدة من قصر أبي جعفر إلى قصر الخلد، فخرجت يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الاول من هذه السنة، وبعث بموسى وعبد الله ابني الامين إلى عمهما المأمون بخراسان وكان ذلك رأيا سديدا.
وقد وثب طائفة من الجند على طاهر بعد خمسة أيام من مقتل الامين وطلبوا منه أرزاقهم فلم يكن عنده إذ ذاك مال، فتحزبوا واجتمعوا ونهبوا بعض متاعه ونادوا: يا موسى يا منصور، واعتقدوا أن موسى بن الامين الملقب بالناطق هناك، وإذا هو قد سيره إلى عمه.
وانحاز طاهر بمن معه من القواد ناحية وعزم على قتالهم بمن معه، ثم رجعوا إليه واعتذروا وندموا، فأمر لهم برزق أربعة أشهر بعشرين ألف دينار اقترضها من بعض الناس، فطابت الخواطر.
ثم إن إبراهيم بن المهدي قد أسف على قتل محمد الامين بن زبيدة ورثاه بأبيات، فبلغ ذلك المأمون فبعث إليه يعنفه ويلومه على ذلك.
وقد ذكر ابن جرير مراثي كثيرة للناس في الامين، وذكر من أشعار الذين هجوه طرفا، وذكر من شعر طاهر بن الحسين حين قتله قوله:
ملك الناس قسرا واقتدارا * وقتلت الجبابرة الكبارا ووجهت الخلافة نحو مرو * إلى المأمون تبتدر ابتدارا خلافة عبد الله المأمون بن الرشيد هارون لما قتل أخوه محمد في رابع صفر من سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل في المحرم، استوسقت البيعة شرقا وغربا للمأمون: فولى الحسن بن سهل نيابة العراق وفارس والاهواز والكوفة والبصرة والحجاز واليمن، وبعث نوابه إلى هذه الاقاليم، وكتب إلى طاهر بن الحسين أن ينصرف إلى الرقة لحرب نصر بن شبث، وولاه نيابة الجزيرة والشام والموصل والمغرب.
وكتب إلى هرثمة بن أعين بنيابة خراسان.
وفيها حج بالناس العباس بن عيسى الهاشمي.
وفيها توفي سفيان بن عيينة.
وعبد الرحمن بن مهدي.
ويحيى القطان (1).
فهؤلاء الثلاثة سادة العلماء في الحديث والفقه واسماء الرجال.
__________
(1) سفيان بن عيينة الهلالي مولاهم الكوفي الحافظ شيح الحجاز ونزيل مكة مات وله احدى وتسعون سنة أعلم الناس بالتفسير والسنن وروى عنه الاعمش وابن جريج وشعبة والشافعي وابن المبارك وأحمد وخلق.
عبد الرحمن بن مهدي البصري اللؤلؤي، أبو سعيد الحافظ، ركن من اركان الحديث بالعراق مات ابن ثلاث وستين سنة كان فقيها مفتيا عظيم الشأن.
يحيى بن سعيد القطان البصري أبو سعيد مات ابن ثمان وسبعين سنة روى عن عطاء بن السائب وحميد وخلق.

ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة فيها قدم الحسن بن سهل بغداد نائبا عليها من جهة المأمون، ووجه نوابه إلى بقية أعماله، وتوجه طاهر إلى نيابة الجزيرة والشام ومصر وبلاد المغرب.
وسار هرثمة إلى خراسان نائبا عليها، وكان قد خرج في أواخر السنة الماضية في ذي الحجة منها، الحسن الهرش يدعو إلى الرضى من آل محمد، فجبى الاموال وانتهب الانعام وعاث في البلاد فسادا فبعث إليه المأمون جيشا فقتلوه في المحرم من هذه السنة.
وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة، يدعو إلى الرضى من آل محمد،
والعمل بالكتاب والسنة، وهو الذي يقال له ابن طباطبا، وكان القائم بأمره وتدبير الحرب بين يديه أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، وقد اتفق أهل الكوفة على موافقته واجتمعوا عليه من كل فج عميق، ووفدت إليه الاعراب من نواحي الكوفة، وكان النائب عليها من جهة الحسن بن سهل سليمان بن أبي جعفر المنصور، فبعث الحسن بن سهل يلومه ويؤنبه على ذلك، وأرسل إليه بعشرة آلاف فارس صحبة زاهر (1) بن زهير بن المسيب، فتقاتلوا خارج الكوفة فهزموا زاهرا واستباحوا جيشه ونهبوا ما كان معه، وذلك يوم الاربعاء سلخ جمادى الآخرة، فلما كان الغد من الوقعة توفي ابن طباطبا أمير الشيعة فجأة، يقال إن أبا السرايا سمه (2) وأقام مكانه غلاما أمرد يقال له: محمد بن محمد (3) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
وانعزل زاهر بمن بقي معه من أصحابه إلى قصر ابن هبيرة، وأرسل الحسن بن سهل مع عبدوس بن محمد أربعة آلاف فارس، صورة مدد لزاهر، فالتقوا هم وأبو السرايا فهزمهم أبو السرايا ولم يفلت من أصحاب عبدوس أحد، وانتشر الطالبيون في تلك البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم والدنانير في الكوفة، ونقش عليه (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) [ الصف: 4 ] الآية.
ثم بعث أبو السرايا جيوشه إلى البصرة وواسط والمدائن فهزموا من فيها من النواب ودخلوها قهرا، وقويت شوكتهم، فأهم ذلك الحسن بن سهل وكتب إلى هرثمة يستدعيه لحرب أبي السرايا فتمنع ثم قدم عليه فخرج إلى أبي السرايا فهزم أبا السرايا غير مرة وطرده حتى رده إلى الكوفة ووثب الطالبيون على دور بني العباس بالكوفة فنهبوها وخربوا ضياعهم، وفعلوا أفعالا قبيحة.
وبعث أبو السرايا إلى المدائن فاستجابوا، وبعث إلى أهل مكة حسين ابن حسن الافطس ليقيم لهم الموسم فخاف أن يدخلها جهرة، ولما سمع نائب مكة - وهو داود بن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن عباس - هرب من مكة طالبا أرض العراق، وبقي الناس بلا إمام فسئل مؤذنها أحمد بن محمد بن الوليد الازرقي أن يصلي بهم فأبى، فقيل لقاضيها محمد بن عبد
__________
(1) سقط اسم زاهر من الطبري وابن الاثير.
(2) في ابن الاعثم 8 / 312: أتي به المأمون فأمر به فضرب عنقه صبرا.
(3) في مروج الذهب 4 / 31: محمد بن محمد بن يحيى بن زيد.

الرحمن المخزومي فامتنع، وقال: لمن أدعو وقد هرب نواب البلاد.
فقدم الناس رجلا منهم فصلى بهم الظهر والعصر، وبلغ الخبر إلى حسين الافطس فدخل مكة في عشرة أنفس قبل الغروب فطاف بالبيت، ثم وقف بعرفة ليلا وصلى بالناس الفجر بمردلفة وأقام بقية المناسك في أيام منى، فدفع الناس من عرفة بغير إمام.
وفيها توفي إسحاق بن سليمان (1).
وابن نمير (2).
وابن شابور (3).
وعمرو العنبري، والد مطيع البلخي، ويونس بن بكير (4).
ثم دخلت سنة مائتين من الهجرة في أول يوم منها جلس حسين بن حسن الافطس على طنفسة مثلثة خلف المقام وأمر بتجريد الكعبة مما عليها من كساوي بني العباس، وقال: نطهرها من كساويهم.
وكساها ملاءتين صفراوتين عليهما اسم أبي السرايا، ثم أخذ ما في كنز الكعبة من الاموال، وتتبع ودائع بني العباس فأخذها، حتى أنه أخذ مال ذوي المال ويزعم أنه للمسودة.
وهرب منه الناس إلى الجبال، وسبك ما على رؤوس الاساطين من الذهب، وكان ينزل مقدار يسير بعد جهد، وقلعوا ما في المسجد الحرام من الشبابيك وباعوها بالبخس، وأساؤوا السيرة جدا.
فلما بلغه مقتل أبي السرايا كتم ذلك وأمر رجلا من الطالبيين شيخا كبيرا، واستمر على سوء السيرة، ثم هرب في سادس عشر المحرم منها، وذلك لما قهر هرثمة أبا السرايا وهزم جيشه وأخرجه ومن معه من الطالبيين من الكوفة، ودخلها هرثمة ومنصور بن المهدي فأمنوا أهلها ولم يتعرضوا لاحد.
وسار أبو السرايا بمن معه إلى القادسية، ثم سار منها فاعترضهم بعض جيوش المأمون فهزمهم أيضا وجرح أبو السرايا جراحة منكرة جدا، وهربوا يريدون الجزيرة إلى منزل أبي السرايا برأس العين، فاعترضهم بعض الجيوش أيضا فأسروهم وأتوا بهم الحسن بن سهل وهو بالنهروان حين طردته الحربية، فأمر بضرب عنق أبي السرايا فجزع من ذلك جزعا شديدا جدا وطيف برأسه وأمر بجسده أن يقطع اثنتين وينصب على جسري بغداد، فكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر.
فبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد إلى المأمون مع رأس أبي السرايا.
وقال بعض الشعراء: ألم تر ضربة الحسن بن سهل * بسيفك يا أمير المؤمنينا
__________
(1) اسحاق بن سليمان الرازي الكوفي الاصل روى عن ابن أبي ذئب وكان عابدا خاشعا.
(2) وهو عبد الله بن نمير الخارفي، أبو هشام الكوفي، صاحب حديث عاش بضعا وثمانين سنة وثقه ابن معين وغيره.
والخارفي نسبة إلى خارف بطن من همدان نزلوا الكوفة.
(3) ابن شابور من تقريب التهذيب، وفي الاصل ابن سابور، وهو محمد بن شعيب بن شابور الاموي مولاهم الدمشقي نزيل بيروت صدوق كان من علماء المحدثين وعقلائهم المشهورين مات وله 84 سنة.
(4) يونس بن بكير: أبو بكر الشيباني الكوفي الحافظ صاحب المغازي.
صدوق.
قال ابن معين: ثقة وقال أبو زرعة: لا أعلمه مما ينكر عليه في الحديث وقال النسائي: ليس بالقوي.

أدارت مرو رأس أبي السرايا * وأبقت عبرة للعالمينا وكان الذي في يده البصرة من الطالبيين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له زيد النار، لكثرة ما حرق من البيوت التي للمسودة، فأسره علي بن سعيد وأمنه وبعث به وبمن معه من القواد إلى اليمن لقتال من هناك من الطالبيين.
وفيها خرج باليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، ويقال له الجزار لكثرة من قتل من أهل اليمن، وأخذ من أموالهم.
وهو الذي كان بمكة وفعل فيها ما فعل كما تقدم، فلما بلغه قتل أبي السرايا هرب إلى اليمن، فلما بلغ نائب اليمن خبره ترك اليمن وسار إلى خراسان واجتاز بمكة وأخذ أمه منها.
واستحوذ إبراهيم هذا على بلاد اليمن وجرت حروب كثيرة يطول ذكرها، ورجع محمد بن جعفر العلوي عما كان بزعمه، وكان قد ادعى الخلافة بمكة، وقال: كنت أظن أن المأمون قد مات وقد تحققت حياته، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه مما كنت ادعيت من ذلك، وقد رجعت إلى الطاعة وأنا رجل من المسلمين.
ولما هزم هرثمة أبا السرايا ومن كان معه من ولاة الخلافة وهو محمد بن محمد وشى بعض الناس إلى المأمون أن هرثمة راسل أبا السرايا وهو الذي أمره بالظهور، فاستدعاه المأمون إلى مرو فأمر به فضرب بين يديه ووطئ بطنه ثم رفع إلى الحبس ثم قتل بعد ذلك بأيام، وانطوى خبره بالكلية.
ولما وصل خبر قتله إلى بغداد عبثت العامة والحربية
بالحسن بن سهل نائب العراق وقالوا: لا نرضى به ولا بعماله ببلادنا، وأقاموا إسحاق بن موسى المهدي نائبا، واجتمع أهل الجانبين على ذلك، والتفت على الحسن بن سهل جماعة من الامراء والاجناد، وأرسل من وافق العامة على ذلك من الامراء يحرضهم على القتال، وجرت الحروب بينهم ثلاثة أيام في شعبان من هذه السنة.
ثم اتفق الحال على أن يعطيهم شيئا من أرزاقهم ينفقونها في شهر رمضان، فما زال يمطلهم إلى ذي القعدة حتى يدرك الزرع، فخرج في ذي القعدة زيد بن موسى الذي يقال له زيد النار، ومعه (1) أخو أبي السرايا، وقد كان خروجه هذه المرة بناحية الانبار، فبعث إليه علي بن هشام نائب بغداد عن الحسن بن سهل والحسن بالمدائن إذ ذاك فأخذ وأتي به إلى علي بن هشام، وأطفأ الله ثائرته.
وبعث المأمون في هذه السنة يطلب من بقي من العباسيين، وأحصى كم العباسيون فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا، ما بين ذكور وإناث.
وفيها قتلت الروم ملكهم إليون، وقد ملكهم سبع سنين، وملكوا عليهم ميخائيل نائبه.
وفيها قتل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل، لانه قال للمأمون: يا أمير الكافرين.
فقتل صبرا بين يديه.
وفيها حج بالناس محمد بن المعتصم بن هارون الرشيد.
وفيها توفي من الاعيان:
__________
(1) من الطبري 10 / 237 وفى الاصل: وهو، تحريف، فزيد النار ليس أخا لابي السرايا.

أسباط بن محمد (1) وأبو ضمرة أنس بن عياض (2).
وسلم بن قتيبة (3) وعمر بن عبد الواحد (4).
وابن أبي فديك.
ومبشر بن إسماعيل.
ومحمد بن حمير (5).
ومعاذ بن هشام (6).
ثم دخلت سنة إحدى ومائتين فيها راود أهل بغداد منصور بن المهدي على الخلافة فامتنع من ذلك، فراودوه على أن يكون نائبا للمأمون يدعو له في الخطبة فأجابهم إلى ذلك، وقد أخرجوا علي بن هشام نائب الحسن بن سهل من بين أظهرهم بعد أن جرت حروب كثيرة بسبب ذلك.
وفيها عم البلاء بالعيارين والشطار والفساق ببغداد وما حولها من القرى، كانوا يأتون الرجل يسألونه مالا يقرضهم أو يضلهم به فيمتنع عليهم
فيأخذون جميع ما في منزله، وربما تعرضوا للغلمان والنسوان، ويأتون أهل القرية فيستاقون من الانعام والمواشي ويأخذون ما شاؤوا من الغلمان والنسوان، ونهبوا أهل قطر بل ولم يدعوا لهم شيئا أصلا، فانتدب لهم رجل يقال له خالد الدريوش، وآخر يقال له سهل بن سلامة أبو حاتم الانصاري من أهل خراسان.
والتف عليهم جماعة من العامة فكفوا شرهم وقاتلوهم ومنعوهم من الفساد في الارض، واستقرت الامور كما كانت، وذلك في شعبان ورمضان.
وفي شوال منها رجع الحسن بن سهل إلى بغداد وصالح الجند، وانفصل منصور بن المهدي ومن وافقه من الامراء.
وفيها ببايع المأمون لعلي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب أن يكون ولي العهد من بعده، وسماه الرضى من آل محمد، وطرح لبس السواد وأمر بلبس الخضرة، فلبسها هو وجنده، وكتب بذلك إلى الآفاق والاقاليم، وكانت مبايعته له يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وذلك أن المأمون رأى أن عليا الرضى خير أهل البيت وليس في بني العباس مثله في عمله ودينه، فجعله ولي عهده من بعده.
__________
(1) اسباط بن محمد، أبو محمد الكوفي: ثقة صاحب حديث روى عن الاعمش وطبقته.
قال ابن سعد: ثقة فيه بعض الضعف.
(2) أنس بن عياض الليثي المدني محدث المدينة كان من الثقات المتقنين مات وله ست وتسعون سنة.
(3) من تقريب التهذيب وشذرات الذهب وفي الاصل مسلم تحريف.
أصله خراساني روى بالبصرة عن يونس بن أبي اسحاق وطبقته.
(4) السلمي الدمشقي كان من الثقات ولد سنة ثمان عشرة ومائة قرأ القراءات على يحيى الذماري.
(5) من التقريب (وفي الاصل جبير تحريف) السلمي.
وفي شذرات الذهب السليحي، محدث حمص وثقه ابن معين ودحيم.
قال يعقوب الفسوي: ليس بالقوي.
(6) معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، صدوق قال ابن معين: ليس بحجة روى عن أبيه وابن عون وطاء

بيعة أهل بغداد لابراهيم بن المهدي
لما جاء الخبر أن المأمون بايع لعلي الرضى بالولاية من بعده اختلفوا فيما بينهم، فمن مجيب مبايع، ومن آب ممانع، وجمهور العباسيين على الامتناع من ذلك، وقام في ذلك ابنا المهدي إبراهيم ومنصور، فلما كان يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة أظهر العباسيون البيعة لابراهيم بن المهدي ولقبوه المبارك - وكان أسود اللون - ومن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي، وخلعوا المأمون.
فلما كان يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة أرادوا أن يدعوا للمأمون ثم من بعده لابراهيم فقالت العامة: لا تدعوا إلا إلى إبراهيم فقط، واختلفوا واضطربوا فيما بينهم، ولم يصلوا الجمعة، وصلى الناس فرادى أربع ركعات.
وفيها افتتح نائب طبرستان جبالها وبلاد اللارز والشيرز.
وذكر ابن حزم أن سلما الخاسر قال في ذلك شعرا (1).
وقد ذكر ابن الجوزي وغيره أن سلما توفي قبل ذلك بسنين فالله أعلم.
وفيها أصاب أهل خراسان والري وأصبهان مجاعة شديدة وغلا الطعام جدا.
وفيها تحرك بابك الخرمي واتبعه طوائف من السفلة والجهلة وكان يقول بالتناسخ.
وسيأتي ما آل أمره إليه.
وفيها حج بالناس إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي.
وفيها توفي من الاعيان: أبو أسامة حماد بن أسامة (2).
وحماد بن مسعدة وحرسي بن عمارة.
وعلي بن عاصم (3).
ومحمد بن محمد صاحب أبي السرايا الذي قد كان بايعه أهل الكوفة بعد ابن طباطبا.
ثم دخلت سنة ثنتين ومائتين في أول يوم منها بويع لابراهيم بن المهدي بالخلافة ببغداد وخلع المأمون، فلما كان يوم الجمعة خامس المحرم صعد إبراهيم بن المهدي المنبر فبايعه الناس ولقب بالمبارك، وغلب على الكوفة وأرض السواد، وطلب منه الجند أرزاقهم فماطلهم ثم أعطاهم مائتي درهم لكل واحد، وكتب لهم بتعويض من أرض السواد، فخرجوا لا يمرون بشئ إلا انتهبوه، وأخذوا حاصل الفلاح والسلطان، واستناب على الجانب الشرقي العباس بن موسى الهادي، وعلى الجانب الغربي إسحاق بن موسى الهادي.
وفيها خرج خارجي يقال له: مهدي بن علوان، فبعث إليهم إبراهيم جيشا عليهم أبو إسحاق المعتصم بن
__________
(1) ذكر الطبري بيتين قال: قالهما سلام الخاسر، ولعله غير سلم الخاسر الشاعر الذي مات في خلافة الرشيد.
(2) الكوفي الحافظ مولى بني هاشم، ثبت ثقة توفي وله 81 سنة.
(3) الواسطي محدث واسط، كان إماما ورعا صالحا جليل القدر، ضعفه غير واحد لسؤ حفظه مات وله بضع وتسعون سنة.

الرشيد في جماعة من الامراء فكسره ورد كيده.
وفيها خرج أخو أبي السرايا فبيض بالكوفة فأرسل إليه إبراهيم بن المهدي من قاتله فقتل أخو أبي السرايا وأرسل برأسه إلى إبراهيم، ولما كان ليلة أربع عشرة من ربيع الآخر من هذه السنة ظهرت في السماء حمرة ثم ذهبت وبقي بعدها عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل، وجرت بالكوفة حروب بين أصحاب إبراهيم وأصحاب المأمون، واقتتلوا قتالا شديدا.
وعلى أصحاب إبراهيم السواد، وعلى أصحاب المأمون الخضرة، واستمر القتال بينهم إلى أواخر رجب.
وفيها ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوع فسجنه، وذلك أنه التف عليه جماعة من الناس يقومون بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن كانوا قد جاوزوا الحد وأنكروا على السلطان ودعوا إلى القيام بالكتاب والسنة، وصار باب داره كأنه باب دار السلطان، عليه السلاح والرجال وغير ذلك من أبهة الملك، فقاتله الجند فكسروا أصحابه فألقى السلاح وصار بين النساء والنظارة ثم اختفى في بعض الدور، فأخذ وجئ به إلى إبراهيم فسجنه سنة كاملة.
وفيها أقبل المأمون من خراسان قاصدا العراق، وذلك أن علي بن موسى الرضى أخبر المأمون بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وبأن الهاشميين قد أنهوا إلى الناس بأن المأمون مسحور ومسجون، وأنهم قد نقموا عليك ببيعتك لعلي بن موسى، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم بن المهدي.
فاستدعى المأمون بجماعة من أمرائه وأقربائه فسألهم عن ذلك فصدقوا عليا فيما قال، بعد أخذهم الامان منه، وقالوا له: إن الفضل بن سهل حسن لك قتل هرثمة، وقد كان ناصحا لك.
فعاجله بقتله، وإن طاهر بن الحسين مهد لك الامور حتى قاد إليك الخلافة بزمامها فطردته إلى الرقة فقعد لا
عمل له ولا تستنهضه في أمر، وإن الارض تفتقت بالشرور والفتن من أقطارها.
فلما تحقق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد، وقد فطن الفضل بن سهل بما تمالا عليه أولئك الناصحون، فضرب قوما ونتف لحى بعضهم.
وسار المأمون فلما كان بسرخس عدا قوم على الفضل بن سهل وزير المأمون وهو في الحمام فقتلوه بالسيوف، وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شوال وله ستون سنة، فبعث المأمون في آثارهم فجئ بهم وهم أربعة من المماليك فقتلهم (1)، وكتب إلى أخيه الحسن بن سهل يعزيه فيه، وولاه الوزارة مكانه، وارتحل المأمون من سرخس يوم عيد الفطر نحو العراق وإبراهيم بن المهدي بالمدائن، وفي مقابلته جيش يقاتلونه من جهة المأمون.
وفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وزوج علي بن موسى الرضى بابنته أم حبيب وزوج ابنه محمد بن علي بن موسى بابنته الاخرى أم الفضل.
وحج بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر أخو علي الرضى، ودعا لاخيه بعد المأمون، ثم انصرف بعد الحج إلى اليمن، وقد كان تغلب
__________
(1) ذكرهم ابن الاثير 6 / 347: غالب المسعودي، وقسطنطين الرومي وفرج الديلمي وموفق الصقلبي.

عليها حمدويه بن علي بن موسى بن ماهان.
وفيها توفي: أيوب بن سويد (1).
وضمرة (2).
وعمرو بن حبيب (3).
والفضل بن سهل الوزير.
وأبو يحيى الحماني.
ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين فيها وصل المأمون العراق ومر بطوس فنزل بها وأقام عند قبر أبيه أياما من شهر صفر، فلما كان في آخر الشهر أكل علي بن موسى الرضى عنبا فمات فجأة فصلى عليه المأمون ودفنه إلى جانب أبيه الرشيد، وأسف عليه أسفا كثيرا فيما ظهر، وكتب إلى الحسن بن سهل يعزيه فيه ويخبره بما حصل له من الحزن عليه، وكتب إلى بني العباس يقول لهم: إنكم إنما نقمتم علي بسبب توليتي العهد من بعدي لعلي بن موسى الرضى، وها هو قد مات فارجعوا إلى السمع والطاعة.
فأجابوه بأغلظ جواب كتب به إلى أحد.
وفيها تغلبت الثوار على الحسن بن سهل حتى قيد بالحديد وأودع في بيت، فكتب الامراء بذلك إلى المأمون، فكتب إليهم إني واصل على إثر كتابي هذا.
ثم جرت حروب كثيرة بين إبراهيم
وأهل بغداد، وتنكروا عليه وأبغضوه.
وظهرت الفتن والشطار والفساق ببغداد وتفاقم الحال، وصلوا يوم الجمعة ظهرا، أمهم المؤذنون فيها من غير خطبة، صلوا أربع ركعات، واشتد الامر واختلف الناس فيما بينهم في إبراهيم والمأمون، ثم غلبت المأمونية عليهم.
خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي لما كان يوم الجمعة المقبلة دعا الناس للمأمون وخلعوا إبراهيم، وأقبل حميد بن عبد الحميد في جيش من جهة المأمون فحاصر بغداد.
وطمع جندها في العطاء إذا قدم فطاوعوه على السمع والطاعة للمأمون.
وقد قاتل عيسى بن محمد بن أبي خالد في جماعة من جهة إبراهيم بن المهدي، ثم احتال عيسى حتى صار في أيدي المأمونية أسيرا، ثم آل الحال إلى اختفاء إبراهيم بن المهدي في آخر هذه السنة.
وكانت أيامه سنة وأحد عشر شهرا واثني عشر يوما.
وقدم المأمون في هذا الوقت إلى همذان وجيوشه قد استنقذوا بغداد إلى طاعته.
وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي.
وفيها توفي من الاعيان:
__________
(1) الرملي أبو مسعود الحميري السيباني (نسبة إلى سيبان بطن من حمير) صدوق يخطئ.
قال في التقريب مات سنة 193.
(2) وهو ضمرة بن ربيعة الفلسطيني، أبو عبد الله دمشقي صدوق يهم قليلا، روى عن الاوزاعي وطبقته.
(تقريب التهذيب 1 / 374).
(3) في تقريب التهذيب: عمر بن شبيب المسلمي (وانظر شذرات الذهب 2 / 3).

علي بن موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، القرشي الهاشمي العلوي الملقب بالرضى، كان المأمون قد هم أن ينزل له عن الخلافة فأبى عليه ذلك، فجعله ولي العهد من بعده كما قدمنا ذلك.
توفي في صفر من هذه السنة بطوس.
وقد روى الحديث عن أبيه وغيره، وعنه جماعة منهم المأمون وأبو السلط الهروي وأبو عثمان المازني النحوي، وقال سمعته يقول: الله أعدل من أن يكلف
العباد ما لا يطيقون، وهم أعجز من أن يفعلوا ما يريدون.
ومن شعره: كلنا يأمل مدا في الاجل * والمنايا هن آفات الامل لا تغرنك أباطيل المنى * والزم القصد ودع عنك العلل إنما الدنيا كظل زائل * حل فيه راكب ثم ارتحل ثم دخلت سنة أربع ومائتين فيها كان قدوم المأمون أرض العراق، وذلك أنه مر بجرجان فأقام بها شهرا، ثم سار منها وكان ينزل في المنزل يوما أو يومين، ثم جاء إلى النهروان فأقام بها ثمانية أيام، وقد كتب إلى طاهر بن الحسين وهو بالرقة أن يوافيه إلى النهروان فوافاه بها وتلقاه رؤوس أهل بيته والقواد وجمهور الجيش، فلما كان يوم السبت الآخر دخل بغداد حين ارتفع النهار لاربع عشرة ليلة خلت (1) من صفر، في أبهة عظيمة وجيش عظيم، وعليه وعلى جميع أصحابه وفتيانه الخضرة، فلبس أهل بغداد وجميع بني هاشم الخضرة، ونزل المأمون بالرصافة ثم تحول إلى قصر على دجلة، وجعل الامراء ووجوه الدولة يترددون إلى منزله على العادة، وقد تحول لباس البغاددة إلى الخضرة، وجعلوا يحرقون كل ما يجدونه من السواد، فمكثوا كذلك ثمانية أيام.
ثم استعرض حوائج طاهر بن الحسين فكان أول حاجة سألها أن يرجع إلى لباس السواد، فإنه لباس آئابه من دولة ورثة الانبياء.
فلما كان السبت الآخر وهو الثامن والعشرين من صفر جلس المأمون للناس وعليه الخضرة، ثم إنه أمر بخلعة سوداء فألبسها طاهرا، ثم ألبس بعده جماعة من الامراء السواد، فلبس الناس السواد وعادوا إلى ذلك، فعلم منهم بذلك الطاعة والموافقة، وقيل إنه مكث يلبس الخضرة بعد قدومه بغداد سبعا وعشرين يوما، فالله أعلم.
ولما جاء إليه عمه إبراهيم بن المهدي بعد اختفائه ست سنين وشهورا قال له المأمون: أنت الخليفة الاسود، فأخذ في الاعتذار والاستغفار، ثم قال: أنا الذي مننت عليه يا أمير المؤمنين بالعفو، وأنشد المأمون عند ذلك:
__________
(1) في الطبري 10 / 254: بقيت، وفي ابن الاثير 6 / 304: دخل بغداد منتصف صفر.

