كتاب : درر الحكام شرح غرر الأحكام
المؤلف : محمد بن فراموز الشهير بمنلا خسرو

( وَمَا لَا يَبْطُلُ بِهِ ) أَيْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ ( الْقَرْضُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالنِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْخُلْعُ وَالْعِتْقُ وَالرَّهْنُ وَالْإِيصَاءُ وَالْوَصِيَّةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِمَارَةُ وَالْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ وَالْوَكَالَةُ وَالْإِقَالَةُ وَالْكِتَابَةُ - إلَّا إذَا كَانَ الْفَاسِدُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ ) صُلْبُ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَقِيَامُ الْبَيْعِ بِالْعِوَضَيْنِ فَكُلُّ فَسَادٍ يَكُونُ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ يَكُونُ فَسَادًا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ الْكِتَابَةُ إنَّمَا لَا تَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْمُفْسِدِ إذَا كَانَ الشَّرْطُ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ بِأَنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يُعَامِلَ فُلَانًا فَإِنَّ الْكِتَابَةَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ تَصِحُّ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الشَّرْطُ دَاخِلًا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ بِأَنْ كَاتَبَهُ الْمُسْلِمُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ بِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُشْبِهُ الْبَيْعَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَبْدَ مَالٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَتُشْبِهُ النِّكَاحَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ فَلِشَبَهِهَا بِالْبَيْعِ تَفْسُدُ إذَا كَانَ الْمُفْسِدُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَلِشَبَهِهَا بِالنِّكَاحِ لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الزَّائِدِ أَقُولُ بِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَ فِي الأسروشنية وَالْعِمَادِيَّةِ أَوَّلًا أَنَّ تَعْلِيقَ الْكِتَابَةِ بِالشَّرْطِ لَا يَجُوزُ وَأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الْفَاسِدِ فِي صُلْبِ الْعَقْدُ ، وَمَا قَالَا ثَانِيًا أَنَّ الْكِتَابَةَ بِشَرْطٍ مُتَعَارَفٍ وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ يَصِحُّ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الشَّرْطِ زَائِدًا لَيْسَ مَعَهُ فَسَادٌ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَلِهَذَا قَيَّدَ الشَّرْطَ فِي الْأَوَّلِ بِالْفَاسِدِ دُونَ الثَّانِي فَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَصَلِّفِينَ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَتِمُّ عَلَى إطْلَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ

لَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ صَحَّتْ الْكِتَابَةُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ تَبْطُلْ الْكِتَابَةُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ ( وَإِذْنُ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ ) بِأَنْ يَأْذَنَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ بِشَرْطِ أَنْ يُوَقِّتَ بِشَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا ( وَدَعْوَةُ الْوَلَدِ ) بِأَنْ يَقُولَ الْمَوْلَى إنْ كَانَ لِهَذِهِ الْأَمَةِ حَمْلٌ فَهُوَ مِنِّي ( وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ ) وَكَذَا الْإِبْرَاءُ عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ اكْتِفَاءً بِالصُّلْحِ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا كَثِيرُ فَرْقٍ فَإِنَّ الْوَلِيَّ إذَا قَالَ لِلْقَاتِلِ عَمْدًا أَبْرَأْت ذِمَّتَك عَلَى أَنْ لَا تُقِيمَ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ مَثَلًا أَوْ صَالَحَ مَعَهُ عَلَيْهِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَالصُّلْحُ وَلَا يُعْتَبَرُ الشَّرْطُ ( وَعَنْ الْجِرَاحَةِ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ ) فَإِنَّ الصُّلْحَ إذَا كَانَ عَنْ الْقَتْلِ الْخَطَأِ أَوْ الْجِرَاحَةِ الَّتِي فِيهَا الْأَرْشُ كَانَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ .
( وَ ) الصُّلْحُ ( عَنْ جِنَايَةِ الْغَصْبِ ) أَيْ الْمَغْصُوبِ .
( وَ ) جِنَايَةِ ( الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ إذَا ضَمِنَهَا ) أَيْ مُوجِبَاتِ الصُّلْحِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ ( رَجُلٌ وَشَرَطَ فِيهَا كَفَالَةً أَوْ حَوَالَةً ) فَإِنَّ الصُّلْحَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ ( وَعَقْدُ الذِّمَّةِ ) فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ بَلْدَةً وَأَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَشَرَطُوا مَعَ الْإِمَامِ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ أَنْ لَا يُعْطُوا الْجِزْيَةَ بِطَرِيقِ الْإِهَانَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ .

( وَمَا لَا يَبْطُلُ بِهِ ) ( قَوْلُهُ الطَّلَاقُ وَالْخُلْعُ ) أَيْ بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ .
( قَوْلُهُ : وَدَعْوَةُ الْوَلَدِ بِأَنْ يَقُولَ الْمَوْلَى
إلَخْ ) لَيْسَ هَذِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ صَحِيحًا تَصْوِيرًا لَهَا فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ فِي بَابِ ثُبُوتِ النَّسَبِ صِحَّةَ دَعْوَةِ الْوَلَدِ مُعَلَّقًا بِكَوْنِهِ فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ فَالْوَجْهُ إنْ تَصَوَّرَ بِمَا قَالَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي إنْ رَضِيَتْ زَوْجَتِي بِذَلِكَ ( قَوْلُهُ وَالصُّلْحُ عَنْ جِنَايَةِ الْغَصْبِ ) أَيْ الْمَغْصُوبِ كَذَا ذَاتُ الْغَصْبِ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْعِمَادِيُّ ثُمَّ ذَكَرَ جِنَايَةَ الْغَصْبِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ .
( قَوْلُهُ : أَيْ مُوجِبَاتُ الصُّلْحِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ ) جَعَلَهَا صُورَةً وَاحِدَةً لِكَوْنِهَا مِنْ مَدْخُولِ الصُّلْحِ لِيَصْلُحَ الْعَدَدُ سِتٌّ وَعِشْرُونَ وَهَكَذَا عَدُّهَا فِي الْعِمَادِيَّةِ .

( وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَبِخِيَارِ الشَّرْطِ ) بِأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي : إنْ لَمْ أَرُدَّ هَذَا الثَّوْبَ الْمَعِيبَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَقَدْ رَضِيتُ بِالْعَيْبِ وَكَذَا الرَّدُّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ كَأَنْ يَقُولَ أَبْطَلْتُ خِيَارِي غَدًا وَلَهُ الْخِيَارُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ ( وَعَزْلُ الْقَاضِي ) بِأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ لِلْقَاضِي : إذَا وَصَلَ كِتَابِي إلَيْكَ فَأَنْتَ مَعْزُولٌ قِيلَ يَصِحُّ الشَّرْطُ وَيَكُونُ مَعْزُولًا وَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ وَلَا يَكُونُ مَعْزُولًا وَبِهِ يُفْتِي ، كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَالْأُسْرُوشَنِيَّة ، وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ ؛ لِأَنَّهَا إمَّا مِنْ مُعَاوَضَاتٍ غَيْرِ مَالِيَّةٍ أَوْ مِنْ تَبَرُّعَاتٍ أَوْ مِنْ إسْقَاطَاتٍ ( وَمَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ ) أَرْبَعَةَ عَشَرَ ( الْإِجَارَةُ وَفَسْخُهَا ) أَمَّا الْإِجَارَةُ فَلِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ وَوُجُودُهَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْحَالِ فَتَكُونُ مُضَافَةً ضَرُورَةً وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عُلَمَائِنَا الْإِجَارَةُ تَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً عَلَى حَسَبِ حُدُوثِهَا ، وَأَمَّا فَسْخُهَا فَمُعْتَبَرٌ بِهَا فَيَجُوزُ مُضَافًا كَمَا أَنَّ فَسْخَ الْبَيْعِ وَهُوَ الْإِقَالَةُ مُعْتَبَرٌ بِهِ حَتَّى لَا يَجُوزَ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ وَلَا إضَافَتُهُ إلَى الزَّمَانِ كَالْبَيْعِ أَقُولُ هَكَذَا وَقَعَتْ الْعِبَارَةُ مُنْضَمًّا فَسْخُ الْإِجَارَةِ إلَى الْإِجَارَةِ فِي الْفُصُولَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ وَوَجْهُهُ مَا ذُكِرَ وَبَعْدَ ذَلِكَ نَقَلَ فِي الْفُصُولَيْنِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ ذُكِرَ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي ظَهِيرِ الدِّينِ لَوْ قَالَ آجَرْتُك دَارِي هَذِهِ رَأْسَ كُلِّ شَهْرٍ بِكَذَا جَازَ فِي قَوْلِهِمْ وَلَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ فَاسَخْتُك لَمْ يَصِحَّ إجْمَاعًا كَذَا ذُكِرَ فِي فَوَائِدِ صَاحِبِ الْمُحِيطِ وَلَوْ قَالَ فَاسَخْتُك غَدًا هَلْ يَصِحُّ الْفَسْخُ الْمُضَافُ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَاخْتَارَ ظَهِيرُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ

فَبَيْنَ الْكَلَامَيْنِ تَنَافٍ ظَاهِرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ ( وَالْمُزَارَعَةُ وَالْمُعَامَلَةُ ) فَإِنَّهُمَا إجَارَةٌ حَتَّى أَنَّ مَنْ يُجِيزُهُمَا لَا يُجِيزُهُمَا إلَّا بِطَرِيقِهَا وَيُرَاعَى فِيهِمَا شَرَائِطُهَا ( وَالْمُضَارَبَةُ وَالْوَكَالَةُ ) فَإِنَّهُمَا مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقَاتِ وَالْإِسْقَاطَاتِ فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَالتَّوْكِيلِ فِي مَالِ الْمَالِكِ وَالْمُوَكِّلِ كَانَ مَوْقُوفًا حَقًّا لِلْمَالِكِ فَهُوَ بِالْعَقْدِ ، وَالتَّوْكِيلُ أَسْقَطَهُ فَيَكُونُ إسْقَاطًا فَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ .

قَوْلُهُ : كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ ) عِبَارَةُ الْعِمَادِيَّةِ لَوْ كَتَبَ الْخَلِيفَةُ إذَا أَتَاك كِتَابِي هَذَا فَأَنْتَ مَعْزُولٌ فَوَصَلَ إلَيْهِ يَصِيرُ مَعْزُولًا قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ وَنَحْنُ لَا نُفْتِي بِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ وَهُوَ فَتْوَى شَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ .
ا هـ .
وَقَدْ مَشَى فِي الْكَنْزِ عَلَى أَنَّ عَزْلَ الْقَاضِي لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ .
ا هـ .
قُلْت وَيُزَادُ الْغَصْبُ كَمَا قَدَّمْتُهُ وَالْحَجْرُ عَلَى الْمَأْذُونِ لَا يَبْطُلُ بِهِ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَتَعْلِيقُ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ بِالشَّرْطِ يَصِحُّ بِأَنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتَ أَنْتَ فَقَدْ سَلَّمْتُ الشُّفْعَةَ ، فَإِنْ اشْتَرَى غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ ( قَوْلُهُ وَبَعْدَ ذَلِكَ نُقِلَ فِي الْفُصُولَيْنِ ) حَقُّ الْعِبَارَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي الْعِمَادِيَّةِ .
( قَوْلُهُ : حَيْثُ قَالَ ) أَرَادَ لَفْظَ قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ
إلَخْ فَإِنَّ عِبَارَةَ الْعِمَادِيِّ .
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي ظَهِيرٍ لَوْ قَالَ أَجَرْتُك دَارِي هَذِهِ
إلَخْ .
( قَوْلُهُ : جَازَ فِي قَوْلِهِمْ ) يَعْنِي ؛ لِأَنَّهُ إضَافَةٌ لَا تَعْلِيقٌ وَلَا تَصِحُّ إلَّا فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِجَارَةِ وَتَفْسُدُ فِي الْبَاقِي إلَّا أَنْ يُسَمَّى الْكُلُّ مِنْ الشُّهُورِ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ فَاسَخْتُك لَمْ يَصِحَّ إجْمَاعًا ) لِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا لِلْفَسْخِ وَلَيْسَ إضَافَةً لَهُ .
( قَوْلُهُ : وَلَوْ قَالَ فَاسَخْتُك غَدًا
إلَخْ ) أَقُولُ كَيْفَ يُقَالُ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرُهُ وَعِبَارَتُهُ وَمَا لَا تَصِحُّ مُضَافًا الْإِجَارَةُ وَفَسْخُهَا
إلَخْ وَ ، كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ .
( قَوْلُهُ : فَبَيْنَ الْكَلَامَيْنِ تَنَافٍ ) أَقُولُ نَعَمْ الْمُنَافَاةُ ظَاهِرَةٌ لِاخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ فِي صِحَّةِ إضَافَةِ فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ عَدَمِ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكَافِي وَاخْتِيَارُ ظَهِيرِ

الدِّينِ كَمَا عَلِمْته وَعَادَتُهُمْ حِكَايَةُ الْخِلَافِ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّنَافِي لِلْعِلْمِ بِهِ

( وَالْكَفَالَةُ ) فَإِنَّهَا مِنْ بَابِ الِالْتِزَامَاتِ فَيَجُوزُ إضَافَتُهَا إلَى الزَّمَانِ وَتَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ الْمُلَائِمِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ حَيْثُ يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا لِمَا ذُكِرَ ( وَالْإِيصَاءُ ) أَيْ جَعْلُ الشَّخْصِ وَصِيًّا ( وَالْوَصِيَّةُ ) بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُمَا وَإِضَافَتُهُمَا ( وَالْقَضَاءُ وَالْإِمَارَةُ ) فَإِنَّهُمَا تَوْلِيَةٌ وَتَفْوِيضٌ مَحْضٌ فَجَازَ إضَافَتُهُمَا ( وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ ) فَإِنَّهُمَا مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقَاتِ وَالْإِسْقَاطَاتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ( وَالْوَقْفُ ) فَإِنَّ تَعْلِيقَهُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ جَائِزٌ ( وَمَا لَا تَصِحُّ ) إضَافَتُهُ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ عَشَرَةٌ ( الْبَيْعُ وَإِجَازَتُهُ وَفَسْخُهُ وَالْقِسْمَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْهِبَةُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ وَالصُّلْحُ عَنْ مَالٍ وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ ) فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَمْلِيكَاتٌ فَلَا يَجُوزُ إضَافَتُهَا إلَى الزَّمَانِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْقِمَارِ .

( بَابُ الصَّرْفِ ) عَنْوَنَهُ الْأَكْثَرُونَ بِالْكِتَابِ وَهُوَ لَا يُنَاسِبُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ كَالرِّبَا وَالسَّلَمِ فَالْأَحْسَنُ مَا اُخْتِيرَ هَاهُنَا ( هُوَ ) لُغَةً بِمَعْنَى الْفَضْلِ فَسُمِّيَ بِهِ هَذَا الْعَقْدُ إذْ لَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ إلَّا الزِّيَادَةُ وَبِمَعْنَى النَّقْلِ فَسُمِّيَ بِهِ لِاحْتِيَاجِهِ فِي بَدَلَيْهِ إلَى النَّقْلِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَشَرْعًا ( بَيْعُ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ ) أَيْ مَا خُلِقَ لِلثَّمَنِيَّةِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ كَانَ ( جِنْسًا بِجِنْسٍ أَوْ بِغَيْرِهِ ) كَبَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ ( فَإِنْ تَجَانَسَا ) أَيْ الثَّمَنَانِ بِأَنْ يَكُونَا ذَهَبَيْنِ أَوْ فِضَّتَيْنِ ( لَزِمَ التَّسَاوِي وَالتَّقَابُضُ ) لِمَا مَرَّ فِي الرِّبَا مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا } ( قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ) بِالْأَبْدَانِ حَتَّى لَوْ ذَهَبَا يَمْشِيَانِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ نَامَا أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ : وَإِنْ وَثَبَ مِنْ سَطْحٍ فَثِبْ مَعَهُ بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُخَيِّرَةِ إذْ التَّخْيِيرُ تَمْلِيكٌ فَيَبْطُلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرَّدِّ وَالْقِيَامُ دَلِيلُهُ ( وَلَوْ ) وَصْلِيَّةٌ ( اخْتَلَفَا ) أَيْ الْمُتَجَانِسَانِ ( جَوْدَةً وَصِنَاعَةً ) إذْ لَا عِبْرَةَ لَهُمَا لِمَا مَرَّ فِي الرِّبَا ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَجَانَسَا ( فَالتَّقَابُضُ ) لِمَا مَرَّ أَنَّ أَحَدَ جُزْأَيْ الْعِلَّةِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ ( فَلَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ ) أَيْ أَحَدَ مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ يَعْنِي الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ ( جُزَافًا أَوْ بِفَضْلٍ وَتَقَابَضَا فِيهِ ) أَيْ الْمَجْلِسِ ( صَحَّ ) لَمْ يَذْكُرْ التَّسَاوِيَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ الِاشْتِبَاهِ ( وَلَا يَتَعَيَّنَانِ ) أَيْ لَا يَتَعَيَّنُ الْعِوَضَانِ فِي الصَّرْفِ

كَسَائِرِ الْعُقُودِ حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْعَاقِدَيْنِ شَيْءٌ فَاسْتَقْرَضَا فَأَدَّيَا قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا أَوْ اسْتَحَقَّ كُلٌّ مِنْ الْعِوَضَيْنِ فَأَعْطَى كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بَدَلَ مَا اسْتَحَقَّ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ أَمْسَكَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْعَقْدِ وَأَعْطَيَا مِثْلَهُمَا جَازَ .

( بَابُ الصَّرْفِ ) .
( قَوْلُهُ : هُوَ لُغَةً بِمَعْنَى الْفَضْلِ ) قَالَهُ الْخَلِيلُ وَمِنْهُ سُمِّيَ التَّطَوُّعُ فِي الْعِبَادَاتِ صَرْفًا لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْفَرَائِضِ ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ .
( قَوْلُهُ : وَبِمَعْنَى النَّقْلِ ) زَادَ الزَّيْلَعِيُّ وَالرَّدُّ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ رَدِّ الشَّيْءِ وَدَفْعِهِ يُقَالُ صَرَفْتُ فُلَانًا عَنْ كَذَا فَانْصَرَفَ أَيْ رَدَدْتُهُ فَارْتَدَّ وَيَذْكُرُ وَيُرَادُ بِهِ الزِّيَادَةُ مَجَازًا يُقَالُ لِهَذَا النَّقْدِ صَرْفٌ عَلَى هَذَا النَّقْدِ أَيْ فَضْلٌ وَفِي الْحَدِيثِ وَلَا عَدْلَ أَيْ نَافِلَةَ سُمِّيَ زِيَادَةً مِنْ حَيْثُ إنَّ رَدَّ الشَّيْءِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ فِي الْمُعَاوَضَةِ سَبَبٌ لِلزِّيَادَةِ قَوْلُهُ : فَإِنْ تَجَانَسَا لَزِمَ التَّقَابُضُ ) هَذَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ عِنْدَ بَعْضٍ وَلِبَقَائِهِ عِنْدَ آخَرِينَ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ الْقَبْضُ مَقْرُونًا بِالْعَقْدِ لِأَنَّ حَالَهُمَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ جُعِلَتْ كَحَالَةِ الْعَقْدِ تَيْسِيرًا ، فَإِذَا وُجِدَ الْقَبْضُ فِيهِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ وُجِدَ حَالَةَ الْعَقْدِ فَيَصِحُّ وَعَلَى الثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّقْدِيرِ .
( قَوْلُهُ : قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ) قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فَسَدَ وَلَمْ يَبْطُلْ وَتَعَيَّنَ الْمَقْبُوضُ لِلرَّدِّ فِي رِوَايَةٍ كَالْمُودَعِ وَالْمَغْصُوبِ .
ا هـ .
( قَوْلُهُ : بِالْأَبْدَانِ ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهُ يُعْتَبَرُ الْمَجْلِسُ دُونَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ ، فَإِنْ قَالَ الْأَبُ اشْهَدُوا أَنِّي اشْتَرَيْتُ هَذَا الدِّينَارَ مِنْ ابْنِي بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ثُمَّ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَزِنَ الْعَشَرَ فَهُوَ بَاطِلٌ ، كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الْعَاقِدُ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ فَيُعْتَبَرُ الْمَجْلِسُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ا هـ .
وَمِثْلُهُ فِي

الْمُحِيطِ عَنْ الْمُنْتَقَى .
( قَوْلُهُ : حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ شَيْءٌ
إلَخْ ) هَذَا عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَكَذَا لَوْ تَصَارَفَا بِهِمَا فَهَلَكَتْ فَتَقَابَضَا غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِ مَا سُمِّيَا جَازَ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ وَلَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دِينَارًا مِنْ رَجُلٍ وَتَصَارَفَا وَتَقَابَضَا فَأَجَازَ الْمَالِكُ صَحَّ وَلَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا بَدَلَ مَا غَصَبَهُ وَمَلَكَ مَا اشْتَرَاهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ إذَا كَانَ الْمِلْكُ فِي الْبَدَلَيْنِ لِوَاحِدٍ لِأَنَّ الْعَقْدَ انْعَقَدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى مِثْلِ النَّقْدَيْنِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَوَقَعَ عَلَى مَالَيْنِ لِعَاقِدَيْنِ فَنَفَذَ إلَّا أَنَّهُمَا نَقَدَا بِمَا غَصَبَا بَدَلًا مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا فَلَزِمَ الْإِجَازَةُ مِنْ الْمَالِكِ ، وَإِذَا أَجَازَ لَا يَمْلِكُ اسْتِرْدَادَ الْمَنْقُولِ لِكَوْنِهِ صَارَ قَرْضًا ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ وَنَقَدَ مِثْلَ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْبَدَلَانِ عَبْدًا وَجَارِيَةً وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَجَازَ الْمَالِكُ لَا يَصِحُّ لِتَعَلُّقِ الْعَقْدِ بِالْعَيْنِ لِوَاحِدٍ ، وَإِذَا غَصَبَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ عَبْدًا مِنْهُ صَحَّتْ الْإِجَازَةُ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ فِي الْعَقْدِ فَالدَّرَاهِمُ لَمْ تَتَعَيَّنْ فَلَمْ يَقَعْ بِمَالَيْنِ فِي مِلْكِ وَاحِدٍ بَلْ فِي مِلْكِ اثْنَيْنِ كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ .

( وَيَفْسُدُ ) أَيْ الصَّرْفُ ( بِخِيَارِ الشَّرْطِ ) إذْ يَمْتَنِعُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْقَبْضِ مَا بَقِيَ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمِلْكِ ، وَالْخِيَارُ يَمْنَعُهُ ( وَالْأَجَلُ ) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْقَبْضَ الْوَاجِبَ ( وَيَصِحُّ ) الصَّرْفُ ( إنْ أُسْقِطَا ) أَيْ خِيَارُ الشَّرْطِ وَالْأَجَلِ ( فِي الْمَجْلِسِ ) لِارْتِفَاعِ الْمُفْسِدِ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ ( ظَهَرَ بَعْضُ الْبَدَلِ زَيْفًا فَرُدَّ انْتَقَضَ فِيهِ فَقَطْ ) أَيْ انْفَسَخَ الصَّرْفُ فِي الْمَرْدُودِ وَيَبْقَى فِي غَيْرِهِ لِارْتِفَاعِ الْقَبْضِ فِيهِ فَقَطْ ( لَا يَتَصَرَّفُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَفِي تَجْوِيزِهِ فَوَاتُهُ ( فَلَوْ شَرَى بِهِ ) أَيْ بِثَمَنِ الصَّرْفِ ( ثَوْبًا فَسَدَ ) بِأَنْ بَاعَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى اشْتَرَى بِهَا ثَوْبًا فَسَدَ ( اشْتَرَى أَمَةً مَعَ طَوْقِ ذَهَبٍ قِيمَةُ كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً فَسَدَ فِي الْكُلِّ ) أَمَّا فِي الصَّرْفِ فَلِفَوَاتِ التَّقَابُضِ ، وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَلِأَنَّ الْمُفْسِدَ مُقَارِنٌ لِلْعَقْدِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْكُلِّ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ إنَّ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الْبَعْضِ شَرْطٌ لِقَبُولِهِ فِي الْبَاقِي ( وَلَوْ نَقَدَ أَلْفًا ) يَعْنِي فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ ( أَوْ اشْتَرَاهُمَا ) أَيْ الْأَمَةَ وَالطَّوْقَ ( بِأَلْفَيْنِ أَحَدُهُمَا نَقْدٌ وَالْآخَرُ نَسِيئَةٌ فَهُوَ ثَمَنُ الطَّوْقِ ) أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ قَبْضَ حِصَّةِ الطَّوْقِ فِي الْمَجْلِسِ وَاجِبٌ لِكَوْنِهِ بَدَلَ الصَّرْفِ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْأَجَلَ بَاطِلٌ فِي الصَّرْفِ جَائِزٌ فِي بَيْعِ الْجَارِيَةِ وَالْمُبَاشَرَةُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ ( وَإِنْ ) وَصْلِيَّةٌ ( لَمْ يُبَيِّنْ ) أَنَّهُ ثَمَنُ الطَّوْقِ ( أَوْ قَالَ ) خُذْ هَذَا ( مِنْ ثَمَنِهِمَا ) أَمَّا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمَّا بَاعَ قَصَدَ الصِّحَّةَ وَلَا صِحَّةَ إلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَقْبُوضَ فِي مُقَابَلَةِ

الْفِضَّةِ ، وَأَمَّا إذَا قَالَ خُذْ هَذَا مِنْ ثَمَنِهَا فَلِأَنَّ مَعْنَاهُ خُذْ هَذَا عَلَى أَنَّهُ بَعْضُ ثَمَنِ مَجْمُوعِهِمَا لِظُهُورِ أَنَّ الْأَلْفَ لَيْسَ ثَمَنَ الْمَجْمُوعِ وَثَمَنُ الْفِضَّةِ بَعْضُ ثَمَنِ الْمَجْمُوعِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحَرِّيًا لِلْجَوَازِ ( كَذَا إذَا بَاعَ سَيْفًا حِلْيَتُهُ خَمْسُونَ بِمِائَةٍ وَنَقَدَ خَمْسِينَ فَهُوَ حِصَّتُهَا ) أَيْ الْحِلْيَةِ ( إنْ تَخَلَّصَ بِلَا ضَرَرٍ ) وَكَأَنَّ الْمَقْبُوضَ حِصَّةُ الْحِلْيَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَا إذَا قَالَ خُذْ هَذَا مِنْ ثَمَنِهِمَا لِمَا مَرَّ ، فَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى افْتَرَقَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْحِلْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِيهَا ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخْلُصْ بِلَا ضَرَرٍ ( بَطَلَ ) الْعَقْدُ ( فِيهِمَا ) أَيْ السَّيْفِ وَالْحِلْيَةِ أَمَّا الْحِلْيَةُ فَلِمَا مَرَّ ، وَأَمَّا السَّيْفُ فَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ كَالْجِذْعِ فِي السَّقْفِ .

( قَوْلُهُ : وَيَفْسُدُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَالْأَجَلِ ) أَيْ فَسَادًا مِنْ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ فَسَادٌ مُقْتَرِنٌ بِالْعَقْدِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَقُيِّدَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ صَحِيحَانِ فِيهِ ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ إلَّا أَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الْعَيْنِ أَيْ فِيمَا يَتَعَيَّنُ كَالتِّبْرِ وَالْحُلِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالرَّدِّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ لَا فِي الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي رَدِّهِ بِالْخِيَارِ إذْ الْعَقْدُ لَا يَنْفَسِخُ بِرَدِّهِ ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمِثْلِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ مِثْلَ الْمَرْدُودِ أَوْ دُونَهُ فَلَا يُفِيدُ الرَّدَّ ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ .
( قَوْلُهُ : فَلَوْ شَرَى بِهِ ) أَيْ بِثَمَنِ الصَّرْفِ ثَوْبًا فَسَدَ يَعْنِي شِرَاءَ الثَّوْبِ وَبَقِيَ الصَّرْفُ عَلَى حَالِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ .
( قَوْلُهُ : اشْتَرَى أَمَةً إلَى قَوْلِهِ فَسَدَ فِي الْكُلِّ ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا فَسَدَ فِي الطَّوْقِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَلَهُ أَنَّ الْفَسَادَ مُقَارَنٌ فَيَتَعَدَّى إلَى الْجَمِيعِ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ نَقَدَ أَلْفًا يَعْنِي فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ
إلَخْ ) فِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ فِيهَا شِرَاءَهُمَا بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً فَصَارَ الْعَقْدُ فَاسِدًا مِنْ الْأَصْلِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ لَوْ نَقَدَ أَلْفًا بَعْدَهُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذَا اشْتِبَاهٌ بِمَسْأَلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا بِأَلْفَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَأْجِيلًا وَلَا غَيْرَهُ فَنَقَدَ أَلْفًا كَانَ حِصَّةَ الطَّوْقِ وَصَحَّ الْعَقْدُ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي التَّبْيِينِ ا هـ فَلْيُتَأَمَّلْ .
( قَوْلُهُ : وَكَذَا إذَا قَالَ خُذْ هَذَا مِنْ ثَمَنِهَا ) أَيْ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِيهِمَا لِمَا مَرَّ ، فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهَا مِنْ ثَمَنِ النَّصْلِ وَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ أَوْ قَالَ لَا وَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي الْحِلْيَةِ

لِتَصْرِيحِ الدَّافِعِ بِالْقَيْدِ لِلنَّصِّ كَذَا عَنْ الْمَبْسُوطِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْحِلْيَةُ تَتَخَلَّصُ بِلَا ضَرَرٍ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ هَذَا مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ خَاصَّةً يُنْظَرُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّمْيِيزُ إلَّا بِضَرَرٍ يَكُونُ الْمَنْقُودُ ثُمَّ الصَّرْفُ وَيَصِحَّانِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ صِحَّةَ الْبَيْعِ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِصَرْفِ الْمَنْقُودِ إلَى الصَّرْفِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَمْيِيزَهَا بِغَيْرِ ضَرَرٍ بَطَلَ الصَّرْفُ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِفَسَادِ الصَّرْفِ وَقَصَدَ جَوَازَ الْبَيْعِ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِدُونِ جَوَازِ الصَّرْفِ .
ا هـ .

( بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ وَقَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهِ وَافْتَرَقَا صَحَّ فِيمَا قَبَضَ وَاشْتَرَكَا فِي الْإِنَاءِ ) ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ كُلُّهُ وَصَحَّ فِيمَا وُجِدَ شَرْطُهُ وَبَطَلَ فِيمَا لَمْ يُوجَدْ فَالْفَسَادُ طَارَ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ ثُمَّ يَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ فَلَا يَشِيعُ ( وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ أَخَذَ الْمُشْتَرِي بَاقِيَهُ بِقِسْطِهِ أَوْ رَدَّهُ ) ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ فِي الْإِنَاءِ ( وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ قِطْعَةٍ نُقْرَةٍ بِيعَتْ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِقِسْطِهِ بِلَا خِيَارٍ ) لِأَنَّ التَّبْعِيضَ لَا يَضُرُّهُ ( صَحَّ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِرْهَمٍ وَدِينَارَيْنِ وَ ) بَيْعُ ( كُرِّ بُرٍّ وَكُرِّ شَعِيرٍ بِضَعْفِهِمَا ) أَيْ كُرَّيْ بُرٍّ وَكُرَّيْ شَعِيرٍ .
وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَابَلَ الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الِانْقِسَامُ عَلَى الشُّيُوعِ وَفِي صَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِهِ تَغْيِيرُ تَصَرُّفِهِ قُلْنَا الْمُقَابَلَةُ الْمُطْلَقَةُ تَحْتَمِلُ الصَّرْفَ الْمَذْكُورَ فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لِلصَّرْفِ وَلَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بَلْ وَصْفُهُ إذْ مُوجِبُهُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْكُلِّ بِمُقَابَلَةِ الْكُلِّ وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَذَا الْوَجْهِ .

( قَوْلُهُ : بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ ) يَعْنِي بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ .
( قَوْلُهُ : وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ أَخَذَ الْمُشْتَرِي بَاقِيَهُ بِقِسْطِهِ أَوْ رَدَّهُ ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَنْزِ وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ اشْتَرَى إنَاءً مَصُوغًا أَوْ قَلْبًا بِذَهَبٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْإِنَاءَ أَوْ بَعْضَهُ بَطَلَ الْبَيْعُ ا هـ فَلْيُتَأَمَّلْ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ .
( قَوْلُهُ : وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ قِطْعَةٍ نَقْرَةً بِيعَتْ أَخَذَ الْبَاقِيَ بِقِسْطِهِ بِلَا خِيَارٍ لِأَنَّ التَّبْعِيضَ لَا يَضُرُّهُ ) هَذَا إذَا اسْتَحَقَّ بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَامِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ وَلَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِحْقَاقِ بَعْضَ الْإِنَاءِ وَالنُّقْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ جَازَ الْعَقْدُ وَكَانَ الثَّمَنُ لَهُ يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَيَصِيرُ الْعَاقِدُ وَكِيلًا لِلْمُجِيزِ فَتَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُجِيزِ حَتَّى لَوْ افْتَرَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ قَبْلَ إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ بَطَلَ الْعَقْدُ أَيْ فِيمَا اسْتَحَقَّ ، وَإِنْ فَارَقَهُ الْمُسْتَحِقُّ قَبْلَ الْإِجَارَةِ وَالْمُتَعَاقِدَانِ بَاقِيَانِ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ الْعَقْدُ ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ .
( قَوْلُهُ : وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الِانْقِسَامُ عَلَى الشُّيُوعِ ) أَيْ لَا عَلَى التَّعْيِينِ فَيَتَحَقَّقُ فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبَا لِمُقَابَلَةِ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ .
( قَوْلُهُ : قُلْنَا الْمُقَابَلَةُ الْمُطْلَقَةُ ) أَيْ عَنْ التَّعَرُّضِ لِقَيْدٍ يَحْتَمِلُ الصَّرْفَ الْمَذْكُورَ أَيْ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ لِأَنَّ عِنْدَ الْوُجُودِ لَا يُوجَدُ إلَّا مُقَيَّدًا لِتَعَذُّرِ وُجُودِ ذَاتٍ بِدُونِ صِفَةٍ ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِلصِّفَةِ بَلْ لِلذَّاتِ فَقَطْ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمُقَيَّدِ الْمُصَحَّحِ تَصْحِيحًا لِلتَّصَرُّفِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ

قَالَ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْجِنْسُ بِخِلَافِ الْجِنْسِ صَحَّ وَلَوْ كَانَ مُنَافِيًا لَمَا صَحَّ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ الْمُصَحَّحِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمُقَيَّدِ الْمُفْسِدِ وَهُوَ مُقَابَلَةُ الْكُلِّ بِالْكُلِّ شَائِعًا طَلَبًا لِلصِّحَّةِ .
( قَوْلُهُ : وَلَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ أَصْلِ التَّصَرُّفِ بَلْ وَصْفُهُ ) جَوَابٌ بِالْمَنْعِ لِدَعْوَى مُطْلَقِ تَغْيِيرِ التَّصَرُّفِ بِصَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِهِ وَإِثْبَاتِ تَغْيِيرِ الْوَصْفِ .

.
( وَ ) صَحَّ بَيْعُ ( أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ ) بِأَنْ يَكُونَ عَشَرَةٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِرْهَمٌ بِدِينَارٍ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ .
( وَ ) صَحَّ ( بَيْعُ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ وَدِرْهَمَيْنِ غَلَّةً ) وَهِيَ مَا يُرَدُّ بِبَيْتِ الْمَالِ وَيَأْخُذُهُ التُّجَّارُ ( بِدِرْهَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَدِرْهَمٍ غَلَّةً ) لِتَحَقُّقِ التَّسَاوِي فِي الْوَزْنِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْجُودَةِ ( مَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَبَاعَ مَنْ هِيَ ) أَيْ الْعَشَرَةُ ( عَلَيْهِ دِينَارٌ بِهَا ) أَيْ بِعَشَرَةٍ عَلَيْهِ ( صَحَّ ) بِالْإِجْمَاعِ وَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ( وَإِنْ بَاعَهُ ) أَيْ الدِّينَارَ ( بِعَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ ) أَيْ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ بِكَوْنِهَا عَلَيْهِ ( وَدَفَعَهُ ) أَيْ الدِّينَارَ ( وَتَقَاصَّا الْعَشَرَةَ بِالْعَشَرَةِ صَحَّ أَيْضًا ) إذْ صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَتَقَاصَّا الْعَشَرَةَ بِالْعَشَرَةِ فَيَكُونُ التَّقَاصُّ فَسْخًا لِبَيْعِ الدِّينَارِ بِالْعَشَرَةِ الْمُطْلَقَةِ وَبَيْعًا لِلدِّينَارِ بِعَشَرَةٍ عَلَى عَمْرٍو إذْ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ لَكَانَ اسْتِبْدَالًا بِبَدَلِ الصَّرْفِ ( الْغَالِبُ الْفِضَّةُ ) أَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ .
( وَ ) الْغَالِبُ ( الذَّهَبُ ) مِنْ الدَّنَانِيرِ ( فِضَّةٌ وَذَهَبٌ حُكْمًا ) وَيُعْتَبَرُ فِيهِمَا مِنْ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْجِيَادِ ( فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْخَالِصِ بِهِ ) أَيْ بِالْخَالِصِ ( وَلَا بَيْعُ بَعْضِهِ ) أَيْ بَعْضِ الْغَالِبِ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ ( بِبَعْضٍ ) مِنْهُ ( إلَّا مُتَسَاوِيًا وَزْنًا ) وَكَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ بِهَا إلَّا وَزْنًا وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّقُودَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ غِشٍّ عَادَةً فَيَلْحَقُ الْقَلِيلُ بِالرَّدَاءَةِ وَالْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ سَوَاءٌ ( وَالْغَالِبُ الْغِشُّ مِنْهُمَا ) أَيْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ( فِي حُكْمِ الْعُرُوضِ ) اعْتِبَارٌ لِلْغَالِبِ ( فَصَحَّ بَيْعُهُ ) أَيْ بَيْعُ الْغَالِبِ الْغِشُّ ( بِالْخَالِصِ ) مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ( إنْ كَانَ ) أَيْ الْخَالِصُ ( أَكْثَرَ ) مِنْ

الْمَغْشُوشِ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ إلَى الزَّائِدِ ( وَ ) صَحَّ بَيْعُهُ أَيْضًا ( بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ) صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ ( بِشَرْطِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ ) فِي الصُّورَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا شُرِطَ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْخَالِصِ شَرْطٌ فَشُرِطَ فِي الْغِشِّ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ ( وَإِنْ كَانَ ) أَيْ الْخَالِصُ ( مِثْلَهُ ) أَيْ مِثْلَ غَالِبِ الْغِشِّ ( أَوْ أَقَلَّ ) مِنْهُ ( أَوْ لَا يَدْرِي فَلَا ) أَيْ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ لِلرِّبَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَلِاحْتِمَالِهِ فِي الثَّالِثِ ( وَإِذَا رَاجَ ) يَعْنِي غَالِبُ الْغِشِّ ( لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالتَّعْيِينِ وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرُجْ ( يَتَعَيَّنُ بِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ يُرَوَّجُ كَانَ ثَمَنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَإِلَّا فَهُوَ سِلْعَةٌ فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، وَإِنْ كَانَ يَقْبَلُهُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَهُوَ كَالزُّيُوفِ لَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهِ بَلْ بِجِنْسِهِ زَيْفًا إنْ كَانَ الْبَائِعُ يَعْلَمُ لِتَحَقُّقِ الرِّضَا مِنْهُ وَبِجِنْسِهِ مِنْ الْجِيَادِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ لِعَدَمِ رِضَاهُ ( فَالْمُبَايَعَةُ وَالِاسْتِقْرَاضُ مِمَّا يُرَوَّجُ مِنْهُ يَكُونُ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا أَوْ بِهِمَا ) أَيْ إنْ كَانَ يُرَوَّجُ بِالْوَزْنِ فَالتَّبَايُعُ وَالِاسْتِقْرَاضُ فِيهِ يَكُونُ بِالْوَزْنِ ، وَإِنْ كَانَ يُرَوَّجُ بِالْعَدَدِ فَبِالْعَدَدِ ، وَإِنْ كَانَ يُرَوَّجُ بِهِمَا فَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ .

