كتاب : خزانة الأدب وغاية الأرب
المؤلف : تقي الدين أبي بكر علي بن عبد الله الحموي الأزراري

القلب ولا تنظم إلا بشهوة فإن الشهوة نعم المعين على حسن النظم وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين فما استحسن العلماء فاقصده وما استقبحوه فاجتنبه انتهت وصية أبي تمام
وأورد العلامة زكي الدين بن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير وصية لنفسه أوردها أيضا على نوع التهذيب والتأديب فاخترت منها ما هو اللائق بالحال وأولها ينبغي لك أيها الراغب في العمل السائل عن أوضح السبل أن تحصل المعنى قبل الشروع في النظم والقوافي قبل الأبيات قلت وهذا مذهبنا ثم قال ابن أبي الأصبع ولا تكره الخاطر على وزن مخصوص وروي مقصود وتوخ الكلام الجزل دون الرذل والسهل دون الصعب والعذب دون المستكره والمستحسن دون المستهجن ولا تعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل والنفيس معه خسيس والخواطر ينابيع إذا رفق بها جمت وإذا كثر استعمالها نزحت واكتب كل معنى يسنح وقيد كل فائدة تعرض فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت وإن لم تستعطف بالتكرار عليها صدت والترنم بالشعر مما يعين عليه فقد قال الشاعر
( وتغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لقول الشعر مضمار )
وقد يكل خاطر الشاعر ويعصى عليه الشعر زمانا كما روي عن الفرزدق أنه قال لقد يمر علي زمان وقلع ضرس من أضراسي أهون علي من أن أقول بيتا واحدا وإذا كان كذلك فاتركه حتى يأتيك عفوا وينقاد إليك طوعا وإياك وتعقيد المعاني وتقصير الألفاظ وتوخ حسن النسق عند التهذيب ليكون كلامك بعضه آخذ بأعناق بعض وكرر التنقيح وعاود التهذيب ولا يخرج عنك ما نظمته إلا بعد تدقيق النقد وإمعان النظر انتهى
قلت وهذا لعمري هو المراد من النوع الذي نحن في شرحه أعني نوع التهذيب والتأديب لا كقول الفرزدق
( وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه )

فإن الممدوح إبراهيم بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك وأما التقديم والتأخير ففي قوله وما مثله البيت فإن تقديره وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه وسلوك طريق التعقيد في قوله أبو أمه أبوه وكان يجزيه قوله جده وهذا لعمري هو التعقيد الذي بينه وبين التهذيب والتأديب الذي قررناه بعد المشرقين وقد تقدم قولي إن البديعيين أجمعوا على أن هذا النوع ليس له شاهد يخصه لأنه وصف يعم كل كلام منقح فاختصرت الشواهد ليظهر للمتأمل من أحرز قصبات السبق من نظام البديعيات في هذا النوع أعني التهذيب والتأديب
ولكن رأيت العلامة زكي الدين بن أبي الأصبع قد استحسن من الشواهد اللائقة بهذا النوع قول القاضي السعيد بن سنا الملك
( تغنى عليها حليها طربا بها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا )
قال وقوله صحيح لو لم تقدم في صدر البيت لفظة مشتقة من الغناء حصل بها في البيت من الرونق ما لا يحسن بدونها وكان البيت خاليا من التهذيب فإن بوجودها حصل في بيته تصدير وتجنيس وائتلاف وتهذيب وانتفى عنه من العيوب عدم الائتلاف وقلق القافية وبذلك تقدم التهذيب فإنه لو قال
( زهت بأزاهير الجمال وحسنها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا )
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع يقول فيه عن النبي
( هو النبي الذي آياته ظهرت ... من قبل مظهره للناس في القدم )
قد تكرر قولي أنني لم أكثر من شواهد هذا النوع إلا ليظهر فيه من أحرز قصبات السبق من نظام البديعيات
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي
( والله هذبه طفلا وأدبه ... فلم يحل هديه الزاكي ولم يرم )
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي
( تهذيب تأديبه قد زاده عظما ... في مهده وهو طفل غير منفطم )

