كتاب : الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح
المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية

بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا الله محمد رسول الله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين
و الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمت والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون
و الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل
والله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا

سورة الكهف الآيات 1 5
وسورة سبأ الآيتان ا 2
وسورة فاطر الآية 1 2
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم
سورة البقرة الآية 255
الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الأول الآخر الظاهر الباطن الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز

الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا أرسله بالحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس عربهم وعجمهم أميهم وكتابيهم وأنزل عليه
سورة الزمر الآية 23
كتاب أنزله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ويهديهم
سورة إبراهيم الآية 21
هداهم به إلى صراط مستقيم صراط الذي له ما في السموات وما في الأرض وهو صراط الذين أنعم الله عليم من

النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو دين الله الذي بعث به الرسل قبله كما قال تعالى
سورة الشورى الآية 13
وقال تعالى سورة المؤمنون الآيتان 51 52
وقال في الآية الاخرى سورة الأنبياء الآية 92
سورة المؤمنون الآية 53 قال تعالى

سورة الأنبياء الآية 25
وقال تعالى سورة النحل الآية 36
أنزل عليه الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فصدق كتابه ما بين يديه من كتب السماء وأمر بالإيمان بجميع الأنبياء كما قال تعالى سورة البقرة الآيتان 136 137

وهيمن على ما بين يديه من الكتاب وذلك يعم الكتب كلها شاهدا وحاكما ومؤتمنا يشهد بمثل ما فيها من الأخبار الصادقة
وقرر ما في الكتاب الأول من أصول الدين وشرائعه الجامعة التي اتفقت عليها الرسل كالوصايا المذكورة في آخر الأنعام وأول الأعراف وسورة سبحان ونحوها من السور المكية
قال تعالى سورة الأنعام الآيات 150 153

وقال تعالى سورة الأعراف الآيات 29 32 وقال تعالى

سورة الإسراء الآيات 23 39
فدين الأنبياء والمرسلين دين واحد وإن كان لكل من التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاج ولهذا قال صلى الله عليه

وسلم في الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم إنا معشر الأنبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا إنه ليس بيني وبينه نبي
فدين المرسلين يخالف دين المشركين المبتدعين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا

قال تعالى سورة الروم الآيات 30 32
وقال تعالى سورة المؤمنون الآيات 50 53
وقال تعالى سورة الشورى الآية 13
وقد خص الله تبارك وتعالى محمدا صلى الله عليه و سلم

بخصائص ميزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين وجعل له شرعة ومنهاجا أفضل شرعة وأكمل منهاج
كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله من جميع الأجناس هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم وجعلهم وسطا عدلا خيارا فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته وفي الإيمان برسله وكتبه وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام
فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث لم يحرك عليهم شيئا من الطيبات كما حرم على اليهود ولم يحل لهم شيئا من الخبائث كما استحلتها النصارى ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيق على اليهود ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى فلا يوجبون الطهارة من الجنابة ولا الوضوء للصلاة ولا اجتناب النجاسة في الصلاة بل يعد كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات حتى يقال في فضائل الراهب له أربعةن سنة ما مس الماء ولهذا تركوا الختان

مع أنه شرع إبراهيم الخليل عليه السلام وأتباعه
واليهود إذا حاضت عندهم المرأة لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يقعدون معها في بيت واحد والنصارى لا يحرمون وطء الحائض
وكان اليهود لا يرون إزالة النجاسة بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض والنصارى ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله أو تحرم الصلاة معه

ولذلك المسلمون وسط في الشريعة فلم يجحدوا شرعه الناسخ لأجل شرعه المنسوخ كما فعلت اليهود ولا غيروا شيئا من شرعه المحكم ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود ولا جعلوا الخالق سبحانه متصفا بخصائص المخلوق ونقائضه ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود ولا المخلوق متصفا بخصائص الخالق سبحانه التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود ولا أشركوا بعبادته أحدا كفعل النصارى
وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل فهم وسط في باب صفات الله عز و جل بين أهل الجحد والتعطيل وبين أهل التشبيه والتمثيل يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله من غير تعطيل ولا تمثيل إثباتا لصفات الكمال وتنزيها له عن أن يكون له فيها أندادا وأمثال إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل
كما قال تعالى ليس كمثله شيء
رد على الممثلة وهو السميع البصير

رد على المعطلة

وقال تعالى سورة الإخلاص كلها
فالصمد السيد المستوجب لصفات الكمال والأحد الذي ليس له كفو ولا مثال وهم وسط في باب أفعال الله عز و جل بين المعتزلة المكذبين للقدر والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته

وعدله والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه
وفي باب الوعد والوعيد بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد

عصاة المسلمين في النار وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار
وهم وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم بين الغالي في بعضهم الذي يقول بإلهية أو نبوة أو عصمة والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه وهم خيار هذه الأمة

والله سبحانه أرسل محمدا صلى الله عليه و سلم للناس رحمة وأنعم به نعمة يا لها من نعمة
قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين
وقال تعالى ألم ترك إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا
وهم الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه و سلم فإرساله أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده يجمع الله لأمته بخاتم المرسلين وإمام المتقين وسيد ولد آدم أجمعين ما فرقه في غيرهم من الفضائل وزادهم من فضله أنواع الفواضل بل أتاهم كفلين من رحمته كما قال تعالى

سورة الحديد الآية 28 29
وفي الصحيحين عن ابن عمر وأبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط
فعملت اليهود إلى نصف النهار ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط
فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين
ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين
فغضبت اليهود والنصارى فقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء

فقال الله تعالى فهل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال الله تعالى فإنه فضلي أعطيه من شئت
أما بعد فإن الله تبارك وتعالى جعل محمدا صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين وأكمل له ولأمته الدين وبعثه على حين فترة من الرسل وظهور الكفر وانطماس السبل فأحيا به ما درس من معالم الإيمان وقمع به أهل الشرك من عباد الأوثان والنيران والصلبان وأذل به كفار أهل الكتاب أهل الشك والأرتياب وأقام به منار دينه الذي ارتضاه وشاد به ذكر من اجتباه من عباده واصطفاه وأظهر به ما كان مخفيا عند أهل الكتاب وأبان به ما عدلوا فيه عن منهج الصواب وحقق به صدق التوراة الزبور والإنجيل وأماط به عنها ما ليس بحقها من باطل التحريف والتبديل

وكان من سنة الله تبارك وتعالى مواترة الرسل وتعميم الخلق بهم بحيث يبعث في كل أمة رسولا ليقيم هداه وحجته كما قال تعالى سورة النحل الآية 36
وقال تعالى سورة فاطر الآية 24
وقال تعالى سورة المؤمنون الآية 44
وقال تعالى سورة النساء الآيات 163 165
ولما أهبط آدم إلى الأرض قال تعالى

سورة طه الآيات 123 127
وقال تعالى عن أهل النار سورة الملك الآيات 8 10
وقال تعالى سورة الإسراء الآية 15
وقال تعالى سورة الأنعام الآيتان 130 131

فصل
وكان دينه الذي ارتضاه الله لنفسه هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل ولا يقبل من أحد دينا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين
وهو دين الأنبياء وأتباعهم كما أخبر الله تعالى بذلك عن نوح ومن بعده إلى الحواريين
قال تعالى سورة يونس الآيتان 71 72
وقال تعالى عن إبراهيم سورة البقرة الآيات 130 132

وقال تعالى عن يوسف الصديق سورة يوسف الآية 101
وقال تعالى عن موسى أنه قال سورة يونس الآية 84
وأخبر تعالى عن السحرة أنهم قالوا لفرعون سورة الأعراف الآية 126
وقال تعالى عن بلقيس ملكة اليمن

سورة النمل الآية 44
وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل سورة المائدة الآية 44
وقال تعالى عن المسيح سورة آل عمران 52
وقال تعالى سورة المائدة الآية 111
فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم هو دين الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له وعبادته تعالى في كل زمان ومكان بطاعة رسله عليهم السلام
فلا يكون عابدا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله كالذين قال فيهم

سورة الشورى الآية 21
فلا يكون مؤمنا به إلا من عبده بطاعة رسله ولا يكون مؤمنا به ولا عابدا له إلا من آمن بجميع رسله وأطاع من أرسل إليه فيطاع كل رسول إلى أن يأتي الذي بعده فتكون الطاعة للرسول الثاني
قال تعالى سورة النساء الآية 64
ومن فرق بين رسله فآمن ببعض وكفر ببعض كان كافرا كما قال تعالى سورة النساء الآيات 150 152
فلما كان محمد صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين ولم يكن بعده رسول ولا من يجدد الدين لم يزل الله سبحانه وتعالى

يقيم لتجديد الدين من الأسباب ما يكون مقتضيا لظهوره كما وعد به في الكتاب فيظهر به محاسن الإيمان ومحامده ويعرف به مساوئ الكفر ومفاسده
ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين وبيان حقيقة أنباء المرسلين ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين
كما قال تعالى سورة الأنعام الآيات 112 115
وقال تعالى سورة الفرقان الآيات 27 31
وذلك أن الحق إذا جحد وعورض بالشبهات أقام الله تعالى له مما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات

بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة
فالقرآن لما كذب به المشركون واجتهدوا على ابطاله بكل طريق مع أنه تحداهم بالإتيان بمثله ثم بالإتيان بعشر سور ثم بالإتيان بسورة واحدة كان ذلك مما دل ذوي الألباب على عجزهم عن المعارضة مع شدة الاجتهاد وقوة الأسباب ولو اتبعوه من غير معارضة وإصرار على التبطيل لم يظهر عجزهم عن معارضته التي بها يتم الدليل
وكذلك السحرة لما عارضوا موسى عليه السلام وأبطل الله ما جاؤا به كان ذلك مما بين الله تبارك وتعالى به صدق ما جاء به موسى عليه السلام وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبراهينهم التي تسمى بالمعجزات وبين ما قد يشتبه بها من خوارق السحرة وما للشيطان من التصرفات فإن بين هذين فروقا متعددة منها ما ذكره الله تعالى في قوله سورة الشعراء الآيتان 221 222
ومنها ما بينه في آيات التحدي من آيات الأنبياء عليهم السلام لا يمكن أن تعارض بالمثل فضلا عن الأقوى ولا يمكن أحدا إبطالها بخلاف خوارق السحرة والشياطين فإنه يمكن معارضتها بمثلها وأقوى منها ويمكن إبطالها

وكذلك سائر أعداء الأنبياء من المجرمين شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا إذا أظهروا من حججهم ما يحتجون به على دينهم المخالف لدين الرسول ويموهون في ذلك بما يلفقونه من منقول ومعقول كان ذلك من أسباب ظهور الإيمان الذي وعد بظهوره على الدين كله بالبيان والحجة والبرهان ثم بالسيف واليد والسنان
قال الله تعالى سورة الحديد الآية 25
وذلك بما يقيمه الله تبارك وتعالى من الآيات والدلائل التي يطهر بها الحق من الباطل والخالي من العاطل والهدى من الضلال والصدق من المحال والغي من الرشاد والصلاح من الفساد والخطأ من السداد وهذا كالمحنة للرجال التي تميز بين الخبيث والطيب قال تعالى سورة آل عمران الآية 179

وقال تعالى سورة العنكبوت الآيات 1 4
والفتنة هي الامتحان والاختبار كما قال موسى عليه السلام سورة الأعراف الآية 155
أي امتحانك واختبارك تضل بها من خالف الرسل وتهدي بها من اتبعهم
والفتنة للإنسان كفتنة الذهب إذا أدخل كير الامتحان فإنها تميز جيده من رديئه فالحق كالذهب الخالص كلما امتحن ازداد جودة والباطل كالمغشوش المضيء إذا امتحن ظهر فساده
فالدين الحق كلما نظر فيه الناظر وناظر عنه المناظر ظهرت له البراهين وقوي به اليقين وازداد به إيمان المؤمنين وأشرق نوره في صدور العالمين
والدين الباطل إذا جادل عنه المجادل ورام أن يقيم عوده المائل أقام الله تبارك وتعالى من يقدف بالحق على الباطل

فيدمغه فإذا هو زاهق وتبين أن صاحبه الأحمق كاذب مائق وظهر فيه من القبح والفساد والحلول والاتحاد والتناقض

والإلجاد والكفر والضلال والجهل والمحال ما يظهر به لعموم الرجال أن أهله من أضل الضلال حتى يظهر فيه من الفساد ما لم يكن يعرفه أكثر العباد ويتنبه بذلك من سنة الرقاد من كان لا يميز الغي من الرشاد ويحيى بالعلم والإيمان من كان ميت القلب لا يعرف معروف الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا ينكر منكر المغضوب عليهم والضالين فإن ما ذم الله به اليهود والنصارى في كتابه مثل تكذيب الحق المخالف للهوى والاستكبار عن قبوله وحسد أهله والبغي عليهم واتباع سبيل الغي والبخل والجبن وقسوة القلوب ووصف الله سبحانه وتعالى بمثل عيوب المخلوقين ونقائصهم وجحد ما وصف به نفسه من صفات

الكمال المختصة به التي لا يماثله فيها مخلوق ويمثل الغلو في الأنبياء والصالحين والإشراك في العبادة لرب العالمين والقول بالحلول والاتحاد الذي يجعل العبد المخلوق هو رب العباد والخروج في أعمال الدين عن شرائع الأنبياء والمرسلين والعمل بمجرد هوى القلب وذوقه ووجده في الدين من غير اتباع العلم الذي أنزله الله في كتابه المبين واتخاذ أكابر العلماء والعباد أربابا يتبعون فيما يبتدعونه من الدين المخالف للأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى سورة التوبة الآية 32
ومخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول بما يظن أنه من التنزلات الإلهية والفتوحات القدسية مع كونه من وساوس اللعين حتى يكون صاحبها ممن قال الله فيه سورة الملك الآية 10
وقال تعالى

سورة الأعراف الآية 179
إلى غير ذلك من أنواع البدع والضلالات التي ذم الله بها أهل الكتابين فإنها مما حذر الله منه هذه الأمة الأخيار وجعل ما حل بها عبرة لأولي الابصار
وقد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أنه لا بد من وقوعها في بعض هذه الأمة وإن كان قد أخبر صلى الله عليه و سلم أنه لا يزال في أمته أمة قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة وأن أمته لا تجتمع على ضلالة ولا يغلبها من سواها من الأمم بل لا تزال منصورة متبعة لنبيها المهدي المنصور
لكن لا بد أن يكون فيها من يتتبع سنن اليهود والنصارى والروم والمجوس كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لتتبعن سنن

من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن
وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لتأخذ أمتي مأخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا يا رسول الله فارس والروم قال فمن الناس إلا أولئك

وفي المظهرين للإسلام منافقون والمنافقون في الدرك الأسفل من النار تحت اليهود والنصارى فلهذا كان ما ذم الله به اليهود والنصارى قد يوجد في المنافقين المنتسبين للإسلام الذين يظهرون الإيمان بجميع ما جاء به الرسول ويبطنون خلاف ذلك كالملاحدة الباطنية فضلا عمن يظهر الإلحاد منهم

ويوجد بعض ذلك في أهل البدع ممن هو مقر بعموم رسالة النبي صلى الله عليه و سلم باطنا وظاهرا لكن اشتبه عليه بعض ما اشتبه على هؤلاء فاتبع المتشابه وترك المحكم كالخوارج وغيرهم من أهل الأهواء
وللنصارى في صفات الله سبحانه وتعالى واتحاده بالمخلوقات ضلال شاركهم فيه كثير من هؤلاء بل من الملاحدة من هو أعظم ضلالا من النصارى
والحلول والاتحاد نوعان عام وخاص
فالعام كالذين يقولون إن الله بذاته حال في كل مكان أو أن وجوده عين وجود المخلوقات
والخاص كالذين يقولون بالحلول والاتحاد في بعض أهل البيت كعلي وغيره مثل النصيرية وأمثالهم أو بعض من ينتسب

إلى أهل البيت كالحاكم وغيره مثل الدرزية وأمثالهم

أو بعض من يعتقد فيه المشيخة كالحلاجية وأمثالهم
فمن قال إن الله سبحانه وتعالى حل أو اتحد بأحد من الصحابة أو القرابة أو المشايخ فهو من هذا الوجه أكفر من النصارى الذين قالوا بالاتحاد والحلول في المسيح فإن المسيح عليه السلام أفضل من هؤلاء كلهم

ومن قال بالحلول والاتحاد العام فضلاله أعم من ضلال النصارى وكذلك من قال بقدم أرواح بني آدم أو أعمالهم أو كلامهم أو أصواتهم أو مداد مصاحفهم أو نحو ذلك ففي قوله شعبة من قول النصارى
فبمعرفة حقيقة دين النصارى وبطلانه يعرف به بطلان ما يشبه أقوالهم من أقوال أهل الإلحاد والبدع
فإذا جاء نور الإيمان والقرآن أزهق الله به ما خالفه كما قال تعالى سورة الإسراء الآية 81
وأبان الله سبحانه وتعالى من فضائل الحق ومحاسنه ما كان به محقوقا
وكان من أسباب نصر الدين وظهوره أن كتابا ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى بما يحتج به علماء دينهم وفضلاء ملتهم قديما وحديثا من الحجج السمعية والعقلية فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب وبيان الخطأ من الصواب لينتفع بذلك أولو الألباب ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان والكتاب

وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلا فصلا وأتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعا وأصلا وعقدا وحلا
وما ذكروه في هذا الكتاب هو عمدتهم التي يعتمد عليها علماؤهم في مثل هذا الزمان وقبل هذا الزمان وإن كان قد يزيد بعضهم على بعض بحسب الأحوال فإن هذه الرسالة وجدناهم يعتمدون عليها قبل ذلك ويتناقلها علماؤهم بينهم والنسخ بها موجودة قديمة وهي مضافة إلى بولص الراهب أسقف

صيدا الأنطاكي كتبها إلى بعض أصدقائه وله مصنفات في نصر النصرانية وذكر أنه لما سافر إلى بلاد الروم والقسطنطينية وبلاد الملافطة وبعض أعمال الافرنج

ورومية واجتمع بأجلاء أهل تلك الناحية وفاوض أفاضلهم وعلماءهم وقد عظم هذه الرسالة وسماها الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح والرأي المستقيم
ومضمون ذلك ستة فصول
الفصل الأول دعواهم أن محمدا صلى الله عليه و سلم لم يبعث إليهم بل إلى أهل الجاهلية من العرب ودعواهم أن في القرآن ما يدل على ذلك والعقل يدل على ذلك
الفصل الثاني دعواهم أن محمدا صلى الله عليه و سلم أثنى في القرآن على دينهم الذي هم عليه ومدحه بما أوجب لهم أن يثبتوا عليه
الفصل الثالث دعواهم أن نبوات الأنبياء المتقدمين كالتوراة والزبور والإنجيل وغير ذلك من

النبوات تشهد لدينهم الذي هم عليه من الأقانيم

والتثليث والاتحاد وغير ذلك بأنه حق وصواب فيجب التمسك به ولا يجوز العدول عنه إذا لم يعارضه شرع يرفعه ولا عقل يدفعه
والفصل الرابع فيه تقرير ذلك بالمعقول وأن ما هم عليه من التثليث ثابت بالنظر المعقول والشرع المنقول موافق للأصول
والفصل الخامس دعواهم أنهم موحدون والاعتذار عما يقولونه من ألفاظ يظهر منها تعدد الآلهة كألفاظ الاقانيم فإن ذلك من جنس ما عند المسلمين من النصوص التي يظهر منها التشبيه والتجسيم

والفصل السادس أن المسيح عليه السلام جاء بعد موسى عليه السلام بغاية الكمال فلا حاجة بعد النهاية إلى شرع يزيد على الغاية بل يكون ما بعد ذلك شرعا غير مقبول
ونحن ولله الحمد والمنة نبين أن كل ما احتجوا به من حجة سمعية من القرآن أو من الكتب المتقدمة على القرآن أو عقلية فلا حجة لهم في شيء منها بل الكتب كلها مع القرآن والعقل حجة عليهم لا لهم بل عامة ما يحتجون به من نصوص الأنبياء ومن المعقول فهو نفسه حجة عليهم ويظهر منه فساد قولهم مع ما يفسده من سائر النصوص النبوية والموازين التي هي مقاييس عقلية
وهكذا يوجد عامة ما يحتج به أهل البدع من كتب الله عز و جل ففي تلك النصوص ما يتبين أنه لا حجة لهم فيها بل

هي بعينها حجة عليهم كما ذكر أمثال ذلك في الرد على أهل البدع والأهواء وغيرهم من أهل القبلة
وإنما عامة ما عند القوم ألفاظ متشابهة تمسكوا بما ظنوها تدل عليه وعدلوا عن الألفاظ المحكمة الصريحة المبينة مع ما يقترن بذلك من الأهواء
وهذه حال أهل الباطن كما قال تعالى فيهم سورة النجم الآية 23
فهم في جهل وظلم كما قال تعالى سورة الأحزاب الآية 72 73
فالمؤمنون الذين تاب الله عليهم من الجهل والظلم هم أتباع الأنبياء عليهم السلام فإن الأنبياء بعثوا بالعلم والعدل كما قال تعالى سورة النجم الآيات 1 4

فبين سبحانه وتعالى أنه ليس ضالا جاهلا ولا غاويا متبعا هواه ولا ينطق عن هواه إنما نطقه وحي أوحاه الله سبحانه وتعالى
وقال تعالى سورة الفتح الآية 28
فالهدى يتضمن العلم النافع ودين الحق يتضمن العمل الصالح ومبناه على العدل كما قال تعالى سورة الحديد الآية 25
وأصل العدل العدل في حق الله تعالى وهو عبادته وحده لا شريك له فإن الشرك ظلم عظيم كما قال لقمان لابنه سورة لقمان الآية 13

وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما نزلت الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الآية
شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وقالوا أينا لم يظلم نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس هو كما تظنون إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم
ولما كان أتباع الأنبياء هم أهل العلم والعدل كان كلام أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهل البدع بالعلم والعدل لا بالظن وما تهوى الأنفس ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ورجل قضى

للناس على جهل فهو في النار رواه أبو داود وغيره
فإذا كان من يقضي بين الناس في الأموال والدماء والأعراض إذا لم يكن عالما عادلا كان في النار فكيف بمن يحكم في الملل والأديان وأصول الإيمان والمعارف الإلهية والمعالم الكلية بلا علم ولا عدل كحال أهل البدع والأهواء الذين يتمسكون بالمتشابه المشكوك ويدعون المحكم الصريح من نصوص

الأنبياء ويتمسكون بالقدر المشترك المتشابه في المقاييس والآراء ويعرضون عما بينهما من الفروق المانعة من الإلحاق والاستواء كحال الكفار وسائر أهل البدع والأهواء الذين يمثلون المخلوق بالخالق والخالق بالمخلوق ويضربون لله المثل بالقول الهزء
وذلك أن دين النصارى الباطل إنما هو دين مبتدع ابتدعوه بعد المسيح عليه السلام وغيروا به دين المسيح فضل منهم من عدل عن شريعة المسيح إلى ما ابتدعوه

ثم لما بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم كفروا به فصار كفرهم وضلالهم من هذين الوجهين تبديل دين الرسول الأول وتكذيب الرسول الثاني
كما كان كفر اليهود بتبديلهم أحكام التوراة قبل مبعث المسيح ثم تكذيبهم المسيح عليه السلام
ونبين إن شاء الله أن ما عليه النصارى من التثليث والاتحاد لم يدل عليه شيء من كتب الله لا الإنجيل ولا غيره بل دلت على نقيض ذلك ولا دل على ذلك عقل بل العقل الصريح مع نصوص الأنبياء تدل على نقيض ذلك بل وكذلك عامة شرائع دينهم محدثة مبتدعة لم يشرعها المسيح عليه السلام
ثم التكذيب لمحمد صلى الله عليه و سلم هو كفرهم المعلوم لكل مسلم مثل كفر اليهود بالمسيح عليه السلام وأبلغ
وهم يبالغون في تكفير اليهود بأعظم مما يستحقه اليهود من التكفير إذ كان اليهود يزعمون أن المسيح ساحر كذاب بل يقولون إنه ولد غية كما أخبر الله عنهم بقوله

سورة النساء الآية 156
والنصارى يدعون أن الله الذي خلق الأولين والآخرين وأنه ديان يوم الدين فكانت الأمتان فيه على غاية التناقض والتعادي والتقابل ولهذا كل أمة تذم الأخرى بأكثر مما تستحقه كما قال تعالى سورة البقرة الآية 113
ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي

محمد مولى زيد بن ثابت
عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس

رضي الله عنهما أنه قال لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه و سلم أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رافع بن حريملة ما أنتم على شيء وكفر بعيسى والإنجيل جميعا فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة فأنزل الله ذلك في قولهما وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب

قال كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر أي تكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى عليه السلام وفي الإنجيل بإجابة عيسى بتصديق موسى وبما جاء به من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يدي صاحبه
قال قتادة وقالت اليهود ليست النصارى على شيء قال بلى قد كان أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا

وقالت النصارى ليست اليهود على شيء قال بلى قد كانت أوائل اليهود على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا
فاليهود كذبوا بدين النصارى وقالوا ليسوا على شيء والنصارى كذبوا بجميع ما تميز به اليهود عنهم حتى في شرائع التوراة التي لم ينسخها المسيح بل أمرهم بالعمل بها وكذبوا بكثير من الذين تميزوا به عنهم حتى كذبوا بما جاء به عيسى عليه السلام من الحق
لكن النصارى وإن بالغوا في تكفير اليهود ومعاداتهم على الحد الواجب عما ابتدعوه من الغلو والضلال فلا ريب أن اليهود لما كذبوا المسيح صاروا كفارا كما قال تعالى للمسيح سورة آل عمران الآية 55
وقال تعالى سورة الصف الآية 14

وكفر النصارى بتكذيب محمد صلى الله عليه و سلم وبمخالفة المسلمين أعظم من كفر اليهود بمجرد تكذيب المسيح فإن المسيح لم ينسخ من شرع التوراة إلا قليلا وسائر شرعه إحالة على التوراة ولكن عامة دين النصارى أحدثوه بعد المسيح فلم يكن في مجرد تكذيب اليهود له من مخالفة شرع الله الذي جاء بكتاب مستقل من عند الله لم يحل شيئا من شرعه على شرع غيره
قال الله تعالى سورة العنكبوت الآية 51
والقرآن أصل كالتوراة وإن كان أعظم منها ولهذا علماء النصارى يقرنون بين موسى ومحمد صلى الله عليه و سلم كما قال النجاشي ملك النصارى لما سمع القرآن إن هذا والذي جاء به

موسى ليخرج من مشكاة واحدة
وكذلك قال ورقة بن نوفل وهو من أحبار نصارى العرب لما سمع كلام النبي صلى الله عليه و سلم فقال له إنه يأتيك الناموس الذي يأتي موسى يا ليتني فيها جذعا حين يخرجك

قومك فقال النبي صلى الله عليه و سلم أومخرجي هم قال نعم لم يأت أحد بمثل ما اتيت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا
ولهذا يقرن سبحانه بين التوراة والقرآن في مثل قوله فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا ويعني التوراة والقرآن وفي القراءة الأخرى قالوا ساحران أي محمد

وموسى سورة القصص الآية 48 49
فلم ينزل كتاب من عند الله أهدى من التوراة والقرآن ثم قال تعالى سورة القصص الآية 50
وهؤلاء النصارى ذكر كاتب كتابهم في كتابه أنه لما سأله سائل أن يفحص له فحصا بينا عما يعتقده النصارى المسيحيون المختلفة ألسنتهم المتفرقة في أربع زوايا العالم من المشرق إلى المغرب ومن الجنوب الى الشمال والقاطنون بجزائر البحر والمقيمون بالبر المتصل إلى مغيب الشمس وإن الأسقف

دميان الملك الرومي اجتمع بمن اجتمع به من أجلائهم ورؤسائهم وفاوض من فاوض من أفاضلهم وعلمائهم فيما علمه من رأي القوم الذين رآهم بجزائر البحر قبل دخوله إلى قبرص وخاطبهم في دينهم وما يعتقدونه ويحتجون به عن أنفسهم قال الكاتب على لسان الأسقف إنهم يقولون إنا سمعنا أن قد ظهر إنسان من العرب اسمه محمد يقول إنه رسول الله وأتى بكتاب فذكر أنه منزل عليه من الله فلم نزل إلى أن حصل الكتاب عندنا قال فقلت لهم إذا كنتم قد سمعتم بهذا الكتاب وهذا الإنسان واجتهدتم على تحصيل هذا الكتاب الذي أتى به عندكم فلاي حال لم تتبعوه ولا سيما وفي الكتاب يقول

سورة آل عمران الآية 85
أجابوا قائلين لأحوال شتى قال فقت وما هي قالوا منها أن الكتاب عربي وليس بلساننا حسب ما جاء فيه يقول سورة يوسف الآية 2
وقال سورة الشعراء الآية 195
وقال في سورة الشعراء الآية 198 199
وقال في سورة البقرة الآية 151
وقال في سورة آل عمران الآية 164
وقال تعالى في سورة القصص الآية 46

وقال في سورة السجدة الآية 3
وقال في سورة يس الآية 6
قالوا فلما رأينا هذا علمنا أنه لم يأت إلينا بل إلى جاهلية العرب الذين قال إنه لم يأتهم رسول ولا نذير من قبله وإنه لا يلزمنا اتباعه لأننا نحن قد أتانا رسل من قبله خاطبونا بألسنتنا وأنذرونا بديننا الذي نحن متمسكون به يومنا هذا وسلموا إلينا التوراة والإنجيل بلغاتنا على ما يشهد لهم هذا الكتاب الذي أتى به هذا الرجل حيث يقول في سورة إبراهيم الآية 5
وقال في سورة النحل الآية 36
وقال في سورة الروم الآية 47

فقد صح في هذا الكتاب أنه لم يأت إلا في الجاهلية من العرب وأما قوله سورة آل عمران الآية 85
فيريد بحسب مقتضى العدل قومه الذين أتاهم بلغتهم لا غيرهم ممن لم يأتهم بما جاء فيه
ونعلم أن الله عدل وليس من عدله أن يطالب يوم القيامة أمة باتباع إنسان لم يأت إليهم ولا وقفوا له على كتاب بلسانهم ولا من جهة داع من قبله
هذه ألفاظهم بأعيانها في الفصل الأول وهذا الفصل لم يتعرضوا فيه لا لتصديقه ولا لتكذيبه بل زعموا أن في نفس هذا الكتاب أنه لم يقل إنه مرسل إليهم بل إلى جاهلية العرب وإن العقل أيضا يمنع أن يرسل إليهم
فنحن نبدأ بالجواب عن هذا ونبين أنه صلى الله عليه