قَوْلُهُ : وَصَحَّ بَيْعُ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ
إلَخْ ) الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ الْحِلُّ الْمُقَابِلُ لِلْحُرْمَةِ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ لَا بَأْسَ بِالِاحْتِيَالِ فِي التَّحَرُّزِ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْحَرَامِ .
( قَوْلُهُ : فَيَكُونُ التَّقَاصُّ فَسْخًا لِبَيْعِ الدِّينَارِ بِالْعَشَرَةِ الْمُطْلَقَةِ ) أَيْ فَسْخًا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ وَحُدُوثِ الدَّيْنِ بَعْدَ عَقْدِ الصَّرْفِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ .
( قَوْلُهُ : وَصَحَّ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ) أَيْ بَيْعُ الْغَالِبِ الْغِشَّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَهَذَا إذَا كَانَ يَخْلُصُ مِنْهُ النَّقْدُ بِالْإِذَابَةِ ، فَإِنْ كَانَ يَحْتَرِقُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النُّحَاسِ الْخَالِصِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ فِيهِ اعْتِبَارٌ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ إلَّا مُتَسَاوِيًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ .
.

( وَالْمُتَسَاوِي كَغَالِبِ الْخَالِصِ فِي الْمُبَايَعَةِ وَالِاسْتِقْرَاضِ ) حَتَّى لَا يَجُوزَ الْبَيْعُ بِهَا وَلَا إقْرَاضُهَا إلَّا بِالْوَزْنِ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ وَلَا يَنْتَقِضُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَيُعْطِيهِ مِثْلَهَا ؛ لِأَنَّ الْخَالِصَ مَوْجُودٌ فِيهَا حَقِيقَةً وَلَمْ يَصِرْ مَغْلُوبًا فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا بِالْوَزْنِ شَرْعًا إلَّا أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا كَمَا فِي الْخَالِصَةِ ( وَكَغَالِبِ الْغِشِّ فِي الصَّرْفِ ) حَتَّى إذَا بَاعَهَا بِجِنْسِهَا جَازَ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ وَلَوْ بَاعَهَا بِالْخَالِصِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَكُونَ الْخَالِصُ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْخَالِصِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لَمَّا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الْآخَرِ وَجَبَ اعْتِبَارُهُمَا ( اشْتَرَى شَيْئًا بِهِ ) أَيْ بِغَالِبِ الْغِشِّ أَوْ بِفُلُوسٍ نَافِقَةٍ ( فَكَسَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ بَطَلَ الْبَيْعُ ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ هَلَكَ بِالْكَسَادِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ بِالِاصْطِلَاحِ وَلَمْ تَبْقَ فَبَقِيَ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ فَبَطَلَ ، وَإِذَا بَطَلَ ( فَيُرَدُّ الْمَبِيعُ إنْ قَامَ ) وَلَمْ يُهْلَكْ ( وَإِلَّا فَمِثْلُهُ ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ( أَوْ قِيمَتُهُ ) إنْ كَانَ قِيَمِيًّا ( صَحَّ ) أَيْ الْبَيْعُ ( بِفُلُوسٍ نَافِقَةٍ بِلَا تَعْيِينٍ ) ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ بِالِاصْطِلَاحِ ( وَبِكَاسِدَةٍ بِهِ ) أَيْ بِالتَّعْيِينِ ؛ لِأَنَّهُ سِلْعَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ ( اسْتَقْرَضَ فُلُوسًا فَكَسَدَتْ رَدَّ مِثْلَهَا ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ إعَارَةٌ وَمُوجِبُهَا رَدُّ الْعَيْنِ مَعْنًى وَذَا بِالْمِثْلِ وَالثَّمَنِيَّةُ فَضْلٌ فِيهِ إذْ صِحَّةُ اسْتِقْرَاضِهِ لَمْ تَكُنْ بِاعْتِبَارِ ثَمَنِيَّةٍ بَلْ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ وَبِالْكَسَادِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ كَوْنِهِ مِثْلِيًّا وَلِذَا صَحَّ اسْتِقْرَاضُهُ بَعْدَ الْكَسَادِ ( شَرَى بِنِصْفِ دِرْهَمِ فُلُوسٍ أَوْ دَانَقِ فُلُوسٍ أَوْ قِيرَاطِ فُلُوسٍ صَحَّ ) وَقَالَ زُفَرُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِالْفُلُوسِ فَإِنَّهَا تُقَدَّرُ بِالْعَدَدِ لَا بِالدَّانَقِ وَالدِّرْهَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ عَدَدِهَا

قُلْنَا مَا يُبَاعُ بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْفُلُوسِ أَوْ الدَّانَقِ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ فَأَغْنَى عَنْ الْبَيَانِ ( وَعَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْبَائِعِ قَدْرَ ( مَا يُبَاعُ بِهَا ) أَيْ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ دَانَقٍ أَوْ قِيرَاطٍ ( مِنْهَا ) أَيْ مِنْ الْفُلُوسِ ( قَالَ ) مُشْتَرٍ ( لِمَنْ أَعْطَاهُ دِرْهَمًا ) مِنْ الصَّيَارِفَةِ ( أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَبِنِصْفِهِ نِصْفًا ) أَيْ مَا ضُرِبَ مِنْ الْفِضَّةِ عَلَى وَزْنِ نِصْفِ دِرْهَمٍ ( إلَّا حَبَّةً فَسَدَ ) أَيْ الْبَيْعُ ( فِي الْكُلِّ ) لِلُّزُومِ الرِّبَا ( بِخِلَافِ أَعْطِنِي بِهِ نِصْفَ دِرْهَمِ فُلُوسٍ وَنِصْفًا إلَّا حَبَّةً ) إذْ يَكُونُ النِّصْفُ إلَّا حَبَّةً بِمِثْلِهِ وَمَا بَقِيَ بِالْفُلُوسِ ( وَلَوْ كَرَّرَ أَعْطِنِي ) بِأَنْ قَالَ أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَأَعْطِنِي بِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً ( صَحَّ ) أَيْ الْبَيْعُ ( فِي الْفُلُوسِ فَقَطْ ) وَلَمْ يَصِحَّ فِي نِصْفِ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَرَّرَ صَارَ عَقْدَيْنِ وَفِي الثَّانِي رِبَا وَفَسَادُ أَحَدِ الْبَيْعَيْنِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْآخَرِ .

( قَوْلُهُ : إلَّا أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا ) مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ اعْتِبَارُهَا بِالْوَزْنِ أَيْ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْهَا بِلَا وَزْنٍ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ وَلَا يَنْتَقِضُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ ؛ لِأَنَّهَا ثَمَنٌ فَلَمْ تَتَعَيَّنْ فَلَا يَبْطُلُ بِهَلَاكِهَا مُشَارًا إلَيْهَا ( قَوْلُهُ : عَلَى وَجْهِ الِاعْتِبَارِ ) يَعْنِي فَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي بَلْ التَّقَابُضُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ ، وَإِنْ بِيعَتْ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا جَازَ صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ وَهِيَ فِي حُكْمِ شَيْئَيْنِ فِضَّةٍ وَصُفْرٍ وَلَكِنَّهُ صَرْفٌ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ لِوُجُودِ الْفِضَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَإِذَا شَرَطَ الْقَبْضَ فِي الْفِضَّةِ شَرَطَ فِي الصُّفْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ إلَّا بِضَرَرٍ ا هـ ( قَوْلُهُ : فَكَسَدَ ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ حَدُّ الْكَسَادِ أَنْ لَا تَرُوجَ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا لَا تَرُوجُ فِي بَلَدِ الْعَاقِدَيْنِ ، كَذَا فِي الْعُيُونِ ا هـ .
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ حَدُّ الْكَسَادِ أَنْ تَتْرُكَ الْمُعَامَلَةَ بِهَا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ ، وَإِنْ كَانَ تَرُوجُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لَكِنَّهُ يَتَعَيَّبُ إذَا لَمْ يَرُجْ فِي بَلَدِهِمْ فَيَتَخَيَّرُ الْبَائِعُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهُ ا هـ .
وَقَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَحَكَاهُ فِي الْمُحِيطِ عَنْ النَّوَادِرِ مَعْنَى قَوْلِهِ كَسَدَتْ أَيْ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ أَمَّا إنْ كَانَتْ تَرُوجُ فِي هَذَا الْبَلَدِ وَلَا تَرُوجُ فِي غَيْرِهِ لَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَهْلَكْ وَلَكِنَّهَا تَعَيَّبَتْ فَكَانَ الْبَائِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَالَ أَعْطِنِي مِثْلَ النَّقْدِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ ذَلِكَ دَنَانِيرَ ا هـ فَصَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ قَيَّدَ الصِّحَّةَ بِرَوَاجِهَا فِي بَلَدِ الْعَقْدِ وَالزَّيْلَعِيُّ أَطْلَقَهُ وَهُوَ يُنَاسِبُ كَلَامَ الْعُيُونِ .
( قَوْلُهُ : بَطَلَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ

عِنْدَ صَاحِبَيْهِ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ اللَّازِمَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَكَانَ يَنْبَغِي بَيَانُهُ وَهُوَ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْبَيْعِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ قِيمَتُهَا آخِرُ مَا تَعَامَلَ النَّاسُ بِهَا ا هـ .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَحَدُّ الِانْقِطَاعِ أَنْ لَا تُوجَدُ فِي السُّوقِ ، وَإِنْ وُجِدَتْ فِي يَدِ الصَّيَارِفَةِ وَالْبُيُوتِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ ( تَنْبِيهٌ ) : قُيِّدَ بِالْكَسَادِ لِأَنَّهَا إذَا غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ كَانَ عَلَيْهِ رَدُّ الْمِثْلِ بِالِاتِّفَاقِ ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ عَنْ النِّهَايَةِ .
( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ ثَمَنٌ بِالِاصْطِلَاحِ ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ ؛ لِأَنَّهَا ا هـ .
وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ لَوْ تَبَايَعَا الْفُلُوسَ بِالْفُلُوسِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ فَنَقَدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعَ عَيْنٍ بِدَيْنٍ ، وَإِنَّمَا شَرَطَ فِي بَيْعِ النَّقْدَيْنِ بِأَحَدِهِمَا قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ نَصًّا لَا قِيَاسًا وَالْفُلُوسُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُمَا لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ لَهُمَا صِفَةٌ أَصْلِيَّةٌ خِلْقِيَّةٌ وَالْفُلُوسُ صِفَةٌ عَارِضِيَّةٌ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِالْكَسَادِ فَلَا يَكُونُ النَّصُّ الْوَارِدُ ثَمَّةَ وَارِدًا هُنَا دَلَالَةً ، وَإِنْ افْتَرَقَا لَا عَنْ قَبْضِ أَحَدِهِمَا أَيْ الْفُلُوسِ وَمَا قُوبِلَ بِهَا بَطَلَ الْعَقْدُ سَوَاءٌ كَانَ مَا قُوبِلَ بِهَا فُلُوسًا مِثْلَهَا أَوْ فِضَّةً أَوْ ذَهَبًا ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ .
( قَوْلُهُ : اسْتَقْرَضَ فُلُوسًا فَكَسَدَتْ ) يَعْنِي ، وَقَدْ هَلَكَتْ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً عِنْدَهُ يَرُدُّ عَيْنَهَا اتِّفَاقًا كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَقَوْلُهُ رُدَّ مِثْلُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ يَرُدُّ قِيمَتَهَا عِنْدَ صَاحِبَيْهِ لَكِنْ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ اعْتِبَارُ وَقْتِ الْقِيمَةِ .
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقَبْضِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْكَسَادِ

وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ اُنْظُرْ لِلْجَانِبَيْنِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ .
ا هـ .
وَالْأَصَحُّ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الِانْقِطَاعِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ ا هـ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا هَلَكَتْ ثُمَّ كَسَدَتْ أَمَّا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَيْنَهَا اتِّفَاقًا ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ ( قَوْلُهُ شَرَى بِنِصْفِ دِرْهَمِ فُلُوسٍ أَوْ دَانَقِ فُلُوسٍ أَوْ قِيرَاطِ فُلُوسٍ صَحَّ ) هَذَا اسْتِحْسَانٌ لَا قِيَاسٌ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَكَذَلِكَ بِدِرْهَمِ فُلُوسٍ يَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ فِي الدِّرْهَمِ أَفْحَشُ ؛ لِأَنَّ الْفُلُوسَ لَيْسَتْ بِثَمَنٍ فِي الْأَصْلِ ، وَإِنَّمَا ضُرِبَتْ لِتُقَامَ مَقَامَ الْكُسُورِ مِنْ الْفِضَّةِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ فِي شِرَاءِ الْمُحَقِّرَاتِ ؛ لِأَنَّ كَسْرَ الدِّرْهَمِ الْوَاضِحِ مَكْرُوهٌ ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَيُجِيزُ أَبُو يُوسُفَ الشِّرَاءَ بِدِرْهَمِ فُلُوسٍ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ كَانَ يَأْبَى عَنْ جَوَازِ مِثْلِ هَذَا الشِّرَاءِ إلَّا أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ فِيمَا دُونَ دِرْهَمٍ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الدِّرْهَمِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مُتَعَارَفًا ا هـ .
وَفِي الْهِدَايَةِ قَالُوا وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَصَحُّ سِيَّمَا فِي دِيَارِنَا .
( قَوْلُهُ : قَالَ مُشْتَرٍ لِمَنْ أَعْطَاهُ إلَى قَوْلِهِ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ ) هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْبَيْعِ فِي الْفِضَّةِ سَرَى إلَى الْفُلُوسِ وَأَجَازَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْفُلُوسِ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَارٍ عِنْدَهُمَا ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ قَوْلُهُ وَلَوْ كَرَّرَ أَعْطِنِي صَحَّ أَيْ الْبَيْعُ فِي الْفُلُوسِ فَقَطْ ) هَذَا اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ فِي الْمَوَاهِبِ ا هـ .
وَيَبْطُلُ فِي الْفِضَّةِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ قَالُوا فِيهِ إشْكَالٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَعْطِنِي مُسَاوَمَةً كَلَفْظِ بِعْنِي بِالْمُسَاوِمَةِ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ فَكَيْفَ

يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِهِ وَلَعَلَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ تَكْرَارُ أَعْطِنِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَهُ تَفْرِيقُ الْعَقْدِ فَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُمَا عَقَدَا عَقْدَيْنِ ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي السَّابِقَةِ أَنَّ الْعَقْدَ يَتَكَرَّرُ عِنْدَهُ بِتَكْرَارِ اللَّفْظِ وَعِنْدَهُمَا بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ وَوَجْهُ الْإِجْمَاعِ فِي الثَّانِيَةِ حُصُولُ التَّكْرَارِ وَتَفْصِيلُ الثَّمَنِ ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ .

( تَذْنِيبٌ ) لِكِتَابِ الْبَيْعِ ( بَيْعُ الْوَفَاءِ قِيلَ رَهْنٌ ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ نَجْمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ فِي فَتَاوَاهُ الْبَيْعُ الَّذِي تَعَارَفَهُ أَهْلُ زَمَانِنَا احْتِيَالًا لِلرِّبَا وَسَمَّوْهُ بَيْعَ الْوَفَاءِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَهْنٌ وَهَذَا الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كَالرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَمْلِكُهُ وَلَا يُطْلَقُ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَكَلَ مِنْ ثَمَرِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ مِنْ شَجَرِهِ وَالدَّيْنُ يَسْقُطُ بِهَلَاكِهِ إذَا كَانَ بِهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ إذَا هَلَكَ عَنْ غَيْرِ صُنْعِهِ وَلِلْبَائِعِ اسْتِرْدَادُهُ إذَا قَضَى دَيْنَهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّهْنِ فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَإِنْ سَمَّيَاهُ بَيْعًا وَلَكِنَّ غَرَضَهُمَا الرَّهْنُ وَالِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ لِكُلِّ أَحَدٍ بَعْدَ هَذَا الْعَقْدِ رَهَنْتَ مِلْكِي فُلَانًا وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ ارْتَهَنْتُ مِلْكَ فُلَانٍ وَالْعِبْرَةُ فِي التَّصَرُّفَاتِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لَا الْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا الْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ حَوَالَةٌ وَالْحَوَالَةُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْرَأَ كَفَالَةٌ وَهِبَةُ الْحُرَّةِ نَفْسَهَا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ مَعَ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ نِكَاحٌ وَالِاسْتِصْنَاعُ الْفَاسِدُ إذَا ضُرِبَ فِيهِ الْأَجَلُ سَلِمَ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَكَانَ الْإِمَامُ السَّيِّدُ أَبُو شُجَاعٍ عَلَى هَذَا ( وَقِيلَ بَيْعٌ ) ذَكَرَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ اتَّفَقَ مَشَايِخُنَا فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى صِحَّتِهِ بَيْعًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ ؛ لِأَنَّهُمَا تَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَرْطٍ فِيهِ وَالْعِبْرَةُ لِلْمَلْفُوظِ نَصًّا دُونَ الْمَقْصُودِ ، فَإِنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مَا جَامَعَهَا صَحَّ الْعَقْدُ ( وَقِيلَ ) قَائِلُهُ قَاضِي خَانْ ( الصَّحِيحُ أَنَّهُ ) أَيْ الْعَقْدَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمَا ( إنْ كَانَ

بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَا يَكُونُ رَهْنًا ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ شَرْعًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَلْ يَكُونُ بَيْعًا .

( تَذْنِيبٌ ) .
( قَوْلُهُ : قِيلَ رَهْنٌ ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَذْكُرَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ ؛ لِأَنَّ سَنَدَهُ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ قَالَ الشَّيْخُ
إلَخْ يَقُولُ بَيْعُ الْوَفَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَ الشَّيْخُ كَذَا وَقَوْلُهُ قَالَ الشَّيْخُ إلَى ، وَكَانَ السَّيِّدُ أَبُو شُجَاعٍ مِنْ فُصُولِ الْعِمَادِيِّ بِالْحَرْفِ وَفِيهِ زِيَادَةُ تَقْوِيَةٍ لِهَذَا الْقَوْلِ يَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهَا ( قَوْلُهُ وَقِيلَ بَيْعٌ ) مُسْتَنَدُهُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ ذَكَرَهُ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ
إلَخْ وَهُوَ فِي الْعِمَادِيَّةِ أَيْضًا لَكِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لَفْظٌ وَقِيلَ بَلْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَكَانَ يَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ كَذَلِكَ وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ غَيْرِ صِيغَةِ تَمْرِيضٍ ( قَوْلُهُ وَقِيلَ قَائِلُهُ قَاضِي خَانْ
إلَخْ ) مِنْ الْعِمَادِيَّةِ أَيْضًا وَعِبَارَتُهُ .
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْبَيْعُ الَّذِي اعْتَادَهُ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ وَيُسَمُّونَهُ بَيْعَ الْوَفَاءِ الصَّحِيحُ أَنَّ الْعَقْدَ
إلَخْ فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى بَعْضِ مَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَلَا وَجْهَ لَهُ فَعَلَيْك بِمُرَاجَعَتِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ تِسْعَةَ أَقْوَالٍ فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ يَجِبُ مُرَاجَعَتُهَا فَذَكَرَ فِيهَا مَا نَصُّهُ أَجَابَ عِمَادُ الدِّينِ وَعَلَاءُ الدِّينِ بَدْرٌ وَمِنْهَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي الْمُشْتَرِي وَفَاءً إذَا بَاعَ بَاتًّا أَوْ وَفَاءً أَوْ وَهَبَ أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لَا يَصِحُّ ، وَإِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي وَفَاءً فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي أَحْكَامِ الْوَفَاةِ ا هـ عِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ وَهَلْ كَذَلِكَ وَرَثَةُ الْبَائِعِ وَفَاءً فَلْيُنْظَرْ وَمِنْ الْأَقْوَالِ التِّسْعَةِ قَوْلٌ جَامِعٌ لِبَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ فَاسِدٌ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ حَتَّى مَلَكَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْفَسْخَ وَصَحِيحٌ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَحِلِّ الْإِنْزَالِ وَمَنَافِعِ الْمَبِيعِ وَرَهْنٍ فِي حَقِّ الْبَعْضِ حَتَّى لَمْ يَمْلِكْ الْمُشْتَرِي بَيْعَهُ مِنْ آخَرَ وَلَا رَهْنَهُ

وَلَا يَمْلِكُ قَطْعَ الشَّجَرِ وَلَا هَدْمَ الْبِنَاءِ وَسَقَطَ الدَّيْنُ بِهَلَاكِهِ وَانْقَسَمَ الثَّمَنُ إنْ دَخَلَهُ نُقْصَانٌ كَمَا فِي الرَّهْنِ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْدِلَ فِي الْإِفْتَاءِ عَنْ الْقَوْلِ الْجَامِعِ .
ا هـ .
قُلْت وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ وَرَثَةَ الْبَائِعِ يَقُومُونَ مَقَامَهُ كَوَرَثَةِ الْمُشْتَرِي نَظَرًا لِجَانِبِ الرَّهْنِ وَهِيَ حَادِثَةُ حَالٍ .
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ .

( فَإِنْ شَرَطَا ) أَيْ الْعَاقِدَانِ ( الْفَسْخَ فِيهِ ) أَيْ فِي الْعَقْدِ ( فَسَدَ ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِهِ ( كَذَا ) أَيْ يَفْسُدُ أَيْضًا ( إنْ لَمْ يَشْتَرِطَاهُ ) أَيْ الْفَسْخَ .
( وَ ) لَكِنْ ( تَلَفَّظَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْوَفَاءِ ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُفْسِدٌ لَهُ ( أَوْ ) تَلَفَّظَا ( بِالْبَيْعِ الْجَائِزِ وَعِنْدَهُمَا ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ فِي زَعْمِهِمَا ( هُوَ بَيْعٌ غَيْرُ لَازِمٍ ) فَإِنَّهُ أَيْضًا يَفْسُدُ حِينَئِذٍ عَمَلًا بِزَعْمِهِمَا .

( وَإِنْ ذَكَرَا ) أَيْ الْعَاقِدَانِ ( الْبَيْعَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ثُمَّ ذَكَرَاهُ ) أَيْ الشَّرْطَ ( عَلَى وَجْهِ الْمِيعَادِ جَازَ ) أَيْ الْبَيْعُ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمُفْسِدِ ( وَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ) ؛ لِأَنَّ الْمَوَاعِيدَ قَدْ تَكُونُ لَازِمَةً فَيُجْعَلُ هَذَا الْمِيعَادُ لَازِمًا لِحَاجَةِ النَّاسِ ( صَحَّ ) بَيْعُ الْوَفَاءِ فِي الْعَقَارِ اسْتِحْسَانًا لِلتَّعَامُلِ وَاخْتُلِفَ ( فِي الْمَنْقُولِ ) قِيلَ يَصِحُّ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ لِخُصُوصِ التَّعَامُلِ .

( كِتَابُ الشُّفْعَةِ ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ شَرَعَ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تَأْخِيرِهَا إلَى أَوَاخِرِ الْكِتَابِ كَمَا وَقَعَ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ ( هِيَ ) لُغَةً مِنْ الشَّفْعِ وَهُوَ الضَّمُّ سُمِّيَتْ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ ضَمِّ الْمُشْتَرَاةِ إلَى مِلْكِ الشَّفِيعِ وَشَرْعًا ( تَمَلُّكُ الْعَقَارِ ) وَهُوَ الضَّيْعَةُ وَقِيلَ مَا لَهُ أَصْلٌ مِنْ دَارٍ أَوْ ضَيْعَةٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ ( وَمَا فِي حُكْمِهِ ) كَالْعُلُوِّ قَالَ فِي الْكَافِي : الْعُلُوُّ يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ وَتُسْتَحَقُّ بِهِ الشُّفْعَةُ فِي السُّفْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ الْعُلُوِّ فِي السُّفْلِ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْعَقَارِ بِمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الْقَرَارِ ( جَبْرًا عَلَى مُشْتَرِيهِ بِمِثْلِ ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّمَلُّكِ ( مَا قَامَ عَلَيْهِ ) مِنْ الثَّمَنِ ( وَتَثْبُتُ ) أَيْ الشُّفْعَةُ ( بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْخَلِيطِ ) أَيْ الشَّرِيكِ ( فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ ثُمَّ ) أَيْ بَعْدَ مَا سَلَّمَهَا تَثْبُتُ لِلْخَلِيطِ ( فِي حَقِّهِ ) أَيْ حَقِّ الْمَبِيعِ ( كَالشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ الْخَاصَّيْنِ ) مَعْنَى خُصُوصِهِمَا أَنْ يَكُونَ الشُّرْبُ مِنْ نَهْرٍ لَا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ وَأَنْ لَا يَكُونَ الطَّرِيقُ نَافِذًا ( ثُمَّ ) أَيْ بَعْدَ مَا سَلَّمَهَا تَثْبُتُ ( لِجَارٍ مُلَاصِقٍ وَلَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مَأْذُونًا أَوْ مُكَاتَبًا ) لِإِطْلَاقِ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الشُّفْعَةُ لِشَرِيكٍ لَمْ يُقَاسِمْ } وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ وَالْأَرْضِ يُنْتَظَرُ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا } وَالْمُرَادُ جَارٌ هُوَ شَرِيكٌ فِي الطَّرِيقِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الشُّرْبِ دَلَالَةً لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ بِاعْتِبَارِ الْخُلْطَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ فِي الشُّرْبِ ( بَابُهُ فِي السِّكَّةِ أُخْرَى ) فَإِنَّ بَابَهُ إنْ كَانَ فِي تِلْكَ السِّكَّةِ كَانَ خَلِيطًا فِي حَقِّ الْمَبِيعِ فَلَا يَكُونُ جَارٌ مُلَاصِقًا ؛ صُورَتُهُ مَنْزِلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي دَارٍ

هِيَ الْقَوْمُ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ إذَا بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْمَنْزِلِ فَالشَّرِيكُ فِي الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ ، فَإِنْ سَلَمَ فَالشُّرَكَاءُ فِي الدَّارِ أَحَقُّ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِي السِّكَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ لِلشَّرِكَةِ بَيْنَهُمْ فِي صَحْنِ الدَّارِ ، فَإِنْ سَلَمُوا فَأَهْلُ السِّكَّةِ أَحَقُّ لِلشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ ، فَإِنْ سَلَمُوا فَلِلْجَارِ الْمُلَاصِقِ وَهُوَ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ هَذَا الْمَنْزِلِ وَبَابُ دَارِهِ فِي سِكَّةٍ أُخْرَى -
كِتَابُ الشُّفْعَةِ ) هِيَ حَقُّ الشَّرْعِ نَظَرًا لِمَنْ كَانَ شَرِيكًا أَوْ جَارًا عِنْدَ الْبَيْعِ ( قَوْلُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا إلَخْ ) يَعْنِي بِهِ مَنْ تَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ وَسَوَاءٌ كَانَ أُنْثَى أَوْ صَغِيرًا أَوْ مُعْتَقَ الْبَعْضِ وَالْخَصْمُ عَنْ الصِّبْيَانِ فِي الشُّفْعَةِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ آبَاؤُهُمْ أَوْ أَوْصِيَاءُ الْآبَاءِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ وَالْأَجْدَادُ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَوْصِيَاءُ الْأَجْدَادِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ يُقِيمُ لَهُمْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُمْ فِي الْخُصُومَةِ وَالطَّلَبِ كَمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ

( وَلَوْ ) وَصْلِيَّةٌ أَيْ وَلَوْ كَانَ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ ( وَاضِعَ الْجِذْعِ عَلَى حَائِطِهِ ) أَيْ حَائِطِ الْمَبِيعِ ( أَوْ شَرِيكًا ) لِلْبَائِعِ ( فِي خَشَبَةٍ عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى الْحَائِطِ ، فَإِنَّ الْجَارَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ لَا يَكُونُ خَلِيطًا فِي حَقِّ الْمَبِيعِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ جَارًا مُلَاصِقًا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهَا تَغَايُرُهُمَا لِلْجَارِ

( عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَتَثْبُتُ ( لَا قَدْرِ الْمِلْكِ ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَثْبُتُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ صُورَتُهُ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا وَلِلثَّالِثِ ثُلُثُهَا فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ نَصِيبَهُ وَطَلَبَ الْآخَرَانِ الشُّفْعَةَ قُضِيَ بِالشِّقْصِ الْمَبِيعِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَثْلَاثًا بِقَدْرِ مِلْكِهِمَا ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ السُّدُسِ قُضِيَ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ قُضِيَ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا وَعِنْدَنَا يُقْضَى بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فِي الْكُلِّ

( وَتَسْتَقِرُّ ) عَطْفٌ عَلَى تَثْبُتُ أَيْ تَسْتَقِرُّ الشُّفْعَةُ ( بِالْإِشْهَادِ ) إذْ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ ضَعِيفٌ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ ، فَإِذَا أَشْهَدَ ابْتِدَاءً عَلَى طَلَبِهَا تَيَسَّرَ أَخْذُ الْمَقْصُودِ بِحُكْمِ الْقَاضِي وَلَمْ يَبْقَ حَاجَةٌ إلَى الْيَمِينِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ( وَيُمْلَكُ ) أَيْ الْعَقَارُ وَمَا فِي حُكْمِهِ ( بِالْقَضَاءِ أَوْ الْأَخْذِ بِالرِّضَا ) بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي قَالَ فِي الْوِقَايَةِ وَالْكَنْزِ وَيُمْلَكُ بِالْأَخْذِ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَصَرَّحَ شَارِحَاهُمَا بِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَطْفٌ عَلَى الْأَخْذِ لَا عَلَى التَّرَاضِي ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلشَّفِيعِ قَبْلَ أَخْذِهِ وَلَمَّا كَانَ عِبَارَةُ الْمَتْنَيْنِ مُوهِمَةً لِعَطْفٍ بِقَضَاءِ الْقَاضِي عَلَى التَّرَاضِي بَلْ ظَاهِرُهُ فِيهِ غَيْرُ الْعِبَارَةِ إلَى مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا ثُمَّ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلشَّفِيعِ قَبْلَ أَخْذِهِ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي كَأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ وَتُمْلَكُ بِالْأَخْذِ إذَا سَلَّمَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَوْ حَكَمَ عَطْفٌ عَلَى سَلَّمَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ مُعْتَبَرًا فِي كُلٍّ مِنْ تَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي وَحُكْمِ الْقَاضِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الثَّانِي -
( قَوْلُهُ : إذْ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ ) أَقُولُ الصَّوَابُ إذْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ هُوَ الَّذِي يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِالْإِشْهَادِ ابْتِدَاءً فَلَمْ يَبْقَ بُدٌّ مِنْ الْإِشْهَادِ وَعَلَى مَا صَوَّبْنَاهُ يَتَفَرَّعُ قَوْلُهُ ، فَإِذَا أَشْهَدَ ابْتِدَاءً عَلَى طَلَبِهَا تَيَسَّرَ أَخْذُ الْمَقْصُودِ وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ لِإِبْطَالِهِ مَا فَرَّعَ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ مُنْصِفًا

( وَيَطْلُبُهَا ) أَيْ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَبَ هَاهُنَا ثَلَاثَةٌ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَطَلَبُ الْإِشْهَادِ وَالتَّقْرِيرِ وَطَلَبُ الْأَخْذِ وَالتَّمَلُّكِ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ وَيَطْلُبُهَا الشَّفِيعُ ( فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ بِسَمَاعِهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِالْعِلْمِ ( مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ ) وَقَالَا : يَكْفِي وَاحِدٌ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً إذَا كَانَ الْخَبَرُ صَادِقًا ( وَإِنْ امْتَدَّ ) أَيْ الْمَجْلِسُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ التَّمَلُّكِ اُحْتِيجَ إلَى زَمَانِ التَّأَمُّلِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ فَلَوْ قَالَ بَعْدَمَا بَلَغَهُ الْبَيْعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ حَمْدٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ جَوَارِ الْبَائِعِ مِنْ الْأَمْنِ مِنْ ضَرَرِ الدَّخِيلِ بِالشُّفْعَةِ وَالثَّانِي تَعَجُّبٌ مِنْهُ بِقَصْدِ إضْرَارِهِ وَالثَّالِثُ لِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ كَمَا هُوَ عُرْفُ بَعْضِ النَّاسِ فَلَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى الْإِعْرَاضِ ( بِلَفْظٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِيُبْطِلُهَا ( يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُهَا ) كَطَلَبْتُ الشُّفْعَةَ أَوْ أَنَا طَالِبُهَا أَوْ أَطْلُبُهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعْنَى وَفِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الطَّلَبُ لِلْحَالِ لَا الْخَبَرُ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إذَا سَمِعَ بِبَيْعِ أَرْضٍ بِجَنْبِ أَرْضِهِ فَقَالَ شُفْعَةً شُفْعَةً كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ طَلَبًا كَذَا فِي الْكَافِي -

قَوْلُهُ : وَيَطْلُبُهَا فِي مَجْلِسِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ إلَخْ ) هَذَا عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَبِهَا أَخَذَ الْكَرْخِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِعِلْمِهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ حَتَّى لَوْ سَكَتَ هُنَيْهَةً بِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَمْ يَطْلُبْ أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَغْوٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ .
( قَوْلُهُ : فَلَوْ قَالَ بَعْدَ مَا بَلَغَهُ الْبَيْعُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ ) مُفَرَّعٌ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى رِوَايَةِ إثْبَاتِ الْخِيَارِ وَإِنْ طَالَ الْمَجْلِسُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ

( وَقِيلَ تَبْطُلُ بِأَدْنَى سُكُوتٍ ) حَتَّى لَوْ أَخْبَرَ بِكِتَابٍ وَالشُّفْعَةُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ فَقَرَأَ الْكِتَابَ إلَى آخِرِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ قَالَ فِي الْإِيضَاحِ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ( وَيُسَمَّى ) هَذَا الطَّلَبُ ( طَلَبَ مُوَاثَبَةٍ ) لِيَدُلَّ عَلَى غَايَةِ التَّعْجِيلِ كَأَنَّ الشَّفِيعَ يَثِبُ وَيَطْلُبُ الشُّفْعَةَ وَالْإِشْهَادُ فِيهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَإِنَّمَا الْإِشْهَادُ لِمَخَافَةِ الْجُحُودِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَسَيَأْتِي لَهُ زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَكَرَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ ( ثُمَّ يُشْهِدُ عِنْدَ الدَّارِ ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِهَا ( أَوْ عَلَى الْبَائِعِ ) إنْ كَانَ الدَّارُ فِي يَدِهِ لَمْ تُسَلَّمْ إلَى الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهَا إذَا سُلِّمَتْ إلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا إذْ لَا يَدَ لَهُ وَلَا مِلْكَ ( أَوْ الْمُشْتَرِي ) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا يَدٍ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ ( قَائِلًا ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يُشْهِدُ ( اشْتَرَى فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ وَأَنَا شَفِيعُهَا وَكُنْتُ طَلَبْتُ الشُّفْعَةَ وَطَلَبْتُهَا الْآنَ فَاشْهَدُوا عَلَيْهِ وَيُسَمَّى طَلَبَ إشْهَادٍ ) وَهَذَا الطَّلَبُ وَاجِبٌ حَتَّى إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْإِشْهَادِ عِنْدَ الدَّارِ أَوْ عَلَى ذِي الْيَدِ وَلَمْ يَشْهَدْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ، فَإِذَا كَانَ فِي مَكَان بَعِيدٍ فَسَمِعَ فَطَلَبُ مُوَاثَبَةٍ وَعَجَزَ عَنْ طَلَبِ الْإِشْهَادِ عِنْدَ الدَّارِ أَوْ عَلَى ذِي الْيَدِ يُوَكِّلُ وَكِيلًا إنْ وُجِدَ وَأَلَّا يُرْسِلَ رَسُولًا أَوْ كِتَابًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ ، فَإِذَا حَضَرَ طَلَبَ ، وَإِنْ وَجَدَ وَلَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ ( وَإِذَا شَهِدَ فِي الْأَوَّلِ ) يَعْنِي طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ ( عِنْدَ أَحَدِهَا ) أَيْ عِنْدَ الدَّارِ أَوْ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي ( اسْتَغْنَى عَنْهُ ) أَيْ مِنْ الْإِشْهَادِ فِي الثَّانِي لِقِيَامِهِ مَقَامَ الطَّلَبَيْنِ نَقَلَهُ فِي الْكَافِي عَنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَنْ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّمَا قَالَ

عِنْدَ أَحَدِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى مُجَرَّدِ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بِلَا حُضُورِ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الطَّلَبَيْنِ بِلَا خَفَاءٍ -

( قَوْلُهُ : وَقِيلَ تَبْطُلُ بِأَدْنَى سُكُوتٍ ) عِبَارَتُهُ تَقْتَضِي ضَعْفَهُ وَعَلِمْت أَنَّ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ بِأَدْنَى سُكُوتٍ ( قَوْلُهُ : وَسَيَأْتِي فِيهِ زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ ) الَّذِي سَيَأْتِي لَا تَحْقِيقَ فِيهِ بَلْ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ ، فَإِنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِيهِ ( قَوْلُهُ : فَإِنَّهَا إذَا سُلِّمَتْ إلَيْهِ ) يَعْنِي إلَى الْمُشْتَرِي ( قَوْلُهُ : لَمْ يَصِحَّ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ ) يَعْنِي عَلَى الْبَائِعِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ وَالنَّاطِفِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ .
وَفِي الْمَوَاهِبِ وَقِيلَ مُطْلَقًا يَعْنِي يُشْهِدُ عَلَيْهِ يَعْنِي الْبَائِعَ وَلَوْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ( قَوْلُهُ : قَائِلًا اشْتَرَى فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ
إلَخْ ) .
أَقُولُ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ تَعْرِيفِ الدَّارِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُشِيرُ إلَى الدَّارِ ، وَالْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ حُدُودَهَا وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَلَا بُدَّ وَأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ شَفِيعٌ بِالشَّرِكَةِ أَوْ بِالْجِوَارِ أَوْ بِالْحُقُوقِ وَيُبَيِّنَ الْحُدُودَ لِتَصِيرَ مَعْلُومَةً ا هـ .
( قَوْلُهُ : حَتَّى إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْإِشْهَادِ عِنْدَ الدَّارِ
إلَخْ ) يُشِيرُ بِهِ إلَى تَقْدِيرِ مُدَّةِ هَذَا الطَّلَبِ ( قَوْلُهُ : أَوْ عَلَى ذِي الْيَدِ ) يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْبَائِعُ خَصْمًا عِنْدَ تَسْلِيمِهِ إلَى الْمُشْتَرِي كَمَا قَدَّمَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ يَكُونُ خَصْمًا اسْتِحْسَانًا ثُمَّ لَوْ قَصَدَ الْأَبْعَدَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَتَرَكَ الْأَقْرَبَ ، فَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا فِي مِصْرٍ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَأَنَّ بَعْضَهُمْ فِيهِ وَالْبَعْضُ فِي مِصْرٍ آخَرَ أَوْ فِي الرُّسْتَاقِ فَقَصَدَ الْأَبْعَدَ وَتَرَكَ الَّذِي فِي مِصْرِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ

( ثُمَّ يَطْلُبُ عِنْدَ قَاضٍ قَائِلًا اشْتَرَى فُلَانٌ دَارَ كَذَا وَأَنَا شَفِيعًا بِدَارِ كَذَا فَمُرْهُ يُسَلِّمُ إلَيَّ وَيُسَمِّي طَلَبَ تَمْلِيكٍ وَخُصُومَةٍ وَبِتَأْخِيرِهِ مُطْلَقًا ) أَيْ شَهْرًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ ( لَا تَبْطُلُ ) أَيْ الشُّفْعَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ إذَا تَرَكَهُ شَهْرًا بِلَا عُذْرٍ بَعْدَ الْإِشْهَادِ بَطَلَتْ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَسْقُطْ بِهِ تَضَرَّرَ الْمُشْتَرِي إذْ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ حِذَارَ نَقْضِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ فَقُدِّرَ بِشَهْرٍ ؛ لِأَنَّهُ آجِلٌ وَمَا دُونَهُ عَاجِلٌ كَمَا مَرَّ فِي الْإِيمَانِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى هَذَا لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي قَصْدِ الْإِضْرَارِ بِالْغَيْرِ وَاخْتَارَهُ فِي الْوِقَايَةِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ شَرْعًا فَلَا يَبْطُلُ بِتَأْخِيرِهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ إلَّا أَنْ يُسْقِطَهَا بِلِسَانِهِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الضَّرَرِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِأَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَأْمُرَ الشَّفِيعَ بِالْأَخْذِ أَوْ التَّرْكِ فَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ الْمُضِرُّ بِنَفْسِهِ ( وَبِهِ يُفْتَى ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَلْدَةِ قَاضٍ لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِالتَّأْخِيرِ اتِّفَاقًا إذْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي فَكَانَ عُذْرًا -

( قَوْلُهُ : وَمَا ذَكَرَ مِنْ الضَّرَرِ
إلَخْ ) اسْتَشْكَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِمَا إذَا كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا حَيْثُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ ا هـ .
( قَوْلُهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى هَذَا ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَهُوَ أَصَحُّ مَا يُفْتَى يَعْنِي بِهِ أَنَّ تَصْحِيحَ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَالْمُغْنِي وَقَاضِي خَانْ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ مِنْ كَوْنِ تَقْدِيرِ السُّقُوطِ بِشَهْرٍ أَصَحَّ مِنْ تَصْحِيحِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي عَدَمُ سُقُوطِهَا بِالتَّأْخِيرِ أَبَدًا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْحُقُوقِ أَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ يُمْلَكُ فِي الْعَيْنِ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ وَهُوَ احْتِمَالُ حُصُولِ الضَّرَرِ مِنْ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ الضَّرَرُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَأَمَّا سَائِرُ الْحُقُوقِ فَلِأَنَّ تَأْخِيرَهَا يَنْفَعُ مَنْ عَلَيْهِ وَلَا يَضُرُّهُ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِدَفْعِهَا إلَى أَرْبَابِهَا .
ا هـ .