هذا البيت يشتمل ببركة من أدبه ربه فأحسن تأديبه وهو الممدوح على عشرة أنواع من البديع أولها النوع الذي هو شاهد عليه وهو التهذيب والتأديب والانسجام والسهولة والتورية بتسمية النوع والتتميم والتكميل والتمكين والإيغال والائتلاف والمبالغة ولولا الخوف من الإطالة لذكرت كل نوع في موضعه ولكن في نظر أصحاب الذوق السليم من علماء هذا الفن ما يغني عن ذلك والله أعلم

ذكر ما لا يستحيل بالانعكاس
( بحر وذو أدب بدا وذو رحب ... لم يستحل بانعكاس ثابت القدم )
هذا النوع سماه قوم المقلوب والمستوي وسماه السكاكي مقلوب الكل وعرفه الحريري في مقاماته بما لا يستحيل بالانعكاس وهو أن يكون عكس البيت أو عكس شطره كطرده
وهذا النوع أعني ما لا يستحيل بالانعكاس غايته أن يكون رقيق الألفاظ سهل التركيب منسجما في حالتي النثر والنظم وجاء منه في الكتاب العزيز ( كل في فلك ) و ( وربك فكبر ) ومن الكلام الذي رق لفظه أرض خضرا وأورد الحريري في مقاماته ساكب كاس وزاد في العدة كبر رجاء أجر ربك وزاد في العدة أيضا فقال لذ بكل مؤمل إذا لم وملك بذل قلت هذا الكلام الذي زاد الحريري في عدة كلماته صحيح التركيب في طرده وعكسه ولكن لم يخف على الحذاق وأصحاب السجايا الرقيقة أن التكلف طوق جيده بطوق العقادة
وذكروا أن العلامة القاضي فتح الدين بن الشهيد صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس تغمده الله برحمته ورضوانه وصل في تركيب هذا النوع إلى أكثر من هذه العدة ولكن ما وقفت له على شيء من ذلك وإنما مولانا المقر الأشرف القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك المحروسة الإسلامية عظم الله تعالى شأنه أخبر المملوك أنه وقف على ما نثره القاضي

فتح الدين المشار إليه في هذا النوع قبل تيمورلنك وذكر أنه في غاية العقادة وقد تقدم القول وتقرر أن المراد من تركيب هذا النوع نثرا كان أو نظما غير كثرة العدد والمبرز فيه هو الذي يأتي به رقيق الألفاظ سهل التركيب رافلا في حلل الانسجام وممن استوعب هذه الشروط في كلام منثور مولانا قاضي القضاة شرف الدين شيخ الإسلام ابن البارزي الجهني الشافعي نور الله ضريحه بقوله سور حماه بربها محروس ومن الغايات أيضا في هذا النوع قول العماد الكاتب وقد مر عليه القاضي الفاضل راكبا سر فلا كبابك الفرس فأجابه الفاضل على الفور وقد علم القصد دام علا العماد وقال الحريري في المقامات
( إن أحببت أن تنظم ... فقل للذي تعظم )
( آس أرملا إذا عرا ... وراع إذا المرء أسا )
قلت وهذا النظم أيضا لا يخفى أنه يتجافى عن الرقة بغليظ لفظه ومن الشواهد المقبولة على هذا النوع في النظم قول الشاعر
( عج تنم قربك دعد آمنا ... إنما دعد كبرق منتجع ) ومنها
( أراهن نادمنه ليل لهو ... وهل ليلهن مدان نهارا )
والذي وقع عليه الإجماع أن أبلغ الشواهد على هذا النوع الذي استوعب ناظمه فيه الشروط التي تقدم ذكرها قول القاضي الأرجاني
( مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم )
ومثال شطر البيت الذي نسجت أبيات البديعيات على منواله أرانا الإله هلالا أنارا
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعية على هذا النوع
( هل من ينم بحب من ينم له ... بما رموه كمن لم يدر كيف رمى )
قلت الشيخ صفي الدين الحلي غفر الله له غير مشكور في نظم هذا البيت فإن الطرد والعكس لم يأت به إلا في الشطر الأول وهو غير ملتزم تسمية النوع فإن تسمية