ليس يزري السواد بالرجل الشه * م ولا بالفتى الاديب الاريب إن يكن للسواد منك (1) نصيب * فبياض الاخلاق منك نصيبي قال ابن خلكان: وقد نظم هذا المعنى بعض المتأخرين وهو نصر الله بن قلاقس (2) الاسكندري فقال: رب سوداء وهي بيضاء فعل * حسد المسك عندها الكافور مثل حب العيون يحسبه النا * س سوادا وإنما هو نور وكان المأمون قد شاور في قتل عمه إبراهيم بن المهدي بعض أصحابه فقال له أحمد بن أبي خالد الوزير الاحول: يا أمير المؤمنين إن قتلته فلك نظراء في ذلك، وإن عفوت عنه فما لك نظير.
ثم شرع المأمون في بناء قصور على دجلة إلى جانب قصره، وسكنت الفتن وانزاحت الشرور، وأمر بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف.
واتخذ القفيز الملحم وهو عشرة مكاكي بالمكوك الاهوازي (3)، ووضع شيئا كثيرا من خراجات بلاد شتى، ورفق بالناس في مواضع كثيرة، وولى أخاه أبا عيسى بن الرشيد الكوفة، وولى أخاه صالحا البصرة، وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله (4) بن العباس بن علي بن أبي طالب نيابة الحرمين، وهو الذي حج بالناس فيها.
وواقع يحيى بن معاذ بابك الخرمي فلم يظفر به.
وفيها توفي من الاعيان جماعة منهم: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وقد أفردنا له ترجمة مطولة في أول كتابنا طبقات الشافعيين، ولنذكر ههنا ملخصا من ذلك وبالله المستعان.
هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، القرشي المطلبي، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر (5)، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأمه أزدية.
وقد رأت حين حملت به كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية.
وقد ولد الشافعي بغزة، وقيل بعسقلان،
__________
(1) في وفيات الاعيان 1 / 41: فيك.
(2) من وفيات الاعيان، وفي الاصل قلانس، وهو شاعر مشهور لقب بالقاضي الاعز.
(3) في الطبري وابن الاثير: الهاروني.
(4) من الطبري وابن الاثير، وفي الاصل عبيد الله بن الحسين بن عبد الله...(5) كان السائب بن عبيد صاحب راية بني هاشم أسر يوم بدر وكان لا مال له فأطلق دون فدية وأسلم بعد ذلك (مغازي الواقدي 1 / 138).

وقيل باليمن سنة خمسين ومائة، ومات أبوه وهو صغير فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه، فنشأ بها وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة.
وقيل ابن ثماني عشرة سنة، أذن له شيخه مسلم بن خالد الزنجي، وعني باللغة والشعر، وأقام في هذيل نحوا من عشر سنين، وقيل عشرين سنة، فتعلم منهم لغات العرب وفصاحتها، وسمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ والائمة، وقرأ بنفسه الموطأ على مالك من حفظه فأعجبته قراءته وهمته، وأخذ عنه علم الحجازيين بعد أخذه عن مسلم بن خالد الزنجي.
وروى عنه خلق كثير قد ذكرنا أسماءهم مرتبين على حروف المعجم، وقرأ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين عن شبل عن ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عزوجل.
وأخذ الشافعي الفقه عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما عن جماعة من الصحابة، منهم عمرو بن علي وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وغيرهم.
وكلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتفقه أيضا على مالك عن مشايخه، وتفقه به جماعة قد ذكرناهم ومن بعدهم إلى زماننا في تصنيف مفرد.
وقد روى ابن أبي حاتم عن أبي بشر الدولابي، عن محمد بن إدريس وراق الحميدي، عن الشافعي أنه ولي الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم تعصبوا عليه ووشوا به إلى الرشيد أنه يروم الخلافة، فحمل على بغل في قيد إلى بغداد فدخلها في سنة أربع وثمانين ومائة وعمره ثلاثون سنة، فاجتمع بالرشيد فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدي الرشيد، وأحسن القول فيه محمد بن الحسن، وتبين للرشيد براءته مما نسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده.
وكان أبو يوسف
قد مات قبل ذلك بسنة، وقيل بسنتين، وأكرمه محمد بن الحسن وكتب عنه الشافعي وقر بعير، ثم أطلق له الرشيد ألفي دينار وقيل خمسة آلاف دينار.
وعاد الشافعي إلى مكة ففرق عامة ما حصل له في أهله وذوي رحمه من بني عمه، ثم عاد الشافعي إلى العراق في سنة خمس وتسعين ومائة، فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة منهم أحمد بن حنبل وأبو ثور والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث بن شريح البقال، وأبو عبد الرحمن الشافعي، والزعفراني، وغيرهم.
ثم رجع إلى مكة ثم رجع إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة، ثم انتقل منها إلى مصر فأقام بها إلى أن مات في هذه السنة، سنة أربع ومائتين.
وصنف بها كتابه الام وهو من كتبه الجديدة لانها من رواية الربيع بن سليمان، وهو مصري.
وقد زعم إمام الحرمين وغيره أنها من القديم، وهذا بعيد وعجيب من مثله والله أعلم.
وقد أثنى على الشافعي غير واحد من كبار الائمة منهم عبد الرحمن بن مهدي وسأله أن يكتب له كتابا في الاصول فكتب له الرسالة، وكان يدعو له في الصلاة دائما، وشيخه مالك بن أنس وقتيبة بن سعيد.
وقال: هو إمام.
وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وكان يدعو له أيضا في صلاته.
وأبو عبيد، وقال: ما رأيت أفصح ولا أعقل ولا أورع من الشافعي.
ويحيى بن أكثم القاضي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن الحسن، وغير واحد ممن يطول ذكرهم وشرح أقوالهم.

وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحوا من أربعين سنة، وكان أحمد يقول في الحديث الذي رواه أبو داود من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " (1).
قال فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الاولى، والشافعي على رأس المائة الثانية.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا جعفر بن سليمان عن نصر بن معبد الكندي - أو العبدي - عن الجارود عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملا الارض علما، اللهم إنك إذ أذقت أولها عذابا ووبالا فأذق آخرها نوالا ".
وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه (2).
قال أبو نعيم عبد الملك بن محمد
الاسفراييني: لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعي.
حكاه الخطيب.
وقال يحيى بن معين عن الشافعي: هو صدوق لا بأس به.
وقال مرة: لو كان الكذب له مباحا مطلقا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب.
وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول: الشافعي فقيه البدن، صدوق اللسان.
وحكى بعضهم عن أبي زرعة أنه قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه.
وحكى عن أبي داود نحوه.
وقال إمام الائمة محمد بن إسحاق بن خزيمة - وقد سئل هل سنة لم تبلغ الشافعي ؟ - فقال: لا.
ومعنى هذا أنها تارة تبلغه بسندها، وتارة مرسلة، وتارة منقطعة كما هو الموجود في كتبه والله أعلم.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: سميت ببغداد ناصر السنة.
وقال أبو ثور: ما رأينا مثل الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه.
وكذا قال الزعفراني وغيره.
وقال داود بن علي الظاهري في كتاب جمعه في فضائل الشافعي: للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره، من شرف نسبه، وصحتة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه، وحفظه الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء وحسن التصنيف، وجودة الاصحاب والتلامذة، مثل أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة.
ثم سرد أعيان أصحابه من البغاددة والمصريين، وكذا عد أبو داود من جملة تلاميذه في الفقه أحمد بن حنبل.
وقد كان الشافعي من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشد الناس نزعا للدلائل منهما، وكان من أحسن الناس قصدا وإخلاصا، كان يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شئ منه أبدا فأوجر عليه ولا يحمدوني.
وقد قال غير واحد عنه: إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقول به، وإن لم تسمعوا مني.
وفي رواية فلا تقلدوني.
وفي رواية فلا تلتفتوا إلى قولي.
وفي رواية فاضربوا بقولي عرض الحائط، فلا قول لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال: لان يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه
__________
(1) أخرجه أبو داود في سنته في كتاب الملاحم باب (1).
(2) روى الامام أحمد بمعناه عن قتادة بن النعمان عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) 6 / 384 وفيه: لا تسبن قريشا فلعلك أن ترى منهم رجالا تزدري عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم...

بشئ من الاهواء.
وفي رواية خير من أن يلقاه بعلم الكلام.
وقال: لو علم الناس ما في الكلام من الاهواء لفروا منه كما يفرون من الاسد.
وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في القبائل وينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.
وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صوابا.
وقال: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جزاهم الله خيرا، حفظوا لنا الاصل، فلهم علينا الفضل.
ومن شعره في هذا المعنى قوله: كل العلوم سوى القرآن مشغلة * إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال: حدثنا * وما سوى ذاك وسواس الشياطين وكان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر.
وقد روى عن الربيع وغير واحد من رؤوس أصحابه ما يدل على أنه كان يمر بآيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف، على طريق السلف.
وقال ابن خزيمة: أنشدني المزني وقال أنشدنا الشافعي لنفسه قوله: ما شئت كان وإن لم أشأ * وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت * ففي العلم يجري الفتى والمسن فمنهم شقي ومنهم سعيد * ومنهم قبيح ومنهم حسن على ذا مننت وهذا خذلت * وهذا أعنت وذا لم تعن وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
وعن الربيع قال: أنشدني الشافعي: قد عوج الناس حتى أحدثوا بدعا * في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل حتى استخف بحق الله أكثرهم * وفي الذي حملوا من حقه شغل وقد ذكرنا من شعره في السنة وكلامه فيها وفيما قال من الحكم والمواعظ طرفا صالحا في الذي كتبناه في أول طبقات الشافعية.
وقد كانت وفاته بمصر يوم الخميس، وقيل يوم الجمعة، في آخر يوم
من رجب سنة أربع ومائتين، وعن أربع وخمسين سنة، وكان أبيض جميلا طويلا مهيبا يخضب بالحناء، مخالفا للشيعة رحمه الله وأكرم مثواه.
وفيها توفي: إسحاق بن الفرات (1).
وأشهب بن عبد العزيز المصري المالكي.
والحسن بن
__________
(1) اسحاق بن الفرات، أبو نعيم التجيبي صاحب مالك وقاضي الديار المصرية.

زياد اللؤلؤي الكوفي الحنفي (1).
وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند، أحد الحفاظ.
وأبو بدر شجاع بن الوليد.
وأبو بكر الحنفي.
وعبد الكريم (2).
وعبد الوهاب بن عطا الخفاف.
والنضر بن شميل أحد أئمة اللغة.
وهشام بن محمد بن السائب الكلبي أحد علماء التاريخ.
ثم دخلت سنة خمس ومائتين فيها ولى المأمون طاهر بن الحسين بن مصعب نيابة بغداد والعراق وخراسان إلى أقصى عمل المشرق، ورضي عنه ورفع منزلته جدا، وذلك لاجل مرض الحسن بن سهل بالسواد.
وولى المأمون مكان طاهر على الرقة والجزيرة يحيى بن معاذ.
وقدم عبد الله بن طاهر بن الحسين إلى بغداد في هذه السنة، وكان أبوه قد استخلفه على الرقة وأمره بمقاتلة نصر بن شبث.
وولى المأمون عيسى بن يزيد الجلودي مقاتلة الزط.
وولى عيسى بن محمد بن أبي خالد أذربيجان.
ومات نائب مصر السري بن الحكم بها، ونائب السند داود بن يزيد، فولى مكانه بشر بن داود على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم.
وحج بالناس فيها عبيد الله بن الحسن نائب الحرمين.
وفيها توفي من الاعيان: إسحاق بن منصور السلولي.
وبشر بن بكر الدمشقي.
وأبو عامر العقدي.
ومحمد بن عبيد الطنافسي.
ويعقوب الحضري.
وأبو سليمان الداراني عبد الرحمن بن عطية، وقيل عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وقيل عبد الرحمن بن عسكر أبو سليمان الداراني، أحد أئمة العلماء العاملين، أصله من واسط سكن قرية غربي دمشق يقال لها داريا.
وقد سمع الحديث من سفيان الثوري وغيره، وروى عنه أحمد بن أبي الحواري وجماعة.
وأسند الحافظ ابن عساكر من طريقه قال: سمعت علي بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد يقول سمعت
إبراهيم بن أدهم يقول سمعت ابن عجلان يذكر عن القعقاع بن حكيم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى قبل الظهر أربعا غفر الله ذنوبه يومه ذلك ".
وقال أبو القاسم القشيري: حكي عن أبي سليمان الداراني قال: اختلفت إلى مجلس قاص فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت لم يبق في قلبي منه شئ، فعدت إليه ثانية فأثر كلامه في قلبي بعدما قمت وفي الطريق، ثم عدت إليه ثالثة فأثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي، فكسرت آلات المخالفات ولزمت الطريق، فحكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال: عصفور اصطاد كركيا - يعني بالعصفور القاص وبالكركي أبا سليمان - وقال أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول: ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يعمل
__________
(1) صاحب أبي حنيفة وقاضي الكوفة كان رأسا في الفقه.
(2) كذا بالاصل، ولعل الصواب أبو بكر الحنفي، واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله البصري، ثقة مشهور صاحب حديث (شذرات الذهب.
تقريب التهذيب).

به حتى يسمع به في الاثر، فإذا سمع به في الاثر عمل به فكان نورا على نور.
وقال الجنيد: قال أبو سليمان ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة.
قال: وقال أبو سليمان: أفضل الاعمال خلاف هوى النفس.
وقال لكل شئ علم وعلم الخذلان ترك البكاء من خشية الله.
وقال: لكل شئ صدأ وصدأ نور القلب شبع البطن.
وقال كل ما شغلك عن الله من أهل أو مال أو ولد فهو شؤم.
وقال: كنت ليلة في المحراب أدعو ويداي ممدودتان فغلبني البرد فضممت إحداهما وبقيت الاخرى مبسوطة أدعو بها، وغلبتني عيني فنمت فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الاخرى لوضعنا فيها.
قال: فآليت على نفسي ألا أدعو إلا ويداي خارجتان، حرا كان أو بردا.
وقال: نمت ليلة عن وردي فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام ؟ وقال أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول: إن في الجنة أنهارا على شاطئيها خيام فيهن الحور، ينشئ الله خلق الحوراء إنشاء، فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيام، الواحدة منهن جالسة على كرسي من ذهب ميل في ميل، قد خرجت عجيزتها
من جانب الكرسي، فيجئ أهل الجنة من قصورهم يتنزهون على شاطئ تلك الانهار ما شاؤوا ثم يخلو كل رجل بواحدة منهن.
قال أبو سليمان: كيف يكون في الدنيا حال من يريد افتضاض الابكار على شاطئ تلك الانهار في الجنة.
وقال: سمعت أبا سليمان يقول: ربما مكثت خمس ليال لا أقرأ بعد الفاتحة بآية واحدة أتفكر في معانيها، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير العقل، فسبحان من يرده بعد.
وسمعته يقول: أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عزوجل، ومفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع.
وقال لي يوما: يا أحمد جوع قليل وعري قليل وفقر قليل وصبر قليل وقد انقضت عنك أيام الدنيا.
وقال أحمد: اشتهى أبو سليمان يوما رغيفا حارا بملح فجئته به فعض منه عضة ثم طرحه وأقبل يبكي ويقول: يا رب عجلت لي شهوتي، لقد أطلعت جهدي وشقوتي وأنا تائب ؟ فلم يذق الملح حتى لحق بالله عزوجل.
قال: وسمعته يقول: ما رضيت عن نفسي طرفة عين، ولو أن أهل الارض اجتمعوا على أن يضعوني كاتضاعي عن نفسي ما قدروا.
وسمعته يقول: من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة.
وسمعته يقول: من حسن ظنه بالله ثم لم يخفه ويطعه فهو مخدوع.
وقال: ينبغي للخوف أن يكون على العبد أغلب الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فسد القلب.
وقال لي يوما: هل فوق الصبر منزلة ؟ فقلت: نعم - يعني الرضا - فصرخ صرخة غشي عليه ثم أفاق فقال: إذا كان الصابرون يوفون أجرهم بغير حساب، فما ظنك بالاخرى وهم الذين رضي عنهم.
وقال: ما يسرني أن لي الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها أنفقه في وجوه البر، وإني أغفل عن الله طرفة عين.
وقال: قال زاهد لزاهد: أوصني، فقال: لا يراك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، فقال: زدني.
فقال: ما عندي زيادة.
وقال من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة أذهبها الله من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له.
وقال: إذا سكنت الدنيا

القلب ترحلت منه الآخرة، وإذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة، لان الدنيا لئيمة والآخرة كريمة، وما ينبغي لكريم أن يزاحم لئيما.
وقال أحمد بن أبي الحواري: بت ليلة عند أبي سليمان فسمعته يقول: وعزتك وجلالك لئن طالبتني بذنوبي لاطالبنك بعفوك، ولئن طابتني ببخلي لاطالبنك بكرمك، ولئن أمرت بي إلى النار لاخبرن أهل النار أني أحبك.
وكان يقول: لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي.
وكان يقول: ما خلق الله خلقا أهون علي من إبليس، ولو لا أن الله أمرني أن أتعوذ منه ما تعوذت منه أبدا، ولو تبدى لي ما لطمت إلا صفحة وجهه وقال: إن اللص لا يجئ إلى خربة ينقب حيطانها وهو قادر على الدخول إليها من أي مكان شاء وإنما يجئ إلى البيت المعمور، كذلك إبليس لا يجئ إلا إلى كل قلب عامر ليستنزله وينزله عن كرسيه ويسلبه أعز شئ.
وقال: إذا أخلص العبد انقطعت عنه الوساوس والرؤيا.
وقال: الرؤيا - يعني الجنابة - وقال: مكثت عشرين سنة لم أحتلم فدخلت مكة ففاتتني صلاة العشاء جماعة فاحتلمت تلك الليلة.
وقال: إن من خلق الله قوما لا يشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه فكيف يشتغلون بالدنيا عنه ؟ وقال: الدنيا عند الله أقل من جناح بعوضة فما الزهد فيها، وإنما إلزهد في الجنان والحور العين، حتى لا يرى الله في قلبك غيره.
وقال الجنيد: شئ يروى عن أبي سليمان أنا أستحسنته كثيرا.
قوله: من اشتغل بنفسه شغل عن الناس، ومن اشتغل بربه شغل عن نفسه وعن الناس.
وقال: خير السخاء ما وافق الحاجة.
وقال: من طلب الدنيا حلالا واستغناء عن المسألة واستغناء عن الناس لقي الله يوم يلقاه ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالا مفاخرا ومكاثرا لقي الله يوم يلقاه وهو عليه غضبان.
وقد روي نحو هذا مرفوعا.
وقال: إن قوما طلبوا الغنى في المال وجمعه فأخطأوا من حيث ظنوا، ألا وإنما الغنى في القناعة، وطلبوا الراحة في الكثرة وإنما الراحة في القلة، وطلبوا الكرامة من الخلق وإنما هي في التقوى، وطلبوا التنعم في اللباس الرقيق اللين، والطعام الطيب، والمسكن الانيق المنيف، وإنما هو في الاسلام والايمان والعمل الصالح والستر والعافية وذكر الله.
وقال: لو لا قيام الليل ما أحببت البقاء في الدنيا وما أحب الدنيا لغرس الاشجار ولا لكرى الانهار.
وإنما أحبها لصيام الهواجر وقيام الليل.
وقال: أهل الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم.
وقال: ربما استقبلني الفرح في جوف الليل، وربما رأيت القلب يضحك ضحكا.
وقال: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل
هذا إنهم لفي عيش طيب.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: بينا أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بها - يعني الحوراء - قد ركضتني برجلها فقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم ؟ بؤسا لعين آثرت لذة نومة على لذة مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد ؟ ! حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وأنا أتربى لك في الخدور منذ كذا

وكذا ؟ قال: فوثبت فزعا وقد عرقت حياء من توبيخها إياي، وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
وقال أحمد: دخلت على أبي سليمان فإذا هو يبكي فقلت: ما لك ؟ فقال: زجرت البارحة في منامي.
قلت: ما الذي زجرك ؟ قال: بينا أنا نائم في محرابي إذا وقفت علي جارية تفوق الدنيا حسنا، وبيدها ورقة وهي تقول: أتنام يا شيخ ؟ فقلت: من غلبت عينه نام قالت: كلا إن طالب الجنة لا ينام، ثم قالت: أتقرأ ؟ قلت: نعم، فأخذت الورقة من يدها فإذا فيها مكتوب: لهت بك لذة عن حسن عيش * مع الخيرات في غرف الجنان تعيش مخلدا لا موت فيها * وتنعم في الجنان مع الحسان تيقظ من منامك إن خيرا * من النوم التهجد في القران وقال أبو سليمان: أما يستحي أحدكم أن يلبس عباءة بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة دراهم ؟ وقال أيضا: لا يجوز لاحد أن يظهر للناس الزهد والشهوات في قلبه، فإذا لم يبق في قلبه شئ من الشهوات جاز له أن يظهر إلى الناس الزهد بلبس العبا فإنها علم من أعلام الزهاد، ولو لبس ثوبين أبيضين ليستر بهما أبصار الناس عنه وعن زهده كان أسلم لزهده من لبس العبا.
وقال: إذا رأيت الصوفي يتنوق في لبس الصوف فليس بصوفي، وخيار هذه الامة أصحاب القطن، أبو بكر الصديق وأصحابه، وقال غيره: إذا رأيت ضوء الفقير في لباسه فاغسل يديك من فلاحه.
وقال أبو سليمان: الاخ الذي يعظك برؤيته قبل كلامه، وقد كنت أنظر إلى الاخ من أصحابي بالعراق فانتفع برؤيته شهرا.
وقال أبو سليمان قال الله تعالى: عبدي إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت
بقاع الارض ذنوبك ومحوت زلاتك من أم الكتاب ولم أناقشك الحساب يوم القيامة.
وقال أحمد: سألت أبا سليمان عن الصبر فقال: والله إنك لا تقدر عليه في الذي تحب فكيف تقدر عليه فيما تكره ؟ وقال أحمد تنهدت عنده يوما فقال: إنك مسؤول عنها يوم القيامة، فإن كانت على ذنب سلف فطوبى لك، وإن كانت على فوت دنيا أو شهوة فويل لك.
وقال إنما رجع من رجع من الطريق قبل وصول، ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا.
وقال إنما عصى الله من عصاه لهوانهم عليه، ولو عزوا عليه وكرموا لحجزهم عن معاصيه وحال بينهم وبينها.
وقال: جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيهم خصالا الكرم والحلم والعلم والحكمة والرأفة والرحمة والفضل والصفح والاحسان والبر والعفو واللطف.
وذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب محن المشايخ أن أبا سليمان الداراني أخرج من دمشق وقالوا: إنه يرى الملائكة ويكلمونه، فخرج إلى بعض الثغور فرأى بعض أهل الشام في منامه أنه إن لم يرجع إليهم هلكوا.
فخرجوا في طلبه وتشفعوا له وتذللوا له حتى ردوه.
وقد اختلف الناس في وفاته على أقوال فقيل: مات سنة أربع ومائتين، وقيل سنة خمس ومائتين، وقيل خمس عشرة ومائتين، وقيل سنة خمس وثلاثين ومائتين فالله أعلم.
وقد قال مروان الطاطري يوم مات أبو سليمان: لقد أصيب به أهل الاسلام كلهم.
قلت: وقد دفن في قرية داريا في

قبلتها، وقبره بها مشهور وعليه بناء، وقبلته مسجد بناه الامير ناهض الدين عمر النهرواني، ووقف على المقيمين عنده وقفا يدخل عليهم منه غلة، وقد جدد مزاره في زماننا هذا ولم أر ابن عساكر تعرض لموضع دفنه بالكلية، وهذا منه عجيب.
وروى ابن عساكر عن أحمد بن أبي الحواري قال كنت أشتهي أن أرى أبا سليمان في المنام فرأيته بعد سنة فقلت له: ما فعل الله يا معلم ؟ فقال: يا أحمد دخلت يوما من باب الصغير فرأيت حمل شيخ فأخذت منه عودا فما أدري تخللت به أو رميته، فأنا في حسابه إلى الآن.
وقد توفي ابنه سليمان بعده بنحو من سنتين رحمهما الله تعالى.
ثم دخلت سنة ست ومائتين فيها ولى المأمون داود بن ماسجور بلاد البصرة وكور دجلة واليمامة والبحرين، وأمره بمحاربة
الزط.
وفيها جاء مد كثير فغرق أرض السواد وأهلك للناس شيئا كثيرا.
وفيها ولى المأمون عبد الله بن طاهر بن الحسين أرض الرقة وأمره بمحاربة نصر بن شبث، وذلك أن نائبها يحيى بن معاذ مات وقد كان استخلف مكانه ابنه أحمد فلم يمض ذلك المأمون، واستناب عليها عبد الله بن طاهر لشهامته وبصره بالامور، وحثه على قتال نصر بن شبث، وقد كتب إليه أبوه من خراسان بكتاب فيه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واتباع الكتاب والسنة.
وقد ذكره ابن جرير بطوله (1)، وقد تداوله الناس بينهم واستحسنوه وتهادوه بينهم، حتى بلغ أمره إلى المأمون فأمر فقرئ بين يديه فاستجاده جدا، وأمر أن يكتب به نسخ إلى سائر العمال في الاقاليم.
وحج بالناس عبيد الله بن الحسن نائب الحرمين.
وفيها توفي إسحاق بن بشر الكاهلي أبو حذيفة صاحب كتاب المتبدأ.
وحجاج بن محمد الاعور (2).
وداود بن المحبر الذي وضع كتاب العقل.
وسبابة بن سوار (شبابة) ومحاضر بن المورع (3).
وقطرب صاحب المثلث في اللغة.
ووهب بن جرير (4) ويزيد بن هارون شيخ الامام أحمد.
ثم دخلت سنة سبع ومائتين فيها خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ببلاد عك في
__________
(1) نسخة كتاب طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله بعد خروجه لقتال نصر بن شبث في الطبري 10 / 258 - 264.
(2) المصيصي صاحب ابن جريج وأحد الحفاظ الثقات المتقنين المكثرين الضابطين مات في ربيع الاول قال أحمد: ما كان أصح حديثه وأضبطه وأشد تعاهده للحروف.
(3) من تقريب التهذيب، وفي ابن الاثير الموزع، صدوق له أوهام قال أبو حاتم ليس بالقوي وقد خرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
(4) ابن حازم الازدي البصري الحافظ روى عن أبيه وابن عون وعدة.