( وَإِذَا طَلَبَ ) أَيْ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ عِنْدَ الْقَاضِي ( سَأَلَ الْقَاضِي الْخَصْمَ عَنْ مَالِكِيَّةِ الشَّفِيعِ لِمَا يَشْفَعُ بِهِ ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا أَوْ نَكَلَ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى الْعِلْمِ ) بِأَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكُ الدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا ( أَوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ ) بِكَوْنِهِ مَالِكًا لِمَا يَشْفَعُ بِهِ ( سَأَلَهُ ) أَيْ سَأَلَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( عَنْ الشِّرَاءِ ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى الْحَاصِلِ أَوْ السَّبَبِ ) ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ إنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ بِاَللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ عَلَيَّ ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَشُفْعَةِ الْجِوَارِ يَحْلِفُ عَلَى السَّبَبِ بِاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْت هَذِهِ الدَّارَ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْلِفُ عَلَى الْحَاصِلِ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ( أَوْ بَرْهَنَ الشَّفِيعُ قُضِيَ لَهُ ) أَيْ لِلشَّفِيعِ ( بِهَا ) أَيْ بِالشُّفْعَةِ -

( قَوْلُهُ : وَإِذَا طَلَبَ سَأَلَ الْقَاضِي الْخَصْمَ عَنْ مَالِكِيَّةِ الشَّفِيعِ بِمَا يَشْفَعُ بِهِ ) يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِظَاهِرِ الْيَدِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ وَاكْتَفَى بِهِ زُفَرُ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ ( قَوْلُهُ : وَإِذَا طَلَبَ سَأَلَ الْقَاضِي الْخَصْمَ
إلَخْ ) .
أَقُولُ فِي التَّبْيِينِ ذَكَرَ سُؤَالَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ مِلْكِ الشَّفِيعِ أَوَّلًا عَقِبَ طَلَبِ الشَّفِيعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقَاضِي يَسْأَلُ أَوَّلًا الْمُدَّعِيَ قَبْلَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ مَوْضِعِ الدَّارِ مِنْ الْمِصْرِ وَمَحَلِّهِ وَحُدُودِهَا ، فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ قَبْضِ الْمُشْتَرِي الدَّارَ وَعَدَمِهِ ، فَإِذَا بَيَّنَ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ شُفْعَتِهِ وَحُدُودِ مَا يَشْفَعُ بِهَا ، فَإِذَا بَيَّنَ وَلَمْ يَكُنْ مَحْجُوبًا بِغَيْرِهِ سَأَلَهُ مَتَى عَلِمَ وَكَيْفَ صَنَعَ حِينَ عَلِمَ ، فَإِذَا بَيَّنَ سَأَلَهُ عَنْ طَلَبِ التَّقْرِيرِ كَيْفَ كَانَ وَعِنْدَ مَنْ أَشْهَدَ وَهَلْ كَانَ الَّذِي أَشْهَدَ عِنْدَهُ أَقْرَبَ أَمْ لَا ، فَإِذَا بَيَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَلَمْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ فِي شُرُوطِهِ ثُمَّ دَعْوَاهُ وَأَقْبَلَ الْقَاضِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَالِكِيَّةِ الشَّفِيعِ بِمَا يَشْفَعُ بِهِ
إلَخْ وَلَا يُقَالُ : إنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَغْنَى عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ ثُمَّ يَطْلُبُ عِنْدَ قَاضٍ قَائِلًا اشْتَرَى فُلَانٌ دَارَ كَذَا وَأَنَا شَفِيعُهَا بِدَارِ كَذَا فَمُرْهُ يُسَلِّمُ إلَيَّ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : هَذَا لَا يَكْفِي فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الدَّعْوَى لِمَا قَدَّمْته مِنْ الشُّرُوطِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي

( وَإِنْ ) وَصْلِيَّةٌ ( لَمْ يُحْضِرْ ) أَيْ الشَّفِيعُ ( الثَّمَنَ وَقْتَ الدَّعْوَى وَبَعْدَ الْقَضَاءِ لَزِمَهُ ) أَيْ الشَّفِيعَ إحْضَارُ الثَّمَنِ ( وَلِلْمُشْتَرِي حَبْسُ الدَّارِ لِقَبْضِهِ ) أَيْ الثَّمَنِ ( وَبِتَأْخِيرِ أَدَائِهِ ) أَيْ الثَّمَنِ ( لَا تَبْطُلُ ) أَيْ الشُّفْعَةُ يَعْنِي إذَا قِيلَ لِلشَّفِيعِ : أَدِّ الثَّمَنَ فَأَدَّى لَا تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ ( وَالْخَصْمُ ) لِلشَّفِيعِ ( الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ) أَيْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ ذُو الْيَدِ ( وَ ) لَكِنْ ( لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ ) أَيْ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ ( عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى الْبَائِعِ ( بِغَيْبَةِ الْمُشْتَرِي وَيُفْسَخُ ) أَيْ الْبَيْعُ ( بِحُضُورِهِ ) أَيْ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ ( وَيُقْضَى بِالشُّفْعَةِ وَالْعُهْدَةِ عَلَى الْبَائِعِ ) يَعْنِي يَجِبُ تَسْلِيمُ الدَّارِ عَلَيْهِ وَعِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يَكُونُ عُهْدَةُ الثَّمَنِ عَلَيْهِ فَيُطْلَبُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ مِنْ يَدِهِ حَيْثُ لَا يُعْتَبَرُ حُضُورُهُ وَلَا تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَجْنَبِيًّا -
قَوْلُهُ وَالْخَصْمُ لِلشَّفِيعِ الْبَائِعَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ) يَعْنِي فِي طَلَبِ التَّمَلُّكِ ( قَوْلُهُ : وَيُفْسَخُ أَيْ الْبَيْعُ بِحُضُورِهِ أَيْ الْمُشْتَرِي ) يَعْنِي مَعَ حُضُورِ الْمَالِكِ

( الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ خَصْمٌ لِلشَّفِيعِ ) ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ ( مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ ) ، فَإِذَا سَلَّمَهُ إلَيْهِ لَا يَكُونُ هُوَ الْخَصْمَ إذْ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ وَلَا مِلْكٌ فَيَكُونُ الْخَصْمُ هُوَ الْمُوَكِّلَ -
( قَوْلُهُ : الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ خَصْمٌ
إلَخْ ) أَقُولُ لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ لِلْقَضَاءِ حُضُورُ الْمُوَكِّلِ وَلَا كَذَلِكَ الْبَائِعُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الْوَكِيلِ

( لِلشَّفِيعِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ ، وَإِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي الْبَرَاءَةَ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ مِنْ الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ الْأَخْذُ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَشِرَاءٌ مِنْ الْبَائِعِ لِتَحَوُّلِ الصَّفْقَةِ إلَيْهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارَانِ كَمَا إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمَا وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِرُؤْيَةِ الْمُشْتَرِي وَلَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الشَّفِيعِ فَلَا يُعْمَلُ شَرْطُهُ وَرُؤْيَتُهُ فِي حَقِّهِ

( اخْتَلَفَا ) أَيْ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي ( فِي الثَّمَنِ ) قَالَ الْمُشْتَرِي أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَقَالَ الشَّفِيعُ أَلْفٌ ( فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي ) مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الدَّارِ عِنْدَ نَقْدِ الْأَقَلِّ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهُ ( وَلَوْ بَرْهَنَا فَالشَّفِيعُ أَوْلَى ) ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ أَكْثَرُ إثْبَاتًا مَعْنًى ، وَإِنْ كَانَ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي أَكْثَرَ إثْبَاتًا صُورَةً ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَاتِ لِلْإِلْزَامِ وَبَيِّنَةُ الشَّفِيعِ مُلْزِمَةٌ بِخِلَافِ بَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ إذَا قُبِلَتْ وَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ الدَّارِ إلَيْهِ بِأَلْفٍ شَاءَ أَوْ أَبَى وَإِذَا قُبِلَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لَا يَجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ شَيْءٌ بَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ

( ادَّعَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا وَبَائِعُهُ أَقَلَّ مِنْهُ بِلَا قَبْضِهِ فَالْقَوْلُ لَهُ ) أَيْ الْبَائِعِ ( وَبِهِ ) أَيْ بِالْقَبْضِ ( لِلْمُشْتَرِي ) يَعْنِي إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا وَادَّعَى بَائِعُهُ أَقَلَّ مِنْهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ إنْ كَانَ كَمَا قَالَهُ الْبَائِعُ فَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَهُ الْمُشْتَرِي يَكُونُ حَطًّا عَنْ الْمُشْتَرِي بِدَعْوَاهُ الْأَقَلَّ وَحَطُّ الْبَعْضِ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ كَمَا مَرَّ وَسَيَأْتِي فَيَأْخُذُهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَبَضَ الثَّمَنَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ خَرَجَ مِنْ الْبَيْنِ وَالْتَحَقَ بِالْأَجَانِبِ فَبَقِيَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ لِلْمُشْتَرِي ( حَطُّ الْبَعْضِ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ ) حَيْثُ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِأَقَلَّ ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَكَانَ الثَّمَنُ مَا بَقِيَ ( لَا حَطُّ الْكُلِّ ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ حِينَئِذٍ يَكُونُ بَيْعًا بَاطِلًا أَوْ هِبَةً وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا تَصِحُّ الشُّفْعَةُ .
( وَ ) لَا ( الزِّيَادَةُ ) عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ الْأَخْذَ بِمَا دُونَهَا ( وَفِي الشِّرَاءِ بِمِثْلِيٍّ يَأْخُذُ ) الشَّفِيعُ ( بِمِثْلِهِ وَفِي قِيَمِيٍّ ) يَأْخُذُهُ ( بِالْقِيمَةِ فَفِي ) بَيْعِ ( عَقَارٍ بِعَقَارٍ يَأْخُذُ كُلًّا بِقِيمَةِ الْآخَرِ ) يَعْنِي إذَا بِيعَ عَقَارٌ بِعَقَارٍ يَأْخُذُ شَفِيعُ كُلٍّ مِنْ الْعَقَارَيْنِ كُلًّا مِنْهُمَا بِقِيمَةِ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ وَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ .
( وَفِي ثَمَنٍ ) أَيْ فِي الْمَبِيعِ بِثَمَنٍ ( مُؤَجَّلٍ يَأْخُذُ بِحَالٍ أَوْ يَطْلُبُ الْآنَ وَيَأْخُذُ بَعْدَ الْأَجَلِ ) ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الْعَقْدِ وَاشْتِرَاطُهُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ اشْتِرَاطًا فِي حَقِّ الشَّفِيعِ كَالْخِيَارِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ وَرِضَاءِ

الْبَائِعِ بِهِ فِي فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِتَفَاوُتِ أَحْوَالِ النَّاسِ ( وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ ) الشَّفِيعُ الْآنَ ( وَسَكَتَ عَنْ طَلَبِهَا ) وَصَبَرَ لِيَطْلُبَهَا عِنْدَ الْأَجَلِ ( بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ) ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ قَدْ يَثْبُتُ وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ الْآنَ بِثَمَنٍ حَالٍّ وَالسُّكُوتُ عَنْ الطَّلَبِ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهِ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ -

( قَوْلُهُ : ادَّعَى الْمُشْتَرِي ثَمَنًا وَبَائِعُهُ أَقَلَّ مِنْهُ بِلَا قَبْضَةٍ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ ) أَقُولُ : وَلَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَكْثَرَ يَتَحَالَفَانِ يَعْنِي الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي وَأَيُّهُمَا نَكَلَ ظَهَرَ أَنَّ الثَّمَنَ مَا قَالَهُ الْآخَرُ فَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِذَلِكَ وَإِنْ حَلَفَا فَسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ وَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَبَضَ الثَّمَنَ
إلَخْ ) هَذَا إذَا كَانَ قَبْضُ الثَّمَنِ ظَاهِرًا كَمَا ذَكَرَ بِأَنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْيَمِينِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت الدَّارَ بِأَلْفٍ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ وَلَوْ بَدَأَ بِقَبْضِ الثَّمَنِ قَبْلَ بَيَانِ الْقَدْرِ بِأَنْ قَالَ بِعْتُ الدَّارَ وَقَبَضْتُ الثَّمَنَ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : لَا حَطُّ الْكُلِّ ) أَيْ فَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى الَّذِي أَبْرَأَهُ عَنْهُ الْبَائِعُ إنْ شَاءَ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْعَقْدَ حِينَئِذٍ
إلَخْ ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : لِأَنَّ الْحَطَّ لِلْكُلِّ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ أُلْحِقَ الْحَطُّ بِهِ يَكُونُ بَيْعًا بَاطِلًا إلَخْ أَيْ فَلَا يَكُونُ الْإِلْحَاقُ مَقُولًا بِهِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْبُطْلَانِ فِيهِ تَسَامُحٌ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ الْعَقْدَ حِينَئِذٍ يَكُونُ بَيْعًا بَاطِلًا ) أَقُولُ الصَّوَابُ أَنَّهُ يَكُونُ فَاسِدًا ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْ ثَمَنِهِ بَلْ أَرْقَى مِنْهُ إذْ التَّسْمِيَةُ وُجِدَتْ ؛ لِأَنَّ الْحَطَّ لَيْسَ إلَّا لِلْمُسَمَّى قَوْلُهُ : وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ الشَّفِيعُ الْآنَ وَسَكَتَ عَنْ طَلَبِهَا وَصَبَرَ لِيَطْلُبَهَا عِنْدَ الْأَجَلِ لِأَنَّ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ) غَيْرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ هَذَا طَلَبُ تَمَلُّكٍ وَلَا تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ بِتَأْخِيرِهِ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ لَا عِنْدَ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ مُدَّةً وَلَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ

لِتَقْدِيرِهِ بِشَهْرٍ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ قَدْ ثَبَتَ ) لَا يَصِحُّ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ بَلْ لِقَوْلِهِ سَابِقًا وَيَأْخُذُ بَعْدَ الْأَجَلِ فَكَانَ حَقُّهُ ذِكْرَهُ ثَمَّةَ ( قَوْلُهُ : وَالسُّكُوتُ عَنْ الطَّلَبِ بَعْدَ ثُبُوتِ حَقِّهِ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ ) قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ

( وَفِي شِرَاءِ ذِمِّيٍّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ) يَأْخُذُ الشَّفِيعُ ( بِمِثْلِ الْخَمْرِ وَقِيمَةِ الْخِنْزِيرِ وَلَوْ ) كَانَ الشَّفِيعُ ( ذِمِّيًّا أَوْ قِيمَتَهُمَا لَوْ ) كَانَ الشَّفِيعُ ( مُسْلِمًا وَفِي بِنَاءِ الْمُشْتَرِي ) فِي الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ ( وَغَرْسِهِ بِالثَّمَنِ وَقِيمَتِهِمَا ) حَالَ كَوْنِهِمَا ( مُسْتَحَقِّي الْقَلْعِ أَوْ كُلِّفَ الْمُشْتَرِي قَلْعُهُمَا ) يَعْنِي إذَا بَنَى الْمُشْتَرِي أَوْ غَرَسَ ثُمَّ قُضِيَ لِلشَّفِيعِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ وَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ ، وَإِنْ شَاءَ كُلِّفَ الْمُشْتَرِي قَلْعُهُمَا كَمَا فِي الْغَصْبِ ( وَإِنْ قَلَعَهُمَا ) أَيْ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ ( الشَّفِيعُ فَاسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ فَقَطْ ) وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِمَا عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ مِنْ قِبَلِهِ بِخِلَافِ الشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ جَبْرًا -
( قَوْلُهُ : وَإِنْ قَلَعَهُمَا أَيْ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ الشَّفِيعُ ) أَقُولُ الصَّوَابُ فِعْلُهُمَا بِالْفَاءِ فَالْعَيْنِ فَاللَّامِ لِمَكَانِ قَوْلِهِ فَاسْتُحِقَّتْ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَلْعُهُ مُقَدَّمًا عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ كَانَ إتْلَافًا مِنْهُ لَا بِأَمْرِ أَحَدٍ وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا بَنَى أَوْ غَرَسَ فَأَمَرَهُ الْمُسْتَحِقُّ بِقَلْعِهِ لَا يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِمَا وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهَا عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ الدَّارَ كَالْمُشْتَرِي الْمَغْرُورِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَقَالَا : إنَّهُ مُتَمَلِّكٌ جَبْرًا بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهُ مُسَلَّطٌ مِنْ جِهَةِ بَائِعِهِ وَالشَّفِيعُ غَيْرُ مَغْرُورٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ

( وَإِنْ خَرِبَتْ الدَّارُ أَوْ احْتَرَقَ بِنَاؤُهَا أَوْ جَفَّ شَجَرُ الْبُسْتَانِ ) بِلَا فِعْلِ أَحَدٍ فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ ( إنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِتَمَامِ الثَّمَنِ ) ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ تَابِعٌ حَتَّى دَخَلَا فِي الْبَيْعِ بِلَا ذِكْرٍ فَلَا يُقَابِلُهُمَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ كَمَا مَرَّ ( أَوْ تَرَكَ ) ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ تَمَلُّكِ الدَّارِ بِمَالِهِ ( وَبِحِصَّةِ الْعَرْصَةِ ) عَطْفٌ عَلَى بِتَمَامِ الثَّمَنِ -
( قَوْلُهُ : وَإِنْ خَرِبَتْ الدَّارُ
إلَخْ ) هَذَا إذَا لَمْ يَبْقَ لِلْبِنَاءِ نَقْضٌ وَلَا مِنْ الشَّجَرِ شَيْءٌ مِنْ حَطَبٍ أَوْ خَشَبٍ ، وَأَمَّا إذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ الْمُشْتَرِي لِانْفِصَالِهِ مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لِلْأَرْضِ فَلَا بُدَّ مِنْ سُقُوطِ بَعْضِ الثَّمَنِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ بَقِيَ مُحْتَسَبًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ فَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الدَّارِ يَوْمَ الْعَقْدِ وَعَلَى قِيمَةِ النَّقْضِ يَوْمَ الْأَخْذِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : وَبِحِصَّةِ الْعَرْصَةِ إنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ ) أَقُولُ فَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ وَالْبِنَاءِ يَوْمَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا انْهَدَمَ الْبِنَاءُ بِنَفْسِهِ وَكَانَ النَّقْضُ بَاقِيًا حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهَا قِيمَةُ النَّقْضِ يَوْمَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ

( إنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ ) يَعْنِي إنْ نَقَضَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ قِيلَ لِلشَّفِيعِ إنْ شِئْتَ فَخُذْ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا ، وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالْإِتْلَافِ فَيُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ فِيهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ ( وَالنَّقْضُ لَهُ ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي لَا لِلشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَصِلًا فَلَمْ يَبْقَ تَبَعًا حَتَّى يَكُونَ لِلشَّفِيعِ

( وَفِي شِرَاءِ أَرْضِ نَخْلٍ عَلَيْهَا ثَمَرٌ ) يَعْنِي إذَا شَرَى أَرْضًا بِنَخْلٍ عَلَيْهَا ثَمَرٌ وَذَكَرَ ثَمَرَ النَّخْلِ إذْ لَا يَدْخُلُ بِدُونِ الذِّكْرِ ( أَوْ شَرَاهَا وَلَمْ يَكُنْ ) عَلَى النَّخْلِ ( ثَمَرٌ وَأَثْمَرَتْ عِنْدَهُ ) أَيْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ( يَأْخُذُهَا ) أَيْ الشَّفِيعُ الْأَرْضَ ( وَالثَّمَرَ بِكُلِّ الثَّمَنِ فِيهِمَا ) أَيْ فِي الْفَصْلَيْنِ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الِاتِّصَالِ كَانَ تَبَعًا لِلْعَقَارِ كَالْبِنَاءِ فِي الدَّارِ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ تَبَعًا ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ سَرَى إلَيْهِ كَمَا إذَا اشْتَرَى حَامِلًا فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ كَانَ مِلْكُهُ تَبَعًا ( وَإِذَا جَذَّهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ لَا يَأْخُذُ الثَّمَرَ فِيهِمَا ) لِانْعِدَامِ تَبَعِيَّتِهِ لِلْعَقَارِ وَقْتَ الْأَخْذِ بِالِانْفِصَالِ ( لَكِنْ فِي الْأَوَّلِ ) وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى أَرْضًا بِنَخْلٍ عَلَيْهَا ثَمَرٌ ( ثُمَّ سَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ ) ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ قَصْدًا وَكَانَ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ فَيُفَوِّتُ قِسْطَهُ بِفَوَاتِهِ ( لَا الثَّانِي ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ لِحُدُوثِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَلَا الْقَبْضُ الَّذِي لَهُ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ فَفَوَاتُهُ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ
( قَوْلُهُ : وَذَكَرَ ثَمَرَ النَّخْلِ ) أَقُولُ لَوْلَا ذَكَرَهُ شَرْحًا لَمْ يُعْلَمْ مِنْ الْمَتْنِ ( قَوْلُهُ : وَإِذَا جَذَّهُ الْمُشْتَرِي
إلَخْ ) .
أَقُولُ وَكَذَا يَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لَوْ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

( مَا تَكُونُ هِيَ ) أَيْ الشُّفْعَةُ ( فِيهِ أَوْ لَا ) تَكُونُ ( وَمَا يُبْطِلُهَا لَا تَثْبُتُ قَصْدًا إلَّا فِي عَقَارٍ ) إنَّمَا قَالَ قَصْدًا ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ بِتَبَعِيَّةِ الْعَقَارِ كَالشَّجَرِ وَالثَّمَرِ ( وَمَا فِي حُكْمِهِ كَالْعُلُوِّ ) وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ ( مُلِكَ بِمَالٍ ) صِفَةُ عَقَارٍ أَيْ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ بِعِوَضٍ بَلْ هِبَةٍ لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَكَذَا إذَا كَانَ الْعِوَضُ غَيْرَ مَالِيٍّ حَتَّى لَوْ خُولِعَ عَلَى دَارٍ لَمْ تَثْبُتْ ( وَإِنْ لَمْ يُقْسَمْ ) أَيْ الْعَقَارُ وَمَا فِي حُكْمِهِ ذَكَرَهُ ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَثْبُتُ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْقِسْمَةِ وَعِنْدَنَا لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجِوَارِ ( كَحَمَّامٍ وَرَحًى وَبِئْرٍ وَبَيْتٍ صَغِيرٍ ) بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إذَا قُسِمَ ( وَنَهْرٍ وَطَرِيقٍ ) مَمْلُوكَيْنِ ( لَا بِنَاءٍ وَنَخْلٍ ) ، فَإِنَّهُمَا لَيْسَا بِعَقَارٍ وَلَا فِي حُكْمِهِ ( بَيْعًا قَصْدًا ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُمَا إذَا بِيعَا تَبَعًا لِلْعَقَارِ تَثْبُتُ فِيهِمَا الشُّفْعَةُ ( وَعَرَضٍ وَفُلْكٍ ) خِلَافًا لِمَالِكٍ ( وَإِرْثٍ ) أَيْ مَوْرُوثٍ ، فَإِنَّ الدَّارَ إذَا مُلِكَتْ بِإِرْثٍ لَا تَثْبُتُ فِيهَا الشُّفْعَةُ ( وَصَدَقَةٍ وَهِبَةٍ إلَّا بِشَرْطِ عِوَضٍ بِلَا شُيُوعٍ فِيهِمَا ) أَيْ الْمَوْهُوبِ وَعِوَضِهِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ فَصَارَتْ كَالْإِرْثِ إلَّا أَنْ تَكُونَ بِعِوَضٍ مَشْرُوطٍ ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ انْتِهَاءً وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ وَعَدَمُ الشُّيُوعِ فِي الْمَوْهُوبِ وَعِوَضِهِ ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ ابْتِدَاءً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعِوَضُ مَشْرُوطًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا -

( بَابُ مَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ فِيهِ ) قَوْلُهُ : وَمَا فِي حُكْمِهِ كَالْعُلُوِّ ) أَقُولُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْعُلُوُّ طَرِيقُهُ طَرِيقَ السُّفْلِ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِالطَّرِيقِ عَلَى أَنَّهُ خَلِيطٌ فِي الْحُقُوقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ بَانَ طَرِيقُهُ غَيْرَ طَرِيقِ السُّفْلِ يَسْتَحِقُّهَا بِالْمُجَاوَرَةِ ( قَوْلُهُ : لَكِنْ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ
إلَخْ ) أَقُولُ وَيَجِبُ الطَّلَبُ وَقْتَهُ

( وَ ) لَا فِي ( دَارٍ قُسِمَتْ ) بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهَا مَعْنَى الْإِفْرَازِ لِهَذَا يَجْرِي فِيهَا الْجَبْرُ وَالشُّفْعَةُ وَلَمْ تُشْرَعْ إلَّا فِي الْمُبَادَلَةِ الْمُطْلَقَةِ

( أَوْ جُعِلَتْ أُجْرَةً أَوْ بَدَلَ خُلْعٍ أَوْ ) بَدَلَ ( عِتْقٍ أَوْ ) بَدَلَ ( صُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ أَوْ مَهْرٍ أَوْ إنْ قُوبِلَ بِبَعْضِهَا مَالٌ ) بِأَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى دَارٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ هِيَ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا شُفْعَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَنَا تَخْتَصُّ بِمُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ مُطْلَقٍ ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْآثَارِ فِي مُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ مُطْلَقٍ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا

( أَوْ بِيعَتْ ) عَطْفٌ عَلَى جُعِلَتْ أَيْ لَا شُفْعَةَ فِي دَارٍ بِيعَتْ ( بِخِيَارٍ لِلْبَائِعِ وَلَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْبَائِعِ ، فَإِنْ أَسْقَطَ وَجَبَتْ لِزَوَالِ الْمَانِعِ عَنْ زَوَالِ الْمِلْكِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ عِنْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ فِي الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَصِيرُ سَبَبًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ عِنْدَ ذَلِكَ ( أَوْ ) بِيعَتْ ( بَيْعًا فَاسِدًا ) يَعْنِي إذَا اشْتَرَى دَارًا شِرَاءً فَاسِدًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا أَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلِبَقَاءِ مِلْكِ الْبَائِعِ فِيهَا وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِاحْتِمَالِ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِسَبِيلٍ مِنْ فَسْخِهِ ( وَلَمْ يَسْقُطْ فَسْخُهُ ) ، فَإِنَّهَا إذَا بِيعَتْ بَيْعًا فَاسِدًا وَسَقَطَ حَقُّ الْفَسْخِ بِأَنْ بَنَى الْمُشْتَرِي فِيهَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ -
( قَوْلُهُ أَوْ بِيعَتْ بِخِيَارٍ ) هَذَا الْخِلَافُ مَا لَوْ شُرِيَتْ بِخِيَارٍ ، فَإِنَّهَا تَجِبُ اتِّفَاقًا ثُمَّ إذَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَزِمَ الْبَيْعُ لِعَجْزِ الْمُشْتَرِي عَنْ الرَّدِّ وَلَا خِيَارَ لِلشَّفِيعِ ( قَوْلُهُ : بِأَنْ بَنَى فِيهَا ) فِي هَذَا الْحَصْرِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا انْقِطَاعُ حَقِّ الْبَائِعِ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْبِنَاءِ بَلْ يَكُونُ بِأَعَمَّ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ إخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي كَمَا عُرِفَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، فَإِنْ بَاعَهَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِأَيِّ الْبَيْعَيْنِ شَاءَ ، فَإِنْ أَخَذَهَا بِالثَّانِي أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ ، وَإِنْ بِالْأَوَّلِ فَبِالْقِيمَةِ ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بِغَيْرِ الْبَيْعِ كَالْهِبَةِ وَالْمَهْرِ نُقِضَ تَصَرُّفُهُ وَأُخِذَتْ بِالْقِيمَةِ

( أَوْ رَدَّ ) أَيْ الْمَبِيعَ ( بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ أَوْ شَرْطٍ أَوْ عَيْبٍ بِقَضَاءٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِرَدَّ ( بَعْدَمَا سُلِّمَتْ ) يَعْنِي إذَا بِيعَ وَسُلِّمَتْ الشُّفْعَةُ ثُمَّ رَدَّ الْمَبِيعَ يَأْخُذُ مَا ذَكَرَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلَا شُفْعَةَ ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لَا بَيْعٌ ( بِخِلَافِ رَدٍّ بِلَا قَضَاءٍ ) ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ لَمَّا لَمْ يَجِبْ فَأَخَذَهُ بِالرِّضَا صَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ ( أَوْ بِإِقَالَةٍ ) ، فَإِنَّهَا بَيْعٌ فِي حَقِّ الثَّالِثِ وَالشَّفِيعُ ثَالِثُهُمَا -

( قَوْلُهُ : أَوْ رَدَّ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ شَرْطٍ ) عَطَفَ عَلَى أَوْ بِيعَتْ بَيْعًا فَاسِدًا
إلَخْ سَوَاءٌ رَدَّ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّدُّ بِقَضَاءٍ أَوْ بِدُونِهِ لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرُدُّ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْبَائِعِ بَلْ هُوَ فَسْخٌ مَحْضٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَرَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ الْأَصْلِ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَيَعُودُ إلَيْهِ قَدِيمُ مِلْكِهِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْبَيْعِ فَلَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ ( قَوْلُهُ : أَوْ عَيْبٍ بِقَضَاءٍ ) قَيَّدَ بِالْقَضَاءِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لِإِسْقَاطِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِهِ فَسْخٌ مُطْلَقٌ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ قَبْلَهُ كَذَا فِي الْمُعْتَبَرَاتِ كَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِهِ : بِقَضَاءٍ مُتَعَلِّقٌ بِرَدِّ الْمَصْدَرِ بِهِ فِي مَتْنِهِ وَكَانَ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِتَعْلِيقِهِ بِرَدِّ الْمُقَدَّرِ فِي قَوْلِهِ أَوْ عَيْبٍ بِقَضَاءٍ لَكِنْ يَأْبَاهُ تَصْرِيحُهُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ يَعْنِي إذَا سُلِّمَتْ الشُّفْعَةُ ثُمَّ رَدَّ الْبَيْعَ بِأَحَدِ مَا ذُكِرَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَلَا شُفْعَةَ ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لَا بَيْعٌ بِخِلَافِ رَدٍّ بِلَا قَضَاءٍ ا هـ فَتَصْرِيحُهُ بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فِي رَدٍّ بِلَا قَضَاءٍ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ خَطَأٌ فِي الرَّدِّ بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ شَرْطٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الرَّدِّ بِعَيْبٍ لَيْسَ شَرْطًا لِإِبْطَالِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ مُطْلَقًا بَلْ فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَسْخٌ مِنْ الْأَصْلِ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَفِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ يَكُونُ إقَالَةً لِعَدَمِ الْقَضَاءِ بِهِ وَهِيَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ ثَالِثٍ وَهُوَ الشَّفِيعُ فَلَهُ الشُّفْعَةُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا سَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ رَدَّ الدَّارَ عَلَى الْبَائِعِ إنْ كَانَ الرَّدُّ بِسَبَبٍ هُوَ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ نَحْوُ الرَّدِّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَبِخِيَارِ

الشَّرْطِ وَبِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَبَعْدَ الْقَبْضِ بِقَضَاءٍ لَا يَتَجَدَّدُ وَلِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ ، فَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِسَبَبٍ هُوَ بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ الثَّالِثِ نَحْوُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَالرَّدُّ بِحُكْمِ الْإِقَالَةِ يَتَجَدَّدُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ ا هـ .
( قَوْلُهُ : بَعْدَمَا سُلِّمَتْ
إلَخْ ) لَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا لَمْ يُسَلِّمْ الشَّفِيعُ وَلَهُ الْأَخْذُ مَعَ كُلِّ فَسْخٍ وَبِدُونِ فَسْخٍ لَكِنْ فِي الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ عِنْدَ إسْقَاطِهِ الْخِيَارَ كَمَا تَقَدَّمَ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ قَوْلُهُ أَوْ بِإِقَالَةٍ ) عَطَفَ عَلَى بِخِلَافِ رَدٍّ بِلَا قَضَاءٍ يَعْنِي فَتَجِبُ فِيهَا

( وَتَثْبُتُ ) أَيْ الشُّفْعَةُ ( لِلْعَبْدِ الْمُسْتَغْرَقِ بِالدَّيْنِ ) بِحَيْثُ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ وَكَسْبِهِ ( فِي مَبِيعِ سَيِّدِهِ وَلَهُ ) أَيْ لِسَيِّدِهِ ( فِي مَبِيعِهِ ) أَيْ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِلْكَ مَوْلَاهُ

( وَ ) تَثْبُتُ أَيْضًا ( لِمَنْ شَرَى ) سَوَاءً شَرَى أَصَالَةً أَوْ وَكَالَةً ( أَوْ اشْتَرَى لَهُ ) أَيْ لِمَنْ وَكَّلَ آخَرَ بِالشِّرَاءِ فَاشْتَرَى لِأَجْلِ الْمُوَكِّلِ وَالْمُوَكِّلُ شَفِيعٌ كَانَ لَهُ الشُّفْعَةُ ؛ صُورَتُهُ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ وَلِلدَّارِ جَارٌ مُلَاصِقٌ ، فَإِذَا بِيعَتْ الدَّارُ وَاشْتَرَاهَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْمُشْتَرِي سَوَاءً اشْتَرَى أَصَالَةً أَوْ وَكَالَةً وَكَذَا تَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ إذَا اشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ لِأَجْلِهِ وَتَثْبُتُ أَيْضًا لَلشَّرِيكِ الْآخَرِ وَفَائِدَتُهُ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ لِلْجَارِ ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ

( لَا ) أَيْ لَا تَثْبُتُ ( لِمَنْ بَاعَ ) وَكِيلًا كَانَ أَوْ أَصِيلًا ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ يَكُونُ سَعْيًا فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَالْيَدُ لِلْمُشْتَرِي وَسَعْيُ الْإِنْسَانِ فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ( أَوْ بِيعَ لَهُ ) وَهُوَ الْمُوَكِّلُ ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْبَيْعِ بِهِ إذًا لَا تَوْكِيلُهُ لَمَا جَازَ بَيْعُهُ ( أَوْ ضَمِنَ الدَّرْكَ ) أَيْ مَنْ ضَمِنَ الدَّرْكَ عَنْ الْبَائِعِ وَهُوَ شَفِيعٌ لَا تَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ تَقْرِيرُ الْبَيْعِ فَكَانَ كَالْبَيْعِ

( كَذَا ) أَيْ كَمَا لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيمَا ذَكَرَ لَا تَثْبُتُ أَيْضًا ( فِيمَا بِيعَ إلَّا ذِرَاعٌ ) مَا وَقَعَ فِي الْوِقَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا ذِرَاعًا بِالنَّصْبِ كَأَنَّهُ سَهْوٌ مِنْ النَّاسِخِ ( مِنْ طُولِ حَدِّ الشَّفِيعِ ) أَيْ إلَّا مِقْدَارٌ عُرْضُهُ ذِرَاعٌ أَوْ شِبْرٌ أَوْ إصْبَعٌ وَطُولُهُ تَمَامُ مَا يُلَاصِقُ دَارَ الشَّفِيعِ ، فَإِنَّ مَا يُلَاصِقُهَا إذَا لَمْ يُبَعْ لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِانْقِطَاعِ الْجِوَارِ وَهَذِهِ حِيلَةٌ لِإِسْقَاطِ شُفْعَةِ الْجِوَارِ

كَذَا إذَا وُهِبَ لِلْمُشْتَرِي هَذَا الْمِقْدَارُ وَقَبَضَهُ وَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ ( أَوْ شَرَى سَهْمًا بِثَمَنٍ ثُمَّ بَاقِيهَا بِثَمَنٍ آخَرَ فَالْجَارُ شَفِيعٌ فِي الْأَوَّلِ ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَبِيعُ أَوَّلًا لَا فِي الثَّانِي بَلْ هُوَ فِيهِ جَارٌ ( وَالْمُشْتَرِي شَرِيكٌ فِي الثَّانِي ) وَالشَّرِيكُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ وَهَذِهِ حِيلَةٌ لِإِبْطَالِ حَقِّ الشُّفْعَةِ ابْتِدَاءً وَهُنَا حِيلَةٌ تُفِيدُ تَقْلِيلَ رَغْبَةِ الشَّفِيعِ فِي الشُّفْعَةِ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِأَلْفٍ اشْتَرَى سَهْمًا وَاحِدًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ مِنْهَا بِأَلْفٍ إلَّا دِرْهَمًا ثُمَّ اشْتَرَى الْبَاقِيَ بِدِرْهَمٍ فَالشَّفِيعُ لَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ إلَّا الْأَوَّلَ بِثَمَنِهِ لَا الْبَاقِيَ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ صَارَ شَرِيكًا وَهُوَ أَحَقُّ مِنْ الْجَارِ وَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ

( أَوْ شَرَى ) أَيْ الدَّارَ ( بِثَمَنٍ غَالٍ ) كَأَلْفٍ مَثَلًا ( وَدَفَعَ ثَوْبًا دَيْنًا ) قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ ( بِهِ ) أَيْ بِمُقَابَلَةِ الثَّمَنِ ( فَالشُّفْعَةُ بِالثَّمَنِ لَا الثَّوْبِ ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ آخَرُ وَالثَّمَنُ هُوَ الْعِوَضُ عَنْ الدَّارِ وَهَذِهِ حِيلَةٌ تَعُمُّ الشَّرِكَةَ وَالْجِوَارَ فَيَشْتَرِي الْمَنْزِلَ الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةٌ بِأَلْفٍ وَيُعْطِي عَنْ الْأَلْفِ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ لَكِنَّ الْمَنْزِلَ إذَا اُسْتُحِقَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِأَلْفٍ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ الثَّانِي فَيَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُبَاعَ بِالدَّرَاهِمِ الثَّمَنُ دِينَارٌ حَتَّى إذَا اُسْتُحِقَّ الْمَنْزِلُ يَبْطُلُ الصَّرْفُ فَيَجِبُ رَدُّ الدِّينَارِ فَقَطْ إذْ ظَهَرَ أَنَّ الْأَلْفَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَصَارَ كَمَنْ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ دِينَارًا بِعَشْرَةٍ ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ الدِّينَارَ وَلَهُ حِيلَةٌ أُخْرَى أَحْسَنُ وَأَسْهَلُ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ

( أَوْ شَرَى بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ ) إمَّا بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ ( بِقَبْضَةِ ) أَيْ مَعَ قَبْضَةِ ( فُلُوسٍ أُشِيرَ إلَيْهَا وَجَهِلَ قَدْرَهَا وَضَيَّعَ الْفُلُوسَ بَعْدَ الْقَبْضِ ) ، فَإِنَّ الثَّمَنَ مَعْلُومٌ حَالَ الْعَقْدِ وَمَجْهُولٌ حَالَ الشُّفْعَةِ وَجَهَالَةُ الثَّمَنِ تَمْنَعُ الشُّفْعَةَ

( كُرِهَ الْحِيلَةَ لِإِسْقَاطِ ) الشُّفْعَةِ ( الثَّابِتَةِ وِفَاقًا ) بِأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ بَعْدَ إثْبَاتِهِ ( أَنَا أَبِيعُهَا مِنْكَ بِمَا أَخَذْتُ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْأَخْذِ بِهَا فَيُسَلِّمُ الشَّفِيعُ ) وَلَا يَأْخُذُهَا بَعْدَ الْإِثْبَاتِ فَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ لَكِنْ تُكْرَهُ ( وَأَمَّا ) الْحِيلَةُ ( لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا ابْتِدَاءً فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تُكْرَهُ ) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَالُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ فِي تَمَلُّكِ الدَّارِ عَلَيْهِ بِلَا رِضَاهُ ضَرَرًا عَلَيْهِ وَالْحِيلَةُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ جَائِزٌ ، وَإِنْ تَضَرَّرَ الْغَيْرُ فِي ضَمَنِهِ ( وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُكْرَهُ ) ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَفِي إبَاحَةِ الْحِيلَةِ إبْقَاءُ الضَّرَرِ ( وَبِالْأَوَّلِ يُفْتَى هَاهُنَا وَبِالثَّانِي فِي الزَّكَاةِ ) قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ الشُّفْعَةُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْجِوَارِ فَالْمُشْتَرِي إنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَضَرَّرُ بِهِ الْجِيرَانُ لَا يَحِلُّ إسْقَاطُهَا ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْجَارُ وَالشَّفِيعُ مُتَغَلِّبٌ لَا يَجِبُ جِوَارُهُ فَحِينَئِذٍ يَحْتَالُ فِي إسْقَاطِهَا

( يُبْطِلُهَا ) أَيْ الشُّفْعَةَ ( تَرْكُ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ أَوْ ) تَرْكُ ( الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ ( قَادِرًا عَلَيْهِمَا ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِأَنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ حِينَ عَلِمَ بِالْبَيْعِ قَادِرًا عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَأْخُذْ أَحَدٌ فَمَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ شُفْعَتَهُ تَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ وَهُوَ إنَّمَا يَثْبُتُ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ وَهِيَ بِالِاقْتِدَارِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَبِأَنْ يَتْرُكَ الْإِشْهَادَ عَلَى طَلَبِهَا حِين عَلِمَ بِالْبَيْعِ قَادِرًا عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَسَكَتَ وَلَمْ يُشْهِدْهُمَا عَلَى طَلَبِهِ ، فَإِنَّهُ أَيْضًا دَلِيلُ إعْرَاضٍ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ إذَا تَرَكَ الشَّفِيعُ الْإِشْهَادَ حِينَ عَلِمَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ وَقَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا فِي بَابِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ الْإِشْهَادُ فِي طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ بَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضًا وَمُنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ قَوْلِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا سَمِعَ بِالْبَيْعِ فِي مَكَان خَالٍ عَنْ الشُّهُودِ فَسَكَتَ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ وَإِذَا قَالَ طَلَبْتُ الشُّفْعَةَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ لَا تَبْطُلُ حَتَّى إذَا حَضَرَا عِنْدَ الْقَاضِي وَقَالَ الشَّفِيعُ طَلَبْتُ الشُّفْعَةَ وَلَمْ أَتْرُكْهَا وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ بَارًّا فِي يَمِينِهِ وَيَثْبُتُ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ عَنْ قَرِيبٍ -

( قَوْلُهُ : يُبْطِلُهَا أَيْ الشُّفْعَةَ تَرْكُ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ
إلَخْ ) أَقُولُ هَذَا مُسْتَدْرَكٌ فَكَانَ يَنْبَغِي تَرْكُهُ كَمَا أَنَّهُ هُنَا لَمْ يَذْكُرْ تَرْكَ طَلَبِ التَّقْرِيرِ مَعَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ أَيْضًا مَعَ الْقُدْرَةِ قَوْلُهُ : أَوْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ عَلَى طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ ) هَذَا سَهْوٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الطَّلَبُ فَقَطْ دُونَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ هُوَ وَكَمَا قَدَّمَهُ بِقَوْلِهِ : الْإِشْهَادُ فِيهِ أَيْ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَإِنَّمَا الْإِشْهَادُ لِمَخَافَةِ الْجُحُودِ كَذَا فِي الْكَافِي وَالْهِدَايَةِ ا هـ .
وَكَذَا فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِأَبِي نَصْرٍ وَالزَّيْلَعِيِّ ( قَوْلُهُ : قَالَ فِي الْهِدَايَةِ إذَا تَرَكَ
إلَخْ ) الْعَجَبُ مِنْ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ كَيْفَ لَمْ يَنْتَبِهْ لِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ مِنْ تَأْوِيلِ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ نَصُّهُ قَوْلُهُ : وَإِذَا تَرَكَ الشَّفِيعُ الْإِشْهَادَ حِينَ عَلِمَ يَعْنِي طَلَبَ الْمُوَاثَبَةِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا بِذَلِكَ كَيْ لَا يَرُدَّ مَا ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْإِشْهَادَ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، فَإِنَّ تَرْكَ مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي شَيْءٍ لَا يُبْطِلُهُ وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ مِنْ قَبْلُ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ أَشْهَدَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ وَقَوْلُهُ هَاهُنَا لِإِعْرَاضِهِ عَنْ الطَّلَبِ ا هـ كَلَامُ الْأَكْمَلِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( قَوْلُهُ : وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ بَيْنَ كَلَامَيْهِ تَنَاقُضًا وَمُنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ قَوْلِهِ وَهُوَ يُقَدَّرُ
إلَخْ ) هَذَا لَا يَدْفَعُ الِاعْتِرَاضَ لِقُوَّةِ ظُهُورِ الْمُخَالَفَةِ لَوْلَا تَأْوِيلُ الشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ الَّذِي تَقَدَّمَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ ( قَوْلُهُ : فَإِذَا بِيعَ الدَّارُ ) يَعْنِي بِيعَ بَعْضُهَا بِأَنْ اشْتَرَى الشَّرِيكُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ

( وَ ) يُبْطِلُهَا أَيْضًا ( صُلْحُهُ ) أَيْ الشَّفِيعِ ( مِنْهَا ) أَيْ الشُّفْعَةِ ( بِعِوَضٍ ) ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ ( فَيَرُدُّهُ ) أَيْ الْعِوَضَ لِبُطْلَانِ الصُّلْحِ ؛ لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ حَقِّ التَّمَلُّكِ بِلَا مِلْكٍ فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ رِشْوَةٌ فَيَرُدُّهُ ( وَ ) يُبْطِلُهَا أَيْضًا ( مَوْتُ الشَّفِيعِ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهَا ) أَيْ بِالشُّفْعَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ حَقُّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى إذَا مَاتَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهَا وَلَوْ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَقَبْضِهِ لَا تَبْطُلُ لِتَقَرُّرِهِ بِالْقَضَاءِ وَجْهُ بُطْلَانِهَا أَنَّهَا مُجَرَّدُ حَقِّ التَّمَلُّكِ وَهُوَ لَا يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَكَيْفَ يُورَثُ عَنْهُ

( لَا ) أَيْ لَا يُبْطِلُهَا مَوْتُ ( الْمُشْتَرِي ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بَاقٍ فَبِمَوْتِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ لَا يَتَغَيَّرُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ .
( وَ ) يُبْطِلُهَا أَيْضًا ( بَيْعُهُ مَا يَشْفَعُ بِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهَا ) يَعْنِي إذَا بَاعَ الشَّفِيعُ دَارِهِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا بَعْدَ شِرَاءِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِالشِّرَاءِ أَوْ لَا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْجِوَارِ وَالشَّرِكَةِ وَقَدْ زَالَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ -
( قَوْلُهُ وَيُبْطِلُهَا أَيْضًا بَيْعُهُ مَا يَشْفَعُ بِهِ ) الْمُرَادُ بَيْعٌ لَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ بَاتًّا أَوْ فِيهِ خِيَارُ الْمُشْتَرِي

.
( وَ ) يُبْطِلُهَا أَيْضًا ( جَعْلُهُ ) أَيْ جَعْلُ مَا يَشْفَعُ بِهِ ( مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً أَوْ وَقْفًا مُسَجَّلًا ) قَالَ قَاضِي خَانْ شَرْطُ قِيَامِ مِلْكِ الشَّفِيعِ فِيمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ وَقْتُ الْقَضَاءِ فَلَوْ جَعَلَ دَارِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الشُّفْعَةَ مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً أَوْ وَقْفًا مُسَجَّلًا ثُمَّ قُضِيَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَكُنْ شَفِيعًا لِلْمَبِيعَةِ ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ وَالْمَقْبَرَةَ وَالْوَقْفَ الْمُسَجَّلَ بِمَنْزِلَةِ الزَّائِلِ عَنْ مِلْكِهِ -
( قَوْلُهُ : وَجَعَلَهُ مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً ) تَقَدَّمَ بِمَاذَا يَصِيرَانِ بِهِ مَا ذَكَرَ ( قَوْلُهُ : أَوْ وَقْفًا مُسَجَّلًا ) يَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الْوَقْفِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَنْ تَسْقُطَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُسَجِّلْ

( قَالَ الشَّفِيعُ طَلَبْتُ حِينَ عَلِمْتُ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينِهِ ) قَوْلُهُ فَالْقَوْلُ لَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ إمَّا بِأَنْ يَقُولَ لِلشَّفِيعِ تَرَكْتَ الطَّلَبَ لِيَكُونَ فِي صُورَةِ الْإِثْبَاتِ أَوْ يَقُولَ مَا طَلَبْتَ ؛ لِأَنَّهُ ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا ظَاهِرًا لَكِنَّهُ نَفْيٌ مَحْصُورٌ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْإِثْبَاتِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ وَأَلَّا يُحَلِّفَ الْمُشْتَرِي الشَّفِيعَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ أَوْ طَلَبَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى تَرْكِهِ وَأَقَامَ الشَّفِيعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى طَلَبِهِ تُقْبَلُ ، وَإِنْ كَانَ لَهَا بَيِّنَةٌ تُرَجَّحُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ وَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ لَهُ وَلَمْ يُكَلَّفْ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ عَلِمْتُ أَمْسِ وَطَلَبْتُ كَمَا سَيَأْتِي وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ أَنَّ الشَّفِيعَ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ يَسْمَعُ يَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِلَا إشْهَادٍ إنَّمَا الْإِشْهَادُ لِئَلَّا يُنْكِرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَطْلُبَ حَتَّى إذَا حَلَّفَهُ الْمُشْتَرِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ طَلَبَ كَمَا سَمِعَ فَظَهَرَ أَنَّ الْحُكْمَ هَاهُنَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ حُكِمَ بِهَا وَإِلَّا ، فَإِنْ أَقَامَهَا الشَّفِيعُ حُكِمَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ حَلَفَ الشَّفِيعُ فَحُكِمَ بِالشُّفْعَةِ -
قَوْلُهُ : أَمَّا بِأَنْ يَقُولَ لِلشَّفِيعِ تَرَكْت الطَّلَبَ ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ لَهُ أَنْتَ قُلْت تَرَكْت الطَّلَبَ وَتَشْهَدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ

( وَلَوْ قَالَ عَلِمْتُ أَمْسِ وَطَلَبْتُ كُلِّفَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ ) وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَبَ إلَى وَقْتٍ مَاضٍ فَقَدْ حَكَى مَا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ لِلْحَالِ وَمَنْ حَكَى مَا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ لِلْحَالِ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا حَكَى بِلَا بَيِّنَةٍ وَإِذَا لَمْ يُضِفْ الطَّلَبَ إلَى وَقْتٍ مَاضٍ بَلْ أُطْلِقَ الْكَلَامُ إطْلَاقًا فَقَدْ حَكَى مَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ لِلْحَالِ ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ عَلِمَ بِالشِّرَاءِ الْآنَ وَطَلَبَ الشُّفْعَةَ الْآنَ فَلِذَا جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ وَغَيْرِهَا

( سَمِعَ ) أَيْ الشَّفِيعُ ( شِرَاءَكَ فَسَلَّمَهَا ) أَيْ الشُّفْعَةَ ( فَظَهَرَ شِرَاءُ غَيْرِكَ أَوْ ) سَمِعَ ( بَيْعَهُ بِأَلْفٍ فَسَلَّمَ وَكَانَ بِأَقَلَّ أَوْ بِكَيْلِيٍّ أَوْ وَزْنِيٍّ أَوْ عَدَدِيٍّ مُتَقَارِبٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ فَهِيَ لَهُ ) أَيْ الشُّفْعَةُ تَكُونُ لِلشَّفِيعِ وَلَا يَكُونُ تَسْلِيمُهُ مَانِعًا ( وَبِعَرَضٍ كَذَلِكَ ) أَيْ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِعَرَضٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ ( لَا ) أَيْ لَا يَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْغَرَضَ فِي الشُّفْعَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَدْرِ الثَّمَنِ وَجِنْسِهِ وَالْمُشْتَرِي ، فَإِذَا سَلَّمَ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافَهُ بَقِيَتْ الشُّفْعَةُ بِحَالِهَا ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَمْ يُوجَدْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ أَنَّ الدَّارَ بِيعَتْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَسَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَكْثَرَ فَالتَّسْلِيمُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَلَّمَ لِاسْتِكْثَارِ الثَّمَنِ ، فَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَرْضَى بِالتَّسْلِيمِ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِأَقَلَّ أَوْ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ قِيمَتُهُمَا أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ عِنْدَ كَثْرَةِ الثَّمَنِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ الْقِلَّةِ وَكَذَا تَسْلِيمُهُ فِي أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ لَا يَكُونُ تَسْلِيمًا فِي الْآخَرِ فَرُبَّمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَدَاءُ أَحَدِهِمَا وَيَتَعَذَّرُ الْآخَرُ وَكَذَا كُلُّ مَوْزُونٍ أَوْ مَكِيلٍ أَوْ عَدَدِيٍّ مُتَقَارِبٍ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا بِيعَتْ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ ، فَإِنَّهُ تَسْلِيمٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ بِقِيمَتِهِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَلَوْ أَنَّهَا بِيعَتْ بِدَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ صَحَّ التَّسْلِيمُ وَكَذَا هَذَا ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ

( يَشْفَعُ عَلَى حِصَّةِ أَحَدِ الْمُشْتَرِينَ لَا ) حِصَّةِ ( أَحَدِ الْبَاعَةِ بَلْ أَخَذَ الْكُلَّ أَوْ تَرَكَ ) يَعْنِي اشْتَرَى جَمَاعَةٌ مِنْ وَاحِدٍ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ ، وَإِنْ بَاعَ جَمَاعَةٌ مِنْ وَاحِدٍ لَا يَأْخُذُ حِصَّةَ أَحَدِ الْبَاعَةِ ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ دَفْعَ ضَرَرِ الْجَارِ لَا الثَّانِي -
( قَوْلُهُ : يَشْفَعُ عَلَى حِصَّةِ أَحَدِ الْمُشْتَرِينَ ) أَقُولُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ لَكِنْ لَا يَأْخُذُ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ إذَا نَقَدَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى يَنْقُدَ الْجَمِيعَ سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلٍّ ثَمَنًا أَوْ لِلْكُلِّ جُمْلَةً ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ دَفْعَ ضَرَرِ الْجَارِ لَا الثَّانِي ) أَقُولُ الْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يُقَالَ : لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ بِأَخْذِهِ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ قَامَ مَقَامَهُ فَلَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَى أَحَدٍ وَفِي الثَّانِي تَفْرِيقُهَا عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَتَضَرَّرُ بِهِ وَبِعَيْبِ الشَّرِكَةِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ وَهِيَ شُرِعَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الشَّفِيعِ فَلَا تُشْرَعُ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُشْتَرِي ضَرَرًا زَائِدًا سِوَى الْأَخْذِ .
ا هـ .

.
( وَ ) يَشْفَعُ أَيْضًا ( نِصْفًا مُفْرَزًا بِيعَ مُشَاعًا مِنْ دَارٍ فَقَسَمَا ) يَعْنِي اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ دَارٍ فَقَاسَمَ الْبَائِعُ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ يَدَعَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْقِسْمَةَ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَتِمَّةِ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لِلِانْتِفَاعِ وَلَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ فِي الشَّائِعِ إلَّا بِالْقِسْمَةِ -
( قَوْلُهُ : فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ يَدَعَ ) أَقُولُ وَيَأْخُذُهُ فِي أَيِّ جَانِبٍ كَانَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ إذَا وَقَعَ فِي جَانِبِ الدَّارِ الَّتِي يَشْفَعُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى جَارًا فِيمَا يَقَعُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ قَوْلُهُ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْقِسْمَةَ ) هَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَاسَمَ الْمُشْتَرِي الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ لِعَدَمِ وُقُوعِ الْعَقْدِ مِمَّنْ قَاسَمَ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ

( صَحَّ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ تَسْلِيمُهَا ) أَيْ الشُّفْعَةِ ( عَلَى الصَّغِيرِ ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ لِلتِّجَارَةِ فَصَحَّ مِمَّنْ يَمْلِكُ التِّجَارَةَ ( كَذَا إذَا بَلَغَهُمَا شِرَاءُ دَارٍ بِجِوَارِ الصَّبِيِّ فَسَكَتَا ) ، فَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْ الطَّلَبِ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ بِمَنْزِلَةِ التَّسْلِيمِ -
( قَوْلُهُ : صَحَّ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ تَسْلِيمُهَا
إلَخْ ) هَذَا إذَا بِيعَتْ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا ، وَإِنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ قِيلَ جَازَ التَّسْلِيمُ بِالْإِجْمَاعِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَفِي الْبُرْهَانِ وَهَذَا إذَا بِيعَتْ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا ، فَإِنْ بِيعَتْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ قِيلَ يَجُوزُ التَّسْلِيمُ ؛ لِأَنَّهُ تَمَحُّضٌ نَظَرًا وَقِيلَ لَا يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ فَلَا يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ كَالْأَجْنَبِيِّ .
ا هـ .

( الْوَكِيلُ بِطَلَبِهَا إذَا سَلَّمَ أَوْ أَقَرَّ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِتَسْلِيمِهِ ) الشُّفْعَةَ ( صَحَّ لَوْ ) كَانَ التَّسْلِيمُ أَوْ الْإِقْرَارُ ( عِنْدَ الْقَاضِي ) ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْخُصُومَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا

( كِتَابُ الْهِبَةِ ) - لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْبَيْعِ الَّذِي هُوَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِعِوَضٍ وَمَا يَتْبَعُهُ عَنْ الشُّفْعَةِ شَرَعَ فِي الْهِبَةِ الَّتِي هِيَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلَا عِوَضٍ فَقَالَ ( هِيَ ) لُغَةً تَبَرُّعٌ وَتَفَضُّلٌ بِمَا يَنْتَفِعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مُطْلَقًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } وَشَرْعًا ( تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلَا عِوَضٍ ) أَيْ بِلَا شَرْطِ عِوَضٍ لَا أَنَّ عَدَمَ الْعِوَضِ شَرْطٌ فِيهِ لِيُنْتَقَضَ بِالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَتَدَبَّرْ -
( كِتَابُ الْهِبَةِ ) ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا
إلَخْ ) لَا يَخْفَى عَدَمُ الْمُرَادِ الثَّانِي مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : لِأَنَّ الْحَمْلَ يُرَادُ بِهِ الْعَارِيَّةُ وَالْهِبَةُ ، فَإِذَا نَوَى الْهِبَةَ اُعْتُبِرَتْ إذَا لَمْ يَنْوِ يُحْمَلُ عَلَى أَدْنَاهُمَا وَهُوَ الْعَارِيَّةُ

( وَتَصِحُّ بِإِيجَابٍ كَوَهَبْتُ ) ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِيهَا ( وَنَحَلْتُ ) أَيْضًا كَذَلِكَ يُقَالُ نَحَلَهُ كَذَا أَيْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ بِلَا عِوَضٍ ( وَأَعْطَيْتُ وَأَطْعَمْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ فَاقْبِضْهُ ) قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الْإِطْعَامُ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يُرَادُ بِهِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ حَيْثُ تَكُونُ عَارِيَّةً ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تُطْعَمُ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ : إضَافَةُ الطَّعَامِ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ وَالْإِبَاحَةَ ، فَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ ، فَإِذَا قَالَ اقْبِضْهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّمْلِيكُ وَلِهَذَا زِيدَ هَاهُنَا قَوْلُهُ فَاقْبِضْهُ ( وَجَعَلْتُ هَذَا لَكَ ) ، فَإِنَّ اللَّامَ لِلتَّمْلِيكِ ( وَأَعْمَرْتُكَهُ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهُوَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ } وَسَيَأْتِي تَمَامُ بَيَانِهِ

( وَجَعَلْتُهُ لَكَ عُمْرَى وَحَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ لَوْ نَوَى ) أَيْ نَوَى بِالْحَمْلِ الْهِبَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا فَيَحْتَاجُ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْهِبَةُ يُقَالُ حَمَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى الْفَرَسِ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ ( وَكَسَوْتُهُ ) يَعْنِي هَذَا الثَّوْبَ ، فَإِنَّ الْكِسْوَةَ يُرَادُ بِهَا التَّمْلِيكُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } ( وَدَارِي لَك ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ( هِبَةً ) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الظَّرْفِ وَاللَّامُ فِي لَكَ لِلتَّمْلِيكِ ( تَسْكُنُهَا ) هَذَا لَا يُنَافِي فِي الْهِبَةِ بَلْ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَقْصُودِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ هَذَا الطَّعَامُ لَكَ تَأْكُلُهُ وَهَذَا الثَّوْبُ لَكَ تَلْبَسُهُ ( لَا فِي ) دَارِي لَكَ ( هِبَةٍ سُكْنَى ) ، فَإِنَّ قَوْلَهُ سُكْنَى تَمْيِيزٌ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ فَتَكُونُ عَارِيَّةً لَا هِبَةً ( أَوْ عَكْسُهُ ) وَهُوَ دَارِي لَك سُكْنَى هِبَةً ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ دَارِي لَك بِطَرِيقِ السُّكْنَى حَالَ كَوْنِ السُّكْنَى هِبَةً فَتَكُونُ عَارِيَّةً لَا هِبَةً ( أَوْ ) دَارِي لَك ( نُحْلَى سُكْنَى ) ، فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ نَحَلْتهَا نُحْلَى وَقَوْلُهُ سُكْنَى تَمْيِيزٌ .
( أَوْ ) دَارِي لَك ( سُكْنَى صَدَقَةً ) أَيْ بِطَرِيقِ السُّكْنَى حَالَ كَوْنِ السُّكْنَى صَدَقَةً ( أَوْ ) دَارِي لَك ( صَدَقَةٌ عَارِيَّةٌ ) أَيْ حَالَ كَوْنِهَا صَدَقَةً بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ فَعَارِيَّةً تَمْيِيزٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ ( أَوْ ) دَارِي لَك ( عَارِيَّةٌ هِبَةً ) أَيْ بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ حَالَ كَوْنِ مَنَافِعِهَا هِبَةً لَك ، فَإِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ تَدُلُّ عَلَى الْعَارِيَّةِ لَا الْهِبَةِ ( وَقَبُولٌ ) عَطْفٌ عَلَى إيجَابُ ، فَإِنَّهَا كَالْبَيْعِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ .

( قَوْلُهُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } ) وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّمْلِيكِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَأَتَّى بِالْمَنَافِعِ فَكَانَ تَمْلِيكُ الذَّاتِ مُرَادًا ( قَوْلُهُ : فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ ) يَعْنِي قَوْلَهُ دَارِي لَك هِبَةٌ ( قَوْلُهُ : فَتَكُونُ عَارِيَّةً ) أَقُولُ : لِأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ فِيهَا وَالْهِبَةُ تَحْتَمِلُهَا وَتَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ فَيُحْمَلُ الْمُحْتَمَلُ عَلَى الْمُحْكَمِ

( وَتَتِمُّ ) عَطْفٌ عَلَى تَصِحُّ ( بِالْقَبْضِ ) قَالَ الْإِمَامُ حَمِيدُ الدِّينِ رُكْنُ الْهِبَةِ الْإِيجَابُ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَيَتِمُّ مِنْ جِهَةِ الْمُتَبَرِّعِ أَمَّا فِي حَقِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ ثُمَّ لَا يَنْفُذُ مِلْكُهُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ ( الْكَامِلِ ) الْمُمْكِنِ فِي الْمَوْهُوبِ وَالْقَبْضُ الْكَامِلُ فِي الْمَنْقُولِ مَا يُنَاسِبُهُ وَفِي الْعَقَارِ مَا يُنَاسِبُهُ فَقَبْضُ مِفْتَاحِ الدَّارِ قَبْضٌ لَهَا وَالْقَبْضُ الْكَامِلُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بِالْقِسْمَةِ حَتَّى يَقَعَ الْقَبْضُ عَلَى الْمَوْهُوبِ بِالْأَصَالَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بِتَبَعِيَّةِ قَبْضِ الْكُلِّ وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بِتَبَعِيَّةِ الْكُلِّ ( وَلَوْ ) وَصْلِيَّةً ( شَاغِلًا لِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا مَشْغُولًا بِهِ فَتَتِمُّ ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ الْكَامِلِ ( بِالْقَبْضِ فِي مَجْلِسِهَا ) أَيْ فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ ( بِلَا إذْنِهِ ) أَيْ الْوَاهِبِ ( وَبَعْدَهُ ) أَيْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ ( بِهِ ) أَيْ بِإِذْنِهِ -
قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بِتَبَعِيَّةِ قَبْضِ الْكُلِّ ) أَقُولُ يَعْنِي أَنَّ قَبْضَ بَعْضِ مَا يُقْسَمُ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ لَا يُفْسِدُ الْمِلْكَ حَتَّى لَوْ وَهَبَ نِصْفَ دَارٍ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَدَفَعَ الدَّارَ إلَيْهِ فَبَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَا وُهِبَ لَهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ هِبَةً لَمْ يَقْبِضْهَا

( وَلَوْ نَهَاهُ ) أَيْ نَهَى الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ لَهُ عَنْ الْقَبْضِ ( لَمْ يَصِحَّ ) الْقَبْضُ ( مُطْلَقًا ) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ إذْ لَا عِبْرَةَ لِلدَّلَالَةِ بِمُقَابَلَةِ التَّصْرِيحِ ( فِي مَحُوزٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُفْرَغًا عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَحَقِّهِ وَاحْتِرَازٌ عَنْ هِبَةِ التَّمْرِ عَلَى النَّخْلِ وَنَحْوِهِ كَمَا سَيَأْتِي

( مَقْسُومٍ ) أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ الْقِسْمَةُ وَلَمْ يَبْقَ مَشَاعًا ( وَمَشَاعٌ لَا يُقْسَمُ ) أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْسَمَ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَصْلًا كَعَبْدٍ وَاحِدٍ وَدَابَّةٍ وَاحِدَةٍ إذْ لَا يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ جِنْسِ الِانْتِفَاعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ وَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ وَالثَّوْبِ الصَّغِيرِ ( لَا ) أَيْ لَا تَتِمُّ بِالْقَبْضِ ( فِيمَا ) أَيْ مَشَاعٍ ( يُقْسَمُ ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ الْقِسْمَةُ كَالْأَرْضِ وَالثَّوْبِ الْمَذْرُوعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ

( وَلَوْ ) وَصْلِيَّةً أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ ( لِشَرِيكِهِ ) أَيْ لِشَرِيكِ الْوَاهِبِ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الْكَامِلَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ ( فَإِنْ قَسَمَهُ ) أَيْ أَفْرَزَ الْجُزْءَ الْمَوْهُوبَ الْمَشَاعَ ( وَسَلَّمَهُ ) أَيْ الْمَوْهُوبَ لَهُ ( تَمَّتْ ) الْهِبَةُ ؛ لِأَنَّ تَمَامَهَا بِالْقَبْضِ وَعِنْدَهُ لَا شُيُوعَ فِيهِ وَلَوْ سَلَّمَهُ شَائِعًا لَا يَمْلِكُهُ حَتَّى لَا يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ الْوَاهِبِ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ كَلَبَنٍ فِي ضَرْعٍ وَصُوفٍ عَلَى غَنَمٍ وَزَرْعٍ وَنَخْلٍ فِي أَرْضٍ وَتَمْرٍ عَلَى نَخْلٍ هَذِهِ نَظَائِرُ الْمَشَاعِ لَا أَمْثِلَتُهَا إذْ لَا شُيُوعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لَكِنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَشَاعِ حَتَّى إذَا فُصِلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَسُلِّمَتْ صَحَّ هِبَتُهَا كَمَا فِي الْمَشَاعِ ( بِخِلَافِ دَقِيقٍ فِي بُرٍّ وَدُهْنٍ فِي سِمْسِمٍ وَسَمْنٍ فِي لَبَنٍ حَيْثُ لَا يَصِحُّ أَصْلًا ) أَيْ سَوَاءٌ أَفْرَزَهَا وَسَلَّمَهَا أَوْ لَا ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ وَسِرُّهُ أَنَّ الْحِنْطَةَ اسْتَحَالَتْ وَصَارَتْ دَقِيقًا وَكَذَا غَيْرُهَا وَبَعْدَ الِاسْتِحَالَةِ هُوَ عَيْنٌ آخَرُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْغَصْبِ بِخِلَافِ الْمَشَاعِ ، فَإِنَّهُ مَحَلٌّ لِلْمِلْكِ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ جَازَ -
( قَوْلُهُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ ) أَقُولُ وَقَالَ عُقْبَةُ ذَكَرَ عِصَامٌ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا تُفِيدُ الْمِلْكَ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْهِبَةَ الْفَاسِدَةَ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى

( وَتَتِمُّ ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَتَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَتَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ شَاغِلًا لِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا مَشْغُولًا بِهِ ( فِي مَتَاعٍ فِي دَارِهِ وَطَعَامٍ فِي جِرَابِهِ إذَا سَلَّمَهُمَا بِمَا فِيهِمَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ ) يَعْنِي لَوْ وَهَبَ مَتَاعًا فِي دَارِهِ أَوْ طَعَامًا فِي جِرَابِهِ وَسَلَّمَهُمَا أَيْ الدَّارَ وَالْجِرَابَ بِمَا فِيهِمَا صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي الْمَتَاعِ وَالطَّعَامِ وَلَوْ وَهَبَ دَارًا وَفِيهَا مَتَاعُ الْوَاهِبِ وَسَلَّمَ الْكُلَّ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ وَهَبَ جِرَابًا وَفِيهِ طَعَامُ الْوَاهِبِ وَسَلَّمَ الْجِرَابَ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمَوْهُوبَ مَتَى كَانَ مَشْغُولًا بِمِلْكِ الْوَاهِبِ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْهِبَةِ وَمَتَى كَانَ شَاغِلًا لَا يَمْتَنِعُ التَّسْلِيمُ فَتَصِحُّ الْهِبَةُ فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمَوْهُوبُ شَاغِلٌ لَا مَشْغُولٌ وَفِي الثَّانِي الْمَوْهُوبُ مَشْغُولٌ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الْمَظْرُوفَ يَشْغَلُ الظَّرْفَ ، وَأَمَّا الظَّرْفُ فَلَا يَشْغَلُ الْمَظْرُوفَ -
( قَوْلُهُ : وَتَتِمُّ فِي مَتَاعٍ فِي دَارِهِ وَطَعَامٍ فِي جِرَابِهِ إذَا سَلَّمَهُمَا بِمَا فِيهِمَا ) هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمَوْهُوبَ دُونَ مَا هُوَ فِيهِ يَصِحُّ أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ عَنْ الْمُحِيطِ ( قَوْلُهُ : فَفِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ الْمَوْهُوبُ شَاغِلٌ ) وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ شَاغِلًا فَحَذَفَ كَانَ وَاسْمَهَا وَأَبْقَى خَبَرَهَا وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى قِلَّةٍ لَا يَصِحُّ هُنَا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ لَا مَشْغُولٌ

( إلَّا إذَا وَهَبَ الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ أَيْضًا فَقَبَضَ الْكُلَّ بِإِذْنِهِ تَصِحُّ فِي الْكُلِّ ) يَعْنِي لَوْ وَهَبَ الدَّارَ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى وَهَبَ الْمَتَاعَ أَوْ وَهَبَ الْجِرَابَ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى وَهَبَ الطَّعَامَ وَسَلَّمَ الْكُلَّ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْكُلَّ جُمْلَةً صَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ الْكُلَّ جُمْلَةً بِخِلَافِ مَا إذَا تَفَرَّقَ التَّسْلِيمُ ، وَإِنَّمَا قَالَ بِإِذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْقَبْضِ ضَمِنَ ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ مِلْكَ غَيْرِهِ كَذَا فِي الْكَافِي -
قَوْلُهُ : إلَّا إذَا وَهَبَ الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ فَقَبَضَ الْكُلَّ ) أَقُولُ الْحَصْرُ مَمْنُوعٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَغَ الْمَوْهُوبُ عَنْ مِلْكِهِ وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَلَكَهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَهَذَا كَمَا ذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هِبَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَنَظَائِرِهِ ( قَوْلُهُ : إذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ بِإِذْنِهِ ) يُخَالِفُ مَا قَدَّمَهُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ صَرِيحًا فِي مَجْلِسِ الْهِبَةِ فَمَتْنُهُ الْمُطْلَقُ أَحْسَنُ ( قَوْلُهُ يَصِحُّ فِي صَحِيحِهَا بِالتَّخْلِيَةِ ) أَقُولُ التَّخْلِيَةُ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ بِقَوْلِ اقْبِضْهُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ

( وَيَنُوبُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ مَنَابَ الْقَبُولِ ) يَعْنِي إذَا صَدَرَ الْإِيجَابُ مِنْ الْوَاهِبِ فَقَبِلَ قَبُولَ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْعَقْدَ إذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبَ بِإِذْنِهِ صَحَّتْ الْهِبَةُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ دَلِيلُ الْقَبُولِ ( ثُمَّ إنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ هَلْ يَحْصُلُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمَوْهُوبِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ ) حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَبُو اللَّيْثِ هِيَ قَبْضٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ( وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي صَحِيحِهَا ) أَيْ الْهِبَةِ ( بِالتَّخْلِيَةِ لَا فَاسِدِهَا ) كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ

( وَهَبَ دَارًا بِمَتَاعِهَا وَسَلَّمَهَا فَاسْتَحَقَّ الْمَتَاعَ صَحَّتْ فِي الدَّارِ ) إذْ بِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّ يَدَهُ فِي الْمَتَاعِ كَانَتْ يَدَ غَصْبٍ وَصَارَ كَمَا لَوْ غَصَبَ الدَّارَ وَالْمَتَاعَ ثُمَّ وَهَبَ لَهُ الدَّارَ أَوْ أَوْدَعَهُ الدَّارَ وَالْمَتَاعَ ثُمَّ وَهَبَ لَهُ الدَّارَ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ

( وَلَوْ وَهَبَ أَرْضًا وَزَرْعَهَا وَسَلَّمَهَا فَاسْتَحَقَّ الزَّرْعَ بَطَلَتْ ) الْهِبَةُ ( فِي الْأَرْضِ ) ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مَعَ الْأَرْضِ بِحُكْمِ الِاتِّصَالِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا صَارَ كَأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْبَعْضَ الشَّائِعَ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَتَبْطُلُ الْهِبَةُ فِي الْبَاقِي كَذَا فِي الْكَافِي قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ الْمُفْسِدُ هُوَ الشُّيُوعُ الْمُقَارِنُ لَا الشُّيُوعُ الطَّارِئُ كَمَا إذَا وَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فِي الْبَعْضِ الشَّائِعِ أَوْ اسْتَحَقَّ الْبَعْضَ الشَّائِعَ بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، فَإِنَّ الشُّيُوعَ الطَّارِئَ مُفْسِدٌ .
وَفِي الْفُصُولَيْنِ أَنَّ الشُّيُوعَ الطَّارِئَ لَا يُفْسِدُ الْهِبَةَ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ فِي بَعْضِ الْهِبَةِ شَائِعًا أَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فَيُفْسِدُ الْكُلَّ ؛ لِأَنَّهُ مُقَارِنٌ لَا طَارِئٌ كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ فِي هِبَةِ الْمُحِيطِ أَقُولُ : عَدُّهُ صُوَرَ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ أَمْثِلَةِ الشُّيُوعِ الطَّارِئِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ مَا فِي الْكَافِي وَالْفُصُولَيْنِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا ظَهَرَ بِالْبَيِّنَةِ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى مَا قَبْلَ الْهِبَةِ فَيَكُونُ مُقَارِنًا لَهَا لَا طَارِئًا عَلَيْهَا

( الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى ) كَذَا فِي الْفُصُولَيْنِ ( وَيَلِي الْقَرِيبُ الرُّجُوعَ فِيهَا ) أَيْ فِي الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ يَعْنِي إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهَا هَلْ يَثْبُتُ وَلَايَةُ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ فِيمَا وَهَبَ هِبَةً فَاسِدَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى وَفَرَّقْت بَيْنَ الْهِبَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَأَفْتَيْت بِالرُّجُوعِ وَقَالَ الْإِمَامُ الْأُسْرُوشَنِيُّ وَالْإِمَامُ عِمَادُ الدِّينِ : هَذَا الْجَوَابُ مُسْتَقِيمٌ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى فَلِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ مَضْمُونٌ عَلَى تَقَرُّرٍ ، فَإِذَا كَانَ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْهَلَاكِ كَانَ مُسْتَحِقَّ الرَّدِّ ( قَبْلَ الْهَلَاكِ فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ وَالِاسْتِرْدَادَ ) -

( قَوْلُهُ : الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ ) أَقُولُ فَهِيَ كَالْهِبَةِ الصَّحِيحَةِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ لَكِنَّهَا مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ بِهَلَاكِهَا فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَسَنَذْكُرُهُ أَيْضًا عَنْ الْعُدَّةِ وَأَقُولُ فِي إطْلَاقِ ضَمَانِ الْفَاسِدَةِ بِهَلَاكِهَا تَأَمُّلٌ إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ قَابِضٌ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِ الْهِبَةِ حِينَئِذٍ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ هِبَةٌ فَاسِدَةٌ لِتَسْلِيطِ الْمَالِكِ الْمَوْهُوبَ لَهُ عَلَى قَبْضِهَا وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ بَلْ وَعَلَى إطْلَاقِهَا بِلَا بَدَلٍ فَلَا يُحْكَمُ بِالضَّمَانِ بِمُجَرَّدِ الْقَبْضِ وَالتَّلَفِ فِي يَدِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتْلَفَهَا بِصُنْعِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَالِكُ أَذِنَ بِالْقَبْضِ صَرِيحًا فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ : وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْفُصُولَيْنِ ) وَنَصُّهُ وَفِي فَوَائِدِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى ثُمَّ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ هَلْ يَثْبُتُ وَلَايَةُ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ فِيمَا إذَا وَهَبَ هِبَةً فَاسِدَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ قَالَ أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قُلْت وَقَدْ ذَكَرَ الْعِمَادِيُّ قَبْلَ هَذَا مُوَافَقَتَهُ بِقَوْلِهِ مِنْهَا أَيْ صُوَرُ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا وَهَبَ لِاثْنَيْنِ شَيْئًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ ، فَإِذَا قَبَضَاهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِمَا وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى وَقَالَ بِهِ يُفْتَى ا هـ .
ثُمَّ قَالَ الْعِمَادِيُّ عَقِبَهُ وَذَكَرَ فِي الْعُدَّةِ الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ مَضْمُونَةٌ بِالْقَبْضِ أَمَّا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقَبْضِ هُوَ الْمُخْتَارُ ا هـ .
( قُلْت ) فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُ التَّصْحِيحَيْنِ ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَأَمَّا عَلَى

قَوْلِ مَنْ يَرَى فَلِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ مَضْمُونٌ
إلَخْ ) هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَلِأَنَّ الْمَقْبُوضَ بِحُكْمِ الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ مَضْمُونٌ لَا يَكُونُ مُتَّجَهًا إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْمِلْكِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَكُونُ مَالِكًا وَضَامِنًا فَمَا ذَكَرَ مِنْ اسْتِقَامَةِ الْجَوَابِ فِيهِ تَظْهَرُ عَلَى إطْلَاقِ قَوْلِهِ إنَّ الْمُفْتَى بِهِ إفَادَةُ الْمِلْكِ بِالْقَبْضِ فِيمَا وُهِبَ لَهُ هِبَةً فَاسِدَةً

( قَالَ وَهَبْتُ لَكَ هَذِهِ الْغِرَارَةَ الْحِنْطَةَ أَوْ الزِّقَّ السَّمْنَ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي الْحِنْطَةِ وَالسَّمْنِ فَقَطْ ) لِمَا عَرَفْت أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَاغِلٌ لِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا مَشْغُولٌ بِهِ ( وَهَبَتْ دَارَهَا لِزَوْجِهَا وَهُمَا بِمَتَاعِهِمَا سَاكِنَانِ فِيهَا جَازَتْ ) الْهِبَةُ وَيَصِيرُ الزَّوْجُ قَابِضًا لِلدَّارِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَمَتَاعَهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ فَصَحَّ التَّسْلِيمُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ ( وَهَبَ ثِيَابًا فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ وَدَفَعَهُ ) أَيْ الصُّنْدُوقَ ( لَا يَكُونُ قَبْضًا ) فَلَا تَتِمُّ الْهِبَةُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا صَحَّ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَا انْتِفَاعَ مَعَ الْقَفْلِ ( وَتَمَّ هِبَةُ مَا مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِلَا قَبْضٍ جَدِيدٍ ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً أَوْ أَمَانَةً مَلَكَهَا بِالْهِبَةِ وَالْقَبُولِ ، وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ فِيهَا قَبْضًا ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي بَابِ الْهِبَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ أَصْلُ الْقَبْضِ وَهُوَ مَوْجُودٌ هَاهُنَا فَنَابَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ ( بِخِلَافِ الْبَيْعِ ) يَعْنِي إذَا بَاعَ الْوَدِيعَةَ أَوْ نَحْوَهَا مِمَّنْ فِي يَدِهِ يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي قَبْضًا مَضْمُونًا وَقَبْضُ الْمُودَعِ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَلَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ إذَا تَجَانَسَا نَابَ أَحَدُهُمَا مَنَابَ الْآخَرِ لِاتِّحَادِهِمَا جِنْسًا ، وَإِذَا اخْتَلَفَا نَابَ الْأَقْوَى عَنْ الْأَضْعَفِ بِلَا عَكْسٍ ؛ لِأَنَّ فِي الْأَقْوَى مِثْلَ الْأَدْنَى وَزِيَادَةً وَلَيْسَ فِي الْأَدْنَى مَا فِي الْأَقْوَى -

قَوْلُهُ : وَهَبْت لَك هَذِهِ الْغِرَارَةَ الْحِنْطَةَ وَالزِّقَّ السَّمْنَ
إلَخْ ) .
أَقُولُ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا أَحَالَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَهَبْتُ لَكَ هَذَا الزِّقَّ مُتَنَاوِلًا لِلظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ صَارَتْ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا تَقَدَّمَ نَصَّ عَلَى الْمَظْرُوفِ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا هُنَا ( قَوْلُهُ : وَتَمَّ هِبَةُ مَا مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِلَا قَبْضٍ جَدِيدٍ ) ، فَإِنْ قُلْت : هَذَا ظَاهِرًا لَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ بِطَرِيقِ الْوَدِيعَةِ ، فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ لِكَوْنِ يَدِهِ يَدَ الْمَالِكِ نِيَابَةً عَنْهُ فِي الْحِفْظِ فَكَيْفَ يَنُوبُ هَذَا الْقَبْضُ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ قُلْنَا يَدُ الْمَالِكِ حُكْمِيَّةٌ وَالْقَابِضُ حَقِيقَةٌ فَبِاعْتِبَارِهَا نَزَلَ قَابِضًا لِإِقَامَةِ يَدِهِ مَقَامَ يَدِ الْمَالِكِ حُكْمًا مَا دَامَ عَامِلًا لَهُ وَبَعْدَ الْهِبَةِ لَيْسَ بِعَامِلٍ لَهُ فَتُعْتَبَرُ الْحَقِيقَةُ ( قَوْلُهُ أَوْ أَمَانَةً ) يَعْنِي كَالْمُسْتَأْجَرَةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يُوفِ بِمَا يَشْمَلُهُ الْمَتْنُ مِنْ الْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ كَالْغَصْبِ وَالرَّهْنِ لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَ خِلَافَ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ كَمَسْأَلَةِ الْهِبَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ احْتَاجَ إلَى الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةُ الْهِبَةِ أَعَمَّ لِشُمُولِهَا الْعَيْنَ الْمَضْمُونَةَ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَصْلِ يُشِيرُ إلَى هَذَا

.
( وَ ) تَمَّ أَيْضًا ( مَا وَهَبَ ) أَيْ الْأَبُ ( لِطِفْلِهِ بِالْعَقْدِ ) ؛ لِأَنَّهُ فِي قَبْضِ الْأَبِ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً أَوْ يَدِ مُودَعِهِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمَالِكِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ حَيْثُ لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ لِعَدَمِ قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَابِضٌ لِنَفْسِهِ ( إذَا كَانَ ) أَيْ الْمَوْهُوبُ ( مَعْلُومًا ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ لَفْظُ الْمَبْسُوطِ وَكُلُّ شَيْءٍ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ الشَّيْءُ مَعْلُومٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَالْقَبْضُ فِيهِ بِإِعْلَامِ مَا وَهَبَهُ لَهُ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَالْإِشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْهِبَةُ تَتِمُّ بِالْإِعْلَامِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِشْهَادَ احْتِيَاطًا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ جُحُودِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَنْ جُحُودِهِ بَعْدَ إدْرَاكِ الْوَلَدِ -

( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ ) أَقُولُ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي التَّبْيِينِ وَلَعَلَّ حَقَّ الْعِبَارَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ : إذَا كَانَ مَعْلُومًا ) أَقُولُ وَلَوْ دَارًا يَسْكُنُهَا الْأَبُ وَمَتَاعُهُ فِيهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَوْ يَسْكُنُهَا غَيْرُهُ بِلَا أُجْرَةٍ وَالْأُمُّ كَالْأَبِ لَوْ مَيِّتًا وَالِابْنُ فِي يَدِهَا وَلَيْسَ لَهُ وَصِيٌّ وَكَذَا مَنْ يَعُولُهُ وَالصَّدَقَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْهِبَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : وَهَبَتْ دَارَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيهَا مَعَ الزَّوْجِ جَازَ ) كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ قُلْت : لِأَنَّهَا وَمَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ فَلَمْ تَكُنْ يَدُهَا مَانِعَةً مِنْ قَبْضِهِ ا هـ لَكِنْ نُقِلَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَهَبَ مِنْ امْرَأَتِهِ وَأَنْ تَهَبَ لِزَوْجِهَا أَوْ الْأَجْنَبِيِّ دَارًا وَهُمَا سَاكِنَانِ فِيهَا وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لِلْوَلَدِ الْكَبِيرِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَاهِبِ ثَابِتَةٌ عَلَى الدَّارِ .
ا هـ .

.
( وَ ) تَمَّ أَيْضًا ( مَا وَهَبَ أَجْنَبِيٌّ لَهُ ) أَيْ لِلطِّفْلِ ( بِقَبْضِهِ ) أَيْ الطِّفْلِ ( عَاقِلًا ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَنَافِعِ الْمَحْضِ مُلْحَقٌ بِالْبَالِغِ ( أَوْ قَبْضِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ وَصِيِّ أَحَدِهِمَا ) ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا -
( قَوْلُهُ : وَتَمَّ مَا وَهَبَ أَجْنَبِيٌّ لَهُ ) أَيْ لِلطِّفْلِ بِقَبْضِهِ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ إلَّا إذَا وَهَبَ لَهُ أَعْمَى لَا نَفْعَ لَهُ وَتَلْحَقُهُ مُؤْنَتُهُ ، فَإِنَّ قَبُولَهُ بَاطِلٌ وَيُرَدُّ إلَى الْوَاهِبِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ ( قَوْلُهُ : أَوْ قَبَضَ زَوْجُهَا لَهَا أَيْ الصَّغِيرَةِ ) أَقُولُ لَا يَخْفَى عَدَمُ مَعْرِفَةِ قَيْدِ الصِّغَرِ مِنْ الْمَتْنِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَقَامُ فِي الْهِبَةِ لِلصَّغِيرِ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ

( أَوْ ) قَبْضِ ( أُمٍّ هُوَ ) أَيْ الطِّفْلُ ( مَعَهَا أَوْ ) قَبْضِ ( أَجْنَبِيٍّ يُرَبِّيهِ وَهُوَ ) أَيْ الطِّفْلُ ( مَعَهُ أَوْ ) قَبْضِ ( زَوْجِهَا لَهَا ) أَيْ لِلصَّغِيرَةِ لَكِنْ ( بَعْدَ الزِّفَافِ ) ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حِفْظِهَا وَقَبْضِ الْهِبَةِ لَهَا وَلَوْ قَبَضَ الْأَبُ أَيْضًا صَحَّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْوَلَايَةُ لَهُ وَوَلَايَةُ الزَّوْجِ مِنْهُ -
( قَوْلُهُ : وَلَكِنْ بَعْدَ الزِّفَافِ ) أَقُولُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ

( وَلَمْ يَجُزْ هِبَةُ الْحَمْلِ ) لِكَوْنِهِ وَصْفًا لِلْأَمَةِ لِاتِّصَالِهِ بِهَا بِمَنْزِلَةِ أَطْرَافِهَا ( وَلَا لَهُ ) أَيْ لَمْ تَجُزْ الْهِبَةُ لِلْحَمْلِ ، وَإِنْ جَازَ الْإِقْرَارُ لَهُ إنْ بَيَّنَ سَبَبًا صَالِحًا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْإِقْرَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -
قَوْلُهُ أَيْ لَمْ تَجُزْ الْهِبَةُ لِلْحَمْلِ ) أَقُولُ وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَبْضُ لِكَوْنِهَا تَمْلِيكًا مُضَافًا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا يُقَالُ الْوَلِيُّ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي قَبْضِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ قَبْلَ الْوِلَادَةِ

( صَحَّ هِبَةُ اثْنَيْنِ دَارَ الْوَاحِدِ ) ؛ لِأَنَّهُمَا سَلَّمَاهَا جُمْلَةً وَهُوَ قَدْ قَبَضَهَا بِلَا شُيُوعٍ ( وَعَكْسُهُ ) وَهُوَ هِبَةُ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ ( لَا ) أَيْ لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا هِبَةُ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُ الشُّيُوعُ ( كَتَصَدُّقِ عَشْرَةٍ عَلَى غَنِيَّيْنِ ) ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْغَنِيِّ هِبَةٌ فَلَا تَجُوزُ لِلشُّيُوعِ ( وَصَحَّ هُوَ ) أَيْ تَصَدُّقُ الْعَشَرَةِ ( وَهِبَتُهَا عَلَى فَقِيرَيْنِ ) ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلْفَقِيرِ صَدَقَةٌ وَالصَّدَقَةُ يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ وَاحِدٌ وَالْفَقِيرُ نَائِبٌ عَنْهُ بِخِلَافِ الْهِبَةِ

( وَهَبَ نِصْفَ الدَّارِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الْبَاقِي لَمْ تَجُزْ وَلَوْ وَهَبَهُ ) أَيْ الْبَاقِيَ ( قَبْلَ التَّسْلِيمِ ) وَسَلَّمَ الْكُلَّ جُمْلَةً ( صَحَّتْ فِي الْكُلِّ ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْكُلَّ جُمْلَةً صَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ الْكُلَّ جُمْلَةً بِخِلَافِ مَا إذَا تَفَرَّقَ التَّسْلِيمُ ( هِبَةُ دَارٍ مُشْتَرَاةٍ قَبْلَ الْقَبْضِ ) مُتَعَلِّقٌ بِالْهِبَةِ ( تَجُوزُ ) يَعْنِي إذَا اشْتَرَى دَارًا فَقَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا وَهَبَهَا لِآخَرَ جَازَتْ الْهِبَةُ لِمَا عَرَفْت أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَجُوزُ ( كَذَا ) أَيْ يَجُوزُ

( هِبَةُ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ لِرَجُلَيْنِ ) ؛ لِأَنَّهُ هِبَةُ مَشَاعٍ لَا يُقْسَمُ ، وَإِنَّمَا قَالَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْمَغْشُوشَ فِي حُكْمِ الْعُرُوضِ كَمَا عَرَفْت فَيَكُونُ مِمَّا يُقْسَمُ فَلَا يَصِحُّ هِبَتُهُ لِرَجُلَيْنِ لِلشُّيُوعِ ( مَعَهُ دِرْهَمَانِ قَالَ لِرَجُلٍ وَهَبْتُ لَكَ دِرْهَمًا مِنْهُمَا إنْ اسْتَوَيَا ) أَيْ قَدْرًا ( لَمْ تَجُزْ وَإِلَّا جَازَتْ ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَنَاوَلَتْ أَحَدَهُمَا وَهُوَ مَجْهُولٌ فَلَا تَجُوزُ وَفِي الثَّانِي تَنَاوَلَتْ قَدْرَ دِرْهَمٍ مِنْهُمَا وَهُوَ مَشَاعٌ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَتَجُوزُ -
( قَوْلُهُ : أَيْ يَجُوزُ هِبَةُ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ لِرَجُلَيْنِ ) أَقُولُ هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ تَنْصِيفَ الدَّرَاهِمِ لَا يَضُرُّ فَكَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ السَّعْدِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الصَّحِيحَ لَا يُكْسَرُ عَادَةً فَكَانَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي تُكْسَرُ عَادَةً فَلَا يَضُرُّهَا الْكَسْرُ وَالتَّبْعِيضُ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمَشَاعِ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَلَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ

.
( وَ ) تَجُوزُ أَيْضًا ( هِبَةُ آبِقٍ مُتَرَدِّدٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِطِفْلِهِ ) ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا لِقِيَامِ يَدِ أَهْلِ الدَّارِ عَلَيْهِ فَمَنَعَ ظُهُورُ يَدِهِ تَمَلُّكَهُمْ إنْ دَخَلَ فِيهَا وَلَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا لَمْ تَجُزْ وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ .
-
( قَوْلُهُ : فَمَنَعَ ظُهُورَ يَدِهِ تَمَلُّكُهُمْ ) يَعْنِي أَهْلَ دَارِ الْحَرْبِ إنْ دَخَلَ فِيهَا ( قَوْلُهُ : وَلَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا لَمْ يَجُزْ ) يَعْنِي لَا يَمْلِكُهُ وَهِيَ عِبَارَتُهُ فِي بَابِ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ

.
( وَ ) كَذَا تَجُوزُ ( هِبَةُ الْبِنَاءِ دُونَ الْعَرْصَةِ إذَا أَذِنَ لَهُ ) أَيْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ( الْوَاهِبُ فِي نَقْضِهِ ، وَ ) هِبَةُ ( أَرْضٍ فِيهَا زَرْعٌ دُونَهُ ) أَيْ دُونَ الزَّرْعِ ( أَوْ نَخْلٌ فِيهَا تَمْرٌ دُونَهُ ) أَيْ دُونَ التَّمْرِ ( إذَا أَمَرَهُ ) أَيْ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ لَهُ ( بِالْحَصَادِ ) فِي الزَّرْعِ ( وَالْجِذَاذَ ) فِي التَّمْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ لِلْجَوَازِ الِاشْتِغَالُ بِمِلْكِ الْمَوْلَى ، فَإِذَا أَذِنَ الْمَوْلَى فِي النَّقْضِ وَالْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ وَفَعَلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ زَالَ الْمَانِعُ فَجَازَتْ الْهِبَةُ -
( قَوْلُهُ : وَكَذَا تَجُوزُ هِبَةُ الْبِنَاءِ إلَى آخِرِ الْبَابِ ) أَقُولُ فِيمَا تَقَدَّمَ غَنِيَّةٌ عَنْ هَذَا فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ

( بَابُ الرُّجُوعِ فِيهَا ) ( صَحَّ ) أَيْ الرُّجُوعُ ( فِي أَجْنَبِيٍّ ) أَرَادَ بِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَخَرَجَ بِهِ مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ وَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ وَمَنْ كَانَ مَحْرَمًا وَلَيْسَ بِذِي رَحِمٍ وَلِذَا قَالَ ( وَمَنَعَهُ الْمَحْرَمِيَّةُ بِالْقَرَابَةِ ) وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَحْرَمِيَّةِ بِالنَّسَبِ لَا النَّسَبِ كَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الرَّضَاعِ وَمِنْ الْمَحْرَمِيَّةِ بِالْمُصَاهَرَةِ كَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبِ وَأَزْوَاجِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا رُجُوعَ فِيهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ } وَلَنَا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا أَيْ مَا لَمْ يُعَوَّضْ } وَالْمُرَادُ حَقُّ الرُّجُوعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ هِبَةً حَقِيقَةً قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ بِالرُّجُوعِ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضًا إلَّا الْوَالِدُ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ بِالْأَخْذِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِنْفَاقِ وَسُمِّيَ ذَلِكَ رُجُوعًا نَظَرًا إلَى الظَّاهِرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا حَقِيقَةً عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْهِبَةِ بَلْ الْأَبُ إذَا احْتَاجَ فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَلَوْ غَائِبًا كَمَا ذَكَرَ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ إلَّا الْوَالِدُ ، فَإِنَّهُ يَتَمَلَّكُ لِلْحَاجَةِ فَتَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ عِنْدَنَا أَيْضًا مُطْلَقًا وَهُوَ وَهْمٌ بَاطِلٌ مُنْشَؤُهُ الْغَفْلَةُ عَنْ قَوْلِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَمَلَّكُ لِلْحَاجَةِ ، فَإِنَّ مُرَادَهُ مَا ذَكَرْنَا حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْتَجْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ ابْنِهِ ، فَإِنَّ مَا تَوَهَّمُوا مُخَالِفٌ لِتَصْرِيحِ عُلَمَائِنَا كَقَاضِي خَانْ

وَغَيْرِهِ أَنَّ قَرَابَةَ الْوِلَادِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوَانِعِ ( كَمَا فِي الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ، وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادِ ، وَإِنْ سَفَلُوا وَالْأُخُوَّةِ وَالْأَخَوَاتِ وَأَوْلَادِهِمَا ، وَإِنْ سَفَلُوا وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ ) فَقَطْ ، فَإِنَّ أَوْلَادَهُمْ لَيْسُوا بِمَحَارِمَ كَمَا مَرَّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ -
( بَابُ الرُّجُوعِ فِيهَا ) ( قَوْلُهُ : فَخَرَجَ مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ وَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ ) يَعْنِي مِنْ النَّسَبِ وَإِلَّا فَالْأَخُ مِنْ الرَّضَاعِ لَوْ كَانَ ابْنَ عَمٍّ هُوَ رَحِمٌ مَحْرَمٌ لَكِنْ لَا بِنَسَبٍ

ثُمَّ إنَّ مَوَانِعَ الرُّجُوعِ فِي هِبَةٍ سَبْعَةٌ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ ( وَمَنَعَهُ الْمَحْرَمِيَّةَ بِالْقَرَابَةِ ) وَوَجْهُ كَوْنِهَا مَانِعَةً أَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ صِلَةُ الرَّحِمِ يَحْصُلُ بِهَا ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْمَحَارِمِ وَكُلُّ عَقْدٍ أَفَادَ مَقْصُودَهُ يَلْزَمُ وَذَكَرَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ ( وَزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ ) عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ الْمَحْرَمِيَّةِ بِالْقَرَابَةِ ( كَبِنَاءٍ وَغَرْسٍ وَسِمَنٍ ) وَوَجْهُ كَوْنِهَا مَانِعَةً أَنَّ الرُّجُوعَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمَوْهُوبِ وَالزِّيَادَةُ لَيْسَتْ بِمَوْهُوبَةٍ فَلَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ فِيهَا وَالْفَصْلُ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِيَرْجِعَ فِي الْأَصْلِ لَا الزِّيَادَةِ فَامْتَنَعَ الرُّجُوعُ أَصْلًا وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ ( وَمَوْتِ أَحَدِهِمَا ) أَمَّا إذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ ، وَأَمَّا إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ فَلِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يُوجِبْ حَقَّ الرُّجُوعِ إلَّا لِلْوَاهِبِ وَالْوَارِثُ لَيْسَ بِوَاهِبٍ وَذَكَرَ الرَّابِعَ بِقَوْلِهِ ( وَعِوَضٍ ) ، فَإِنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ كَانَ لِخَلَلٍ فِي مَقْصُودِهِ وَقَدْ عَدِمَ ذَلِكَ بِوُصُولِ الْعِوَضِ إلَيْهِ ( أُضِيفَ إلَيْهَا ) أَيْ إلَى الْهِبَةِ بِأَنْ قَالَ خُذْهُ عِوَضَ هِبَتِكَ أَوْ بَدَلًا عَنْهَا أَوْ بِمُقَابَلَتِهَا أَوْ مَكَانَهَا فَقَبَضَ لَمْ يَرْجِعْ فَلَوْ وَهَبَ وَعَوَّضَ وَلَمْ يُضِفْ رَجَعَ كُلٌّ بِهِبَتِهِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ بِأَمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ سُلِّمَ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ الرُّجُوعُ وَكَذَا لَيْسَ لِلْأَجْنَبِيِّ الْمُعَوِّضِ الرُّجُوعُ فِي عِوَضِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِإِسْقَاطِ حَقِّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا يَرْجِعُ الْمُعَوِّضُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَكَذَا إذَا أَمَرَهُ إلَّا إذَا قَالَ عَوِّضْ عَنِّي عَلَى أَنِّي ضَامِنُ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ وَذَكَرَ الْخَامِسَ بِقَوْلِهِ ( وَخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ ) ، فَإِنَّ تَبَدُّلَ

الْمِلْكِ كَتَبَدُّلِ الْعَيْنِ وَقَدْ تَبَدَّلَ الْمِلْكُ بِتَبَدُّلِ السَّبَبِ وَذَكَرَ السَّادِسَ بِقَوْلِهِ ( وَالزَّوْجِيَّةِ ) ، فَإِنَّهَا نَظِيرُ الْقَرَابَةِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ فِي التَّوَاصُلِ بِدَلِيلِ جَرَيَانِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا بِلَا حَجْبٍ وَبُطْلَانٍ فَكَانَ الْمَقْصُودُ الصِّلَةَ وَقَدْ حَصَلَ ( وَقْتَ الْهِبَةِ ) حَتَّى لَوْ وَهَبَ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ نَكَحَهَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا وَلَوْ وَهَبَ لِامْرَأَتِهِ ثُمَّ أَبَانَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِعَدَمِ الْعِلَاقَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَوَّلِ وَقْتَ الْهِبَةِ وَوُجُودِهَا فِي الثَّانِي وَقْتَهَا وَذَكَرَ السَّابِعَ بِقَوْلِهِ ( وَهَلَاكِ الْمَوْهُوبِ ) ، فَإِنَّهُ إذَا هَلَكَ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ فَلَوْ ادَّعَى الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهَلَاكَ صُدِّقَ بِلَا حَلِفٍ كَذَا فِي الْكَافِي ( وَضَابِطُهَا ) أَيْ ضَابِطُ الْمَوَانِعِ ( حُرُوفُ دَمْعِ خَزْقِهِ ) مَأْخُوذٌ مِمَّا قِيلَ وَمَانِعٌ عَنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَة يَا صَاحِبِي حُرُوفُ دَمْعِ خَزْقِهِ فَالدَّالُ الزِّيَادَةُ وَالْمِيمُ مَوْتُ أَحَدِهِمَا وَالْعَيْنُ الْعِوَضُ وَالْخَاءُ الْخُرُوجُ عَنْ الْمِلْكِ وَالزَّايُ الزَّوْجِيَّةُ وَالْقَافُ الْقَرَابَةُ وَالْهَاءُ الْهَلَاكُ وَالْخَزْقُ الطَّعْنُ وَالْخَازِقُ السِّنَانُ فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الدَّمْعَ بِالسِّنَانِ -

قَوْلُهُ : ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ وَمَنَعَهُ الْمَحْرَمِيَّةُ بِالْقَرَابَةِ ) أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ الْمَوَانِعَ عَلَى بَعْضِهَا وَلِيَذْكُرَ وَجْهَهُ ( قَوْلُهُ : وَزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمُنْفَصِلَةِ كَالْوَلَدِ وَالْأَرْشِ وَالْعُقْرِ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الزِّيَادَةِ لِإِمْكَانِ الْفَصْلِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَرْجِعُ فِي الْأُمِّ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ الْوَلَدُ ا هـ .
( قَوْلُهُ كَبِنَاءٍ وَغَرْسٍ ) الْمُرَادُ إذَا كَانَ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْأَرْضِ ، وَإِنْ أَوْجَبَ فِي بَعْضِ الْأَرْضِ لِكِبَرِهَا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مِثْلُهُ زِيَادَةً فِيهَا كُلِّهَا امْتَنَعَ فِي تِلْكَ الْقِطْعَةِ فَقَطْ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَإِذَا لَمْ يُوجِبْ زِيَادَةً أَصْلًا لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي شَيْءٍ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَهَبَ دَارًا فَبَنَى الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي بَيْتِ الضِّيَافَةِ الَّتِي تُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ كشانه تَنُّورًا لِلْخُبْزِ كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَدُّ نُقْصَانًا وَلَا يُعَدُّ زِيَادَةً ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَعِوَضٍ أُضِيفَ إلَيْهَا ) لِقَوْلِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ بَعْضُ الْمَوْهُوبِ ( قَوْلُهُ : لِجَرَيَانِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا بِلَا حَجْبٍ وَبُطْلَانٍ ) الْعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ فَالْمَعْنَى أَنَّ التَّوَارُثَ بَيْنَهُمَا يَكُونُ فِي حَالَةِ عَدَمِ حَجْبِ الْبُطْلَانِ ( قَوْلُهُ : وَضَابِطُهَا أَيْ ضَابِطُ الْمَوَانِعِ حُرُوفُ دَمْعِ خَزْقِهِ
إلَخْ ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهَا عَلَى تَرْتِيبِ الْحُرُوفِ لِتَتَأَتَّى الْمُنَاسَبَةُ فِي مَعْنَاهَا وَلَا يُقَالُ بَقِيَ مِنْ الْمَوَانِعِ الْفَقْرُ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِي الْهِبَةِ لِلْفَقِيرِ ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ

( وَهَبَ لِأَخِيهِ وَأَجْنَبِيٍّ عَبْدًا فَقَبَضَاهُ ) أَيْ الْأَخُ وَالْأَجْنَبِيُّ الْعَبْدَ ( لَهُ ) أَيْ لِلْوَاهِبِ ( الرُّجُوعُ ) فِي نَصِيبِ الْأَجْنَبِيِّ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّهِ لِكَوْنِ الْعَبْدِ مِمَّا لَا يُقْسَمُ وَلَا مَانِعَ مِنْ الرُّجُوعِ بِخِلَافِ الْأَخِ ، فَإِنَّ الْقَرَابَةَ فِيهِ مَانِعَةٌ عَنْهُ ( وَهَبَ لِرَجُلٍ شَيْئًا وَقَبَضَهُ ) أَيْ الرَّجُلُ الشَّيْءَ ( فَوَهَبَهُ ) أَيْ الرَّجُلُ الشَّيْءَ ( لِآخَرَ ثُمَّ رَجَعَ الثَّانِي أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ فَلِلْأَوَّلِ الرُّجُوعُ فِيهِ ) ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَمَّا عَادَ إلَى الثَّانِي بِالرُّجُوعِ لَا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَانَ لِلْأَوَّلِ الرُّجُوعُ فِيهِ ( وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ الثَّالِثُ عَلَى الثَّانِي ) إنْ كَانَ فَقِيرًا ( أَوْ بَاعَهُ مِنْهُ ) إنْ كَانَ غَنِيًّا ( لَمْ يَرْجِعْ الْأَوَّلُ ) ؛ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ جَدِيدٌ لِعَوْدِهِ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ وَحَقُّ الرُّجُوعِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي هَذَا الْمِلْكِ فَلَا يَرْجِعُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ ( يَرْجِعُ فِي اسْتِحْقَاقِ نِصْفِهَا ) أَيْ نِصْفِ الْهِبَةِ وَالْمُرَادُ الْمَوْهُوبُ ( بِنِصْفِ عِوَضِهَا ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِ إلَّا لِيُسَلِّمَ لَهُ الْمَوْهُوبَ كُلَّهُ ، فَإِذَا فَاتَ بَعْضُهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ ( لَا فِي اسْتِحْقَاقِ نِصْفِهِ ) يَعْنِي إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ( حَتَّى يَرُدَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِوَضِ ) ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْ الْكُلِّ ابْتِدَاءً وَبِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا عِوَضَ إلَّا هُوَ فَيَكُونُ مُخَيَّرًا ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا لِيُسَلِّمَ لَهُ كُلَّ الْعِوَضِ وَلَمْ يُسَلِّمْ ، فَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ وَرَجَعَ فِي الْكُلِّ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ مَا بَقِيَ وَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَشْرُوطًا ؛ لِأَنَّهَا تَتِمُّ تَبَعًا فَيُوَزَّعُ الْبَدَلُ عَلَى الْمُبْدَلِ ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ يَرْجِعُ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ .

قَوْلُهُ أَيْ الرَّجُلُ الْعَبْدَ ) أَرَادَ بِالْعَبْدِ الشَّيْءَ الْمَذْكُورَ قَبْلَ قَوْلِهِ وَهَبَ لِرَجُلٍ شَيْئًا ( قَوْلُهُ : أَوْ بَاعَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ غَنِيًّا ) أَقُولُ لَا يَتَقَيَّدُ الْبَيْعُ بِالْغِنَى ( قَوْلُهُ : يَرْجِعُ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ ) أَقُولُ صَوَابُهُ مِنْ الْمُعَوَّضِ بِالْمِيمِ فَالْعَيْنُ بِمَعْنَى الْمَوْهُوبِ قَوْلُهُ وَفِي أَصْلِهِ وَهْيٌ مَصْدَرٌ مِنْ وَهَى الْحَبْلُ يَهِي وَهْيًا إذَا ضَعُفَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهَاءً وَهُوَ خَطَأٌ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ ا هـ مِنْ حَاشِيَةِ الْخَادِمِيِّ لِمُصَحِّحِهِ

( وَلَوْ عَوَّضَ نِصْفَهَا رَجَعَ بِمَا لَمْ يُعَوِّضْ ) ؛ لِأَنَّ التَّعْوِيضَ مَانِعٌ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي النِّصْفِ يَمْتَنِعُ بِقَدْرِهِ ( لَوْ بَاعَ نِصْفَهَا أَوْ لَمْ يَبِعْ رَجَعَ فِي النِّصْفِ ) ؛ لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي الْكُلِّ فَفِي الْبَعْضِ أَوْلَى وَلَا يَمْنَعُهُ بَيْعُ النِّصْفِ ( وَذَا ) أَيْ الرُّجُوعُ إنَّمَا يَصِحُّ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ الْمَوْهُوبُ مِنْ يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ( بِتَرَاضٍ ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ ( أَوْ حُكْمِ قَاضٍ ) ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مُخْتَلِفٌ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى وَفِي أَصْلِهِ وَهِيَ ؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ إنْ طَالَبَ بِحَقِّهِ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَمْنَعُ بِمِلْكِهِ وَفِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ خَفَاءٌ إذْ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الثَّوَابَ وَالتَّوَادَّ فَعَلَى هَذَا لَا يَرْجِعُ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْعِوَضَ فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَصْلِ بِالرِّضَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ

( فَصَحَّ إعْتَاقُ الْمَوْهُوبِ ) أَيْ إعْتَاقُ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْعَبْدَ الْمَوْهُوبَ ( بَعْدَ الرُّجُوعِ ) مُتَعَلِّقٌ بِالْإِعْتَاقِ ( قَبْلَ الْقَضَاءِ ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا بِالْقَضَاءِ فَصَحَّ إعْتَاقُهُ قَبْلَهُ ( وَلَمْ يَضْمَنْ ) أَيْ الْمَوْهُوبُ لَهُ ( بِهَلَاكِهِ ) أَيْ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الرُّجُوعِ وَقَبْلَ الْقَضَاءِ ( بَعْدَ الْمَنْعِ ) عَنْ الْوَاهِبِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِيهِ وَكَذَا إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا ضَمَانَ الْمَقْبُوضِ عَلَيْهِ وَهَذَا دَوَامُ عِلَّتِهِ وَاسْتِدَامَةُ الشَّيْءِ مُعْتَبَرَةٌ بِأَصْلِهِ .
( وَ ) لَكِنْ ( ضَمِنَ بِهِ ) أَيْ بِهَلَاكِهِ ( بَعْدَ الْقَضَاءِ وَالْمَنْعِ ) أَيْ مَنْعِهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَطَلَبِ الْوَاهِبِ ، فَإِنَّ الْمَوْهُوبَ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَمَانَةً عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمَنْعُ بَعْدَ الطَّلَبِ يُوجِبُ الضَّمَانَ فِي الْأَمَانَةِ ( وَمَعَ أَحَدِهِمَا ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِتَرَاضٍ أَيْ الرُّجُوعُ بِتَرَاضٍ أَوْ حُكْمِ قَاضٍ ( فَسْخٌ لِعَقْدِ الْهِبَةِ ) مِنْ الْأَصْلِ وَإِعَادَةٌ لِلْمِلْكِ الْقَدِيمِ ( لَا هِبَةَ لِلْوَاهِبِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ ) أَيْ قَبْضُ الْوَاهِبِ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ لَا فِي عَوْدِ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ

( وَصَحَّ ) أَيْ الرُّجُوعُ ( فِي الْمَشَاعِ ) الْمُقَابِلِ لِلْقِسْمَةِ ( كَنِصْفِ دَارٍ وُهِبَتْ ) وَلَوْ كَانَ هِبَةً لَمَا صَحَّ فِيهِ ( تَلِفَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَاسْتُحِقَّ فَضَمِنَ لَمْ يَرْجِعْ ) عَلَى وَاهِبِهِ ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ السَّلَامَةَ

( قُضِيَ بِبُطْلَانِ الرُّجُوعِ لِمَانِعٍ ثُمَّ زَالَ ) أَيْ الْمَانِعُ ( عَادَ الرُّجُوعُ ) بَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا بَنَى فِي الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ وَأَبْطَلَ الْقَاضِي رُجُوعَ الْوَاهِبِ بِسَبَبِ الْبِنَاءِ فَهَدَمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْبِنَاءَ وَعَادَتْ الدَّارُ كَمَا كَانَتْ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَحُمَّ الْعَبْدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَخَاصَمَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ فِي الرَّدِّ وَأَبْطَلَ الْقَاضِي حَقَّهُ فِي الرَّدِّ بِسَبَبِ الْحُمَّى فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ ( وَهِيَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاءً ) هَذَا إذَا ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ عَلَى بِأَنْ يَقُولَ وَهَبْتُ هَذَا الْعَبْدَ لَكَ عَلَى أَنْ تُعَوِّضَنِي هَذَا الثَّوْبَ ، وَأَمَّا إذَا ذَكَرَهُ بِحَرْفِ الْبَاءِ بِأَنْ يَقُولَ وَهَبْتُ لَكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَبْدِكَ هَذَا أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَبِلَهُ الْآخَرُ يَكُونُ بَيْعًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا ( فَشَرَطَ قَبْضَهُمَا ) أَيْ الْعَاقِدَيْنِ ( لِلْعِوَضَيْنِ ) لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا هِبَةً ( وَبَطَلَتْ بِالشُّيُوعِ ) كَمَا هُوَ حُكْمُ الْهِبَةِ -

قَوْلُهُ قُضِيَ بِبُطْلَانِ الرُّجُوعِ لِمَانِعٍ ثُمَّ زَالَ عَادَ الرُّجُوعُ ) اسْتَشْكَلَ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ وَهَبَ لِامْرَأَتِهِ ثُمَّ أَبَانَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَعَ زَوَالِ الْمَانِعِ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَانِعِ هُنَا الطَّارِئُ بَعْدَ الْهِبَةِ فَبِزَوَالِهِ يَثْبُتُ الرُّجُوعُ بِخِلَافِ الْمَانِعِ الْمُقَارِنِ كَالْهِبَةِ لِلزَّوْجَةِ ( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِالْخِيَارِ
إلَخْ ) فَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّ الْحُمَّى أَمْرٌ مُبْطَنٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَى حَقِيقَةِ زَوَالِهِ فَيُحْتَمَلُ بَقَاؤُهَا بِخِلَافِ زَوَالِ الْبِنَاءِ وَأَشْبَاهِهِ إذْ لَا تَوَهُّمَ لِبَقَائِهِ بَعْدَ زَوَالِهِ ( قَوْلُهُ : وَبَطَلَ بِالشُّيُوعِ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْهِبَةِ ) يَعْنِي فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ

( وَلَمْ تَجُزْ هِبَةُ الْأَبِ مَالَ طِفْلِهِ بِشَرْطِهِ ) كَمَا لَمْ تَجُزْ هِبَتُهُ بِهِ ( وَبَيْعٌ انْتِهَاءً فَتُرَدُّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَتَسْتَعْقِبُ الشُّفْعَةَ ) كَمَا هُوَ حُكْمُ الْبَيْعِ هَذَا عِنْدَنَا .
وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ بَيْعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْمَعَانِي وَلَنَا أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى جِهَتَيْنِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ ، فَإِنْ قُلْت : الْهِبَةُ تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلَا عِوَضٍ وَالْبَيْعُ تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِعِوَضٍ فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَأَيْضًا التَّمْلِيكُ لَا يَجْرِي فِيهِ الشَّرْطُ وَكَلِمَةُ عَلَى تُفِيدُ الشَّرْطِيَّةَ قُلْت قَدْ عَرَفْت أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهَا تَمْلِيكًا بِلَا عِوَضٍ كَوْنُهَا تَمْلِيكًا بِلَا شَرْطِ عِوَضٍ لَا بِشَرْطِ عَدَمِ الْعِوَضِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ بَيْعًا وَعَرَفْت أَيْضًا أَنَّ شَرْطَ الْمَنَافِعِ لِلتَّمْلِيكِ شَرْطٌ فِيهِ مَعْنَى الرِّبَا أَوْ الْقِمَارِ لَا مُطْلَقِ الشَّرْطِ حَتَّى لَوْ قَالَ بِعْتُ هَذَا مِنْكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لَكَ صَحَّ الْبَيْعُ فَيَكُونُ مَا نَحْنُ فِيهِ شَرْطًا ابْتِدَاءً نَظَرًا إلَى الْعِبَارَةِ حَتَّى لَا يَصِيرَ كَالْبَيْعِ لَازِمًا قَبْلَ الْقَبْضِ وَشَرْطًا بِمَعْنَى الْعِوَضِ نَظَرًا إلَى مَا يَئُولُ إلَيْهِ حَتَّى تُوَفَّرَ أَحْكَامُ الْبَيْعِ حَالَةَ الْبَقَاءِ -
( قَوْلُهُ : كَمَا لَمْ تَجُزْ هِبَتُهُ بِهِ ) أَقُولُ الضَّمِيرُ فِي هِبَتِهِ رَاجِعٌ لِلطِّفْلِ لَا لِلْأَبِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ( قَوْلُهُ : وَبِيعَ انْتِهَاءً
إلَخْ ) .
أَقُولُ وَيَصِحُّ وَلَوْ كَانَ الْعِوَضُ أَقَلَّ مِنْهَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِهَا وَلَا رِبًا فِيهِ ذَكَرَهُ الْبُرْجَنْدِيُّ

( وَهَبَ كِرْبَاسًا فَقَصَرَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَا يَرْجِعُ ) فُرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْغَسْلِ بِأَنَّ فِي الْقِصَارَةَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً دُونَ الْغَسْلِ ( كَذَا عَبْدٌ كَافِرٌ أَسْلَمَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَجَارِيَةٌ عَلَّمَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ الْقُرْآنَ أَوْ الْكِتَابَةَ أَوْ نَحْوَهُمَا ) حَيْثُ لَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ ؛ لِأَنَّ بِالْإِسْلَامِ وَتَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِمَا ازْدَادَ الْمَوْهُوبُ فَبَطَلَ الرُّجُوعُ -
( قَوْلُهُ : وَهَبَ كِرْبَاسًا فَقَصَرَهُ
إلَخْ ) كَذَا فِي قَاضِي خَانْ إلَّا أَنَّهُ قَالَ وَهَبَ ثَوْبًا فَقَصَرَهُ
إلَخْ ثُمَّ قَالَ .
وَفِي الْإِمْلَاءِ إذَا غَسَلَهُ أَوْ قَصَرَهُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ ( قَوْلُهُ وَجَارِيَةٌ عَلَّمَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ الْقُرْآنَ
إلَخْ ) مِثْلُهُ فِي الْخَانِيَّةِ مَعَ ذِكْرِ خِلَافٍ حَيْثُ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إذَا عَلَّمَ الْمَوْهُوبَ الْقُرْآنَ أَوْ الْكِتَابَةَ أَوْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً فَعَلَّمَهَا الْكَلَامَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحِرَفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يُمْنَعُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ لِحُدُوثِ الزِّيَادَةِ فِي الْعَيْنِ وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ تَعْلِيمُ الْحَرْفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ كَمَا هُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ .
ا هـ .