هذا النوع بما لا يستحيل بالانعكاس تستوعب جزءا كبيرا من البيت ومع عدم التزامه بشيء من ذلك جاء بيته في غاية العقادة ولظلمة عقادته لم يلح لي فيه لمعة اهتدى بها إلى فهم معناه وأعجب من ذلك أن البيت مبني على مديح النبي والبيت الذي قبله
( من مثله وذراع الشاة كلمه ... عن سمه بلسان صادق الرنم ) والبيت الذي بعده
( هو النبي الذي آياته ظهرت ... من قبل مظهره للناس في القدم )
فبيت ما لا يستحيل بالانعكاس بينهما أجنبي ونسبه بعيد من شرف هذين البيتين المنتسبين إلى النبي
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي
( لم يستحل بانعكاس في سجيته ... مدن أخا طعم معط أخا ندم )
قلت الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى يعذر هنا إذا احتجبت عنه مسالك الرقة لالتزامه بتسمية النوع الذي استوعب جزءا كبيرا من بيته
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي
( بحر وذو أدب بدا وذو رحب ... لم يستحل بانعكاس ثابت القدم )
وقد حبست عنان القلم هنا عن الإطناب في انسجام هذا البيت ورقة ألفاظه وتمكين قافيته علما أن في إنصاف أصحاب الذوق السليم من أهل الأدب ما يغني عن ذلك والله أعلم

ذكر التورية
( أوصافه الغر قد حلت بتورية ... جيدي وعقد لساني بعد ذا وفمي )
التورية يقال لها الإيهام والتوجيه والتخيير والتورية أولى في التسمية لقربها من مطابقة المسمى لأنها مصدر وريت الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر وهي في الاصطلاح أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان حقيقيان أو حقيقة ومجازا أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية فيريد المتكلم المعنى البعيد ويوري عنه بالمعنى القريب فيتوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب وليس كذلك ولأجل هذا سمي هذا النوع إيهاما ومثل ذلك قول أبي العلاء المعري
( وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غيره النقط )
فمن سمع هذا البيت توهم أنه يريد براء ودال حرفي الهجاء لأنه صدر بيته بذكر الحروف وأتبع ذلك بالرسم والنقط وهذا هنا هو المعنى القريب المتبادر أولا إلى ذهن السامع والمراد غيره وهو المعنى البعيد المورى عنه بالقريب لأن مراده بالحرف الناقة وبحرف النون تشبيه الناقة به في تقويسها وضمورها وبراء اسم الفاعل من رأى إذا ضرب الرئة وبدال اسم الفاعل من دلا يدلو إذا رفق في السير وبالرسم أثر الدار وبالنقط المطر ومعنى هذا البيت أن هذه الناقة لضعفها وانحنائها مثل نون تحت رجل يضرب رئتيها ولم يرفق بها في السير فهو غير دال وقد تقدم أن الدالي هو الرفيق ويؤم بها دارا غير المطر رسمها واجتماع هذه الأوصاف دليل على ضعف الناقة لأنها لو كانت قوية لما احتاجت إلى ضرب رئتيها وإلى الرفق بها مع شدة شوقه إلى ديار أحبابه وذلك باعث على شدة السير