اليمن يدعو إلى الرضى من آل محمد، وذلك لما أساء العمال السيرة وظلموا الرعايا، فلما ظهر بايعه الناس فبعث إليه المأمون دينار بن عبد الله في جيش كثيف ومعه كتاب أمان لعبد الرحمن هذا إن هو سمع وأطاع، فحضروا الموسم ثم ساروا إلى اليمن وبعثوا بالكتاب إلى عبد الرحمن فسمع وأطاع وجاء
حتى وضع يده في يد دينار، فساروا به إلى بغداد ولبس السواد فيها.
وفي هذه السنة توفي طاهر بن الحسين بن مصعب نائب العراق وخراسان بكمالها، وجد في فراشه ميتا بعد ما صلى العشاء الآخرة والتف في الفراش، فاستبطأ أهله خروجه لصلاة الفجر فدخل عليه أخوه وعمه فوجداه ميتا، فلما بلغ موته المأمون قال: لليدين وللفم الحمد لله الذي قدمه وأخرنا.
وذلك أنه بلغه أن طاهرا خطب يوما ولم يدع للمأمون فوق المنبر، ومع هذا ولى ولده عبد الله مكانه وأضاف إليه زيادة على ما كان ولاه أباه الجزيرة والشام نيابة فاستخلف على خراسان أخاه طلحة بن طاهر سبع سنين، ثم توفي طلحة فاستقل عبد الله بجميع تلك البلاد، وكان نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم وكان طاهر بن الحسين هو الذي انتزع بغداد والعراق من يد الامين وقتله، وقد دخل طاهر يوما على المأمون فسأله حاجة فقضاها له، ثم نظر إليه المأمون وغرورقت عيناه فقال له طاهر: ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ فلم يخبره، فأعطى طاهر حسينا الخادم مائتي ألف درهم حتى استعلم له مما بكى أمير المؤمنين فأخبره المأمون وقال لا تخبر به أحدا [ وإلا ] أقتلك، إني ذكرت قتله لاخي وما ناله من الاهانة على يدي طاهر، ووالله لا تفوته مني.
فلما تحقق طاهر ذلك سعى في النقلة من بين يدي المأمون، ولم يزل حتى ولاه خراسان وأطلق له خادما من خدامه، وعهد المأمون إلى الخادم إن رأى منه شيئا يريبه أن يسمه، ودفع إليه سما لا يطاق.
فلما خطب طاهر ولم يدع للمأمون سمه الخادم في كامخ فمات من ليلته.
وقد كان طاهر هذا يقال له ذو اليمينين، وكان أعور بفرد عين.
فقال فيه عمرو بن نباتة: يا ذا اليمينين وعين واحده * نقصان عين ويمين زائده واختلف في معنى قوله ذو اليمينين فقيل لانه ضرب رجلا بشماله فقده نصفين، وقيل لانه ولي العراق وخراسان.
وقد كان كريما ممدحا يحب الشعراء ويعطيهم الجزيل، ركب يوما في حراقة فقال فيه شاعر (1): عجبت لحراقة ابن الحسين * لا غرقت كيف لا تغرق وبحران من فوقها واحد * وآخر من تحتها مطبق
وأعجب من ذلك أعوادها * وقد مسها كيف لا تورق ؟
__________
(1) وهو عوف بن محلم كما في طبقات الشعراء: 189.

فأجازه بثلاثة آلاف دينار.
وقال إن زدتنا زدناك.
قال ابن خلكان: وما أحسن ما قاله بعض شعراء في بعض الرؤساء وقد ركب البحر: ولما امتطى البحر ابتهلت تضرعا * إلى الله يا مجري الرياح بلطفه جعلت الندا من كفه مثل موجه * فسلمه واجعل موجه مثل كفه مات طاهر بن الحسين هذا يوم السبت لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع ومائتين، وكان ولده سنة سبع وخمسين، وكان الذي سار إلى ولده عبد الله إلى الرقة يعزيه في أبيه ويهنيه بولاية تلك لبلاد، القاضي يحيى بن أكثم عن أمر المأمون.
وفيها غلا السعر ببغداد والكوفة والبصرة، حتى بلغ سعر القفيز من الحنطة أربعين درهما.
وفيها حج بالناس أبو علي بن الرشيد أخو المأمون.
وفيها توفي بشر بن عمر الزهراني.
وجعفر بن عون (1).
وعبد الصمد بن عبد الوارث (2).
قراد أبو نوح (3).
وكثير بن هشام (4).
ومحمد بن كناسة (5).
ومحمد بن عمر الواقدي قاضي بغداد صاحب السير والمغازي.
وأبو النضر هاشم بن القاسم (6).
والهيثم بن عدي صاحب التصانيف.
يحيى بن زياد بن عبد الله بن منصور أبو زكريا الكوفي نزيل بغداد مولى بني سعد المشهور بالفراء شيخ النحاة واللغويين والقراء، كان فقال له أمير المؤمنين في النحو، وروى الحديث عن حازم بن الحسن البصري عن مالك بن دينار عن نس بن مالك.
قال: " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان مالك يوم الدين بألف " رواه لخطيب قال: وكان ثقة إماما.
وذكر أن المأمون أمره بوضع كتاب في النحو فأملاه وكتبه الناس عنه، أمر المأمون بكتبه في الخزائن، وأنه كان يؤدب ولديه وليي العهد من بعده، فقام يوما فابتدراه أيهما يقدم نعليه، فتنازعا في ذلك ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما نعلا، فأطلق لهما أبوهما عشرين
__________
(1) أبو عون المخزومي العمري الكوفي سمع من الاعمش والكبار قال أبو حاتم: صدوق.
مات عن نيف وتسعين
سنة.
(2) أبو سهل التميمي التنوري كان ثقة صاحب حديث روى عن أبيه وهشام الدستوائي وشعبة، محدث البصرة وأحد الثقات.
(3) بالاصل ابن نوح تحريف، وهو عبد الرحمن بن غزوان الضبي الخزاعي المعروف بقراد.
قال أحمد: كان عاقلا من الرجال، وقال ابن المديني: ثقة.
وقال ابن معين: ليس به بأس.
توفي ببغداد.
(4) الكلابي الرقي راوية جعفر بن برقان توفي ببغداد في شعبان.
(5) الاسدي النحوي الاخباري الكوفي.
وثقه ابن معين.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به سمع من هشام بن عروة والاعمش.
(6) الخراساني نزل بغداد كان حافظا، شيخا لاحمد بن حنبل وهو ثقة.

ألف دينار، وللفراء عشرة آلاف درهم.
وقال له: لا أعز منك إذ يقدم نعليك ولدا أمير المؤمنين وولي العهد من بعده.
وروي أن بشر المريسي أو محمد بن الحسن سأل الفراء عن رجل سها في سجدتي السهو فقال: لا شئ عليه.
قال: ولم ؟ قال: لان أصحابنا قالوا المصغر لا يصغر.
فقال: ما رأيت أن امرأة تلد مثلك.
والمشهور أن محمدا هو الذي سأله عن ذلك وكان ابن خالة الفراء، وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: توفي الفراء سنة سبع ومائتين.
قال الخطيب: كانت وفاته ببغداد، وقيل بطريق مكة، وقد امتدحوه وأثنوا عليه في مصنفاته.
ثم دخلت سنة ثمان ومائتين فيها ذهب الحسن بن الحسين بن مصعب أخو طاهر فارا من خراسان إلى كرمان فعصي بها، فسار إليه أحمد بن أبي خالد فحاصره حتى نزل قهرا، فذهب به إلى المأمون فعفا عنه فاستحسن ذلك منه.
وفيها استعفى محمد بن سماعة من القضاء فأعفاه المأمون وولى مكانه إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة.
وفيها ولى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزومي القضاء بعسكر المهدي في شهر المحرم، ثم عزله عن قريب وولى مكانه بشر بن سعيد بن الوليد الكندي في شهر ربيع الاول منها، فقال المخزومي
في ذلك: ألا أيها الملك الموحد ربه * قاضيك بشر بن الوليد حمار ينفي شهادة من يدين بما به * نطق الكتاب وجاءت الاخبار ويعد عدلا من يقول بأنه * شيخ تحيط بجسمه الاقطار وفيها حج بالناس صالح بن هارون الرشيد عن أمر أخيه المأمون.
وفيها توفي من الاعيان: الاسود بن عامر (1).
وسعيد بن عامر (2).
وعبد الله بن بكر أحد مشايخ الحديث.
والفضل بن الربيع الحاجب.
ومحمد بن مصعب (3).
وموسى بن محمد الامين الذي كان قد ولاه العهد من بعده ولقبه بالناطق فلم يتم له أمره حتى قتل أبوه وكان ما كان كما تقدم.
ويحيى بن أبي بكير (4).
ويحيى بن حسان (5).
ويعقوب بن إبراهيم الزهري.
ويونس بن محمد المؤدب.
__________
(1) شاذان أبو عبد الرحمن كان ثقة حافظا توفي ببغداد.
(2) الضبعي أبو محمد البصري أحد الاعلام في العلم والعمل، قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أفضل منه.
(3) القرقساني روى عن الاوزاعي واسرائيل وضعفه النسائي وغيره.
(4) الكرماني كوفي الاصل نزل بغداد ثقة حدث عن شعبة وأبي بكر الرازي والكبار.
(5) التنيسي أبو زكريا كان إماما حجة من جلة المصريين روى عن حماد بن سلمة وطائفة.

وفاة السيدة نفيسة وهي نفيسة بنت أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، القرشية الهاشمية، كان أبوها نائبا للمنصور على المدينة النبوية خمس سنين، ثم غضب المنصور عليه فعزله عنها وأخذ منه كل ما كان يملكه وما كان جمعه منها، وأودعه السجن ببغداد.
فلم يزل به حتى توفي المنصور فأطلقه المهدي وأطلق له كل ما كان أخذ منه، وخرج معه إلى الحج في سنة ثمان وستين ومائة، فلما كان بالحاجر (1) توفي عن خمس وثمانين سنة.
وقد روى له النسائي حديثه عن عكرمه عن ابن عباس " أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم ".
وقد ضعفه ابن معين وابن عدي، ووثقه ابن حبان.
وذكره الزبير بن بكار وأثنى عليه في رياسته وشهامته.
والمقصود أن ابنته نفيسة دخلت الديار المصرية مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر، فأقامت بها وكانت ذات مال فأحسنت إلى الناس والجذمى والزمنى والمرضى وعموم الناس، وكانت عابدة زاهدة كثيرة الخير.
ولما ورد الشافعي مصر أحسنت إليه وكان ربما صلى بها في شهر رمضان.
وحين مات أمرت بجنازته فأدخلت إليها المنزل فصلت عليه.
ولما توفيت عزم زوجها إسحاق بن جعفر أن ينقلها إلى المدينة النبوية فمنعه أهل مصر من ذلك وسألوه أن يدفنها عندهم، فدفنت في المنزل الذي كانت تسكنه بمحلة كانت تعرف قديما بدرب السباع بين مصر والقاهرة، وكانت وفاتها في شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكره ابن خلكان.
قال: ولاهل مصر فيها اعتقاد.
قلت: وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدا، ولا سيما عوام مصر فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز.
وربما نسبها بعضهم إلى زين العابدين وليست من سلالته.
والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الاصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام.
ومن زعم أنها تفك من الخشب أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك.
رحمها الله وأكرمها.
الفضل بن الربيع ابن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة كيسان مولى عثمان بن عفان، كان الفضل هذا متمكنا من الرشيد، وكان زوال دولة البرامكة على يديه، وقد وزر مرة للرشيد، وكان شديد التشبه بالبرامكة، وكانوا يتشبهون به، فلم يزل يعمل جهده فيهم حتى هلكوا كما تقدم.
وذكر ابن خلكان أن الفضل هذا دخل يوما على يحيى بن خالد وابنه جعفر يوقع بين يديه، مع الفضل عشر قصص فلم يقض له منها واحدة، فجمعهن الفضل بن الربيع وقال: ارجعن خائبات خاسئات ثم نهض وهو يقول:
__________
(1) الحاجر: موضع على خمسة أميال من المدينة.

عسى وعسى يثني الزمان عنانه * بتصريف حال والزمان عثور فتقضى لبانات وتشفى حزائز (1) * وتحدث من بعد الامور أمور فسمعه الوزير يحيى بن خالد فقال له: أقسمت عليك لما رجعت، فأخذ منه القصص فوقع عليها.
ثم لم يزل يحفر خلفهم حتى تمكن منهم وتولى الوزارة بعدهم، وفي ذلك يقول أبو نواس (2): ما رعى الدهر آل برمك لما * أن رمى ملكهم بأمر فظيع إن دهرا لم يرع ذمة (3) ليحيى * غير راع ذمام آل الربيع ثم وزر بعد الرشيد لابنه الامين فلما دخل المأمون بغداد اختفى فأرسل له المأمون أمانا فخرج فجاء فدخل على المأمون بعد اختفاء مدة فأمنه، ثم لم يزل خاملا حتى مات في هذه السنة، وله ثمان وستون سنة.
ثم دخلت سنة تسع ومائتين فيها حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبث بعد ما حاربه خمس سنين وضيق عليه جدا حتى ألجأه إلى أن طلب منه الامان، فكتب ابن طاهر إلى المأمون يعلمه بذلك، فأرسل إليه أن يكتب له أمانا عن أمير المؤمنين.
فكتب له كتاب أمان فنزل فأمر عبد الله بتخريب المدينة التي كان متحصنا بها، وذهب شره، وفيها جرت حروب مع بابك الخرمي فأسر بابك بعض أمراء الاسلام وأحد مقدمي العساكر، فاشتد ذلك على المسلمين.
وفيها حج بالناس صالح بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وهو والي مكة.
وفيها توفي ملك الروم ميخائيل بن نقفور (جرجس) وكان له عليهم تسع سنين، فملكوا عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل.
وفيها توفي من مشايخ الحديث: الحسن بن موسى الاشيب (4)، وأبو علي الحنفي (5).
وحفص بن عبد الله قاضي نيسابور.
وعثمان بن عمر بن فارس.
ويعلى بن عبيد الطنافسي (6).
__________
(1) في وفيات الاعيان 4 / 38: حسائف.
(2) في مروج الذهب 3 / 467: قال أبو حزرة، قال: وقيل أبو نواس.
(3) في مروج الذهب: حقا، وفي وفيات الاعيان: عهدا.
(4) أبو علي البغدادي قاضي طبرستان بعد قضاء الموصل وكان ثقة مشهورا روى عن شعبة وحريز بن عثمان وطائفة.
(5) واسمه عبيد الله بن عبد الحميد البصري روى عن قرة بن خالد ومالك بن مغول.
(6) أبو يوسف الكوفي روى عن الاعمش ويحيى بن سعيد الانصاري والكبار.
قال أحمد بن يونس: ما رأيت أفضل منه.

ثم دخلت سنة عشر ومائتين في صفر منها دخل نصر بن شبث بغداد، بعثه عبد الله بن طاهر فدخلها ولم يتلقاه أحد من الجند بل دخلها وحده، فأنزل في المدينة أبي جعفر ثم حول إلى موضع آخر.
وفي هذا الشهر ظفر المأمون بجماعة من كبراء من كان بايع إبراهيم بن المهدي فعاقبهم وحبسهم في المطبق، ولما كان ليلة الاحد لثلاث عشرة من ربيع الآخر اجتاز إبراهيم بن المهدي - وكان مختفيا مدة ست سنين وشهورا متنقبا في زي امرأة ومعه امرأتان - في بعض دروب بغداد في أثناء الليل، فقام الحارس فقال: إلى أين هذه الساعة ؟ ومن أين ؟ ثم أراد أن يمسكهن فأعطاه إبراهيم خاتما كان في يده من ياقوت، فلما نظر إليه استراب وقال: إنما هذا خاتم رجل كبير الشأن، فذهب بن إلى متولي الليل فأمرهن أن يسفرن عن وجوههن، فتمنع إبراهيم فكشفوا عن وجهه فإذا هو هو، فعرفه فذهب به إلى صاحب الجسر فسلمه إليه فرفعه الآخر إلى باب المأمون، فأصبح في دار الخلافة ونقابه على رأسه والملحفة في صدره ليراه الناس، وليعملوا كيف أخذ.
فأمر المأمون بالاحتفاظ به والاحتراس عليه مدة، ثم أطلقه ورضي عنه.
هذا وقد صلب جماعة ممن كان سجنهم بسببه لكونهم أرادوا الفتك بالموكلين بالسجن، فصلب منهم أربعة.
وقد ذكروا أن إبراهيم لما وقف بين يدي المأمون أنبه على ما كان منه فترقق له عمه إبراهيم كثيرا، وقال: يا أمير المؤمنين إن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك.
فقال: بل أعفو يا إبراهيم إن القدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة وبينهما عفو الله عزوجل، وهو أكبر مما تسأله، فكبر إبراهيم
وسجد شكرا لله عزوجل.
وقد امتدح إبراهيم بن المهدي ابن أخيه المأمون بقصيدة بالغ فيها، فلما سمعها المأمون قال: أقول كما قال يوسف لاخوته (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) [ يوسف: 92 ] وذكر ابن عساكر أن المأمون لما عفا عن عمه إبراهيم أمره أن يغنيه شيئا فقال: إني تركته.
فأمره فأخذ العود في حجره وقال: هذا مقام سرور خربت منازله ودوره * نمت عليه عداته كذبا فعاقبه أميره ثم عاد فقال: ذهبت من الدنيا وقد ذهبت عني * لوى الدهر بي عنها وولى بها عني فإن أبك نفسي أبك نفسا عزيزة * وإن أحتقرها أحتقرها على ضغن وإني وإن كنت المسئ بعينه * فإني بربي موقن حسن الظن عدوت على نفسي فعاد بعفوه * علي فعاد العفو منا على من

فقال المأمون: أحسنت يا أمير المؤمنين حقا.
فرمى العود من حجره ووثب قائما فزعا من هذا الكلام، فقال له المأمون: اجلس واسكن مرحبا بك وأهلا، لم يكن ذلك لشئ تتوهمه، ووالله لا رأيت طول أيام شيئا تكرهه.
ثم أمر له بعشرة آلاف دينار وخلع عليه، ثم أمر له برد جميع ما كان له من الاموال والضياع والدور فردت إليه، وخرج من عنده مكرما معظما.
عرس بوران وفي رمضان منها بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، وقيل إنه خرج في رمضان إلى معسكر الحسن بن سهل بفم الصلح، وكان الحسن قد عوفي من مرضه، فنزل المأمون عنده بمن معه من وجوه الامراء والرؤساء وأكابر بني هاشم، فدخل ببوران في شوال من هذه السنة في ليلة عظيمة وقد أشعلت بين يديه شموع العنبر، ونثر على رأسه الدر والجوهر، فوق حصر منسوجة بالذهب الاحمر.
وكان عدد الجوهر منه ألف درة، فأمر به فجمع في صينية من ذهب كان الجوهر فيها فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا
نثرناه لتتلقطه الجواري، فقال: لا أنا أعوضهن من ذلك.
فجمع كله، فلما جاءت العروس ومعها جدتها [ أم الفضل و ] (1) زبيدة أم أخيه الامين - من جملة من جاء معها - فأجلست إلى جانبه فصب في حجرها ذلك الجوهر وقال: هذا نحلة مني إليك وسلي حاجتك، فأطرقت حياء.
فقالت جدتها: كلمي سيدك وسليه حاجتك فقد أمرك.
فقالت: يا أمير المؤمنين أسألك أن ترضى عن عمك إبراهيم بن المهدي، وأن ترده إلى منزلته التي كان فيها، فقال: نعم ! قالت: وأم جعفر - تعني زبيدة - تأذن لها في الحج.
قال: نعم ! فخلعت عليها زبيدة بذلتها الاميرية (2) وأطلقت له قرية مقورة.
وأما والد العروس الحسن بن سهل فإنه كتب أسماء قراه وضياعه وأملاكه في رقاع ونثرها على الامراء ووجوه الناس، فمن وقعت بيده رقعة في قرية منها بعث إلى القرية التي فيها نوابه فسلمها إليه ملكا خالصا.
وأنفق على المأمون ومن كان معه من الجيش في مدة إقامته عنده سبعة عشر يوما ما يعادل خمسين ألف ألف درهم.
ولما أراد المأمون الانصراف من عنده أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه البلد الذي هو نازل بها، وهو إقليم فم الصلح (3) مضافا إلى ما بيده من الاقطاعات.
ورجع المأمون إلى بغداد في أواخر شوال من هذه السنة.
وفي هذه السنة ركب عبد الله بن طاهر إلى مصر فاستنقذها بأمر المأمون من يد عبيد الله بن السري بن الحكم المتغلب عليها، واستعادها منه بعد حروب يطول ذكرها.
وفيها توفي من الاعيان أبو عمرو الشيباني اللغوي واسمه إسحاق بن مرار.
ومروان بن محمد الطاطري (4).
ويحيى بن إسحاق والله سبحانه أعلم.
__________
(1) من ابن الاثير 6 / 395، وقد سقطت من الاصل فجاء المعنى مختلفا.
(2) في الطبري: الاموية، وفي ابن الاثير 6 / 395: اللؤلؤية الاموية.
(3) فم الصلح: نهر كبير، يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة، وقيل: بلدة على دجلة قريبة من واسط.
(4) الطاطري: لقب من يبيع ثياب الكرابيس بدمشق، وهو أبو بكر الدمشقي كان إماما ثقة متقنا صالحا خاشعا.

ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين فيها توفي أبو الجواب (1).
وطلق بن غنام (2).
وعبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب المصنف
والمسند.
وعبد الله بن صالح العجلي (3).
أبو العتاهية الشاعر المشهور واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان أصله من الحجاز، وقد كان تعشق جارية للمهدي اسمها عتبة، وقد طلبها منه غير مرة فإذا سمح له بها لم ترده الجارية، وتقول للخليفة: أتعطيني لرجل دميم الخلق كان يبيع الجرار ؟ فكان يكثر التغزل فيها، وشاع أمره واشتهر بها، وكان المهدي يفهم ذلك منه.
واتفق في بعض الاحيان أن المهدي استدعى الشعراء إلى مجلسه وكان فيهم أبو العتاهية وبشار بن برد الاعمى، فسمع صوت أبي العتاهية.
فقال بشار لجليسه: أثم ههنا أبو العتاهية ؟ قال: نعم فانطلق يذكر قصيدته فيها التي أولها: ألا ما لسيدتي ما لها * أدلت فأجمل إدلالها فقال بشار لجليسه: ما رأيت أجسر من هذا.
حتى انتهى أبو العتاهية إلى قوله: أتته الخلافة منقادة * إليه تجرر أذيالها فلم تك تصلح إلا له * ولم يك يصلح إلا لها ولو رامها أحد غيره * لزلزلت الارض زلزالها ولو لم تطعه بنات القلوب * لما قبل الله أعمالها فقال بشار لجليسه: انظروا أطار الخليفة عن فراشه أم لا ؟ قال: فوالله ما خرج أحد من الشعراء يومئذ بجائزة غيره.
قال ابن خلكان: اجتمع أبو العتاهية بأبي نواس - وكان في طبقته وطبقة بشار - فقال أبو العتاهية لابي نواس: كم تعمل في اليوم من الشعر ؟ قال: بيتا أو بيتين.
فقال: لكني أعمل المائة والمائتين.
فقال أبو نواس: لعلك تعمل مثل قولك: يا عتب ما لي ولك * يا ليتني لم أرك ولو عملت أنا مثل هذا لعملت الالف والالفين وأنا أعمل مثل قولي:
__________
(1) وهو أحوص بن جواب الكوفي.
قال في المغني: صدوق، وقال ابن معين: ليس بذاك القوي وقال أبو حاتم: صدوق.
(2) النخعي الكوفي روى عن مالك بن مغول أقدم من مات من شيوخ البخاري.
(3) العجلي الكوفي المقرئ المحدث نزيل المغرب سمع من اسرائيل وطبقته.

من كف ذات حر في زي ذي ذكر * لها محبان: لوطي وزناء ولو أردت مثلي لاعجزك الدهر.
قال ابن خلكان: ومن لطيف شعر أبي العتاهية: إني (1) صبوت إليك حت * تى صرت من فرط التصابي يجد الجليس إذا دنا * ريح التصابي في ثيابي وكان مولده سنة ثلاثين ومائة.
وتوفي يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وقيل ثلاث عشرة ومائتين، وأوصى أن يكتب على قبره ببغداد: إن عيشا يكون آخره المو * ت لعيش معجل التنغيص ثم دخلت سنة ثنتي عشرة ومائتين فيها وجه المأمون محمد بن حميد الطوسي على طريق الموصل لمحاربة بابك الخرمي في أرض أذربيجان، فأخذ جماعة من الملتفين عليه فبعث بهم إلى المأمون.
وفي ربيع الاول أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين إحداهما أطم من الاخرى، وهي القول بخلق القرآن، والثانية تفضيل علي بن أبي طالب على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أخطأ في كل منهما خطأ كبيرا فاحشا، وأثم إثما عظيما.
وفيها حج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس العباسي.
وفيها توفي أسد بن موسى الذي يقال له أسد السنة.
والحسن بن جعفر.
وأبو عاصم النبيل واسمه الضحاك بن مخلد (2).
وأبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي الدمشقي (3).
ومحمد بن يوسف (4) الفريابي شيخ البخاري.
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين فيها ثار رجلان عبد السلام وابن جليس فخلعا المأمون واستحوذا على الديار المصرية، وتابعهما طائفة من القيسية واليمانية، فولى المأمون أخا أبا إسحاق نيابة الشام، وولى ابنه العباس نيابة الجزيرة والثغور والعواصم، وأطلق لكل منهما ولعبد الله بن طاهر ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار (5).
__________
(1) في وفيات الاعيان 1 / 223: ولقد.
(2) الشيباني محدث البصرة سمع من يزيد بن أبي عبيد وجماعة من التابعين كان واسع العلم روى عنه أحمد والبخاري وغيرهما وهو ثقة متقن توفي في ذي الحجة وله أكثر من تسعين سنة.
(3) أدركه البخاري وهو ثقة.
محدث حمص سمع الاوزاعي.
(4) من ابن الاثير، وفي الاصل يونس.
مات بقيسارية وهو ثقة ثبت.
(5) في ابن الاثير 6 / 409 درهم، وفي الطبري فكالاصل.

فلم ير يوم أكثر إطلاقا منه، أطلق فيه لهؤلاء الامراء الثلاثة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار.
وفيها ولى السند غسان بن عباد.
وحج بالناس أمير السنة الماضية.
وفيها توفي عبد الله بن داود الجريني (1).
وعبد الله بن يزيد المقري المصري.
وعبد الله (2) بن موسى العبسي.
وعمرو بن أبي سلمة الدمشقي.
وحكى ابن خلكان أن بعضهم قال: وفيها توفي إبراهيم بن ماهان الموصلي النديم.
وأبو العتاهية وأبو عمرو الشيباني النحوي في يوم واحد ببغداد، ولكنه صحح أن إبراهيم النديم توفي سنة ثمان وثمانين ومائة.
قال السهيلي: وفيها توفي عبد الملك بن هشام راوي السيرة عن ابن إسحاق.
حكاه ابن خلكان عنه، والصحيح أنه توفي سنة ثمان عشرة ومائتين.
كما نص عليه أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر.
العكوك الشاعر أبو الحسن بن علي بن جبلة الخراساني يلقب بالعكوك، وكان من الموالي ولد أعمى وقيل بل أصابه جدري وهو ابن سبع سنين، وكان أسود أبرص، وكان شاعرا مطبقا فصيحا بليغا، وقد أثنى عليه في شعره الجاحظ فمن بعده.
قال: ما رأيت بدويا ولا حضريا أحسن إنشاء منه.
فمن ذلك قوله: بأبي من زارني متكتما * حذرا (3) من كل شئ جزعا زائرا نم عليه حسنه * كيف يخفي الليل بدرا طلعا
رصد الخلوة (4) حتى أمكنت * ورعى السامر حتى هجعا ركب الاهوال في زورته * ثم ما سلم حتى رجعا وهو القائل في أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي: إنما الدنيا أبو دلف * بين مغزاه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف * ولت الدنيا على أثره كل من في الارض من عرب * بين باديه إلى حضره يرتجيه نيل مكرمة * يأتسيها (5) يوم مفتخره
__________
(1) في تقريب التهذيب: الخريبي، والخريبي ينسب إلى خريبة: محلة بالبصرة كما في المغني.
كوفي ثقة.
(2) في التقريب: عبيد الله، الكوفي أبو محمد، كان إماما في الفقه والحديث والقرآن موصوفا بالعبادة والصلاح.
(3) في وفيات الاعيان 3 / 350: خائفا.
(4) في الوفيات: الغفلة.
(5) في الوفيات: مستعير منك مكرمة يكتسيها...(انظر الاغاني 20 / 41).