( وَكَذَا تَمْرٌ وُهِبَ بِبَغْدَادَ فَحَمَلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَى بَلْخِي ) حَيْثُ بَطَلَ حَقُّ الرُّجُوعِ لِزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ فِي قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ ( تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ ) أَيْ قَالَ لِغَنِيٍّ تَصَدَّقْتُ عَلَيْكَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ( أَوْ وَهَبَ لِفَقِيرٍ ) أَيْ قَالَ لَهُ وَهَبْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ( لَا يَرْجِعُ ) اعْتِبَارًا لِلَّفْظِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلِلْمَعْنَى فِي الثَّانِيَةِ كَذَا فِي الْكَافِي
( قَوْلُهُ : وَكَذَا تَمْرٌ وُهِبَ بِبَغْدَادَ
إلَخْ ) حَكَاهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْمُنْتَقَى عِنْدَهُمَا .
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَنْقَطِعُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي الْعَيْنِ فَصَارَ كَزِيَادَةِ السِّعْرِ وَلَهُمَا أَنَّ الرُّجُوعَ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي الْكِرَاءِ وَمُؤْنَةِ النَّقْلِ فَبَطَلَ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهَا بِبَدَلٍ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ وَالْمُؤْنَةُ بِلَا بَدَلٍ ا هـ .
وَفِي الْخَانِيَّةِ

( فَصْلٌ ) - ( وَهَبَ أَمَةً إلَّا حَمْلَهَا أَوْ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ أَوْ يَعْتِقَهَا أَوْ يَسْتَوْلِدَهَا أَوْ وَهَبَ دَارًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا أَوْ يُعَوِّضَهُ ) فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ ( شَيْئًا مِنْهَا صَحَّتْ ) أَيْ الْهِبَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَمَا مَرَّ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَجَازَ الْعُمْرَى وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ } كَمَا سَيَأْتِي ( وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ ) أَيْ اسْتِثْنَاءُ الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْمَلُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُعْمَلُ فِي الْعَقْدِ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ هِبَةَ الْحَمْلِ لَا تَجُوزُ فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ أَيْضًا .
( وَ ) بَطَلَ ( الشَّرْطُ ) لِمُخَالَفَتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ مُطْلَقًا ، فَإِذَا اعْتَبَرَ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ تَقَيَّدَتْ بِهَا وَهُوَ يُنَافِي الْإِطْلَاقَ وَاعْتَرَضَ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى قَوْلِهِمْ : أَوْ يُعَوِّضُهُ شَيْئًا مِنْهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إمَّا الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَهِيَ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ بَطَلَ الشَّرْطُ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهَا شَيْئًا مِنْ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ فَهُوَ تَكْرَارٌ مَحْضٌ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا أَقُولُ نَخْتَارُ الشِّقَّ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فَهِيَ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ مَمْنُوعٌ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا كَمَا عَرَفْت مِنْ الْمَبَاحِثِ السَّابِقَةِ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ وَكَذَا الْحَالُ فِي الصَّدَقَةِ ( أَعْتَقَ حَمْلَهَا وَوَهَبَهَا صَحَّتْ ) الْهِبَةُ فِي الْأُمِّ ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ لَمْ يَبْقَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْهُوبُ مَشْغُولًا بِمِلْكِ الْوَاهِبِ ( بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ ) يَعْنِي دَبَّرَ حَمْلَهَا وَوَهَبَهَا لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ -

فَصْلٌ فِي الرُّجُوعِ عَلَى صِيغَةِ التَّمْرِيضِ حَيْثُ قَالَ وَهَبَ شَيْئًا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ بِبَغْدَادَ فَحَمَلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى لَا يَكُونُ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ قِيلَ هَذَا إذَا كَانَ قِيمَةُ الْهِبَةِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ أَكْثَرَ ، وَإِنْ اسْتَوَتْ قِيمَتُهَا فِي الْمَكَانَيْنِ كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ا هـ .
( قَوْلُهُ : تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ لَا يَرْجِعُ ) أَقُولُ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ مَا قِيَاسُهُ الرُّجُوعُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْغَنِيِّ قَوْلُهُ : وَاعْتَرَضَ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى قَوْلِهِمْ ) أَقُولُ اعْتِرَاضُهُ عَلَى الْكَنْزِ وَأَجَابَ الْعَيْنِيُّ عَنْ التَّكْرَارِ بِقَوْلِهِ قُلْت لَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ عِوَضًا إنَّمَا هُوَ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَدًّا وَلَا يَكُونُ عِوَضًا لِعَدَمِ الِاسْتِلْزَامِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ بِعِوَضِهِ شَيْئًا مِنْهَا فَصَرِيحٌ بِالْعِوَضِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ ا هـ فَبِهَذَا وَبِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ اسْتَقَامَتْ عِبَارَةُ الْكَنْزِ

( لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ عَنْ الدَّيْنِ بِشَرْطٍ إلَّا بِكَائِنٍ ) أَيْ بِشَرْطٍ كَائِنٍ ( فَلَوْ قَالَ لِمَدْيُونِهِ إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ الدَّيْنِ ( بَطَلَ ) أَيْ الْإِبْرَاءُ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ مَحْضٍ ( وَلَوْ قَالَ ) لِمَدْيُونِهِ ( إنْ كَانَ لِي عَلَيْكَ دَيْنٌ أَبْرَأْتُكَ عَنْهُ وَلَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَحَّ ) الْإِبْرَاءُ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ كَائِنٍ فَيَكُونُ تَنْجِيزًا -
( قَوْلُهُ : لَا يَجُوزُ الْإِبْرَاءُ عَنْ الدَّيْنِ بِشَرْطٍ إلَّا بِكَائِنٍ إلَخْ ) .
أَقُولُ هَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَالْمُرَادُ بِالْكَائِنِ الْحَالُ وَالْمَاضِي لَا مَا سَيَكُونُ

( جَازَ الْعُمْرَى لَا الرُّقْبَى ) الْعُمْرَى أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ لِآخَرَ مُدَّةَ عُمُرِهِ ، وَإِذَا مَاتَ تُرَدُّ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ التَّمْلِيكُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَالرُّقْبَى أَنْ يَقُولَ : إنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهِيَ لَكَ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا مُضَافًا إلَى زَمَانٍ وَهُوَ مِنْ الِارْتِقَابِ وَهُوَ الِانْتِظَارُ كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ مَوْتَهُ فَلَا تَصِحُّ لِعَدَمِ التَّمْلِيكِ فِي الْحَالِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَصِحُّ الرُّقْبَى أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْحَالِ ، وَاشْتِرَاطِ الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِنْدَهُ فَيَكُونُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا -
( قَوْلُهُ الْعُمْرَى أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ لِآخَرَ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَإِذَا مَاتَ يَرُدُّ عَلَيْهِ
إلَخْ ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَهِيَ هِبَةُ شَيْءٍ مُدَّةَ عُمُرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْوَاهِبِ بِشَرْطِ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ا هـ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مُدَّةَ عُمُرِهِ يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُهُ إلَى الْوَاهِبِ أَيْضًا

( كِتَابُ الْإِجَارَةِ ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ مَبَاحِثِ تَمْلِيكِ الْعَيْنِ بِلَا عِوَضٍ شَرَعَ فِي مَبَاحِثِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ فَقَالَ ( هِيَ ) لُغَةً فِعَالَةٌ مِنْ أَجَرَ يَأْجُرُ مِنْ بَابِ طَلَبَ وَضَرَبَ اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ وَهِيَ مَا يُعْطَى مِنْ كِرَاءِ الْأَجِيرِ وَشَرْعًا ( تَمْلِيكُ نَفْعٍ بِعِوَضٍ ) ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِمْ تَمْلِيكُ نَفْعٍ مَعْلُومٍ بِعِوَضٍ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَعْرِيفًا لِلْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا لِتَنَاوُلِهِ الْفَاسِدَةَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَبِالشُّيُوعِ الْأَصْلِيِّ ، وَإِنْ كَانَ تَعْرِيفًا لِلْأَعَمِّ لَمْ يَكُنْ تَقْيِيدُ النَّفْعِ وَالْعِوَضِ بِالْمَعْلُومِيَّةِ صَحِيحًا وَمَا اُخْتِيرَ هَاهُنَا تَعْرِيفٌ لِلْأَعَمِّ كَمَا أَنَّ تَعْرِيفَ الْبَيْعِ كَانَ كَذَلِكَ ( عَيْنٌ أَوْ دَيْنٌ أَوْ نَفْعٌ ) الْأَوَّلَانِ ظَاهِرَانِ ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَسَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ -

( كِتَابُ الْإِجَارَةِ ) ( قَوْلُهُ : وَشَرْعًا تَمْلِيكُ نَفْعٍ بِعِوَضٍ ) فِيهِ تَأَمُّلٌ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ الصَّحِيحَةُ الَّتِي عَرَّفَهَا أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ وَالْفَاسِدَةُ ضِدُّ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يَشْمَلُهَا تَعْرِيفُ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ فَسَدَتْ بِشَرْطٍ مُقَارِنٍ أَوْ شُيُوعٍ أَصْلِيٍّ فَدَعْوَاهُ شُمُولَ تَعْرِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَاسِدَةِ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ وَيَرُدُّ مَا عَدَلَ إلَيْهِ مَبْدَأُ كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَمْلِيكُ نَفْعٍ إذْ لَا تَمْلِيكَ لِغَيْرِ مَعْلُومٍ وَلُزُومُ تَقْيِيدِ النَّفْعِ بِالْمَعْلُومِ فِي قَوْلِهِ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ إذْ لَا يَكُونُ لِغَيْرِ مَعْلُومٍ ذَاتًا وَوَصْفًا وَقَدْرًا وَقَدْ قَيَّدَ الْمَنْفَعَةَ وَبَطَلَ تَرْدِيدُهُ بِقَوْلِهِ : وَإِنْ كَانَ تَعْرِيفًا لِلْأَعَمِّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إلَّا الْحَقِيقَةَ الْخَاصَّةَ الشَّرْعِيَّةَ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ لَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى وَجْهٍ تَنْقَطِعُ بِهِ الْمُنَازَعَةُ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ وَالْمَسَافَةِ وَالْعَمَلِ وَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ الْبَدَلِ وَكَذَا فِي سَائِرِ الْمُعْتَبَرَاتِ حَتَّى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ مُفْضِيَةً إلَى الْمُنَازَعَةِ مَنَعَتْ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعَقْدِ وَكَانَ الْعَقْدُ عَبَثًا ا هـ فَبِهَذَا كَانَ قَوْلُهُ وَمَا اُخْتِيرَ هَاهُنَا تَعْرِيفًا لِلْأَعَمِّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ بِالصَّحِيحَةِ لِقَصْدِ تَسْلِيمِ الْمُشَاعِ الْأَصْلِيِّ وَعَدَمُ عِلْمِ الْبَدَلِ فَلَمْ يُوجَدْ الْعَقْدُ وَكَانَ عَبَثًا كَمَا قَالَهُ فِي الْبَدَائِعِ فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ

( وَتَنْعَقِدُ بِأَعَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا بِكَذَا أَوْ وَهَبْتُكَ مَنَافِعَهَا ) يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ : أَعَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا بِكَذَا وَقَبِلَ الْمُخَاطَبُ كَانَتْ إجَارَةً صَحِيحَةً أَمَّا الْعَارِيَّةُ فَلَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ آجَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِلَا عِوَضٍ كَانَتْ إجَارَةً فَاسِدَةً لَا إعَارَةً وَلَوْ قَالَ لَهُ : وَهَبْتُك مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا بِكَذَا يَجُوزُ وَيَكُونُ إجَارَةً كَذَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى ( وَاخْتُلِفَ فِي انْعِقَادِهَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ ) ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ ، وَقَالَ : إذَا قَالَ الْحُرُّ لِغَيْرِهِ : بِعْتُ نَفْسِي مِنْكَ شَهْرًا لِعَمَلِ كَذَا فَهُوَ إجَارَةٌ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ تَنْعَقِدُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ -

قَوْلُهُ : أَوْ وَهَبْتُكَ مَنَافِعَهَا ) أَقُولُ هَذَا وَلَا تَصِحُّ فِيمَا لَوْ أَرَادَ الْعَقْدَ عَلَى الْمَنَافِعِ لِمَا قَالَهُ فِي الْبُرْهَانِ وَكَذَا يَعْنِي لَا تَنْعَقِدُ بِأُجْرَةِ مَنْفَعَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ بِإِيرَادِ الْعَقْدِ عَلَى الْعَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ وَقِيلَ تَنْعَقِدُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَقْصُودِ مِنْ إضَافَةِ الْإِجَارَةِ إلَى الْعَيْنِ ا هـ .
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَالَ : أَجَّرْتُكَ مَنْفَعَةَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا بِكَذَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَيَاتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إذَا أُضِيفَتْ إلَى الدَّارِ لَا الْمَنْفَعَةِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بخواهر زاده إذَا أَضَافَ الْإِجَارَةَ إلَى الْمَنْفَعَةِ جَازَ أَيْضًا ا هـ .
( قَوْلُهُ وَاخْتُلِفَ فِي انْعِقَادِهَا بِلَفْظِ الْبَيْعِ ) أَقُولُ جَزَمَ فِي الْبُرْهَانِ شَرْحِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ فَقَالَ لَا بِبِعْتُ يَعْنِي لَا تَنْعَقِدُ بِبِعْتُ مَنْفَعَتَهَا ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمَعْدُومِ بَاطِلٌ فَلَا يَصِحُّ تَمْلِيكًا بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ا هـ .
وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْت مِنْكَ مَنْفَعَةَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا بِكَذَا لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ خِدْمَةِ الْعَبْدِ شَهْرًا بِكَذَا .
ا هـ .

( وَيُعْلَمُ النَّفْعُ بِبَيَانِ الْمُدَّةِ ) طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ ( كَالسُّكْنَى وَالزِّرَاعَةِ مُدَّةَ كَذَا ) أَيْ سُكْنَى الدَّارِ أَوْ الْأَرْضِ أَوْ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ مُدَّةَ كَذَا ( أَوْ ) بَيَانِ ( الْعَمَلِ كَالصِّيَاغَةِ وَالصَّبْغِ ) وَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا ( أَوْ الْإِشَارَةِ ) عَطْفٌ عَلَى بَيَانِ أَيْ يُعْلَمُ النَّفْعُ أَيْضًا بِالْإِشَارَةِ ( كَنَقْلِ هَذَا إلَى ثَمَّةَ ) ، فَإِنَّ النَّفْعَ لَيْسَ بِمُشَارٍ إلَيْهِ لَكِنْ يُعْلَمُ مِنْ الْإِشَارَةِ أَنَّهُ الْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ

( لَا يَلْزَمُ الْأَجْرُ بِالْعَقْدِ ) أَيْ لَا يُمْلَكُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ بِهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مُعَاوَضَةٌ وَأَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مَنْفَعَةٌ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، وَالْآخَرُ مَالٌ وَمُقْتَضَى الْمُعَاوَضَةِ الْمُسَاوَاةُ فَمِنْ ضَرُورَةِ التَّرَاخِي فِي جَانِبِ الْمَنْفَعَةِ التَّرَاخِي فِي الْبَدَلِ ( بَلْ بِتَعْجِيلِهِ ) بِأَنْ يُعْطِيَهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ هُوَ الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ

( أَوْ شَرْطِهِ ) أَيْ شَرْطِ تَعْجِيلِهِ حَالَ الْعَقْدِ ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ ( أَوْ الِاسْتِيفَاءِ ) أَيْ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ الْأَجْرَ حِينَئِذٍ يَجِبُ أَيْضًا ( أَوْ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ ) أَيْ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ ( فَيَجِبُ ) أَيْ الْأَجْرُ ( لِدَارٍ قُبِضَتْ وَلَمْ تُسْكَنْ ) لِوُجُودِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَبِقَوْلِهِ ( وَيَسْقُطُ ) أَيْ الْأَجْرُ ( بِالْغَصْبِ ) أَيْ إذَا غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ يَدِهِ يَسْقُطُ الْأَجْرُ -
( قَوْلُهُ : أَوْ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ ) أَقُولُ يَعْنِي فِي الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ لِمَا سَيَأْتِي ( قَوْلُهُ : وَيَسْقُطُ الْأَجْرُ بِالْغَصْبِ ) أَقُولُ يَعْنِي إذَا غُصِبَتْ كُلَّ الْمُدَّةِ ، وَإِنْ بَعْضَهَا فَبِقَدْرِهِ يَسْقُطُ .
انْتَهَى .
وَفِي انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ بِالْغَصْبِ اخْتِلَافٌ .
ا هـ .
وَيَسْقُطُ الْأَجْرُ بِغَرَقِ الْأَرْضِ قَبْلَ زَرْعِهَا ، وَإِنْ اصْطَلَمَهُ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ لَزِمَهُ الْأَجْرُ تَامًّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَرَعَهَا أَوْ يَلْزَمُهُ أَجْرُ مَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ فَقَطْ وَبِهِ يُفْتَى إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ زَرْعِ مِثْلِهِ فِي الضَّرَرِ ثَانِيًا ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ

( لِلْمُؤَجِّرِ طَلَبُ الْأَجْرِ لِلدَّارِ وَالْأَرْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ وَلِلدَّابَّةِ لِكُلِّ مَرْحَلَةٍ ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَطْلُبَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ بِحِسَابِهِ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ كَمَا عَرَفْت لَكِنَّهُ يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ إذْ لَا يَعْلَمُ حِصَّتَهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ فَرَجَعَ إلَى مَا ذَكَرَ ( وَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا ) يَعْنِي لِلْمُؤَجِّرِ طَلَبُ الْأَجْرِ فِي هَذِهِ الصَّنَائِعِ ( إذَا فَرَغَ ) أَيْ مِنْ الْعَمَلِ لَا لِكُلِّ يَوْمٍ ( وَإِنْ عَمِلَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ ) حَتَّى إذَا عَمِلَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْعَمَلِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأَجْرِ عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّجْرِيدِ وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطَيْنِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ وَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إذَا خَاطَ الْبَعْضَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ يَجِبُ الْأَجْرُ لَهُ بِحِسَابِهِ حَتَّى إذَا سَرَقَ الثَّوْبَ بَعْدَ مَا خَاطَ بَعْضَهُ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِحِسَابِهِ -
( قَوْلُهُ : لِلْمُؤَجِّرِ طَلَبُ الْأَجْرِ لِلدَّارِ
إلَخْ ) أَقُولُ هَذَا إذَا لَمْ يُؤَقِّتْ فِي الْعَقْدِ وَقْتًا لِطَلَبِهِ ، وَإِنْ وَقَّتَ فَلَيْسَ لَهُ الطَّلَبُ قَبْلَهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ ( قَوْلُهُ : وَالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا إذَا فَرَغَ ) أَقُولُ هَذَا لَوْ عَمِلَ فِي بَيْتِهِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ ( قَوْلُهُ : وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطَيْنِ إلَخْ ) .
أَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي الْبُرْهَانِ وَيَسْتَحِقُّ حِصَّةَ مَا خَاطَ لَوْ عَمِلَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ

( وَالْخَبْزِ فِيهِ ) أَيْ لِلْخَبَّازِ طَلَبُ الْأَجْرِ لِلْخَبْزِ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ ( بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ التَّنُّورِ ، فَإِنْ احْتَرَقَ بَعْدَهُ فَلَهُ الْأَجْرُ وَلَا غُرْمَ ) لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْأَجْرَ وَالضَّمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ ( وَقَبْلَهُ لَا أَجْرَ وَيَغْرَمُ ) قَالَ فِي الْوِقَايَةِ : فَإِنْ احْتَرَقَ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُ فَلَهُ الْأَجْرُ وَقَبْلَهُ لَا وَلَا غُرْمَ فِيهِمَا وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ أَيْ فِي الِاحْتِرَاقِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ وَبَعْدَ الْإِخْرَاجِ أَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ أَنَّ فِيمَا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ غُرْمًا حَتَّى قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّمَا قَيَّدَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي صُورَةِ الِاحْتِرَاقِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ التَّنُّورِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا احْتَرَقَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ الْآتِي ذِكْرُهَا مِنْ أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ ، فَإِنْ قِيلَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا خَبَزَهُ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يَخْبِزَهُ لِغَيْرِهِ فَيَكُونُ أَجِيرًا خَاصًّا وَسَيَجِيءُ أَنَّ مَا تَلِفَ بِعَمَلِهِ لَا يُضْمَنُ قُلْنَا قَدْ صَرَّحَ الشُّرَّاحُ بِأَنَّهُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ حَيْثُ قَالُوا أَجِيرُ الْوَاحِدِ مَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي حَقِّهِ عَلَى الْمُدَّةِ بِالتَّخْصِيصِ كَمَا سَيَأْتِي كَمَنْ اسْتَأْجَرَ شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ عَلَى أَنْ لَا يَخْدُمَ غَيْرَهُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مُسْتَأْجَرٌ عَلَى الْعَمَلِ بِلَا بَيَانِ الْمُدَّةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْفِعْلِ فِي بَيْتِهِ فَكَانَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا وَلِهَذَا غَيَّرْت الْعِبَارَةَ إلَى مَا تَرَى وَمَنْشَأُ هَذِهِ الْهَفْوَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ قَالَ فَلَوْ احْتَرَقَ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِلْهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ احْتَرَقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَهُ الْأَجْرُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا بِالْوَضْعِ فِي بَيْتِهِ وَلَا ضَمَانَ

عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ الْجِنَايَةُ فَجَعَلَ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ قَوْلَهُ : وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَ الْإِخْرَاجِ أَيْضًا فَلَزِمَ الْحَمْدُ لِلَّهِ مُلْهِمِ الصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ -
( قَوْلُهُ لِلْخَبَّازِ طَلَبُ الْأَجْرِ لِلْخَبْزِ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ التَّنُّورِ ) أَقُولُ وَلَوْ خَبَزَ فِي بَيْتِ نَفْسِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ ( قَوْلُهُ : لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْأَجْرَ إلَخْ ) لَيْسَ مُنَاسِبًا لِهَذَا الْمَقَامِ بَلْ لِمَا إذَا تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ بِالْإِخْرَاجِ تَمَّ عَمَلُهُ وَبِالِاحْتِرَاقِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ حُكْمًا لَا ضَمَانًا ( قَوْلُهُ وَقَبْلَهُ لَا أَجْرَ وَيَغْرَمُ ) أَقُولُ وَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ دَقِيقًا مِثْلَ دَقِيقِهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَةَ الْخُبْزِ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْحَطَبِ وَالْمِلْحِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ

( مَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ ) فِي الْعَيْنِ ( كَصَبَّاغِ وَقَصَّارٍ يُقَصِّرُ بِالنَّشَا وَنَحْوِهِ ) قَيَّدَ بِهِ لِيَكُونَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ غَاسِلِ الثَّوْبِ كَمَا سَيَأْتِي ( بِحَبْسِ الْعَيْنِ لِلْأَجْرِ ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَصْفٌ فِي الْحَمْلِ فَكَانَ حَقُّ الْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ ( فَلَا غُرْمَ إنْ ضَاعَ ) الْعَيْنُ ( بَعْدَهُ ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ( وَلَا أَجْرَ ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ ( وَمَنْ لَا أَثَرَ لِعَمَلِهِ كَالْحَمَّالِ وَالْمَلَّاحِ وَغَاسِلِ الثَّوْبِ ) بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ ( لَا يُحْبَسُ لَهُ ) أَيْ لِلْأَجْرِ ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْقَصَّارَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِعَمَلِهِ إلَّا إزَالَةُ الدَّرَنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ حَقَّ الْحَبْسِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيَاضَ كَانَ مُسْتَتِرًا وَقَدْ ظَهَرَ بِفِعْلِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ هَالِكًا بِالِاسْتِتَارِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَحْدَثَهُ بِالْإِظْهَارِ وَعَزَاهُ إلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ -

( قَوْلُهُ : مَنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ
إلَخْ ) أَقُولُ وَمَحَلُّهُ حَبْسُهُ لِلْأَجْرِ إذَا عَمِلَ فِي دُكَّانِهِ أَمَّا إذَا عَمِلَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْخُلَاصَةِ ( قَوْلُهُ : وَغَاسِلُ الثَّوْبِ بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ اخْتَلَفُوا فِي غَسْلِ الثَّوْبِ حَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْقَصَّارَةِ بِلَا نَشَا وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ .
ا هـ .
قُلْت وَاَلَّذِي بَيَّنَهُ هُوَ مَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ النِّهَايَةِ وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ يُفِيدُ أَنَّ لَهُ حَبْسَ الْمَغْسُولَةِ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ ا هـ .
وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ أُسْتَاذُنَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا كُلُّ صَانِعٍ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ لَهُ حَبْسُهَا الْمُرَادُ بِهِ الْعَيْنُ وَالْأَجْزَاءُ الْمَمْلُوكَةُ لِلصَّانِعِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ كَالنَّشَّانَجِ وَالْغِرَاءِ وَالْخُيُوطِ وَنَحْوِهَا أَمْ مُجَرَّدُ مَا يُرَى وَيُعَايَنُ فِي مَحَلِّ الْعَمَلِ كَكَسْرِ الْفُسْتُقِ وَالْحَطَبِ وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ وَحَلْقِ رَأْسِ الْعَبْدِ فَاخْتَارَ قح قب ظت الثَّانِي وَاخْتَارَ بِمَ الْأَوَّلَ اَ هـ

( بِخِلَافِ رَادِّ الْآبِقِ ) حَيْثُ يَكُونُ لَهُ حَقُّ حَبْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ ، فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى شَرَفِ الْهَلَاكِ فَكَأَنَّهُ أَحْيَاهُ وَبَاعَ مِنْهُ بِالْجَعْلِ ( إنْ شَرَطَ عَمَلَهُ لَا يَسْتَعْمِلُ غَيْرَهُ ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ بِخِلَافِ السَّلَمِ ، فَإِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَاكَ الْعَيْنُ لَا الْعَمَلُ فَجَازَ أَنْ يَعْمَلَ غَيْرَهُ ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَمَلَهُ ( جَازَ اسْتِعْمَالُ غَيْرِهِ ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إحْدَاثُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُهُ الْإِيفَاءُ بِنَفْسِهِ وَبِالِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ -
( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ السَّلَمِ ) يَعْنِي السَّلَمَ فِيهَا لَوْ اسْتَصْنَعَ نَحْوَ خُفٍّ مُؤَجَّلًا

( اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَجِيءَ بِعِيَالِهِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَجَاءَ بِمَنْ بَقِيَ فَلَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِهِ لَوْ ) كَانَ عِيَالُهُ ( مَعْلُومِينَ ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَى بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِقَدْرِهِ ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِيَالُهُ مَعْلُومِينَ ( فَكُلُّهُ ) أَيْ فَلَهُ كُلُّ الْأَجْرِ .
( وَ ) إنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا ( لِإِيصَالِ قِطٍّ أَوْ زَادٍ إلَى زَيْدٍ إنْ رَدَّهُ ) أَيْ الْقِطَّ أَوْ الزَّادَ ( لِمَوْتِهِ ) أَيْ زَيْدٍ ( أَوْ غَيْبَتِهِ ) ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ ( لَا شَيْءَ لَهُ ) أَيْ لِلْأَجِيرِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ نَقْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ أَوْ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِمَا فِي الْكِتَابِ لَكِنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَقَدْ نَقَضَهُ بِالْعَوْدِ فَيَسْقُطُ الْأَجْرُ وَيَصِيرُ كَالْخَيَّاطِ إذَا خَاطَ الثَّوْبَ ثُمَّ نَقَضَهُ ، فَإِنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ وَكَذَا الزَّادُ ، فَإِنَّهُ بِالْعَوْدِ نَقَضَ تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ( فَإِنَّهُ دَفَعَ الْقِطَّ إلَى وَرَثَتِهِ ) فِي صُورَةِ الْمَوْتِ ( أَوْ مَنْ يُسَلَّمُ إلَيْهِ إذَا حَضَرَ ) فِي صُورَةِ الْغَيْبَةِ ( وَجَبَ الْأَجْرُ بِالذَّهَابِ ) بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ نِصْفُ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَقْصَى مَا فِي وُسْعِهِ ( وَإِنْ وَجَدَهُ وَلَمْ يُوصِلْهُ إلَيْهِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ) لِانْتِفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِيصَالُ -

( قَوْلُهُ : لَوْ كَانَ عِيَالُهُ مَعْلُومِينَ ) أَقُولُ يَعْنِي لِلْعَاقِدَيْنِ أَوْ ذِكْرُ عَدَدِهِمْ لِلْأَجِيرِ ( قَوْلُهُ : قِطٍّ ) قَالَ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ وَالْقَطُّ الْكِتَابُ وَالصَّكُّ بِالْجَائِزَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا } ا هـ قَوْلُهُ : وَهُوَ نِصْفُ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى ) أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِإِيصَالِ قِطٍّ أَوْ زَادٍ إلَى زَيْدٍ إذْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْإِيصَالُ لَا غَيْرُ وَقَدْ وُجِدَ فَمَا وَجْهُ تَنْصِيفِ الْأَجْرِ عَلَى أَنَّ الْمَتْنَ صَادِقٌ بِوُجُوبِ تَمَامِ الْأَجْرِ ا هـ .
وَالْمَسْأَلَةُ فَرَضَهَا صَاحِبُ الْمَوَاهِبِ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْإِيصَالِ وَرَدِّ الْجَوَابِ مَعًا وَرَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِ شَيْخِنَا الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيِّ مَا صُورَتُهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قُيُودٌ سِتَّةٌ اُسْتُفِيدَتْ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَقَاضِي خَانْ وَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ الْأَوَّلُ قَيَّدَ بِالْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مُؤْنَةٌ كَطَعَامٍ فَلَا أَجْرَ اتِّفَاقًا الثَّانِي قَيَّدَ بِرَدِّ الْجَوَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ رَدَّ الْمَجِيءَ بِالْجَوَابِ وَتَرَكَ الْكِتَابَ ثَمَّةَ فِيمَا لَوْ كَانَ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا فَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا .
الثَّالِثُ قَيَّدَ بِالذَّهَابِ إذْ لَوْ ذَهَبَ بِلَا كِتَابٍ فَلَا أَجْرَ لَهُ .
الرَّابِعُ قَيَّدَهُ بِأَنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا إذْ لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا وَدَفَعَ إلَيْهِ وَأَتَى بِالْجَوَابِ فَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا أَوْ كَانَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ غَائِبًا فَدَفَعَهُ إلَى آخَرَ لِيَدْفَعَهُ إلَيْهِ أَوْ دَفَعَ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَلَمْ يَقْرَأْ وَرَجَعَ بِغَيْرِ الْجَوَابِ فَلَهُ أَجْرُ الذَّهَابِ .
الْخَامِسُ قَيَّدَهُ بِتَبْلِيغِ الْكِتَابِ إذْ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيُبَلِّغَ رِسَالَةً إلَى فُلَانٍ فَذَهَبَ وَلَمْ يَجِدْهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يُبَلِّغْهُ الرِّسَالَةَ وَرَجَعَ فَلَهُ الْأَجْرُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الرِّسَالَةَ قَدْ تَكُونُ سِرًّا لَا يَرْضَى الْمُرْسَلُ بِأَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَفِي غَيْرِ الْمَخْتُومِ لَا تَكُونُ

سِرًّا بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ ، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ الْأَسْرَارِ وَمَا اخْتَارَ الرِّسَالَةَ عَلَى الْكِتَابِ إلَّا لِيُسِرَّهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ الرِّسَالَةُ وَالْكِتَابُ سَوَاءٌ السَّادِسُ قَيَّدَ بِرَدِّ الْكِتَابِ إذْ لَوْ تَرَكَهُ هُنَاكَ وَلَمْ يَرُدَّهُ إلَى الْمُرْسِلِ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الذَّهَابِ اتِّفَاقًا ا هـ

( صَحَّ اسْتِئْجَارُ دَارٍ وَدُكَّانٍ بِلَا ذِكْرِ مَا يُعْمَلُ فِيهِمَا ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَارَفَ فِيهِمَا السُّكْنَى فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ ( وَلَهُ كُلُّ عَمَلٍ ) لِلْإِطْلَاقِ ( سِوَى مُوهِنِ الْبِنَاءِ كَالْقِصَارَةِ ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا فَيَتَقَيَّدُ الْعَقْدُ بِمَا وَرَاءَهَا دَلَالَةً ( أَوْ أَرْضٍ ) عَطْفٌ عَلَى دَارٍ أَيْ صَحَّ اسْتِئْجَارُ أَرْضٍ ( لِبِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ تُقْصَدُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ عَادَةً ( فَإِذَا مَضَى الْمُدَّةُ قَلَعَهُ ) أَيْ الْبِنَاءَ أَوْ نَحْوَهُ وَسَلَّمَ الْأَرْضَ فَارِغَةً ( إلَّا أَنْ يَضْمَنَ الْمُؤَجِّرُ قِيمَتَهُ ) أَيْ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ ( مُسْتَحَقِّ الْقَلْعِ ) ، فَإِذَا ضَمِنَ يَتَمَلَّكُهُ بِلَا رِضَى الْمُسْتَأْجِرِ إنْ نَقَصَ الْقَلْعُ الْأَرْضَ وَإِلَّا فَبِرِضَاهُ ( أَوْ يَرْضَى ) أَيْ الْمُؤَجِّرِ ( بِتَرْكِهِ ) فَيَكُونُ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ لِصَاحِبِهِمَا وَالْأَرْضُ لِصَاحِبِهَا ( وَالزَّرْعُ ) إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ ( بَلْ يَتْرُكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ ) ؛ لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَأَمْكَنَ رِعَايَةُ الْجَانِبَيْنِ فِيهِ ( وَالرَّطْبَةُ كَالشَّجَرِ ) ؛ لِأَنَّ لَهَا بَقَاءً فِي الْأَرْضِ لَيْسَتْ كَالزَّرْعِ وَقَدْ عُلِمَ حُكْمُ الشَّجَرِ -