وسلم أخبر أنه مرسل إليهم وإلى جميع الإنس والجن وأنه لم يقل قط أنه لم يرسل إليهم ولا في كتابه ما يدل على ذلك
وأن ما احتجوا به من الآيات التي غلطوا في معرفة معناها فتركوا النصوص الكثيرة الصريحة في كتابه التي تبين أنه مرسل إليهم من جنس ما فعلوه في التوراة والإنجيل والزبور وكلام الأنبياء حيث تركوا النصوص الكثيرة الصريحة وتمسكوا بقليل من المتشابه الذي لم يفهموا معناه
ومعلوم أن الكلام في صدق مدعي الرسالة وكذبه متقدم على الكلام في عموم رسالته وخصوصها وإن كان قد يعلم أحدهما قبل الآخر لكن هؤلاء القوم ادعوا خصوص رسالته وذكروا أن القرآن يدل على ذلك فنجيب عما ذكروه على حسب ترتيبهم فصلا فصلا فنقول وبالله التوفيق
الكلام فيمن خاطب الخلق بأنه رسول الله إليهم كما فعل محمد صلى الله عليه و سلم وغيره ممن قال أنه رسول الله كإبراهيم وموسى ونحوهما من الرسل الصادقين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وآل كل من الصالحين وكمسيلمة الكذاب

والاسود العنسي ونحوهما من المتنبئين الكذابين ينبني على أصلين
أحدهما أن نعرف ما يقوله في خبره وأمره فنعرف ما يخبر به ويأمر به وهل قال إنه رسول الله إلى جميع الناس أو قال إنه لم يرسل إلا إلى طائفة معينة لا إلى غيرها
والثاني أن يعرف هل هو صادق أو كاذب
وبهذين الأصلين يتم الإيمان المفصل وهو معرفة صدق الرسول ومعرفة ما جاء به
وأما الإيمان المجمل فيحصل بالأول وهو معرفة صدقه فيما جاء به كإيماننا بالرسل المتقدمة وقد نعلم صدقه أو كذبه

وهؤلاء بدأوا في كتابهم هذا بما ذكره الرسول مما زعموا أنه حجة لهم على عدم وجوب اتباعه وعلى مدح دينهم الذي هم اليوم عليه بعد النسخ والتبديل ثم ذكروا حججا مستقلة على صحة دينهم ثم ذكروا ما يقدح فيه وفي دينه فلهذا قدمنا الجواب عما احتجوا به من القرآن كما قدموه في كتابهم

فصل
ودلائل صدق النبي الصادق وكذب المتنبي الكذاب كثيرة جدا فإن من ادعى النبوة وكان صادقا فهو من أفضل خلق الله وأكملهم في العلم والدين فإنه لا أحد أفضل من رسل الله وأنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه وإن كان بعضهم افضل من بعض كما قال تعالى سورة البقرة الآية 253
وقال تعالى سورة الإسراء الآية 55
وان كان المدعي للنبوة كاذبا فهو من أكفر خلق الله وشرهم كما قال تعالى سورة الأنعام الآية 93

وقال تعالى سورة الزمر الآيات 32 34
وقال تعالى سورة الزمر الآية 60
فالكذب أصل للشر وأعظمه الكذب على الله عز و جل والصدق أصل للخير وأعظمه الصدق على الله تبارك وتعالى
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال
عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا

ولما كان هذا من أعلى الدرجات وهذا من أسفل الدركات كان بينهما من الفروق والدلائل والبراهين التي تدل على صدق أحدها وكذب الآخر ما يظهر لكل من عرف حالهما ولهذا كانت دلائل الأنبياء وأعلامهم الدالة على صدقهم كثيرة متنوعة كما أن دلائل كذب المتنبئين كثيرة متنوعة كما قد بسط في موضع آخر

فصل
إذا عرف هذا فهؤلاء القوم في هذا المقام ادعوا أن محمدا صلى الله عليه و سلم لم يرسل إليهم بل إلى أهل الجاهلية من العرب فهذه الدعوى على وجهين
إما أن يقولوا إنه بنفسه لم يدع أنه أرسل إليهم ولكن أمته ادعوا له ذلك
وإما أن يقولوا إنه ادعى أنه أرسل إليهم وهو كاذب في هذه الدعوى وكلامهم في صدر هذا الكتاب يقتضي الوجه الأول
وفي آخره قد يقال أنهم اشاروا إلى الوجه الثاني لكنهم في الحقيقة لم ينكروا رسالته إلى العرب وإنما أنكروا رسالته إليهم
وأما رسالته إلى العرب فلم يصرحوا بتصديقه فيها ولا بتكذيبه وإن كان ظاهر لفظهم يقتضي الإقرار برسالته إلى العرب بل صدقوا بما وافق قولهم وكذبوا بما خالق قولهم
ونحن نبين أنه لا يصح احتجاجهم بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم ثم نتكلم على الوجهين جميعا ونبين أنه لا يصح احتجاجهم بشيء من القرآن على صحة دينهم بوجه من

الوجوه ونبين أن القرآن لا حجة فيه لهم ولا فيه تناقض
وكذلك كتب الأنبياء المتقدمين التي يحتجون بها هي حجة عليهم ليس في شيء منها حجة لهم ولو لم يبعث محمد صلى الله عليه و سلم فكيف والكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه و سلم موافق لسائر كلام الأنبياء عليهم السلام في إبطال دينهم وقولهم في التثليث والاتحاد وغير ذلك مع العقل الصريح
فهم احتجوا في كتابهم هذا بالقرآن وبما جاءت به الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه و سلم مع العقل
ونحن نبين أنه لا حجة لهم فيما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم ولا فيما جاءت به الانبياء قبله ولا في العقل بل ما جاء به محمد وما جاءت به الأنبياء قبله مع صريح العقل كلها براهين قطعية على فساد دينهم ولكن نذكر قبل ذلك أن احتجاجهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم لا يصح بوجه من الوجوه وأنه لا يجوز أن يحتج بمجرد المنقول عن محمد صلى الله عليه و سلم من يكذبه في كلمة واحدة مما جاء به
وكذلك سائر الأنبياء عليهم السلام بخلاف الاحتجاج بكلام غير الأنبياء فإن ذلك يمكن موافقة بعضه دون بعض وأما ما أخبرت به الأنبياء عليهم السلام أو من قال إنه نبي

فلا يمكن الاحتجاج ببعضه دون بعض سواء قدر صدقهم أو كذبهم
فيقال لهم على كل تقدير سواء أقروا بنبوته إلى العرب أو غيرهم أو كذبوه في قوله إنه رسول الله أو سكتوا عن هذا وهذا أو صدقوه في البعض دون البعض
إن احتجاجكم على صحة ما تخالفون فيه المسلمين مما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم لا يصح بوجه من الوجوه فاحتجاجكم على أنه لم يرسل إليكم أو على صحة دينكم بشيء من القرآن حجة داحضة على كل تقدير
مع أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن الكتب الإلهية كلها مع المعقول لا حجة لكم في شيء منها بل كلها حجة عليكم
وهذا بخلاف المسلمين فإنه يصح احتجاجهم على أهل الكتاب اليهود والنصارى بما جاءت به الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه و سلم وأهل الكتاب لا يصح احتجاجهم بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم وذلك أن المسلمين مقرون بنبوة موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام وعندهم يجب الإيمان بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي أرسله الله وهذا أصل دين المسلمين فمن كفر بنبي واحد أو كتاب واحد فهو عندهم كافر بل من سب نبيا من الأنبياء فهو عندهم كافر

مباح الدم كما قال تعالى سورة البقرة الآيتان 136 137
وقال تعالى سورة البقرة الآية 285
وقال تعالى سورة البقرة الآية 177
والكتاب اسم جنس لكل كتاب أنزله الله يتناول التوراة والإنجيل كما يتناول القرآن كقوله تعالى سورة الشورى الآية 15
وقوله تعالى سورة البقرة الآية 285

وفي القراءة الأخرى وكتابه كقوله تعالى سورة الشورى الآية 15
وقوله تعالى سورة البقرة الآيات 1 5
فذكر أن هذا الكتاب الذي أنزل عليه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة والذين يؤمنون بما أنزل إليه وما أنزل من قبله وبالآخرة هم يوقنون ثم أخبر أن هؤلاء هم المفلحون فحصر الفلاح في هؤلاء فلا يكون مفلحا إلا من كان من هؤلاء
وقوله تعالى والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك
هو صفة للمذكورين ليس هؤلاء صنفا آخر فإن عطف الشيء على الشيء قد يكون لتغاير الصفات وإن كانت الذات واحدة هذا هو الصحيح هنا وإن كان قد قيل إن الصنف الثاني مؤمنوا أهل الكتاب

والأول هم المسلمون فهذا ضعيف وأفسد منه قول هؤلاء

النصارى إن الكتاب المراد به الإنجيل كما سيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى
والعطف لتغاير الصفات كقوله تعالى سورة الأعلى الآيات 1 5
وهو سبحانه الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى
وقوله تعالى سورة المؤمنون الآية 1 5
إلى آخر الآيات
وكذلك قوله سورة البقرة الآية 4

هم الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون وهم الذين على هدى من ربهم وهم المفلحون
ولكن فصل إيمانهم بعد أن أجمله لئلا يظن ظان أن مجرد دعوى الإيمان بالغيب ينفع وإن لم يؤمن بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه و سلم وما أنزل إلى من قبله فلو قال أحد من الناس أنا أؤمن بالغيب وهو مع ذلك لا يؤمن ببعض ما أنزل على محمد صلى الله عليه و سلم أو ببعض ما أنزل على من قبله لم يكن مؤمنا حتى يؤمن بجميع ما أنزل إليه وما أنزل إلى من قبله ولو كانوا صنفا آخر لكان المفلحون قسمين قسما يؤمنون بالغيب ولا يؤمنون بما أنزل إليه وما أنزل إلى من قبله وقسما يؤمنون بما أنزل إليه وما أنزل إلى من قبله ولا يؤمنون بالغيب وهذا باطل عند جميع الأمم المؤمنين واليهود والنصارى فإن الإيمان بما أنزل إليه وإلى من قبله يتضمن الإيمان بالغيب والإيمان بالغيب لا يتم إلا بالإيمان بجميع ما أنزله الله تبارك وتعالى
والمسلمون لا يستجيز أحد منهم التكذيب بشيء مما أنزل على من قبل محمد صلى الله عليه و سلم لكن الاحتجاج بذلك عليهم يحتاج إلى ثلاث مقدمات
إحداها ثبوت ذلك على الأنبياء عليهم السلام
والثانية صحة الترجمة إلى اللسان العربي أو اللسان الذي

يخاطب فيه كالرومي والسرياني فإن لسان موسى وداود والمسيح وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل كانت عبرانية ومن قال إن لسان المسيح كان سريانيا أو روميا فقد غلط
والثالثة تفسير ذلك الكلام ومعرفة معناه
فلهذا كان المسلمون لا يردون شيئا من الحجج بتكذيب أحد من الأنبياء في شيء قاله ولكن قد يكذبون الناقل عنهم أو يفسرون المنقول عنهم بما أرادوه أو بمعنى آخر على وجه الغلط
وإن كان بعض المسلمين قد يغلط في تكذيب بعض النقل أو تأويل بعض المنقول عنهم فهو كما يغلط من يغلط منهم ومن سائر أهل الملل في التكذيب على وجه الغلط ببعض ما ينقل عمن يقر بنبوته أو في تأويل المنقول عنه
وهذا بخلاف تكذيب نفس النبي فإنه كفر صريح بخلاف أهل الكتاب فإنه لا يتم مرادهم إلا بتكذيبهم ببعض ما أنزل الله ومتى كذب بكلمة واحدة مما أخبر به من قال إنه رسول الله بطل احتجاجه بسائر كلامه فكانت حجتهم التي يحتجون بها داحضة وذلك أن الذي يقول إنه رسول الله إما أن يكون صادقا في قوله إني رسول الله وفي جميع ما يخبر به عن الله وإما أن يكون كاذبا ولو في كلمة واحدة عن الله
فإن كان صادقا في ذلك امتنع أن يكذب على الله في شيء مما يبلغه عن الله فإن من كذب على الله ولو في كلمة واحدة كان ممن

افترى على الله الكذب ولم يكن رسولا من رسل الله ومن افترى على الله الكذب تبين أنه من المتنبئين الكذابين
ومثل هذا لا يجوز أن يحتج بخبره عن الله فإنه قد علم أن الله لم يرسله وإذا قال هو قولا وكان صدقا كان كما يقوله غيره يقبل لا لأنه بلغه عن الله ولا لأنه رسول عن الله بل كما يقبل من المشركين وسائر الكفار ما يقولونه من الحق فإن عباد الأوثان إذا قالوا عن الله ما هو حق مثل إقرار مشركي العرب بأن الله خلق السموات والارض لم نكذبهم في ذلك وإن كانوا كفارا وكذلك إذا قال الكافر إن الله حي قادر خالق لم نكذبه في هذا القول
فمن كذب على الله في كلمة واحدة قال إن الله أنزلها عليه ولم يكن الله أنزلها عليه فهو من الكذابين الذين لا يجوز أن يحتج بشيء من أقوالهم التي يقولون إنهم يبلغونها عن الله تبارك وتعالى وما قالوه غير ذلك فهم فيه كسائر الناس بل كأمثالهم من الكذابين إن عرف صحة ذلك القول من جهة غيرهم قبل لقيام الدليل على صحته لا لكونهم قالوه وإن لم يعرف صحته من جهة غيرهم لم يكن في قولهم له مع ثبوت كذبهم على الله حجة
وحينئذ فهؤلاء إن اقروا برسالة محمد صلى الله عليه و سلم وأنه صادق فيما بلغه عن الله من الكتاب والحكمة وجب عليهم الإيمان بكل ما ثبت عنه من الكتاب والحكمة كما يجب الإيمان بكل ما جاءت به الرسل
وإن كذبوه في كلمة واحدة أو شكوا في صدقه فيها امتنع مع

ذلك أن يقروا بأنه رسول الله وإذا لم يقروا بأنه رسول الله كان احتجاجهم بما قاله كاحتجاجهم بسائر ما يقوله من ليس من الأنبياء بل من الكذابين أو من المشكوك في صدقهم
ومعلوم أن من عرف كذبه على الله فيما يقول إنه يبلغه عن الله أو شك في صدقه لا يعلم أنه رسول الله ولا أنه صادق في كل ما يقوله ويبلغه عن الله وإذا لم يعلم ذلك منه لم يعرف أن الله أنزل إليه شيئا بل إذا عرف كذبه عرف أن الله لم ينزل إليه شيئا ولا أرسله كما عرف كذب مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي وكما عرف كذب ماني وأمثاله

وغيرهم من المتنبئين الكذابين
وإذا شك في صدقه في كلمة واحدة بل جوز أن يكون كذبها عمدا أو خطأ لم يجز تصديقه مع ذلك في سائر ما يبلغه عن الله لأن تصديقه فيما يخبر به عن الله إنما يكون إذا كان رسولا صادقا لا يكذب عمدا ولا خطأ فإن كل من أرسله الله لا بد أن يكون صادقا في كل ما يبلغه عن الله لا يكذب فيه عمدا ولا خطأ
وهذا أمر اتفق عليه الناس كلهم المسلمون اليهود والنصارى وغيرهم اتفقوا على أن الرسول لا بد أن يكون صادقا معصوما فيما يبلغه عن الله لا يكذب على الله خطأ ولا عمدا فإن مقصود الرسالة لا يحصل بدون ذلك كما قال موسى عليهم السلام لفرعون سورة الأعراف الآيتان 104 105
وفي القراءة المشهورة يخبر أنه جدير وحري وثابت ومستقر على أن لا يقول على الله إلا الحق وعلى القراءة الأخرى أخبر أنه واجب عليه أن لا يقول على الله إلا الحق

وقال تعالى سورة الحاقة الآيات 44 47
وقال تعالى سورة الشورى الآية 24
وقال تعالى سورة النحل الآيتان 101 102
وقال تعالى سورة يونس الآية 15
وهذا لبسطه موضع آخر
وإنما المقصود هنا أن احتجاجهم بكلمة واحدة مما جاء به

محمد صلى الله عليه و سلم لا يصح بوجه من الوجوه فإنه إن كان رسولا صادقا في كل ما يخبر به عن الله عز و جل فقد علم كل واحد أنه جاء بما يخالف دين النصارى فيلزم إذا كان رسولا صادقا أن يكون دين النصارى باطلا وإن قالوا في كلمة واحدة مما جاء به أنها باطلة لزم أن لا يكون عندهم رسولا صادقا مبلغا عن الله وحينئذ فسواء قالوا هو ملك عادل أو هو عالم من العلماء أو هو رجل صالح من الصالحين أو جعلوه قديسا عظيما من أعظم القديسين فمهما عظموه به ومدحوه به لما رأوه من محاسنه الباهرة وفضائله الظاهرة وشريعته الطاهرة متى كذبوه في كلمة واحدة مما جاء به أو شكوا فيها كانوا مكذبين له في قوله إنه رسول الله وأنه بلغ هذا القرآن عن الله ومن كان كاذبا في قوله إنه رسول الله لم يكن من الأنبياء والمرسلين ومن لم يكن منهم لم يكن قوله حجة البتة لكن له أسوة أمثاله
فإن عرف صحة ما يقوله بدليل منفصل قبل القول لأنه عرف صدقه من غير جهته لا لأنه قاله وإن لم يعرف صحة القول لم يقبل
فتبين أنه إن لم يقر المقر لمن ذكر أنه رسول الله بأنه صادق في كل ما يبلغه عن الله معصوم عن استقرار الكذب خطأ أو عمدا لم يصح احتجاجهم بقوله

وهذا الأصل يبطل قول عقلاء أهل الكتاب وهو لقول جهالهم أعظم إبطالا فإن كثيرا من عقلاء أهل الكتاب وأكثرهم يعظمون محمدا صلى الله عليه و سلم لما دعا إليه من توحيد الله تعالى ولما نهى عنه من عبادة الأوثان ولما صدق التوارة والإنجيل والمرسلين قبله ولما ظهر من عظمة القرآن الذي جاء به ومحاسن الشريعة التي جاء بها وفضائل أمته التي آمنت به ولما ظهر عنه وعنهم من الآيات البراهين والمعجزات والكرامات لكن يقولون مع ذلك إنه بعث غيرنا وإنه ملك عادل له سياسة عادلة وإنه مع ذلك حصل علوما من علوم أهل الكتاب وغيرهم ووضع لهم ناموسا بعلمه ورتبه كما وضع أكابرهم لهم القوانين والنواميس التي بأيديهم
ومهما قالوه من هذا فإنهم لا يصيرون به مؤمنين به ولا يسوغ لهم بمجرد ذلك الاحتجاج بشيء مما قاله لأنه قد عرف بالنقل المتواتر الذي يعلمه جميع الأمم من جميع الطوائف أنه قال إنه رسول الله إلى جميع الناس وأن الله أنزل عليه القرآن فإن كان صادقا في ذلك فمن كذبه في كلمة واحدة فقد كذب رسول الله ومن كذب رسول الله فهو كافر وإن لم يكن صادقا في ذلك لم يكن رسولا لله بل كان كاذبا ومن كان كاذبا على الله يقول الله أرسلني بذلك ولم يرسله به لا يجوز أن يحتج بشيء من أقواله

وأما من كان من جهلاء أهل الكتاب الذين يقولون أنه كان ملكا مسلطا عليهم وأنه رسول غضب أرسله الله إرسالا كونيا لينتقم به منهم كما أرسل بختنصر وسنحاريب على بني إسرائيل وكما أرسل جنكس خان وغيره من الملوك الكافرين والظالمين مما

ينتقم به ممن عصاه فهؤلاء أعظم تكذيبا له وكفرا به من أولئك فإن هؤلاء الملوك لم يقل أحد منهم إن الله أنزل عليه كتابا ولا أن هذا الكلام الذي ابلغه إليكم هو كلام الله ولا أن الله أمركم أن تصدقوني فيما أخبرتكم به وتطيعوني فيما أمرتكم به ومن لم يصدقني باطنا وظاهرا فإن الله يعذبه في الدنيا والآخرة بل هؤلاء أرسلهم إرسالا كونيا قدره وقضاه كما يرسل الريح بالعذاب وكما يرسل الشياطين قال تعالى سورة مريم الآية 83
وقال تعالى سورة الإسراء الآيتان 4 5
وهذا بخلاف قوله سورة نوح الآية 1
وقوله تعالى سورة المزمل الآية 15

وقوله تعالى سورة النساء الآيات 163 165
فإن هذا يعني به الإرسال الديني الذي يحبه تعالى ويرضاه الذي هدى به من اتبعهم وأدخله في رحمته وعاقب من عصاهم وجعله من المستوجبين للعذاب وهو الإرسال الذي أوجب الله به طاعة من أرسله كما قال تعالى سورة النساء الآية 64
وقال تعالى سورة النساء الآية 80
وهذه الرسالة التي أقام بها الحجة على الخلق كما قال تعالى سورة النساء الآية 165
وقال تعالى سورة الحج الآية 75

وهذا كما اصطفى روح القدس جبريل عليه السلام لنزوله بالقرآن على من اصطفاه من البشر وهو محمد صلى الله عليه و سلم
قال تعالى سورة البقرة الآية 97
وقال تعالى سورة الشعراء الآيات 192 195
وقال تعالى سورة النحل الآيتان 101 102
فأخبر انه نزل به جبريل وسماه الروح الأمين وسماه روح القدس وقد ذكره أيضا في قوله سورة التكوير الآيات 19 21
ثم قال

سورة التكوير الآيات 22 29
فهذا الرسول جبريل عليه السلام وقال تعالى سورة الحاقة الآيات 40 47
فهذا الرسول محمد صلى الله عليه و سلم
وأما الإرسال الكوني الذي قدره وقضاه مثل إرسال الرياح وإرسال الشياطين فذلك نوع آخر قال تعالى سورة مريم الآية 83
وقال تعالى سورة الأعراف الآية 57
والله تعالى له الخلق والأمر فلفظ الإرسال والبعث والإرادة والأمر والأذن والكتاب والتحريم والقضاء والكلام ينقسم إلى خلقي وأمري وكوني وديني وقد ذكرنا الإرسال
وأما البعث فقال تعالى سورة الجمعة الآية 2

وقال في الكوني سورة الإسراء الآة 5
وقال تعالى سورة المائدة الآية 31
وأما الإرادة فقال تعالى في الكونية سورة الأنعام الآية 135
وقال نوح عليه السلام سورة هود الآية 34
وقال تعالى في الإرادة الدينية سورة البقرة الآية 185
وقال تعالى سورة النساء الآيات 26 28
وقال تعالى سورة المائدة الآية 6

وقال تعالى سورة الأحزاب الآية 33
وقال تعالى في الأمر الكوني سورة يس الآية 82
وكذلك في أظهر القولين قوله تعالى سورة الإسراء الآية 16

وأما الأمر الديني مثل قوله سورة النساء الآية 58
وأما الإذن الكوني مثل قوله في السحرة سورة البقرة الآية 102
والديني مثل قوله سورة الأحزاب الآيتان 45 46
والكتاب الكوني مثل قوله سورة المجادلة الآية 21
وقوله سورة التوبة الآية 51
والديني مثل قوله سورة النساء الآية 24
وقوله سورة البقرة الآية 183
وقوله سورة البقرة الآية 178

والقضاءالكوني كقوله سورة فصلت الآية 12
والديني سورة الإسراء الآية 23
أي أمر
والتحريم الكوني مثل قوله سورة القصص الآية 12
وقوله سورة المائدة الآية 26
وقوله سورة الأنبياء الآية 95
والديني مثل قوله سورة المائدة الآية 3
وقوله سورة النساء الآية 23
والكلمات الكونية مثل قول النبي صلى الله عليه و سلم أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ومنه

قوله تعالى سورة التحريم الآية 12
والدينية مثل قول النبي صلى الله عليه و سلم اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ومنه قوله تعالى سورة آل عمران الآية 64

وهذا مبسوط في موضع آخر
والمقصود هنا أنه تفرق أهل الكتاب في النبي صلى الله عليه و سلم كل يقول فيه قولا هو نظير تفرق سائر الكفار فإن الكفار بالأنبياء من عاداتهم أن تقول كل طائفة فيه قولا يناقض قول الطائفة الآخرى وكذلك قولهم في الكتاب الذي أنزل عليه وأقوالهم كلها أقوال مختلفة باطلة وهذا هو الاختلاف المذموم الذي ذكره الله تعالى في قوله سورة هود الآيتان 118 119
وفي قوله سورة الذاريات الآيتان 7 8
وقوله تعالى سورة البقرة الآية 176
وقوله سورة آل عمران الآيتان 105 106
وقوله تعالى سورة المائدة الآية 14

ومثال أقوال الكفار في الأنبياء ما ذكره تعالى في قوله تعالى سورة الفرقان الآيات 1 9
فبين سبحانه أن الكفار ضربوا له أمثالا كلها باطلة ضلوا فيها عن الحق فلا يستطيعون مع الضلال سبيلا إلى الحق وضرب الأمثال له يتضمن تمثيله بأناس آخرين وجعله في تلك الأنواع التي ليس هو منها ولا مماثلا لأفرادها مثل قولهم سورة الفرقان الآية 4
مثلوه بالكاذب المستعين بمن يعينه على ما يفتريه ومثلوه بمن

يستكتب أساطير الأولين من غيره فتقرأ عليه طرفي النهار وهو يتعلم من أولئك ما يقوله ومثلوه بالمسحور وكذلك قوله تعالى سورة الإسراء الآيات 45 48
وقال تعالى سورة الحجر الآيات 87 96
قال كثير من السلف الذين جعلوا القرآن عضين هم الذين

عضهوه فقالوا سحر وشعر وكهانة ونحو ذلك كما قال تعالى سورة الحاقة الآيات 38 52
وقال سورة الطور الآيات 29 34
وقال تعالى سورة الشعراء الآيات 192 209

ثم قال تعالى سورة الشعراء الآيات 210 227
وقال تعالى

سورة العنكبوت الآيات 46 55
وقال تعالى سورة الطور الآيتان 33 34
وقال تعالى سورة هود الآيتان 13 14
وقال تعالى سورة البقرة الآيتان 23 24

وقال تعالى سورة الذاريات الآيات 49 51
وقد أخبر تعالى أن هذه سنة الكفار في الأنبياء قبله كما قال سورة الذاريات الآيتان 52 53
وقال تعالى سورة فصلت الآية 43
وقال تعالى سورة الأنعام الآية 112
وقد أخبر سبحانه أن الكفار قالوا عن موسى عليه السلام أنه ساحر وأنه مجنون فقال فرعون سورة الشعراء الآية 27
وقوله سورة الزخرف الآية 49
وقال

سورة طه الآية 71
وكذلك قالوا عن المسيح بن مريم كما قال تعالى سورة الصف الآية 6
وذكر تعالى عن اليهود أنهم قالوا على مريم بهتانا عظيما فقول اليهود في المسيح من جنس أقوال الكفار في الأنبياء وكذلك قول كفار أهل الكتاب في خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه و سلم تسليما
فإذا علم هذا فنقول بعد ذلك لمن قال أنه رسول أرسل إلى العرب الجاهلية دون أهل الكتاب
إنه من المعلوم بالضرورة لكل من علم أحواله بالنقل المتواتر الذي هو أعظم تواترا مما ينقل عن موسى وعيسى وغيرهما وبالقرآن المتواتر عنه وسنته المتواترة عنه وسنة خلفائه الراشدين من بعده أنه صلى الله عليه و سلم ذكر أنه أرسل إلى أهل الكتاب اليهود والنصارى كما ذكر أنه أرسل إلى الأميين بل ذكر أنه أرسل الى جميع بني آدم عربهم وعجمهم من الروم والفرس

والترك والهند والبربر والحبشة وسائر الأمم بل أنه أرسل إلى الثقلين الجن والإنس جميعا
وهذا كله من الأمور الظاهرة المتواترة عنه التي اتفق على نقلها عنه أصحابه مع كثرتهم وتفرق ديارهم وأحوالهم وقد صحبه عشرات ألوف لا يحصى عددهم على الحقيقة إلا الله تعالى ونقل ذلك عنهم التابعون وهم أضعاف الصحابة عددا ثم ذلك منقول قرنا بعد قرن

إلى زمننا مع كثرة المسلمين وانتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها كما أخبر بذلك قبل أن يكون فقال في الحديث الصحيح زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها وكان كما أخبر فبلغ ملك أمته طرفي العمارة شرقا وغربا وانتشرت دعوته في وسط الأرض كالإقليم الثالث والرابع والخامس لأنهم أكمل عقولا وأخلاقا وأعدل أمزجة بخلاف طرفي الجنوب والشمال فإن هؤلاء نقصت عقولهم وأخلاقهم وانحرفت أمزجتهم
أما طرف الجنوب فإنه لقوة الحرارة احترقت أخلاطهم فاسودت ألوانهم وتجعدت شعورهم

وأما أهل طرق الشمال فلقوة البرد لم تنضج أخلاطهم بل صارت فجة فأفرطوا في سبوطة الشعر والبياض البادر الذي لا يستحسن
ولهذا لما ظهر الإسلام غلب أهله على وسط المعمورة وهم أعدل بني آدم وأكملهم والنصارى الذين تربوا تحت ذمة المسلمين أكمل من غيرهم من النصارى عقولا وأخلاقا وأما النصارى المحاربون للمسلمين الخارجون عن ذمتهم من أهل الجنوب والشمال فهم أنقص عقولا وأخلاقا ولما فيهم من نقص العقول والأخلاق ظهرت فيهم النصرانية دون الإسلام
والقصود أن محمدا صلى الله عليه و سلم هو نفسه دعا أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلى الإيمان به وبما جاء به كما دعا من لا كتاب له من العرب وسائر الأمم

وهو الذي أخبر عن الله تبارك وتعالى بكفر من لم يؤمن به من أهل الكتاب وغيرهم وبأنهم يصلون جهنم وساءت مصيرا وهو الذي أمر بجهادهم ودعاهم بنفسه ونوابه وحينئذ فقولهم في الكتاب لم يأت إلينا بل إلى الجاهلية من العرب سواء أرادوا أن الله بعثه إلى العرب ولم يبعثه إلينا أو أرادوا أنه ادعى أنه أرسل إلى العرب لا إلينا فإنه قد علم جميع الطوائف أن محمدا دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان به وذكر أن الله أرسله إليهم وأمره بجهاد من لم يؤمن به منهم فإذا قيل مع هذا أنه قال لم أبعث إلا إلى العرب كان كاذبا كذبا ظاهرا عليه سواء صدقه الإنسان أو كذبه فإن المقصود هنا أنه نفسه دعا جميع أهل الأرض إلى الإيمان به فدعا أهل الكتاب كما دعا الأميين
أما اليهود فإنهم كانوا جيرانه في الحجاز بالمدينة وما حولها وخيبر فإن المهاجرين والأنصار كلهم آمنوا به من غير سيف ولا قتال بل لما ظهر لهم من براهين نبوته ودلائل صدقه آمنوا به وقد حصل من الأذى في الله لمن آمن بالله ما هو معروف في السيرة وقد آمن به في حياته كثير من اليهود والنصارى بعضهم بمكة وبعضهم بالمدينة وكثير

منهم كانوا بغير مكة والمدينة فلما قدم المدينة عاهد من لم يؤمن به من اليهود ثم نقضوا العهد فأجلى بعضهم وقتل بعضهم لمحاربتهم لله ورسوله
وقد قاتلهم مرة بعد مرة قاتل بني النضير وأنزل الله تعالى فيهم سورة الحشر وقاتل قريظة عام الأحزاب وذكرهم الله في سورة الأحزاب وقاتل قبلهم بني قينقاع وبعد هؤلاء