ولما بلغ المأمون هذه الابيات - وهي قصيدة طويلة - عارض فيها أبا نواس فتطلبه المأمون فهرب منه ثم أحضر بين يديه فقال له: ويحك فضلت القاسم بن عيسى علينا.
فقال: يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت اصطفاكم الله من بين عباده، وآتاكم ملكا عظيما، وإنما فضلته على أشكاله وأقرانه.
فقال: والله ما أبقيت أحدا حيث تقول: كل من في الارض من عرب * بين باديه إلى حضره ومع هذا فلا أستحل قتلك بهذا، ولكن بشركك وكفرك حيث تقول في عبد ذليل: أنت الذي تنزل الايام منزلها * وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددت مدى طرف إلى أحد * إلا قضيت بأرزاق وآجال ذاك الله يفعله، أخرجوا لسانه من قفاه.
فأخرجوا لسانه في هذه السنة فمات.
وقد امتدح حميد
ابن عبد الحميد الطوسي: إنما الدنيا حميد * وأياديه جسام * فإذا ولى حميد * فعلى الدنيا السلام ولما مات حميد هذا رثاه أبو العتاهية بقوله: أبا غانم أما ذراك فواسع * وقبرك معمور الجوانب محكم وما ينفع المقبور عمران قبره * إذا كان فيه جسمه يتهدم وقد أورد ابن خلكان لعكوك هذا أشعارا جيدة تركناها اختصارا.
ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين في يوم السبت لخمس بقين من ربيع الاول منها التقى محمد بن حميد وبابك الخرمي لعنه الله، فقتل الخرمي خلقا كثيرا من جيشه، وقتله أيضا وانهزم بقية أصحاب ابن حميد، فبعث المأمون إسحاق بن إبراهيم ويحيى بن أكثم إلى عبد الله بن طاهر يخيرانه بين خراسان، ونيابة الجبال وأذربيجان وأرمينية ومحاربة بابك، فاختار المقام بخراسان لكثرة احتياجها إلى الضبط، وللخوف من ظهور الخوارج.
وفيها دخل أبو إسحاق بن الرشيد الديار المصرية فانتزعها من يد عبد السلام وابن جليس وقتلهما.
وفيها خرج رجل يقال له بلال الضبابي فبعث إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من الامراء فقتلوا بلالا ورجعوا إلى بغداد.
وفيها ولى المأمون علي بن هشام الجبل وقم وأصبهان وأذربيجان.
وفيها حج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
وفيها توفي أحمد بن خالد الموهبي (1).
__________
(1) في تقريب التهذيب الذهبي، ويقال الواهبي.
الحمصي الكندي أبو سعيد راوي المغازي عن ابن إسحاق وكان =

أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح أبو جعفر الكاتب ولي ديوان الرسائل المأمون.
ترجمه ابن عساكر وأورد من شعره قوله: قد يرزق المرء من غير حيلة صدرت * ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي ما مسني من غنى يوما ولا عدم * إلى وقولي عليه الحمد لله
وله أيضا: إذا قلت في شئ نعم فأتمه * فإن نعم دين على الحر واجب وإلا فقل لا تستريح بها * لئلا يقول الناس إنك كاذب وله: إذا المرء أفشى سره بلسانه * فلام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه * فصدر الذي يستودع السر أضيق وحسن بن محمد المروزي شيخ الامام أحمد.
وعبد الله بن الحكم المصري (1).
ومعاوية بن عمرو (2) أبو محمد عبد الله بن أعين بن ليث بن رافع المصري أحد من قرأ الموطأ على مالك وتفقه بمذهبه، وكان معظما ببلاد مصر، وله بها ثروة وأموال وافرة.
وحين قدم الشافعي مصر أعطاه ألف دينار، وجمع له من أصحابه ألفي دينار، وأجرى عليه وهو والد محمد بن عبد الله بن [ عبد ] (3) الحكم الذي صحب الشافعي.
ولما توفي في هذه السنة دفن إلى جانب قبر الشافعي.
ولما توفي ابنه عبد الرحمن دفن إلى جانب قبر أبيه من القبلة.
قال ابن خلكان فهي ثلاثة أقبر الشافعي شاميها.
وهما قبلته.
رحمهم الله.
__________
= مكثرا حسن الحديث.
(1) في التقريب وشذرات الذهب 2 / 35: عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، أبو محمد الفقيه المالكي أفضت إليه الرياسة بمصر، أنكر عليه ابن معين شيئا.
(2) من التقريب والشذرات، وفي الاصل عمر، وهو ابن عمرو بن المهلب بن عمرو الازدي، أبو عمرو البغدادي الحافظ المجاهد ويعرف بابن الكرماني ثقة أدركه البخاري.
(3) انظر حاشية رقم 1.

ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائتين
في أواخر المحرم منها ركب المأمون في العساكر من بغداد قاصدا بلاد الروم لغزوهم.
واستخلف على بغداد وأعمالها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلما كان بتكريت تلقاه محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من المدينة النبوية، فأذن له المأمون في الدخول على ابنته أم الفضل بنت المأمون.
وكان معقود العقد عليها في حياة أبيه علي بن موسى، فدخل بها، وأخذها معه إلى بلاد الحجاز.
وتلقاه أخوه أبو إسحاق بن الرشيد من الديار المصرية قبل وصوله إلى الموصل.
وسار المأمون في جحافل كثيرة إلى بلاد طرسوس فدخلها في جمادى الاولى، وفتح حصنا هناك عنوة وأمر بهدمه، ثم رجع إلى دمشق فنزلها وعمر دير مرات بسفح قسيون، وأقام بدمشق مدة.
وحج بالناس فيها عبد الله بن عبيد الله بن العباس العباسي.
وفيها توفي أبو زيد الانصاري، ومحمد بن المبارك الصوري (1)، وقبيصة بن عقبة (2)، وعلي بن الحسن بن شقيق، ومكي بن إبراهيم (3).
أبو زيد الانصاري فهو سعيد بن أوس بن ثابت البصري اللغوي أحد الثقات الاثبات ويقال إنه كان يرى ليلة القدر.
قال أبو عثمان المازني: رأيت الاصمعي جاء إلى أبي زيد الانصاري وقبل رأسه وجلس بين يديه وقال: أنت رئيسنا وسيدنا منذ خمسين سنة.
قال ابن خلكان: وله مصنفات كثيرة، منها خلق الانسان، وكتاب الابل، وكتاب المياه، وكتاب الفرس والترس، وغير ذلك.
توفي في هذه السنة، وقيل في التي قبلها أو التي بعدها، وقد جاوز التسعين، وقيل إنه قارب المائة.
وأما أبو سليمان (4) فقد قدمنا ترجمته.
ثم دخلت سنة ست عشرة ومائتين فيها عدا ملك الروم وهو توفيل بن ميخائيل على جماعة من المسلمين فقتلهم في أرض طرسوس نحوا من ألف وستمائة إنسان، وكتب إلى المأمون فبدأ بنفسه، فلما قرأ المأمون كتابه نهض من فوره إلى بلاد الروم عودا على بدء وصحبته أخوه أبو إسحاق بن الرشيد نائب الشام ومصر، فافتتح بلدانا كثيرة
__________
(1) أبو عبد الله الحافظ شيخ دمشق صاحب سعيد بن عبد العزيز.
(2) السوائي الكوفي العابد الثقة أحد الحفاظ وهو أحد شيوخ الامام أحمد بن حنبل، قال اسحاق بن سيار: ما رأيت شيخا أحفظ منه.
(3) البلخي الحافظ روى عن هشام بن حسان والكبار وهو آخر من روى من الثقات عاش نيفا وتسعين سنة.
(4) يعني الداراني، انظر وفيات سنة 205 ه.

؟ عا وعنوة، وافتتح أخوه ثلاثين حصنا، وبعث يحيى بن أكثم في سرية إلى طوانة فافتتح بلادا كثيرة خلقا وحرق حصونا عدة، ثم عاد إلى العسكر.
وأقام المأمون ببلاد الروم من نصف جمادى رة إلى نصف شعبان، ثم عاد إلى دمشق وقد وثب رجل يقال له عبدوس الفهري في شعبان من السنة ببلاد مصر، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد واتبعه خلق كثير، فركب المأمون من ق يوم الاربعاء لاربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة إلى الديار المصرية، فكان من أمره ما كره.
وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقيب لموات الخمس، فكان أول ما بدئ بذلك في جامع بغداد والرصافة يوم الجمعة لاربع عشر ليلة ت من رمضان، وذلك أنهم كانوا إذا قضوا الصلاة قام الناس قياما فكبروا ثلاث تكبيرات، ثم مروا على ذلك في بقية الصلوات.
وهذه بدعة أحدثها المأمون أيضا بلا مستند ولا دليل ولا مد، فإن هذا لم يفعله قبله أحد، ولكن ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن رفع الصوت بالذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلم حين ينصرف الناس من المكتوبة، وقد استحب هذا طائفة من ماء كابن حزم وغيره.
وقال ابن بطال: المذاهب الاربعة على عدم استحبابه.
قال النووي: وقد عن الشافعي أنه قال: إنما كان ذلك ليعلم الناس أن الذكر بعد الصلوات مشروع، فلما علم لم يبق للجهر معنى.
وهذا كما روى عن ابن عباس أنه كان يجهر في الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلم ؟ أنها سنة، ولهذا نظائر والله أعلم.
وأما هذه البدعة التي أمر بها المأمون فإنها بدعة محدثة لم يعمل بها أحد من السلف.
وفيها وقع
شديد جدا.
وفيها حج بالناس الذي حج بهم في العام الماضي (1)، وقيل غيره والله أعلم.
وفيها حبان بن هلال (2).
وعبد الملك بن قريب الاصمعي صاحب اللغة والنحو والشعر وغير ذلك.
مد بن بكار بن هلال (3).
وهوذة بن خليفة (4).
زبيدة امرأة الرشيد وابنة عمه وهي ابنة جعفر أم العزيز الملقبة زبيدة بنت جعفر بن المنصور العباسية الهاشمية القرشية،
__________
(1) في الطبري وابن الاثير: حج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس.
(2) البصري الحافظ الثقة، امتنع عن القول بالتحديث قبل موته بأعوام، روى عن شعبة وطبقته.
(3) في تقريب التهذيب بلال، وهو أبو عبد الله الدمشقي، العاملي، قاضي دمشق صدوق أخذ عن سعيد بن عبد العزيز وهو من العلماء الثقات.
مات وله أربع وسبعون سنة.
(4) هوذة بن خليفة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي البكراوي - أبو الاشهب البصري الاصم نزيل بغداد.
ضعفه ابن معين.

كانت أحب الناس إلى الرشيد، وكانت ذات حسن باهر وجمال طاهر، وكان له معها من الحظايا والجواري والزوجات غيرها كثيرا كما ذكرنا ذلك في ترجمته، وإنما لقبت زبيدة لان جدها أبا جعفر المنصور كان يلاعبها ويرقصها وهي صغيرة ويقول: إنما أنت زبيدة، لبياضها، فغلب ذلك عليها فلا تعرف إلا به، وأصل اسمها أم العزيز.
وكان لها من الجمال والمال والخير والديانة والصدقة والبر شئ كثير.
وروى الخطيب أنها حجت فبلغت نفقتها في ستين يوما أربعة وخمسين ألف ألف درهم.
، ولما هنأت المأمون بالخلافة قالت: هنأت نفسي بها عنك قبل أن أراك، ولئن كنت فقدت ابنا خليفة لقد عوضت ابنا خليفة لم ألده، وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أم ملات يدها منك، وأنا أسأل الله أجرا على ما أخذ، وإمتاعا بما عوض.
توفيت ببغداد في جمادى الاولى سنة ست عشرة ومائتين.
ثم قال الخطيب: حدثني الحسين بن محمد الخلال لفظا قال: وحدث أبا الفتح القواس قال ثنا صدقة بن هبيرة الموصلي، ثنا محمد بن عبد الله الواسطي قال: قال عبد الله بن المبارك: رأيت زبيدة في
المنام فقلت: ما فعل الله بك ؟ فقالت غفر لي في أول معول ضرب في طريق مكة.
قلت: فما هذه الصفرة ؟ قالت: دفن بين ظهرانينا رجل يقال له بشر المريسي زفرت عليه جهنم زفرة فاقشعر لها جسدي فهذه الصفرة من تلك الزفرة.
وذكر ابن خلكان: أنه كان لها مائة جارية كلهن يحفظن القرآن العظيم، غير من قرأ منه ما قدر له وغير من لم يقرأ، وكان يسمع لهن في القصر دوي كدوي النحل، وكان ورد كل واحدة عشر القرآن، وورد أنها رؤيت في المنام فسئلت: عما كانت تصنعه من المعروف والصدقات وما عملته في طريق الحج فقالت: ذهب ثواب ذلك كله إلى أهله، وما نفعنا إلا ركعات كنت أركعهن في السحر.
وفيها جرت حوادث وأمور يطول ذكرها.
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائتين في المحرم منها دخل المأمون مصر وظفر بعبدوس الفهري فأمر فضربت عنقه، ثم كر راجعا إلى الشام.
وفيها ركب المأمون إلى بلاد الروم أيضا فحاصر لؤلؤة مائة يوم، ثم ارتحل عنها واستخلف على حصارها عجيفا فخدعته الروم فأسروه فأقام في أيديهم ثمانية أيام، ثم انفلت منهم واستمر محاصرا لهم، فجاء ملك الروم بنفسه فأحاط بجيشه من ورائه، فبلغ المأمون فسار إليه، فلما أحس توفيل بقدومه هرب وبعث وزيره صنغل فسأله الامان والمصالحة، لكنه بدأ بنفسه قبل المأمون (1) فرد عليه المأمون كتابا بليغا مضمونه التقريع والتوبيخ، وإني إنما أقبل منك الدخول في الحنيفية وإلا فالسيف والقتل والسلام على من اتبع الهدى وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي.
وفيها توفي الحجاج بن منهال (2).
وشريح بن النعمان (3).
وموسى بن داود الضبي (4) والله سبحانه أعلم.
__________
(1) نسخة الكتاب في الطبري.
10 / 283.
(2) أبو محمد الانماطي، كان سمسارا حدث عنه البخاري وغيره وسمع شعبة وطائفة وكان ثقة صاحب سنة.

ثم دخلت سنة ثمان عشرة ومائتين في أول يوم من جمادى الاولى وجه المأمون ابنه العباس إلى بلاد الروم لبناء الطوانة وتجديد عمارتها.
وبعث إلى سائر الاقاليم في تجهيز الفعلة من كل بلد إليها، من مصر والشام والعراق،
فاجتمع عليها خلق كثير، وأمره أن يجعلها ميلا في ميل، وأن يجعل سورها ثلاث فراسخ، وأن يجعل لها ثلاثة أبواب.
ذكر أول المحنة والفتنة في هذه السنة كتب المأمون إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يمتحن القضاة والمحدثين بالقول بخلق القرآن وأن يرسل إليه جماعة منهم، وكتب إليه يستحثه في كتاب مطول وكتب غيره قد سردها ابن جرير كلها (1)، ومضمونها الاحتجاج على أن القرآن محدث وكل محدث مخلوق، وهذا احتجاج لا يوافقه عليه كثير من المتكلمين فضلا عن المحدثين، فإن القائلين بأن الله تعالى تقوم به الافعال الاختيارية لا يقولون بأن فعله تعالى القائم بذاته المقدسة مخلوق، بل لم يكن مخلوقا، بل يقولون هو محدث وليس بمخلوق، بل هو كلام الله القائم بذاته المقدسة، وما كان قائما بذاته لا يكون مخلوقا، وقد قال الله تعالى (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) [ الانبياء: 2 ] وقال تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) [ الاعراف: 11 ] فالامر بالسجود صدر منه بعد خلق آدم، فالكلام القائم بالذات ليس مخلوقا، وهذا له موضع آخر.
وقد صنف البخاري كتابا في هذا المعنى سماه خلق أفعال العباد.
والمقصود أن كتاب المأمون لما ورد بغداد قرئ على الناس، وقد عين المأمون جماعة من المحدثين ليحضرهم إليه، وهم محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم المستملي، ويزيد بن هارون (2) ويحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبي مسعود.
وأحمد بن الدورقي.
فبعث بهم إلى المأمون إلى الرقة فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه إلى ذلك وأظهروا موافقته وهم كارهون، فردهم إلى بغداد وأمر بإشهار أمرهم بين الفقهاء، ففعل إسحاق ذلك - وأحضر خلقا من مشايخ الحديث والفقهاء وأئمة المساجد وغيرهم،
__________
(3) البغدادي الجوهري الحافظ، كما ثقة مبرزا.
(4) الضبي.
أبو عبد الله الكوفي كان مصنفا مكثرا مأمونا، قاضي طرسوس حتى وفاته وكان ثقة، زاهدا صاحب حديث.
(1) تاريخ الطبري 10 / 284 وما بعدها.
(2) كذا بالاصل، وفي الطبري وابن الاثير وردت العبارة " وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون " وهي أصح، فما ورد بالاصل سهو من الناسخ، والمشهور أن يزيد بن هارون مات سنة 206 وقد ذكر المؤلف وفاته هناك.

فدعاهم إلى ذلك عن أمر المأمون، وذكر لهم موافقة أولئك المحدثين له على ذلك، فأجابوا بمثل جواب أولئك موافقة لهم، ووقعت بين الناس فتنة عظيمة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم كتب المأمون إلى إسحاق أيضا بكتاب ثان يستدل به على القول بخلق القرآن بشبه من الدلائل أيضا لا تحقيق تحتها ولا حاصل لها، بل هي من المتشابه وأورد من القرآن آيات هي حجة عليه.
أورد ابن جرير ذلك كله.
وأمر نائبه أن يقرأ ذلك على الناس وأن يدعوهم إليه وإلى القول بخلق القرآن، فأحضر أبو إسحاق جماعة من الائمة وهم أحمد بن حنبل.
وقتيبة.
وأبو حيان الزيادي.
وبشر بن الوليد الكندي.
وعلي بن أبي مقاتل، وسعدويه الواسطي.
وعلي بن الجعد.
وإسحاق بن أبي إسرائيل.
وابن الهرش، وابن علية الاكبر، ويحيى بن عبد الحميد (1) العمري.
وشيخ آخر من سلالة عمر كان قاضيا على الرقة، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون.
ومحمد بن نوح الجند يسابوري المضروب، وابن الفرخان، والنضر بن شميل، وأبو (2) علي بن عاصم، وأبو العوام البارد (3)، وأبو (4) شجاع، و عبد الرحمن بن إسحاق وجماعة.
فلما دخلوا على أبي إسحاق قرأ عليهم كتاب المأمون.
فلما فهموه قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن ؟ فقال: هو كلام الله.
قال: ليس عن هذا أسألك.
وإنما أسألك أهو مخلوق ؟ قال: ليس بخالق.
قال: ولا عن هذا أسألك.
فقال: ما أحسن غير هذا.
وصمم على ذلك.
فقال: تشهد أن لا إله إلا الله أحدا فردا لم يكن قبله شئ ولا بعده شئ ولا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه ؟ قال: نعم ! فقال للكاتب: اكتب بما قال.
فكتب.
ثم امتحنهم رجلا رجلا فأكثرهم امتنع من القول بخلق القرآن، فكان إذا امتنع الرجل منهم امتحنه بالرقعة التي وافق عليها بشر بن الوليد الكندي، من أنه يقال لا يشبهه شئ من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه فيقول: نعم كما قال بشر ولما انتهت النوبة إلى امتحان أحمد بن حنبل فقال له: أتقول إن القرآن مخلوق ؟ فقال: القرآن كلام الله لا أزيد على
هذا.
فقال له: ما تقول في هذه الرقعة ؟ فقال أقول (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) [ الشورى: 11 ] فقال رجل من المعتزلة: إنه يقول: سميع بأذن بصير بعين.
فقال له إسحاق: ما أردت بقولك سميع بصير ؟ فقال: أردت منها ما أراده الله منها وهو كما وصف نفسه ولا أزيد على ذلك.
فكتب جوابات القوم رجلا رجلا وبعث بها إلى المأمون.
وكان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعة مكرها لانهم كانوا يعزلون من لا يجيب عن وظائفه، وإن كان له رزق على بيت المال قطع، وإن كان مفتيا منع من الافتاء، وإن كان شيخ حديث ردع عن الاسماع والاداء ووقعت فتنة صماء ومحنة شنعاء وداهية دهياء فلا حول ولا قوة إلا بالله.
__________
(1) في الطبري 10 / 287 وابن الاثير 6 / 424: عبد الرحمن.
(2) في الطبري وابن الاثير: وابن.
(3) في الطبري وابن الاثير: البزاز.
(4) في الطبري وابن الاثير: ابن.

فصل فلما وصلت جوابات القوم إلى المأمون بعث إلى نائبه يمدحه على ذلك ويرد على كل فرد فرد ما قال في كتاب أرسله.
وأمر نائبه أن يمتحنهم أيضا فمن أجاب منهم شهر أمره في الناس، ومن لم يجب منهم فابعثه إلى عسكر أمير المؤمنين مقيدا محتفظا به حتى يصل إلى أمير المؤمنين فيرى فيه رأيه، ومن رأيه أن يضرب عنق من لم يقل بقوله.
فعند ذلك عقد النائب ببغداد مجلسا آخر وأحضر أولئك وفيهم إبراهيم بن المهدي، وكان صاحبا لبشر بن الوليد الكندي، وقد نص المأمون على قتلهما إن لم يجيبا على الفور، فلما امتحنهم إسحاق أجابوا كلهم مكرهين متأولين قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) [ النحل: 106 ] الآية.
إلا أربعة وهم: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والحسن بن حماد سجادة، وعبيد الله بن عمر القواريري.
فقيدهم وأرصدهم ليبعث بهم إلى المأمون، ثم استدعى بهم في اليوم الثاني فامتحنهم فأجاب سجادة إلى القول بذلك فأطلق.
ثم امتحنهم في اليوم الثالث فأجاب
القواريري إلى ذلك فأطلق قيده.
وأخر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الجند يسابوري لانهما أصرا على الامتناع من القول بذلك، فأكد قيودهما وجمعهما في الحديد وبعث بهما إلى الخليفة وهو بطرسوس، وكتب كتابا بإرسالهما إليه.
فسارا مقيدين في محارة على جمل متعادلين رضي الله عنهما.
وجعل الامام أحمد يدعو الله عزوجل أن لا يجمع بينهما وبين المأمون، وأن لا يرياه ولا يراهما.
ثم جاء كتاب المأمون إلى نائبه أنه قد بلغني أن القوم إنما أجابوا مكرهين متأولين قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) الآية.
وقد أخطأوا في تأويلهم دلك خطأ كبيرا، فأرسلهم كلهم إلى أمير المؤمنين.
فاستدعاهم إسحاق وألزمهم بالمسير إلى طرسوس فساروا إليها، فلما كانوا ببعض الطريق بلغهم موت المأمون فردوا إلى الرقة، ثم أذن لهم بالرجوع إلى بغداد.
وكان أحمد بن حنبل وابن نوح قد سبقا الناس، ولكن لم يجتمعا به.
بل أهلكه الله قبل وصولهما إليه، واستجاب الله سبحانه دعاء عبده ووليه الامام أحمد بن حنبل، فلم يريا المأمون ولا رآهما، بل ردوا إلى بغداد.
وسيأتي تمام ما وقع لهم من الامر الفظيع في أول ولاية المعتصم بن الرشيد، وتمام باقي الكلام على ذلك في ترجمة الامام أحمد عند ذكر وفاته في سنة إحدى وأربعين ومائتين وبالله المستعان.
عبد الله المأمون هو عبد الله المأمون بن هارون الرشيد العباسي القرشي الهاشمي أبو جعفر أمير المؤمنين، وأمه أم ولد يقال لها مراجل الباذغيسية، وكان مولده في ربيع الاول سنة سبعين ومائة ليلة توفي عمه الهادي، وولي أبوه هارون الرشيد، وكان ذلك ليلة الجمعة كما تقدم، قال ابن عساكر: روى الحديث عن أبيه وهاشم بن بشر، وأبي معاوية الضرير، ويوسف بن قحطبة، وعباد بن العوام، وإسماعيل بن علية، وحجاج بن محمد الاعور.
وروى عنه أبو حذيفة إسحاق بن بشر - وهو أسن منه - ويحيى بن أكثم القاضي وابنه الفضل بن المأمون ومعمر بن شبيب وأبو يوسف القاضي وجعفر بن أبي عثمان

الطيالسي وأحمد بن الحارث الشعبي - أو اليزيدي - وعمرو بن مسعدة وعبد الله بن طاهر بن الحسين، ومحمد بن إبراهيم السلمي ودعبل بن علي الخزاعي.
قال: وقدم دمشق مرات وأقام بها مدة، ثم روى
ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال: سمعت المأمون في الشماسية وقد أجرى الحلبة فجعل ينظر إلى كثرة الناس فقال ليحيى بن أكثم: أما ترى كثرة الناس ؟ قال: حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله ".
ومن حديث أبي بكر المنابحي، عن الحسين بن أحمد المالكي، عن يحيى بن أكثم القاضي، عن المأمون، عن هشيم، عن منصور، عن الحسن عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحياء من الايمان " (1).
ومن حديث جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: أنه صلى العصر يوم عرفة خلف المأمون بالرصافة فلما سلم كبر الناس فجعل يقول: لا يا غوغاء لا يا غوغاء، غدا التكبير سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.
فلما كان الغد صعد المنبر فكبر ثم قال: أنبأ هشيم بن بشير، ثنا ابن شبرمة، عن الشعبي، عن البراء بن عازب، عن أبي بردة بن نيار (2).
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم (3) قدمه لاهله، ومن ذبح بعد أن يصلي الغداة فقد أصاب السنة (4) ".
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، اللهم اصلحني واستصلحني وأصلح على يدي.
تولى المأمون الخلافة في المحرم لخمس بقين منه بعد مقتل أخيه سنة ثمان وتسعين ومائة، واستمر في الخلافة عشرين سنة وخمسة أشهر.
وقد كان فيه تشيع واعتزال وجهل بالسنة الصحيحة، وقد بايع في سنة إحدى ومائتين بولاية العهد من بعده لعلي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي - زين العابدين - بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وخلع السواد ولبس الخضرة كما تقدم، فأعظم ذلك العباسيون من البغاددة وغيرهم، وخلعوا المأمون وولوا عليهم إبراهيم بن المهدي، ثم ظفر المأمون بهم واستقام له الحال في الخلافة، وكان على مذهب الاعتزال لانه اجتمع بجماعة منهم بشر بن غياث المريسي فخدعوه وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل، وكان يحب العلم ولم
__________
(1) أخرجه البخاري في الايمان (16) وفي الادب (77) ومسلم في الايمان ح (57 - 59) وأبو داود في السنة (14).
والترمذي في البر (56 - 80) والايمان (7) والنسائي في الايمان.
وابن ماجه في المقدمة (9) وفي الزهد (17) ومالك في الموطأ في حسن الخلق (10) والامام أحمد في المسند 2 / 56، 147، 392، 414، 442، 450، 533، 5 / 269.
(2) من تقريب التهذيب، وفي الاصل دينار تحريف، وأبو بردة اسمه هانئ وقيل الحارث بن عمرو، وقيل مالك بن هبيرة.
صحابي من الانصار.
(3) معناه أي ليست ضحية، ولا ثواب فيها، بل هي لحم لك تنتفع به.
(4) أخرجه البخاري في العيدين، والذبائح (17) والاضاحي.
ومسلم في الاضاحي (1، 4، 10، 11) والنسائي في العيدين (8، 30) والضحايا، وابن ماجه في الاضاحي (12) وأحمد في المسند.
3 / 113، 117، 364، 385.