قال حذاق الأدب تراكيب التورية في هذا البيت بالنسبة إلى ديباجة المتأخرين وطلاوة ألفاظهم وزخارف بيوتهم تستحق قول القائل
( وما مثله إلا كفارغ حمص ... خلي من المعنى ولكن يفرقع )
لأن هذا النوع أعني التورية ما تنبه لمحاسنه إلا من تأخر من حذاق الشعراء وأعيان الكتاب ولعمري إنهم بذلوا الطاقة في حسن سلوك الأدب إلى أن دخلوا إليه من باب فإن التورية من أغلى فنون الأدب وأعلاها رتبة وسحرها ينفث في القلوب ويفتح بها أبواب عطف ومحبة وما أبرز شمسها من غيوم النقد إلا كل ضامر مهزول ولا أحرز قصبات سبقها من المتأخرين غير الفحول ومما يؤيد قولي هذا قول الشيخ صلاح الدين الصفدي رحمه الله تعالى في ديباجة كتابه المسمى بفض الختام عن التورية والاستخدام ومن البديع ما هو نادر الوقوع ملحق بالمستحيل الممنوع وهو نوع التورية والاستخدام فإنه نوع تقف الأفهام حسرى دون غايته عن مرامي المرام
( نوع يشق على الغبي وجوده ... من أي باب جاء يغدو مقفلا )
لا يفرغ هضبته فارع ولا يقرع بابه قارع إلا من تنحو البلاغة نحوه في الخطاب وتجري ريحها بأمره رخاء حيث أصاب
وقال الزمخشري وهو حجة في هذا العلم ولا نرى بابا في البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله وكلام نبيه وكلام صحابته رضي الله عنهم أجمعين فمن ذلك قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) لأن الاستواء على معنيين أحدهما الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود لأن الحق تعالى وتقدس منزه عن ذلك والثاني الاستيلاء والملك وهو المعنى البعيد المقصود الذي وري عنه بالقريب المذكور ومنه قول النبي حين سئل في مجيئه عند خروجه إلى بدر فقيل لهم ممن أنتم فلم يرد أن يعلم السائل فقال من ماء أراد أنا مخلوقون من ماء فورى عنه بقبيلة يقال لها ماء ومنه ما روي عن النبي أنه قال لا يزال المنام طائرا حتى يقص فإذا قص وقع ففي الكلام توريتان لفظة طائر ولفظة يقص ويحتمل أيضا أن يكون في لفظة وقع تورية ثالثة ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه في الهجرة وقد

سئل عن النبي من هذا فقال هاد يهديني أراد أبو بكر رضي الله عنه هاديا يهديني إلى الإسلام فورى عنه بهادي الطريق وهو الدليل في السفر
وكانت خواطر المتقدمين عن نظم التورية بمعزل وأفكارهم مع صحتها ما خيمت عليها بمنزل لكنها ربما وقعت لهم عفوا من غير قصد لأنهم على كل حال ولاة هذا الشان وأدلة هذا الركب وقيل إن أول من كشف غطاءها وجلا ظلمة إشكالها أبو الطيب المتنبي بقوله
( برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات مصطحبان )
( كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني )
يريد أن كف شبيب وسيفه متنافران فلا يجتمعان لأن شبيبا كان قيسيا والسيف يقال له يماني فورى به عن الرجل المنسوب إلى يمن ومعلوم ما بين قيس ويمن من التنافر قلت وكأن من قال إن أبا الطيب أول من كشف غطاء التورية ما لمح قول عمرو بن كلثوم في معلقته عن الخمرة
( مشعشعة كان الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا )
الشاهد هنا في سخينا فإن العرب كانوا يسخنون الماء في الشتاء لشدة برده ثم يمزجونها به فسخينا على هذا التقدير نعت لموصوف محذوف والمعنى فأضحى شرابا سخينا وهذا هو المعنى القريب المورى به ويحتمل السخاء الذي هو عبارة عن الكرم وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه ومراد الناظم ومما يؤيد قولي أنه المراد قول الجوهري في الصحاح قول من قال سخينا من السخونة نصب على الحال ليس بشيء فإن المراد لما خالطها الماء ومزجت به طبنا وسخينا بأموالنا كقول عنترة
( وإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم )
والحص هو الزعفران على أحد الأقوال وهو الذي شبه صفرتها به فإن قيل سخا