غزا خيبر هو وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوه تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة ففتح الله عليهم خيبر واقر اليهود فيها فلاحين وأنزل الله تعالى سورة الفتح يذكر فيها ذلك فكيف يقال إنه لم يذكر أنه أرسل إلا إلى مشركي العرب وهذه حال اليهود معه

وأما النصارى فإن أهل نجران التي باليمن كانوا نصارى فقدم عليه وفدهم ستون راكبا وناظرهم في مسجده وأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران ولما ظهرت حجته عليهم وتبين لهم أنه رسول الله إليهم أمره الله إن لم يجيبوه أن يدعوهم إلى المباهلة فقال تعالى سورة آل عمران الآية 61
فلما دعاهم إلى المباهلة طالبوا أن يمهلهم حتى يشتوروا

فاشتوروا فقال بعضهم لبعض تعلمون أنه نبي وأنه ما باهل قوم نبيا إلا نزل بهم العذاب
فاستعفوا من المباهلة فصالحوه وأقروا له بالجزية عن يد وهم صاغرون لما خافوا من دعائه عليهم لعلمهم أنه نبي فدخلوا تحت حكمه كما يدخل أهل الذمة الذين في بلاد المسلمين تحت حكم الله ورسوله وأدوا إليه الجزية عن يد وهم صاغرون وهم أول من أدى الجزية من النصارى
واستعمل عليهم وعلى من أسلم منهم عمرو بن حزم الأنصاري وكتب له كتابا مشهورا يذكر فيه شرائع الدين فكانوا في ذمة المسلمين تحت حكم الله ورسوله ونائب رسوله عمرو بن حزم الأنصاري رضي الله عنه وقصتهم مشهورة متواترة نقلها أهل السير

وأهل الحديث وأهل الفقه وأصل حديثهم معروف في الصحاح والسنن كما سنذكره إن شاء الله تعالى
ووفد نجران لما قدموا أنزل الله تبارك وتعالى بسبب ما جرى صدر سورة آل عمران وذكر تعالى فرض الحج بقوله سورة آل عمران الآية 97
وهذا نزل إما سنة تسع وإما سنة عشر كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء منهم القاضي أبو يعلى وغيره
قالوا وجوب الحج ثبت بقوله ولله على الناس حج البيت

وروي أنه نزل في سنة عشر وروي أنه نزل في سنة تسع وهذا قول جمهور العلماء
قالوا إن فرض الحج إنما ثبت بهذه الآية وقال بعضهم بل ثبت ذلك بقوله تعالى سورة البقرة الآية 196
وهذه الآية نزلت سنة ست عام الحديبية لما صد المشركون رسول الله صلى الله عليه و سلم عن البيت وصالحهم ذلك العام وبايع المسلمين تحت الشجرة وأنزل الله فيها سورة الفتح ثم رجع إلى المدينة وفتح الله عليهم خيبر سنة سبع وفيها قدم عليه جعفر بن أبي طالب مع وفد الحبشة ثم أرسل جعفرا

وزيدا وعبد الله بن رواحة لغزو النصارى لمؤتة ثم فتح مكة سنة ثمان في رمضان ثم في أثناء سنة تسع غزا النصارى إلى تبوك وفيها حج أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأمر أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان

وأردفه بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لنبذ العهود وأنزل الله آية السيف المطلقة بجهاد المشركين وجهاد أهل الكتاب فقال تعالى سورة التوبة الآية 5

وهذه الأشهر عند جمهور العلماء هي المذكورة في قوله تعالى سورة التوبة الآية 2
فإن المشركين كانوا على نوعين نوعا لهم عهد مطلق غير مؤقت وهو عقد جائز غير لازم ونوعا لهم عهد مؤقت فأمر الله رسوله أن ينبذ إلى المشركين أهل العهد المطلق لأنه هذا العهد جائز غير لازم وأمره أن يسيرهم أربعة اشهر ومن كان له عهد مؤقت فهو عهد لازم فأمره الله أن يوفي له إذا كان مؤقتا وقد ذهب بعض الفقهاء

إلى الهدنة لا تجوز إلا مؤقتة وذهب بعضهم إلى أنه يجوز للإمام أن يفسخ الهدنة مع قيامهم بالواجب والصواب هو القول الثالث وهو أنها تجوز مطلقة ومؤقتة
فأما المطلقة فجائزة غير لازمة يخير بين إمضائها وبين نقضها
والمؤقتة لازمة قال تعالى

سورة التوبة الآيات 1 13
والمقصود هنا ذكر قدوم وفد نجران النصارى السيد والعاقب ومن معهما
قال أبو الفرج بن الجوزي ثم دخلت سنة عشر من الهجرة

فمن الحوادث فيها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب فروى ابن اسحاق قال بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم خالدا في ربيع الآخر أو جمادى الأول في سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم وذكر القصة ثم قال وفيها قدم وفد الأزد وفيها قدم

وفد غسان وفيها قدم وفد زبيد وفيها قدم وفد عبد القيس قال ابن إسحاق قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم الجارود بن عمرو في وفد عبد القيس وكان نصرانيا فأسلموا وفيها قدم وفد

كندة فأسلموا وفيها قدم وفد بني حنيفة وفيها قدم وفد بجيلة قال وفيها قدم العاقب والسيد من نجران فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم كتاب صلح
وذكر محمد بن سعد في الطبقات قدومهم في

الوفود فقال
ذكر بعث النبي صلى الله عليه و سلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآول سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب ذكره بإسناده أنبأنا محمد بن عمر حدثني إبراهيم بن موسى المخزومي عن عبد الله بن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبيه ثم ذكر قدوم نصارى نجران من طريق علي بن محمد فقال أنا علي بن محمد وهو المدائني عن أبي معشر عن يزيد بن

رومان ومحمد بن كعب قال وأنا علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الزهري وعكرمة بن خالد وعاصم بن عمر بن قتادة أنا يزيد بن عايض بن جعدية عن عبد الله بن

أبي بكر بن حزم وعن غيرهم من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض قالوا ووفد فلان وفلان في رجال من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعدما هدم جرير بن عبد الله رضي الله عنه ذا الخلصة وقتل من قتل من خثعم فقالوا آمنا بالله ورسوله

فاكتب لنا كتابا وذكروا القصة وقدوم وفود متعددة
قالوا وقدم وفد نجران وكتب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أهل نجران فخرج إليه أربعة عشر من أشرافهم نصارى وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم
العاقب واسمه عبد المسيح رجل من كندة وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه وأبو الحارث أسقفهم وإمامهم وصاحب مدارسهم والسيد وهو صاحب رحلتهم فدخلوا

المسجد وعليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحرير فقاموا

يصلون في المسجد نحو المشرق فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم دعوهم ثم أتوا النبي صلى الله عليه و سلم فأعرض عنهم فلم يكلمهم فقال لهم عثمان ذلك من أجل زيكم هذا فانصرفوا يومهم ذلك ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا عليه فرد عليهم ودعاهم إلى الإسلام فأبوا وكثر الكلام والحجاج بينهم وتلا عليهم القرآن وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم فانصرفوا على ذلك فغدا عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا قد بدا لنا أن لا نباهلك فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك فصالحهم على ألفي حلة في رجب وألف في صفر أو قيمة كل حلة من الأواقي وعلى عارية ثلاثين درعا وثلاثين رمحا وثلاثين بعيرا وثلاثين فرسا أن كان باليمن كيد
ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم لا يغير أسقف من سقيفاه ولا راهب من رهبانيته ولا واقف من وقفانيته وأشهد على ذلك شهودا منهم

أبو سفيان بن حرب والأقرع بن حابس والمغيرة بن شعبة فرجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأسلما وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به النبي صلى الله

عليه وسلم حتى قبضه الله صلوات الله عليه ورحمته ورضوانه
ثم ولي أبو بكر الصديق رضي الله عنه فكتب بالوصاة بهم عند وفاته ثم أصابوا ربا فأخرجهم عمر بن الخطاب من أرضهم وكتب لهم هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران أنه من سار منهم أنه آمن بأمان الله لا يضرهم أحد من المسلمين ووفى لهم بما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر أما بعد فمن وقعوا به من أمراء الشام وأمراء العراق فليوسعهم من جريب الأرض فما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة وعقبة لهم فكان أرضهم لا سبيل عليهم فيه لأحد ولا مغرم

أما بعد فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم فإنهم أقوام لهم الذمة وجزيتهم عنهم متروكة أربعة وعشرين شهرا بعد أن يقدموا ولا يكلفوا إلا من ضيعتهم التي اعتملوا غير مظلومين ولا معنوف عليهم شهد عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعيقيب ابن أبي فاطمة فوقع ناس منهم العراق فنزلوا النجرانية التى بناحية الكوفة

وما ذكره ابن سعد عن علي بن محمد المدائني عن أشياخه في حديث وفد نجران فهو يوافق ما ذكره ابن إسحاق فإن قوله أربعة عشر من أشرافهم يوافق قول ابن إسحاق عن محمد بن جعفر قال
قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم وفد نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر من أشرافهم في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ونجعتهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا له الكرامات لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم من نجران جلس

أبو حارثة على بغلة له موجها وإلى جنبه أخ له يقال له كرز ابن علقمة فعثرت بغلة أبي حارثة فقال كرز تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له أبو حارثة بل أنت تعست فقال لم يا أخي قال والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز فما منعك منه وأنت تعلم هذا قال ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا وقد أبوا إلا خلافه فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك وهو كان يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني
قال ابن هشام
وبلغني أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتابا عندهم فكلما مات

رئيس منهم فأفضت الرياسة إلى غيره ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي قبله ولم يكسرها فخرج الرئيس الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم يمشي فعثر فقال بنه تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له أبوه لا تفعل فإنه نبي واسمه في الوضائع يعني الكتب
فلما مات لم تكن لابنه همة إلا أن شد فكسر الخواتم فوجد فيها ذكر النبي صلى الله عليه و سلم فأسلم فحسن إسلامه وحج وهو يقول ... إليك تغدو قلقا وضينها ... معترضا في بطنها جنينها ... مخالفا لدين النصارى دينها ...
قال ابن إسحاق
وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال رجال بني

الحارث بن كعب قال يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم يومئذ ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال دعوهم فصلوا إلى المشرق قال ابن إسحاق وكان تسمية الأربعة عشر الذين يئول إليهم أمرهم العاقب وهو عبد المسيح والسيد وهو الأيهم وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل وأوس والحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمر وخالد وعبد الله ويحنس في ستين راكبا فكلم رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم أبو حارثة بن علقمة والعاقب عبد المسيح والأيهم السيد وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلافهم من أمرهم يقولون هو الله ويقولون هو ولد الله ويقولون هو ثالث ثلاثة وكذلك قول النصرانية
فهم يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا وذلك كله بأمر الله وليجعله آية الناس
ويحتجون في قولهم إنه ولد الله فإنهم يقولون لم يكن له أب

يعلم وقد تكلم في المهد وهذا شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم
ويحتجون في قولهم ثالث ثلاثة بقول الله فعلمنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وقضيت وأمرت وخلقت ولكنه هو عيسى ومريم ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه و سلم
أسلما قالا قد أسلمنا قال إنكما لم تسلما فأسلما قالا بلى قد أسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولد وعبادتكما للصليب وأكلكما للخنزير قالا فمن أبوه يا محمد فصمت رسول الله صلى الله عليه و سلم عنهما فلم يجبهما فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلافهم في أمرهم كله صدرا من سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية

وذكر نزول الآيات بسببهم غير واحد مثلما ذكره محمد بن جرير الطبري في تفسيره قال حدثنا المثنى حدثنا إسحاق حدثنا ابن أبي جعفر يعني عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع في قوله تعالى سورة آل عمران الآيتان 1 2
قال إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فخاصموه في عيسى بن مريم وقالوا له من أبوه وقالوا على الله الكذب

والبهتان لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولدا فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه قالوا نعم قال ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال ألستم تعملون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه قالوا بلى فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا لا قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء قالوا بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم قالوا لا قال فإن ربنا صور عيسى في لرحم كيف شاء قال ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث قالوا بلى قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يتغذى الصبي ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث قالوا بلى قال فكيف يكون هذا كما زعمتم قال فعرفوا ثم أبوا إلا الجحود فأنزل الله آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم

وقد ثبت في الصحاح حديث وفد نجران ففي البخاري ومسلم عن حذيفة وأخرجه مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية سورة آل عمران الآية 61
دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي
وفي البخاري عن حذيفة بن اليمان قال جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يريدان أن يلاعناه فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا قالا إنما نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا أمينا قال لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين

قال فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قم يا أبا عبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا أمين هذه الأمة
وفي سنن أبي داوود وغيره قال أبو داوود أخبرنا مصرف بن عمرو اليامي حدثنا يونس يعني ابن بكير حدثنا أسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي عن ابن عباس قال صالح رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل نجران على ألفي حلة

النصف في صفر والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمين كيد ذات غدر على أن لا يهدم لهم بيعة ولا يخرج لهم قس ولا يفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا
قال إسماعيل فقد أكلوا الربا قال أبو داوود إذا نقضوا بعض ما شرط عليهم فقد أحدثوه
وما ذكره أبو داوود وأهل السير من مصالحته لأهل نجران على

الجزية المذكورة معروف عند أهل العلم وقد ذكر ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال ذكره من طريقين
قال أبو عبيد رحمه الله حدثنا أبو أيوب الدمشقي قال حدثني سعدان بن يحيى عن عبد الله بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صالح أهل نجران فكتب لهم كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النبي صلى الله عليه و سلم لأهل نجران إذ كان له

حكمه عليهم أن في كل سوداء وبيضاء وصفراء وحمراء أو ثمرة ورقيق وأفضل عليهم وترك ذلك لهم ألفي حلة في كل صفر ألف حلة وفي كل رجب ألف حلة كل حلة أوقية ما زاد الخراج أو نقص فعلى الأواقي فليحسب وما قضوا من ركاب أو خيل أو دروع أخذ منهم بالحساب وعلى أهل نجران مقرى رسلي عشرين ليلة فما دونها وعليهم عارية ثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين درعا إذا كان كيد باليمن ذو مغدرة وما هلك مما أعاروا رسلي فهو ضامن على رسلي حتى يؤدوه إليهم ولنجران وحاشيتها ذمة الله وذمة رسوله على دمائهم وأموالهم وملتهم وبيعهم ورهبانهم وأساقفهم وشاهدهم وغائبهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير وعلى أن لا يغيروا أسقفا من سقيفاه ولا واقها من وقيهاه ولا راهبا من رهابنه وعلى أن لا يخسروا ولا يعشروا ولا يطأ أرضهم جيش ومن ملك منهم حقا فالنصف بينهم بنجران على أن لا يأكلوا الربا فمن أكل الربا من ذي قبل فذمتي منهم بريئة وعليهم الجهد والنصح فيما استقبلوا غير مظلومين ولا معنوف عليهم شهد عثمان بن عفان ومعيقيب

قال أبو عبيد الواقة ولي العهد في لغة بلحارث بن كعب يقول إذا مات هذا الأسقف قام الآخر مكانه
قال أبو عبيد قال أبو أيوب وحدثني عيسى بن يونس عن عبد الله بن أبي حميد عن أبي المليح عن النبي صلى الله عليه و سلم مثل ذلك وزاد في حديثه قال فلما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم أتوا أبا بكر فوفى لهم بذلك وكتب لهم كتابا نحوا من كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصابوا الربا في زمانه فأجلاهم عمر وكتب لهم أما بعد فمن وقعوا به من أمراء الشام أو العراق فليوسعهم من جريب الأرض وما اعتملوا من شيء فهو لهم لوجه الله وعقبى من أرضهم قال فأتوا العراق فاتخذوا النجرانية قال أبو عبيد وهي قرية بالكوفة
وكتب عثمان إلى الوليد بن عقبة أما بعد فإن العاقب

والأسقف وسراة أهل نجران أتوني بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وأروني شرط عمر رضي الله عنه وقد سألت عثمان بن حنيف فأنبأني أنه قد كان بحث على ذلك فوجده صار للدهاقين ليردعهم عن أرضهم وإني قد وضعت عنهم من جزيتهم مائتي حلة لوجه الله وعقبي لهم من أرضهم وإني أوصيك بهم فإنهم قوم لهم ذمة
قال أبو عبيد وحدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن

لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب لأهل نجران من محمد النبي رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم ذكر نحو هذه النسخة وليس في حديثه قصة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وفي آخره شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن

عوف من بني نضر والأقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة بن شعبة
قال أبو عبيد حدثني سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب عن يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب قال أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا نصارى

فإن قيل قوله تعالى سورة آل عمران الآية 64
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه و سلم

قد كتب إلى هرقل مع دحية الكلبي مدة هدنته للمشركين وكان أبو سفيان إذ ذاك لم يسلم وقد حضر عند هرقل وسأله هرقل عن النبي صلى الله عليه و سلم وأبو سفيان أسلم عام الفتح فدل ذلك على أن هذا الكتاب كان قبل الفتح ونزول آية الجزية كان بعد الفتح سنة تسع فدل ذلك على أن هذه الآية نزلت قبل آية الجزية وقبل آية المباهلة وآية المباهله قد علم يقينا أنها نزلت في قصة قدوم وفد نجران والمفسرون وأهل السير ذكروا أن آل عمران نزلت بسبب مناظرة أهل نجران وقد ذكرناه من نقل أهل الحديث بالإسناد المتصل

ونقل أهل المغازي والسير أن وفد نجران صالحهم على الجزية وهم أول من أداها فعلم أن قدومهم كان بعد نزول آية الجزية وآية الجزية نزلت بعد فتح مكة فعلم أن قدوم وفد نجران كان بعد آية السيف التي هي آية الجزية
قال الزهري أهل نجران أول من أدى الجزية
وقوله تعالى سورة آل عمران 63
بعدها آيات نزلت قبل ذلك كقوله سورة آل عمران 70 71
فيكون هذا مما تقدم نزوله وتلك مما تأخر نزوله وجمع بينهما

للمناسبة كما في نظائره فإن الآيات كانت إذا نزلت يأمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يضعها في مواضع تناسبها وإن كان ذلك مما تقدم ومما يبين ذلك أن هذه الآية وهي قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
لفظها يعم اليهود والنصارى وكذلك ذكر أهل العلم أنها دعاء لطائفتين وأن النبي صلى الله عليه و سلم دعا بها اليهود فدل ذلك على أن نزولها متقدم فإن دعاءه لليهود كان قبل نزول آية الجزية ولهذا لم يضرب الجزية على أهل خيبر وغيرهم من يهود الحجاز ولكن لما بعث معاذا إلى اليمن وكان كثيرا من أهلها يهود أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافرا وهذا كان متأخرا بعد غزوة تبوك وتوفي النبي صلى الله عليه و سلم ومعاذ باليمن قال ابن أبي حاتم

في تفسيره حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد حدثنا الضحاك بن عبد الرحمن بن أبي حوشب وغيره أن عمر ابن عبد العزيز

كتب إلى أليون طاغية الروم قال فيما أنزل الله على محمد صلى الله عليه و سلم سورة آل عمران الآيه 64
وروى بإسناده عن ابن جريج في قوله تعالى

تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
قال بلغني أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا يهود أهل الكتاب فأبوا عليه فجاهدهم وكذلك سائر الآيات التي فيها خطاب للطائفتين كقوله تعالى سورة آل عمران الآية 65 67
ومما ينبغي أن يعلم أن أهل نجران كان منهم نصارى أهل ذمة وكان منهم مسلمون وهم الأكثرون والنبي صلى الله عليه و سلم بعث أبا عبيدة لهؤلاء وهؤلاء واستعمل عمرو بن حزم على هؤلاء وهؤلاء كما أخرجا في الصحيحين عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن لكل أمة أمينا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح

وعن أنس أيضا أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا ابعث معنا رجلا أمينا يعلمنا السنة والإسلام فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال هذا أمين هذه الأمة
وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا رسول الله ابعث إلينا رجلا أمينا فقال لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين حق أمين

قال فاستشرف لها الناس قال فبعث أبا عبيدة بن الجراح
وللبخاري عن حذيفة قال جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يريدان أن يلاعناه قال فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعنا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا قالا إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا فقال لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال قم يا ابا عبيدة بن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا أمين هذه الأمة
وكذلك استعمل النبي صلى الله عليه و سلم عليهم عمرو بن حزم وكتب له الكتاب المشهور الذي فيه الفرائض والسنن وقد رواه النسائي بطوله وروى الناس بعضه مفرقا

ومحمد بن سعد لم يذكر بعد وفد نجران إلا وفد جيشان فدل على أن قدومهم كان متأخرا ومحمد بن إسحاق ذكر قدومهم في أوائل السيرة مع قصة اليهود ليجمع بين خبر اليهود والنصارى وذكر في سنة عشر فتح نجران وإرسال النبي صلى الله عليه و سلم خالد بن الوليد وإرسال خالد ذكروا أنه كان متأخرا قبل وفاته صلى الله عليه

وسلم بأربعة أشهر وأنه قدم وفد منهم بالإسلام وهذا إنما كان بعد قدوم وفد النصارى فإنه قد ذكر ابن سعد أن العاقب والسيد أسلما بعد ذلك والعهد بالجزية إنما كان مع النصارى وآية الجزية هي قوله تعالى سورة التوبة الآية 29
وهذه آية السيف مع أهل الكتاب وقد ذكر فيها قتالهم إذا لم يؤمنوا حتى يعطوا الجزية والنبي صلى الله عليه و سلم لم يأخذ من أحد الجزية إلا بعد هذه الآية بل وقالوا إن أهل نجران أول من أخذت منهم الجزية كما ذكر ذلك أهل العلم كالزهري وغيره فإنه باتفاق أهل العلم لم يضرب النبي صلى الله عليه و سلم على أحد قبل نزول هذه الآية جزية لا من الأميين ولا من اهل الكتاب ولهذا لم يضربها على يهود قينقاع والنضير وقريظة ولا ضربها على أهل خيبر فإنها فتحت سنة سبع قبل نزول آية

الجزية وأقرهم فلاحين وهادنهم هدنة مطلقة قال فيها نقركم ما أقركم الله
فإذا كان أول ما أخذها من وفد نجران علم أن قدومهم عليه ومناظرته لهم ومحاجته إياهم وطلبه المباهلة معهم كانت بعد آية السيف التي فيها قتالهم
وعلم بذلك أن ما ذكره الله تعالى من مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا محكم لم ينسخه شيء وكذلك ما ذكره تعالى من مجادلة الخلق مطلقا بقوله سورة النحل الآية 125

فإن من الناس من يقول آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخات بآية السيف لاعتقاده ان الامر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة وهذا غلط فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس بالشام ومناقضة الأمر بصيام رمضان للمقيم للتخيير بين الصيام وبين إطعام كل يوم مسكينا ومناقضة نهيه عن تعدي الحدود التي فرضها للورثة للأمر بالوصية للوالدين والاقربين ومناقضة قوله لهم كفوا أيديكم عن القتال لقوله قاتلوهم كما قال تعالى سورة النساء الآية 77
فأمره لهم بالقتال ناسخ لأمره لهم بكف أيديهم عنهم فأما قوله تعالى سورة النحل الآية 125
وقوله سورة العنكبوت الآية 46

فهذا لا يناقضة الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة
فأما مع إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال المأمور به فلا منافاة بينهما وإذا لم يتنافيا بل أمكن الجمع لم يجز الحكم بالنسخ ومعلوم أن كلا منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر وأن استعمالهما جميعا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق ومما يبين ذلك وجوه
أحدها أن من كان من أهل الذمة والعهد والمستأمن منهم لا يجاهد بالقتال فهو داخل فيمن أمر الله بدعوته ومجادلته بالتي هي أحسن وليس هو داخلا فيمن أمر الله بقتاله
الثاني أنه قال سورة العنكبوت الآية 46
فالظالم لم يؤمر بجداله بالتي هي أحسن فمن كان ظالما مستحقا للقتال غير طالب للعلم والدين فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن بخلاف من طلب العلم والدين ولم يظهر منه ظلم سواء كان قصده الاسترشاد أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظنه حقا ومن كان قصده العناد يعلم أنه على باطل ويجادل عليه فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عناده وظلمه وجهله جزاء له بموجب عمله
الثالث انه سبحانه قال

سورة التوبة الآية 6
فهذا مستجير مستأمن وهو من أهل الحرب أمر الله بإجارته حتى تقوم حجة الله عليه ثم يبلغه مأمنه وهذا في سورة براءة التي فيها نقض العهود وفيها آية السيف وذكر هذه الآية في ضمن الأمر بنقض العهود ليبين سبحانه أنه مثل هذا يجب أمانه حتى تقوم عليه الحجة لا تجوز محاربته كمحاربة من لم يطلب أن يبلغ حجة الله عليه
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ثم أبلغه مأمنه إن لم يوافقه ما نقص عليه ونخبر به فأبلغه مأمنه قال وليس هذا بمنسوخ
وقال مجاهد من جاءك واستمع ما أنزل إليك فهو آمن حتى

يأتيك
وقال عطاء في الرجل من أهل الشرك يأتي المسلمين بغير عهد قال تخيره إما أن تقره وإما ان تبلغه مأمنه
وقوله تعالى سورة التوبة الآية 6
قد علم أن المراد أنه يسمعه سمعا يتمكن معه من فهم معناه إذ المقصود لا يقوم بمجرد سمع لفظ لا يتمكن معه من فهم المعنى فلو كان غير عربي وجب أن يترجم له ما يقوم به عليه الحجة

ولو كان عربيا وفي القرآن ألفاظ غريبة ليست لغته وجب أن يبين له معناها ولو سمع اللفظ كما يسمعه كثير من الناس ولم يفقه المعنى وطلب منا أن نفسره له ونبين له معناه فعلينا ذلك
وإن سألنا عن سؤال يقدح في القرآن أجبناه عنه كما كان النبي صلى الله عليه و سلم أذا أورد عليه بعض المشركين أو أهل الكتاب أو المسلمين سؤالا يوردونه على القرآن فإنه كان يجيبه عنه كما أجاب ابن الزبعري لما قاس المسيح على آلهة المشركين وظن أن العلة في الأصل بمجرد كونهم معبودين وأن ذلك يقتضي كل معبود غير الله فإنه يعذب في الآخرة فجعل المسيح مثلا لآلهة المشركين قاسهم عليه قياس الفرع على الأصل

قال تعالى سورة الزخرف الآيتان 57 58
فبين سبحانه الفرق المانع من إلحاق بقوله تعالى سورة الأنبياء الآية 101
وبين أن هؤلاء القائسين ما قاسوه إلا جدلا محضا لا يوجب علما لأن الفرق حاصل بين الفرع والأصل فإن الأصنام إذا جعلوا حصبا لجهنم كان ذلك إهانة وخزيا لعابديها من غير تعذيب من لا يستحق التعذيب بخلاف ما إذا عذب عباد الله الصالحون بذنب غيرهم فإن هذا لا يفعله الله تعالى لا سيما عند جماهير المسلمين وسائر أهل الملل سلفهم وخلفهم الذين يقولون إن الله لا يخلق ويأمر إلا لحكمة ولا يظلم أحدا فينقصه شيئا من حسناته ولا يحمل عليه شيئات غيره بل ولا يعذب أحدا إلا بعد إرسال رسول اليه كما قال تعالى

سورة طه الآية 112
وقال تعالى سورة الجن الآية 13
وقال تعالى سورة النمل الآية 90
وقال تعالى سورة الإسراء الآية 5
ومن قال من المسلمين وغيرهم من أهل الملل إنه يجوز منه تعالى فعل كل شيء وأن الظلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة فهؤلاء يقولون إنما يعلم ما يفعله وما لا يفعله بدلالة خبر الصادق أو بالعادة وإن كان الجمهور يستدلون بخبر الصادق وبغيره على ما يمتنع من الله

وقد أخبر الله تعالى أن عباده الصالحين في الجنة لا يعذبهم في النار بل يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة فضلا أن يعاقبهم بذنب غيرهم مع كراهية لفعلهم ونهيهم عن ذلك ومن زعم أن لفظ ما كانت تتناول المسيح وأخر بيان العام أو أجاب بأن لفظ ما لا يتناول إلا ما لا يعقل فالقولان ضعيفان كما قد بسط في موضعه
وإنما المشركون عارضوا النص الصحيح بقياس فاسد فبين الله تعالى فساد القياس وذكر الفرق بين الأصل والفرع
وكذلك لما أورد بعض النصارى على قوله تعالى سورة مريم الآية 28 ظنا منه أن هارون هذا هو هارون أخو موسى بن

عمران وأن عمران هذا هو عمران أبو مريم أم المسيح فسئل النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك أجاب بأن هارون هذا ليس هو ذاك ولكنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين
وبعض جهال النصارى يقدح في القرآن بمثل هذا ولا يعلم هذا المفرط في جهله أن آحاد الناس يعلمون أن بين موسى وعيسى مدة طويلة جدا يمتنع معها أن يكون موسى وهارون خالي المسيح وأن هذا مما لا يخفى على أقل أتباع محمد صلى الله عليه و سلم فضلا عن أن يخفى على محمد صلى الله عليه و سلم
وهذا السؤال مما أورده أهل نجران كما ثبت عن المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أهل نجران فقالوا ألستم تقرأون يا أخت هارون وقد علمتم ما بين موسى وعيسى فلم أدر ما أجيبهم فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته فقال ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون باسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم
وهذا السؤال الذي هو سؤال الطاعن في القرآن لما أورده أهل نجران الكفار على رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم يجبهم

عنه أجاب عنه النبي صلى الله عليه و سلم ولم يقل لهم ليس لكم عندي إلا السيف وقال لا قد نقضتم العهد إن كانوا قد عاهدوه وقد عرف أن أهل نجران لم يرسل إليهم رسولا إلا والجهاد مأمور به
وكان المسلمون يوردون الأسئلة عليه كما أورد عليه عمر عام الحديبية لما صالح المشركين ولم يدخل مكة فقال له ألم تكن تحدثنا أن نأتي البيت ونطوف به قال بلى اقلت لك أنك تأتيه في هذا العام قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به
وكذلك أجابه أبو بكر ولم يكن سمع جواب النبي صلى الله عليه و سلم له معلوم أنه ليس في ظاهر اللفظ توقيت ذلك بعام ولكن السائل ظن ما لا يدل اللفظ عليه
وكذلك لما قال من نوقش الحساب عذب قالت له عائشة ألم يقل الله سورة الانشقاق الآيتان 7 8

فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب
ومعلوم أن الحساب اليسير لا يتناول من نوقش وقد زادها بيانا فأخبر أنه العرض لا المقابلة المتضمنة للمناقشة
وكذلك لما قال إنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة قالت له حفصة الم يقل الله سورة مريم الآية 71
فأجابها بأنه قال سورة مريم الآية 72