يكن له بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل.
ودعا إليه وحمل الناس عليه قهرا.
وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته.
وقال ابن أبي الدنيا: كان المأمون أبيض ربعة حسن الوجه قد وخطه الشيب يعلوه صفرة أعين طويل اللحية رقيقها ضيق الجبين، على خده خال.
أمه أم ولد يقال لها مراجل.
وروى الخطيب عن القاسم بن محمد بن عباد قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء غير عثمان بن عفان والمأمون، وهذا غريب جدا لا يوافق عليه، فقد كان يحفظ القرآن عدة من الخلفاء.
قالوا: وقد كان المأمون يتلو في شهر رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة، وجلس يوما لاملاء الحديث فاجتمع حوله القاضي يحيى بن أكثم وجماعة فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثا.
وكانت له بصيرة بعلوم متعددة، فقها وطبا وشعرا وفرائض وكلاما ونحوا وغريبه، وغريب حديث، وعلم النجوم.
وإليه ينسب الزيج المأموني.
وقد اختبر مقدار الدرجة في وطئه سنجار فاختلف عمله وعمل الاوائل من الفقهاء.
وروى ابن عساكر أن المأمون جلس يوما للناس وفي مجلسه الامراء والعلماء، فجاءت امرأة تتظلم إليه فذكرت أن أخاها توفي وترك ستمائة دينار، فلم يحصل لها سوى دينار واحد.
فقال لها المأمون على البديهة: قد وصل إليك، حقك، كان أخاك قد ترك بنتين وأما وزوجة واثني عشر أخا وأختا واحدة وهي أنت، قالت: نعم يا أمير المؤمنين.
فقال: للبنتين الثلثان أربعمائة دينار، وللام السدس مائة دينار، وللزوجة الثمن خمسة وسبعون دينارا، بقي خمسة وعشرون دينارا لكل أخ ديناران ديناران، ولك دينار واحد.
فعجب العلماء من فطنته وحدة ذهنه وسرعة جوابه.
وقد رويت هذه
الحكاية عن علي بن أبي طالب.
ودخل بعض الشعراء على المأمون وقد قال فيه بيتا من الشعر يراه عظيما، فلما أنشده إياه لم يقع منه موقعا طائلا، فخرج من عنده محروما، فلقيه شاعر آخر فقال له: ألا أعجبك ! أنشدت المأمون هذا البيت فلم يرفع به رأسا.
فقال: وما هو ؟ قال قلت فيه: أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا * بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقال له الشاعر الآخر: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها.
فهلا قلت كما قال جرير في عبد العزيز بن مروان: فلا هو في الدنيا مضيع (1) نصيبه * ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله وقال المأمون يوما لبعض جلسائه: بيتان اثنان لاثنين ما يلحق بهما أحد، قول أبي نواس: إذا اختبر الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدو في لباس صديق وقول شريح:
__________
(1) في ابن الاثير 6 / 438: يضيع.

تهون على الدنيا الملامة إنه * حريص على استصلاحها من يلومها قال المأمون: وقد ألجأني الزحام يوما وأنا في الموكب حتى خالطت السوقة فرأيت رجلا في دكان عليه أثواب خلقة، فنظر إلي نظر من يرحمني أو من يتعجب من أمري فقال: أرى كل مغرور تمنيه نفسه * إذا ما مضى عام سلامة قابل وقال يحيى بن أكثم: سمعت المأمون يوم عيد خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال: عباد الله ! عظم أمر الدارين وارتفع جزاء العالمين، وطالت مدة الفريقين، فوالله إنه للجد لا اللعب، وإنه للحق لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث والحساب والفصل والميزان والصراط ثم العقاب أو الثواب، فمن نجا يومئذ فقد فاز.
ومن هوى يومئذ فقد خاب، الخير كله في الجنة، والشر كله في النار.
وروى ابن عساكر من طريق النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون
فقال: كيف أصبحت يا نضر ؟ فقلت: بخير يا أمير المؤمنين.
فقال: ما الارجاء ؟ فقلت دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم.
قال: صدقت.
ثم قال: يا نضر أتدري ما قلت في صبيحة هذا اليوم ؟ قلت: إني لمن علم الغيب لبعيد.
فقال قلت أبياتا وهي: أصبح ديني الذي أدين به * ولست منه الغداة معتذرا حب علي بعد النبي ولا * أشتم صديقا ولا عمرا ثم ابن عفان في الجنان مع ال * أبرار ذاك القتيل مصطبرا ألا ولا أشتم الزبير ولا * طلحة إن قال قائل غدرا وعائش الام لست أشتمها * من يفتريها فنحن منه برا وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة وفيه تفضيل علي على الصحابة.
وقد قال جماعة من السلف والدار قطني: من فضل عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والانصار - يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام ثم اتفقوا على عثمان وتقديمه على علي بعد مقتل عمر - وبعد ذلك ست عشرة مرتبة في التشيع، على ما ذكره صاحب كتاب البلاغ الاكبر، والناموس الاعظم، وهو كتاب ينتهي به إلى أكفر الكفر.
وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: لا أوتى بأحد فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري.
وتواتر عنه أنه قال: خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر.
فقد خالف المأمون الصحابة كلهم حتى علي بن أبي طالب.
وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى فيها على المهاجرين والانصار، البدعة الاخرى والطامة الكبرى وهي القول بخلق القرآن مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكر وغير ذلك من الافعال التي تعدد فيها المنكر.
ولكن كان فيه شهامة عظيمة وقوة جسيمة في القتال وحصار الاعداء ومصابرة الروم وحصرهم، وقتل رجالهم وسبي نسائهم، وكان يقول: كان لعمر بن عبد العزيز وعبد الملك حجاب وأنا بنفسي، وكان يتحرى العدل ويتولى بنفسه الحكم بين

الناس والفصل، جاءته امرأة ضعيفة قد تظلمت على ابنه العباس وهو قائم على رأسه، فأمر الحاجب فأخذه بيده فأجلسه معها بين يديه، فادعت عليه بأنه أخذ ضيعة لها واستحوذ عليها، فتناظرا ساعة
فجعل صوتها يعلو على صوته، فزجرها بعض الحاضرين فقال له المأمون: اسكت فإن الحق أنطقها والباطل أسكته، ثم حكم لها بحقها وأغرم ابنه لها عشرة آلاف درهم.
وكتب إلى بعض الامراء: ليس المروءة أن يكون بيتك من ذهب وفضة وغريمك عار، وجارك طاو والفقير جائع.
ووقف رجل بين يديه فقال له المأمون: والله لاقتلنك.
فقال: يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو، فقال: ويلك ويحك ! قد حلفت لاقتلنك، فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن تلق الله حانثا خير من أن تلقاه قاتلا.
فعفا عنه.
وكان يقول: ليت أهل الجرائم يعرفون أن مذهبي العفو حتى يذهب الخوف عنهم ويدخل السرور إلى قلوبهم.
وركب يوما في حراقة فسمع ملاحا يقول لاصحابه: ترون هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه الامين - يقول ذلك وهو لا يشعر بمكان المأمون - فجعل المأمون يتبسم ويقول: كيف ترون الحيلة حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل القدر ؟ وحضر عند المأمون هدبة بن خالد ليتغدى عنده فلما رفعت المائدة جعل هدبة يلتقط ما تناثر منها من اللباب وغيره، فقال له المأمون: أما شبعت يا شيخ ؟ فقال: بلى، حدثني حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أكل ما تحت مائدته أمن من الفقر ".
قال فأمر له المأمون بألف دينار..وروى ابن عساكر أن المأمون قال يوما لمحمد بن عباد بن المهلب: يا أبا عبد الله قد أعطيتك ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، وأعطيك دينارا.
فقال: يا أمير المؤمنين إن منع الموجود سوء ظن بالمعبود.
فقال: أحسنت يا أبا عبد الله ! أعطوه ألف ألف وألف ألف وألف ألف.
ولما أراد المأمون أن يدخل ببوران بنت الحسن بن سهل جعل الناس يهدون لابيها الاشياء النفيسة، وكان من جملة من يعتز به رجل من الادباء.
فأهدى إليه مزودا فيه ملح طيب، ومزودا فيه أشنان جيد، وكتب إليه: إني كرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا أذكر فيها، فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته.
وكتب إليه: بضاعتي تقصر عن همتي * وهمتي تقصر عن مالي فالملح والاشنان يا سيدي * أحسن ما يهديه أمثالي
قال: فدخل بها الحسن بن سهل على المأمون فأعجبه ذلك وأمر بالزودين ففرغا وملئا دنانير وبعث بهما إلى ذلك الاديب.
وولد للمأمون ابنه جعفر فدخل عليه الناس يهنئونه بصنوف التهاني ودخل بعض الشعراء فقال يهنيه بولده: مد لك الله الحياة مدا * حتى ترى ابنك هذا جدا

ثم يفدى ما تفدى * كأنه أنت إذا تبدى أشبه منك قامة وقدا * مؤزرا بمجده مردا قال فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقدم عليه وهو بدمشق مال جزيل بعد ما كان قد أفلس وشكى إلى أخيه المعتصم ذلك، فوردت عليه خزائن من خراسان ثلاثون ألف ألف درهم، فخرج يسعرضها وقد زينت الجمال والاحمال، ومعه يحيى بن أكثم القاضي، فلما دخلت البلد قال: ليس من المروءة أن نحوز نحن هذا كله والناس ينظرون.
ثم فرق منه أربعة وعشرين ألف ألف درهم ورجله في الركاب لم ينزل عن فرسه.
ومن لطيف شعره: لساني كتوم لاسراركم * ودمعي نموم لسري مذيع فلولا دموعي كتمت الهوى * ولو لا الهوى لم تكن لي دموع بعث خادما ليلة من الليالي ليأتيه بجارية فأطال الخادم عندما المكث، وتمنعت الجارية من المجئ إليه حتى يأتي إليها المأمون بنفسه، فأنشأ المأمون يقول: بعثتك مشتاقا (1) ففزت بنظرة * وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا فناجيت من أهوى وكنت مباعدا * فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى ورددت طرفا في محاسن وجهها * ومتعت باستسماع نغمتها أذنا أرى أثرا منه بعينيك بينا * لقد سرقت (2) عيناك من عينها حسنا ولما ابتدع المأمون ما ابتدع من التشيع والاعتزال، فرح بذلك بشر المريسي - وكان بشر هذا شيخ المأمون - فأنشأ يقول:
قد قال مأموننا وسيدنا * قولا له في الكتب تصديق إن عليا أعني أبا حسن * أفضل من قد أقلت النوق بعد نبي الهدى وإن لنا * أعمالنا، والقران مخلوق فأجابه بعض العشراء من أهل السنة: يا أيها الناس لا قول ولا عمل * لمن يقول: كلام الله مخلوق ما قال ذاك أبو بكر ولا عمر * ولا النبي ولم يذكره صديق ولم يقل ذاك إلا كل مبتدع * على الرسول وعند الله زنديق
__________
(1) في ابن الاثير 6 / 436 وفوات الوفيات 2 / 239: مرتادا.
(2) في ابن الاثير: أخذت.

بشر أراد به إمحاق دينهم * لان دينهم والله ممحوق يا قوم أصبح عقل من خليفتكم * مقيدا وهو في الاغلال موثوق وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائل هذا فيؤدبه على ذلك، فقال: ويحك لو كان فقيها لادبته ولكنه شاعر فسلت أعرض له.
ولما تجهز المأمون للغزو في آخر سفرة سافرها إلى طرسوس استدعى بجارية كان يحبها وقد اشتراها في آخر عمره، فضمها إليه فبكت الجارية وقالت: قتلتني يا أمير المؤمنين بسفرك ثم أنشأت تقول: سأدعوك دعوة المضطر ربا * يثيب على الدعاء ويستجيب لعل الله أن يكفيك حربا * ويجمعنا كما تهوى القلوب فضمها إليه وأنشأ يقول متمثلا: فيها حسنها إذ يغسل الدمع كحلها * وإذ هي تذري الدمع منها الانامل صبيحة قالت في العتاب (1) قتلتني * وقتلي بما قالت هناك تحاول ثم أمر مسرورا الخادم بالاحسان إليها والا حتفاظ عليها حتى يرجع، ثم قال: نحن كما قال
الاخطل: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم * دون النساء ولو باتت باطهار ثم ودعها وسار فمرضت الجارية في غيبته هذه، ومات المأمون أيضا في غيبته هذه، فلما جاء نعيه إليها تنفست الصعداء وحضرتها الوفاة وأنشأت تقول وهي في السياق: إن الزمان سقانا من مرارته * بعد الحلاوة كاسات فأروانا أبدى لنا تارة منه فأضحكنا * ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا إنا إلى الله فيما لا يزال بنا * من القضاء ومن تلوين دنيانا دنيا تراها ترينا من تصرفها * ما لا يدوم مصافاة وأحزانا ونحن فيها كأنا لا يزايلنا * للعيش أحيا وما يبكون موتانا كانت وفاة المأمون بطرسوس في يوم الخميس وقت الظهر وقيل بعد العصر، لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب من سنة ثماني عشرة ومائتين، وله من العمر نحو من ثمان وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته عشرين سنة وأشهرا، وصلى عليه أخوه المعتصم وهو ولي العهد من بعده، ودفن بطرسوس في دار خاقان الخادم، وقيل كانت وفاته يوم الثلاثاء، وقيل يوم الاربعاء لثمان بقين من هذه السنة.
وقيل
__________
(1) في ابن الاعثم 8 / 333: عشية قالت يا حبيبي...

إنه مات خارج طرسوس بأربع مراحل فحمل إليها فدفن بها، وقيل إنه نقل إلى أذنة في رمضان فدفن بها فالله أعلم.
وقد قال أبو سعيد المخزومي: هل رأيت النجوم أغنت عن المأ * مون شيئا أو ملكه المأسوس (1) خلفوه بعرصتي طرسوس * مثل ما خلفوا أباه بطوس وقد كان أوصى إلى أخيه المعتصم وكتب وصيته بحضرته وبحضرة ابنه العباس وجماعة القضاة والامراء والوزراء والكتاب.
وفيها القول بخلق القرآن ولم يتب من ذلك بل مات عليه وانقطع عمله وهو على ذلك لم يرجع عنه ولم يتب منه، وأوصى أن يكبر عليه الذي يصلي عليه خمسا، وأوصى
المعتصم بتقوى الله عز وجل والرفق بالرعية، وأوصاه أن يعتقد ما كان يعتقده أخوه المأمون في القرآن وأن يدعو الناس إلى ذلك، وأوصاه بعبد الله بن طاهر وأحمد بن إبراهيم وأحمد بن أبي دواد، وقال شاوره في أمورك ولا تفارقه، وإياك ويحيى بن أكثم أن تصحبه، ثم نهاه عنه وذمه وقال: خانني ونفر الناس عني ففارقته غير راض عنه.
ثم أوصاه بالعلويين خيرا، أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن ميسئهم، وأن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة.
وقد ذكر ابن جرير للمأمون ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة لم يذكرها ابن عساكر مع كثرة ما يورده، وفوق كل ذي علم عليم.
خلافة المعتصم بالله أبي إسحاق بن هارون بويع له بالخلافة يوم مات أخوه المأمون بطرسوس يوم الخميس الثاني عشر (2) من رجب من سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان إذ ذاك مريضا، وهو الذي صلى على أخيه المأمون، وقد سعى بعض الامراء في ولاية العباس بن المأمون فخرج عليهم العباس فقال: ما هذا الخلف (3) البارد ؟ أنا قد بايعت عمي المعتصم.
فسكن الناس وخمدت الفتنة وركب البرد بالبيعة للمعتصم إلى الآفاق، وبالتعزية بالمأمون.
فأمر المعتصم بهدم ما كان بناه المأمون في مدينة طوانة، ونقل ما كان حول إليها من السلاح وغيره إلى حصون المسلمين، وأذن الفعلة بالانصراف إلى بلدانهم، ثم ركب المعتصم بالجنود قاصدا بغداد وصحبته العباس بن المأمون، فدخلها يوم السبت مستهل رمضان في أبهة عظيمة وتجمل تام.
وفيها دخل خلق كثير من أهل همذان وأصبهان وماسبذان ومهرجان في دين الخرمية، فتجمع منهم بشر كثير، فجهز إليهم المعتصم جيوشا كثيرة آخرهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب في جيش
__________
(1) في مروج الذهب 4 / 53: وملكه المأنوس.
(2) في مروج الذهب 4 / 54: لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب.
(3) في الطبري وابن الاثير وابن الاعثم: الحب.

عظيم، وعقد له على الجبال، فخرج في ذي القعدة وقرئ كتابه بالفتح يوم التروية، وأنه قهر الخرمية
وقتل منهم خلقا كثيرا، وهرب بقيتهم إلى بلاد الروم، وعلى يدي هذا جرت فتنة الامام أحمد وضرب بين يديه كما سيأتي بسط ذلك في ترجمة أحمد في سنة إحدى وأربعين ومائتين.
وفيها توفي من الاعيان: بشر المريسي وهو بشر بن غياث بن أبي كريمة أبو عبد الرحمن المريسي المتكلم شيخ المعتزلة، وأحد من أضل المأمون، وقد كان هذا الرجل ينظر أولا في شئ من الفقه، وأخذ عن أبي يوسف القاضي، وروى الحديث عنه وعن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وغيرهم، ثم غلب عليه علم الكلام، وقد نهاه الشافعي عن تعلمه وتعاطيه فلم يقبل منه، وقال الشافعي: لئن يلقى الله العبد بكل ذنب ما عدا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بعلم الكلام.
وقد اجتمع بشر بالشافعي عندما قدم بغداد.
قال ابن خلكان: جدد القول بخلق القرآن وحكي عنه أقوال شنيعة، وكان مرجئيا وإليه تنسب المريسية من المرجئة، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، وإنما هو علامة للكفر، وكان يناظر الشافعي وكان لا يحسن النحو، وكان يلحن لحنا فاحشا.
ويقال: إن أباه كان يهوديا صباغا بالكوفة، وكان يسكن درب المريسي ببغداد.
والمريس عندهم هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر.
قال: ومريس ناحية ببلاد النوبة تهب عليها في الشتاء ريح باردة.
وفيها توفي عبد الله بن يوسف الشيبي (1).
وأبو مسهر عبد الاعلى بن مسهر الغساني الدمشقي (2).
ويحيى بن عبد الله البابلتي (3).
وأبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب المعافري راوي السيرة عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق مصنفها، وإنما نسبت إليه فيقال سيرة ابن هشام، لانه هذبها وزاد فيها ونقص منها، وحرر أماكن واستدرك أشياء.
وكان إماما في اللغة والنحو، وقد كان مقيما بمصر واجتمع به الشافعي حين وردها، وتناشدا من أشعار العرب شيئا كثيرا.
__________
(1) في تقريب التهذيب: التنيسي، وهو أبو محمد الكلامي أصله من دمشق، ثقة متقن من أثبت الناس في الموطأ سمع من سعيد بن عبد العزيز ومالك والليث.
(2) ولد سنة أربعين ومائة وكان علامة بالمغازي، قال أبو حاتم: ما رأيت أفصح منه، مات ببغداد في رجب في محنة
" خلق القرآن ".
(3) وهو يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلتي الحراني روى عن الاوزاعي وابن أبي ذئب وطائفة وليس بالقوي في الحديث.

كانت وفاته بمصر لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة، قاله ابن يونس في تاريخ مصر.
وزعم السهيلي أنه توفي في سنة ثلاث عشرة كما تقدم فالله أعلم.
ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين فيها ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضى من آل محمد، واجتمع عليه خلق كثير وقاتله قواد عبد الله بن طاهر مرات متعددة، ثم ظهروا عليه وهرب فأخذ ثم بعث به إلى عبد الله بن طاهر فبعث به إلى المعتصم فدخل عليه للنصف من ربيع الآخر (1) فأمر به فحبس في مكان ضيق طوله ثلاثة أذرع في ذراعين، فمكث فيه ثلاثا، ثم حول لاوسع منه وأجرى عليه رزق ومن يخدمه، فلم يزل محبوسا هناك إلى ليلة عيد الفطر فاشتغل الناس بالعيد فدلي له حبل من كوة كان يأتيه الضوء منها، فذهب فلم يدر كيف ذهب وإلى أين صار من الارض (2).
وفي يوم الاحد لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الاولى دخل إسحاق بن إبراهيم إلى بغداد راجعا من قتال الخرمية، ومعه أسارى منهم، وقد قتل في حربه منهم مائة ألف مقاتل.
وفيها بعث المعتصم عجيفا في جيش كثيف لقتال الزط الذين عاثوا فسادا في بلاد البصرة، وقطعوا الطريق ونهبوا الغلات، فمكث في قتالهم تسعة أشهر فقهرهم وقمع شرهم وأباد خضراهم.
وكان القائم بأمرهم رجل يقال له محمد بن عثمان ومعه آخر يقال له سملق، وهو داهيتهم وشيطانهم، فأراح الله المسلمين منه ومن شره.
وفيها توفي سليمان بن داود الهاشمي شيخ الامام أحمد.
وعبد الله بن الزبير الحميدي صاحب المسند وتلميذ الشافعي وعلي بن عياش (3).
وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري.
وأبو بحار
الهندي.
ثم دخلت سنة عشرين ومائتين من الهجرة في يوم عاشوراء منها دخل عجيف في السفن إلى بغداد ومعه من الزط سبعة وعشرون ألفا قد جاؤوا بالامان إلى الخليفة، فأنزلوا في الجانب الشرقي ثم نفاهم إلى عين زربة (4)، فأغارت الروم عليهم
__________
(1) في ابن الاثير 6 / 443: ربيع الاول.
(2) في رواية في مروج الذهب 4 / 61: قتل مسموما.
(3) الالهاني الحمصي الحافظ محدث حمص وعابدها سمع من جرير بن عثمان وطبقته.
(4) من الطبري وابن الاثير، وفي الاصل: عين رومة.
وفي معجم البلدان: عين زربى: وهو بلد بالثغر من نواحي =

فاجتاحوهم عن آخرهم، ولم يفلت منهم أحد.
فكان آخر العهد بهم.
وفيها عقد المعتصم للافشين واسمه حيدر بن كاوس على جيش عظيم لقتال بابك الخرمي لعنه الله، وكان قد استفحل أمره جدا، وقويت شوكته، وانتشرت أتباعه في أذربيجان وما والاها، وكان أول ظهوره في سنة إحدى ومائتين، وكان زنديقا كبيرا وشيطانا رجيما، فسار الافشين وقد أحكم صناعة الحرب في الارصاد وعمارة الحصون وإرصاد المدد، وأرسل إليه المعتصم مع بغا الكبير أموالا جزيلة نفقة لمن معه من الجند والاتباع، فالتقى هو وبابك فاقتتلا قتالا شديدا، فقتل الافشين من أصحاب بابك خلقا كثيرا أزيد من مائة ألف، وهرب هو إلى مدينته فأوى فيها مكسورا، فكان هذا أول ما تضعضع من أمر بابك، وجرت بينهما حروب يطول ذكرها، وقد استقصاها ابن جرير.
وفيها خرج المعتصم من بغداد فنزل القاطول فأقام بها.
وفيها غضب المعتصم على الفضل بن مروان بعد المكانة العظيمة، وعزله عن الوزارة وحبسه وأخذ أمواله وجعل مكانه محمد بن عبد الملك بن الزيات (1).
وحج بالناس فيها صالح بن علي بن محمد أمير السنة الماضية في الحج.
وفيها توفي آدم بن أبي إياس (2).
وعبد الله بن رجاء (3).
وعفان بن مسلم (4).
وقالون (5) أحد مشاهير القراء.
وأبو حذيفة النهدي (6).
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين فيها كانت وقعة هائلة بين بغا الكبير وبابك فهزم بابك بغا وقتل خلقا من أصحابه.
ثم اقتتل الافشين وبابك فهزمه افشين وقتل خلقا من أصحابه بعد حروب طويلة قد استقصاها ابن جرير.
وحج بالناس فيها نائب مكة محمد بن داود بن عيسى بن موسى العباسي.
__________
= المصيصة.
وقد بناها الرشيد سنة 180 وحصنها وندب إليها ندبة من أهل خراسان وغيرهم وأقطعهم بها المنازل، ونقل إليها المعتصم قوما من الزط...(1) قال الفخري ص 233: ثم وزر له أحمد بن عمار - بعد نكبه بالفضل بن مروان - فمكث مدة في وزارة المعتصم ثم صرفه صرفا جميلا واستوزر محمد بن عبد الملك الزيات.
(2) الخراساني ثم البغدادي نزيل عسقلان وكان صالحا ثقة قانتا.
قال أبو حاتم: ثقة مأمون متعبد.
(3) ابن عمر الغداني - من غدانة بن يربوع من تميم - بصري صدوق يهم قليلا.
(4) من تقريب التهذيب، وفي الاصل مسلمة.
وهو ابن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان الصفار البصري ثقة ثبت.
نزل بغداد ونشر بها علمه.
(5) أبو موسى عيسى بن ميناء الزهري المدني.
قال في المغني: حجة في القراءة لا في الحديث.
(6) من تقريب التهذيب، وفي الاصل الهندي، وهو موسى بن مسعود النهدي صدوق مشهور تكلم فيه أحمد ولينه.
قال ابن خزيمة: لا أحدث عنه.

وفيها توفي عاصم بن علي.
وعبد الله بن مسلمة القعنبي.
وعبدان (1).
وهشام بن عبيد الله الرازي.
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائتين فيها جهز المعتصم جيشا كثيرا مددا للافشين على محاربة بابك وبعث إليه ثلاثين ألف ألف درهم نفقة للجند، فاقتتلوا قتالا عظيما، وافتتح الافشين البذ مدينة بابك واستباح ما فيها، وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان.
وذلك بعد محاصرة وحروب هائلة وقتال شديد وجهد جهيد.
وقد
أطال بن جرير بسط ذلك جدا.
وحاصل الامر أنه افتتح البلد وأخذ جميع ما فيه من الاموال مما قدر عليه.
ذكر مسك بابك لما احتوى المسلمون على بلده المسمى بالبذ وهي دار ملكه ومر سلطته هرب بمن معه من أهله وولده ومعه أمه وامرأته، فانفرد في شرذمة قليلة ولم يبق معهم طعام، فاجتازوا بحراث فبعث غلامه إليه وأعطاه ذهبا فقال: اعطه الذهب وخذ ما معه من الخبز، فنظر شريك الحراث إليه من بعيد وهو يأخذ منه الخبز، فظن أنه قد أغتصبه منه، فذهب إلى حصن هناك فيه نائب للخليفة يقال له سهل بن سنباط ليستعدي على ذلك الغلام، فركب بنفسه وجاء فوجد الغلام فقال: ما خبرك ؟ فقال: لا شئ، إنما أعطيته دنانير وأخذت منه الخبز.
فقال: ومن أنت ؟ فأراد أن يعمي عليه الخبر فألح عليه فقال: من غلمان بابك، فقال: وأين هو ؟ فقال: ها هو ذا جالس يريد الغداء.
فسار إليه سهل بن سنباط فلما رآه ترجل وقبل يده وقال: يا سيدي أين تريد ؟ قال: أريد أن أدخل بلاد الروم، فقال:: إلى عند من تذهب أحرز من حصني وأنا غلامك وفي خدمتك ؟ وما زال به حتى خدعه وأخذه معه إلى الحصن فأنزله عنده وأجرى عليه النفقات الكثيرة والتحف وغير ذلك، وكتب إلى الافشين يعلمه، فأرسل إليه أميرين لقبضه، فنزلا قريبا من الحصن وكتبا إلى ابن سنباط فقال: أقيما مكانكما حتى يأتيكما أمري.
ثم قال لبابك: إنه قد حصل لك هم وضيق من هذا الحصن وقد عزمت على الخروج اليوم إلى الصيد ومعنا بزاة وكلاب، فإن أحببت أن تخرج معنا لتشرح صدرك وتذهب همك فافعل.
قال: نعم ! فخرجوا وبعث ابن سنباط إلى الاميرين أن كونوا مكان كذا وكذا في وقت كذا وكذا من النهار، فلما كانا
__________
(1) عبدان واسمه عبد الله بن عثمان المروزي محدث مرو وشيخها وكان ثقة جليل القدر معظما روى عنه البخاري غيره.
عاش 76 سنة.