( قَوْلُهُ : سِوَى مُوهِنِ الْبِنَاءِ كَالْقِصَارَةِ ) أَقُولُ وَرَحَى الْيَدِ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِالْبِنَاءِ يُمْنَعُ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ لَا تَضُرُّ لَا يُمْنَعُ هَكَذَا اخْتَارَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ ( قَوْلُهُ : أَيْ الْبِنَاءَ أَوْ نَحْوَهُ ) يَعْنِي بِهِ الشَّجَرَ وَالرِّطَابَ ( قَوْلُهُ : قِيمَةَ مُسْتَحِقِّ الْقَلْعِ ) قَالَ شَارِحُ الْمَجْمَعِ وَمَعْرِفَةُ قِيمَتِهِ كَذَلِكَ أَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ مَعَ الشَّجَرِ الْمَأْمُورِ مَالِكُهُ بِقَلْعِهِ وَتُقَوَّمُ وَلَيْسَ فِيهَا هَذَا الشَّجَرُ فَفَضَلَ مَا بَيْنَهُمَا هُوَ قِيمَةُ الشَّجَرِ ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بِكَذَا ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْمَقْلُوعِ أَزْيَدُ مِنْ قِيمَةِ الْمَأْمُورِ بِقَلْعِهِ لِكَوْنِ الْمُؤْنَةِ مَصْرُوفَةً لِلْقَلْعِ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَالزَّرْعُ يُتْرَكُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ) أَقُولُ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا وَإِلَّا فَلَا أَجْرَ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ عَنْ الْقُنْيَةِ وَنَصُّهَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ إذَا انْتَهَتْ الْإِجَارَةُ أَوْ الزَّرْعُ لَمْ يُسْتَحْصَدْ يُتْرَكُ بِأَجْرٍ أَيْ بِقَضَاءٍ أَوْ بِعَقْدِهِمَا حَتَّى لَا يَجِبَ الْأَجْرُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا ا هـ .
وَأَقُولُ هَذَا فِي غَيْرِ مَا اسْتَثْنَاهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْوَقْفِ وَالْمُعَدِّ لِلِاسْتِغْلَالِ وَمَالِ الْيَتِيمِ ، فَإِنَّهَا إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَبَقِيَ الزَّرْعُ بَعْدَهَا حَتَّى أُدْرِكَ يُقْضَى بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِمَا زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ مُطْلَقًا

( أَوْ دَابَّةٍ ) عَطْفٌ عَلَى أَرْضٍ أَيْ صَحَّ اسْتِئْجَارُ دَابَّةٍ ( لِلرُّكُوبِ أَوْ الْحَمْلِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ ( أَوْ ) اسْتِئْجَارُ ( ثَوْبٍ لِلُّبْسِ إنْ بَيَّنَ الرَّاكِبَ أَوْ الْحِمْلَ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ ( وَاللَّابِسَ ) قَالَ فِي الْكَنْزِ وَالدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ وَالْحِمْلِ وَالثَّوْبِ لِلُّبْسِ عَطْفٌ عَلَى الدُّورِ فِي قَوْلِهِ صَحَّ إجَارَةُ الدُّورِ فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ إجَارَةَ الدَّابَّةِ وَمَا عَطَفَ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ مُطْلَقًا وَقَدْ قَالَ فِي الْكَافِي : فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يَرْكَبُهَا أَوْ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا أَوْ مَنْ يَلْبَسُهُ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَلِهَذَا قُلْت : إنْ بَيَّنَ الرَّاكِبَ
إلَخْ ( فَإِنْ عَمَّمَ ) بِأَنْ قَالَ عَلَى أَنْ يُرْكِبَ أَوْ يُلْبِسَ مَنْ شَاءَ أَوْ يَحْمِلَ مَا شَاءَ ( أَرْكَبَ وَأَلْبَسَ مَنْ شَاءَ وَحَمَلَ مَا شَاءَ ) لِوُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الْمُؤَجِّرِ وَلَكِنْ إذَا رَكِبَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْكَبَ وَاحِدًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ مُرَادًا مِنْ الْأَصْلِ فَصَارَ كَأَنَّهُ نَصَّ عَلَى رُكُوبِهِ ابْتِدَاءُ كَذَا فِي الْكَافِي ( وَإِنْ خُصِّصَ ) بِرَاكِبٍ وَلَابِسٍ ( فَخَالَفَ ضَمِنَ ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى ( كَذَا كُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِالْمُسْتَعْمَلِ كَالْفُسْطَاطِ ) حَتَّى لَوْ اسْتَأْجَرَهُ فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ إجَارَةً أَوْ إعَارَةً فَقَبَضَهُ وَسَكَنَ فِيهِ ضَمِنَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي نَصْبِهِ وَاخْتِيَارِ مَكَانِهِ وَضَرْبِ أَوْتَادِهِ .
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ لِلسُّكْنَى فَصَارَ كَالدَّارِ ( وَفِيمَا لَا يُخْتَلَفُ بِهِ ) أَيْ بِالْمُسْتَعْمَلِ ( بَطَلَ التَّقْيِيدُ ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ -
( قَوْلُهُ : قَالَ فِي الْكَنْزِ
إلَخْ ) أَقُولُ مُؤَاخَذَتُهُ هَذِهِ وَارِدَةٌ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَالزِّرَاعَةُ مُدَّةَ كَذَا ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَصِحُّ ، وَإِنْ ذَكَرَ مُدَّةَ الِاسْتِئْجَارِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ مَا يُزْرَعُ فِيهَا وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ

( فَإِنْ سَمَّى ) فِي الْحَمْلِ ( نَوْعًا وَقَدْرًا كَكُرِّ بُرٍّ لَهُ ) أَيْ لِلْمُسْتَأْجِرِ ( حَمْلُ مِثْلِهِ ) فِي الضَّرَرِ ، وَإِنْ تَسَاوَيَا ( وَزْنًا وَالْأَخَفُّ كَالسِّمْسِمِ وَالشَّعِيرِ لَا الْأَضَرَّ كَالْمِلْحِ وَالْحَدِيدِ ) حَتَّى إذَا اسْتَأْجَرَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا قُطْنًا سَمَّاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مِثْلَ وَزْنِهِ حَدِيدًا ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَضَرَّ بِالدَّابَّةِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيدَ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ظَهْرِهَا وَالْقُطْنُ يَنْبَسِطُ عَلَى ظَهْرِهَا ( وَضَمِنَ بِإِرْدَافِ رَجُلٍ إنْ ذَكَرَ رُكُوبَهُ ) أَيْ رُكُوبَ نَفْسِهِ ( نِصْفَ قِيمَتِهَا ) بِلَا اعْتِبَارِ الثِّقَلِ بَيْنَ الْمُرْدِفِ وَالرَّدِيفِ ، فَإِنَّ الْخَفِيفَ الْجَاهِلَ بِالْفُرُوسِيَّةِ قَدْ يَكُونُ أَضَرَّ مِنْ الثَّقِيلِ الْعَالِمِ بِهَا ذَكَرَ الْإِرْدَافَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَكِبَهَا وَحَمَلَ عَلَى عَاتِقِهِ غَيْرَهُ ضَمِنَ جَمِيعَ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تُطِيقُ حَمْلَهُمَا ؛ لِأَنَّ ثِقَلَ الرَّاكِبِ مَعَ الَّذِي حَمَلَهُ يَجْتَمِعَانِ فِي مَكَان فَيَكُونُ أَشَقَّ عَلَى الدَّابَّةِ أَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تَضِيقُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الضَّمَانِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ رَجُلًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرْدَفَ صَبِيًّا لَا يَسْتَمْسِكُ ضَمِنَ مَا زَادَ الثِّقَلُ ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا يَسْتَمْسِكُ فَهُوَ كَالرَّجُلِ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ ( وَ ) ضَمِنَ ( بِالزِّيَادَةِ عَلَى حَمْلٍ مَعْلُومٍ مَا زَادَ إنْ أَطَاقَتْ الْحَمْلَ ) أَيْ ضَمِنَ قَدْرَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَمْلِ الْمَعْلُومِ فِي الثِّقَلِ ؛ لِأَنَّهَا هَلَكَتْ بِمَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ وَالسَّبَبُ الثِّقَلُ فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُطِقْ حَمْلَ مِثْلِهِ ( فَيَضْمَنُ كُلَّ قِيمَتِهَا ) لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ فَيَكُونُ إهْلَاكًا ( كَهَلَاكِهَا بِضَرْبِهِ ) أَيْ الرَّاكِبِ ( وَكَبْحِهِ ) وَهُوَ أَنْ يَجْذِبَهَا إلَى نَفْسِهِ لِتَقِفَ وَلَا تَجْرِيَ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ لِتَحَقُّقِ السَّوْقِ بِدُونِهِ ( وَجَوَازِهِ بِهَا )

أَيْ الدَّابَّةِ ( عَمَّا ) أَيْ عَنْ مَكَان ( اُسْتُؤْجِرَتْ إلَيْهِ وَلَوْ ) وَصْلِيَّةً ( ذَاهِبًا وَجَائِيًا ) أَيْ لِلذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ ( وَرَدِّهَا إلَيْهِ ) عَطْفٌ عَلَى جَوَازِهِ بِهَا يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَهَا إلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَ بِهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ ثُمَّ رَدَّهَا إلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ نَفَقَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ قِيلَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا لَا جَائِيًا لِيَنْتَهِيَ الْعَقْدُ بِالْوُصُولِ إلَى الْأَوَّلِ فَلَا تَصِيرُ بِالْعَوْدِ مَرْدُودَةً إلَى يَدِ الْمَالِكِ مَعْنًى أَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا وَجَائِيًا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ إذَا خَالَفَ فِي الْوَدِيعَةِ ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ وَقِيلَ الْجَوَابُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُودَعَ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ مَقْصُودًا فَبَقِيَ الْأَمْرُ بِالْحِفْظِ بَعْدَ الْعَوْدِ إلَى الْوِفَاقِ فَيَحْصُلُ الرَّدُّ إلَى نَائِبِ الْمَالِكِ وَفِي الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ يَصِيرُ الْحِفْظُ مَأْمُورًا بِهِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمَالِ لَا مَقْصُودًا ، فَإِذَا انْقَطَعَ الِاسْتِعْمَالُ لَمْ يَبْقَ هُوَ نَائِبًا فَلَا يَبْرَأُ بِالْعَوْدِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ هَذَا أَصَحُّ وَقَالَ فِي الْكَافِي الْأَوَّلُ أَصَحُّ -

قَوْلُهُ : وَإِنْ تَسَاوَيَا وَزْنًا ) أَقُولُ الْوَاوُ زَائِدَةٌ ( قَوْلُهُ : وَالْأَخَفُّ كَالسِّمْسِمِ وَالشَّعِيرِ ) أَقُولُ يَعْنِي لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِحَمْلِ مِقْدَارٍ مِنْ الْبُرِّ لَهُ عَمَلٌ مِثْلُ كَيْلِهِ سِمْسِمًا أَوْ شَعِيرًا وَكَذَا مِثْلُ وَزْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ أَضَرَّ ) أَقُولُ بَلْ مَجْزُومٌ بِضُرِّهِ عَلَى أَنَّهُ جَزَمَ بِهِ مِنْ قَبْلُ ( قَوْلُهُ : وَضَمِنَ بِإِرْدَافِ رَجُلٍ
إلَخْ ) .
أَقُولُ ذَكَرَ أَنَّهُ يَضْمَنُ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ .
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ إذَا هَلَكَتْ بَعْدَمَا بَلَغَتْ مَقْصِدَهُ وَنِصْفَ الْقِيمَةِ ثُمَّ الْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّدِيفَ ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الرَّاكِبَ فَالرَّاكِبُ لَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ وَالرَّدِيفُ يَرْجِعُ إنْ كَانَ مُسْتَأْجِرًا وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : وَضَمِنَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى حَمْلٍ مَعْلُومٍ مَا زَادَ إنْ أَطَاقَتْ الْحَمْلَ ) أَقُولُ وَهَذَا إذَا حَمَّلَهَا الزِّيَادَةَ مَعَ الْمُسَمَّى وَكَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ حَتَّى لَوْ حَمَّلَهَا الْمُسَمَّى وَحْدَهُ ثُمَّ حَمَّلَهَا الزِّيَادَةَ وَحْدَهَا أَوْ حَمَّلَهَا وَكَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَعَطِبَتْ يَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ ثَوْرًا لِحِنْطَةٍ مَعْلُومَةٍ فَزَادَ يَجِبُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ .
وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى اسْتَكْرَى دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا عَشْرَ مَخَاتِيمَ بُرٍّ فَجَعَلَ فِي الْجُوَالِقِ عِشْرِينَ وَأَمَرَ الْمُكَارِيَ أَنْ يَحْمِلَ هُوَ عَلَيْهَا فَحَمَلَ هُوَ وَلَمْ يُشَارِكْهُ الْمُسْتَكْرِي فِي الْحَمْلِ لَا ضَمَانَ إنْ هَلَكَتْ وَلَوْ حَمَلَاهُ مَعًا وَوَضَعَاهُ عَلَيْهَا يَضْمَنُ الْمُسْتَكْرِي رُبُعَ الْقِيمَةِ وَلَوْ كَانَ الْبُرُّ فِي جُوَالِقَيْنِ فَحَمَلَ كُلٌّ جُوَالِقًا وَوَضَعَاهُمَا عَلَى الدَّابَّةِ مَعًا لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ شَيْئًا وَيُجْعَلُ حَمْلُهُ مِمَّا اُسْتُحِقَّ بِالْعَقْدِ ا هـ ( قَوْلُهُ وَجَوَازُهُ

بِهَا عَمَّا اُسْتُؤْجِرَتْ إلَيْهِ وَلَوْ ذَاهِبًا وَجَائِيًا وَرَدَّهَا إلَيْهِ ) قَالَ فِي الْكَافِي هَذَا أَصَحُّ .
ا هـ .
كَمَا سَنَذْكُرُهُ ( قَوْلُهُ : بِمَنْزِلَةِ الْمُودَعِ إذَا خَالَفَ
إلَخْ ) سَنَذْكُرُ فِي بَابِ التَّصَرُّفِ وَالْجِنَايَةِ فِي الرَّهْنِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ وَالْمُسْتَعِيرَ إذَا خَالَفَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى ( قَوْلُهُ وَقِيلَ الْجَوَابُ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ ) تَفْسِيرُ الْإِطْلَاقِ بِأَنْ اسْتَأْجَرَهَا ذَهَابًا وَإِيَابًا ( قَوْلُهُ : قَالَ فِي الْهِدَايَةِ هَذَا أَصَحُّ ) وَقَالَ فِي الْكَافِي الْأَوَّلُ أَصَحُّ أَقُولُ هَذَا وَهْمٌ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ فِي الْكَافِي عَلَى التَّصْحِيحِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا اعْتَمَدَاهُ مِنْ التَّصْحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْكَافِي قِيلَ هَذَا أَيْ الضَّمَانُ بِالْمُجَاوَزَةِ إذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَهَابًا لَا جَائِيًا لِانْقِضَاءِ الْعَقْدِ دُونَ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا ذَاهِبًا وَجَائِيًا لِبَقَاءِ الْعَقْدِ وَقِيلَ بَلْ هُوَ ضَامِنٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا وَقِيلَ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ا هـ مُلَخَّصًا

( وَنَزَعَ ) أَيْ ضَمِنَ بِنَزْعِ ( سَرْجِ حِمَارٍ مُكْتَرٍ وَإِيكَافِهِ ) يَعْنِي إذَا اكْتَرَى حِمَارًا مُسْرَجًا وَنَزَعَ سَرْجَهُ أَوْ إكَافَهُ يَضْمَنُ ( مُطْلَقًا ) سَوَاءٌ كَانَ الْإِكَافُ مِمَّا يُوكَفُ هَذَا الْحِمَارُ بِمِثْلِهِ أَوْ لَا أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْإِكَافَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ السَّرْجِ لِاخْتِلَافِهِمَا صُورَةً وَمَعْنًى فَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ إذَا عَطِبَتْ كَمَا إذَا حَمَلَ الْحَدِيدَ مَكَانَ الْحِنْطَةِ ( وَأَسْرَجَهُ بِمَا لَا يُسْرَجُ ) أَيْ الْحِمَارُ ( بِمِثْلِهِ ) حَيْثُ يَضْمَنُ كُلَّ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ إتْلَافًا لِلدَّابَّةِ كَمَنْ أَبْدَلَ الْحِنْطَةَ بِالْحَدِيدِ -

( قَوْلُهُ : وَنَزَعَ سَرْجَ حِمَارٍ مُكْتَرًى وَإِيكَافَهُ ) أَقُولُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا يَضْمَنُ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ .
وَفِي الْحَقَائِقِ نَقْلًا عَنْ الْعُيُونِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا ا هـ .
وَمَا قَالَا رِوَايَةُ الْإِجَارَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الزِّيَادَةِ قِيلَ مِسَاحَةً حَتَّى إذَا كَانَ السَّرْجُ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الْحِمَارِ شِبْرَيْنِ وَالْإِكَافُ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ يَضْمَنُ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَقِيلَ ثِقْلًا حَتَّى إذَا كَانَ السَّرْجُ مَنَوَيْنِ وَالْإِكَافُ سِتَّةَ أَمْنَاءَ يَضْمَنُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ ا هـ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ إنْ كَانَتْ تِلْكَ الدَّابَّةُ تُوكَفُ بِمِثْلِهِ وَتُسْرَجُ يَجِبُ الضَّمَانُ بِحَسَبِ الزِّيَادَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الدَّابَّةُ لَا تُوكَفُ بِمِثْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إتْلَافَهُ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ خِلَافِ الْجِنْسِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ وَبِهِ نَأْخُذُ إلَى هُنَا لَفْظُ أَبِي اللَّيْثِ ا هـ .
وَقَيَّدَ بِنَزْعِ السَّرْجِ وَالْإِكَافِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عُرْيَانًا لِيَرْكَبَ خَارِجَ الْمِصْرِ فَأَسْرَجَهَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا ، وَإِنْ لِرُكُوبٍ فِي الْمِصْرِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَشْرَافِ لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا ، وَإِنْ مِنْ الْأَسَافِلِ يَضْمَنُ وَقَيَّدَ بِتَبْدِيلِ سَرْجِهَا بِإِكَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَدَّلَ إكَافَهَا بِسَرْجٍ لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْإِكَافِ وَلَوْ بَدَّلَ سَرْجَهَا بِسَرْجٍ تُسْرَجُ بِمِثْلِهِ فَهَلَكَتْ لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُسْرَجُ بِمِثْلِهِ يَضْمَنُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْأَخِيرَ ( قَوْلُهُ : وَلَهُ الْأَجْرُ إنْ بَلَغَ ) أَقُولُ وَكَذَا لَوْ بَلَغَ بَعْدَ نَزْعِ سَرْجِهِ

( وَسُلُوكٍ ) أَيْ يَضْمَنُ الْحَمَّالُ قِيمَةَ مَتَاعِ حِمْلِهِ إنْ هَلَكَ بِسُلُوكِ ( طَرِيقٍ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ ) الْمُسْتَأْجِرُ لَكِنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَهُ أَيْضًا ( وَقَدْ تَفَاوَتَا ) أَيْ الطَّرِيقَانِ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ حَتَّى إذَا لَمْ تَتَفَاوَتَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ هَلَكَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِهِ حِينَئِذٍ ( أَوْ سُلُوكِ مَا لَا يَسْلُكُهُ النَّاسُ ) أَيْ يَضْمَنُ أَيْضًا إذَا هَلَكَ بِسُلُوكِ طَرِيقٍ لَا يَسْلُكُهُ النَّاسُ لِصِحَّةِ التَّقْيِيدِ وَحُصُولِ الْمُخَالَفَةِ ( وَحَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ ) يَعْنِي إذَا حَمَلَهُ فِي الْبَحْرِ فِيمَا يَحْمِلُهُ النَّاسُ فِي الْبَرِّ ضَمِنَ إذَا تَلِفَ ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ مُتْلِفٌ حَتَّى إنَّ لِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ الْوَدِيعَةِ فِي الْبَرِّ لَا الْبَحْرِ ( وَلَهُ ) أَيْ لِلْحَمَّالِ ( الْأَجْرُ ) فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ ( إنْ بَلَغَ ) الْمَنْزِلَ ( سَالِمًا ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ

( اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعِ بُرٍّ فَزَرَعَ رَطْبَةً ضَمِنَ مَا نَقَصَتْ ) ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَةَ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ الْبُرِّ لِانْتِشَارِ عُرُوقِهَا فِيهَا وَكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَى سَقْيِهَا فَكَانَ خِلَافًا إلَى مَضَرَّةٍ فَيَضْمَنُ مَا نَقَصَتْ ( بِلَا أَجْرٍ ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا حَيْثُ أَشْغَلَ الْأَرْضَ بِجِنْسٍ آخَرَ غَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ

( دَفَعَ ثَوْبًا ) إلَى خَيَّاطٍ ( لِيَخِيطَهُ قَمِيصًا ) بِدِرْهَمٍ ( فَخَاطَهُ قَبَاءً ) خُيِّرَ الدَّافِعُ إنْ شَاءَ ( ضَمَّنَهُ قِيمَةَ ثَوْبِهِ أَوْ أَخْذَ الْقَبَاءِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْمُسَمَّى ) قِيلَ مَعْنَاهُ الْقُرْطُقُ الَّذِي هُوَ ذُو طَاقٍ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْقَمِيصِ وَقِيلَ هُوَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَنْفَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُشَدُّ وَسَطُهُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعَ الْقَمِيصِ فَفِيهِ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُخَالَفَةُ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّ الْجِهَتَيْنِ شَاءَ لَكِنْ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ لِقُصُورِ جِهَةِ الْمُوَافَقَةِ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ الدِّرْهَمَ الْمُسَمَّى كَمَا هُوَ حُكْمُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ -
( قَوْلُهُ : أَوْ أَخَذَ الْقَبَاءَ بِأَجْرِ مِثْلِهِ ) أَقُولُ هَذَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ وَالْخَيَّاطُ ضَامِنٌ لَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ مَعَ تَوْجِيهِ كُلٍّ

( دَفَعَ غُلَامَهُ إلَى حَائِكٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِتَعَلُّمِ النَّسْجِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْأُسْتَاذُ الْمَوْلَى كُلَّ شَهْرٍ كَذَا جَازَ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَخْذَ أَجْرٍ فَبَعْدَ تَعَلُّمِهِ طَلَبَ الْأُسْتَاذُ مِنْ الْمَوْلَى أَجْرًا وَهُوَ مِنْهُ ) أَيْ الْمَوْلَى مِنْ الْأُسْتَاذِ ( يُنْظَرُ إلَى عُرْفِ الْبَلْدَةِ ) فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ ، فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ يَشْهَدُ لِلْأُسْتَاذِ يُحْكَمُ بِأَجْرِ مِثْلِ تَعْلِيمِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَإِنْ كَانَ يَشْهَدُ لِلْمَوْلَى فَبِأَجْرِ مِثْلِ الْغُلَامِ عَلَى الْأُسْتَاذِ وَكَذَا لَوْ دَفَعَ ابْنَهُ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ
( قَوْلُهُ : ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ ) أَقُولُ وَقَالَ عُقْبَةُ وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ كَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يَقُولُ عُرْفُ دِيَارِنَا فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يُفْسِدُ الْمُتَعَلِّمُ فِيهَا بَعْضَ مَا كَانَ مُتَقَوِّمًا حَتَّى يَتَعَلَّمَ نَحْوَ عَمَلِ ثَقْبِ الْجَوَاهِرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ يَكُونُ الْأَجْرُ عَلَى الْمَوْلَى إنْ كَانَ مُسَمًّى فَالْمُسَمَّى ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَجْرُ الْمِثْلِ عَلَيْهِ لِلْأُسْتَاذِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ هَذَا يَجِبُ الْأَجْرُ عَلَى الْأُسْتَاذِ ا هـ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

( بَابُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ ) ( تَفْسُدُ ) بِأُمُورٍ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ ( بِالشَّرْطِ الْمُفْسِدِ لِلْبَيْعِ ) ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ يَكُونُ لَهَا قِيمَةٌ بِالْعَقْدِ وَتَصِيرُ بِهِ مَالًا فَتُعْتَبَرُ الْإِجَارَةُ بِالْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّةِ دُونَ مَا سِوَاهَا مِنْ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَنَحْوِهَا -
( بَابُ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ )

وَذَكَرَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ ( وَالشُّيُوعُ ) بِأَنْ يُؤَجِّرَ نَصِيبًا مِنْ دَارِهِ أَوْ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرِيكِهِ ، وَإِنَّمَا فَسَدَتْ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الِانْتِفَاعُ وَهُوَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا يُمْكِنُ بِالْمَشَاعِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهُ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْمِلْكُ وَهُوَ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ يُمْكِنُ فِي الْمَشَاعِ فَيَجُوزُ ( الْأَصْلِيُّ ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الشُّيُوعِ الطَّارِئِ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْإِجَارَةَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا إذَا آجَرَ كُلَّ الدَّارِ ثُمَّ فَسَخَا فِي النِّصْفِ أَوْ أَجَّرَ رَجُلَانِ دَارَهُمَا لِوَاحِدٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ بِالْعَكْسِ ( إلَّا مِنْ شَرِيكِهِ ) ، فَإِنَّ كُلَّ الْمَنْفَعَةِ حِينَئِذٍ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ فَالْبَعْضُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ الْحَقِيقِيِّ وَالْبَعْضُ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ فَلَا يَظْهَرُ مَعْنَى الشُّيُوعِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ فِي حَقِّ السَّبَبِ وَلَا عِبْرَةَ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ الشُّيُوعُ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَا فِي الْكَافِي -

قَوْلُهُ : وَالشُّيُوعُ ) أَقُولُ إجَارَةُ الْمَشَاعِ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ بِشَرْطِ بَيَانِ نَصِيبِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ نَصِيبَهُ لَا يَجُوزُ فِي الصَّحِيحِ .
وَفِي الْمُغْنِي الْفَتْوَى فِي إجَارَةِ الْمَشَاعِ عَلَى قَوْلِهِمَا كَذَا فِي التَّبْيِينِ .
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلِكِ وَإِجَارَةُ الْمَشَاعِ سَوَاءٌ كَانَ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ أَوْ لَا بِأَنْ يُؤَجِّرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ مِنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِ ا هـ .
( قَوْلُهُ : احْتَرَزَ عَنْ الشُّيُوعِ الطَّارِئِ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْإِجَارَةَ
إلَخْ ) .
أَقُولُ وَهَذَا حِيلَةُ جَوَازِ إجَارَةِ الْمَشَاعِ عَلَى قَوْلِهِ وَكَذَا حِيلَةُ جَوَازِهَا عِنْدَهُ أَنْ يَلْحَقَهَا حُكْمُ حَاكِمٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَالتَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : أَوْ أَجَّرَ رَجُلَانِ دَارَهُمَا
إلَخْ ) .
أَقُولُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْمُؤَجِّرَيْنِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِينَ لَا تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ فِي حِصَّةِ الْحَيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَالَ زُفَرُ تَفْسُدُ فِي كِلْتَيْهِمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ

وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ ( وَجَهَالَةُ الْمُسَمَّى ) بِأَنْ جَعَلَ الْأُجْرَةَ ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً بِلَا تَعْيِينٍ وَذَكَرَ الرَّابِعَ بِقَوْلِهِ ( وَعَدَمِ التَّسْمِيَةِ ) إنْ قَالَ آجَرْتُكَ دَارِي شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَلَمْ يَقُلْ بِكَذَا وَتَفْسُدُ أَيْضًا إذَا اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا أَوْ دَارًا سَنَةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَرُمَّهَا الْمُسْتَأْجِرُ وَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ الْمَرَمَّةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ صَارَتْ الْمَرَمَّةُ مِنْ الْأَجْرِ فَيَصِيرُ الْأَجْرُ مَجْهُولًا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ هَاهُنَا لِدُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ وَجَهَالَةِ الْمُسَمَّى ( فَإِنْ فَسَدَتْ بِهِمَا ) أَيْ بِهَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ( وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ ) إذْ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ ( بَالِغًا مَا بَلَغَ وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَفْسُدْ بِهِمَا بَلْ بِالشَّرْطِ أَوْ الشُّيُوعِ ( لَمْ يَزِدْ ) أَيْ أَجْرُ الْمِثْلِ ( عَلَى الْمُسَمَّى ) أَيْ إذَا كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ زَائِدًا عَلَى الْمُسَمَّى لَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِمَا حَيْثُ سُمِّيَ الْأَقَلُّ ( وَيَنْقُصُ عَنْهُ ) أَيْ إنْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ نَاقِصًا عَنْ الْمُسَمَّى لَا يَجِبُ قَدْرُ الْمُسَمَّى لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ ، وَإِنَّمَا لَزِمَ أَجْرُ الْمِثْلِ فِي الْفَسَادِ بِهِمَا بَالِغًا مَا بَلَغَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الْمُسَمَّى فِي الْفَسَادِ بِغَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي أَنْفُسِهَا عِنْدَنَا ، وَإِنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ أَوْ بِشُبْهَةِ الْعَقْدِ ، فَإِذَا لَمْ تَتَقَوَّمْ فِي أَنْفُسِهَا وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا قُوِّمَتْ بِهِ فِي الْعَقْدِ وَسَقَطَ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِرِضَاهُمَا بِإِسْقَاطِهِ ، وَإِذَا جُهِلَ الْمُسَمَّى أَوْ عُدِمَتْ التَّسْمِيَةُ انْتَفَى الْمُرَجِّحُ وَوَجَبَ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَرَّرَ هَذَا الْكَلَامُ ، فَإِنَّ عِبَارَةَ الْقَوْمِ مُضْطَرِبَةٌ فِي هَذَا

الْمَقَامِ -
( قَوْلُهُ : وَجَهَالَةِ الْمُسَمَّى
إلَخْ ) أَقُولُ وَكَذَا تَفْسُدُ لَوْ جَهِلَ بَعْضَهُ كَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثَوْبٍ مَا وَكَذَا إذَا رَدَّدَ فِي الزَّمَانِ كَأَنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَبِنِصْفِهِ إذَا لَمْ يَخِطْهُ إلَّا فِي الْغَدِ لِاجْتِمَاعِ التَّسْمِيَتَيْنِ فَيَكُونُ الْأَجْرُ مَجْهُولًا فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ غَيْرَ زَائِدٍ عَلَى الْمُسَمَّى ( قَوْلُهُ : فَإِنْ فَسَدَ بِهِمَا أَيْ بِهَذَيْنِ الْأَخِيرِينَ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ) أَقُولُ هَكَذَا مِثْلُهُ فِي التَّبْيِينِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ تَرْدِيدِ الْعَمَلِ إذْ لَا يَتَجَاوَزُ فِيهَا الْمُسَمَّى مَعَ أَنَّ فَسَادَهَا لِجَهَالَةِ الْمُسَمَّى كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِيمَا سَيَأْتِي ( قَوْلُهُ : وَإِلَّا أَيْ ، وَإِنْ لَمْ تَفْسُدْ بِهِمَا بَلْ بِالشَّرْطِ أَوْ الشُّيُوعِ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْمُسَمَّى ) أَقُولُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَقَالُوا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا عَلَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْ سَكَنَهَا أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ا هـ فَهَذِهِ فَسَدَتْ بِالشَّرْطِ وَزِيدَ فِيهَا عَلَى الْمُسَمَّى ( قَوْلُهُ : هَكَذَا يَنْبَغِي
إلَخْ ) أَقُولُ قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ

( فَإِنْ أَجَّرَ دَارِهِ ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَجَهَالَةِ الْمُسَمَّى ( بِعَبْدٍ ) أَيْ عَبْدٍ مَجْهُولٍ ( فَسَكَنَ مُدَّةً ) كَسِتَّةِ أَشْهُرٍ مَثَلًا ( وَلَمْ يَدْفَعْهُ ) أَيْ الْعَبْدَ ( فَعَلَيْهِ لِلْمُدَّةِ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَتُفْسَخُ فِي الْبَاقِي ) مِنْ الْمُدَّةِ -
( قَوْلُهُ : فَإِنْ أَجَّرَ دَارِهِ بِعَبْدٍ مَجْهُولٍ فَسَكَنَ مُدَّةً وَلَمْ يَدْفَعْهُ فَعَلَيْهِ لِلْمُدَّةِ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَتُفْسَخُ فِي الْبَاقِي ) أَقُولُ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى عَدَمِ دَفْعِ الْعَبْدِ إذْ هُوَ الْوَاجِبُ لِلْفَسَادِ فَلَا مَفْهُومَ لِمَا ذَكَرَهُ بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِلْوَاقِفِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَهُ بِأَنْ آجَرَ دَارِهِ سَنَةً بِعَبْدِ بِعَيْنِهِ فَسَكَنَ الْمُسْتَأْجِرُ شَهْرًا وَلَمْ يَدْفَعْ الْعَبْدَ حَتَّى أَعْتَقَهُ صَحَّ إعْتَاقُهُ وَكَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِلشَّهْرِ الْمَاضِي أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَتُنْقَضُ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بِإِعْتَاقِ الْعَبْدِ فَسَدَتْ فِيمَا بَقِيَ وَكَذَا لَوْ أَجَّرَ دَارًا بِعَيْنٍ فَسَكَنَ الدَّارَ وَلَمْ يُسَلِّمَ الْعَيْنَ حَتَّى هَلَكَتْ كَانَ عَلَيْهِ الْأَجْرُ بَالِغًا مَا بَلَغَ ا هـ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ

( آجَرَ دَارًا كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا صَحَّ فِي وَاحِدٍ فَقَطْ ) وَفَسَدَ فِي الْبَاقِي إذْ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ عَلَى جُمْلَةِ الشُّهُورِ لِجَهَالَتِهَا وَلَا عَلَى مَا بَيْنَ الْأَدْنَى وَالْكُلِّ لَعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ بَعْضِهَا مِنْ الْبَعْضِ فَتَعَيَّنَ الْأَدْنَى وَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْقُضَ الْإِجَارَةَ لِانْتِهَاءِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ .
( وَفِي كُلِّ شَهْرٍ سَكَنَ فِي أَوَّلِهِ ) ، فَإِنَّهُ إذَا سَكَنَ سَاعَةً مِنْ الشَّهْرِ الثَّانِي صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ إلَّا بِعُذْرٍ وَكَذَا كُلُّ شَهْرٍ سَكَنَ فِي أَوَّلِهِ ؛ لِأَنَّ التَّرَاضِيَ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ يَتِمُّ بِالسُّكْنَى فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَقَدْ مَالَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْ الشَّهْرِ الدَّاخِلِ وَيَوْمِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَفِي اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ نَوْعُ حَرَجٍ ( إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْكُلَّ ) بِأَنْ يَقُولَ : آجَرْتهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ مَعًا يَعْنِي إذَا بَيَّنَ جُمْلَةَ الشُّهُورِ وَعَيَّنَ حِصَّةَ كُلٍّ مِنْهَا جَازَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ صَارَتْ مَعْلُومَةً فَارْتَفَعَ الْمَانِعُ مِنْ الْجَوَازِ -
( قَوْلُهُ : وَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْقُضَ الْإِجَارَةَ ) أَقُولُ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ حَاضِرًا ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ وَقِيلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَكَذَا لَوْ قَدَّمَ أُجْرَةَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَقَبَضَ الْأُجْرَةَ لَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ فِي قَدْرِ الْمُعَجَّلِ أُجْرَتِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ ) أَقُولُ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : وَفِي اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ نَوْعُ حَرَجٍ ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِهِ أَوَّلُ سَاعَةٍ مِنْ الشَّهْرِ

( أَجَّرَهَا سَنَةً بِكَذَا صَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ أَجْرَ كُلِّ شَهْرٍ ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ أَلَا يَرَى أَنَّ إجَارَةَ شَهْرٍ وَاحِدٍ تَصِحُّ ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ قِسْطَ كُلِّ يَوْمٍ ( وَأَوَّلُ الْمُدَّةِ مَا سَمَّى ) بِأَنْ يَقُولَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا ( فَوَقْتُ الْعَقْدِ ) ؛ لِأَنَّ الْأَوْقَاتَ كُلَّهَا فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ سَوَاءٌ وَفِي مِثْلِهِ يَتَعَيَّنُ الزَّمَانُ الَّذِي يَعْقُبُ السَّبَبَ كَمَا فِي الْآجَالِ بِأَنْ بَاعَ إلَى شَهْرٍ وَالْأَيْمَانِ بِأَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا حَيْثُ اعْتَبَرَ فِيهِمَا الِابْتِدَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكَلُّمِ

( فَإِنْ كَانَ ) أَيْ الْعَقْدُ ( حِينَ يَهُلُّ الْهِلَالُ اعْتَبَرَ الْأَهِلَّةَ ) أَيْ شُهُورَ السَّنَةِ كُلِّهَا بِالْأَهِلَّةِ ؛ لِأَنَّ الْأَهِلَّةَ أَصْلٌ فِي الشُّهُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } ( وَإِلَّا فَالْأَيَّامُ ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إذَا تَعَذَّرَ يُصَارُ إلَى الْبَدَلِ

( اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ وَبِطَعَامِهِ لَمْ يَجُزْ ) لِجَهَالَةِ بَعْضِ الْأَجْرِ ، جَازَ ( إجَارَةُ الْحَمَّامِ ) فَجَازَ أَخْذُ أُجْرَتِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَخَلَ الْحَمَّامَ فِي الْجُحْفَةِ } وَلِتَعَارُفِ النَّاسِ ( وَالْحَجَّامِ ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { احْتَجَمَ وَأَعْطَى أُجْرَتَهُ } ( وَالظِّئْرِ بِأَجْرٍ مُعَيَّنٍ ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا تَرِدُ عَلَى اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ وَهُوَ اللَّبَنُ فَصَارَ كَاسْتِئْجَارِ الْبَقَرَةِ أَوْ الشَّاةِ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا أَوْ الْبُسْتَانِ لِيَأْكُلَ ثَمَرَهُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَقَدْ جَرَى بِهِ التَّعَامُلُ فِي الْإِعْصَارِ بِلَا نَكِيرٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى اسْتِهْلَاكِ الْعَيْنِ بَلْ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ حَضَانَةُ الصَّبِيِّ وَتَلْقِيمُهُ ثَدْيَهَا وَتَرْبِيَتُهُ وَخِدْمَتُهُ وَاللَّبَنُ تَابِعٌ ، وَإِنَّمَا لَا تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إذَا أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ الشَّاةِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِالْعَمَلِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ إيجَارٌ وَلَيْسَ بِإِرْضَاعٍ ( وَطَعَامُهَا وَكِسْوَتُهَا ) وَعِنْدَهُمَا لَا تَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ وَلَهُ أَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تُفْسِدُ الْعَقْدَ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْمُنَازَعَةِ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ بَيْنَ النَّاسِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْآظَارِ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ تَرْجِعُ إلَى أَوْلَادِهِمْ -

( قَوْلُهُ : اسْتَأْجَرَ عَبْدًا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ وَبِطَعَامِهِ لَمْ يَجُزْ ) أَقُولُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ طَعَامَ الْعَبْدِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ دَابَّةً عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَفُهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي الدَّابَّةِ نَأْخُذُ بِقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَمَّا فِي زَمَانِنَا الْعَبْدُ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ عَادَةً ا هـ .
( قَوْلُهُ : وَطَعَامُهَا وَكِسْوَتُهَا ) أَقُولُ كَانَ الْأَوْلَى إعَادَةَ حَرْفِ الْجَرِّ بِأَنْ يَقُولَ وَبِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَلَيْسَتْ تَتْمِيمًا لِلْأُولَى ( قَوْلُهُ : وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ ) يَعْنِي فَالْجَوَازُ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَهُ اسْتِحْسَانًا وَلَهَا الْوَسَطُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ

( وَلِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا لَا فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ إلَّا بِإِذْنِهِ ) يَعْنِي لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَقُّ الزَّوْجِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْطَالِهِ حَقَّهُ لَكِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَمْنَعُهُ مِنْ وَطْئِهَا فِي مَنْزِلِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْزِلَ مِلْكُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ بِلَا إذْنِهِ ( وَلَهُ ) أَيْ لِلزَّوْجِ ( فِي نِكَاحٍ ظَاهِرٍ ) بَيْنَ النَّاسِ أَوْ عَلَيْهِ شُهُودٌ ( فَسْخُهَا ) أَيْ فَسْخُ إجَارَةِ الظِّئْرِ ( لَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ) سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ يَشِينُهُ أَنْ تَكُونَ امْرَأَتُهُ ظِئْرًا أَوْ لَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَارَةَ تُوجِبُ خَلَلًا فِي حَقِّ الزَّوْجِ وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ امْرَأَتَهُ عَمَّا يُوجِبُ خَلَلًا فِي حَقِّهِ ( وَفِيمَا ) أَيْ فِي نِكَاحٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ بَلْ ( بِإِقْرَارِهَا لَا ) أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ لَزِمَهَا وَقَوْلُهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّ مَنْ اسْتَأْجَرَهَا وَجَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُهَا إنْ مَرِضَتْ أَوْ حَبِلَتْ ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ ( وَعَلَيْهَا غَسْلُ الصَّبِيِّ وَثِيَابِهِ وَإِصْلَاحُ طَعَامِهِ وَدُهْنِهِ ) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الظِّئْرَ هِيَ الَّتِي تَتَوَلَّى هَذِهِ الْأُمُورَ فَصَارَ ذَلِكَ كَالْمَشْرُوطِ ( لَا ثَمَنِ شَيْءٍ مِنْهَا ) أَيْ مِنْ الثِّيَابِ وَالطَّعَامِ وَالدُّهْنِ ( وَهُوَ ) أَيْ ثَمَنُهُ ( وَأَجْرُهُ ) أَيْ أَجْرُ عَمَلِ الْمُرْضِعَةِ وَإِرْضَاعِهَا ( عَلَى أَبِيهِ ) -
( قَوْلُهُ : سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ
إلَخْ ) أَقُولُ هَذَا فِي الْأَصَحِّ قَوْلُهُ : وَجَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُهَا إنْ مَرِضَتْ أَوْ حَبِلَتْ ) أَقُولُ وَجَازَ لَهَا أَيْضًا أَنْ تَفْسَخَهَا بِأَذِيَّةِ أَهْلِهِ لَهَا وَبِعَدَمِ جَرَيَانِ عَادَتِهَا بِإِرْضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا وَبِمُعَايَرَتِهَا بِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ قَوْلُهُ ( لَا ثَمَنُ شَيْءٍ مِنْهَا ) أَقُولُ وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ مِنْ أَنَّ الدُّهْنَ وَالرَّيْحَانَ عَلَى الظِّئْرِ فَذَاكَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ

وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ ( فَإِنْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ شَاةٍ أَوْ غَذَّتْهُ بِطَعَامٍ وَمَضَتْ الْمُدَّةُ فَلَا أَجْرَ لَهَا ) ، فَإِنَّ أَجْرَ الْإِرْضَاعِ لَمَّا كَانَ عَلَى الْأَبِ كَانَ تَرْكُ الْإِرْضَاعِ حِرْمَانًا عَنْ الْأَجْرِ ، فَإِنَّ الْإِرْضَاعَ هُوَ إشْرَابُ الصَّبِيِّ لَبَنَهَا بِإِدْخَالِ حَلَمَةِ ثَدْيِهَا فِي فَمِهِ وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ ، فَإِنَّ هَذَا إيجَارٌ وَلَيْسَ بِإِرْضَاعٍ فَقَوْلُهُمْ ، فَإِنْ أَرْضَعَتْهُ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ ( بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَتْهُ إلَى خَادِمَتِهَا حَتَّى أَرْضَعَتْهُ ) حَيْثُ تَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ حِينَئِذٍ كَذَا فِي الْكِفَايَةِ -
( قَوْلُهُ : فَإِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ شَاةٍ ) أَقُولُ بِأَنْ أَقَرَّتْ بِهِ أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِإِرْضَاعِهَا لَبَنَ الْبَهَائِمِ لَهُ ، وَإِنْ جَحَدَتْ كَوْنَهُ بِلَبَنِ شَاةٍ فَالْقَوْلُ لَهَا مَعَ يَمِينِهَا اسْتِحْسَانًا وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهَا مَا أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ نَفْسِهَا لَمْ تُقْبَلْ لِقِيَامِهَا عَلَى النَّفْيِ مَقْصُودًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِدُخُولِهِ فِي ضِمْنِ الْإِثْبَاتِ ، وَإِنْ أَقَامَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الظِّئْرِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ ( قَوْلُهُ : فَلَا أَجْرَ ) أَقُولُ هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى اخْتِيَارِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَقْدَ يَرِدُ عَلَى اللَّبَنِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْقِيَامِ بِمُصَالَحَةٍ تَبَعٌ ، وَأَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ وَهُوَ الْقِيَامُ بِخِدْمَةِ الْوَلَدِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِرْضَاعَ مُسْتَحَقًّا تَبَعًا لِلْخِدْمَةِ فَكَيْفَ يَسْقُطُ كُلُّ الْأَجْرِ بِتَرْكِهِ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ ( قَوْلُهُ : بِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَتْهُ إلَى خَادِمَتِهَا حَتَّى أَرْضَعَتْهُ حَيْثُ تَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ ) لِقَوْلِ هَذَا اسْتِحْسَانٌ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ إرْضَاعَ ثَدْيِهَا ، وَإِنْ شَرَطَ فَدَفَعَتْهُ لِخَادِمِهَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ

( وَلَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ لِلْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَالْحَجِّ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْغِنَاءِ وَالْمَلَاهِي وَالنَّوْحِ ) .
وَفِي الْمُحِيطِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ بِلَا شَرْطٍ يُبَاحُ ؛ لِأَنَّهُ إعْطَاءُ مَالٍ عَنْ طَوْعٍ بِلَا عَقْدٍ ( وَعَسْبِ التَّيْسِ ) وَهُوَ أَنْ يُؤَجِّرَ فَحْلًا لِيَنْزُوَ عَلَى الْإِنَاثِ وَالْمُرَادُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ عِنْدَنَا عَلَى الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي لَكِنْ لَمَّا وَقَعَ الْفُتُورُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ جَوَّزَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ وَلِذَا قَالَ ( وَيُفْتَى الْيَوْمَ بِصِحَّتِهَا ) أَيْ الْإِجَارَةِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَيُجْبَرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى دَفْعِ الْأَجْرِ وَيُحْبَسُ بِهِ وَعَلَى الْحُلْوَةِ الْمَرْسُومَةِ وَهِيَ هَدِيَّةٌ تُهْدَى إلَى الْمُعَلِّمِينَ عَلَى رُءُوسِ بَعْضِ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُمِّيَتْ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ إهْدَاءُ الْحَلَاوَى -
( قَوْلُهُ : وَفِي الْمُحِيطِ
إلَخْ ) أَقُولُ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ { عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ فَأَهْدَى إلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ أَهْدَى إلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ إنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا وَفِي رِوَايَةٍ فَقُلْت مَا تَرَى فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ هِيَ جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا } .
ا هـ .

( تَفْسُدُ ) أَيْ الْإِجَارَةُ ( إنْ دَفَعَ إلَى آخَرَ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ بِنِصْفِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا لِيَحْمِلَ زَادَهُ بِبَعْضِهِ ) أَيْ بَعْضِ الزَّادِ ( أَوْ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ بُرَّهُ بِبَعْضِ دَقِيقِهِ ) هَذَا الْأَخِيرُ يُسَمَّى قَفِيزَ الطَّحَّانِ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَجْرَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ وَالْأَوَّلَانِ فِي مَعْنَاهُ -
( قَوْلُهُ : أَوْ اسْتَأْجَرَ حِمَارًا لِيَحْمِلَ زَادَهُ بِبَعْضِهِ ) أَقُولُ الْمُرَادُ بِبَعْضِهِ قَدْرٌ مَعْلُومٌ مِنْهُ وَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ لَا يَتَجَاوَزُ بِهِ الْمُسَمَّى إذَا فَعَلَ مَا اسْتَأْجَرَ لَهُ وَهَذَا إذَا أَوْرَدَ الْعَقْدَ عَلَى الْجَمِيعِ بِبَعْضِهِ ، وَأَمَّا إذَا أَوْرَدَ الْعَقْدَ عَلَى الْبَعْضِ بِبَعْضِهِ الْبَاقِي فَلَا أَجْرَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ النِّصْفَ فِي الْحَالِ بِالتَّعْجِيلِ فَصَارَ شَرِيكًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ا هـ .
وَيُنْظَرُ هَلْ نَسْجُ الثَّوْبِ مِثْلُهُ

( أَوْ مَنْ يَخْبِزُ لَهُ كَذَا الْيَوْمَ بِكَذَا ) أَيْ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَخْبِزَ لَهُ هَذِهِ الْعَشَرَةَ الْأَصْوُعَ مِنْ الدَّقِيقِ الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ فَسَدَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِجَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَقْتِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ الْمَنْفَعَةَ ، وَذِكْرَ الْعَمَلِ مَعَ تَقْدِيرِ الدَّقِيقِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ الْعَمَلَ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَعَ أَنَّ نَفْعَ الْمُسْتَأْجِرِ فِي وُقُوعِهَا عَلَى الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَّا بِهِ لِكَوْنِهِ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا وَنَفْعُ الْأَجِيرِ فِي وُقُوعِهَا عَلَى الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إلَّا بِهِ لِكَوْنِهِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عَمِلَ أَوْ لَا فَفَسَدَ الْعَقْدُ وَلَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ كِلَيْهِمَا أَيْ يَعْمَلُ هَذَا الْعَمَلَ مُسْتَغْرِقًا لِهَذَا الْيَوْمِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَادَةً وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا سَمَّى عَمَلًا وَقَالَ فِي الْيَوْمِ جَازَتْ الْإِجَارَةُ ؛ لِأَنَّ فِي لِلظَّرْفِ لَا لِتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ فَلَا تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ وَكَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ وَهُوَ مَعْلُومٌ -
( قَوْلُهُ أَوْ مَنْ يَخْبِزُ لَهُ كَذَا الْيَوْمَ بِكَذَا ) أَقُولُ هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ قَدَّمَ الْعَمَلَ أَوْ أَخَّرَ إذَا ذَكَرَ الْأَجْرَ بَعْدَ الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ ، وَأَمَّا إذَا ذَكَرَ الْوَقْتَ أَوَّلًا ثُمَّ الْأَجْرَ ثُمَّ الْعَمَلَ بَعْدَهُ أَوْ ذَكَرَ الْعَمَلَ أَوَّلًا ثُمَّ الْأَجْرَ ثُمَّ الْوَقْتَ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ قَوْلُهُ وَنَفَعَ الْأَجِيرَ فِي وُقُوعِهَا عَلَى الْعَمَلِ ) لَعَلَّ صَوَابَهُ عَلَى الْمُدَّةِ يُوَضِّحُهُ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عَمِلَ أَوْ لَا وَلِكَوْنِهِ قِسْمًا لِمَا يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعَمَلُ أَوْ الزَّمَانُ فَلْيُتَأَمَّلْ

( أَوْ أَرْضًا بِشَرْطِ أَنْ يَبْنِيَهَا أَوْ يُكْرِيَ أَنْهَارَهَا أَوْ يُسَرْقِنَهَا ) ؛ لِأَنَّ أَثَرَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ يَبْقَى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَيْسَتْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَفِيهِ نَفْعُ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَتَفْسُدُ كَالْبَيْعِ ( بِخِلَافِ اسْتِئْجَارِهَا عَلَى أَنْ يُكْرِيَهَا وَيَزْرَعَهَا أَوْ يَسْقِيَهَا وَيَزْرَعَهَا ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الزِّرَاعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْعَقْدِ وَهِيَ لَا تَتَأَتَّى إلَّا بِالسَّقْيِ وَالْكَرْبِ فَلَا تَفْسُدُ بِهِ ( وَبِلَا ذِكْرِ زِرَاعَتِهَا أَوْ مَا يُزْرَعُ فِيهَا لَمْ تَصِحَّ ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْأَرْضَ تُسْتَأْجَرُ لِلزِّرَاعَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَمَا لَمْ يُبَيَّنْ شَيْءٌ مِنْهَا لَمْ يُعْلَمُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِتَفَاوُتِ أَنْوَاعِ الزِّرَاعَاتِ وَإِضْرَارِ بَعْضِهَا بِالْأَرْضِ فَمَا لَمْ يُبَيَّنْ شَيْءٌ مِنْهَا لَمْ يُعْلَمْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ( إلَّا أَنْ يُعَمِّمَ الْمُؤَجِّرُ ) بِأَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ تَزْرَعَ مَا شِئْتَ فَحِينَئِذٍ تَصِحُّ لِوُجُودِ الْإِذْنِ مِنْهُ ( وَلَوْ زَرَعَهَا ) بِلَا ذِكْرِ الزِّرَاعَةِ أَوْ مَا يُزْرَعُ ( فَمَضَى الْأَجَلُ عَادَ ) أَيْ الْعَقْدُ ( صَحِيحًا ) وَلَهُ الْمُسَمَّى لِارْتِفَاعِ الْجَهَالَةِ بِالزِّرَاعَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ -

( قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ أَثَرَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ تَبْقَى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ) أَقُولُ لَوْ كَانَتْ لِإِجَارَةٍ طَوِيلَةٍ فَلَا يَبْقَى لِفِعْلِهِ أَثَرٌ بَعْدَهَا أَوْ كَانَ الرُّبُعُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ لَا يَفْسُدُ اشْتِرَاكُهُ وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى كَرْيِ الْجَدَاوِلِ وَلَا يَبْقَى أَثَرُهُ إلَى الْقَابِلِ عَادَةً بِخِلَافِ كَرْيِ الْأَنْهَارِ ؛ لِأَنَّ أَثَرَهُ يَبْقَى إلَى الْقَابِلِ عَادَةً كَمَا فِي التَّبْيِينِ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ زَرَعَهَا فَمَضَى الْأَجَلُ عَادَ صَحِيحًا ) أَقُولُ صِحَّةُ الْعَقْدِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ الْأَجَلِ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ بَلْ إذَا زَرَعَ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ لِمَا ذَكَرَ بَعْدُ مِنْ وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْحِمْلُ الْمَكَانَ أَنَّ الْجَهَالَةَ ارْتَفَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ : عَادَ الْعَقْدُ صَحِيحًا ) يَعْنِي اسْتِحْسَانًا

( اسْتَأْجَرَ جَمَلًا إلَى بَغْدَادَ وَلَمْ يُسَمِّ حَمْلَهُ فَحَمَلَ مُعْتَادًا فَهَلَكَ لَمْ يَضْمَنْ ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ وَالْعَيْنَ أَمَانَةٌ وَلَمْ يُوجَدْ التَّعَدِّي ( وَإِنْ بَلَغَ ) الْمَكَانَ الْمَعْهُودَ ( فَلَهُ الْمُسَمَّى ) مِنْ الْأَجْرِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْجَهَالَةَ ارْتَفَعَتْ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ ( فَإِنْ تَنَازَعَا ) أَيْ الْعَاقِدَانِ ( قَبْلَ الزَّرْعِ ) فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ( أَوْ الْحَمْلِ ) فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ( فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ ) يَعْنِي فَسَخَهَا الْقَاضِي دَفْعًا لِلْفَسَادِ

( وَإِنْ تَعَدَّى ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الدَّابَّةِ ( وَضَمِنَ أَوْ حَمَلَ طَعَامًا مُشْتَرَكًا ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ فَاسْتَأْجَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَوْ حِمَارَهُ إلَى مَكَانِ كَذَا فَحَمَلَ الطَّعَامَ كُلَّهُ ( فَلَا أَجْرَ لَهُ ) لَا الْمُسَمَّى وَلَا أَجْرُ الْمِثْلِ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَجْرَ وَالضَّمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ ، وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ فَبَطَلَ كَإِجَارَةِ مَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ حَمَلَ النِّصْفَ الشَّائِعَ وَحَمْلُهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ ؛ لِأَنَّهُ حِسِّيٌّ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الشَّائِعِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَائِعٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ يَحْتَمِلُهُ

( كَمَا فِي الْجُحُودِ فِي الطَّرِيقِ ) يَعْنِي اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ثُمَّ جَحَدَ الْإِجَارَةَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وَجَبَ أَجْرُ مَا رَكِبَ قَبْلَ الْإِنْكَارِ وَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ لِمَا بَعْدَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ بِالْجُحُودِ صَارَ غَاصِبًا وَالْأَجْرُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ الْأَجْرُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ سَلِمَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ فَسَقَطَ الضَّمَانُ كَذَا فِي الْكَافِي وَزَادَ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَسَقَطَ الضَّمَانُ قَوْلُهُ : وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ قَائِمٌ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِهِ وَحْدَهُ فَوَجَبَ لَهُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِالْتِزَامِهِ بِذَلِكَ -
( قَوْلُهُ : كَمَا فِي الْجُحُودِ فِي الطَّرِيقِ ) أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ شَبَّهَ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ الْأَجْرَ فِي التَّعَدِّي وَحَمْلِ الطَّعَامِ الْمُشْتَرَكِ بِمَا إذَا جَهِدَ فِي الطَّرِيقِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْأَجْرُ إلَّا فِيمَا بَقِيَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا ذَكَرَهُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ كَمَا فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الْجُحُودِ فِي الطَّرِيقِ

( إجَارَةُ النَّفْعِ بِالنَّفْعِ تَجُوزُ إذَا اخْتَلَفَا ، وَإِذَا اتَّحَدَا لَا ) يَعْنِي إذَا أَجَّرَ دَارِهِ لِيَسْكُنَهَا بِسُكْنَى دَارٍ أُخْرَى أَوْ دَابَّةً يَرْكَبُهَا بِرُكُوبِ دَابَّةٍ أُخْرَى أَوْ ثَوْبَهُ لِيَلْبَسَهُ بِلُبْسِ ثَوْبٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ كَانَ كَمُبَادَلَةِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ نَسِيئَةً وَالْجِنْسُ بِانْفِرَادِهِ يَحْرُمُ النَّسَاءُ عِنْدَنَا بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ ؛ لِأَنَّ النَّسَاءَ فِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ لَيْسَ بِحَرَامٍ كَذَا فِي الْكَافِي أَقُولُ يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ قَوْلَهُ ؛ لِأَنَّ النَّسَاءَ فِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ لَيْسَ بِحَرَامٍ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَ فِي بَابِ الرِّبَا إنْ وُجِدَ الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ حَرُمَ الْفَضْلُ وَالنَّسَاءُ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا وَعُدِمَ الْآخَرُ حَلَّ الْفَضْلُ وَحَرُمَ النَّسَاءُ مِثْلُ أَنْ يُسَلِّمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ أَوْ بُرًّا فِي شَعِيرٍ ، وَإِنْ عُدِمَا حَلَّ الْفَضْلُ وَالنَّسَاءُ ، فَإِنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَقَدْ حَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِ وَدَفْعُهُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ مَا لَا يَكُونُ فِيهِ قَدْرٌ كَبَيْعِ حَفْنَةِ بُرٍّ بِحَفْنَتَيْ شَعِيرٍ حَيْثُ جَازَ فِيهِ النَّسِيئَةُ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَانْتِفَاءِ الْقَدْرِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ وَهَاهُنَا كَذَلِكَ ، فَإِنَّ جِنْسَ النَّفْعِ إذَا اخْتَلَفَ وَلَيْسَ النَّفْعُ مِنْ الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يُحَرِّمْ النَّسَاءَ لِانْتِفَاءِ جُزْأَيْ الْعِلَّةِ فَيَكُونُ هَذَا دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ ، وَإِنْ عُدِمَا حَلَّ الْفَضْلُ وَالنَّسَاءُ هَذَا وَقَدْ عَلَّلَ فِي الْمُحِيطِ عَدَمَ الْجَوَازِ إذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَعْدُومَةٌ فِي الطَّرَفَيْنِ فَكَانَتْ نَسَاءً لَا عَيْنًا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ } إلَّا أَنَّهُ خُصَّ مِنْهُ خِلَافُ الْجِنْسِ بِالْإِجْمَاعِ

( قَوْلُهُ : وَإِذَا اتَّحَدَا لَا ) أَقُولُ ثُمَّ لَوْ اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا الْمَنْفَعَةَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ

( بَابٌ مِنْ الْإِجَارَةِ ) الْأَجِيرُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا ( الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ ) وَثَانِيهِمَا الْأَجِيرُ الْخَاصُّ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ الْأَوَّلُ ( مَنْ يَعْمَلُ لَا لِوَاحِدِ ) كَالْخَيَّاطِ وَنَحْوِهِ ( أَوْ يَعْمَلُ لَهُ ) أَيْ لِوَاحِدٍ عَمَلًا ( غَيْرَ مُؤَقَّتٍ ) ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا وَحْدَهُ لِلْخِيَاطَةِ أَوْ الْخَبْزِ فِي بَيْتِهِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ كَانَ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ لِغَيْرِهِ ( أَوْ مُؤَقَّتًا بِلَا تَخْصِيصٍ ) يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِرَعْيِ غَنَمِهِ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَهُوَ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَلَا تَرْعَ غَنَمَ غَيْرِي فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ أَجِيرَ وَاحِدٍ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ ( وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ) أَيْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ ( الْأَجْرَ ) إلَّا ( بِعَمَلِهِ كَالصَّبَّاغِ وَنَحْوِهِ ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَتَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ فَمَا لَمْ يُسَلِّمْ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ الْعَمَلُ لَا يُسَلِّمُ لِلْأَجِيرِ الْعِوَضَ وَهُوَ الْأَجْرُ -
بَابٌ مِنْ الْإِجَارَةِ ) ( قَوْلُهُ : يَعْنِي اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَرْعَى غَنَمَهُ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَهُوَ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ ) أَقُولُ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ كَانَ فَاسِدًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخَبَّازِ الْمُتَقَدِّمَةِ

( وَلَا يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِي يَدِهِ ) سَوَاءً هَلَكَ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَالسَّرِقَةِ أَوْ بِمَا لَا يُمْكِنُ كَالْحَرِيقِ الْغَالِبِ وَالْغَارَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ لِمَنْفَعَتِهِ وَهِيَ إقَامَةُ الْعَمَلِ فِيهِ لَهُ فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالْمُودَعِ وَأَجِيرِ الْوَاحِدِ ( وَإِنْ ) وَصْلِيَّةٌ ( شَرَطَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ ) ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَفِيهِ نَفْعٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَمَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَبِالْإِجْمَاعِ ، وَأَمَّا فِيمَا يُمْكِنُ فَعَلَى الْخِلَافِ فَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يَفْسُدُ لِمَا ذَكَرَ ( وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالصُّلْحِ عَلَى النِّصْفِ ) لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِيهِ كَذَا فِي الْعِمَادِيَّةِ -
( قَوْلُهُ : وَأَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ بِالصُّلْحِ عَلَى النِّصْفِ ) أَقُولُ قَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ .
وَفِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ كَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ يُفْتِي بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ سَأَلْتُ عَنْهُ هَلْ يُجْبَرُ الْخَصْمُ عَلَى الصُّلْحِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهِ أَجَابَ بِأَنِّي كُنْت أُفْتِي بِالصُّلْحِ فِي الِابْتِدَاءِ فَرَجَعْتُ لِهَذَا وَعَنْ صَاحِبِ الْمُحِيطِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَجِيرُ مُصْلِحًا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ يَجِبُ الضَّمَانُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُمَا ، وَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ يُؤْمَرُ بِالصُّلْحِ ا هـ .
وَفِي التَّبْيِينِ وَبِقَوْلِهِمَا يُفْتَى الْيَوْمَ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَبِهِ يَحْصُلُ صِيَانَةُ أَمْوَالِهِمْ ا هـ .
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ وَبِهِ يَعْنِي بِمَا قَالَا أَفْتَى بَعْضُهُمْ وَبِقَوْلِ الْإِمَامِ آخَرُونَ وَأَفْتَى بِالصُّلْحِ جَمَاعَةٌ مِنَّا ا هـ .
وَقَالَ قَاضِي خَانْ وَالْمُخْتَارُ فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
ا هـ .

( بَلْ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِعَمَلِهِ كَالْخَرْقِ ) أَيْ خَرْقِ الثَّوْبِ الْحَاصِلِ ( مِنْ الدَّقِّ ) أَيْ دَقِّ الْقَصَّارِ ( وَزَلْقِ الْحَمَّالِ ) ، فَإِنَّ التَّلَفَ الْحَاصِلَ مِنْ زَلْقِهِ حَصَلَ مِنْ تَرْكِهِ التَّثَبُّتَ فِي الْمَشْيِ وَانْقِطَاعِ حَبْلٍ يَشُدُّ بِهِ الْحِمْلَ ، فَإِنَّ التَّلَفَ الْحَاصِلَ بِهِ حَصَلَ مِنْ تَرْكِهِ التَّوْثِيقَ فِي شَدِّ الْحِمْلِ -
( قَوْلُهُ : بَلْ يَضْمَنُ مَا هَلَكَ بِعَمَلِهِ كَالْخَرْقِ ) أَقُولُ وَصَاحِبُ الثَّوْبِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَمْ يُعْطِهِ الْأَجْرَ ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ مَعْمُولًا وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ

( وَغَرَقِ السَّفِينَةِ مِنْ مَدِّهِ إلَّا آدَمِيًّا غَرِقَ ) أَيْ لَا يَضْمَنُ آدَمِيًّا غَرِقَ مِنْ مَدِّهِ السَّفِينَةَ ( أَوْ سَقَطَ مِنْ دَابَّةٍ ) ، وَإِنْ كَانَ بِسَوْقِهِ أَوْ قَوَدِهِ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْآدَمِيِّ لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ بَلْ بِالْجِنَايَةِ وَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَتَحَمَّلُ ضَمَانَ الْعُقُودِ وَهَذَا لَيْسَ بِجِنَايَةٍ لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا فِيهِ ( أَوْ هَلَكَ مِنْ حِجَامَةٍ أَوْ فَصْدٍ ) لَمْ يَجُزْ الْمُعْتَادَ كَذَا دَابَّةٌ أَيْ لَا يَضْمَنُ أَيْضًا دَابَّةً هَلَكَتْ مِنْ فَصْدٍ وَنَحْوِهِ ( لَمْ يَجُزْهُ ) أَيْ يَجُزْ الْمُعْتَادَ ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ فَصَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَالْوَاجِبُ لَا يُجَامِعُهُ الضَّمَانُ كَمَا إذَا حَدَّ الْقَاضِي أَوْ عَزَّرَ وَمَاتَ الْمَضْرُوبُ بِهِ إلَّا أَنْ يُمْكِنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ كَدَقِّ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ إذْ بِقُوَّةِ الثَّوْبِ وَرِقَّتِهِ يُعْلَمُ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ الدَّقِّ بِالِاجْتِهَادِ فَأَمْكَنَ تَقْيِيدُهُ بِالسَّلَامَةِ بِخِلَافِ الْفَصْدِ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى قُوَّةِ الطَّبْعِ وَضَعْفِهِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ الْجُرْحِ فَلَا يُمْكِنُ تَقْيِيدُهُ بِالسَّلَامَةِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ إلَّا إذَا جَاوَزَ الْمُعْتَادَ فَيَضْمَنُ الزَّائِدَ كُلَّهُ إذَا لَمْ يَهْلَكْ ، وَإِذَا هَلَكَ يَضْمَنُ نِصْفَ دِيَةِ النَّفْسِ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِمَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَضْمَنُ بِحِسَابِهِ وَهُوَ النِّصْفُ حَتَّى أَنَّ الْخَتَّانَ لَوْ قَطَعَ الْحَشَفَةَ وَبَرِئَ الْمَقْطُوعُ يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ هُوَ الْحَشَفَةُ وَهُوَ عُضْوٌ كَامِلٌ فَتَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، وَإِنْ مَاتَ يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَهِيَ مِنْ الْغَرَائِبِ حَيْثُ يَجِبُ الْأَكْثَرُ بِالْبُرْءِ وَالْأَقَلُّ بِالْهَلَاكِ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ -

( قَوْلُهُ : أَوْ غَرَقِ السَّفِينَةِ مِنْ مُدَّةٍ ) أَقُولُ أَوْ مُعَالَجَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَةِ يَدِهِ فَيَضْمَنُ ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي السَّفِينَةِ لَا يُضَمِّنُ الْمَلَّاحَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ إذَا كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ كَانَ الطَّعَامُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَلَا يُضَمِّنُ الْمَلَّاحَ إلَّا أَنْ يَضَعَ فِيهَا شَيْئًا أَوْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَتَعَمَّدُ الْفَسَادَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ ( قَوْلُهُ : أَوْ سَقَطَ مِنْ دَابَّةٍ ) أَقُولُ قِيلَ هَذَا إذَا كَانَ كَبِيرًا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ وَيَرْكَبُ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَتَاعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ قَوْلُهُ : حَتَّى أَنَّ الْخَتَّانَ لَوْ قَطَعَ الْحَشَفَةَ وَبَرِئَ الْمَقْطُوعُ تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ) أَقُولُ وَبِقَطْعِ بَعْضِهَا يَجِبُ حُكُومَةُ عَدْلٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَتْقَانِيُّ

( فَإِنْ انْكَسَرَ دَنٌّ فِي الطَّرِيقِ ضَمِنَ الْحَمَّالُ قِيمَتَهُ فِي مَكَانِ حَمْلِهِ بِلَا أَجْرٍ أَوْ مَكَانِ كَسْرِهِ بِحِصَّةِ أَجْرِهِ ) أَمَّا الضَّمَانُ فَلِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ الْعَقْدِ عَمَلٌ عَلَى سَلِيمٍ وَالْمُفْسَدُ غَيْرُ دَاخِلٍ وَأَمَّا الْخِيَارُ فَلِأَنَّهُ إذَا انْكَسَرَ فِي الطَّرِيقِ وَالْحَمْلُ شَيْءٌ وَاحِدٌ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاقِعٌ تَعَدِّيًا مِنْ الِابْتِدَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَمْلِ حَصَلَ بِأَمْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا ، وَإِنَّمَا صَارَ تَعَدِّيًا عِنْدَ الْكَسْرِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّ الْجِهَتَيْنِ شَاءَ ، فَإِنْ مَال إلَى كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَا يَجِبُ الْأَجْرُ إذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا مِنْ الِابْتِدَاءِ ، وَإِنْ مَال إلَى كَوْنِهِ مَأْذُونًا فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ ، وَإِنَّمَا صَارَ مُتَعَدِّيًا عِنْدَ الْكَسْرِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ عِنْدَ الْكَسْرِ وَأَعْطَاهُ أُجْرَتَهُ بِحِسَابِهِ -
( قَوْلُهُ : وَإِنْ انْكَسَرَ دَنٌّ ) أَقُولُ يَعْنِي إذَا كَانَ الْكَسْرُ بِصُنْعِهِ بِأَنْ زَلَقَ أَوْ عَثَرَ أَوْ كَسَرَهُ عَمْدًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ بِأَنْ زَحَمَهُ النَّاسُ فَانْكَسَرَ فَلَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ قَمَيْتَهُ فِي مَوْضِعِ الْكَسْرِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ

.
( وَ ) ثَانِي النَّوْعَيْنِ الْأَجِيرُ ( الْخَاصُّ ) وَيُسَمَّى أَجِيرَ وَاحِدٍ أَيْضًا ( هُوَ مَنْ يَعْمَلُ لِوَاحِدٍ عَمَلًا مُؤَقَّتًا بِالتَّخْصِيصِ ) وَفَوَائِدُ الْقُيُودِ عُرِفَتْ مِمَّا سَبَقَ ( وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ مُدَّتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَأَجِيرِ شَخْصٍ لِخِدْمَتِهِ أَوْ رَعْيِ غَنَمِهِ ) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُ وَالْأَجْرُ مُقَابَلٌ بِهَا فَيَسْتَحِقُّهُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْعَمَلِ مَانِعٌ كَالْمَرَضِ وَالْمَطَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ التَّمَكُّنَ مِنْ الْعَمَلِ اعْلَمْ أَنَّ الْأَجِيرَ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِرَعْيِ الْغَنَمِ إنَّمَا يَكُونُ أَجِيرًا خَاصًّا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْدُمَ غَيْرَهُ وَلَا يَرْعَى لِغَيْرِهِ أَوْ ذَكَرَ الْمُدَّةَ أَوْ لَا نَحْوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَاعِيًا شَهْرًا لِيَرْعَى لَهُ غَنَمًا مُسَمَّاةً بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ ، فَإِنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ أَقُولُ سِرُّهُ أَنَّهُ أَوْقَعَ الْكَلَامَ عَلَى الْمُدَّةِ فِي أَوَّلِهِ فَتَكُونُ مَنَافِعُهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ فِيهَا أَيْضًا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَرْعَى الْغَنَمَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِإِيقَاعِ الْعَقْدِ عَلَى الْعَمَلِ فَيَصِيرُ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا ؛ لِأَنَّهُ مَنْ يَقَعُ عَقْدُهُ عَلَى الْعَمَلِ وَأَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ نَوْعِ الْعَمَلِ الْوَاجِبِ عَلَى الْأَجِيرِ الْخَاصِّ فِي الْمُدَّةِ ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْمُدَّةِ لَا تَصِحُّ فِي الْأَجِيرِ الْخَاصِّ مَا لَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَ الْعَمَلِ بِأَنْ يَقُولَ أَسْتَأْجَرْتُك شَهْرًا لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِلْحَصَادِ فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ بِالِاحْتِمَالِ فَيَبْقَى أَجِيرَ وَحْدٍ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَى خِلَافِهِ بِأَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ تَرْعَى غَنَمَ غَيْرِي مَعَ غَنَمِي وَهَذَا ظَاهِرٌ وَأَخَّرَ الْمُدَّةَ بِأَنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَرْعَى غَنَمًا مُسَمَّاةً لَهُ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ شَهْرًا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ أَجِيرًا مُشْتَرَكًا بِأَوَّلِ الْكَلَامِ لِإِيقَاعِ الْعَقْدِ عَلَى الْعَمَلِ فِي

أَوَّلِهِ ، وَقَوْلُهُ شَهْرًا فِي آخِرِ الْكَلَامِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِإِيقَاعِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُدَّةِ فَيَصِيرُ أَجِيرَ وَحْدٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِتَقْدِيرِ الْعَمَلِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ أَوَّلُ كَلَامِهِ بِالِاحْتِمَالِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِخِلَافِهِ -
( قَوْلُهُ : اعْلَمْ إلَى آخِرِ السِّوَادَةِ ) مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ ( قَوْلُهُ : أَوْ ذَكَرَ الْمُدَّةَ أَوْ لَا نَحْوُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَاعِيًا شَهْرًا لِيَرْعَى لَهُ غَنَمًا مُسَمَّاةً بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ ) أَقُولُ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَانَ فَاسِدًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَصِحَّتُهُ أَنْ يَلِيَ ذِكْرَ الْمُدَّةِ الْأَجْرُ فَتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ : فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ

( وَلَا يَضْمَنُ مَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ بِعَمَلِهِ ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْعَيْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا عِنْدَهُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ تَضْمِينَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ نَوْعُ اسْتِحْسَانٍ عِنْدَهُمَا صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ الْأَعْمَالَ مِنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ طَمَعًا فِي كَثْرَةِ الْأَجْرِ وَقَدْ يَعْجَزُ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا فَيَمْكُثُ عِنْدَهُ طَوِيلًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَتْ بِمَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ فِي حِفْظِهَا وَأَجِيرُ الْوَاحِدِ لَا يَتَقَبَّلُ الْأَعْمَالَ فَأَخَذَا فِيهِ بِالْقِيَاسِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمُسْتَأْجِرِ ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِالصَّرْفِ إلَى مِلْكِهِ صَحَّ وَصَارَ نَائِبًا مَنَابَهُ فَصَارَ فِعْلُهُ مَنْقُولًا إلَيْهِ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( فَلَا تَضْمَنُ ظِئْرُ صَبِيٍّ ضَاعَ ) أَيْ الصَّبِيُّ ( فِي يَدِهَا أَوْ سُرِقَ مَا عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ الْحُلِيِّ لِكَوْنِهَا أَجِيرَ

وَحْدٍ ( صَحَّ تَرْدِيدُ الْأَجْرِ بِالتَّرْدِيدِ فِي الْعَمَلِ ) نَحْوُ إنْ خِطْتَهُ فَارِسِيًّا فَبِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ خِطْتَهُ رُومِيًّا فَبِدِرْهَمَيْنِ ( وَزَمَانِهِ ) نَحْوُ إنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَبِنِصْفِهِ ( وَمَكَانِهِ ) نَحْوُ إنْ سَكَنْت فِي هَذِهِ الدَّارِ فَبِدِرْهَمٍ أَوْ هَذِهِ فَبِدِرْهَمَيْنِ ( وَالْعَامِلِ ) نَحْوُ إنْ تُسْكِنْ فِيهِ عَطَّارًا فَبِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ تُسْكِنْ حَدَّادًا فَبِدِرْهَمَيْنِ ( وَالْمَسَافَةُ ) نَحْوُ إنْ تَذْهَبْ إلَى الْكُوفَةِ فَبِدِرْهَمٍ وَإِنْ تَذْهَبْ إلَى وَاسِطَ فَبِدِرْهَمَيْنِ ( وَالْحَمْلُ ) نَحْوُ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهَا شَعِيرًا فَبِدِرْهَمٍ أَوْ بُرًّا فَبِدِرْهَمَيْنِ وَكَذَا إذَا خَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلَوْ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي الْبَيْعِ ، وَالْجَامِعُ دَفْعُ الْحَاجَةِ لَكِنْ يَجِبُ اشْتِرَاطُ خِيَارِ التَّعْيِينِ فِي الْبَيْعِ لَا الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ إنَّمَا يَجِبُ بِالْعَمَلِ ، وَإِذَا وُجِدَ يَصِيرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا وَفِي الْبَيْعِ يَجِبُ الثَّمَنُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَتَتَحَقَّقُ الْجَهَالَةُ بِحَيْثُ لَا يَرْتَفِعُ النِّزَاعُ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهُ ( وَيَجِبُ أَجْرُ مَا وُجِدَ مِنْ ) الْأَمْرَيْنِ ( الْمُرَدَّدِ فِيهِمَا ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ( لَكِنْ إذَا كَانَ ) أَيْ التَّرْدِيدُ ( فِي الزَّمَانِ ) نَحْوُ إنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ فَبِدِرْهَمٍ ، وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَبِنِصْفِهِ ( يَجِبُ فِي الْأَوَّلِ ) أَيْ يَجِبُ إذَا وُجِدَ الْعَمَلُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْيَوْمَيْنِ الْمُرَدَّدِ فِيهِمَا مَا سُمِّيَ مِنْ الْأَجْرِ .
( وَفِي الثَّانِي ) أَيْ يَجِبُ إذَا وُجِدَ الْعَمَلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْهُمَا ( أَجْرُ الْمِثْلِ غَيْرُ زَائِدٍ عَلَى الْمُسَمَّى ) وَعِنْدَهُمَا الشَّرْطَانِ جَائِزَانِ وَعِنْدَ زُفَرَ فَاسِدَانِ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَوْمِ لِلتَّعْجِيلِ وَذِكْرَ الْغَدِ لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ فَيَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَسْمِيَتَانِ ، وَالْوَاجِبُ إحْدَاهُمَا وَهِيَ مَجْهُولَةٌ كَمَا لَوْ قَالَ : خِطْهُ الْيَوْمَ بِدِرْهَمٍ أَوْ نِصْفِ دِرْهَمٍ وَلَهُمَا

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25