فبين صلى الله عليه و سلم أن هؤلاء هم الذين يدخلون جهنم وهذا الدخول هو الذي نفاه عن أهل الحديبية وأما الورود فهو مرور الناس على الصراط كما فسره في الحديث الصحيح حديث جابر بن عبد الله وهذا المرور لا يطلق عليه اسم الدخول الذي يجزي به العصاة وينفي عن المتقين ومثل هذا كثير
وأما ما في القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم وجوابها فهذا كثير جدا فإنه يجادلهم تارة في التوحيد وتارة في النبوات وتارة في المعاد وتارة في الشرائع بأحسن الحجج وأكملها كما قال تعالى سورة الفرقان الآيتان 32 33

وقد أخبر الله تبارك وتعالى عن أولي العزم من الرسل بمجادلة الكفار فقال تعالى عن قوم نوح سورة هود الآية 32
وقال عن الخليل سورة الأنعام الآيات 80 83
وأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه و سلم بالمجادلة بالتي هي أحسن وذم سبحانه من جادل بغير علم أو في الحق بعدما تبين ومن جادل بالباطل فقال تعالى سورة آل عمران الآية 66
وقال تعالى سورة الأنفال الآية 6
وقال تعالى

سورة غافر الآية 5
وهذا هو الجدال المذكور في قوله سورة غافر الآية 4
وإذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يحاج الكفار بعد نزول الأمر بالقتال وقد أمره الله تعالى أن يجير المستجير حتى يسمع كلام الله ثم يبلغه مأمنه والمراد بذلك تبليغ رسالات الله وإقامة الحجة عليه وذلك قد لا يتم إلا بتفسيره له الذي تقوم به الحجة ويجاب به عن المعارضة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

علم بطلان قول من ظن أن الأمر بالجهاد ناسخ الأمر بالمجادلة مطلقا
الوجه الرابع إن القائل إذا قال إن آية مجادلة الكفار أو غيرها مما يدعي نسخه منسوخة بآية السيف قيل له ما تعني بآية السيف اتعني آية بعينها أم تعني كل آية فيها الأمر بالجهاد
فإن أراد الأول كان جوابه من وجهين
أحدهما أن الآيات التي فيها ذكر الجهاد متعددة فلا يجوز تخصيص بعضها
وإن قال أريد قوله تعالى سورة التوبة الآية 5
قيل له هذه في قتال المشركين وقد قال بعدها في قتال أهل الكتاب

سورة التوبة الآية 29
فلو لم تكن آية السيف إلا واحدة لم تكن هذه أولى من هذه وإن قال كل آية فيها ذكر الجهاد
وقيل له الجهاد شرع على مراتب فأول ما أنزل الله تعالى فيه الأذن بقوله سورة الحج الآية 39
فقد ذكر غير واحد من العلماء أن هذه أول آية نزلت في الجهاد ثم بعد ذلك نزل وجوبه بقوله سورة البقرة الآية 216

ولم يؤمروا بقتال من طلب مسالمتهم بل قال سورة النساء الآيتان 89 90
وكذلك من هادنهم لم يكونوا مأمورين بقتاله وإن كانت الهدنة عقدا جائزا غير لازم
ثم أنزل في براءة الأمر بنبذ العهود وأمرهم بقتال المشركين كافة وأمرهم بقتال أهل الكتاب إذا لم يسلموا حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ولم يبح لهم ترك قتالهم وإن سالموهم وهادنوهم هدنة مطلقة مع إمكان جهادهم

فإن قال آية السيف التي نسخت المجادلة هي آية الأذن
قيل فآية الأذن نزلت في أول مقدمه المدينة قبل أن يبعث شيئا من السرايا وقد جادل بعد هذا الكفار
وكذلك إن قيل آيات فرض القتال قيل فقوله سورة البقرة الآية 216
نزلت في أول الأمر قبل بدر ولا ريب أن الجهاد كان واجبا

والخندق وفتح خيبر ومكة وقد ذكر الله آيات فرض الجهاد في هؤلاء المغازي كما ذكر ذلك في سورة آل عمران والأحزاب وإن قيل بل الجدال إنما نسخ لما أمر بجهاد من سالم ومن لم يسالم
قيل هذا باطل فإن الجدال إن كان منافيا للجهاد فهو مناف لإباحته ولإيجابه ولو للمسالم وإن لم يناف الجهاد لم يناف إيجاب الجهاد للمسالمين كما لم يناف إيجاب جهاد غيرهم
فإن المسالم قد لا يجادل ولا يجالد وقد يجادل ولا يجالد كما أن غيره قد يجالد و يجادل وقد يفعل أحدهما

فإن كان إيجابه لجهاد المحارب المبتدئ بالقتال لا ينافي مجادلته فلأن يكون جهاد من لا يبدأ القتال لا ينافي مجادلته أولى وأحرى فإن من كان أبعد عن القتال كانت مجادلته أقل منافاة للقتال ممن يكون أعظم قتالا يبين هذا
الوجه الخامس وهو أن يقال المنسوخ هو الاقتصار على الجدال فكان النبي صلى الله عليه و سلم في أول الأمر مأمورا أن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده فيدعوهم ويعظهم ويجادلهم بالتي هي أحسن ويجاهدهم بالقرآن جهادا كبيرا قال تعالى في سورة الفرقان وهي مكية الآية 51 52
وكان مأمورا بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد ثم لما قووا كتب عليهم القتال ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار
فلما فتح الله مكة وانقطع قتال قريش ملوك العرب ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت وأمره بنبذ العهود المطلقة فكان الذي رفعه ونسخه ترك القتال
وأما مجاهدة الكفار باللسان فما زال مشروعا من أول الأمر إلى آخره

فإنه إذا شرع جهادهم باليد فباللسان أولى وقد قال النبي صلى الله عليه و سلم جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم
وكان ينصب لحسان منبرا في مسجدا يجاهد فيه المشركين بلسانه جهاد هجو وهذا كان بعد نزول آيات القتال وأين منفعة الهجو من منفعة إقامة الدلائل والبراهين على صحة الإسلام وإبطال حجج الكفار من المشركين وأهل الكتاب
الوجه السادس أنه من المعلوم أن القتال إنما شرع للضرورة ولو أن الناس آمنوا بالبرهان والآيات لما احتيج إلى القتال فبيان آيات الإسلام وبراهينه واجب مطلقا وجوبا أصليا
وأما الجهاد فمشروع للضرورة فكيف يكون هذا مانعا من ذلك
فإن قيل الإسلام قد ظهرت أعلامه وآياته فلم يبق حاجة إلى

إظهار آياته وإنما يحتاج إلى السيف
قيل معلوم أن الله وعد بإظهاره على الدين كله ظهور علم وبيان وظهور سيف وسنان فقال تعالى سورة الصف الآية 9
وقد فسر العلماء ظهوره بهذا وهذا ولفظ الظهور يتناولهما فإن ظهور الهدي بالعلم والبيان وظهور الدين باليد والعمل والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله
ومعلوم أن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال فإن النبي صلى الله عليه و سلم مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين فآمنت به المهاجرون والأنصار طوعا واختيارا بغير سيف لما بان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات ثم أظهره بالسيف فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداء ودفعا فلأن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداء ودفعا لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى
فإن وجوب هذا قبل وجوب ذاك ومنفعته قبل منفعته ومعلوم أنه يحتاج كل وقت إلى السيف فكذلك هو محتاج إلى العلم والبيان وإظهاره بالعلم والبيان من جنس إظهاره بالسيف وهو ظهور مجمل علا به على كل دين مع أن كثيرا من الكفار لم يقهره سيفه فكذلك كثير

من الناس لم يظهر لهم آياته وبراهينه بل قد يقدحون فيه ويقيمون الحجج على بطلانه لا سيما والمقهور بالسيف فيهم منافقون كثيرون فهؤلاء جهادهم بالعلم والبيان دون السيف والسنان يؤكد هذا
الوجه السابع وهو أن القتال لا يكون إلا لظالم فإن من قاتل المسلمين لم يكن إلا ظالما معتديا ومن قامت عليه الحجة فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين لم يكن إلا ظالما
وأما المجادلة فقد تكون لظالم إما طاعن في الدين بالظلم وإما من قامت عليه الحجة الظاهرة فامتنع من قبولها وقد تكون لمسترشد طالب حق لم يبلغه
وإما من بلغه بعض أعلام نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ودلائل نبوته ولكن عورض ذلك عنده بشبهات تنافي ذلك فاحتاج إلى جواب تلك المعارضات
وإما طالب لمعرفة دلائل النبوة على الوجه الذي يعلم به ذلك
فإذا كان القتال الذي لا يكون إلا لدفع ظلم المقاتل مشروعا

فالمجادلة التي تكون لدفع ظلمه ولانتفاعه وانتفاع غيره مشروعة بطريق الأولى
قال مجاهد سورة العنكبوت الآية 46
قال الذين ظلموا من قاتلك ولم يعطك الجزية وفي لفظ آخر عنه قال الذين ظلموا منهم أهل الحرب من لا عهد لهم المجادلة لهم بالسيف
وفي رواية عنه قال لا تقاتل إلا من قاتلك ولم يعطك الجزية
وفي رواية عنه قال من أدى منهم الجزية فلا تقولوا له إلا خيرا وعن مجاهد إلا بالتي هي أحسن فإن قالوا شرا فقولوا خيرا فهذا مجاهد لا يجعلها منسوخة وهي قول أكثر المفسرين

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سورة العنكبوت الآية 46
ليست منسوخة ولكن عن قتادة قال نسختها اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ولا مجادلة اشد من السيف
والأول أصح لأن هؤلاء من الذين ظلموا فلا

نسخ
ومما يعجب منه أن بعض المنكرين لمجادلة الكفار بناء على ظهور دلائل النبوة نجده هو ومن يعظمه من شيوخه الذين يعتمد في أصول الدين على نظرهم ومناظرتهم ويزعمون أنهم قرروا دلائل النبوة قد أوردوا من الشبهات والشكوك والمطاعن على دلائل النبوة ما يبلغ نحو ثمانين سؤالا وأجابوا عنه بأجوبة لا تصلح أن تكون جوابا في المسائل الظنية بل هي إلى تقرير شبه الطاعنين أقرب منها إلى تقرير أصول الدين
وهم كما مثلهم الغزالي وغيره بمن يضرب شجرة ضربا يزلزلها به وهو يزعم أنه يريد أن يثبتها وكثير من أئمة هؤلاء مضطرب في الإيمان بالنبوة اضطرابا ليس هذا موضع بسطه وهم مع ذلك يدعون

أنه قد ظهر عند أهل الكتاب مالم يظهر عند شيوخ هؤلاء النظار وينهون عن إظهار آيات الله وبراهينه التي هي غاية مطالب مشايخهم وهم لم يعطوها حقها إما عجزا وإما تفريطا
الوجه الثامن أن كثيرا من أهل الكتاب يزعم أن محمدا صلى الله عليه و سلم وأمته إنما أقاموا دينهم بالسيف لا بالهدى والعلم والآيات فإذا طلبوا العلم والمناظرة فقيل لهم ليس لكم جواب إلا السيف كان هذا مما يقرر ظنهم الكاذب وكان هذا من أعظم ما يحتجون به عند أنفسهم على فساد الإسلام وأنه ليس دين رسول من عند الله وإنما هو دين ملك أقامه بالسيف

الوجه التاسع أنه من المعلوم أن السيف لا سيما سيف المسلمين وأهل الكتاب هو تابع للعلم والحجة بل وسيف المشركين هو تابع لآرائهم واعتقادهم والسيف من جنس العمل والعمل أبدا تابع للعلم والرأي
وحينئذ فبيان دين الإسلام بالعلم وبيان أن ما خالفه ضلال وجهل هو تثبيت لأصل دين الإسلام واجتناب لأصل غيره من الأديان التي يقاتل عليها أهلها ومتى ظهر صحته وفساد غيره كان الناس أحد رجلين
إما رجل تبين له الحق فاتبعه فهذا هو المقصود الأعظم من إرسال الرسل
وإما رجل لم يتبعه فهذا قامت عليه الحجة إما لكونه لم ينظر في أعلام الإسلام أو نظر وعلم فاتبع هواه أو قصر
وإذا قامت عليه الحجة كان أرضى لله ولرسوله وأنصر لسيف الإسلام وأذل لسيف الكفار وإذا قدر أن فيهم من يعجز عن فهم الحجة فهذا إذا لم يكن معذورا مع عدم قيامها فهو مع قيامها أولى أن لا يعذر وإن كان معذورا مع قيامها فهو مع عدمها أعذر فعلى

التقديرين قيام الحجة أنصر وأعذر وقد قال تعالى سورة الإسراء الآية 15
وقال تعالى سورة النساء الآية 165
وقال تعالى سورة المرسلات الآيتان 5 6
وقال النبي صلى الله عليه و سلم ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين

فصل
وكان قبل قصة نجران قد آمن به كثير من اليهود والنصارى رؤساؤهم وغير رؤساؤهم لما تبين لهم أنه رسول الله إليهم كما آمن به النجاشي ملك الحبشة وكان نصرانيا هو وقومه وكان إيمانه به في أول أمر النبي صلى الله عليه و سلم لما كان أصحابه مستضعفين بمكة وكان الكفار يظلمونهم ويؤذونهم ويعاقبونهم على الإيمان بالله ورسوله فهاجر منهم طائفة مثل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود وجعفر بن

أبي طالب وغيرهم من الرجال والنساء إليه وكان ملكا عادلا فأرسل الكفار خلفهم رسلا بهدايا ليردهم إليهم فامتنع من عدله أن يسلمهم إليهم حتى يسمع كلامهم فلما سمع كلامهم وما أخبروه به من أمر النبي صلى الله عليه و سلم آمن بالنبي صلى الله عليه و سلم وآواهم
ولما سمع القرآن قال إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ولما سألهم عن قولهم في المسيح عليه السلام قالوا نشهد أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها رجل فقال النجاشي لجعفر بن أبي طالب والله ما زاد عيسى بن مريم على ما قلت هذا العود فنخرت أصحابه فقال وإن نخرتم وإن نخرتم وبعث ابنه وطائفة من أصحابه إلى النبي

صلى الله عليه و سلم مع جعفر بن أبي طالب وقدم جعفر على النبي صلى الله عليه و سلم عام خيبر وقد ذكر قصتهم جماعة من العلماء والحفاظ كأحمد بن حنبل في المسند وابن سعد في الطبقات وأبي نعيم في الحلية وغيرهم وذكرها أهل التفسير والحديث والفقه وهي متواترة عند العلماء
قال أحمد حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعيد عن أبيه قال حدثنا محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن عبد

الله بن شهاب الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه و سلم وBها قالت لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة

المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا إلى النجاشي هداياه ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ثم قالا لكل بطريق منهم أنه قد صبأ

إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم اشراف قومهم لنردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه أن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما نعم ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا له أيها الملك إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلا بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه
قالت ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامنا

فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك قومهم أعلا بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم قالت فغضب النجاشي ثم قال لا ها الله أيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني
قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه و سلم كائن في ذلك ما هو كائن
فلما جاءوه زاد أبو نعيم وقد دعى النجاشي أساقفته

ومعهم مصاحفهم حوله فلما جاءوه فسألهم فقال ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم
قالت فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال
أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده نخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قالت فعدد عليه أمور الإسلام قال فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به

شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك قالت فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء
قالت فقال له جعفر نعم فقال له النجاشي فأقرأه علي فقرأ عليه صدرا من سورة مريم

سورة مريم الآيات 1 40

قالت أم سلمة رضي الله عنها فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ثم قال لعبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدا ولا أكاد
قالت أم سلمة فلما خرج من عنده قال عمرو بن العاص والله لآتينه غدا أعيبهم عنده ثم استأصل به خضراءهم
قالت فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد
قالت ثم غدا عليه الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في

عيسى بن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه
قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه
قالت ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا نقول والله فيه ما قاله الله وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم فقال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول
قالت فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدى عيسى بن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي والسيوم الآمنون من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم فما أحب أن لي دبرا ذهبا وإني آذيت رجلا منكم والدبر بلسان الحبشة الجبل ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه

قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردود عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار
قالت فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه قالت فوالله ما علمنا حزنا قط كان اشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفنا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه
وروى عبد الله بن عامر بن الزبير عن أبيه قال لما نزل بالنجاشي عدوه من أرضه جاء المهاجرون فقالوا إنا نحن نخرج إليهم فنقاتل معك وترى جزاءنا ونجزيك بما صنعت بنا فقال ذو ينصره الله خير من الذي ينصره الناس يقول الذي ينصره الله خير من الذي ينصره الناس فأبى ذلك عليهم
رجعنا إلى حديث أم سلمة قالت وسار النجاشي وبينهما عرض النيل قالت فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر

قالت فقال الزبير بن العوام أنا
قالت وكان من أحدث القوم سنا قالت فنفخنا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم
قالت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده
قالت فوالله إنا لعلى ذلك متوقعين لما هو كائن إذ طلع الزبير يسعى ويلوح بثوبه ويقول ألا أبشروا قد ظهر النجاشي وقد أهلك الله عدوه
فوالله ما علمت فرحنا فرحة مثلها قط
قالت فرجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده واستوثق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم
وقد روى جمل هذه القصة أبو داود في سننه من حديث أبي موسى

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهما في اثنين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده قال جعفر إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعثنا وأمرنا يعني بالإقامة فأقيموا معنا قال فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا قال فوافقنا رسول الله صلى الله عليه و سلم حين فتح خيبر فأسهم لنا منها وما قسم لأحد غائب عن فتح خيبر غيرنا إلا لمن شهد معنا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم
قال فلما رأى ناس من الناس يقولون لنا يعني أهل السفينة سبقناكم لهجرة قال ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن

هاجر إليه فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء من هذه قالت أسماء بنت عميس فقال عمر الحبشية هذه البحرية هذه قالت أسماء نعم فقال عمر سبقناكم بالهجرة نحن أحق برسول الله صلى الله عليه و سلم فغضبت وقالت يا عمر كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه و سلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة وذلك في الله تبارك وتعالى وفي رسول الله صلى الله عليه و سلم وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم وأسأله والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك
فلما جاء النبي صلى الله عليه و سلم قالت يا رسول الله إن عمر قال كذا وكذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فماذا

قلت له قالت قلت كذا وكذا قال ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان
قالت فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
قال أبو بردة قالت أسماء فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني أخرجاه في الصحيحين البخاري ومسلم
وأخرجا في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه

قال استغفروا لأخيكم
وعنه رضي الله عنه قال نعى النبي صلى الله عليه و سلم النجاشي يوم توفي وقال استغفروا لأخيكم ثم خرج بالناس إلى المصلى فصفوا وراءه وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات أخرجاه
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه

أربعا أخرجاه في الصحيحين

فصل
وكان أول ما أنزل الله تعالى عليه صلى الله عليه و سلم الوحي عرضت خديجة امرأته أمره على عالم كبير من علماء النصارى يقال له ورقة بن نوفل وكان من العرب المتنصرة فقال هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى بن عمران يا ليتني أكون فيها جذعا حين يخرجك قومك يعني ليتني أكون شابا فإنه كان شيخا كبيرا قد كف بصره فقال له النبي صلى الله عليه و سلم أومخرجي هم قال نعم لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا رواه أصحاب الصحيح
وقدم إليه بمكة طائفة من أهل الكتاب من النصارى فآمنوا به فآذاهم المشركون فصبروا واحتملوا أذاهم فأنزل الله فيهم

سورة القصص الآيات 52 55
وروى البيهقي في كتاب دلائل النبوة وأعلام الرسالة فقال انبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب

أنبأنا أحمد بن عبد الجبار أنبأنا يونس عن ابن اسحاق قال ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه و سلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك من النصارى حين ظهر خبره في الحبشة فوجدوه في المجلس فكلموه وسألوه ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الله وتلا عليهم القرآ فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قال لهم فقالوا سلام عليكم لا نجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألوا لأنفسنا إلا خيرا ويقال والله أعلم أن فيهم نزلت هؤلاء الآيات

سورة القصص الآيات 52 55
ولما كان بعد عام الحديبية ومهادنة قريش أرسل صلى الله عليه و سلم رسله إلى جميع الطوائف فأرسل إلى النصارى نصارى الشام ومصر فأرسل إلى هرقل ملك الروم وقد قيل إن هرقل هذا هو الذي زادت النصارى له في صومهم عشرة أيام لما اقتتلت الروم

والفرس وقتل اليهود بعد أن كان قد أمنهم فطلبت منه النصارى قتلهم وضمنوا له أن يكفروا خطيئته بما زادوه في الصوم وكانت الفرس مجوسا والروم نصارى وكانت المجوس الفرس غلبت النصارى أولا وكان هذا في أوائل مبعث النبي صلى الله عليه و سلم وهو بمكة وأتباعه قليل ففرح المشركون بانتصار الفرس لأنهم أقرب إليهم فدخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه و سلم وأخبره بانتصار الفرس على الروم فأنزل الله تعالى سورة الروم الآيات 1 5
وكان هذا مما أخبر به النبي صلى الله عليه و سلم قبل أن يكون فكان كما أخبر ولما ذكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه كذبوه فراهنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما ذكر هذا المفسرون والمحدثون

قال سنيد في تفسيره وهو شيخ البخاري حدثنا حجاج عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي أنه قال لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه و سلم آلم غلبت الروم

إلى قوله وهو العزيز الرحيم
خرج أبو بكر وهو يقرؤها بمكة رافعا بها صوته سورة الروم الآيات 1 4
فقال له رؤوس أهل مكة ما هذا يا ابن ابي قحافة لعله مما يأتي به صاحبك قال لا والله ولكنه كلام الله وقوله تبارك وتعالى قالوا فذلك بيننا وبينك إن ظهرت الروم على فارس في بضع سنين فراهنهم أبو بكر ففتح الله للروم على فارس دون التسع فأسلم عند ذلك خلق كثير من المشركين
قال ابن مكرم وإنما كانت قريش تستفتح يومئذ بالفرس لأنهم وإياهم أهل تكذيب بالبعث وأهل أصنام وإنما كان المؤمنون يستفتحون يومئذ بالروم لأنهم وإياهم أهل نبوة وتصديق بالبعث فأنزل الله تعالى

سورة الروم الآيتان 4 5
وهذا الحديث رواه الترمذي في جامعه فقال حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا اسماعيل بن اويس قال حدثني ابن ابي الزناد عن أبي الزناد عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي قال لما نزلت سورة الروم الآيات 1 4
فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب
وذلك قوله تعالى سورة الروم الآيتان 4 5

وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث فلما أ نزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة سورة الروم الآية 1 4
قال ناس من قريش لأبي بكر فذلك بيننا وبينكم زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارسا في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك فارتهن أبو بكر والمشركون فظهرت الروم على فارس في بضع سنين وأسلم عند ذلك ناس كثير من المشركين
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد يعني غريبا من هذا الوجه وإلا فهو مشهور متواتر عن أهل التفسير والمغازي والحديث والفقه والقصة متواترة عند الناس

وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال كان المسلمون يحبون أن تغلب الروم على فارس لأنهم أهل كتاب وكان المشركون يحبون أن تغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثان قال فذكروا ذلك لأبي بكر فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه و سلم فأنزل الله

سورة الروم الآيات 1 4
فذكره أبو بكر للمشركين فقالوا اجعل بيننا وبينك أجلا فإن غلبوا كان لك كذا وكذا وإن غلبوا كان لنا كذا وكذا فجعلوا بينهم أجلا خمس سنين فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه و سلم فقال له هلا احتطت أفلا جعلته دون العشرة قال سعيد بن جبير والبضع ما دون العشر قال فغلبت الروم ثم غلبت فذلك قوله ألم غلبت الروم
وهذا أيضا أخرجه الترمذي حدثنا الحسين بن حريث حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن

سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال هذا حديث حسن صحيح غريب إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة
ورواه ايضا من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه
ورواه أيضا من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد

وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه
وذهبت طائفة من العلماء إلى أن الخبر جاء بظهور الروم على فارس يوم بدر وذهب آخرون أنه يوم الحديبية وهذا هو الصحيح وهرقل كان قد مشى شكرا لله من حمص إلى بيت المقدس لما نصره على الفرس فوافاه كتاب النبي صلى الله عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام عقب نصر الله للروم على فارس ففرح النبي صلى الله عليه و سلم ومن معه من المؤمنين
قال علماء السير فلما انتصرت الروم وخرج هرقل ملك الروم من منزله من حمص ماشيا على قدميه إلى بيت المقدس متشكرا لله

عز و جل حين رد عليه ما رد ليصلي فيه فلما انتهى إلى بيت المقدس وصلى فيه قدم عليه حينئذ كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مع دحية الكلبي يدعوه إلى الإسلام
قال ابن إسحاق حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس قال حدثني أبو سفيان قال كنا قوما تجارا وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم قد حصرتنا حتى هلكت أموالنا فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه و سلم يعني التي عقدت يوم الحديبية فلما عقدت الهدنة أمنا فخرجت في نفر من قريش تاجرا إلى الشام وكان وجه متجرنا فقدمتها حين ظهر هرقل على من كان عارضه من فارس فأخرجهم منها وانتزع له صليبه الأعظم وقد كانوا سلبوه إياه فلما بلغه ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استنقذ له وكانت حمص منزله فخرج منها على قدميه متشكرا لله عز و جل حين رد عليه ما رد ليصلي في بيت المقدس وبسط له الطريق بالبسط ويلقى عليها الرياحين فلما انتهى إلى إيلياء وقضى فيها صلاته ومعه بطارقته وأساقفته قال وقدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه

وسلم مع دحية بن خليفة الكلبي فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من اتبع الهدى أما بعد فأسلم تسلم واسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين يعني الأكارين

قال ابن اسحاق وقال ابن شهاب حدثني أسقف النصارى في زمان عبد الملك بن مروان زعم لي أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمر هرقل وعقله قال لما قدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم مع دحية أخذه فجعله على خاصرته ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يذكر له أمره ويصف له شأنه ويخبره ما جاء منه قال فكتب إليه صاحب رومية أنه النبي الذي ننتظره لا شك فيه فاتبعه وصدقه فأمر هرقل ببطارقة الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه وأمر بها فأشرجت عليهم أبوابها ثم اطلع عليهم من علية وخافهم على نفسه وقال يا معشر الروم إني قد جمعتكم لخير إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى

دينه وإنه والله للرجل الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا فهلم فلنتبعه لنصدقه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا فنخروا نخرة رجل واحد ثم ابتدروا أبواب الدسكرة ليخرجوا منها فوجدوها قد أغلقت دونهم فقال كروهم علي وخافهم على نفسه فكروا عليه وقال يا معشر الروم إنما قلت لكم هذه المقالة التي قلت لكم لأنظر كيف صلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي حدث فقد رأيت منكم الذي اسر به فوقعوا سجودا وأمر بأبواب الدسكرة ففتحت لهم فانطلقوا
وهذا حديث مشهور من حديث محمد بن إسحاق وهو ذو علم وبصيرة بهذا الشأن حفظ مالا يحفظه غيره قال ابن إسحاق وأخذ هرقل كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فجعله في قصبة من ذهب وأمسكها عنده تعظيما له وهذه القصة مشهورة ذكرها أصحاب الصحاح
ففي البخاري ومسلم والسياق للبخاري عن الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا

تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه و سلم هادن فيها أبا سفيان بن حرب وكفار قريش فأتوه وهو بإيليا فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم بالترجمان فقال أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا فقال أدنوه وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ثم قال لترجمانه إني سائل هذا الرجل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه قال أبو سفيان فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي الكذب لكذبت عليه ثم كان أول ما سألني عنه أن قال كيف نسبه فيكم قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول أحد منكم قط قبله قلت لا قال فهل كان من آبائه من ملك قلت لا قال فاشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم فقال أيزيدون أم ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد منهم أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال فهل يغدر قلت لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها قال ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال فهل قاتلتموه قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه قال بماذا يأمركم قلت يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة فقال للترجمان قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول

قبله فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا فقلت لو كان في آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل وسألتك هل يزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك بم يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه
ثم دعى بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل

فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم أسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون
قال أبو سفيان فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافة ملك بني الأصفر فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام

وكان ابن الناطور صاحب إيلياء أسقفا على نصارى أهل

الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيليا أصبح يوما خبيث النفس فقال له بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قال ابن الناطور وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم فقال لهم حين سألوه إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم أن ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة قالوا ليس يختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود فبيناهم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما استخبره هرقل قال اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن وسأله عن العرب قال هم مختتنون فقال هرقل هذا ملك هذه الأمة قد ظهر ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية وكان هرقل نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه

وسلم وأنه نبي فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع عليهم فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتتابعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم ويئس من الإيمان منهم قال ردوهم علي وقال إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له ورضوا عليه فكان هذا آخر شأن هرقل
قلت وكان هرقل من أجل ملوك النصارى في ذلك الوقت وقد أخبر غير واحد أن هذا الكتاب إلى الآن باق عند ذرية هرقل في أرفع صوان وأعز مكان يتوارثونه كابرا عن كابر وأخبر غير واحد أن هذا الكتاب باق إلى الآن عند الفنش

صاحب قشتالة وبلاد الأندلس يفتخرون به وهذا أمر مشهور معروف
وقد روى سنيد وهو شيخ البخاري في تفسيره قال حدثنا هشام قال أخبرنا حصين عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال لما كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى هرقل فقرأ كتابه وجمع الروم فأبوا عليه قال فلما كان يوم الأحد لم يحضر أسقفهم

الكبير وتمارض فأرسل إليه فأبى ثم أرسل إليه فأبى ثلاث مرات فركب إليه فقال له أليس قد عرفت أنه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال بلى قال أليس قد رأيت ما ركبوا مني فأنت أطوع فيهم مني فتعال فادعهم قال وتأذن لي في ذلك قال نعم قال اذهب هو ذا أجيء قال فجاء بسواده إلى كنيستهم العظمى فلما رأوه خروا له سجدا الملك وغيره فقام في المذبح فقال يا أبناء الموتى هذا النبي الذي بشر به عيسى وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فنخروا ووثبوا إليه فعضوه بأفواههم حتى قتلوه قال وجعلوا يخرجون أضلاعه بالكلبتين حتى مات

فصل
وأرسل النبي صلى الله عليه و سلم رسولا أيضا إلى ملك مصر المقوقس ملك النصارى في ذلك الوقت بالإسكندرية وكان رسوله إليه حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قال حاطب قدمت على المقوقس واسمه جريح بن مينا بكتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت له إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه فاعتبر

بغيرك ولا يعتبر بك قال هات قلت إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه وهو الإسلام الكافي بعد ما سواه إن هذا النبي دعا الناس إلى الله فكان اشدهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل وكل من أدرك نبيا فهو من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه فأنت ممن أدركت هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنا نأمرك به ثم ناوله كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما قرأه قال خيرا قد نظرت في هذا فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب ووجدت معه آلة النبوة ثم جعل الكتاب في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى خازنه وكتب جوابه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد علمت أن نبيا قد بقي وقد أكرمت رسولك وأهدي للنبي صلى الله عليه و سلم جاريتين وبغلة تسمى الدلدل فقبل النبي صلى الله عليه و سلم هديته واصطفى الجارية الواحدة واسمها مارية القبطية لنفسه فولدت منه إبراهيم وأعطى الأخرى لحسان بن ثابت فولدت منه عبد الرحمن وعاشت البغلة إلى زمن معاوية فقال النبي صلى الله