بذلك الموضع أقبل الاميران بمن معهما من الجنود فأحاطوا ببابك وهرب ابن سنباط فلما رأوه جاؤوا إليه فقالوا: ترجل عن دابتك، فقال: ومن أنتما ؟ فذكرا أنهم من عند الافشين، فترجل حينئذ عن دابته
وعليه دراعة بيضاء وخف قصير وفي يده باز، فنظر إلى ابن سنباط فقال: قبحك الله فهلا طلبت مني من المال ما شئت كنت أعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء ! ثم أركبوه وأخذوه معهما إلى الافشين، فلما اقتربوا منه خرج فتلقاه وأمر الناس أن يصطفوا صفين، وأمر بابك أن يترجل فيدخل بين الناس وهو ماش، ففعل ذلك، وكان يوما مشهودا جدا.
وكان ذلك في شوال من هذه السنة.
ثم احتفظ به وسجنه عنده.
ثم كتب الافشين إلى المعتصم بذلك فأمره أن يقدم به وبأخيه، وكان قد مسكه أيضا.
وكان اسم أخي بابك عبد الله، فتجهز الافشين بهما إلى بغداد في تمام هذه السنة ففرغت ولم يصل بهما إلى بغداد.
وحج بالناس فيها الامير المتقدم ذكره في التي قبلها.
وفيها توفي أبو اليمان الحكم بن نافع (1).
وعمر بن حفص بن غياث (2).
ومسلم بن إبراهيم (3).
ويحيى بن صالح الوحاظي (4).
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين في يوم الخميس ثالث صفر منها دخل الافشين وصحبته بابك على المعتصم سامرا، ومعه أيضا أخو بابك في تجمل عظيم، وقد أمر المعتصم ابنه هارون الواثق أن يتلقى الافشين وكانت أخباره تفد إلى المعتصم في كل يوم من شدة اعتناء المعتصم بأمر بابك، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابك بيومين على البريد حتى دخل إلى بابك وهو لا يعرفه، فنظر إليه ثم رجع، فلما كان يوم دخوله عليه تأهب المعتصم واصطف الناس سماطين وأمر بابك أن يركب على فيل ليشهر أمره ويعرفوه، وعليه قباء ديباج وقلنسوة سمور مدورة، وقد هيأوا الفيل وخضبوا أطرافه ولبسوه من الحرير والامتعة التي تليق به شيئا كثيرا، وقد قال فيه بعضهم (5): قد خضب الفيل كعاداته * يحمل شيطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه * إلا لذي شأن من الشان ولما أحضر بين يدي المعتصم أمر بقطع يديه ورجليه وجز رأسه وشق بطنه، ثم أمر بحمل رأسه
__________
(1) البهراني الحمصي الحافظ، كان ثقة حجة كثير الحديث ولد سنة 138 روى عن جرير بن عبد الحميد وطبقته.
(2) من تقريب التهذيب، وفي الاصل عياش، ابن الطلق الكوفي ثقة ربما وهم روى عن ابيه وطبقته.
(3) أبو عمرو الفراهيدي مولاهم البصري القصاب الحافظ محدث البصرة، وكان ثقة حجة أضر بآخره.
(4) قال العقيلي كان جهميا وقال الجوزجاني: كان مرجئا خبيثا، ووثقه غيره.
(5) في الطبري وابن الاثير: فقال محمد بن عبد الملك الزيات.

إلى خراسان وصلب جثته على خشبة بسامرا، وكان بابك قد شرب الخمر ليلة قتله وهي ليلة الخميس لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة.
وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره - وهي عشرون سنة - مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان - قاله ابن جرير - وأسر خلقا لا يحصون، وكان جملة من استنقذه الافشين من أسره نحوا من سبعة آلاف وستمائة إنسان، وأسر من أولاده سبعة عشر رجلا، ومن حلائله وحلائل أولاده ثلاث وعشرين امرأة من الخواتين، وقد كان أصل بابك من جارية زرية الشكل جدا، فآل به الحال إلى ما آل به إليه، ثم أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم غفير من العوام الطغام.
ولما قتله المعتصم توج الافشين وقلده وشاحين من جوهر، وأطلق له عشرين ألف ألف درهم، وكتب له بولاية السند، وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه فيمدحوه على ما فعل من الخير إلى المسلمين، وعلى تخريبه بلاد بابك التي يقال لها البذ وتركه إياها قيعانا وخرابا.
فقالوا في ذلك فأحسنوا، وكان من جملتهم أبو تمام الطائي وقد أورد قصيدته بتمامها ابن جرير وهي قوله: بذ الجلاد البذ فهو دفين * ما إن بها إلا الوحوش قطين لم يقر هذا السيف هذا الصبر في * هيجاء إلا عز هذا الدين قد كان عذرة سودد فافتضها * بالسيف فحل المشرق الافشين فأعادها تعوي الثعالب وسطها * ولقد ترى بالامس وهي عرين هطلت عليها من جماجم أهلها * ديم إمارتها طلى وشؤون كانت من المهجات قبل مفازة * عسرا فأضحت وهي منه معين وفي هذه السنة - أعني سنة ثلاث وعشرين ومائتين - أوقع ملك الروم توفيل بن ميخائيل بأهل
ملطية من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة، قتل فيها خلقا كثيرا من المسلمين، وأسر ما لا يحصون كثرة، وكان من جملة من أسر ألف مرأة من المسلمات.
ومثل بمن وقع في أسره من المسلمين فقطع آذانهم وأنوفهم وسمل أعينهم قبحه الله.
وكان سبب ذلك أن بابك لما أحيط به في مدينة البذ استوسقت الجيوش حوله وكتب إلى ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد جهز إلي جمهور جيشه ولم يبق في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنت تريد الغنيمة فانهض سريعا إلى ما حولك من بلاده فخذها فإنك لا تجد أحدا يمانعك عنها.
فركب توفيل بمائة ألف وانضاف إليه المحمرة الذين كانوا قد خرجوا في الجبال وقاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلم يقدر عليهم لانهم تحصنوا بتلك الجبال فلما قدم ملك الروم صاروا معه على المسلمين فوصلوا إلى ملطية فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا وأسروا نساءهم، فلما بلغ ذلك المعتصم انزعج لذلك جدا وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره وأمر بتعبئة الجيوش واستدعى القاضي والشهود فأشهدهم أن ما يملكه من الضياع ثلثه صدقة وثلثه لولده وثلثه لمواليه.
وخرج من بغداد فعسكر غربي دجلة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الاولى ووجه بين

يديه عجيفا وطائفة من الامراء ومعهم خلق من الجيش إعانة لاهل زبطرة، فأسرعوا السير فوجدوا ملك الروم قد فعل ما فعل وانشمر راجعا إلى بلاده، وتفارط الحال ولم يمكن الاستدراك فيه، فرجعوا إلى الخليفة لاعلامه بما وقع من الامر، فقال للامراء: أي بلاد الروم أمنع ؟ قالوا: عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الاسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية.
فتح عمورية على يد المعتصم لما تفرغ المعتصم من بابك وقتله وأخذ بلاده استدعى بالجيوش إلى بين يديه وتجهز جهازا لم يجهزه أحد كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه من آلات الحرب والاحمال والجمال والقرب والدواب والنفط والخيل والبغال شيئا لم يسمع بمثله، وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال، وبعث الافشين حيدر بن كاوس من ناحية سروج، وعبى جيوشه تعبئة لم يسمع بمثلها، وقدم بين يديه الامراء المعروفين بالحرب، فانتهى في سيره إلى نهر اللسى (1) وهو قريب من طرسوس، وذلك في رجب من
هذه السنة.
وقد ركب ملك الروم في جيشه فقصد نحو المعتصم فتقاربا حتى كان بين الجيشين نحو من أربعة فراسخ، ودخل الافشين بلاد الروم من ناحية أخرى، فجاؤوا في أثره وضاق ذرعه بسبب ذلك إن هو ناجز الخليفة جاءه الافشين من خلفه فالتقيا عليه فيهلك، وإن اشتغل بأحدهما وترك الآخر أخذه من خلفه.
ثم اقترب منه الافشين فسار إليه ملك الروم في شرذمة من جيشه واستخلف على بقية جيشه قريبا له فالتقيا هو والافشين في يوم الخميس لخمس بقين من شعبان منها، فثبت الافشين في ثاني الحال وقتل من الروم خلقا وجرح آخرين، وتغلب على ملك الروم وبلغه أن بقية الجيش قد شردوا عن قرابته وذهبوا عنه وتفرقوا عليه فأسرع الاوبة فإذا نظام الجيش قد انحل، فغضب على قرابته وضرب عنقه وجاءت الاخبار بذلك كله إلى المعتصم فسره ذلك وركب من فوره وجاء إلى أنقره ووافاه الافشين بمن معه إلى هناك، فوجدوا أهلها قد هربوا منه فتقووا منها بما وجدوا من طعام وغيره، ثم فرق المعتصم جيشه ثلاث فرق فالميمنة عليها الافشين، والميسرة عليها اشناس، والمعتصم في القلب، وبين كل عسكرين فرسخان، وأمر كل أمير من الافشين وأشناس أن يجعل لجيشه ميمنة وميسرة وقلبا ومقدمة وساقة، وأنهم مهما مروا عليه من القرى حرقوه وخربوه وأسروا وغنموا، وسار بهم كذلك قاصدا إلى عمورية، وكان بينها وبين مدينة أنقره سبع مراحل، فأول من وصل إليها من الجيش أشناس أمير الميسرة ضحوة يوم الخميس لخمس خلون من رمضان من هذه السنة، فدار حولها دورة ثم نزل على ميلين منها، ثم قدم المعتصم صبيحة يوم الجمعة بعده، فدار حولها دورة ثم نزل قريبا منها، وقد تحصن أهلها تحصنا شديدا وملاوا أبراجها بالرجال والسلاح، وهي مدينة عظيمة كبيرة جدا ذات سور
__________
(1) في ابن الاثير 6 / 481: نهر السن، وفي الطبري 10 / 335: نهر اللمس وهو على سلوقية قريبا من البحر بينه وبين طرسوس مسيرة يوم.

منيع وأبراج عالية كبار كثيرة.
وقسم المعتصم الابراج على الامراء فنزل كل أمير تجاه الموضع الذي أقطعه وعينه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشد إليه، أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين، وكان قد تنصر عندهم وتزوج منهم، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الاسلام
وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبني بناء ضعيفا بلا أساس، فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية فكان أول موضع انهدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الاسير، فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة فألح عليها المنجنيق فجعلوا فوقها البرادع ليردوا حدة الحجر فلم تغن شيئا، وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسخ.
فكتب نائب البلد إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم فلما اجتازوا بالجيش في طريقهما أنكر المسلمون أمرهما فسألوهما ممن أنتما ؟ فقالا: من أصحاب فلان - لامير سموه من أمراء المسلمين - فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب مناطس (1) نائب عمورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين ومناجزهم القتال كائنا في ذلك ما كان.
فلما وقف المعتصم على ذلك أمر بالغلامين فخلع عليهما، وأن يعطى كل غلام منهما بدرة، فأسلما من فورهما فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد وعليهما الخلع، وأن يوقفا تحت حصن مناطس فينثر عليهما الدراهم والخلع، ومعهما الكتاب الذي كتب به مناطس إلى ملك الروم فجعلت الروم تلعنهما وتسبهما.
ثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة فضاقت الروم ذرعا بذلك، وألح عليهم المسلمون في الحصار، وقد زاد المعتصم في المجانيق والدبابات وغير ذلك من آلات الحرب.
ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها، أعمل المجانيق في مقاومة السور، وكان قد غنم في الطريق غنما كثيرا جدا ففرقها في الناس وأمر أن يأكل كل رجل رأسا ويجئ بملء جلده ترابا فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الارض من كثرة ما طرح فيه من الاغنام ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقا ممهدا، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج الله إلى ذلك.
وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة، فبعث المعتصم من نادى في الناس: إنما ذلك سقوط السور.
ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، لكن لم يكن ما هدم يسع الخيل والرجال إذا دخلوا.
وقوي الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميرا يحفظه، فضعف ذلك الامير الذي هدمت ناحيته من
السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار، فذهب إلى مناطس فسأله نجدة فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا: لا نترك ما نحن موكلون في حفظه.
__________
(1) في الطبري: 10 / 339: ياطس، وفي ابن الاثير 6 / 485: ناطس.
وفي مروج الذهب 4 / 70: باطس وهو بطريق عمورية الكبير.

فلما يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به.
فلما وصل إليه أمر المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها فجعلت الروم يشيرون إليهم ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرا وتتابع المسلمون إليها يكبرون، وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلة ففتحوها قسرا وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم، ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الذي فيه النائب، وهو مناطس في حصن منيع، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الذي فيه مناطس فناداه المنادي ويحك يا مناطس ! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك.
فقالوا: ليس بمناطس ههنا مرتين.
فغضب المعتصم من ذلك وولى فنادى مناطس هذا مناطس هذا مناطس.
فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن وطلعت الرسل إليه فقالوا له: ويحك انزل على حكم أمير المؤمنين.
فتمنع ثم نزل متقلدا سيفا فوضع السيف في عنقه ثم جئ به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضربه بالسوط على رأسه ثم أمر به أن يمشي إلى مضرب الخليفة مهانا إلى الوطاق الذي فيه الخليفة نازل، فأوثق هناك.
وأخذ المسلمون من عمورية أموالا لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لئلا يتقوى بها الروم على شئ من حرب المسلمين، ثم انصرف المعتصم راجعا إلى ناحية طرسوس في آخر شوال من هذه السنة.
وكانت إقامته على عمورية خمسة وعشرين (1) يوما.
مقتل العباس بن المأمون
كان العباس مع عمه المعتصم في غزوة عمورية، وكان عجيف بن عنبسة قد ندمه إذ لم يأخذ الخلافة بعد أبيه المأمون بطرسوس حين مات بها، ولامه على مبايعته عمه المعتصم (2)، ولم يزل به حتى أجابه إلى الفتك بعمه وأخذ البيعة من الامراء له، وجهز رجلا يقال له الحارث السمرقندي وكان نديما للعباس، فأخذ له البيعة من جماعة من الامراء في الباطن، واستوثق منهم وتقدم إليهم أنه يلي الفتك بعمه، فلما كانوا بدرب الروم وهم قاصدون إلى أنقره ومنها إلى عمورية، أشار عجيف على العباس أن يقتل عمه في هذا المضيق ويأخذ له البيعة ويرجع إلى بغداد، فقال العباس: إني أكره أن أعطل على الناس هذه الغزوة، فلما فتحوا عمورية واشتغل الناس بالمغانم أشار عليه أن يقتله فوعده مضيق الدرب إذا رجعوا، فلما رجعوا فطن المعتصم بالخبر فأمر بالاحتفاظ وقوة الحرس وأخذ بالحزم واجتهد
__________
(1) في الطبري 10 / 343 وابن الاثير 6 / 488: خمسة وخمسين.
(2) كان عجيف بن عنبسة قد نقم على المعتصم لانه لم يطلق يده كما أطلق يد الافشين.
وقيد حركته واستقصر أمره وأفعاله فعمل على تحريض العباس بن المأمون على عمه وشجعه على طلب الخلافة (الطبري - ابن الاثير).

بالعزم، واستدعى بالحارث السمرقندي فاستقره فأقر له بجملة الامر، وأخذ البيعة للعباس بن المأمون من جماعة من الامراء أسماهم له، فاستكثرهم المعتصم واستدعى بابن أخيه العباس فقيده وغضب عليه وأهانة، ثم أظهر له أنه قد رضي عنه وعفا عنه، فأرسله من القيد وأطلق سراحه، فلما كان من الليل استدعاه إلى حضرته في مجلس شرابه واستخلى به حتى سقاه واستحكاه عن الذي كان قد دبره من الامر، فشرح له القضية، وذكر له القصة، فإذا الامر كما ذكر الحارث السمرقندي.
فلما أصبح استدعى بالحارث فأخلاه وسأله عن القضية ثانيا فذكرها له كما ذكرها أول مرة، فقال: ويحك إني كنت حريصا على ذلك فلم أجد إلى ذلك سبيلا بصدقك إياي في هذه القصة.
ثم أمر المعتصم حينئذ بابن أخيه العباس فقيد وسلم إلى الافشين، وأمر بعجيف وبقية الامراء الذين ذكرهم فاحتفظ عليهم، ثم أخذهم بأنواع النقمات التي اقترحها لهم، فقتل كل واحد منهم بنوع لم يقتل به الآخر، ومات العباس بن المأمون بمنبج فدفن هناك، وكان سبب موته أنه أجاعه جوعا شديدا، ثم جئ بأكل
كثير فأكل منه وطلب الماء فمنع حتى مات، وأمر المعتصم بلعنه على المنبر وسماه اللعين.
وقتل جماعة من ولد المأمون أيضا.
وحج بالناس فيها محمد بن داود.
وفيها توفي من الاعيان.
بابك الخرمي قتل وصلب كما قدمنا.
وخالد بن خداش (1) وعبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد.
ومحمد بن سنان العوفي (2).
وموسى بن إسماعيل (3).
ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين فيها خرج رجل بآمل طبرستان يقال له مازيار بن قارن بن يزداهرمز (4)، وكان لا يرضى أن يدفع الخراج إلى نائب خراسان عبد الله بن طاهر بن الحسين، بل يبعثه إلى الخليفة ليقبضه منه، فيبعث الخليفة من يتلقى الحمل إلى بعض البلاد ليقبضه منه ثم يدفعه إلى ابن طاهر، ثم آل أمره إلى أن وثب على تلك البلاد وأظهر المخالفة للمعتصم.
وقد كان المازيار هذا ممن يكاتب بابك الخرمي ويعده بالنصر.
ويقال إن الذي قوى رأس مازيار على ذلك الافشين ليعجز عبد الله بن طاهر عن مقاومته فيوليه المعتصم بلاد خراسان مكانه، فبعث إليه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب - أخا
__________
(1) أبو الهيثم المهلبي البصري المحدث خرج له البخاري في التاريخ ومسلم والنسائي.
قال أبو حاتم وغيره: صدوق، وقال ابن المديني: ضعيف.
(2) أبو بكر البصري أحد الاثبات روى عن جرير بن حازم وطبقته.
(3) أبو سلمة المنقري التبوذكي البصري الحافظ أكثر عن حماد بن سلمة وطبقته أحد أركان الحديث.
(4) في ابن الاثير 6 / 495: ونداد هرمز، وفي الطبري: وندا هرمز، وفي مروج الذهب 4 / 71 بندار هرمس، وقال اسم المازيار: محمد وقد خرج سنة 225 وليس سنة 224.
قال ابن الاثير: والاصح سنة 224، وكان قتله سنة 225 ه.

إسحاق بن إبراهيم - في جيش كثيف فجرت بينهم حروب طويلة استقصاها ابن جرير، وكان آخر ذلك أسر المازيار وحمله إلى ابن طاهر، فاستقره عن الكتب التي بعثها إليه الافشين فأقربها، فأرسله إلى المعتصم وما معه من أمواله التي احتفظت للخليفة، وهي أشياء كثيرة جدا، من الجواهر والذهب
والثياب.
فلما أوقف بين يدي الخليفة سأله عن كتب الافشين إليه فأنكرها، فأمر به فضرب بالسياط حتى مات وصلب إلى جانب بابك الخرمي على جسر بغداد، وقتل عيون أصحابه وأتباعه.
وفيها تزوج الحسن بن الافشين باترجة بنت أشناس ودخل بها في قصر المعتصم بسامرا في جمادى، وكان عرسا حافلا، وليه المعتصم بنفسه، حتى قيل إنهم كانوا يخضبون لحا العامة بالغالية.
وفيها خرج منكجور الاشروسني قرابة الافشين بأرض أذربيجان وخلع الطاعة، وذلك أن الافشين كان قد استنابه على بلاد أذربيجان حتن فرغ من أمر بابك، فظفر منكجور بمال عظيم مخزون لبابك في بعض البلدان، فأخذه لنفسه وأخفاه عن المعتصم، وظهر على ذلك رجل يقال له عبد الله بن عبد الرحمن، فكتب إلى الخليفة في ذلك فكتب منكجور يكذبه في ذلك، وهم به ليقتله فامتنع منه بأهل أردبيل.
فلما تحقق الخليفة كذب منكجور بعث إليه بغا الكبير فحاربه وأخذه بالامان وجاء به إلى الخليفة.
وفيها مات مناطس الرومي نائب عمورية، وذلك أن المعتصم أخذه معه أسيرا فاعتقله بسامرا حتى مات في هذه السنة.
وفي رمضان منها مات إبراهيم بن المهدي بن المنصور عن المعتصم ويعرف بابن شكله، وكان أسود اللون ضخما فصيحا فاضلا، قال ابن ماكولا: وكان يقال له الصيني - يعني لسواده - وقد كان ترجمه ابن عساكر ترجمة حافلة، وذكر أنه ولي إمرة دمشق نيابة عن الرشيد أخيه مدة سنتين ثم عزله عنها ثم أعاده إليها الثانية فأقام بها أربع سنين.
وذكر من عدله وصرامته أشياء حسنة، وأنه أقام للناس الحج سنة أربع وثمانين، ثم عاد إلى دمشق، ولما بويع بالخلافة في أول خلافة المأمون سنة ثنتين ومائتين قاتله الحسن بن سهل نائب بغداد، فهزمه إبراهيم هذا، فقصده حميد الطوسي فهزم إبراهيم واختفى إبراهيم ببغداد حين قدمها المأمون، ثم ظفر به المأمون فعفا عنه وأكرمه.
وكانت مدة ولايته الخلافة سنة وأحد عشر شهرا واثنا عشر يوما، وكان بدء اختفائه في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، فمكث مختفيا ست سنين وأربعة أشهر وعشرا.
قال الخطيب: كان إبراهيم بن المهدي هذا وافر الفضل غزير الادب واسع النفس سخي الكف، وكان معروفا بصناعة الغناء، حاذقا فيها وقد قل المال عليه في أيام خلافته ببغداد فألح الاعراب عليه في أعطياتهم فجعل يسوف بهم.
ثم خرج إليهم رسوله يقول: إنه لا مال عنده اليوم، فقال بعضهم: فليخرج الخليفة إلينا
فليغن لاهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولاهل هذا الجانب ثلاثة أصوات.
فقال في ذلك دعبل شاعر المأمون يذم إبراهيم بن المهدي: يا معشر الاعراب لا تغلطوا * خذوا عطاياكم ولا تسخطوا فسوف يعطيكم حنينية * لا تدخل الكيس ولا تربط والمعبديات لقوادكم * وما بهذا أحد يغبط

فهكذا يرزق أصحابه * خليفة مصحفه البربط (1) وكتب إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء: ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كل عفو، كما جعل كل ذي نسب دونه، فإن عفا فبفضله وإن عاقب فبحقه.
فوقع المأمون في جواب ذلك.
القدرة تذهب الحفيظة وكفى بالندم إنابة وعفو الله أوسع من كل شئ.
ولما دخل عليه أنشأ يقول: إن أكن مذنبا فحظي أخطأت * فدع عنك كثرة التأنيب قل كما قال يوسف لبني يعقو * ب لما أتوه لا تثريب فقال المأمون: لا تثريب.
وروى الخطيب أن إبراهيم لما وقف بين يدي المأمون شرع يؤنبه على ما فعل فقال: يا أمير المؤمنين حضرت أبي وهو جدك وقد أتي برجل ذنبه أعظم من ذنبي فأمر بقتله فقال مبارك بن فضالة: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تؤخر قتل هذا الرجل حتى أحدثك حديثا، فقال: قل.
فقال: حدثني الحسن البصري عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ليقم العافون عن الناس من الخلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلا من عفا ".
فقال المأمون: قد قبلت هذا الحديث بقبوله وعفوت عنك يا عم.
وقد ذكرنا في سنة أربع ومائتين زيادة على هذا.
وكانت أشعاره جيدة بليغة سامحه الله.
وقد ساق من ذلك ابن عساكر جانبا جيدا.
كان مولد إبراهيم هذا في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومائة، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون (2) من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة.
وفيها توفي سعيد بن أبي مريم المصري.
وسليمان بن حرب (3).
وأبو معمر المقعد (4).
وعلي بن محمد المدائني الاخباري أحد أئمة هذا الشأن في زمانه.
وعمرو بن مرزوق شيخ البخاري.
وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأة.
وأبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقرآن والاخبار وأيام الناس، له المصنفات المشهورة المنتشرة بين الناس، حتى يقال إن الامام أحمد كتب كتابه
__________
(1) الابيات في الاغاني باختلاف في الالفاظ 20 / 150 (دار الكتب).
(2) كذا بالاصل وفيه نقص ظاهر، وفي الطبري وابن الاثير: مات في رمضان وفي وفيات الاعيان 1 / 41: لتسع خلون من شهر رمضان.
(3) أبو أيوب الازدي الواشحي البصري قاضي مكة، سمع شعبة وطبقته.
قال ابن ناصر الدين: هو ثقة ثبت.
(4) وهو عبد الله بن عمرو المنقري مولاهم البصري الحافظ.
قال ابن معين: ثقة ثبت.
قال ابن ناصر الدين: كنيته أبو عمر، حدث عن البخاري وغيره وهو ثقة.

في الغريب بيده، ولما وقف عليه عبد الله بن طاهر رتب له في كل شهر خمسمائة درهم، وأجراها على ذريته من بعده.
وذكر ابن خلكان: أن ابن طاهر استحسن كتابه وقال: ما ينبغي لعقل بعث صاحبه على تصنيف هذا الكتاب أن نحوج صاحبه إلى طلب المعاش.
وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر.
وقال محمد بن وهب المسعودي: سمعت أبا عبيد يقول: مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة.
وقال هلال بن العلاء (1) الرقي: من الله على المسلمين بهؤلاء الاربعة: الشافعي تفقه في الفقه والحديث، وأحمد بن حنبل في المحنة، ويحيى بن معين في نفي الكذب، وأبو عبيد في تفسير غريب الحديث.
ولو لا ذلك لاقتحم الناس المهالك.
وذكر ابن خلكان أن أبا عبيد ولي القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة، وذكر له من العبادة والاجتهاد في العبادة شيئا كثيرا.
وقد روى الغريب عن أبي زيد الانصاري والاصمعي وأبي عبيدة معمر بن المثنى، وابن الاعرابي، والفراء والكسائي وغيرهم وقال إسحاق بن راهويه: نحن نحتاج إليه وهو لا يحتاج إلينا.
وقدم بغداد وسمع الناس منه ومن تصانيفه.
وقال إبراهيم الحربي: كان كأنه
جبل نفخ فيه روح، يحسن كل شئ.
وقال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد فاضلا دينا ربانيا عالما متقنا ؟ (2) في أصناف علوم أهل الايمان والاتقان والاسلام: من القرآن والفقه والعربية والاحاديث، حسن الرواية صحيح النقل، لا أعلم أحدا طعن عليه في شئ من علمه وكتبه، وله كتاب الاموال وكتاب فضائل القرآن ومعانيه، وغير ذلك من الكتب المنتفع بها رحمه الله.
توفي في هذه السنة قاله البخاري.
وقيل في التي قبلها بمكة، وقيل بالمدينة.
وله سبع وستون سنة.
وقيل جاوز السبعين فالله أعلم.
ومحمد بن عثمان أبو الجماهر الدمشقي الكفرتوتي (3) أحد مشايخ الحديث.
ومحمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي الملقب بعارم شيخ البخاري، ومحمد بن عيسى بن الطباع (4).
ويزيد بن عبد ربه الجرجسي الحمصي شيخها في زمانه.
__________
(1) من وفيات الاعيان وتقريب التهذيب، وهو هلال بن العلاء بن هلال بن عمر الباهلي مولاهم، أبو عمر الرقي، صدوق، وفي الاصل: المعلى.
(2) في رواية ابن خلكان عن القاضي 4 / 60: متفننا.
(3) الكفرتوثي: نسبة إلى كفرتوثا قرية بالشام أو الجزيرة كما في اللباب والمراصد.
واسمه محمد بن عثمان التنوخي ثقة سمع من سعيد بن عبد العزيز وطبقته.
(4) الحافظ نزيل الثغر بأذنة سمع مالكا وطبقته.
قال أبو داود: كان يتفقه.

ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين فيها دخل بغا الكبير ومعه منكجور قد أعطى الطاعة بالامان.
وفيها عزل المعتصم جعفر بن دينار عن نيابة اليمن وغضب عليه وولى اليمن ايتاخ.
وفيها وجه عبد الله بن طاهر بالمازيار فدخل بغداد على بغل باكاف فضربه المعتصم بين يديه أربعمائة وخمسين سوطا ثم سقي الماء حتى مات، وأمر بصلبه إلى جنب بابك، وأقر في ضربه أن الافشين كان يكاتبه ويحسن له خلع الطاعة، فغضب المعتصم على الافشين وأمر بسجنه، فبنى له مكان كالمنارة من دار الخلافة تسمى الكوة، إنما تسعه
فقط، وذلك لما تحقق أنه يريد مخالفته والخروج عليه، وأنه قد عزم على الذهاب لبلاد الخزر ليستجيش بهم على المسلمين فعاجله الخليفة بالقبض عليه قبل ذلك كله وعقد له المعتصم مجلسا فيه قاضيه أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، ووزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات، ونائبه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فاتهم الافشين في هذا المجلس بأشياء تدل على أنه باق على دين أجداده من الفرس.
منها أنه غير مختتن فاعتذر أنه يخاف ألم ذلك، فقال له الوزير - وهو الذي كان يناظره من بين القوم - فأنت تطاعن بالرماح في الحروب ولا تخاف من طعنها وتخاف من قطع قلفة ببدنك ؟ ومنها أنه ضرب رجلين إماما ومؤذنا كل واحد ألف سوط لانهما هدما بيت أصنام فاتخذاه مسجدا.
ومنها أنه عنده كتاب كليلة ودمنة مصورا فيه الكفر وهو محلى بالجواهر والذهب، فاعتذر أنه ورثه من آبائهم.
واتهم بأن الاعاجم يكاتبونه وتكتب إليه في كتبها: أنت إله الآلهة من العبيد، وأنه يقرهم على ذلك.
فجعل يعتذر بأنه أجراهم على ما كانوا يكاتبون به أباه وأجداده، وخاف أن يأمرهم بترك ذلك فيتضع عندهم فقال له الوزير: ويحك فماذا أبقيت لفرعون حين قال: أنا ربكم الاعلى ؟ وأنه كان يكاتب المازيار بأن يخرج عن الطاعة وأنه في ضيق حتى ينصر دين المجوس الذي كان قديما ويظهره على دين العرب، وأنه كان يستطيب المنخنقة على المذبوحة، وأنه كان في كل يوم أربعاء يستدعي بشاة سوداء فيضربها بالسيف نصفين ويمشي بينهما ثم يأكلها، فعند ذلك أمر المعتصم بغا الكبير أن يسجنه مهانا ذليلا فجعل يقول: إني كنت أتوقع منكم ذلك.
وفي هذه السنة حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الافشين وزوجته أترجة بنت أشناس إلى سامرا.
وحج بالناس فيها محمد بن داود.
وفيها توفي من الاعيان أصبغ بن الفرج (1)، وسعدويه (2)، ومحمد بن سلام البيكندي شيخ البخاري، وأبو عمر الجرمي، وأبو دلف (3) العجلي التميمي الامير أحد الاجواد.
__________
(1) الفقيه، أبو عبد الله المصري الثقة مفتي أهل مصر.
قال ابن معين: كان من أعلم خلق الله برأي مالك.
(2) واسمه سعيد بن سليمان الواسطي، الحافظ.
قال أبو حاتم: ثقة مأمون مات ببغداد.
(3) واسمه قاسم بن عيسى العجلي صاحب الكرخ واحد من الابطال الممدوحين والاجواد المشهورين والشعراء
المجيدين ولي إمرة دمشق للمعتصم.

وسعيد بن مسعدة أبو الحسن الاخفش الاوسط البلخي ثم البصري النحوي، أخذ النحو عن سيبويه وصنف كتبا كثيرة منها كتاب في معاني القرآن، وكتاب الاوسط في النحو وغير ذلك، وله كتاب في العروض زاد فيه بحر الخبب على الخليل، وسمي الاخفش لصغر عينيه وضعف بصره، وكان أيضا أدلغ، وهو الذي لا يضم شفتيه على أسنانه، كان أولا يقال له الاخفش الصغير بالنسبة إلى الاخفش الكبير، أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهجري، شيخ سيبويه وأبي عبيدة، فلما ظهر علي بن سليمان ولقب بالاخفش أيضا صار سعيد بن مسعدة هو الاوسط، والهجري الاكبر، وعلي بن سليمان الاصغر.
وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل سنة إحدى وعشرين ومائتين.
الجرمي النحوي وهو صالح بن إسحاق البصري، قدم بغداد وناظر بها الفراء، وكان قد أخذ النحو عن أبي عبيدة وأبي زيد والاصمعي وصنف كتبا منها الفرخ - يعني فرخ كتاب سيبويه - وكان فقيها فاضلا نحويا بارعا عالما باللغة حافظا لها، دينا ورعا حسن المذهب، صحيح الاعتقاد وروى الحديث.
ذكره ابن خلكان وروى عنه المبرد، وذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان.
ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين في شعبان منها توفي الافشين في الحبس فأمر به المعتصم فصلب ثم أحرق وذري رماده في دجلة واحتيط على أمواله وحواصله فوجدوا فيها أصناما مكللة بذهب وجواهر، وكتبا في فضل دين المجوس وأشياء كثيرة كان يتهم بها، تدل على كفره وزندقته، وتحقق بسببها ما ذكر عنه من الانتماء إلى دين آبائه المجوس.
وحج بالناس فيها محمد بن داود.
وفيها توفي إسحاق الفروي، وإسماعيل بن أبي أويس (1)، ومحمد بن داود صاحب التفسير، وغسان بن الربيع (2)، ويحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم بن الحجاج، ومحمد بن عبد الله بن
طاهر بن الحسين.
__________
(1) الحافظ، أبو عبد الله الاصبحي المدني سمع من خاله مالك.
قال ابن ناصر الدين: أثنى عليه أحمد والبخاري وتكلم فيه النسائي وغيره.
(2) الازدي روى عن الرحمن بن ثابت بن ثوبان وطبقته وكان ورعا كبير القدر ليس بحجة.

وأبو دلف العجلي عيسى (1) بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزيز (2) بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لحيم الامير أبو دلف العجلي أحد قواد المأمون والمعتصم وإليه ينسب الامير أبو نصر بن ماكولا، صاحب كتاب الاكمال.
وكان القاضي جلال الدين خطيب دمشق القزويني يزعم أنه من سلالته، ويذكر نسبه إليه، وكان أبو دلف هذا كريما جوادا ممدحا، قد قصده الشعراء من كل أوب، وكان أبو تمام الطائي من جملة من يغشاه ويستمنح نداه، وكانت لديه فضيلة في الادب والغناء، وصنف كتبا منها سياسة الملوك، ومنها في الصيد والبزاة.
وفي السلاح وغير ذلك.
وما أحسن ما قيل فيه بكر بن النطاح الشاعر: يا طالبا للكيمياء وعلمه * مدح ابن عيسى الكيمياء الاعظم لو لم يكن في الارض إلا درهم * ومدحته لاتاك ذاك الدرهم فيقال: إنه أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، وكان شجاعا فاتكا، وكان يستدين ويعطي، وكان أبوه قد شرع في بناء مدينة الكرخ فمات ولم يتمها فأتمها أبو دلف، وكان فيه تشيع، وكان يقول: من لم يكن متغاليا في التشيع فهو ولد زنا.
فقال له ابنه دلف: لست على مذهبك يا أبة.
فقال: والله لقد وطئت أمك قبل أن أشتريها، فهذا من ذاك.
وقد ذكر ابن خلكان: أن ولده رأى في المنام بعد وفاة أبيه أن آتيا أتاه فقال: أجب الامير ! قال فقمت معه فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة السقوف والابواب.
ثم أصعدني في درج منها ثم أدخلني غرفة، وإذا في حيطانها أثر النيران، وفي أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي فيها وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه فقال لي كالمستفهم: أدلف ؟ فقلت
دلف.
فأنشأ يقول: أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم * ما لقينا في البرزخ الخناق قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا * فارحموا وحشتي وما قد ألاقي ثم قال: أفهمت ؟ قلت: نعم ! ثم أنشأ يقول: فلو أنا إذا متنا تركنا * لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا * ونسأل بعده عن كل شي ثم قال: أفهمت ؟ قلت: نعم.
وانتبهت.
__________
(1) في ابن الاثير ومروج الذهب وابن خلكان: اسمه قاسم بن عيسى.
ذكروه في وفيات سنة 225 ه.
(2) في ابن خلكان: عبد العزى.

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين فيها خرج رجل من أهل الثغور بالشام (1) يقال له أبو حرب المبرقع اليماني، فخلع الطاعة ودعا إلى نفسه.
وكان سبب خروجه أن رجلا من الجند أراد أن ينزل في منزله عند امرأته في غيبته فمانعته المرأة فضربها الجندي في يدها فأثرت الضربة في معصمها.
فلما جاء بعلها أبو حرب أخبرته فذهب إلى الجندي وهو غافل فقتله ثم تحصن في رؤوس الجبال وهو مبرقع، فإذا جاء أحد دعاه إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويذم من السلطان، فاتبعه على ذلك خلق كثير من الحراثين وغيرهم، وقالوا: هذا هو السفياني المذكور أنه يملك الشام، فاستفحل أمره جدا، واتبعه نحو من مائة ألف مقاتل، فبعث إليه المعتصم وهو في مرض موته جيشا نحوا من (2) مائة ألف مقاتل، فلما قدم أمير المعتصم بمن معه وجدهم أمة كثيرة وطائفة كبيرة، قد اجتمعوا حول أبي حرب، فخشي أن يواقعه والحالة هذه، فانتظر إلى أيام حرث الاراضي فتفرق عنه الناس إلى أراضيهم، وبقي في شرذمة قليلة فناهضه فأسره وتفرق عن أصحابه، وحمله أمير السرية وهو رجاء بن أيوب حتى قدم به على المعتصم، فلامه المعتصم في تأخره عن مناجزته أول ما قدم الشام، فقال: كان معه مائة ألف أو يزيدون، فلم أزل أطاوله حتى
أمكن الله منه، فشكره على ذلك.
وفيها في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الاول من هذه السنة كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور.
وهذه ترجمته هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي يقال له المثمن لانه ثامن ولد العباس، وأنه ثامن الخلفاء من ذريته، ومنها أنه فتح ثمان فتوحات، ومنها أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام.
وقيل ويومين، وأنه ولد سنة ثمانين ومائة في شعبان وهو الشهر الثامن من السنة، وأنه توفي وله من العمر ثمانية وأربعون سنة، ومنها أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات، ومنها أنه دخل بغداد من الشام في مستهل رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة بعد موت أخيه المأمون، قالوا: وكان أميالا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتاب غلام فمات الغلام فقال له أبو الرشيد: ما فعل غلامك ؟ قال: مات فاستراح من الكتاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكتاب إلى أن تجعل الموت راحة منه ؟ والله يا بني لا تذهب بعد اليوم إلى الكتاب.
فتركوه فكان أميا، وقيل بل كان يكتب كتابة
__________
(1) في الطبري وابن الاثير: بفلسطين.
(2) في الطبري 11 / 6: ألف رجل (انظر ابن الاثير 6 / 523).

ضعيفة.
وقد أسند الخطيب من طريقه عن آبائه حديثين منكرين أحدهما في ذم بني أمية ومدح بني العباس من الخلفاء.
والثاني في النهي عن الحجامة يوم الخميس.
وذكر بسنده عن المعتصم أن ملك الروم كتب إليه كتابا يتهدده فيه فقال للكاتب اكتب: قد قرأت كتابك وفهمت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.
قال الخطيب: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فأنكى نكاية عظيمة في العدو، وفتح عمورية وقتل من أهلها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقا، وطرح النار في عمورية في سائر نواحيها فأحرقها وجاء
بنائبها إلى العراق وجاء ببابها أيضا معه وهو منصوب حتى الآن على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر.
وروي عن أحمد بن أبي دؤاد القاضي أنه قال: ربما أخرج المعتصم ساعده إلي وقال لي: عض يا أبا عبد الله بكل ما تقدر عليه، فأقول إنه لا تطيب نفسي يا أمير المؤمنين أن أعض ساعدك، فيقول: إنه لا يضرني.
فأكدم بكل ما أقدر عليه فلا يؤثر ذلك في يده.
ومر يوما في خلافة أخيه بمخيم الجند فإذا امرأة تقول: ابني ابني، فقال لها: ما شأنك ؟ فقالت: ابني أخذه صاحب هذه الخيمة.
فجاء إليه المعتصم فقال له: أطلق هذا الصبي، فامتنع عليه فقبض على جسده بيده فسمع صوت عظامه مت تحت يده، ثم أرسله فسقط ميتا وأمر بإخراج الصبي إلى أمه.
ولما ولي الخلافة كان شهما وله همة عالية في الحرب ومهابة عظيمة في القلوب، وإنما كانت نهمته في الانفاق في الحرب لا في البناء ولا في غيره.
وقال أحمد بن أبي دؤاد: تصدق المعتصم على يدي ووهب ما قيمته مائة ألف ألف درهم.
وقال غيره: كان المعتصم إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل.
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت يوما على المعتصم وعنده قينة له تغنيه فقال لي: كيف تراها ؟ فقلت له: أراها تقهره بحذق، وتجتله برفق، ولا تخرج من شئ إلا إلى أحسن منه، وفي صوتها قطع شذور، أحسن من نظم الدر على النحور.
فقال: والله لصفتك لها أحسن منها ومن غنائها.
ثم قال لابنه هارون الواثق ولي عهده من بعده: اسمع هذا الكلام.
وقد استخدم المعتصم من الاتراك خلقا عظيما كان له من المماليك الترك قريب من عشرين ألفا، وملك من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره.
وما حضرته الوفاة جعل يقول (حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) [ الانعام: 44 ] وقال: لو علمت أن عمري قصير ما فعلت.
وقال: إني أحدث هذا الخلق، وجعل يقول: ذهبت الحيل فلا حيلة.
وروى عنه أنه قال في مرض موته: اللهم إني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي.
كانت وفاته بسر من رأي في يوم الخميس ضحى لسبع عشرة ليلة خلت من ربيع الاول من هذه السنة - أعني سنة سبع وعشرين ومائتين - وكان مولده يوم الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين
ومائة، وولي الخلافة في رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا

مشرب اللون، أمه أم ولد اسمها ماردة، وهو أحد أولاد ستة من أولاد الرشيد، كل منهم أسمه محمد، وهم أبو إسحاق محمد المعتصم، وأبو العباس محمد الامين، وأبو عيسى محمد، وأبو أحمد، وأبو يعقوب، وأبو أيوب.
قاله هشام بن الكلبي.
وقد ولي الخلافة بعده ولده هارون الواثق.
وقد ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه فقال: قد قلت إذ غيبوك واصطفقت * عليك أيدي التراب (1) والطين إذهب فنعم الحفيظ (2) كنت على ال * دنيا ونعم الظهير (2) للدين لا جبر الله أمة فقدت * مثلك إلا بمثل هارون وقال مروان بن أبي الجنوب - وهو ابن أخي (3) حصفة -: أبو إسحاق مات ضحى فمتنا * وأمسينا بهارون حيينا لئن جاء الخميس بما كرهنا * لقد جاء الخميس بما هوينا خلافة هارون الواثق بن المعتصم بويع له بالخلافة قبل موت أبيه يوم الاربعاء لثمان خلون من ربيع الاول (4) من هذه السنة - أعني سنة سبع وعشرين ومائتين - ويكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية يقال لها قراطيس، وقد خرجت في هذه السنة قاصدة الحج فماتت بالحيرة ودفن بالكوفة في دار داود بن عيسى، وذلك لاربع خلون من ذي القعدة من هذه السنة، وكان الذي أقام للناس الحج فيها جعفر بن المعتصم.
وفيها توفي ملك الروم توفيل بن ميخائيل، وكان مدة ملكه ثنتي عشرة سنة، فملكت الروم بعده امرأته تدورة.
وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرا.
وفيها توفي: بشر الحافي الزاهد المشهور وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي، نزيل بغداد.
قال ابن خلكان: وكان اسم جده عبد الله الغيور (5)، أسلم
__________
(1) في الطبري 11 / 7: أيد بالترب، وفي الفخري ص 234: أيد بالماء.
(2) في الفخري: في الموضعين: المعين.
(3) في الطبري: ابن أبي حفصة، وهو مروان الاصغر أبو السمط حفيد مروان الاكبر ابن أبي حفصة.
(4) في ابن الاثير 6 / 528 ومروج الذهب 4 / 75: بويع في اليوم الذي توفي فيه أبوه، يوم الخميس لثماني عشرة ليلة.
خلت من ربيع الاول.
(5) في ابن خلكان المطبوع 1 / 274: بعبور.

على يدي علي بن أبي طالب.
قلت: وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وابن مهدي، ومالك، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم.
وعنه جماعة منهم أبو خيثمة، وزهير بن حرب، وسري السقطي، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن حاتم.
قال محمد بن سعد: سمع بشر كثيرا ثم اشتغل بالعبادة واعتزل الناس ولم يحدث.
وقد أثنى عليه غير واحد من الائمة في عبادته وزهادته وورعه ونسكه وتقشفه.
قال الامام أحمد يوم بلغه موته: لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوج لتم أمره.
وفي رواية عنه أنه قال: ما ترك بعده مثله.
وقال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا منه، ولا أحفظ للسانه منه، ما عرف له غيبة لمسلم، وكان في كل شعرة منه عقل.
ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء وما نقص من عقله شئ.
وذكر غير واحد أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عزوجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك ههنا ملقى يداس ! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية وضمخ تلك الرقعة منها ووضعها حيث لا تنال، فأحيى الله قلبه وألهمه رشده وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة.
ومن كلامه: من أحب الدنيا فليتهيأ للذل.
وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له: أما لك أدم ؟ فقال: بل أذكر العافية فأجعلها أدما.
وكان لا يلبس نعلا بل يمشي حافيا فجاء يوما إلى باب فطرقه فقيل من ذا ؟ فقال: بشر الحافي.
فقالت له جارية صغيرة: لو اشترى نعلا بدرهم لذهب عنه اسم
الحافي.
قالوا: وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذاء فطلب منه شراكا لنعله فقال: ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس ؟ فطرح النعل من يده وخلع الاخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا.
قال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم عاشوراء، وقيل في رمضان ببغداد، وقيل بمرو.
قلت: الصحيح ببغداد في هذه السنة، وقيل في سنة ست وعشرين والاول أصح والله أعلم.
وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة.
وكان على المدائني وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلا صوته في الجنازة: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة.
وقد روي أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكنه.
وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل الله بك ؟ فقال غفر لي ولكل من أحبني إلى يوم القيامة.
وذكر الخطيب أنه كان له أخوات ثلاث وهن: مخة، ومضغة، وزبدة.
وكلهن عابدات زاهدات مثله وأشد ورعا أيضا.
ذهبت إحداهن إلى الامام أحمد بن حنبل فقالت: إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر فهل علي عند البيع أن أميز هذا من هذا ؟ فقال: إن كان بينهما فرق فميزي للمشتري.
وقالت له مرة إحداهن: ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات فخلصني من ذلك.
فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار.
وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى ؟ قال لا ! إنما هو شكوى إلى الله عز وجل.
ثم خرجت فقال لابنه عبد

الله: يا بني اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة ؟ قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر، وإذا هي أخته مخة.
وروى الخطيب أيضا عن زبدة قالت: جاء ليلة أخي بشر فدخل برجله في الدار وبقيت الاخرى خارج الدار، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح، فقيل له فيم تفكرت ليلتك ؟ فقال: تفكرت في بشر النصراني وبشر اليهودي وبشر المجوسي وفي نفسي لان أسمي بشر، فقلت في نفسي: ما الذي سبق لي من الله حتى خصني بالاسلام من بينهم ؟ فتفكرت في فضل الله علي وحمدته أن هداني للاسلام، وجعلني ممن خصه به، وألبسني لباس أحبابه وقد ترجمه ابن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير
ملال، وقد ذكر له أشعارا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الابيات: تعاف القذى في الماء لا تستطيعه * وتكرع من حوض الذنوب فتشرب وتؤثر من أكل الطعام ألذه * ولا تذكر المختار من أين يكسب وترقد يا مسكين فوق نمارق * وفي حشوها نار عليك تلهب فحتى متى لا تستفيق جهالة * وأنت ابن سبعين بدينك تلعب وممن توفي فيها أحمد بن يونس (1)، وإسماعيل بن عمرو البجلي (2)، وسعيد بن منصور صاحب السنن المشهورة التي لا يشاركه فيها إلا القليل، ومحمد بن الصباح الدولابي.
وله سنن أيضا.
وأبو الوليد الطيالسي (3)، وأبو الهذيل العلاف المتكلم المعتزلي.
والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين في رمضان منها خلع الواثق على أشناس الامير، وتوجه وألبسه وشاحين من جوهر وحج بالناس فيها محمد بن داود الامير.
وغلا السعر على الناس في طريق مكة جدا، وأصابهم حر شديد وهم بعرفة، ثم أعقبه برد شديد ومطر عظيم، كل ذلك في ساعة واحدة، ونزل عليهم وهم بمنى مطر لم ير مثله، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت جماعة من الحجاج.
قال ابن جرير: وفيها مات أبو الحسن المدائني أحد أئمة هذا الشأن في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصلي.
وحبيب بن أوس الطائي أبو تمام الشاعر.
__________
(1) أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله اليربوعي الكوفي الحافظ سمع الثوري وطبقته وعاش 94 سنة وهو من الثقات الاثبات.
(2) محدث أصبهان وهو كوفي وثقه ابن حبان وغيره وضعفه الدار قطني وهو مكثر عالي الاسناد.
(3) واسمه هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري الحافظ أحد أركان الحديث.
قال أبو حاتم: إمام فقيه عاقل ثقة.
قال ابن وارة: ما أراني أدركت مثله.
مات وله 94 سنة.

قلت أما أبو الحسن المدائني فاسمه علي بن المدائني أحد أئمة هذا الشأن، وإمام الاخباريين في
زمانه، وقد قدمنا ذكر وفاته قبل هذه السنة.
وأما: أبو تمام الطائي الشاعر صاحب الحماسة التي جمعها في فضل النساء بهمدان في دار وزيرها.
فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الاشج بن يحيى أبو تمام الطائي الشاعر الاديب.
ونقل الخطيب عن محمد بن يحيى الصولي: أنه حكى عن بعض (1) الناس أنهم قالوا: أبو تمام حبيب بن تدرس (2) النصراني، فسماه أبوه حبيب أوس بدل تدرس.
قال ابن خلكان: وأصله من قرية جاسم من عمل الجيدور بالقرب من طبرية، وكان بدمشق يعمل عند حائك، ثم سار به إلى مصر في شبيبته.
وابن خلكان أخذ ذلك من تاريخ ابن عساكر، وقد ترجم له أبو تمام ترجمة حسنة.
قال الخطيب: وهو شامي الاصل، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس بعض الادباء فأخذ عنهم وكان فطنا فهما، وكان يحب الشعر فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد، وشاع ذكره وبلغ المعتصم خبره فحمله إليه وهو بسر من رأى، فعمل فيه قصائد فأجازه وقدمه على شعراء وقته، قدم بغداد فجالس الادباء وعاشر العلماء، وكان موصوفا بالظرف وحسن الاخلاق.
وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر أخبارا بسنده.
قال ابن خلكان: كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك، وكان يقال: في طئ ثلاثة: حاتم في كرمه (3)، وداود الطائي في زهده، وأبو تمام في شعره.
وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص، ودعبل، وابن أبي قيس، وكان أبو تمام من خيارهم دينا وأدبا وأخلاقا.
ومن رقيق شعره قوله: يا حليف الندى وما معدن الجود * ويا خير من حويت القريضا ليت حماك بي وكان لك الاج * ر فلا تشكي وكنت المريضا وقد ذكر الخطيب عن إبراهيم بن محمد بن عرفة أن أبا تمام توفي في سنة إحدى وثلاثين ومائتين وكذا قال ابن جرير (4).
وحكى عن بعضهم أنه توفي في سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة ثنتين وثلاثين فالله أعلم.
وكانت وفاته بالموصل، وبنيت على قبره قبة، وقد رثاه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات فقال:
__________
(1) في الموازنة للآمدي 1 / 534: عند أكثر الناس.
(2) في ابن خلكان 2 / 11 والموازنة: تدوس.
(3) في ابن خلكان 2 / 14: جوده.
(4) لم يأت ابن جرير في حوادث سنة 231 على ذكر أبي تمام، بل ذكر وفاته في سنة 228 وقد تقدم ذلك.