مضارعه يسخو ويسخو من ذوات الواو فلا يجوز أن يكون سخينا فعلا على هذا التقدير فالإجماع عند أهل اللغة أنه يقال سخا يسخا وسخا يسخو وهذا مذهب الجوهري في الصحاح وعلى هذا التقدير فاشتراك التورية في سخينا صحيح ممكن من الوجهين انتهى
وكشف أيضا عن قناع التورية في شعره النابغة الذيباني بقوله
( خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما ) أراد بالصيام ههنا القيام وورى بقوله تعلك اللجما عن الصيام وأورد السكاكي في المفتاح للعرب من هذا الباب
( حملناهم طرا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسا ) أراد بالحمل على الدهم تقييدهم وأوهم بالركوب على دهم الخيل قلت وقبل المتنبي أيضا بزمن طويل قال أبو نواس
( فتنت قلبي محببة ... وجهها بالحسن منتقب )
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه المسمى بفض الختام عن التورية والاستخدام امتحنت ببيت أبي نواس جماعة ممن حاضرتهم وذاكرتهم وعاطيتهم كؤوس الأدب وعاشرتهم فبعضهم استخرج منه النكتة وبعضهم لم أجد له إليها لفتة وقال البحتري
( ووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب )
الشاهد في قوله تملح فإنه يحتمل أن يكون من الملوحة التي هي ضد العذوبة وهو المعنى القريب المورى به ويحتمل أن يكون من الملاحة وهو المعنى البعيد المورى عنه وقد تقدم من لوازمه على جهة التبيين قوله ملية بالحسن

وأما أبو العلاء فإنه أتى في التورية بلمعة خفية الإيماء شديدة العقادة والتكلف وذلك في قوله
( حروف السرى جاءت لمعنى أردته ... برتني أسماء لهن وأفعال )
( إذا صدق الجد افترى العم للفتى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال )
الجد هنا مشترك بين أبي الأب والسعد ومراده السعد والعم مشترك بين أخي الأب والجماعة من الناس ومراده الجماعة والخال مشترك بين أخي الأم والظن ومراده الظن قلت زحوف هذا البيت أيضا لا تخفى إنه مكسوف بدخان العقادة أين هذا من قول الشيخ تقي الدين السروجي
( في الجانب الأيمن من خدها ... نقطة مسك اشتهي شمها )
( حسبته لما بدا خالها ... وجدته من حسنه عمها ) ومثله في اللطف والظرافة قول الشيخ عز الدين الدين الموصلي
( لحظت من وجنتها شامة ... فابتسمت تعجب من حالي )
( قالت قفوا واستمعوا ما جرى ... قد هام عمي الشيخ من خالي )
قلت ولهذا وقع الإجماع على أن المتأخرين هم الذين سموا إلى أفق التورية وأطلعوا شموسها ومازجوا بها أهل الذوق السليم لما أداروا كؤوسها وقيل إن الفاضل هو الذي عصر سلافة التورية لأهل عصره وتقدم على المتقدمين بما أودع منها في نظمه ونثره فإنه رحمه الله تعالى كشف بعد طول التحجب ستر حجابها وأنزل الناس بعد تمهيدها بساحاتها ورحابها وممن شرب من سلافة عصره وأخذ عنه وانتظم في سلكه بفرائد دره القاضي السعيد ابن سنا الملك ولم يزل هو ومن عاصره مجتمعين على دور كأسها ومتمسكين بطيب أنفاسها إلى أن جاءت بعدهم حلبة صاروا فرسان ميدانها والواسطة في عقد جمانها كالسراج الوراق وأبي الحسين الجزار والنصير الحمامي وناصر الدين حسن بن النقيب والحكيم شمس الدين بن دانيال والقاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه المسمى بفض الختام عن التورية

والاستخدام
وجاء من شعراء الشام جماعة تأخر عصرهم وتأزر نصرهم ولأن في هذا النوع هصرهم وبعد حصرهم كل ناظم تود الشعرى لو كانت له شعرا ويتمنى الصبح لو كان له طرسا والغسق مدادا والنثرة نثرا ما حلا من بنات فكره خودا إلا شاب لحسنها الوليد وسيرها في الآفاق وبين يديها من النجوم جوار ومن الشعراء عبيد كالشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة والأمير مجير الدين ابن تميم وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي ومحيي الدين بن قرناص الحموي وشمس الدين محمد بن العفيف وسيف الدين بن المشد وقال الشيخ صلاح الدين في أواخر ديباجة كتابه المذكور ومع هؤلاء جماعة يحضرني ذكرهم عند شعرهم ويعز علي إذ لم أرهم علىتكاثرهم لفوات عصرهم وتلطف بقوله بعد ذلك ولا تقل أيها الواقف على هذا التأليف لقد أفرطت في التعصب لأهل مصر والشام على من دونهم من الأنام وهذا باطل ودعوى عدوان وحمية لأوطانك ومن جاروها من البلدان فالجواب أن الكلام في التورية لا غير ومن هنا تنقطع المادة في السير ومن ادعى أنه يأتي بدليل وبرهان فالمقياس بيننا والشقراء والميدان انتهى كلام الشيخ صلاح الدين الصفدي
قلت قد تقدم وتقرر أن التورية عند علماء هذا الفن بمنزلة الإنسان من العين وسموها في البلاغة سمو الذهب على العين وقد ثبت أن خواطر المتقدمين كانت بها شحيحة وأفكارهم لا تقصد مظانها وإن كانت سليمة صحيحة لكنها ربما وقعت لهم عفوا من غير مرام فنقول إنها رمية من غير رام وقد علم أن المتأخرين من الفاضل إلى من فضل بعدهم نور مشكاتها والمتفكهين في أدواح الأدب بثمراتها فإذا جليت عرائس أفكارهم على اختلاف أنواع التورية لا يمل المتأمل اللهم إلا أن يكون سيف