عليه وسلم ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه
قال محمد بن سعد حدثنا محمد بن عمر قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم من الحديبية في ذي القعدة سنة ست من

الهجرة بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية وكتب إليه معه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام فلما قرأ الكتاب قال له خيرا وأخذ الكتاب وكان مختوما فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى خازنه وكتب إلى النبي صلى الله عليه و سلم جواب كتابه ولم يسلم وأهدى إلى النبي صلى الله عليه و سلم ما تقدم ذكره
فكل من الملكين عظم أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وتواضع له ولكتابه واعترف بأنه الرسول المنتظر الذي بشرت به الأنبياء عليهم السلام
وقد كان المقوقس يعرف أنه حق بما يسمع من صفاته من أهل الكتاب ولكن ضن بملكه ولم يؤمن وكان قد خرج إليه المغيره قبل إسلام المغيرة فحدثه بذلك
قال محمد بن عمر الوقدي حدثني محمد بن سعد الثقفي وعبد الرحمن بن عبد العزيز وعبد الملك بن عيسى وعبد الله بن

عبد الرحمن ومحمد بن يعقوب بن عتبة عن أبيه وغيرهم كل قد حدثني من هذا الحديث بطائفة منه قال قال المغيرة بن شعبة في خروجه إلى المقوقس مع بني مالك وأنهم لما دخلوا على المقوقس قال كيف خلصتم إلي من طائفتكم ومحمد وأصحابه بيني وبينكم قالوا لصقنا بالبحر وقد خفناه على ذلك قال فكيف صنعتم فيما دعاكم إليه قالوا ما تبعه منا رجل واحد
قال ولم ذاك قالوا جاءنا بدين مجدد لا تدين به الآباء ولا يدين به الملك ونحن على ما كان عليه آباؤنا قال فكيف صنع قومه قالوا تبعه أحداثهم وقد لاقاه من خلفه من قومه وغيرهم من العرب في مواطن مرة تكون عليهم الدائرة ومرة تكون له قال ألا تخبروني إلى ماذا يدعو إليه قالوا يدعونا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونخلع ما كان يعبد الآباء ويدعو إلى الصلاة والزكاة قال وما الصلاة والزكاة ألها وقت يعرف وعدد تنتهي إليه قالوا يصلون في اليوم والليلة خمس صلوات كلها لمواقيت وعدد قد سموه

له ويؤدون من كل مال بلغ عشرين مثقالا نصف مثقال وأخبروه بصدقة الاموال كلها قال أفرأيتم أذا أخذها أين يضعها قالوا يردها على فقرائهم ويأمر بصلة الرحم ووفاء العهد وتحريم الزنا والخمر ولا يأكل مما ذبح لغير الله فقال المقوقس هذا نبي مرسل إلى الناس ولو أصاب القبط والروم اتبعوه وقد أمرهم بذلك عيسى بن مريم وهذا الذي تصفون منه بعث به الأنبياء من قبله وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد ويظهر دينه إلى منتهى الخف والحافر ومنقطع البحور ويوشك قومه أن يدافعون بالراح قالوا فلو دخل الناس كلهم معه ما دخلنا قال المغيرة فأنغض المقوقس رأسه وقال أنتم في اللعب ثم قال كيف نسبه في قومه قلنا هو أوسطهم نسبا قال كذلك والمسيح الأنبياء تبعث في نسب قومها ثم قال فكيف حديثه قال قلنا ما يسمى إلا الأمين من صدقه قال انظروا في أمركم أترونه يصدق فيما بينكم وبينه ويكذب على الله قال فمن تبعه قلنا الأحداث قال هم والمسيح أتباع الأنبياء قبله قال فما فعلت

يهود يثرب فهم أهل التوراة قلنا خالفوه فأوقع بهم فقتلهم وسباهم وتفرقوا في كل وجه قال هم قوم حسدة حسدوه أما انهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف قال المغيرة فقمنا من عنده وقد سمعنا كلاما ذللنا لمحمد صلى الله عليه و سلم وخضعنا له وقلنا ملوك العجم يصدقونه ويخافونه في بعد أرحامهم منه ونحن أقرباؤه وجيرانه ولم ندخل معه وقد جاءنا داعيا إلى منازلنا قال المغيرة فرجعت إلى منزلنا فأقمت بالإسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها وسألت أساقفتها من قبطها ورومها عما يجدون من صفة محمد صلى الله عليه و سلم وكان أسقف من القبط هو رأس كنيسة يوحنا كانوا يأتونه بمرضاهم فيدعو لهم لم أر قط أشد اجتهادا منه فأتيته فقلت هل بقي أحد من الأنبياء قال نعم هو آخر الآنبياء ليس بينه وبين عيسى بن مريم أحد وهو نبي مرسل وقد أمرنا عيسى باتباعه وهو النبي الأمي العربي اسمه أحمد ليس بالطويل ولا بالقصير في عينيه حمرة وليس بالأبيض ولا بالآدم يعفي شعره ويلبس ما غلظ من الثياب ويجتزي بما

لقي من الطعام سيفه على عاتقه ولا يبالي من لاقى يباشر القتال بنفسه ومعه اصحابه يفدونه بأنفسهم هم له أشد حبا من أولادهم وآبائهم يخرج من أرض حرم ويأتي إلى حرم يهاجر إلى أرض سباخ ونخل يدين بدين إبراهيم عليه السلام قال المغيرة فقلت له زدني في صفته قال يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه ويخص بما لا تخص به الأنبياء قبله كان النبي يبعث إلى قومه ويبعث هو إلى الناس كافة وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركته الصلاة تيمم وصلى ومن كان قبله مشددا عليهم لا يصلون إلا في الكنائس والبيع قال المغيرة بن شعبة فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره وما سمعت من ذلك
فذكر الواقدي حديثا طويلا في رجوعه وإسلامه وما أخبر به من

صفات النبي صلى الله عليه و سلم وكان ذلك يعجب النبي صلى الله عليه و سلم ويحب أن يسمعه أصحابه قال المغيرة فكنت أحدثهم بذلك وهذا أمر معروف عند علماء أهل الكتاب وعظمائهم
وقد أخرج أبو حاتم في صحيحه عن عمرو بن العاص أنه قال خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية فقال عظيم من عظمائهم أخرجوا إلي رجلا يكلمني وأكلمه فقلت لا يخرج إليه غيري قال فخرجت إليه ومعي ترجماني ومعه ترجمانه فقال ما أنتم فقلت نحن العرب ونحن أهل الشوك ونحن أهل بيت الله الحرام كنا أضيق الناس أرضا وأجهدهم عيشا نأكل الميتة والدم ويغير بعضنا على بعض حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ ولا بأكثرنا مالا فقال أنا رسول الله إليكم فأمرنا بما لا نعرف ونهانا عما كنا عليه وكان عليه آباؤنا فكذبناه ورددنا عليه مقالته حتى خرج إليه قوم غيرنا فقاتلنا وظهر علينا وغلبنا وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم ولو يعلم من ورائي من العرب ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلا جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش فضحك ثم قال إن رسولكم قد صدق قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاء به رسولكم فإن أنتم أخذتم بأمر نبيكم لم يقاتلكم أحد إلا غلبتموه ولن يشارككم أحد إلا ظهرتم عليه وإن فعلتم مثل الذي فعلنا وتركتم أمر نبيكم لم تكونوا أكثر عددا منا ولا أشد منا قوة

فصل
ثم بعد الإرسال إلى الملوك أخذ صلى الله عليه و سلم في غزو النصارى فأرسل أولا زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة في جيش فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الكرك وقال لأصحابه وقال لأصحابه أميركم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله بن رواحة فقتل الثلاثة وأخبر النبي صلى الله عليه

وسلم بقتل الثلاثة في اليوم الذي قتلوا فيه وأخبر أنه أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله على يديه ثم أنه بعد هذا غزا النصارى بنفسه وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه في الغزاة ولم يأذن في التخلف عنه لأحد وغزا في عشرات ألوف غزوة تبوك فقدم تبوك وأقام بها عشرين ليلة ليغزو النصارى عربهم ورومهم وغيرهم وأقام ينتظرهم ليقاتلهم فسمعوا به وأحجموا عن قتاله ولم يقدموا عليه
وأنزل الله تعالى في ذلك أكثر سورة براءة وذم تعالى الذين تخلفوا عن جهاد النصارى ذما عظيما
والذين لم يروا جهادهم طاعة جعلهم منافقين كافرين لا يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا وقال لنبيه صلى الله عليه و سلم

سورة المنافقون الآية 6
وقال تعالى سورة التوبة الآية 84
فإذا كان هذا حكم الله ورسوله فيمن تخلف عن جهادهم إذ لم يره طاعة ولا رآه واجبا فكيف حكمه فيهم أنفسهم حتى قال تعالى سورة التوبة الآية 24

ثم عند موته صلى الله عليه و سلم أمرنا بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
ففي صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما
وروى الإمام أحمد وأبو عبيد عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أخرجوا يهود أهل الحجاز ونصارى أهل نجران من جزيرة العرب

وقام خلقاؤه رضي الله عنهم بعده بدينه صلى الله عليه و سلم فأرسل أبو بكر الصديق الجيوش لغزو النصارى بالشام وجرت بين المسلمين وبينهم عدة غزوات ومات أبو بكر وهم محاصرو دمشق ثم ولي عمر بن الخطاب ففتح عامة الشام ومصر العراق وبعض خراسان في خلافته وقدم إلى الشام في خلافته وسلم إليه النصارى بيت المقدس لما رأوه من صفته عندهم
قال أبو عبد الله محمد بن عائذ في كتاب الفتوح قال قال

عطاء الخراساني لما نزل المسلمون بيت المقدس قال لهم رؤساؤهم إنا قد أجمعنا لمصالحتكم وقد عرفتم منزل بيت المقدس وأنه المسجد الذي أسري بنبيكم إليه ونحن نحب أن يفتحها ملككم وكان الخليفة عمر بن الخطاب فبعث المسلمون وفدا وبعث الروم أيضا وفدا مع المسلمين حتى أتوا المدينة فجعلوا يسألون عن أمير المؤمنين فقال الروم لترجمانهم عمن يسألون قالوا عن أمير المؤمنين فاشتد عجبهم وقالوا هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر وليس له مكان يعرف به بهذا غلب الأمم فوجدوه قد ألقى نفسه حين أصابه الحر نائما فازدادوا تعجبا فلما قرأ كتاب أبي عبيدة أقبل حتى نزل بيت المقدس وفيها اثنا عشر ألفا من الروم وخمسون ألفا من أهل الأرض فصالحهم وكان من جملة المصالحة أن لا يدخل عليهم من اليهود أحد ثم دخل المسجد فوجد

زبالة عظيم على الصخرة فأمر بكنس الزبالة وتنظيف المسجد وأمر ببنائه وجعل مصلاه في مقدمه ثم رجع إلى المدينة وقصته مشهورة في كتاب الفتوحات ثم قدم مرة ثانية إلى أرض الشام لما تم فتحه فشارط بوضع الخراج وفرض الأموال وشارط أهل الذمة على شروط المسلمين فأتم بها المسلمون بعده
وقد ذكرها أهل السير وغيرهم فروى سفيان الثوري عن مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا حولها ديرا ولا كنيسة

ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يؤوا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام أن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين بشيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا يتسموا بأسماء المسلمين ولا يكتنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفا ولا يتخذوا شيئا من سلاح

ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور وأن يجذوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا وأن يشدوا الزنانير ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيفا
ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين فإن خالفوا في شيء مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق أخرجه ابو داوود في سننه

وقال أبو عبيد في كتاب الأموال حدثنا النضر بن إسماعيل عن عبد الرحمن ابن إسحاق عن خليفة بن

قيس قال كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر فأكتب إلى أهل الأمصار في أهل الكتاب أن يجزوا نواصيهم وأن يربطوا الكستيجات في أوساطهم ليعرف زيهم من زي أهل الكتاب
وحدثنا أبو المنذر ومصعب بن المقدام كلاهما عن سفيان

عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن أسلم قال كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن يختموا رقاب أهل الذمة
قال أبو عبيد حدثنا عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر عن نافع عن أسلم أن عمر أمر في أهل الذمة أن يجزوا نواصيهم وأن يركبوا على الأكف وأن يركبوا عرضا لا يركبوا كما يركب المسلمون وأن يوثقوا المناطق
قال أبو عبيد يعني الزنانير

وكما كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذمة هذه الشروط والتزموها أوصى بهم نوابه ومن يأتي بعده من الخلفاء وغيرهم وهذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله
ففي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته عند وفاته وأوصي الخليفة من بعدي بذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه و سلم أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من وراءهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم
وهذا امتثال لقول النبي صلى الله عليه و سلم ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه من حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة رواه أبو داود

فكان هذا في النصارى الذين أدوا إليه الجزية
وعمر بن الخطاب لما فتح الشام وأدوا إليه الجزية عن يد وهم صاغرون أسلم منهم خلق كثير لا يحصي عددهم إلا الله تبارك وتعالى فإن العامة والفلاحين وغيرهم كان عامتهم نصارى ولم يكن في المسلمين من يعمل فلاحة ولم يكن للمسلمين في دمشق مسجد يصلون فيه إلا مسجد واحد لقلتهم ثم صار أكثر أهل الشام وغيرهم مسلمين طوعا لا كرها فإن إكراه أهل الذمة على الإسلام غير جائز كما قال تعالى سورة البقرة الآيتان 256 257

قال أبو عبيد في كتاب الأموال عن ابن الزبير قال كتب النبي صلى الله عليه و سلم إلى أهل اليمن أنه من أسلم من يهودي أو نصراني فإنه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها وعليه الجزية

فصل
وقاتل عمر بن الخطاب الفرس المجوس وفتح أرضهم وظهر تصديق خبر رسول الله صلى الله عليه و سلم حيث قال إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز و جل أخرجاه في الصحيحين
وهذا بعد أن بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم رسوله إلى المجوس وكتب كتابا إلى كسرى ملك الفرس كما كتب إلى ملوك النصارى كما تقدم عن قيصر والمقوقس ولكن ملوك النصارى تأدبوا معه وخضعوا له فبقي ملكهم وأما ملك الفرس فمزق كتابه فدعا

عليهم فقال اللهم مزق ملكهم كل ممزق فلم يبق لهم ملك
قال ابن عباس بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى فدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه يعني كسرى مزقه فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يمزقوا كل ممزق
وقال ابن إسحاق كتب رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى كسرى وقيصر فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه وأما قيصر لما قرأ الكتاب طواه ووضعه عنده فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال أما هؤلاء يعني كسرى فيمزقون وأما هؤلاء فستكون لهم بقية
قال ابن إسحاق بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم

عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إلى كسرى بن هرمز ملك الفرس وكتب
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فإني أدعوك بدعاية الله فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك
فلما قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم شققه وقال يكتب إلي بهذا الكتاب وهو عبدي

قلت وسبب قول كسرى هذا استعلائه أن الحبشة كانوا قد ملكوا اليمن وملكهم سار إلى مكة بالفيل ليخرب البيت وكانوا نصارى فأرسل الله عليهم من ناحية البحر طيرا أبابيل وهي جماعات في تفرقة تحمل حجارة من طين فألقتها على الحبشة النصارى فأهلكتهم وكان هذا آية عظيمة خضعت بها الأمم للبيت وجيران البيت
وعلم العقلاء أن هذا لم يكن نصرا من الله لمشركي العرب فإن دين النصارى خير من دينهم وإنما كان نصرا للبيت وللأمة المسلمة التي تعظمه وللنبي المبعوث من البيت وكان ذلك عام مولد النبي صلى الله عليه و سلم فأنزل الله في ذلك سورة الفيل
ثم أن سيف بن ذي يزن ذهب إلى كسرى وطلب منه جيشا

يغزو به الحبشة فأرسل معه عسكرا من الفرس والمجوس فأخرجوا الحبشة من اليمن فصارت بيد العرب وبها نائب كسرى وسيف بن ذي يزن هذا ممن بشر بالنبي صلى الله عليه و سلم قبل ظهوره وأخبر بذلك جده عبد المطلب لما وفد عليه
فلما كانت اليمن مطيعة لكسرى لهذا أرسل إلى نائبه على اليمن أن يأتيه بالنبي صلى الله عليه و سلم لأن عسكر اليمن في العادة يقهر أهل مكة والمدينة
قال ابن إسحاق فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال مزق الله ملكه حين بلغه أنه شقق كتابه
ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فليأتياني به قال فبعث

باذان قهرمانه وهو بابويه وقال غيره فيروز الديلمي وكان حاسبا كاتبا وبعث معه برجل من الفرس وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمره ان ينصرف معهما إلى كسرى وقال لبابويه ويلك أنظر ما الرجل وكلمه وائتني بخبره
قال فخرجا حتى قدما إلى الطائف فسألا عن النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا هو بالمدينة واستبشروا يعني الكفار وقالوا قد نصب له كسرى كفيتم الرجل فخرجا حتى قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه و سلم فكلمه بابويه وقال إن شاهنشاه ملك الملوك كسرى كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وقد بعثني إليك فانطلق معي فإن فعلت كتب معك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويكف عنك به وإن أبيت فهو من قد علمت وهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك
وكانا قد دخلا على رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد حلقا لحاهما وأبقيا شواربهما فكره النظر إليهما رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال لهما ويلكما من أمركما بهذا قالا أمرنا بهذا ربنا يعنيان كسرى فقال لهما رسول الله صلى الله عليه و سلم

لكن ربي عز و جل أمرني بإعفاء لحيتي وبقص شاربي ثم قال لهما ارجعا حتى تأتياني الغد
قال وجاء الخبر من السماء أن الله عز و جل سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا في ليلة كذا في ساعة كذا فلما أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهما إن ربي قتل ربكما ليلة كذا في شهر كذا بعدما مضى من الليل كذا سلط عليه ابنه شيرويه فقتله فقالا له هل تدري ما تقول إنا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا فنكتب بهذا عنك ونخبر الملك به قال نعم أخبراه ذلك عني وقولا له إن ديني وسلطاني سيلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهي الخف والحافر وقولا له إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الأبناء وأعطى رفيقه منطقة من ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عنده حتى قدما على باذان وأخبراه الخبر

فقال والله ما هذا بكلام ملك وإني لأرى الرجل نبيا كما يقول ولننظرن ما قد قال فلئن كان ما قد قال حقا ما بقي فيه كلام إنه لنبي مرسل وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه
أما بعد فإنني قد قتلت كسرى ولم أقتله إلا غضبا لفارس لما كان قد استحل قتل أشرافهم وتجهيزهم في بعوثهم فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليك فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال إن هذا الرجل لرسول الله وأسلم لله وأسلمت أبناء فارس من كان منهم باليمن

وقال أبو معشر حدثني المقبري قال جاء فيروز الديلمي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال إن كسرى كتب إلى باذان بلغني أن في أرضك رجلا تنبأ فاربطه وابعث به إلي فقال له

رسول الله صلى الله عليه و سلم إن ربي غضب على ربك فقتله فدمه بنحره سخن الساعة فخرج من عنده فسمع الخبر فأسلم وحسن إسلامه وكان رجلا صالحا له في الإسلام آثار جميلة منها قتل الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة في عهد النبي صلى الله عليه و سلم وكان الأسود جبارا استدعى بأبي مسلم الخولاني فقال له أتشهد أني رسول الله فقال أبو مسلم ما أسمع فقال له أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم فردد ذلك عليه مرارا فأمر بنار عظيمة فأضرمت ثم أمر بإلقاء أبي مسلم فيها فلم تضره فأخمدها الله تعالى حين ألقي فيها فقيل له أخرج هذا عنك من أرضك لئلا يفسد عليك أتباعك فأخرجه
فقدم أبو مسلم المدينة وقد توفي رسول الله صلى الله عليه

وسلم واستخلف أبو بكر فأناخ راحلته بباب المسجد ثم دخل المسجد فقام يصلي إلى سارية فبصر به عمر فقام إليه فقال ممن الرجل قال من أهل اليمن قال ما فعل الذي حرقه الكذاب قال ذلك عبد الله بن ثوب قال نشدتك بالله أنت هو قال اللهم نعم فاعتنقه ثم بكى ثم ذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر فقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه و سلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن

ثم خرج فيروز الديلمي على الأسود العنسي فقتله وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بقتله وهو في مرض موته فخرج فأخبر أصحابه وقال قتل الأسود العنسي الليلة رجل صالح من قوم صالحين وقصته مشهورة وكذلك قصة مسيلمة الكذاب ونحوهما من المتنبئين الكذابين

فصل
ولما فتح خلفاء النبي صلى الله عليه و سلم عمر وعثمان العراق وخراسان ضربوا الجزية على المجوس كما ضربوها على النصارى بعد أن دعوهم إلى الإسلام كما دعاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وكما ضرب النبي صلى الله عليه و سلم الجزية على اليهود والنصارى والمجوس بعد أن دعاهم إلى الله عز و جل فإنه صلى الله عليه و سلم بعث العلاء بن الحضرمي إلى

المنذر بن ساوى العبدي صاحب هجر وهي قرية بالبحرين بكتابه صلى الله عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام قال العلاء فلما دخلت عليه قلت يا منذر إنك عظيم العقل في الدنيا فلا تصغرن عن الآخرة إن هذه المجوسية شر دين ليس فيها تكرم العرب ولا علم أهل الكتاب ينكحون ما يستحى من نكاحه ويأكلون ما يتكرم عن أكله ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة ولست بعديم عقل ولا رأي فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب أن تصدقه ولمن لا يخون أن تأمنه ولمن لا يخلف أن تتثق به فإن كان هذا هكذا فهذا هو

النبي صلى الله عليه و سلم الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول ليت ما أمر به نهى عنه أو ما نهى عنه أمر به أو ليته زاد في عفوه أو نقص من عقابه إن ذلك منه على أمنية اهل العقل وفكر أهل البصر
فقال المنذر قد نظرت في هذا الذي في يدي فوجدته للدنيا دون الآخرة ونظرت في دينكم فوجدته للآخرة والدنيا فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الممات ولقد عجبت أمس ممن يقبله وعجبت اليوم ممن يرده وإن من إعظام من جاء به أن يعظم رسوله وسأنظر ثم اسلم المنذر وكتب إلى النبي صلى الله عليه و سلم بالإسلام والتصديق
وقال عمرو بن عوف بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا عبيدة إلى البحرين فأتى بجزيتها وكان رسول الله

صلى الله عليه و سلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه و سلم فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم حين رآهم وقال أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء قالوا أجل يا رسول الله قال أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم أخرجاه في الصحيحين
وأخرج البخاري عن بجالة بن عبدة أنه قال أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد

الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذها من مجوس هجر
وقال ابن شهاب أخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم الجزية من مجوس هجر وأخذ عمر بن الخطاب الجزية من مجوس فارس وأخذها عثمان بن عفان من البربر
قال ابن شهاب أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب أهل نجران فيما بلغنا وكانوا نصارى وقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا ثم أدى أهل أيلة

وأهل أذرح إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الجزية في غزوة تبوك وبعث خالد بن الوليد إلى أهل دومة الجندل فأسروا رئيسهم أكيدر فبايعوه على الجزية

قال أبو عبيد الجزية مأخوذه من أهل الكتاب بالتنزيل ومن المجوس والبربر وغيرهم بالسنة

فصل
وأخرج مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه و سلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله عز و جل وليس بالنجاشي الذي نعاه لأصحابه في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف وصلى عليه بل النجاشي آخر تملك بعده
وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الناس كافة وختم بي النبيون

وقال صلى الله عليه و سلم كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة
وقال تعالى سورة الأعراف الآية 158
وقال تعالى سورة سبأ الآية 28
وفي القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن دعوة المشركين وعباد الأوثان وجميع الإنس والجن ما لا يحصى إلا بكلفة

وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فكيف يقال إنه لم يذكر أنه بعث إلا إلى العرب خاصة وهذه دعوته ورسله وجهاده لليهود والنصارى والمجوس بعد المشركين وهذه سيرته صلى الله عليه و سلم فيهم
وأيضا فالكتاب المتواتر عنه وهو القرآن يذكر فيه دعاءه لأهل الكتاب إلى الإيمان به في مواضع كثيرة جدا بل يذكر الله تبارك وتعالى فيه كفر من كفر من اليهود والنصارى ويأمر فيه بقتالهم كقوله تعالى سورة المائدة الآية 17
وقوله في هذه السورة أيضا

سورة المائدة الآية 72 77
وقال تعالى في سورة النساء الآية 171 173
وقال تعالى سورة التوبة الآية 29

وقال تعالى سورة التوبة الآية 30 32

فصل
فهذه الدلائل وأضعافها مما تبين أنه نفسه صلى الله عليه و سلم أخبر أنه رسول الله إلى النصارى وغيرهم من أهل الكتاب وأنه دعاهم وجاهدهم وأمر بدعوتهم وجهادهم وليس هذا مما فعلته أمته بعده بدعة ابتدعوها كما فعلت النصارى بعد المسيح عليه السلام فإن المسلمين لا يجوزون لأحد بعد محمد صلى الله عليه و سلم أن يغيروا شيئا من شريعته فلا يحلل ما حرم ولا يحرم ما حلل ولا يوجب ما أسقط ولا يسقط ما أوجب بل الحلال عندهم ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرم الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله بخلاف النصارى الذين ابتدعوا بعد المسيح بدعا لم يشرعها المسيح عليه السلام ولا نطق بها شيء من الأناجيل ولا كتب الأنبياء المتقدمة وزعموا أن ما شرعه أكابرهم من الدين فإن المسيح يمضيه لهم وهذا موضع تنازع فيه الملل الثلاث المسلمون واليهود والنصارى كما تنازعوا في المسيح عليه السلام وغير ذلك

فاليهود لا يجوزون الله سبحانه وتعالى أن ينسخ شيئا شرعه والنصارى يجوزون لأكابرهم أن ينسخوا شرع الله بآرائهم
وأما المسلمون فعندهم أن الله له الخلق والأمر لا شرع إلا ما شرع الله على ألسنة رسله وله أن ينسخ ما شاء كما نسخ المسيح ما كان شرعه للأنبياء قبله
فالنصارى تضع لهم عقائدهم وشرائعهم أكابرهم بعد المسيح كما وضع لهم الثلاث مائة وثمانية عشر الذين كانوا في زمن قسطنطين الملك الأمانة التي اتفقوا عليها ولعنوا من خالفها من الأريوسية وغيرهم وفيها أمور لم ينزل الله بها كتابا بل تخالف ما أنزله الله من الكتب مع مخالفتها للعقل الصريح فقالوا فيها نؤمن بآله واحد آب ضابط الكل خالق السموات والأرض كل ما يرى وما لا يرى وبرب واحد

يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق مساوي الأب في الجوهر الذي به كان كل شيء الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتأنس وصلب على عهد يبلاطس البنطي وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب وأيضا فسيأتي بمجده ليدين الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه وبروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب مع الأب

والابن مسجود له وبمجد الناطق في الأنبياء وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا ونترجى قيامة الموتى وحياة الدهر الآتي آمين
ووضعوا لهم من القوانين والناموس ما لم يوجد في كتب الأنبياء ولا تدل عليه بل يوجد بعضه في كتب الأنبياء وزاد أكابرهم أشياء من عندهم لا توجد في كتب الأنبياء وغيروا كثيرا مما شرعه الأنبياء فما عند النصارى من القوانين والنواميس التي هي شرائع دينهم وبعضه عن الحواريين وكثير منه من ابتداع أكابرهم مع مخالفته لشرع الأنبياء فدينهم من جنس دين اليهود قد لبسوا الحق بالباطل
وكان المسيح عليه السلام بعث بدين الله الذي بعث به الأنبياء قبله وهو عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة كل ما سواه وأحل لهم بعض ما حرم الله في التوراة فنسخ بعض شرع التوراة

وكان الروم واليونان وغيرهم مشركين يعبدون الهياكل العلوية والأصنام الأرضية فبعث المسيح عليه السلام رسله يدعونهم إلى دين الله تعالى فذهب بعضهم في حياته في الأرض وبعضهم بعد رفعه إلى السماء فدعوهم إلى دين الله تعالى فدخل من دخل في دين الله واقاموا على ذلك مدة ثم زين الشيطان لمن زين له أن يغير دين المسيح فابتدعوا دينا مركبا من دين الله ورسله دين المسيح عليه السلام ومن دين المشركين
وكان المشركون يعبدون الأصنام المجسدة التي لها ظل وهذا كان دين الروم واليونان وهو دين الفلاسفة أهل مقدونية وأثينة

كأرسطو وأمثاله من الفلاسفة المشائين وغيرهم وكان أرسطو قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وهو وزير الإسكندر بن فيلبس اليوناني المقدوني التي تؤرخ له التاريخ الرومي من اليهود والنصارى وهذا كان مشركا يعبد هو وقومه الأصنام ولم يكن يسمى ذا القرنين ولا هو ذا القرنين المذكور في القرآن ولا وصل هذا المقدوني إلى أرض

الترك ولا بنى السد وإنما وصل إلى بلاد الفرس
ومن ظن أن أرسطو كان وزير ذي القرنين المذكور في القرآن فقد غلط غلطا تبين أنه ليس بعارف بأديان هؤلاء القوم ولا بأزمانهم
فلما ظهر دين المسيح عليه السلام بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة في بلاد الروم واليونان كانوا على التوحيد إلى أن ظهرت فيهم البدع فصوروا الصور المرقومة في الحيطان جعلوا هذه الصور عوضا عن تلك الصور
وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر والكواكب فصار هؤلاء يسجدون إليها إلى جهة الشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب وجعلوا السجود إليها بدلا عن السجود لها ولهذا جاء خاتم الرسل صلوات الله عليه وسلامه الذي ختم الله به الرسالة وأظهر به من كمال التوحيد ما لم يظهر بمن قبله فأمر صلى الله عليه و سلم أن يتحرى أحد بصلاته طلوع الشمس ولا غروبها لأن

المشركين يسجدون لها تلك الساعة فإذا صلى الموحدون لله عز و جل في تلك الساعة صار في ذلك نوع مشابهة لهم فيتخذ ذريعة إلى السجود لها وكان من أعظم أسباب عبادة الأصنام تصوير الصور وتعظيم القبور
ففي صحيح مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فأمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه و سلم قال في مرض موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا

وفي الصحيحين أنه قال قبل موته بخمس ليال إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد وإني أنهاكم عن ذلك
ولما ذكروا الكنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها فقال إن أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة

ونهى أن يستقبل الرجل القبر في الصلاة حتى لا يتشبه بالمشركين الذين يسجدون للقبور ففي الصحيح أنه قال لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها إلى أمثال ذلك مما فيه تجريد التوحيد لله رب العالمين الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله
فأين هذا ممن يصور صور المخلوقين في الكنائس ويعظمها ويستشفع بمن صورت على صورته وهل كان أصل عبادة الأصنام في بني آدم من عهد نوح عليه السلام إلا هذا والصلاة إلى الشمس والقمر والكواكب والسجود إليها ذريعة إلى السجود لها ولم يأمر أحد من الأنبياء باتخاذ الصور والاستشفاع بأصحابها ولا بالسجود إلى الشمس والقمر والكواكب وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة فإن هذا من الأمور التي قد تتنوع فيها الشرائع

بخلاف السجود لها والاستشفاع بأصحابها فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء ولا أمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله عز و جل لا عند قبره ولا في مغيبه ولا يشفع به في مغيبه بعد موته بخلاف الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه و سلم في حياته ويوم القيامة وبالتوسل به بدعائه والإيمان به فهذا من شرع الأنبياء عليهم السلام ولهذا قال تعالى سورة الزخرف الآية 45
وقال تعالى سورة الأنبياء الآية 25
وقال تعالى سورة النحل الآية 36

وقال تعالى سورة يونس الآية 18
وقال تعالى سورة الزمر الآيات 1 4
وذلك أن المشركين من جميع الأمم لم يكن أحد منهم يقول إن للمخلوقات خالقين منفصلين متماثلين في الصفات فإن هذا لم يقله طائفة معروفة من بني آدم ولكن الثنوية من المجوس ونحوهم يقولون إن العالم صادر عن أصلين النور والظلمة والنور عندهم هو إله الخير المحمود والظلمة هي الإله الشرير المذموم
وبعضهم يقول أن الظلمة هي الشيطان وهذا ليجعلوا ما في العالم من الشر صادرا عن الظلمة

ومنهم من قال إن الظلمة قديمة أزلية مع أنها مذمومة عندهم ليست مماثلة للنور
ومنهم من قال بل هي حادثة وأن النور فكر فكرة رديئة فحدثت الظلمة عن تلك الفكرة الرديئة
فقال لهم أهل التوحيد أنتم بزعمكم كرهتم أن تضيفوا إلى الرب سبحانه وتعالى خلق ما في العالم من الشر وجعلتموه خالقا لأصل الشر وهؤلاء مع إثباتهم اثنين وتسمية الناس لهم بالثنوية فهم لا يقولون إن الشرير مماثل للخير
وكذلك الدهرية دهرية الفلاسفة وغيرهم منهم من ينكر الصانع للعالم كالقول الذي أظهره فرعون لعنه الله ومنهم من يقر بعلة يتحرك الفلك للتشبه بها كأرسطو وأتباعه ومنهم من يقول بالموجب بالذات المستلزم للفلك كابن سينا

والسهروردي المقتول بحلب وأمثالهما من متفلسفة الملل
وأما مشركو العرب وأمثالهم فكانوا مقرين بالصانع وبأنه خلق السموات والأرض فكانت عقيدة مشركي العرب خيرا من عقيدة هؤلاء الفلاسفة الدهرية إذ كانوا مقرين بأن هذه السموات مخلوقة لله حادثة بعد أن لم تكن وهذا مذهب جماهير أهل الأرض ومن أهل الملل الثلاثة المسلمون واليهود والنصارى ومن المجوس والمشركين وهؤلاء الدهرية من الفلاسفة وغيرهم يزعمون أن السموات أزلية قديمة لم تزل وكان مشركو العرب يقرون بأن الله قادر يفعل بمشيئته ويجيب دعاء الداعي إذا دعاه وهؤلاء المتفلسفة الدهرية عندهم أن الله لا يفعل شيئا بمشيئته ولا يجيب دعاء الداعي بل ولا يعلم الجزئيات ولا يعرف هذا الداعي من هذا الداعي ولا يعرف إبراهيم من موسى من محمد وغيرهم بأعيانهم من رسله بل منهم من ينكر علمه مطلقا كأرسطو وأتباعه ومنهم من يقول إنما يعلم الكليات كابن سينا وأمثاله

ومعلوم أن كل موجود في الخارج فهو جزء معين فإن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات المعينة لا الأفلاك ولا الأملاك ولا غير ذلك من الموجودات بأعيانها والدعاء عندهم هو تصوف النفس القوية في هيولي العالم كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله وزعموا أن اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية وأن حوادث الأرض كلها إنما تحدث عن حركة الفلك كما قد بسط الرد عليهم في غير هذا الموضع
والمقصود هنا أن المشركين لم يكونوا يثبتون مع الله إلها آخر مساويا له في الصفات والأفعال بل ولا كانوا يقولون إن الكواكب والشمس والقمر خلقت العالم ولا أن الأصنام تخلق شيئا من العالم ومن ظن أن قوم إبراهيم الخليل كانوا يعتقدون أن النجم أو الشمس أو القمر رب العالمين أو أن الخليل عليه السلام لما قال هذا ربي أراد به رب العالمين فقد غلط غلطا بينا بل قوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع وكانوا يشركون بعبادته كأمثالهم من المشركين

قال تعالى عن الخليل سورة الشعراء الآيات 69 99
فأخبر تعالى عن الخليل أنه عدو لكل ما يعبدونه إلا لرب العالمين وأخبر أنهم يقولون يوم القيامة سورة الشعراء الآيتان 97 98

كما قال تعالى في الموضع الآخر سورة الزخرف الآيتان 26 27
وقال سورة الأنعام الآية 79
ولم يقل من المعطلين فإن قومه كانوا يشركون ولم يكونوا معطلين كفرعون اللعين فلم يكونوا جاحدين للصانع بل عدلوا به وجعلوا له أندادا في العبادة والمحبة والدعاء وهذا كما قال تعالى سورة الأنعام الآية 1
وقال تعالى سورة البقرة الآية 165
وقال تعالى سورة الفرقان الآية 68

وقال تعالى سورة الشعراء الآية 312
وقال سورة الإسراء الآية 22
وقال تعالى فيما حكاه عن قوم نوح سورة نوح الآيتان 23 24
قال ابن عباس وغيره من العلماء هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوها

وهكذا عند النصارى عن المسيح عليه السلام في كتاب سر بطرس الذي يسمى بشمعون وسمعان والصفا وبطرس والأربعة لمسمى واحد عندهم عنه كتاب عن المسيح فيه أسرار العلوم وهذا فيه عندهم عن المسيح
فالذي تفعله النصارى اصل عبادة الأوثان وهكذا قال عالمهم الكبير الذي يسمونه فم الذهب وهو من أكبر علمائهم لما ذكر

تولد الذنوب الكبار عن الصغار قال وهكذا هجمت عبادة الأصنام فيما سلف لما أكرم الناس أشخاصا يعظم بعضهم بعضا فوق المقدار الذي ينبغي الأحياء منهم والأموات
وقد قال تعالى سورة الإسراء الآيتان 56 57
قال طائفة من العلماء كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالعزير والمسيح وغيرهما فبين الله تبارك وتعالى أن هؤلاء عباده كما أنتم عباده يرجون رحمته كما ترجون رحمته ويخافون عذابه كما تخافون عذابه ويتقربون إليه كما تتقربون إليه وقال تعالى سورة آل عمران الآيتان 79 80
فبين تعالى أن من يتخذ الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر مع اعتقاده أنهم مخلوقون فإنه لم يقل أحد قط أن جميع الملائكة

والنبيين مشاركون لله سبحانه في خلق العالم وقد قال تعالى سورة يوسف الآية 106
قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما تسألهم من خلق السموات والأرض يقولون الله وهم يعبدون غيره وقد قال تعالى سورة لقمان الآية 25
في غير موضع فأخبر تعالى عن المشركين أنهم كانوا يقرون بأن خالق العالم واحد مع اتخاذهم آلهة يعبدونهم من دونه سبحانه يتخذونهم شفعاء إليه ويتقربون بهم إليه

فصل
وكذلك تعظيمهم للصليب واستحلالهم لحم الخنزير وتعبدهم بالرهبانية وامتناعهم من الختان وتركهم طهارة الحدث والخبث فلا يوجبون غسل جنابة ولا وضوءا ولا يوجبون اجتناب شيء من الخبائث في صلاتهم لا عذرة ولا بولا ولا غير ذلك من الخبائث إلى غير ذلك
كلها شرائع أحدثوها وابتدعوها بعد المسيح عليه السلام ودان بها ائمتهم وجمهورهم ولعنوا من خالفهم فيها حتى صار المتمسك فيهم بدين المسيح المحض مغلوبا مقموعا قبل أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم وأكثر ما هم عليه من الشرائع والدين لا يوجد منصوصا عن المسيح عليه السلام
وأما المسلمون فكل ما أجمعوا عليه إجماعا ظاهرا يعرفه العامة والخاصة فهو منقول عن نبيهم صلى الله عليه و سلم لم يحدث ذلك أحد لا باجتهاده ولا بغير اجتهاده بل ما قطعنا بإجماع أمة محمد صلى الله عليه و سلم فإنه يوجد مأخوذا عن نبيهم
وأما ما يظن فيه إجماعهم ولا يقطع به

فمنه ما يكون ذلك الظن خطأ ويكون بينهم فيه نزاع ثم قد يكون نص الرسول صلى الله عليه و سلم مع هذا القول وقد يكون مع هذا القول
ومنه ما يكون ظن الإجماع عليه صوابا ويكون فيه عن النبي صلى الله عليه و سلم أثر خفيت دلالته أو معرفته على بعض الناس
وذلك أن الله تبارك وتعالى أكمل الدين بمحمد صلى الله عليه و سلم خاتم النبيين وبينه وبلغه البلاغ المبين فلا تحتاج أمته إلى أحد بعده يغير شيئا من دينه وإنما تحتاج إلى معرفة دينه الذي بعث به فقط وأمته لا تجتمع على ضلالة بل لا يزال في أمته طائفة قائمة بالحق حتى تقوم الساعة فإن الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فأظهره بالحجة والبيان وأظهره باليد والسنان ولا يزال في أمته أمة ظاهرة بهذا وهذا حتى تقوم الساعة
والمقصود هنا أن ما اجتمعت عليه الأمة إجماعا ظاهرا تعرفه العامة والخاصة فهو منقول عن نبيهم صلى الله عليه و سلم ونحن لا نشهد بالعصمة إلا لمجموع الأمة وأما كثير من طوائف الأمة ففيهم بدع مخالفة للرسول وبعضها من جنس بدع اليهود والنصارى وفيهم فجوز ومعاصي لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم بريء من ذلك كما قال تعالى له

سورة الشعراء الآية 216
وقال تعالى سورة الأنعام الآية 159
وقال صلى الله عليه و سلم من رغب عن سنتي فليس مني وذلك مثل إجماعهم على أن محمدا صلى الله عليه و سلم أرسل إلى جميع الأمم أهل الكتاب وغير أهل الكتاب فإن هذا تلقوه عن نبيهم صلى الله عليه و سلم وهو منقول عندهم نقلا متواترا يعلمونه بالضرورة
وكذلك إجماعهم على استقبال الكعبة البيت الحرام في صلاتهم فإن هذا الإجماع منهم على ذلك مستند إلى النقل المتواتر عن نبيهم وهو مذكور في كتابهم
وكذلك الإجماع على وجوب الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق الذي بناه إبراهيم خليل الرحمن ودعا الناس إلى حجه وحجته الأنبياء حتى حجه موسى بن عمران ويونس بن

متى وغيرهما وإجماعهم على وجوب الاغتسال من الجنابة وتحريم الخبائث وإيجاب الطهارة للصلاة فإن هذا كله مما تلقوه عن نبيهم وهو منقول عنه صلى الله عليه و سلم نقلا متواترا وهو مذكور في القرآن
وأما النصارى فليست الصلوات التي يصلونها منقولة عن المسيح عليه السلام ولا الصوم الذي يصومونه منقولا عن المسيح بل جعل أولهم الصوم أربعين يوما ثم زادوا فيه عشرة أيام ونقلوه إلى الربيع وليس هذا منقولا عندهم عن المسيح عليه السلام
وكذلك حجهم للقمامة وبيت لحم وكنيسة

صيدنايا ليس شيء من ذلك منقولا عن المسيح عليه السلام بل وكذلك عامة أعيادهم مثل عيد القلندس وعيد الميلاد وعيد الغطاس وهو القداس وعيد الخميس

وعيد الصليب الذي جعلوه في وقت ظهور الصليب لما أظهرته هيلانة الحرانية الفندقانية أم قسطنطين بعد المسيح عليه السلام بمائتين من السنين وعيد الخميس والجمعة والسبت التي

في آخر صومهم وغير ذلك من أعيادهم التي رتبوها على أحوال المسيح والأعياد التي ابتدعوها لكبرائهم فإن ذلك كله من بدعهم التي ابتدعوها بلا كتاب نزل من الله تعالى بل هم يبنون الكنائس على اسم بعض من يعظمونه كما في السنن عن النبي صلى الله عليه و سلم أنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة وهذا بخلاف المساجد التي تبنى لله عز و جل كما قال تعالى سورة الجن الآية 18
وقال سورة النور الآية 36
وقال تعالى سورة الأعراف الآية 29
وقال تعالى سورة التوبة الآية 18
والنصارى كأشباههم من المشركين يخشون غير الله ويدعون غير الله

فصل
والمقصود هنا أن الذي يدين به المسلمون من أن محمدا صلى الله عليه و سلم رسول إلى الثقلين الإنس والجن أهل الكتاب وغيرهم وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله مستحق للجهاد وهو مما أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه لأن الرسول صلى الله عليه و سلم هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه وبينه الرسول أيضا في الحكمة المنزلة عليه من غير الكتاب فإنه تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة ولم يبتدع المسلمون شيئا من ذلك من تلقاء أنفسهم كما ابتدعت النصارى كثيرا من دينهم بل أكثر دينهم
وبدلوا دين المسيح وغيروه ولهذا كان كفر النصارى لما بعث محمد صلى الله عليه و سلم مثل كفر اليهود لما بعث المسيح عليه السلام فإن اليهود كانوا قد بدلوا شرع التوراة قبل مجيء المسيح فكفروا بذلك ولما بعث المسيح إليهم كذبوه فصاروا كفارا بتبديل معاني الكتاب الأول وأحكامه وبتكذيب الكتاب الثاني
وكذلك النصارى كانوا بدلوا دين المسيح قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه و سلم فابتدعوا من التثليث والاتحاد وتغيير شرائع الإنجيل أشياء لم يبعث بها المسيح عليه السلام بل

تخالف ما بعث به وافترقوا في ذلك فرقا متعددة وكفر فيها بعضهم بعضا فلما بعث محمد صلى الله عليه و سلم كذبوه فصاروا كفارا بتبديل معاني الكتاب الأول وأحكامه وتكذيب الكتاب الثاني كما يقول علماء المسلمين إن دينهم مبدل منسوخ وإن كان قليل من النصارى كانوا عند مبعث محمد صلى الله عليه و سلم متمسكين بدين المسيح كما كان الذين لم يبدلوا دين المسيح كله على الحق فهذا كما أن من كان متبعا شرع التوراة عند مبعث المسيح كان متمسكا بالحق كسائر من اتبع موسى فلما بعث المسيح صار كل من لم يؤمن به كافرا وكذلك لما بعث محمد صلى الله عليه و سلم صار كل من لم يؤمن به كافرا
والمقصود في هذا المقام بيان ما بعث به محمد صلى الله عليه و سلم من عموم رسالته وأنه نفسه الذي أخبر أن الله تعالى أرسله إلى أهل الكتاب وغيرهم وأنه نفسه صلى الله عليه و سلم دعا أهل الكتاب وجاهدهم وأمر بجهادهم فمن قال بعد هذا من أهل الكتاب اليهود والنصارى أنه لم يبعث إلينا بمعنى أنه لم يقل إنه مبعوث إلينا كان مكابرا جاحدا للضرورة مفتريا على الرسول فرية ظاهرة تعرفها الخاصة والعامة
وكان جحده لهذا كما لو جحد أنه جاء بالقرآن أو شرع الصلوات الخمس وصوم رمضان وحج البيت الحرام وجحد محمد صلى الله عليه و سلم وما تواتر عنه أعظم من جحد أتباع الحواريين

المسيح عليه السلام وإرساله لهم إلى الأمم ومجيئه بالإنجيل وجحد مجيء موسى عليه السلام بالتوراة وجحد أنه كان يسبت فإن النقل عن محمد صلى الله عليه و سلم مدته قريبة والناقلون عنه أضعاف أضعاف من نقل دين المسيح عنه واضعاف أضعاف أضعاف من اتصل به نقل دين موسى عليه السلام فأن أمة محمد صلى الله عليه و سلم ما زالوا كثيرين منتشرين في مشارق الأرض ومغاربها وما زال فيهم من هو ظاهر بالدين منصور على الأعداء بخلاف بني إسرائيل فإنهم زال ملكهم في أثناء الأمر لما خرب بيت المقدس الخراب الأول بعد داود عليه السلام ونقص عدد من نقل دينهم حتى قد قيل إنه لم يبق من يحفظ التوراة إلا واحد
والمسيح عليه السلام لم ينقل دينه عنه إلا عدد قليل لكن النصارى يزعمون أنهم رسل الله معصمون مثل إبراهيم وموسى وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى إذا وصلنا إليه إذ المقصود هنا بيان من زعم أن محمدا صلى الله عليه و سلم كان يقول إنه لم يبعث إلا إلى مشركي العرب فإنه في غاية الجهل والضلال أو غاية المكابرة والمعاندة فإن هذا أعظم جهلا وعنادا ممن ينكر أنه كان يأمر بالطهارة والغسل من الجنابة ويحرم الخمر والخنزير وأعظم جهلا وعنادا ممن ينكر ما تواتر من أمر المسيح وموسى عليهما السلام وقد ظهر بهذا بطلان قولهم علمنا أنه لم يأت إلينا بل إلى جاهلية العرب

فصل
فإذا عرف هذا فاحتجاج هؤلاء بالآيات التي ظنوا دلالتها على أن نبوته خاصة بالعرب تدل على أنهم ليسوا ممن يجوز لهم الاستدلال بكلام أحد على مقصوده ومراده وأنهم ممن قيل فيه سورة النساء الآية 78
فليسوا أهلا أن يحتجوا بالتوراة والإنجيل والزبور على مراد الأنبياء وسائر الكلام المنقول عن الأنبياء على مراد الأنبياء عليهم السلام بل ولا يحتجون بكلام الأطباء والفلاسفة والنحاة وعلم أهل الحساب والهيئة على مقاصدهم
فإن الناس كلهم متفقون على أن لغة العرب من أفصح لغات الآدميين وأوضحها ومتفقون على أن القرآن في أعلا درجات البيان والبلاغة والفصاحة وفي القرآن من الدلالات الكثيرة على مقصود الرسول صلى الله عليه و سلم التي يذكر فيها أن الله تعالى أرسله إلى أهل الكتاب وغيرهم مالا يحصى إلا بكلفة ثم مع ذلك من

النقول المتواترة عن سيرته صلى الله عليه و سلم في دعائه لأهل الكتاب وأمره لهم بالإيمان به وجهاده لهم إذا كفروا به ما لا يخفى على من له أدنى خبرة بسيرته صلى الله عليه و سلم وهذا أمر قد امتلأ العالم به وسمعه القاصي والداني فإذا كان الناس المؤمن به وغير المؤمن به يعلمون أنه كان يقول إنه رسول الله إلى أهل الكتاب وغيرهم وأن ظهور مقصوده بذلك مما يعلمه بالاضطرار الخاصة والعامة ثم شرعوا يظنون أنه كان يقول إني لم أبعث إلا إلى العرب واستمر على ذلك حتى مات دل على فساد نظرتهم وعقلهم أو على عنادهم ومكابرتهم وكان الواجب إذ لم يكن له معرفة معاني هذه الآيات التي استدلوا بها على خصوص رسالته أن يعتقدوا أحد أمرين
إما أن لها معاني توافق ما كان يقوله أو أنها من المنسوخ فقد علمت الخاصة والعامة أن محمدا صلى الله عليه و سلم كان يصلي بعد هجرته إلى بيت المقدس نحو سنة ونصف ثم أمر بالصلاة إلى الكعبة البيت الحرام والنصارى يوافقون على أن شرائع

الأنبياء فيها ناسخ ومنسوخ مع أن ما ذكروه من الآيات ليس منسوخا ولكن المقصود أن المعلوم من حال الرسول صلى الله عليه و سلم علما ضروريا يقينيا متواترا لا يجوز دفعه فإن العلم بأنه كان يقول إنه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى جميع الخلق معلوم لكل من عرف أخباره صلى الله عليه و سلم سواء صدقه أو كذبه والعلم بأنه كان يقول إنه رسول الله إلى جميع الناس ممكن قبل أن يعلم أنه نبي أو ليس بنبي كما أن العلم بنبوته وصدقه ممكن قبل أن يعلم عموم رسالته فليس العلم بأحدهما موقوفا على الآخر ولهذا كان كثير ممن يكذبه يعلم أنه كان يقول إنه رسول الله إلى جميع الخلق وطائفة ممن تقر بنبوته وصدقه لا تقر بأنه رسول إلى جميع الخلق
والمقصود هنا الكلام مع هؤلاء بأن العلم بعموم دعوته لجميع الخلق أهل الكتاب وغيرهم هو متواتر معلوم بالاضطرار كالعلم بنفس مبعثه ودعائه الخلق إلى الإيمان به وطاعته وكالعلم بهجرته من مكة إلى المدينة ومجيئه بهذا القرآن والصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق وإيجاب الصدق والعدل وتحريم الظلم والفواحش وغير ذلك مما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم
وإن قيل بل في القرآن ما يقتضي أن رسالته خاصة وفيه ما يقتضي أن رسالته عامة وهذا تناقض

قيل هذا باطل ويعلم بطلانه قبل العلم بنبوته فإنه من المعلوم لكل أحد آمن به أو كذبه أنه كان من أعظم الناس عقلا وسياسة وخبرة وكان مقصوده دعوة الخلق إلى طاعته واتباعه وكان يقرأ القرآن على جميع الناس ويأمر بتبليغه إلى جميع الأمم وكان من طلب منه أن يؤمنه حتى يقرأ عليه القرآن من الكفار وجب عليه أن يجيبه ولو كان مشركا فكيف إذا كان كتابيا كما قال تعالى سورة التوبة الآية 6
وكان قد أظهر أنه مبعوث إلى أهل الكتاب وسائر الخلق وأنه رسول إلى الثقلين الجن والإنس فيمتنع مع هذا أن يظهر ما يدل على أنه لم يبعث إليهم فإن هذا لا يفعله من له أدنى عقل لمناقضته لمراده فكيف يفعله من اتفقت عقلاء الأمم على أنه أعقل الخلق وأحسنهم سياسة وشريعة
وأيضا فكان أصحابه والمقاتلون معه بعد ذلك ينفرون عنه وقد كان عادتهم أن يستشكلوا ما هو دون هذا وهذا لم يستشكله أحد ثم بعد هذا فلو قدر أن في القرآن ما يدل على أنه لم يبعث إلا إلى

العرب وفيه ما يدل على أنه بعث إلى سائر الخلق كان هذا دليلا على أنه أرسل إلى غيرهم بعد أن لم يرسل إلا إليهم وأن الله عم بدعوته بعد أن كانت خاصة فلا مناقضة بين هذا وهذا فكيف وليس في القرآن آية واحدة تدل على اختصاص رسالته بالعرب وإنما فيه إثبات رسالته إليهم كما أن فيه إثبات رسالته إلى قريش وليس هذا مناقضا لهذا وفيه إثبات رسالته إلى أهل الكتاب كقوله تعالى سورة النساء الآية 47
كما فيه أثبات رسالته إلى بني إسرائيل كقوله سورة البقرة الآية 40 47 والآية و 122 والآية وسورة طه الآية 80
وليس هذا التخصص لليهود منافيا لذلك التعميم وفي رسالته خطاب لليهود تارة وللنصارى تارة وليس خطابه لإحدى الطائفتين ودعوته لها مناقضا لخطابه للأخرى ودعوته لها وفي كتابه خطاب للذين آمنوا من أمته في دعوته لهم إلى شرائع دينه وليس في ذلك مناقضة بأن يخاطب أهل الكتاب ويدعوهم وفي كتابه أمر بقتال أهل الكتاب النصارى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
قال تعالى

سورة التوبة الآية 29
ثم لم يكن هذا مانعا أن يأمر بقتال غيرهم من اليهود والمجوس حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون بل هذا الحكم ثابت في المجوس بسنته واتفاق أمته
وإن قيل إنهم ليسوا من أهل الكتاب فهذا كله مما يعلم بالاضطرار من دينه قبل العلم بنبوته فكيف ونحن نتكلم على تقدير نبوته والنبي لا يتناقض قوله وإذا كان العلم بعموم دعوته ورسالته معلوما بالاضطرار قبل العلم بنبوته وبعد العلم بنبوته فالعلم الضروري اليقيني لا يعارضه شيء ولكن هذا شأن الذين في قلوبهم زيغ من أهل البدع النصارى وغيرهم يتبعون المتشابه ويدعون المحكم وبسبب مناظرة النصارى للنبي صلى الله عليه و سلم بالمتشابه وعدولهم عن المحكم أنزل الله تبارك وتعالى فيهم سورة آل عمران الآية 7

فالتأويل يراد به تفسير القرآن ومعرفة معانيه وهذا يعلمه الراسخون ويراد به ما استأثر الرب سبحانه وتعالى بعلمه من معرفة كنهه وكنه ما وعد به ووقت الساعة ونحو ذلك مما لا يعلمه إلا الله

والضلال يذكرون آيات تشتبه عليهم معرفة معانيها فيتبعون تأويلها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها وليسوا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويلها مع أن هؤلاء الآيات من أوضح الآيات
وهذا الذي سلكوه في القرآن هو نظير ما سلكوه في الكتب المتقدمة وكلام الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور وغيرها فإن فيها من النصوص الكثيرة الصريحة بتوحيد الله وعبودية المسيح مالا يحصى إلا بكلفة وفيها كلمات قليلة فيها اشتباه فتمسكوا بالقليل المتشابه الخفي المشكل من الكتب المتقدمة وتركوا الكثير المحكم المبين الواضح فهم سلكوا في القرآن ما سلكوه في الكتب المتقدمة لكن تلك الكتب يقرون بنبوة أصحابها ومحمد صلى الله عليه و سلم هم فيه مضطربون متناقضون فأي قول قالوه فيه ظهر فساده وكذبهم فيه إذا لم يؤمنوا بجميع ما أنزل إليه
وإن قالوا كلامه متناقض ونحن نحتج بما يوافق قولنا إذ مقصودنا بيان تناقضه
قيل لهم عن هذا أجوبة
أحدها أنه في الكتب المتقدمة مما يظن أنه متعارض أضعاف ما في القرآن وأقرب إلى التناقض فإذا كانت تلك الكتب متفقة لا تناقض فيها وإنما يظن تناقضها من يجهل معانيها ومراد الرسل فيكون كما قيل

وكم من غائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم فكيف القرآن الذي هو أفضل الكتب
الثاني أنهم متمسكون بالمتشابه في تلك الكتب ومخالفون المحكم منها كما فعلوه بالقرآن وأبلغ
الثالث أنه إذا كان ما جاء به متناقضا لم يكن رسول الله فإن ما جاء به من عند الله لا يكون مختلفا متناقضا وإنما يتناقض ما جاء من عند غير الله قال تعالى سورة النساء الآية 82
فكل كتاب ليس من عند الله لا بد أن يكون فيه تناقض وما كان من عند الله لا يتناقض وحينئذ فإن كان متناقضا لم يجز لهم الاحتجاج بشيء منه فإنه ليس من عند الله وإن لم يكن متناقضا ثبت أن ما فيه من عموم رسالته وأنه رسول إليهم فليس فيه شيء يناقضه فإن ما جاء من عند الله لا يتناقض
الرابع أنا نبين أن ما فيه من عموم رسالته لا ينافي ما فيه من أنه أرسل إلى العرب كما أن ما فيه من إنذار عشيرته الأقربين وأمر قريش لا ينافي ما فيه من دعوة سائر العرب فإن تخصيص بعض العام بالذكر

إذا كان له سبب يقتضي التخصيص لم يدل على أن ما سوى المذكور مخالفة وهذا الذي يسمى مفهوم المخالفة ودليل الخطاب
والناس كلهم متفقون على أن التخصيص بالذكر متى كان له سبب يوجب الذكر غير الاختصاص بالحكم لم يكن للاسم اللقب مفهوم بل ولا للصفة كقوله تعالى سورة الإسراء الآية 31

فإنه نهاهم عن ذلك لأنه هو الذي كانوا يفعلونه وقد حرم في موضع آخر قتل النفس بغير الحق سواء كان ولدا أو غيره ولم يكن ذلك مناقضا لتخصيص الولد بالذكر
الخامس أنه في ذلك أسوة بالمسيح عليه السلام فإن المسيح خص أولا بالدعوة ثم عم كما قيل في الإنجيل ما بعثت وأرسلت إلا لبني إسرائيل وقال أيضا في الإنجيل ما بعثت إلا

لهذا الشعب الخبيث ثم عم فقال لتلامذته حين أرسلهم كما في الإنجيل كما بعثني أبي أبعث بكم فمن قبلكم فقد قبلني وقال أرسلني أبي وأنا أرسلكم وقال كما أفعل أنا بكم كذلك افعلوا أنتم بعباد لله فسيروا في البلاد وعمدوا الناس باسم الأب والابن والروح القدس ولا يكون لأحدكم ثوبان ولا يحمل معه فضة ولا ذهبا ولا عصا ولا حرابة ونحو ذلك مما هو في الأناجيل التي بين أيديهم من تخصيص الدعوة ثم تعميمها وهو صادق في ذلك كله فكيف يسوغ لهم إنكار ما في الإنجيل عن المسيح نظيره
ثم يقال في بيان الحال إن الله تعالى بعث محمدا

صلى الله عليه و سلم كما بعث المسيح وغيره وإن كانت رسالته أكمل وأشمل كما نذكر في موضعه فأمره بتبليغ رسالته بحسب الإمكان إلى طائفة بعد طائفة وأمر بتبليغ الأقرب منه مكانا ونسبا ثم بتبليغ طائفة بعد طائفة حتى تبلغ النذارة إلى جميع أهل الأرض كما قال تعالى سورة الأنعام الآية 19
أي من بلغه القرآن فكل من بلغه القرآن فقد أنذره محمد صلى الله عليه و سلم
ونبين هنا أن النذارة ليست مختصة بمن شافههم بالخطاب بل ينذرهم به وينذر من بلغهم القرآن فأمره الله تبارك وتعالى أولا بإنذار عشيرته الأقربين وهو قريش فقال تعالى سورة الشعراء الآية 214
ولماأنزل الله عليه هذه الآية انطلق صلى الله عليه و سلم إلى مكان عال فعلا عليه ثم جعل ينادي يا بني عبد مناف إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف يا صاحباه يا صاحباه

وهذه القصة رواها ابن عباس وأبو هريرة وعائشة وغيرهم في الصحيحين وغيرهما من كتب السنن والمسانيد والتفسير
قال ابن عباس لما نزلت هذه الآية سورة الشعراء الآية 214
ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى صعد الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج

أرسل رسولا لينظر ما هو فاجتمعوا إليه فقال ارأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد
وقال أبو هريرة لما نزلت هذه الآية سورة الشعراء الآية 214
دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار

فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها
وقالت عائشة رضي الله عنها لما نزلت هذه الآية سورة الشعراء الآية 214
قام رسول الله صلى الله عليه و سلم على الصفا فقال يا فاطمة بنت محمد يا صفية عمة رسول الله يا عباس عم رسول الله لا أملك لكم من الله شيئا
وقال ابن إسحاق لما نزلت هذه الآية جعل النبي صلى الله عليه و سلم ينادي يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف يا بني زهرة حتى عدد الأفخاذ من قريش ثم قال إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وإني لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فقال أبو لهب ألهذا جمعتنا

تبا لك سائر اليوم فأنزل الله سورة المسد كلها
ودعا قريشا إلى الله وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له وأنزل تعالى سورة قريش كلها
وقد أنزل الله عليه في غير موضع أمر جميع الخلق بعبادته كقوله تعالى سورة البقرة الآية 21
وقوله سورة الذاريات الآية 56
وقريش هم قومه الذين كذبه جمهورهم أولا كما قال تعالى سورة الأنعام الآية 66

كما أن جمهور بني إسرائيل وهم قوم المسيح كذبوه أولا
ثم أمره الله تعالى أن يدعو سائر العرب فكان يخرج بنفسه ومعه أبو بكر صديقه إلى قبائل العرب قبيلة قبيلة وكانت العرب لم تزل تحج البيت من عهد إبراهيم الخليل عليه السلام فكان صلى الله عليه و سلم يأتيهم في منازلهم بمنى وعكاظ ومجنة وذي المجاز فلا يجد أحدا إلا دعاه إلى الله ويقول يا أيها الناس إني رسول الله آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما يعبد دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به يا أيها الناس إن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي فمن يمنعني أن أبلغ كلام ربي إلا رجل

يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذل لكم بها العجم فيقولون يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا إن أمرك هذا لعجب
وما زال رسول الله صلى الله عليه و سلم يعلن دعوته ويظهر رسالته ويدعو الخلق إليها وهم يؤذونه ويجادلونه ويكلمونه ويردون عليه بأقبح الرد وهو صابر على أذاهم ويقول اللهم لك الحمد لو شئت لم يكونوا هكذا
فلما اشتد عليه أمر قريش خرج إلى الطائف وهي مدينة معروفة

شرقي مكة بينهما نحو ليلتين ومعه زيد بن حارثة ومكث بها عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه في منزله وكلمه ودعاه إلى التوحيد فلم يجبه أحد منهم وخافوه على أحداثهم وأغروا به سفهاءهم فجعلوا يرمونه بالحجارة إذا مشى حتى أن رجليه لتدميان وزيد مولاه يقيه بنفسه حتى ألجأوا إلى ظل كرمة في حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة فرجع عنه ما كان تبعه من سفهائهم فدعا فقال اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك
فلما رأى ابنا ربيعة ما صنع به رثيا له وقالا لغلام لهما يقال له

عداس وكان نصرانيا خذ قطفا من عنب ثم اجعله في طبق ثم اذهب إلى ذلك الرجل يأكله ففعل عداس وأقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم يده قال بسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال له والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم من أي البلاد أنت وما دينك فقال عداس أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم أمن قرية الرجل الصالح موسى بن متى فقال له عداس وما يدريك ما يونس بن متى والله لقد خرجت من نينوى وما فيها عشرة يعرفون متى من أين عرفت أنت متى وأنت أمي وفي أمة أمية فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هو أخي كان نبيا وأنا نبي فأكب عداس على رسول الله صلى الله

عليه وسلم يقبل رأسه ويديه ورجليه فلما رجع عداس فقالا ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه ورجليه فقال يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل لقد خبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه و سلم من الطائف راجعا إلى مكة وهو محزون إذ لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة فقال له زيد بن حارثة كيف تدخل عليهم يا رسول الله وقد فعلوا وفعلوا فقال يا زيد إن الله عز و جل جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه

ثم ذكر ابن إسحاق دخوله إلى مكة وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم لما لقي من أهل مكة والطائف ما لقي ودعا بالدعاء المتقدم نزل عليه جبريل ومعه ملك الجبال كما في صحيح البخاري أن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه و سلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها

جبريل فناداني إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال قد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه و سلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه قيل للنبي صلى الله عليه و سلم ادع الله على المشركين فقال إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة
وفي الصحيحين عن خباب بن الأرت أنه قال لما اشتد البلاء

علينا من المشركين أتينا النبي صلى الله عليه و سلم فقلنا ألا تدعو الله لنا ألا تستنصر الله لنا فقال لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه حتى يجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب ما يصرفه عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلى الله ولكنكم تستعجلون
وذكر ما لقي النبي صلى الله عليه و سلم من قومه من الأذى والاستهزاء والإغراء وهو صابر محتسب مظهر لأمر الله بتبليغ رسالته لا تأخذه في الله لومة لائم مواجه لقومه بما يكرهون من عيب دينهم وآلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه أحلامهم وإظهار عداوته وقتاله إياهم ما بلغ مبلغ القطع

قال عكرمة عن ابن عباس ولما رجع النبي صلى الله عليه و سلم إلى مكة فلما حضر الموسم حج نفر من الأنصار فانتهى النبي صلى الله عليه و سلم إلى فريق منهم فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله وأخبرهم بالذي آتاه الله فأيقنوا واطمأنت قلوبهم إلى دعوته وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم إياه بصفته وما يدعوهم إليه فصدقوه وآمنوا به وكان من أسباب الخير الذي ساق الله للأنصار إلى ما كانوا يسمعون من الأخبار في صفته فلما رجعوا إلى قومهم جعلوا يدعونهم سرا ويخبرونهم بأقوال رسول الله صلى الله عليه و سلم والذي بعثه الله به من النور والهدى والقرآن فأسلموا حتى قل أن يوجد دار من دورهم إلا أسلم فيها ناس لا محالة
وقد ذكر الله ذلك في القرآن وأخبر أن أهل الكتاب كانوا يخبرون العرب به ويستفتحون به عليهم فكان أهل الكتاب مقرين بنبوته مخبرين بها مبشرين بها قبل أن يبعث فقال تعالى فيما يخاطب به أهل الكتاب

سورة البقرة الآيات 87 91
فقد أخبر تعالى أن أهل الكتاب كانوا يستفتحون على العرب بمحمد صلى الله عليه و سلم قبل أن يبعث أي يستنصرون به وكانوا هم والعرب يقتتلون فيغلبهم العرب فيقولون سوف يبعث

النبي الأمي من ولد إسماعيل فنتبعه ونقتلكم معه شر قتلة وكانوا ينعتونه بنعوته
وأخبارهم بذلك كثيرة متواترة وكما قال تعالى سورة البقرة الآية 89
وأخبر بما كانت عليه اليهود من أنه كلما جاءهم رسول الله بما لا تهوى أنفسهم كذبوا بعضهم وقتلوا بعضهم وأخبر أنهم باءوا بغضب على غضب فإنهم ما زالوا يفعلون ما يغضب الله عليهم فأما أن يراد بالتثنية تأكيد غضب الله عليهم وأما أن يراد به مرتان والغضب الأول تكذيبهم المسيح والإنجيل والغصب الثاني لمحمد والقرآن

فصل
وكان يأتيهم بالآيات الدالة على نبوته صلى الله عليه و سلم ومعجزاته تزيد على ألف معجزة مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات ومثل القرآن المعجز ومثل أخبار أهل الكتاب قبله وبشارة

الأنبياء به ومثل أخبار الكهان والهواتف به ومثل قصة الفيل التي جعلها الله آية عام مولده وما جرى عام مولده من العجائب الدالة على نبوته ومثل امتلاء السماء ورميها بالشهب التي ترجم بها الشياطين بخلاف ما كانت العادة عليه قبل مبعثه وبعد مبعثه ومثل أخباره بالغيوب التي لا يعلمها أحد إلا بتعليم الله عز و جل من غير أن يعلمه إياها بشر
فأخبرهم بالماضي مثل قصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى والمسيح وهود وشعيب وصالح وغيرهم وبالمستقبلات وكان قومه يعلمون أنه لم يتعلم من أهل الكتاب ولا غيرهم ولم يكن بمكة أحد من علماء أهل الكتاب ممن يتعلم هو منه بل ولا كان يجتمع بأحد منهم يعرف اللسان العربي ولا كان هو يحسن لسانا غير العربي ولا كان يكتب كتابا ولا يقرأ كتابا مكتوبا
ولا سافر قبل نبوته إلا سفرتين سفرة وهو صغير مع عمه أبي طالب

لم يفارقه ولا اجتمع بأحد من أهل الكتاب ولا غيرهم وسفرة أخرى وهو كبير مع ركب من قريش لم يفارقهم ولا اجتمع بأحد من أهل الكتاب
وأخبر من كان معه بأخبار أهل الكتاب بنبوته مثل إخبار بحيرى الراهب بنبوته وما ظهر منه مما دلهم على نبوته ولهذا تزوجت

به خديجة قبل نبوته لما أخبرت به من أحواله
وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر ولكن المقصود هنا التنبيه بأن محمدا صلى الله عليه و سلم له معجزات كثيرة مثل نبع الماء من بين أصابعه غير مرة ومثل تكثير الطعام القليل حتى أكل منه الخلق العظيم وتكثير الماء القليل حتى شرب منه الخلق الكثير
وهذا ما جرى غير مرة له ولأمته من الآيات ما يطول وصفه فكان بعض أتباعه يحيي الله له الموتى من الناس والدواب وبعض أتباعه يمشي بالعسكر الكثير على البحر حتى يعبروا إلى الناحية الأخرى

ومنهم من ألقي في النار فصارت عليه بردا وسلاما وأمثال ذلك كثير
ولكن المقصود هنا ذكر بعض ما في القرآن من أنه كان يخبرهم بالأمور الماضية خبرا مفصلا لا يعلمه أحد إلا أن يكون نبيا أو من أخبره نبي وقومه يعلمون أنه لم يخبره بذلك أحد من البشر وهذا مما قامت به الحجة عليهم وهم مع قوة عداوتهم له وحصرهم على ما يطعنون به عليه لم يمكنهم أن يطعنوا طعنا يقبل منهم وكان علم سائر الأمم بأن قومه المعادين له المجتهدين في الطعن عليه لم يمكنهم أن يقولوا إن هذه الغيوب علمها إياه بشر فوجب على جميع الخلق أن هذا لم يعلمه إياها بشر ولهذا قال تعالى سورة هود الآية 49
فأخبر أنه لم يكن يعلم ذلك هو ولا قومه وقومه تقر بذلك ولم يتعلم من أحد غير قومه ولهذا زعم بعضهم أنه تعلم من بشر ظهر

كذبه لكل أحد كما قال تعالى سورة النحل الآيات 98 103
فكان بمكة رجل أعجمي مملوك لبعض قريش فادعى بعض الناس أن محمدا كان يتعلم من ذلك الأعجمي فبين الله أن هذا كذب ظاهر فإن ذلك رجل أعجمي لا يمكنه أن يتكلم بكلمة من هذا القرآن العربي ومحمد صلى الله عليه و سلم عربي لا يعرف شيئا من ألسنة العجم فمن كلمه بغير العربية لا يفقه كلامه فلا ذلك

الرجل يحسن التكلم بالعربية ولا محمد صلى الله عليه و سلم يفهم كلاما بغير العربية فلهذا قال تعالى سورة النحل الآية 103
أي يميلون إليه ويضيفون إليه أنه علم محمدا صلى الله عليه و سلم سورة النحل الآية 103
وكذلك قال بعض الناس عن القرآن سورة الفرقان الآية 4
قال تعالى سورة الفرقان الآيات 4 6
فبين سبحانه أن قول هذا من الكذب الظاهر المعلوم لأعدائه فضلا عن أوليائه فإنهم يعلمون أنه ليس عنده أحد يعينه على ذلك

وليس في قومه ولا في بلده من يحسن ذلك ليعينه عليه فلهذا قال تعالى فقد جاءوا ظلما وزورا
فإن جميع أهل بلده وقومه المعادين له يعلمون أن هذا ظلم له وزور ولهذا لم يقل هذا أحد من عقلائهم المعروفين وكذلك قولهم أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا فإن قومه المكذبين له يعلمون أنه ليس عنده من يملي عليه كتابا وقد بين ما يظهر كذبهم بقوله قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض
فإن في القرآن من الأسرار ما لا يعلمه بشر إلا بإعلام الله إياه فإن الله يعلم السر في السموات والأرض ثم لما تبين بطلام قولهم هذا ذكر ما قدحوا به في نبوته فقال تعالى سورة الفرقان الآيتان 7 8
فهذا كلام المعارضين له الذين أنكروا أكله ومشيه في الأسواق التي يباع فيها ما يؤكل وما يلبس وقالوا هلا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يستغني عن ذلك بكنز ينفق منه أو جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا

قال تعالى سورة الفرقان الآية 9
يقول مثلوك بالكاذب والمسحور والناقل عن غيره وكل من هذه الأقوال يظهر كذبه لكل من عرفك ولهذا قال تعالى فضلوا فلا يستطيعون سبيلا
والضال الجاهل العادل عن الطريق فلا يستطيع الطريق الموصلة إلى المقصود بل ظهر عجزهم وانقطاعهم في المناظرة وقال تعالى سورة طه الآية 133
فإنه أتاهم بجلية ما في الصحف الآولى كالتوراة والإنجيل مع علمهم بأنه لم يأخذ عن أهل الكتاب شيئا فإذا أخبرهم بالغيوب التي لا يعلمها إلا نبي أو من أخبره نبي وهم يعلمون أنه لم يعلم ذلك بخبر أحد من الأنبياء تبين لهم أنه نبي وتبين ذلك لسائر الأمم فإنه إذا

كان قومه المعادون وغير المعادين له مقرين بأنه لم يجتمع بأحد يعلمه ذلك صار هذا منقولا بالتواتر وكان مما أقر به مخالفوه مع حرصهم على الطعن لو أمكن
فهذه الأخبار بالغيوب المتقدمة قامت بها الحجة على قومه وعلى جميع من بلغه خبر ذلك وقد أخبر بالغيوب المستقبلة وهذه تقوم بها الحجة على من عرف تصديق ذلك الخبر كما قال تعالى سورة الروم الآيات 2 3
ثم قال سورة الروم الآيات 2 5
وقال تعالى سورة البقرة الآيتان 23 24
فأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك في المستقبل وكان كما أخبر وقال تعالى

سورة الإسراء الآية 88
فأخبر أنه لا يقدر الإنس والجن إلى يوم القيامة أن يأتوا بمثل هذا القرآن وهذا الخبر قد مضى له أكثر من سبعمائة سنة ولم يقدر أحد من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن وقال عن الكفار وهو بمكة سورة القمر الآية 45
وظهر تصديق ذلك يوم بدر وغيره وبعد ذلك بسنين كثيرة وقال تعالى سورة النور الآية 55
وكان الأمر كما وعده وظهر تصديق ذلك بعد سنين كثيرة وكذلك قوله سورة الفتح الآية 28
فأظهر الله ما بعثه به بالآيات والبرهان واليد والسنان وقال تعالى سورة آل عمران الآية 12

فكان كما أخبرهم غلبوا في الدنيا كما شاهده الناس وهذا يصدق الخبر الأخير وهو أنهم يحشرون إلى جهنم وبئس المهاد
وقد أيده تأييدا لا يؤيد به إلا الأنبياء بل لم يؤيد أحد من الأنبياء كما أيد به كما أنه بعث بأفضل الكتب إلى أفضل الأمم بأفضل الشرائع وجعله سيد ولد آدم صلى الله عليه و سلم فلا يعرف قط أحد ادعى النبوة وهو كاذب إلا قطع الله دابره وأذله وأظهر كذبه وفجوره
وكل من أيده الله من المدعين للنبوة لم يكن إلا صادقا كما أيد نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان بل وأيد شعيبا وهودا وصالحا فإن سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وهذا هو الواقع فمن كان لا يعلم ما يفعله الله إلا بالعادة فهذه عادة الله وسنته يعرف بها ما يصنع ومن كان يعلم ذلك بمقتضى حكمته فإنه يعلم أنه لا يؤيد من ادعى النبوة وكذب علي

تأييدا لا يمكن أحدا معارضته وهكذا أخبرت الانبياء قبله أن الكذاب لا يتم الله أمره ولا ينصره ولا يؤيده فصار هذا معلوما من هذه الجهات ولهذا أمر سبحانه أن نعتبر بما فعله في الأمم الماضية من جعل العاقبة للأنبياء وأتباعهم وانتقامه ممن كذبهم وعصاهم
قال تعالى سورة غافر الآية 51
وقال تعالى سورة الصافات الآيات 171 173
وقال تعالى سورة غافر الآية 5
وقال تعالى

سورة الحج الآيات 40 46
وقال تعالى سورة الروم الأيتان 9 10
وقال تعالى سورة غافر الآيتان 4 5
وقال تعالى سورة غافر الآيتان 21 22

وقال تعالى سورة غافر الآيات 81 85
وقال تعالى سورة ص الآيات 12 14
وقال تعالى سورة الشعراء الآيتان 5 6
فأخبر بأن المكذبين له سيأتيهم في المستقبل أخبار القرآن الذي استهزءوا به وبين أن ما أخبرهم به حق بوقوع الخبر مطابقا للخبر وكان الأمر كذلك ومثله قوله سورة فصلت الآية 53

أخبر أنه سيريهم في أنفسهم وفي الآفاق ما يبين أن القرآن حق بأن يروا ما أخبر به كما أخبر به ثم قال سورة فصلت الآية 53
فإنه قد يشهد للقرآن بأنه حق بالآيات البينات والبراهين الدالة على صدقه التي تتبين بشهادة الرب تعالى بأنه حق فلا يحتاج مع الشهادة الحاضرة إلى انتظار الآيات المستقبلة وقال تعالى سورة القمر الآيات 1 5
أخبر باقتراب الساعة وانشقاق القمر وانشقاق القمر قد عاينوه وشاهدوه وتواترت به الأخبار وكان النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ هذه السورة في المجامع الكبار مثل الجمع والأعياد ليسمع الناس ما فيها من آيات النبوة ودلائلها والاعتبار وكل الناس يقر ذلك ولا ينكره فعلم أن انشقاق القمر كان معلوما عند الناس عامة ثم ذكر حال الأنبياء ومكذبيهم فقال

سورة القمر الآيات 9 15
فأخبر أنه أبقى السفن آية على قدرة الرب وعلى ما جرى لنوح مع قومه ثم قال فكيف كان عذابي لمن كذب ونذري وكذلك ذكر قصة عاد وثمود ولوط وغيرهم يقول في عقب كل قصة فكيف كان عذابي ونذر ونذره وإنذاره وهو ما بلغته عنه الرسل من الإنذار وكيف كانت عقوبته للمنذرين
والإنذار هو الإعلام بالمخوف فتبين بذلك صدق ما أخبرت به الرسل من الإنذار وشدة عذابه لمن كذب رسله وذكر قصة فرعون فقال سورة القمر الآيات 41 45
وذكر في قصة محمد صلى الله عليه و سلم مع الناس أنواعا من ذلك فقال

سورة آل عمران الآية 13
وقال تعالى سورة الحشر الآيات 2 4
ومثل هذا كثير في القرآن من ذكر دلائل النبوة وأعلام الرسالة ليس هذا موضع بسطه وإنما المقصود هنا التنبيه على جنس ذلك وما يذكره بعض أهل الكتاب أو غيرهم من أنه نصر فرعون ونمرود

وسنحاريب وجنكسان وغيرهم من الملوك الكافرين جوابه ظاهر فإن هؤلاء لم يدع أحد منهم النبوة وأن الله أمره أن يدعو إلى عبادة الله وطاعته ومن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار بخلاف من ادعى أن الله أرسله بذلك فإنه لا يكون إلا رسولا صادقا ينصره الله ويؤيده وينصر أتباعه ويجعل العاقبة لهم أو يكون كذابا فينتقم الله منه ويقطع دابره ويتبين أن ما جاءه به ليست من الآيات والبراهين التي لا تقبل المعارضة بل هي من جنس مخارق السحرة والكهان والكذابين التي تقبل المعارضة فإن معجزات الأنبياء من خواصها أنه لا يقدر أحد أن يعارضها ويأتي بمثلها بخلاف غيرها فإن معارضتها ممكنة فيبطل دلالتها
والمسيح الدجال يدعي الإلهية ويأتي بخوارق ولكن نفس دعواه الإ لاهية دعوى ممتنعة في نفسها ويرسل الله عليه المسيح بن مريم فيقتله ويظهر كذبه ومعه ما يدل على كذبه من وجوه
منها أنه مكتوب بين عينيه كافر
ومنها أنه أعور والله ليس بأعور

ومنها أن أحدا لن يرى ربه حتى يموت ويريد أن يقتل الذي قتله أولا فيعجز عن قتله
فمعه من الدلائل الدالة على كذبه ما يبين أن ما معه ليس آية على صدقه بخلاف معجزات الأنبياء فإنه لا يمكن أحد من الإنس والجن أن يأتي ينظيرها ولا يبطلها مثل قلب العصل حية لموسى وإخراج ناقة لصالح من الأرض وإحياء الموتى للمسيح وانشقاق القمر وأنزال القرآن وغير ذلك لمحمد صلى الله عليه و سلم فإن المشركين لما سألوا النبي صلى الله عليه و سلم آية واقترحوا عليه انشقاق القمر فأراهم ذلك
وقد أخبر الله تعالى بذلك في القرآن فقال تعالى سورة القمر الآيات 1 7
ثم ذكر تعالى ما جرى قبله للمكذبين فذكر قصة قوم نوح وهود وصالح ولوط ثم فرعون وهذه السورة كان النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ بها في أعظم اجتماعات الناس عنده وهي الاعياد والناس كلهم يسمعون ما يذكره من انشقاق القمر وقول المكذبين أنه سحر

والناس كلهم المؤمن به والمنافق والكافر يقرون على هذا لم يقل أحد منهم أن القمر لم ينشق ولا أنكره أحد
وفي صحيح مسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي ما يقرأ به رسول الله صلى الله عليه و سلم في الأضحى والفطر فقال كان يقرأ فيهما بقاف والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر
ومعلوم بالضرورة في مطرد العادة أنه لو لم يكن انشق لأسرع الناس المؤمنون به إلى تكذيب ذلك فضلا عن أعدائه من الكفار والمنافقين لا سيما وهو يقرأ عليهم ذلك في أعظم مجامعهم
وأيضا فمعلوم أن محمدا صلى الله عليه و سلم كان من أحرص الخلق على تصديق الناس له واتباعهم إياه مع أنه كان أخبر الناس بسياسة الخلق فلو لم يكن القمر انشق لما كان يخبر بهذا ويقرأه على جميع الخلق ويستدل به ويجعله آية له فإن من يكون من أقل الناس خبرة بالسياسة لا يتعمد إلى ما يعلم جميع الناس أنه كاذب به فيجعله من أعظم آياته الدالة على صدقه ويقرأه على الناس في أعظم المجاميع

وقال اقتربت الساعة وانشق القمر بصيغة الفعل الماضي ولم يقل قامت الساعة ولا ستقوم بل قال اقتربت أي دنت وقربت وانشق القمر الذي هو دليل على نبوة محمد وعلى إمكان انحراق الفلك الذي هو قيام القيامة وهو سبحانه قرن بين خبره باقتراب الساعة وخبره بانشقاق القمر فإن مبعث محمد صلى الله عليه و سلم هو من أشراط الساعة وهو دليل على قربها كما قال صلى الله عليه و سلم في الحديث الصحيح بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين أصبعيه السبابة والوسطى وقد قال تعالى سورة محمد الآية 18
وعلم الساعة أخفاها الله عن جميع خلقه كما يذكر ذلك عن

المسيح في الإنجيل أنه لما سئل عنها فقال إنها لا يعلمها أحد من الناس ولا الملائكة ولا الابن وإنما يعلمها الأب وحده وهذا مما يدل على أنه ليس هو رب العالم وكذلك محمد صلى الله عليه و سلم أخبر بذلك لما سئل عنها
قال تعالى يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض
أي خفيت على أهل السموات والأرض سورة الأعراف الآية 187
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله فانشقاق القمر كان آية

على شيئين على صدق الرسول وعلى مجيء الساعة وإمكان انشقاق الفلك فإن المنكرين لقيام القيامة الكبرى قيام الناس من قبورهم لرب العالمين وانشقاق السموات وانفطارها سواء أقروا بالقيامة الصغرى وأن الأرواح بعد الموت تنعم أو تعذب كما هو قول الفلاسفة اللا آلهيين أو أنكروا المعاد مطلقا كما أنكر ذلك من أنكره من مشركي العرب والفلاسفة الطبيعيين وغيرهم ينكرون انشقاق السموات

ويزعم هؤلاء الدهرية أن الأفلاك لا يجوز عليها الانشقاق كما ذكر ذلك أرسطو وأتباعه وزعموا أن الانشقاق يقتضي حركة مستقيمة وهي ممتنعة بزعمهم في الفلك المحدد إذ لا خلاء وراءه عندهم وهذا لو دل فإنما يدل على ذلك في الفلك الأطلس لا فيما دونه فكيف وهو باطل فإن الحركة المستقيمة هناك بمنزلة جعل الأفلاك ابتداء في هذه الأحياز التي هي فيها سواء سمي خلاء أو لم يسم كما هو مذكور في غير هذا الموضع

والمقصود هنا أنه تعالى أخبر بانشقاق القمر مع اقتراب الساعة لأنه دليل على إمكان انشقاق الافلاك وانفطارها الذي هو قيام الساعة الكبرى وهو آية على نبوة محمد صلى الله عليه و سلم الذي هو من أشراط الساعة والله تعالى في كتابه يجمع بين ذكر القيامة الكبرى والصغرى كما في سورة الواقعة ذكر في أولها القيامة الكبرى وفي آخرها القيامة الصغرى وذلك كثير في سور القرآن مثل سورة ق وسورة القيامة وسورة التكاثر وسورة الفجر وغير ذلك
وقد استفاضت الأحاديث بانشقاق القمر ففي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم اشهدوا وفي لفظ ونحن معه بمنى فقال كفار قريش سحركم ابن أبي كبشة فقال جل منهم إن محمدا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا فأتوا فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك

وعن أنس بن مالك أنه قال سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه و سلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر فرقتين حتى رأوا حراء بينهما فنزلت سورة القمر الآيتان 1 2
وهذا حديث صحيح مستفيض رواه ابن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس وهو أيضا معروف عن حذيفة قال أبو الفرج بن الجوزي والروايات في الصحيح بانشقاق القمر عن ابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنس رضي الله عنهم

ولما زعموا أن هذا القرآن هو ألفه
قال الله تعالى سورة الطور الآيتان 33 34
ثم تحداهم بعشر سور فقال تعالى سورة هود الآيتان 13 14
ثم تحداهم بسورة واحدة فقال سورة البقرة الآيتان 23 24
وقال تعالى أيضا سورة يونس الآية 38
فعجز جميع الخلق أن يعارضوا ما جاء به ثم سجل على جميع الخلق العجز إلى يوم القيامة بقوله

سورة الإسراء الآية 88
فأخبرمن ذلك الزمان أن الإنس والجن إذا اجتمعوا لا يقدرون على معارضة القرآن بمثله فعجز لفظه ومعناه ومعارفه وعلومه أكمل معجزة وأعظم شأنا والأمر كذلك فإنه لم يقدر أحد من العرب وغيرهم مع قوة عداوتهم وحرصهم على إبطال أمره بكل طريق وقدرتهم على أنواع الكلام أن يأتوا بمثله وأنزل الله إذ ذاك آيات بين فيها أنه رسول إليهم ولم يذكر فيها أنه لم يرسل إلى غيرهم
فقال تعالى في سورة القصص الآيات 43 47

وقال في سورة السجدة الآية 3
وقال في سورة يس الآيات 1 6
ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث نعمته على هؤلاء وحجته عليهم بإرساله وذكر بعض حكمته في إرساله وذلك لا يقتضي أنه لم يرسل إلا لهذا بل مثل هذا كثير معروف في لسان العرب وغيرهم

قال تعالى سورة النحل الآية 8
ومعلوم أن في هذه الدواب منافع غير الركوب وقال تعالى سورة غافر الآيتان 15 16
فقد أخبر أنه ينزل الملائكة بالوحي على الأنبياء لينذروا يوم القيامة وذلك لا يمنع أن يكونوا نزلوا بالبشارة للمؤمنين والأمر والنهي بالشرائع وقال تعالى سورة الطلاق الآية 12
فأخبر تعالى أنه خلق العالم العلوي والسفلي ليعلم العباد قدرته وعلمه ومع هذا ففي خلق ذلك له من الحكمة أمرو أخرى غير علم العباد ومثل ذلك قوله تعالى سورة المائدة الآية 97
ومعلوم أن في جعل الكعبة قياما للناس والهدى والقلائد حكما ومنافع أخرى

وقال تعالى سورة النجم الأية 31
ومعلوم أن في ملك الله حكما أخرى غير جزاء المحسن والمسيء وكذلك قوله سورة الجاثية الآية 22
وقال تعالى سورة النساء الآيات 163 165
ومعلوم أن في إرسال الرسل سعادة من آمن بهم وغيرها حكم أخرى غير دفع حجة الخلق على الله وكذلك قوله تعالى سورة الحج الآية 37
ومعلوم أن في تسخيرها حكما ومنافع غير التكبير وقوله سورة البقرة الآية 185

وقال تعالى سورة إبراهيم الآيات 32 34
ومعلوم أن لله حكما في خلق الشمس والقمر والليل والنهار غير انتفاع بني آدم وكذلك قوله سورة يونس الآية 67
وقوله سورة الفرقان الآية 62
وفيها حكم أخرى وقال سورة البقرة الآية 213
وفي إنزال الكتاب من هدى من اهتدى به واتعاظه وغير ذلك مقاصد غير الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه
وقال تعالى

سورة النحل الآيتان 38 39
ومعلوم أن في مبعث الخلق يوم القيامة مقاصد غير بيان المختلف في علم هؤلاء ومما يبين ذلك أنه قال في الآية التي احتجوا بها سورة يس الآية 6
ومعلوم أنه لم يبعث لمجرد الإنذار بل وليبشر من آمن به ولأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتحليل الطيبات وتحريم الخبائث وغير ذلك من مقاصد الرسل كما قال تعالى سورة النساء الآية 165
وقوله سورة الأنعام الآية 48
لا ينافي كونه لم يصفهم في موضع آخر إلا بالإنذار وقد قال سورة الكهف الآيات 1 5
وكان المسلمون مرة صلوا صلاة العيد بحضرة حصار النصارى فقام خطيبهم فخطب بهذه الآية ولما قرأ قوله

سورة الكهف الآية 2
أشار إلى جند الإيمان ولما قرأ قوله سورة الكهف الآية 4
أشار إلى جند الصلبان
وقال تعالى سورة الحديد الآية 25
وفي إنزال الكتاب والميزان حكم أخرى من البشارة والإنذار وغير ذلك وكذلك قوله عن أهل الكهف سورة الكهف الآية 12
وفي بعثهم حكم أخرى بدليل قوله سورة الكهف الآية 21
وقال تعالى سورة الجن الآيتان 27 28
ومعلوم أن في ذلك مقاصد أخرى من هداية الخلق وقيام