نبأ أتى من أعظم الانباء * لما ألم مقلقل الاحشاء قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم * ناشدتكم لا تجعلوه الطائي وقال غيره: فجع القريض بخاتم الشعراء * وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معا فتجاروا في حفرة * وكذاك كانا قبل في الاحياء وقد جمع الصولي شعر أبي تمام على حروف المعجم.
قال ابن خلكان: وقد امدتح أحمد بن المعتصم ويقال ابن المأمون بقصيدته التي يقول فيها: إقدام عمرو في سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال له بعض الحاضرين: أتقول هذا لامير المؤمنين وهو أكبر قدرا من هؤلاء ؟ فإنك ما زدت على أن شبهته بأجلاف من العرب البوادي.
فأطرق إطراقة ثم رفع رأسه فقال: لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في الندى والباس فالله قد ضرب الاقل لنوره * مثلا من المشكاة والنبراس قال: فلما أخذوا القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين، وإنما قالهما ارتجالا.
قال: ولم يعش بعد هذا إلا قليلا حتى مات.
وقيل إن الخليفة أعطاه الموصل لما مدحه بهذه القصيدة، فأقام بها أربعين يوما ثم مات.
وليس هذا بصحيح، ولا أصل له، وإن كان قد لهج به بعض الناس كالزمخشري وغيره.
وقد أورد له ابن عساكر أشياء من شعره مثل قوله: ولو كانت الارزاق تجرى على الحجا * هلكن إذا من جهلهن البهائم
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد * ولا المجد في كف امرئ والدراهم ومنه قوله: وما أنا بالغيران من دون غرسه * إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة * ومذهب همي والمفرج للغم وفيها توفي أبو نصر الفارأبي (1).
والعيشي (2)، وأبو الجهم (3)، ومسدد (4)، وداود بن عمرو
__________
(1) كذا بالاصل، وهو عبد الملك بن مالك بن عبد العزيز أبو نصر التمار الزاهد وكان ثقة عابدا عالما قانتا ورعا وله 91 سنة.
(2) من تقريب التهذيب، وفي الاصل العبسي تحريف، واسمه عبيد الله بن محمد بن عائشة، والعيشي نسبة إلى عائشة =

الضبي (1)، ويحيى بن عبد الحميد الحماني (2).
ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين فيها أمر الواثق بعقوبة الدواوين وضربهم واستخلاص الاموال منهم، لظهور خياناتهم وإسرافهم في أمورهم، فمنهم من ضرب ألف سوط وأكثر من ذلك وأقل، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار، ودون ذلك، وجاهر الوزير محمد بن عبد الملك لسائر ولاة الشرط بالعداوة فعسفوا وحبسوا ولقوا شرا عظيما، وجهدا جهيدا، وجلس إسحاق بن إبراهيم للنظر في أمرهم، وأقيموا للناس وافتضحوهم والدواوين فضحية بليغة.
وكان سبب ذلك أن الواثق جلس ليلة في دار الخلافة وجلسوا يسمرون عنده، فقال: هل منكم أحد يعرف سبب عقوبة جدي الرشيد للبرامكة ؟ فقال بعض الحاضرين: نعم يا أمير المؤمنين ! سبب ذلك أن الرشيد عرضت له جارية فأعجبه جمالها فساوم سيدها فيها فقال: يا أمير المؤمنين إني أقسمت بكل يمين أن لا أبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فاشتراها منه بها وبعث إلى يحيى بن خالد الوزير ليبعث إليه بالمال من بيت المال، فاعتل بأنها ليست عنده، فأرسل الرشيد إليه يؤنبه ويقول: أما في بيت مالي مائة ألف دينار ؟ وألح في طلبها فقال يحيى بن خالد: أرسلوها إليه دراهم ليستكثرها، ولعله يرد الجارية.
فبعثوا بمائة ألف دينار دراهم ووضعوها في طريق
الرشيد وهو خارج إلى الصلاة، فلما اجتاز به رأى كوما من دراهم، فقال: ما هذا قالوا: ثمن الجارية، فاستكثر ذلك وأمر بخزنها عند بعض خدمه في دار الخلافة، وأعجبه جمع المال في حواصله، ثم شرع في تتبع أموال بيت المال فإذا البرامكة قد استهلكوها، فجعل يهم بهم تارة يريد أخذهم وهلاكهم، وتارة يحجم عنهم، حتى إذا كان في بعض الليالي سمر عنده رجل يقال له أبو العود فأطلق له ثلاثين ألفا من الدراهم، فذهب إلى الوزير يحيى بن خالد بن برمك فطلبها منه فماطله مدة طويلة، فلما كان في بعض الليالي في السمر عرض أبو العود بذلك للرشيد في قول عمر بن أبي ربيعة: وعدت هند وما كادت تعد * ليت هندا أنجزتنا ما تعد واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد
__________
= بنت طلحة لانه من ذريتها ثقة أحد الفصحاء الاجواد.
(3) أبو الجهم واسمه العلاء بن موسى الباهلي.
قال الخطيب: صدوق روى عن الليث بن سعد وجماعة.
(4) مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن مطربل بن ارندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورد الاسدي.
أحد الحفاظ الثقات.
(1) البغدادي وكان ثقة مبرزا على أصحابه.
سمع نافع بن عمر الجمحي وطائفة.
(2) أبو زكريا الكوفي الحافظ أحد أركان الحديث، وثقه ابن معين وضعفه غيره.

فجعل الرشيد يكرر قوله: إنما العاجز من لا يستبد، ويعجبه ذلك.
فلما كان الصباح دخل عليه يحيى بن خالد فأنشده الرشيد هذين البيتين وهو يستحسنهما، ففهم ذلك يحيى بن خالد وخاف وسأل عن من أنشد ذلك للرشيد ؟ فقيل له أبو العود.
فبعث إليه وأعطاه الثلاثين ألفا وأعطاه من عنده عشرين ألفا، وكذلك ولداه الفضل وجعفر، فما كان عن قريب حتى أخذ الرشيد البرامكة، وكان من أمرهم ما كان.
فلما سمع ذلك الواثق أعجبه وجعل يكرر قول الشاعر: إنما العاجز من لا يستبد.
ثم بطش بالكتاب وهم الدواوين على إثر ذلك، وأخذ منهم أموالا عظيمة جدا.
وفيها حج بالناس أمير
السنة الماضية وهو أمير الحجيج في السنتين الماضيتين.
وفيها توفي خلف بن هشام البزار أحد مشاهير القراء، وعبد الله بن محمد المسندي (1)، ونعيم بن حماد الخزاعي أحد أئمة السنة بعد أن كان من أكابر الجهمية، وله المصنفات في السنن وغيرها، وبشار بن عبد الله المنسوب إليه النسخة المكذوبة عنه أو منه، ولكنها عالية الاسناد إليه، ولكنها موضوعة.
ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين في جمادى منها خرجت بن سليم حول المدينة النبوية فعاثوا في الارض فسادا، وأخافوا السبيل، وقاتلهم أهل المدينة فهزموا أهلها واستحوذوا على ما بين المدينة ومكة من المناهل والقرى، فبعث إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى التركي في جيش فقاتلهم في شعبان فقتل منهم خمسين فارسا وأسر منهم وانهزم بقيتهم، فدعاهم إلى الامان وأن يكونوا على حكم أمير المؤمنين، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فدخل بهم المدينة وسجن رؤوسهم في دار يزيد بن معاوية وخرج إلى الحج في هذه السنة، وشهد معه الموسم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب نائب العراق.
وفيها حج بالناس محمد بن دواد المتقدم.
وفيها توفي: عبد الله بن طاهر بن الحسين نائب خراسان وما والاها.
وكان خراج ما تحت يده في كل سنة ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فولى الواثق مكانه ابنه طاهر.
وتوفي قبله أشناس التركي بتسعة أيام، يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول من هذه السنة.
وقال ابن خلكان: توفي سنة ثمان وعشرين بمرو، وقيل بينسابور، وكان كريما جوادا، وله شعر حسن، وقد ولي نيابة مصر بعد العشرين ومائتين.
__________
(1) لقب بالمسندي لانه تتبع المسند وجمعه، وهو أبو جعفر الجعفي البخاري، ثقة حافظ روى عنه البخاري وغيره.

وذكر الوزير أبو القاسم بن المغربي: أن البطيخ العبد لاوي الذي بمصر منسوب إلى عبد الله بن طاهر هذا.
قال ابن خلكان: لانه كان يستطيبه، وقيل لانه أول من زرعه هناك والله أعلم.
ومن جيد
شعره: اغتفر زلتي لتحرز فضل الش * كر مني ولا يفوتك أجبري لا تلكني إلى التوسل بالعذ * ر لعلي أن لا أقوم بعذري ومن شعره قوله: نحن قوم يليننا الخد والنح * ر (1) على أننا نلين الحديدا طوع أيدي الصبا تصيدنا العي * ن ومن شأننا نصيد الاسودا (2) نملك الصيد ثم تملكنا البي * ض المضيئات أعينا وخدودا تتقي سخطنا الاسود ونخشى * سقط الخشف حين تبدي القعودا (3) قترانا يوم الكريهة أحرا * را وفي السلم للغواني عبيدا قال ابن خلكان: وكان خزاعيا من موالي طلحة الطلحات الخزاعي، وقد كان أبو تمام يمدحه، فدخل إليه مرة فأضافه الملح بهمدان فصنف له كتاب الحماسة عند بعض نسائه.
ولما ولاه المأمون نيابة الشام ومصر صار إليها وقد رسم له بما في ديار مصر من الحواصل، فحمل إليه وهو في أثناء الطريق ثلاثة آلاف ألف دينار، ففرقها كلها في مجلس واحد، وأنه لما واجه مصر نظر إليها فاحتقرها وقال: قبح الله فرعون، ما كان أخسه وأضعف همته حين تبجح وتعاظم بملك هذه القرية، وقال: أنا ربكم الاعلى.
وقال: أليس لي ملك مصر.
فكيف لو رأى بغداد وغيرها.
وفيها توفي علي بن جعد الجوهري (4)، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي مصنف كتاب الطبقات وغيره.
وسعيد بن محمد الجرمي (5).
__________
(1) في وفيات الاعيان 3 / 85: يليننا الحدق النجل.
(2) في ابن خلكان:...تقتادنا العي * ن ونقتاد بالطعان الاسودا (3) في الوفيات: سخط الخشف حين يبدي الصدودا.
وقال ابن خلكان: (وقيل: انها لاصرم بن حميد ممدوح أبي تمام).
والابيات في ديوانه 3 / 270.
(4) أبو الحسن الهاشمي مولاهم البغدادي الحافظ محدث بغداد.
وكان ثقة عجبا في حفظه لم يرو عنه مسلم.
مات وله 96 سنة.
(5) الكوفي كان صاحب حديث خرج له الشيخان وأبو داود.
وثقة أبو داود خلق.

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين فيها وقعت مفاداة الاسارى المسلمين الذين كانوا في أيدي الروم على يدي الامير خاقان الخادم وذلك في المحرم من هذه السنة، وكان عدة الاسارى أربعة آلاف وثلثمائة واثنين وستين أسيرا (1).
وفيها كان مقتل أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله وأكرم مثواه.
وكان سبب ذلك أن هذا الرجل وهو أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي وكان جده مالك بن الهيثم من أكبر الدعاة إلى دولة بني العباس الذين قتلوا ولده هذا، وكان أحمد بن نصر هذا له وجاهة ورياسة، وكان أبوه نصر بن مالك يغشاه أهل الحديث، وقد بايعه العامة في سنة إحدى ومائتين على القيام بالامر والنهي حين كثرت الشطار والدعار في غيبة المأمون عن بغداد كما تقدم ذلك، وبه تعرف سويقة نصر ببغداد، وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلا ونهارا، سرا وجهارا، اعتمادا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها.
فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، والتف عليه من الالوف أعداد، وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان وهما أبو هارون السراج (2) يدعو أهل الجانب الشرقي، وآخر يقال له طالب يدعو أهل الجانب الغربي فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة، فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لاحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على
السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها.
فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان - وهي ليلة - الجمعة يضرب طبل في الليل فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، وأنفق طالب أبو هارون في أصحابه دينارا دينارا، وكان من جملة من أعطوه رجلان من بني أشرس، وكانا يتعاطيان الشراب، فلما كانت ليلة الخميس شربا في قوم من أصحابهم واعتقدا أن تلك الليلة هي ليلة الوعد، وكان ذلك قبله بليلة، فقاما يضربان على طبل في الليل ليجتمع إليهما الناس، فلم يجئ أحد وانحزم النظام وسمع الحرس في الليل فأعلموا نائب السلطنة، وهو محمد بن إبراهيم بن مصعب، وكان نائبا لاخيه إسحاق بن إبراهيم، لغيبته عن بغداد، فأصبح الناس متخبطين، واجتهد نائب السلطنة على إحضار ذينك الرجلين فأحضرا فعاقبهما فأقرا على أحمد بن نصر، فطلبه وأخذ خادما له فاستقره فأقر بما أقر به الرجلان،
__________
(1) في ابن الاثير 7 / 24: وأربع مائة وستين نفسا، والنساء والصبيان ثمانمائة وأهل ذمة المسلمين مائة نفس.
(2) في ابن الاثير 7 / 21: الشداخ.

فجمع جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى، وذلك في آخر شعبان، فأحضر له جماعة من الاعيان وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شئ مما كان منه في مبايعته العوام على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله وقال له: ما تقول في القرآن ؟ فقال: هو كلام الله.
قال: أمخلوق هو ؟ قال هو كلام الله.
وكان أحمد بن نصر قد استقل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما يسترها فقال له: فما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة ؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والاخبار بذلك، قال الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) [ القيامة: 22 - 23 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) (1).
فنحن على الخبر.
زاد الخطيب قال الواثق: ويحك ! أيرى كما يرى المحدود المتجسم ؟ ويحويه مكان ويحصره الناظر ؟ أنا أكفر برب هذه صفته.
قلت: وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم.
ثم قال أحمد بن نصر للواثق: وحدثني سفيان بحديث يرفعه (إن قلب ابن آدم بأصبعين من أصابع لله يقلبه كيف شاء) (2) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " (3).
فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويحك، انظر ما تقول.
فقال: أنت أمرتني بذلك.
فأشفق إسحاق من ذلك وقال: أنا أمرتك ؟ قال: نعم، أنت أمرتني أن أنصح له.
فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون في هذا الرجل ؟ فأكثروا القول فيه.
فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل وكان موادا لا حمد بن نصر قبل ذلك - يا أمير المؤمنين هو حلال الدم.
وقال أبو عبد الله الارمني صاحب أحمد بن أبي دؤاد: اسقني دمه يا أمير المؤمنين.
فقال الواثق: لا بد أن يأتي ما تريد.
وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل.
فقال الواثق: إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي.
ثم نهض إليه بالصمصامة - وقد كانت سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير - فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط صريعا رحمه الله على النطع ميتا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
رحمه الله وعفا
__________
(1) أخرجه البخاري في التوحيد (24) والمواقيت باب 16، 26 وفي تفسير سورة (ق) آية (2) ومسلم في المساجد ح (211) وأبو داود في السنة (19) والترمذي في الجنة (16) (17) وابن ماجه في المقدمة باب (13).
والامام أحمد في المسند 4 / 360، 362، 365.
(2) أخرجه الترمذي في الدعوات باب (89).
وأخرج نحوه الامام أحمد في المسند 2 / 173.
(3) أخرجه ابن ماجه في المقدمة (13) والبخاري في التوحيد باب (11) والترمذي في القدر (7) والدعوات (89) والامام أحمد في المسند 4 / 182، 418، 6 / 91، 251، 294، 302.

عنه.
ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه وحز رأسه وحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك الخرمي فصلب فيها، وفي رجليه زوج قيود وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد
فنصب في الجانب الشرقي أياما، وفي الغربي أياما، وعنده الحرس في الليل والنهار، وفي أذنه رقعة مكتوب فيها: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر الخزاعي، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الامام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن، ونفي التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح، فالحمد لله الذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه.
ثم أمر الواثق بتتبع رؤوس أصحابه فأخذ منهم نحوا من تسع وعشرين رجلا فأودعوا في السجون وسموا الظلمة، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد، ولم يجر عليهم شئ من الارزاق التي كانت تجري على المحبوسين وهذا ظلم عظيم.
وقد كان أحمد بن نصر هذا من أكابر العلماء العالمين القائمين بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسمع الحديث من حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وهاشم بن بشير، وكانت عنده مصنفاته كلها، وسمع من الامام مالك بن أنس أحاديث جيدة (1)، ولم يحدث بكثير من حديثه، وحدث عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخوه يعقوب بن إبراهيم ويحيى بن معين، وذكره يوما فترحم عليه وقال: قد ختم الله له بالشهادة، وكان لا يحدث ويقول إني لست أهلا لذلك.
وأحسن يحيى بن معين الثناء عليه جدا.
وذكره الامام أحمد بن حنبل يوما فقال: رحمه الله ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له.
وقال جعفر بن محمد الصائغ: بصرت عيناي وإلا فقئتا وسمعت أذناي وإلا فصمتا أحمد بن نصر الخزاعي حين ضربت عنقه يقول رأسه: لا إله إلا الله.
وقد سمعه بعض الناس وهو مصلوب على الجذع ورأسه يقرأ (آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) [ العنكبوت: 1 - 2 ] قال: فاقشعر جلدي.
ورآه بعضهم في النوم فقال له: ما فعل بك ربك ؟ فقال: ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله عز وجل فضحك إلي.
ورأى بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ومعه أبو بكر وعمر، قد مروا على الجذع الذي عليه رأس أحمد بن نصر، فلما جاوزوه أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه الكريم عنه فقيل له: يا رسول الله ما لك أعرضت عن أحمد بن نصر ؟ فقال: " أعرضت عنه استحياء منه حين قتله رجل يزعم أنه من أهل بيتي ".
ولم يزل رأسه منصوبا من يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة إحدى وثلاثين ومائتين - إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومائتين، فجمع بين رأسه وجثته ودفن بالجانب الشرقي من بغداد بالمقبرة المعروفة بالمالكية رحمه الله.
وذلك بأمر المتوكل
__________
(1) زيد في المنهج الاحمد 1 / 152: وحماد بن زيد ورباح بن زيد وهشيم بن بشير.

على الله الذي ولي الخلافة بعد أخيه الواثق، وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكتاني - صاحب كتاب الحيدة - على المتوكل وكان من خيار الخلفاء لانه أحسن الصنيع لاهل السنة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون، فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم، فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ويدفنه ففعل، وقد كان المتوكل يكرم الامام أحمد بن حنبل إكراما زائدا جدا كما سيأتي بيانه في موضعه.
والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل: يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رئي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن.
فوجل المتوكل من كلامه وساءه ما سمع في أخيه الواثق، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل: في قلبي شئ من قتل أحمد بن نصر.
فقال: يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك فقال: قطعني الله إربا إربا إن قتله إلا كافرا.
ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد فقال له مثل ذلك فقال: ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرا.
قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار.
وأما هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي فقال: يا معشر خزاعة هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه.
فقطعوه إربا إربا.
وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده - يعني بالفالج - ضربه الله قبل موته بأربع سنين، وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدا كما سيأتي بيانه في موضعه.
وروى أبو داود في كتاب المسائل عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أحمد بن نصر قال: سألت سفيان بن عيينة " القلوب بين إصبعين من أصابع الله، وإن الله يضحك ممن يذكره في الاسواق ".
فقال: اروها كما جاءت بلا كيف.
وفيها أراد الواثق أن يحج واستعد لذلك فذكر له أن الماء بالطريق قليل فترك الحج عامئذ.
وفيها تولى جعفر بن دينار نائب اليمن فسار إليها في أربعة آلاف فارس (1).
وفيها عدا قوم من العامة على بيت المال فأخذوا منه شيئا من الذهب والفضة، فأخذوا وسجنوا.
وفيها ظهر خارجي (2) ببلاد ربيعة فقاتله نائب الموصل فكسره وانهزم أصحابه.
وفيها قدم وصيف الخادم بجماعة من الاكراد نحو من خمسمائة في القيود، كانوا قد أفسدوا في الطرقات وقطعوها، فأطلق الخليفة لوصيف الخادم خمسة وسبعين ألف دينار، وخلع عليه.
وفيها قدم خاقان الخادم من بلاد الروم وقد تم الصلح والمفاداة بينه وبين الروم، وقدم معه جماعة من رؤوس الثغور، فأمر الواثق بامتحانهم بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فأجابوا إلا أربعة فأمر بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بالقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة.
وأمر الواثق أيضا بامتحان الاسارى الذين فودوا من أسر الفرنج بالقول بخلق القرآن وأن الله
__________
(1) زيد في الطبري 11 / 18 وابن الاثير 7 / 23: وألفا راجل.
(2) ذكره الطبري 11 / 18: محمد بن عمرو الخارجي من بني زيد بن تغلب.
وذكره ابن الاثير 7 / 23: محمد بن عبد الله الخارجي الثعلبي.

لا يرى في الآخرة فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فودي وإلا ترك في أيدي الكفار، وهذه بدعة صلعاء شنعاء عمياء صماء لا مستند لها من كتاب ولا سنة ولا عقل صحيح، بل الكتاب والسنة والعقل الصحيح بخلافها كما هو مقرر في موضعه.
وبالله المستعان وكان وقوع المفاداة عند نهر يقال له اللامس، عند سلوقية بالقرب من طرسوس، بدل كل مسلم أو مسلمة في أيدي الروم أو ذمي أو ذمية كان تحت عقد المسلمين أسير من الروم كان بأيدي المسلمين ممن لم يسلم، فنصبوا جسرين على النهر فإذا أرسل الروم مسلما أو مسلمة في جسرهم فانتهى إلى المسلمين كبر وكبر المسلمون، ثم يرسل المسلمون أسيرا من الروم على جسرهم فإذا انتهى إليهم تكلم بكلام يشبه التكبير أيضا.
ولم يزالوا كذلك مدة أربعة أيام بدل كل نفس نفس، ثم بقي مع خاقان جماعة من الروم الاسارى فأطلقهم للروم حتى يكون له الفضل عليهم.
قال ابن جرير: وفيها مات الحسن بن الحسين أخو طاهر بطبرستان في شهر رمضان.
وفيها مات الخطاب بن وجه الفلس وفيها مات أبو عبد الله بن الاعرابي الراوية يوم الاربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان، وهو ابن ثمانين سنة.
وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى أخت علي بن موسى الرضا.
وفيها مات مخارق المغني.
وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الاصمعي.
وعمرو بن أبي عمرو الشيباني.
ومحمد بن سعدان النحوي.
قلت: وممن توفي فيها أيضا أحمد بن نصر الخزاعي كما تقدم.
وإبراهيم بن محمد بن عرعرة (1).
وأمية بن بسطام (2).
وأبو تمام الطائي في قول.
والمشهور ما تقدم.
وكامل بن طلحة (3).
ومحمد بن سلام الجمحي (4).
وأخوه عبد الرحمن.
ومحمد بن منهال الضرير (5).
ومحمد بن منهال أخو حجاج.
وهارون بن معروف (6).
والبويطي صاحب الشافعي مات في السجن مقيدا على القول بخلق القرآن فامتنع من ذلك.
ويحيى بن بكير راوي الموطأ عن مالك.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائتين فيها عاثت قبيلة يقال لها بنو نمير باليمامة فسادا فكتب الواثق إلى بغا الكبير وهو مقيم بأرض الحجاز فحاربهم فقتل منهم جماعة وأسر منهم آخرين، وهزم بقيتهم، ثم التقى مع بني تميم وهو في
__________
(1) الشامي البصري أبو اسحاق الحافظ سمع جعفر بن سليمان الضبعي وعبد الوهاب الثقفي وطائفة (2) أبو بكر العيشي البصري أحد الاثبات.
(3) قال أبو حاتم لا بأس.
وقال ابن معين: ليس بشئ.
وقال الدار قطني: ثقه.
(4) البصري الاخباري الحافظ صنف كثيرا ومنها " كتاب الشعراء " وكان صدوقا.
(5) محمد بن منهال البصري الضرير احفظ من بالبصرة وأحد الاثبات والثقات.
ومحمد بن منهال العطار أخو الحجاج كان صدوقا.
(6) المروزي، أبو علي الخزاز الضرير نزيل بغداد، كان من حفاظ الوقت وصاحب سنة.
ثقة.

ألفي فارس وهم ثلاثة آلاف، فجرت بينهم حروب ثم كان الظفر له عليهم آخرا، وذلك في النصف من جمادي الآخرة.
ثم عاد بعد ذلك إلى بغداد ومعهم من أعيان رؤوسهم في القيود والاسر جماعة،
وقد فقد من أعيانهم في الوقائع ما ينيف على ألفي رجل من بني سليم ونمير ومرة وكلاب وفزارة وثعلبة وطي وتميم وغيرهم.
وفي هذه السنة أصاب الحجيج في رجوعهم عطش شديد حتى بيعت الشربة بالدنانير الكثيرة، ومات خلق كثير من العطش.
وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار سفن البحر.
وفيها كانت وفاة الخليفة الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد أبي جعفر هارون الواثق.
كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبي دؤاد الايادي المعتزلي.
توفي لست بقين من ذي الحجة، وذلك أنه قوي به الاستسقاء فأقعد في تنور قد أحمي له بحيث يمكنه الجلوس فيه ليسكن وجعه، فلان عليه بعض الشئ اليسير، فلما كان من الغد أمر بأن يحمى أكثر من العادة فأجلس فيه ثم أخرج فوضع في محفة فحمل فيها وحوله أمراؤه ووزراؤه وقاضيه، فمات وهو محمول فيها، فما شعروا حتى سقط جبينه على المحفة وهو ميت، فغمض القاضي عينيه بعد سقوط جبينه، وولي غسله والصلاة عليه ودفنه في قصر الهادي، عليهما من الله ما يستحقانه.
وكان أبيض اللون مشربا حمرة جميل المنظر خبيث القلب حسن الجسم سئ الطوية، قاتم العين اليسرى، فيها نكتة بيضاء، وكان مولده سنة ست وتسعين ومائة بطريق مكة، فمات وهو ابن ست وثلاثين سنة، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وقيل سبعة أيام وثنتي عشرة ساعة.
فهكذا أيام أهل الظلم والفساد والبدع قليلة قصيرة.
وقد جمع الواثق أصحاب النجوم في زمانه حين اشتدت علته، وإنما اشتدت بعد قتله أحمد بن نصر الخزاعي ليلحقه إلى بين يدي الله، فلما جمعهم أمرهم أن ينظروا في مولده وما تقتضيه صناعة النجوم كم تدوم أيام دولته، فاجتمع عنده من رؤوسهم جماعة منهم الحسن بن سهل والفضل بن إسحاق الهاشمي، وإسماعيل بن نوبخت.
ومحمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطربلي وسند صاحب محمد بن الهيثم، وعامة من ينظر في النجوم، فنظروا في مولده وما يقتضيه الحال عندهم فأجمعوا على أنه يعيش في الخلافة دهرا طويلا، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة من يوم نظروا نظر من لم يبصر، فإنه لم يعش بعد قولهم وتقديرهم إلا عشرة أيام حتى هلك.
ذكره الامام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله.
قال ابن جرير: وذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام وقد قعد مجلسا كان أول مجلس قعده، وكان أول ما غنى به في ذلك المجلس أن غنته شارية جارية إبراهيم بن المهدي: ما درى الحاملون يوم استقلوا * نعشه للثواء أم للقاء (1)
__________
(1) في الطبري 11 / 25: للفناء.

فليقل فيك باكياتك ما شئ * ن صياحا في وقت كل مساء قال: فبكى وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه.
ثم اندفع بعضهم يغني: ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل فازداد بكاؤه وقال: ما سمعت كاليوم قط تعزية بأب وبغى نفس، ثم ارفض ذلك المجلس.
وروى الخطيب أن دعبل بن علي الشاعر لما تولى الواثق عمد إلى طومار فكتب فيه أبيات شعر ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه وقال: اقرأ أمير المؤمنين السلام وقل: هذه أبيات امتحدك بها دعبل فلما فضها الواثق إذا فيها: الحمد لله لا صبر ولا جلد * ولا عزاء إذا أهل الهوى (1) رقدوا خليفة مات لم يحزن له أحد * وآخر قام لم يفرح به أحد فمر هذا ومر الشؤم يتبعه * وقام هذا فقام الويل والنكد قال: فتطلبه الواثق بكل ما يقدر عليه من الطلب فلم يقدر عليه حتى مات الواثق.
وروى أيضا أنه لما استخلف الواثق ابن أبي دؤاد على الصلاة في يوم العيد ورجع إليه بعد أن قضاها قال له: كيف كان عيدكم يا أبا عبد الله ؟ قال: كنا في نهار لا شمس فيه.
فضحك وقال: يا أبا عبد الله أنا مؤيد بك.
قال الخطيب: وكان ابن أبي دؤاد استولى على الواثق وحمله على التشديد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن.
قال ويقال: إن الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني عبد الله بن أبي الفتح، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن الحسن، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، حدثني حامد بن العباس عن رجل
عن المهدي: أن الواثق مات وقد تاب من القول بخلق القرآن.
وروي أن الواثق دخل عليه يوما مؤدبه فأكرمه إكراما كثيرا فقيل له في ذلك فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني برحمة الله.
وكتب إليه بعض الشعراء: جذبت دواعي النفس عن طلب الغنى * وقلت لها عفي عن الطلب النزر فإن أمير المؤمنين بكفه * مدار رحا الارزاق دائمة تجري فوقع له في رقعته جذبتك نفسك عن امتهانها، ودعتك إلى صونها فخذ ما طلبته هينا.
وأجزل له العطاء.
ومن شعره قوله: هي المقادير تجري في أعنتها * فاصبر فليس لها صبر على حال ومن شعر الواثق قوله:
__________
(1) في الاغاني 20 / 146: البلا.

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55