ذهنه كليلا فيقول إنه من هذا الفن متنصل فإن هذه العرائس لم تبرز لمتأمل إلا من خدور هذا الكتاب وإذا طلبها من غيره توارت عنه بالحجاب فإذا سرح المتأمل طرفه وأمسى في كل واد من محاسنها يهيم وتنوعت حلاوات أنواعها لذوقه السليم جردت سيف العزم وأقمت لكل نوع حدا ونظمت له من أنواع التورية وأقسامها في سلك هذا النوع عقدا فإن الشيخ صفي الدين الحلي لم يذكر في شرح بديعيته نوعا من أنواع التورية ولا قسما من أقسامها بل ذكر حد التورية الذي أجمع الناس عليه وقال هي أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين قريب وبعيد فيذكر لفظا يوهم القريب إلى أن يجيء بقرينة يظهر منها أن مراده البعيد
قلت ومن أين يعرف الطالب من هذا الحد التورية المجردة والتورية المرشحة وقسميها والمبنية وقسميها والمهيأة وأقسامها
وكذلك العلامة زكي الدين ابن أبي الأصبع لم يذكر في كتابه المسمى بتحرير التحبير نوعا من أنواعها ولا قسما من أقسامها مع أن كتابه ما وضع في هذا الفن له نظير بل قال التورية وتسمى التوجيه وهي أن يكون الكلام يحتمل معنيين فيستعمل المتكلم أحد احتماليه ويهمل الآخر ومراده ما أهمله لا ما استعمله
وأما صاحب التلخيص فإنه قال مشيرا إلى البديع ومنه التورية وتسمى الإيهام أيضا وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد وهي ضربان مجردة ومرشحة ولم يزد على هذا القدر شيئا
وإذا أردت ما وعدت بإيراده من طلاوة المتأخرين في التورية شرعت في الكلام على أنواعها وأقسامها ليسير ركب الأدب في طرقها المتشعبة بدليل ويصير لديباجة هذا النوع تفصيل وقد قدمت ذكر الفاضل ومن فضل بعده في باب الاستخدام ولكن لم يمكن اختصارهم في باب التورية فإنهم فرسان حلباتها وأجل من سكن غريب نظمه بأبياتها وكل ما أوردته لهم ولغيرهم من التورية في غير بابه تعين نظم شمله هنا ليجتمع كل غريب بأقاربه وأنسابه فمن مخترعات القاضي الفاضل في التورية قوله من مديح قصيدة طائية وهي نكتة لم تختل في صدر غيره وهو
( أما الثريا فنعل تحت أخمصه ... وكل قافية قالت لذلك طا )