الحجة على من بلغهم وغير ذلك وقوله سورة ص الآية 29
وفيه حكم أخرى من قيام الحجة على الخلق وضلال من ضل به ومثله قوله سورة إبراهيم الآية 52
ومعلوم أن في ذلك مقاصد أخرى من البشارة والأمر والنهي وغير ذلك وكذلك قوله سورة الحديد الآية 28 29
ومعلوم أن في جزاء المؤمنين مقاصد أخرى غير علم أهل الكتاب وما معه وقال تعالى سورة الأنعام الآية 92
ومعلوم أن فيه حكما أخرى مثل تبشير من آمن به والأمر والنهي وإنذار غير هؤلاء من العرب

وقال تعالى سورة يس الآيتان 69 70
ومعلوم أن فيه حكمة أخرى غير الإنذار وقال تعالى سورة الأحقاف الآية 12
ومعلوم أن فيه حكمة أخرى من إنذار الخلق كلهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وتبشير المؤمنين فقال تعالى سورة الأحزاب الآيتان 7 8
ومعلوم أن في أخذ الميثاق حكما أخرى وقال تعالى سورة الفتح الآيتان 1 2

وقوله سورة الإسراء الآية 1
وقوله سورة الإسراء الآية 12
وكذلك قوله سورة يونس الآية 5
وفي ذلك كله حكم أخرى وكذلك قوله سورة القصص الآية 8
وإن كانت هذه لام العاقبة فليست العاقبة منحصرة في ذلك بل في ذلك من الإحسان إلى موسى وتربيته وغير ذلك حكم أخرى ومثل قوله سورة الأنعام الآية 137

وقال تعالى سورة الصف الآية 9
وفي إرساله حكم أخرى وكذلك قوله سورة النساء الآية 105
وفي أنزاله تبشير وإنذار وأمر ونهي ووعد ووعيد وكذلك قوله في عيسى بن مريم سورة مريم الآية 21
وكذلك قوله سورة الجاثية الآية 12
وفيه حكم أخرى كما قال في الآية الأخرى سورة النحل الآية 14
وقال سورة فاطر الآية 12

وقال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك
إلى قوله سورة الأنعام الآيتان 112 113
وكذلك قوله سورة البقرة الآية 143
وفي كونهم وسطا حكم أخرى
وقوله سورة الملك الآية 2
وفيهما حكم أخرى وكذلك قوله سورة الفرقان الآية 1
وفي ذلك حكم أخرى من البشارة والأمر والنهي

وقال تعالى سورة آل عمران الآيتان 140 141
وفي ذلك حكم أخرى ومثل ذلك كثير في كلام الله عز و جل وغير كلام الله إذا ذكر حكمة للفعل لم يلزم أن لا تكون له حكمة أخرى لكن لا بد لتخصيص تلك الحكمة بالذكر في ذلك الموضع من مناسبته وهذا كالمناسبة في قوله سورة يس الآية 6
فإن هؤلاء كانوا أول المنذرين وأحقهم بالإنذار فكان في تخصيصهم بالذكر فائدة لا أنه خصهم لانتفاء إنذار من سواهم
وقال تعالى سورة الشعراء الآيات 193 195
ومعلوم أنه نزل به ليكون بشيرا وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويحرم الخبائث ويضع الآصار والأغلال صلى الله عليه و سلم

فصل
وأما احتجاجهم بقوله تعالى سورة البقرة الآية 151
وقوله تعالى سورة آل عمران الآية 164
فهذا كقوله تعالى سورة التوبة الآية 128
وهذا في عمومه نزاع فإنه إما أن يكون خطابا لجميع الناس ويكون المراد إنا بعثنا إليكم رسولا من البشر إذ كنتم لا تطيقون أن تأخذوا عن ملك من الملائكة فمن الله عليكم بأن أرسل إليكم رسولا بشريا
قال تعالى سورة الأنعام الآيتان 8 9

وأما أن يكون الخطاب للعرب وعلى التقديرين فإن ما تضمن ذكر أنعامه على المخاطبين بإرساله رسولا من جنسهم وليس في هذا ما يمنع أن يكون مرسلا إلى غيرهم فإنه إن كان خطابا للإنس كلهم فهو أيضا مرسل إلى الجن وليس من جنسهم فكيف يمتنع إذا كان خطابا للعرب بما امتن به عليهم أن يكون قد امتن على غيرهم بذلك فالعجم أقرب إلى العرب من الجن إلى الإنس وقد أخبر في الكتاب العزيز أن الجن لما سمعوا القرآن آمنوا به
قال تعالى سورة الأحقاق الآيات 29 32
وقال

سورة الجن كلها
ونظير هذا قوله سورة الزخرف الآية 44
وقومه قريش ولا يمنع أنه ذكر لسائر العرب بل لسائر الناس

كما قال تعالى سورة القلم الآيتان 51 52
وقال تعالى سورة الفرقان الآية 1
وقال تعالى سورة ص الآيات 86 88
وقال تعالى سورة التكوير الآيات 19 29
وقال تعالى سورة النساء الآية 79
وهذا على أصح القولين وأن المراد بقوله وإنه لذكر لك ولقومك

أنه ذكر لهم يذكرونه فيهتدون به
وقيل أن المراد أنه شرف لهم وليس بشيء فإن القرآن هو شرف لمن آمن به من قومه وغيرهم وليس شرفا لجميع قومه بل من كذب به منهم كان أحق بالذم كما قال تعالى سورة المسد الآية 1
وقال تعالى سورة الأنعام الآية 66
بخلاف كونه تذكرة وذكرى فإنه تذكرة لهم ولغيرهم كما قال تعالى سورة الأنعام الآية 90
فعم العالمين جميعهم فقال سورة يوسف الآية 104

فصل
هذا الكلام على الوجه الأول وهو قول من يقول أنه لم يقل أنه أرسل إلا إلى العرب
وأما الوجه الثاني وهو أن نقول هو ذكر أنه رسول إلى الناس كافة كما نطق به القرآن في غير موضع كقوله تعالى سورة سبأ الآية 28
وقوله سورة الأعراف الآية 158
وقد صرح فيه بدعوة أهل الكتاب وبدعوة الجن في غير موضع فإذا سلموا أنه ذكر ذلك ولكن كذبوه في ذلك
فإما أن يقروا برسالته إلى العرب أو لا يقروا
فإن أقروا بأنه رسول أرسله الله لم يمكن مع ذلك تكذيبه كما تقدم بل يجب الإقرار برسالته إلى جميع الخلق كما أخبر بذلك كما تقدم أن من ذكر أنه رسول الله لا يكون إلا من أفضل الخلق وأصدقهم أو من شر الخلق وأكذبهم فإنه إن كان صادقا فهو من أفضلهم وإن كان

كاذبا فهو من شرهم وإذا كان الله قد أرسله ولو إلى قرية كما أرسل يونس بن متى إلى أهل نينوى كان من أفضل الخلق وكان صادقا لا يكذب على الله ولا يقول عليه إلا الحق ولو كذب على الله ولو في كلمة واحدة لكان من الكاذبين لم يكن من رسل الله الصادقين فإن الكاذب لا يكذب في كل شيء بل في البعض فمن كذب على الله في كلمة واحدة فقد افترى على الله الكذب وكان من القسم الكاذبين في دعوى الرسالة لا من الصادقين
وأيضا فإن مقصود الرسالة تبليغ رسالات الله على وجهها فإذا خلط الكذب بالصدق لم يحصل مقصود الرسالة
وأيضا فإذا علم أنه كذب في بعضها لم يتميز ما صدق فيه مما كذب فيه إلا بدليل آخر غير رسالته فلا يحصل المقصود برسالته
ولهذا أجمع أهل الملل قاطبة على أن الرسل معصومون فيما يبلغونه عن الله تبارك وتعالى لم يقل أحد قط أن من أرسله الله يكذب عليه وقد قال تعالى ما يبين أنه لا يقر كاذبا عليه قال تعالى سورة الحاقة الآيات 44 47

وقال تعالى سورة الشورى الآية 24
ثم قال تعالى سورة الشورى الآية 24
فقوله تعالى سورة الشورى الآية 24
كلام مستأنف ليس داخلا في جواب الشرط فإنه لو كان معطوفا على جواب الشرط لقال ويحق الحق بالكسر لالتقاء الساكنين كما في قوله قم الليل
فلما قال ويحق الحق بالضم دل على أنه جملة مستأنفة أخبر فيها أنه تعالى يمحو الباطل كباطل الكاذبين عليه ويحق الحق كحق الصادقين عليه فمحو الباطل نظير إحقاق الحق ليس مما علق بالمشيئة بل لا بد منه بخلاف الختم على قلبه فإنه معلق بالمشيئة ولا يجوز أن يعلق بالمشيئة محو الباطل كتعليق الختم بل يقذف بالحق على الباطل فيدمغه

وقال تعالى في صيانته وإحكامه لما تبلغه رسله سورة الحج الآيات 52 54
وأيضا فإذا لم يكن أرسل إلا إلى العرب وقد دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان به وكفرهم إذا لم يؤمنوا به وجاهدهم وقتل مقاتلهم وسبى ذرياتهم كان ذلك ظلما لا يفعله إلا من هو من أظلم الناس ومن كان نبيا قد أرسله الله فهو منزه عن هذا وهذا
فالإقرار برسالته إلى العرب دون غيرهم مع ما ظهر من عموم دعوته للخلق كلهم قول متناقض ظاهر الفساد وكل ما دل عليه أنه رسول فإنه يستلزم رسالته إلى جميع الخلق وكل من اعترف بأنه رسول لزمه الاعتراف بأنه رسول إلى جميع الخلق وإلا لزم أن يكون الله أرسل رسولا يفتري عليه الكذب ويقول للناس إن الله أمركم باتباعي وأمرني

بجهادكم إذا لم تفعلوا وهو كاذب في ذلك ومعلوم أن كل ما دل على أن الله أرسله فإنه يدل على أنه صادق في الرسالة وإلا فلا فالرسول الكاذب لا يحصل به مقصود الرسالة بل يكون من جملة المفترين على الله الكذب وأولئك ليسوا من رسل الله ولا يجوز تصديقهم في قولهم إن الله أرسلهم انتهى المجلد الأول ويليه المجلد الثاني وأوله فصل وأما أن لا يقروا برسالته

فصل
وإما أن لا يقروا برسالته إلى العرب ولا غيرهم بل قالوا فيه ما كان يقوله مشركو العرب من أنه شاعر أو ساحر أو مفتر كاذب ونحو ذلك فيقال لهم على هذا التقدير فدليلكم أيضا باطل ولا يجوز أن تحتجوا بتقدير تكذيبكم لمحمد بشيء من كلام الأنبياء قبله سواء صدقتم محمدا في جميع ما يقوله أو في بعضه أو كذبتموه فدليلكم باطل فيلزم بطلان دينكم على كل تقدير وما ثبت بطلانه على كل تقدير فهو باطل في نفس الأمر فيثبت أنه باطل في نفس الأمر وذلك أنكم إذا كذبتم محمدا لم يبق لكم طريق تعلمون به صدق غيره من الأنبياء فيمتنع مع تكذيبه القول بصدق غيره بل من اعتقد كذبه وصدق غيره لم يكن عالما بصدق غيره بل يكون مصدقا لهم بغير علم وإذا لم يكن عالما بصدقهم لم يجز احتجاجه قط بأقوالهم بل ذلك قول منه بلا علم ومحاجة فيما لا علم له بها فإن الدلائل الدالة على صدق محمد أعظم وأكثر من الدلائل الدالة على صدق موسى وعيسى ومعجزاته أعظم من معجزات غيره والكتاب الذي أرسل به أشرف من الكتاب الذي بعث به غيره والشريعة التي جاء بها

أكمل من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام وأمته أكمل في جميع الفضائل من أمة هذا وهذا ولا يوجد في التوراة والإنجيل علم نافع وعمل صالح إلا وهو في القرآن أو مثله أو منه وفي القرآن من العلم النافع والعمل الصالح ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل فما من مطعن من مطاعن أعداء الأنبياء يطعن به على محمد إلا ويمكن توجيه ذلك الطعن وأعظم منه على موسى وعيسى
وهذه جملة مبسوطة في موضع آخر لم نبسطها هنا لأن جواب كلامهم لا يحتاج إلى ذلك فيمتنع الإقرار بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام مع التكذيب بنبوة محمد ولا يفعل ذلك إلا من هو من أجهل الناس وأضلهم أو من أعظمهم عنادا واتباعا لهواه وذلك أن هؤلاء القوم احتجوا بما نقلوه عن الأنبياء ولم يذكروا الأدلة الدالة على صدقهم بل أخذوا ذلك مسلما وطلبوا ان يحتجوا بما نقلوه عن الأنبياء قبله وبما نقلوه عنه على صحة دينهم

وهذه حجة داحضة سواء صدقوه أو كذبوه فإن صدقوه بطل دينهم وإن كذبوه بطل دينهم فإنهم إن صدقوه فقد علم أنه دعاهم وجميع أهل الأرض إلى الإيمان به وطاعته كما دعا المسيح وموسى وغيرهما من الرسل وأنه أبطل ما هم عليه من الاتحاد وغيره وكفرهم في غير موضع ولهذا كان مجرد التصديق بأن محمدا رسول الله ولو إلى العرب يوجب بطلان دين النصارى واليهود وكل دين يخالف دينه فإن من كان رسولا لله فإنه لا يكذب على الله ومحمد قد علم منه أنه دعا النصارى واليهود إلى الإيمان به وطاعته كما دعا غيرهم وأنه كفر من لم يؤمن به ووعده النار وهذا متواتر عنه تواترا تعلمه العامة والخاصة وفي القرآن من ذلك ما يكثر ذكره كما قال تعالى
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءتهم البينة ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيهآ أولئك هم شر البرية إن الذين امنوا وعملوا الصلحت أولئك هم خير البرية جزآؤهم عند ربهم جنت عدن تجري من تحتها الأنهار خلدين فيهآ أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه

وقال تعالى
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لآ إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بايت الله فإن الله سريع الحساب فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلغ والله بصير بالعباد
وقد ذكر كفر اليهود والنصارى في غير موضع كقوله تعالى عن النصارى
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا
وقال تعالى أيضا
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يبني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأونه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله

ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل اتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل
وقال تعالى
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقهآ إلى مريم وروح منه فأمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين إمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا مبينا فأما الذين إمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما
وقال تعالى

وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لآ إله إلا هو سبحانه عما يشركون
وقال تعالى
وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس إتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولآ أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد
فقد قال تعالى
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم
في الموضعين
وقال تعالى
لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة
وقال تعالى ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم

وقال تعالى
وقالت النصارى المسيح ابن الله
والنصارى قالت الأقوال الثلاثة فذكر الله عنهم هذه الأقوال لكن من الناس من يظن أن هذا قول طائفة منهم وهذا قول طائفة منهم
كما ذكره طائفة من المفسرين كابن جرير الطبري والثعلبي وغيرهما ثم تارة يحكون عن اليعقوبية أن عيسى هو الله

وعن النسطورية أنه ابن الله وعن المريوسية أنه ثالث ثلاثة وتارة يحكون عن النسطورية انه ثالث ثلاثة وعن الملكية انه الله ويفسرون قولهم ثالث ثلاثة بالأب والإبن وروح القدس
والصواب ان هذه الأقوال جميعها قول طوائف النصارى المشهورة الملكية واليعقوبية والنسطورية فإن هذه الطوائف كلها تقول بالأقانيم الثلاثة الآب والإبن وروح القدس فتقول غن الله ثالث ثلاثة وتقول عن المسيح إنه الله وتقول أنه إبن الله وهم متفقون على إتحاد اللاهوت والناسوت وأن المتحد هو الكلمة وهم متفقون على عقيدة إيمانهم التي تتضمن ذلك وهو قولهم نؤمن بإله واحد اب ضابط الكل خالق السموات والأرض كل ما يرى وما لا يرى وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب

قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق
وأما قوله تعالى
ولا تقولوا ثلاثة
وقوله
لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة
فقد فسروه بالتثليث المشهور عنهم المذكور في أمانتهم ومن الناس من يقول إن الله هو المسيح ابن مريم قول اليعقوبية وقولهم ثالث ثلاثة هو قول النصارى الذين يقولون بالآب والإبن والروح القدس وهم قد جعلوا الله فيها ثالث ثلاثة وسموا كل واحد من الثلاثة بالإله والرب وقد فسره طائفة بجعلهم عيسى وأمه إلهين يعبدان من دون الله
قال السدي في قوله تعالى

لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة
قال قالت النصارى إن الله هو المسيح وأمه فذلك قوله
ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله
وقد قيل قول ثالث أغرب من ذلك عن أبي صخر قال
لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة
قال هو قول اليهود عزيز ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله فجعلوا الله ثالث ثلاثة وهذا ضعيف وقد ذكر سعيد بن البطريق في أخبار النصارى ان منهم طائفة يقال لهم

المريميون يقولون إن مريم إله وإن عيسى إله
وأما الأول فمتوجه فإن النصارى المتفقين على الأمانة كلهم يقولون إن الله ثالث ثلاثة والله تعالى قد نهاهم عن أن يقولوا ذلك فقال تعالى
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فأمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم
فذكر سبحانه في هذه الآية التثليث والاتحاد ونهاهم عنهما وبين أن المسيح إنما هو رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
وقال
فأمنوا بالله ورسوله
ثم قال
ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم

لم يذكر هنا أمه وقوله تعالى
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
قال معمر عن قتادة وكلمته ألقاها إلى مريم هو قوله كن فكان
وكذلك قال قتادة ليس الكلمة صار عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى
وكذلك قال الإمام أحمد في مصنفه الذي صنفه في كتابه في الرد على الجهمية وذكره عنه الخلال والقاضي أبو يعلى قال أحمد

ثم إن الجهم ادعى أمرا فقال إنا وجدنا في كتاب الله آية تدل على أن القرآن مخلوق قلنا أي آية قال قول الله
إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته
فقلنا إن الله منعكم الفهم في القرآن عيسى عليه السلام تجري عليه ألفاظ لا تجري على القرآن لأن عيسى يجري عليه نسمة ومولود وطفل وصبي وغلام يأكل ويشرب وهو يخاطب بالأمر والنهي يجري عليه الوعد والوعيد هو من ذرية نوح ومن ذرية إبراهيم ولا يحل لنا أن نقول في القرآن ما نقول في عيسى هل سمعتم الله يقول في القرآن ما قال عيسى ولكن المعنى في قوله جل ثناؤه
إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
فالكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له كن فكان عيسى ب كن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان فالكن من الله قوله وليس الكن مخلوقا وكذبت النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى وذلك أن الجهمية قالوا عيسى روح الله وكلمته لأن الكلمة مخلوقة

وقالت النصارى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال هذه الخرقة من هذا الثوب وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان وليس عيسى هو الكلمة
قال أحمد وأما قوله جل ثناؤه
وروح منه
يقول من أمره كان الروح فيه كقوله
وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه
يقول من أمره وتفسير روح الله إنما معناها أنها روح بكلمة الله خلقهم الله كما يقال عبدالله وسماء الله وفي نسخة روح يملكها الله خلقها الله
وقال الشعبي في قوله تعالى

وكلمته ألقاها إلى مريم
الكلمة حين قال له كن فكان عيسى ب كن وليس عيسى هو الكن ولكن بالكن كان
وقال ليث عن مجاهد روح منه قال رسول منه يريد مجاهد قوله
فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك

والمعنى أن عيسى خلق من الروح وهو جبريل روح القدس سمي روحا كما سمي كلمة لأنه خلق بالكلمة والنصارى يقولون في أمانتهم تجسد من مريم ومن روح القدس لأنه كذلك في الكتب المتقدمة لكن ظنوا أن روح القدس هو صفة لله وجعلوها حياته وقدرته وهو رب وهذا غلط منهم فإنه لم يسم أحد من الأنبياء حياة الله ولا قدرته ولا شيئا من صفاته روح القدس بل روح القدس في غير موضع من كلام الأنبياء عليهم السلام يراد بها ما ينزله الله على قلوب الأنبياء كالوحي والهدى والتأييد ويراد بها الملك وهكذا في تفسير ابن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس أن عيسى بن مريم استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا قد جاء الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه فلما سمع عيسى ذلك

قال اللهم أنت ربي وأنا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتني ولم آتهم من تلقاء نفسي وذكر تمام الحديث
وقد قال تعالى
والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها داية للعالمين
وقال تعالى ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا
فهذا يوافق قوله تعالى
فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك
والمقصود هنا أنهم سواء صدقوا محمدا أو كذبوه فإنه يلزم بطلان دينهم على التقديرين فإنه إن كان نبيا صادقا فقد بلغ عن الله

في هذا الكتاب كفر النصارى في غير موضع ودعاهم إلى الإيمان به وأمر بجهادهم فمن علم أنه نبي ولو إلى طائفة معينة يجب تصديقه في كل ما أخبر به وقد أخبر بكفر النصارى وضلالهم وإذا ثبت هذا لم يغن عنهم الاحتجاج بشيء من الكتب والمعقول بل يعلم من حيث الجملة أن كل ما يحتجون به على صحة دينهم فهو باطل وإن لم يبين فساد حججهم على التفصيل لأن الأنبياء لا يقولون إلا حقا كما أن المسيح عليه السلام لما حكم بكفر من كذبه من اليهود كان كل ما يحتج به اليهود على خلاف ذلك باطلا فكل ما عارض قول النبي المعصوم فهو باطل وإن كذبوا محمدا تكذيبا عاما مطلقا وقالوا ليس هو نبي أصلا ولا أرسل إلى أحد لا إلى العرب ولا إلى غيرهم بل كان كذابا امتنع مع هذا أن يصدقوا بنبوة غيره فإن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد بطريق الأولى فإذا قالوا علمت نبوة موسى والمسيح بالمعجزات وعرفت المعجزات بالنقل المتواتر إلينا قيل لهم معجزات محمد أعظم وتواترها أبلغ والكتاب الذي جاء به محمد أكمل وأمته أفضل وشرائع دينه أحسن وموسى جاء بالعدل وعيسى جاء بتكميلها بالفضل وهو

قد جمع في شريعته بين العدل والفضل
فإن ساغ لقائل أن يقول هو مع هذا كاذب مفتر كان على هذا التقدير الباطل غيره أولى أن يقال فيه ذلك فيبطل بتكذيبهم محمدا جميع ما معهم من النبوات إذ حكم أحد الشيئين حكم مثله فكيف بما هو أولى منه فلو قال قائل إن هارون ويوشع وداوود وسليمان كانوا أنبياء وموسى لم يكن نبيا أو أن داوود وسليمان ويوشع كانوا أنبياء والمسيح لم يكن نبيا أو قال ما تقوله السامرة أن يوشع كان نبيا ومن بعده كداوود وسليمان والمسيح لم يكونوا أنبياء أو قال ما يقوله اليهود إن داوود وسليمان

وأشعيا وحبقوق ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء

والمسيح بن مريم لم يكن نبيا كان هذا قولا متناقضا معلوم البطلان فإن الذين نفى هؤلاء عنهم النبوة أحق بالنبوة وأكمل نبوة ممن أثبتوها له ودلائل نبوة الأكمل أفضل فكيف يجوز إثبات النبوة للنبي المفضول دون الفاضل وصار هذا كما لو قال قائل أن زفر وابن القاسم والمزني

والأثرم كانوا فقهاء وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد لم يكونوا فقهاء أو قال إن الأخفش وابن الأنباري والمبرد كانوا نحاة

والخليل وسيبويه والفراء لم يكونوا نحاة أو قال إن صاحب الملكي والمسيحي ونحوهما من كتب الطب كانوا أطباء وبقراط

وجالينوس ونحوهما لم يكونوا أطباء أو قال إن كوشيار والخرقي ونحوهما كانوا يعرفون علم الهيئة وبطليموس ونحوه لم يكن لهم علم بالهيئة
ومن قال إن داوود وسليمان ومليخا وعاموص ودانيال كانوا أنبياء ومحمد بن عبدالله لم يكن نبيا فتناقضه أظهر وفساد قوله أبين من هذا جميعه بل وكذلك من قال إن موسى وعيسى رسولان والتوراة والإنجيل كتابان منزلان من عند الله ومحمد ليس برسول والقرآن

لم ينزل من الله فبطلان قوله في غاية الظهور والبيان لمن تدبر ما جاء به محمد وما جاء به من قبله وتدبر كتابه والكتب التي قبله وآيات نبوته وآيات نبوة هؤلاء وشرائع دينه وشرائع دين هؤلاء وهذه الجملة مفصلة مشروحة في غير هذا الموضع لكن المقصود هنا التنبيه على مجامع جوابهم وهؤلاء القوم لم يأتوا بدليل واحد يدل على صدق من احتجوا به من الأنبياء فلو ناظرهم من يكذب بهؤلاء الأنبياء كلهم من المشركين والملاحدة لم يكن فيما ذكروه حجة لهم ولا حجة لهم أيضا على المسلمين الذين يقرون بنبوة هؤلاء فإن جمهور المسلمين إنما عرفوا صدق هؤلاء الأنبياء بإخبار محمد أنهم أنبياء فيمتنع أن يصدقوا بالفرع مع القدح في الأصل الذي به علموا صدقهم
وأيضا فالطريق الذي به علمت نبوة هؤلاء بما ثبت من معجزاتهم وأخبارهم فكذلك تعلم نبوة محمد بما ثبت من معجزاته وأخباره بطريق الأولى فيمتنع أن يصدق أحد من المسلمين بنبوة واحد من هؤلاء مع تكذيبه لمحمد في كلمة مما جاء به

فصل
ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا من النصارى إنما يعتمدون في النبوات على بشارة الأنبياء بمن يأتي بعدهم فيقولون المسيح عليه السلام بشرت به الأنبياء قبله بخلاف محمد فإنه لم يبشر به نبي وجواب هؤلاء من وجهين
أحدهما أن يقال بل البشارة بمحمد في الكتب المتقدمة أعظم من البشارة بالمسيح وكما أن اليهود يتأولون البشارة بالمسيح على أنه ليس هو عيسى بن مريم بل هو آخر ينتظرونه وهم في الحقيقة إنما ينتظرون المسيح الدجال فإنه الذي يتبعه اليهود ويخرج معه سبعون ألف مطيلس من يهود أصبهان ويقتلهم المسلمون معه حتى يقول الشجر

والحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي وثبت أيضا في الصحيح عن النبي أنه قال ينزل عيسى بن مريم من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويقتل مسيح الهدى عيسى بن مريم مسيح الضلالة الأعور الدجال على بضع عشرة خطوة من باب لد ليتبين

للناس أن البشر لا يكون إلها فيقتل من ادعى فيه أنه الله وهو بريء مما ادعى فيه لمن ادعى في نفسه أنه الله وهو دجال كذاب فهكذا البشارات بمحمد في الكتب المتقدمة وقد يتأولها بعض أهل الكتاب على غير تأويلها كما قد بسط في موضع آخر فإن بسط الكلام في ذكر محمد في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب له موضع آخر
الجواب الثاني أن يقال ليس من شرط النبي أن يبشر به من تقدمه كما أن موسى كان رسولا إلى فرعون ولم يتقدم لفرعون به بشارة وكذلك الخليل عليه السلام أرسل إلى نمرود ولم يتقدم به بشارة نبي إليه وكذلك نوح وهود وصالح وشعيب ولوط لم يتقدم هؤلاء بشارة إلى قومهم بهم مع كونهم أنبياء صادقين فإن دلائل نبوة النبي لا تنحصر في أخبار من تقدمه بل دلائل النبوة منها المعجزات ومنها غير المعجزات كما قد بسط في موضع آخر وهؤلاء النصارى إنما مستند دينهم في التثليث والاتحاد وغير ذلك هو السمع وهو دعواهم أن الكتب الإلهية جاءت بذلك ليس مستندهم فيه العقل فإذا تبين أنهم مع تكذيبهم بمحمد يمتنع أن

تثبت نبوة غيره امتنع استدلالهم بالسمعيات وأما العقليات فإن تشبثوا ببعضها فهم معترفون بأن حجتهم فيها ضعيفة وأنها على نقيض مذهبهم أدل منها على مذهبهم وسنبين إن شاء الله تعالى أن لا حجة لهم في سمع ولا عقل بل ذلك كله حجة عليهم
وأما تمثيلهم الكتاب بالوثيقة التي كتب الوفاء في ظهرها فتمثيل باطل غير مطابق لأن الإقرار بالوفاء إقرار بسقوط الدين ولا مناقضة بين ثبوت الدين أولا وسقوطه آخرا بالوفاء بل أمكن مع هذا دعواه وأما من يذكر أنه رسول الله فلا يمكن أن يقر بأنه رسول الله في بعض ما أنبأ به عن الله دون بعض ولا يمكن اتباع بعض كتابه الذي ذكر انه منزل من عند الله دون بعض فإنه إن كان صادقا في قوله إنه رسول الله كان معصوما في ما يخبر به عن الله لا يجوز أن يكذب في شيء منه لا عمدا ولا خطأ ووجب اتباع الكتاب الذي جاء به من عند الله ولم يمكن رد شيء مما ذكر أنه جاء به من الله وإن كان كاذبا في كلمة واحدة مما أخبر به عن الله فهو من الكاذبين المفترين فلا يجوز أن يحتج بشيء من دينهم ولا دين غيرهم بمجرد إخباره عن الله بل ولا بمجرد خبره وقوله وإن لم يذكر أنه خبر عن الله كما لا يجوز مثل ذلك في سائر من عرف أنه كاذب في قوله إني رسول الله كمسيلمة الحنفي والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي وبابا

الرومي وأمثالهم من الكذابين
والواحد من المسلمين وإن كان الله لا يؤاخذه بالنسيان والخطأ بل والرسول أيضا وإن لم يكن يؤاخذ بالنسيان والخطأ في غير ما يبلغه عن الله عند السلف والأئمة وجمهور المسلمين لكن ما يبلغه عن الله لا يجوز أن يستقر فيه خطأ فإنه لو جاز أن يبلغ عن الله ما لم يقله ويستقر ذلك ويأخذه الناس عنه معتقدين أن الله قاله ولم يقله الله كان هذا مناقضا لمقصود الرسالة ولم يكن رسولا لله في ذلك بل كان كاذبا في ذلك وإن لم يتعمده وإذا بلغ عن الله ما لم يقله وصدق في ذلك كان قد صدق من قال على الله غير الحق ومن تقول عليه ما لم يقله وإن لم يكن متعمدا ويمتنع في مثل هذا أن يصدقه الله في كل ما يخبر به عنه أو أن يقيم له من الآيات والبراهين ما يدل على صدقه في كل ما يخبر به عنه مع أن الأمر ليس كذلك ومن قامت البراهين والآيات على صدقه فيما يبلغه عن الله كان صادقا في كل ما يخبر به عن الله لا يجوز أن يكون في خبره عن الله شيء من الكذب لا عمدا ولا خطأ وهذا مما اتفق عليه جميع الناس من المسلمين واليهود والنصارى

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9