ومثله قوله
( في خده فخ لعطفة صدغه ... والخال حبته وقلبي الطائر ) ومثله قوله
( وكنت وكنا والزمان مساعد ... فصرت وصرنا وهو غير مساعد )
( وزاحمني في ورد ريقك شارب ... ونفسي تأبى شركها في الموارد ) ومن هنا أخذ الشيخ عز الدين الموصلي وقال
( لقد كنت لي وحدي ووجهك حضرتي ... وكنا وكانت للزمان مواهب )
( فعارضني في ورد خدك عارض ... وزاحمني في ورد ثغرك شارب ) ومن نظم الفاضل أيضا في بواب يلقب بالبحري
( وهب أن هذا الباب للرزق قبلة ... فها أنا قد وليته دونكم ظهري )
( وهب أنه البحر الذي يخرج الغنى ... فكل خرافي الشط في لحية البحر ( ي ) ) ومثله قوله
( عاتبته فتضرجت وجناته ... والقلب صخر لا يلين لقاصد )
( فنظرت من ذا في حرير ناعم ... وضربت من ذا في حديد بارد ) ومن اختراعاته التي لم تجل في فكر غيره قوله من مديح قصيدة عادلية
( وهذا الترب أم خد لثمنا ... فآثار الشفاه عليه شامه )
( وهذا الدر منثور ولكن ... أروني غير أقلامي نظامه )
( وهذي روضة تندى وسطري ... بها غصن وقافيتي حمامه ) ومنه قوله أيضا
( بالله قل للنيل عني إنني ... لم أشف من ماء الفرات غليلا )
( وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان طرفي بالبكاء بخيلا )

( يا قلب كم خلفت ثم بثينة ... وأظن صبرا أن يكون جميلا ) ومنه قوله وأجاد إلى الغاية
( وقائل وثب الأعداء قلت له ... كما الفراش على نيرانه يثب )
( فإن ثوب الذي عاداكم كفن ... كما بيوت الذي عاصاكم ترب )
( بلغتموهم مناهم في ترفعهم ... والقوم ما ارتفعوا إلا وقد صلبوا )
( هل السيوف عيون في الجفون لكم ... فإنها لقراب البغي ترتقب )
ومن نثره في هذا الباب قوله في يوم شديد المطر والبرد والخادم في رأس جبل يتلقى الرحمة غضة قبل أن يبتذلها الناس ويصافح الرياح عاصفة قبل أن تقتسمها الأنفاس ويتلقى الرعد بالرعدة وإذا السماء انشقت استصحاها المملوك بالسجدة
وقد تقدم القول إن ممن أخذ عنه ونهل من موارده العذبة القاضي السعيد ابن سنا الملك فمن نظمه في هذا الباب قوله
( أما والله لولا خوف سخطك ... لهان علي ما ألقى برهطك )
( ملكت الخافقين فتهت عجبا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك ) ومنه قوله أيضا
( وفي الحي من صيرتها نصب خاطري ... فما آذنت في نازل الشوق بالرفع )
( تتيه بفرع منه أصل بليتي ... ولم أر أصلا قط يسعى إلى فرع ) ومنه قوله
( ليس إلا دمعي الذي من رأى جفني ... رآه كأن دمعي هدبي )
( أنجم الدمع لا تغيب شروقا ... مع أني رأيتها في الغرب )

ومنه قوله
( صفاتك في كل الوجوه صحيحة ... فلحظك نصبي وهو إن صحفوا يصبي )
( حرست الحشا من ناظريك بصارم ... فكسرة ذاك الجفن من ذلك الضرب ) ومما سبق إليه الناس في هذا الباب قوله
( وفي القلب تصديع وفي الوصل جبره ... وفي الخد دينار وفي الجفن كسره ) وأخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال
( في خده وجفونه ... للحسن دينار وكسر ) وتلاعب الناس بعد ابن سنا الملك بهذا المعنى كثيرا حتى وصل إلى المعمار فقال
( كم حوى جفني معنى ... قلت ألفا وكسورا )
ولم يزل ابن سنا الملك يتلاعب في التورية باختراعاته ويسكنها في عامر أبياته إلى أن ظهر بعده السراج فجلا غياهبها بنور مشكاته وتعاصر هو وأبو الحسين الجزار والنصير الحمامي وتطارحوا كثيرا وساعدتهم صنائعهم وألقابهم في نظم التورية حتى إنه قيل للسراج الوراق لولا لقبك وصناعتك لذهب نصف شعرك فمن ذلك قوله
( شعريتي مذ رمدت قد حبست ... طرفي عنكم فصرت محبوسا ) ( الحمد لله زادني شرفا ... كنت سراجا فصرت فانوسا ) وقال من أبيات فيمن تلقب بالضياء وأجاد
( أمولانا ضياء الدين دم لي ... وعش فبقاء مولانا بقائي )
( فلولا أنت ما أغنيت شيئا ... وما يغني السراج بلا ضياء )
ومثله قوله فيه
( وما أنا سائر في ليل خطب ... تساوى الصبح فيه والمساء )
( فلا أنا مثل ما أدعى سراج ... ولا هو مثل ما يدعى ضياء )

ومنه قوله
( وكنت حبيبا إلى الغانيات ... فألبسني الشيب هجر الشبيب )
( وكنت سراجا بليل الشباب ... فأطفأ نوري نهار المشيب )
وكتب إلى بعض الرؤساء
( بكتبك راج لي أملي وقصدي ... وفي يدك النجاح لكل راج )
( ولولا أنت لم ترفع مناري ... ولا عرف الورى قدر السراج ) ومنه قوله يتقاضى من بعض الرؤساء شمعا
( وما علينا ضوء وقد أبطأ السمع ... فقوض به خيام الدياجي )
( وتدارك بيتا عليه ظلام ... لم يكد ينجلي بنور السراج ) وقال وقد اجتمع شمس الدين بيلبك وبدر الدين آق سنقر
( لما رأيت الشمس والبدر معا ... قد انجلت دونهما الدياجي )
( حقرت نفسي ومصيت هاربا ... وقلت ما ذا موضع السراج ) وظريف قوله في هذا الباب
( بني اقتدى بالكتاب العزيز ... وراح لبري سعيا ولاجا ) ( فما قال لي أف مذ كان لي ... لكوني أبا ولكوني سراجا ) ومنه قوله
( أقول في يوم شتاء له ... من سحبه ما خلف النيلا )
( خرجت من بيتي سراجا وقد ... عدت بحمد الله قنديلا ) وكتب إلى أبي حسين الجزار في عيد الأضحى
( أجبت بعيد النحر من كان سائلي ... عن الحال في عيدي وقد مر ذكره )
( إذا بطل الجزار والعيد عيده ... فلا تسأل الوراق فالعذر عذره )

ومنه قوله
( إلهي لقد جاوزت سبعين حجة ... فشكرا لنعماك التي ليس تكفر )
( وعمرت في الإسلام فازددت بهجة ... ونورا لذا قالوا السراج المعمر )
( وعمم نور الشيب رأسي فسرني ... وما ساءني أن السراج منور ) ومن أظرف ما وقع له في هذا الباب قوله
( كم قطع الجود من لسان ... قلد في نظمه النحورا )
( فها أنا شاعر سراج ... فاقطع لساني أزدك نورا ) ومثله قوله ( أثنى علي الأنام أني ... لم أهج خلقا ولا هجاني )
( فقلت لا خير في سراج ... إن لم يكن دافىء اللسان ) ومثله قوله
( إذا بحت بالشكوى عنيت معاشرا ... بلا راحة في مدحهم أتعبوا ذهني )
( يريدونني رطب اللسان ومن رأى ... سراجا غدا رطب اللسان بلا دهن ) وكتب إليه الأمير نصير الدين الحمامي وهو مقيم بالروضة
( كم قد ترددت للباب الكريم لكي ... أبل شوقي وأحيي ميت أشعاري )
( وأثني خائبا مما أؤمله ... وأنت في روضة والقلب في نار ) فكتب إليه السراج
( الآن نزهتني في روضة عبقت ... أنفاسها بين أزهار وأثمار )
( أسكرتني بشذاها فانثنيت بها ... وكل بيت أراه بيت خمار )
( فلا تغالط فمن فينا السراج ومن ... أولى بأن قال إن القلب في نار )
وقال النصير يوما للسراج الوراق قد عملت قصيدة في الصاحب تاج الدين وأشتهي أن تثني عليها بحضرته وسيرها إلى الصاحب فلما أنشدت بحضرة السراج قال السراج بعدما فرغ منها

( شاقني للنصير شعر بديع ... ولمثلي في الشعر نقد بصير )
( ثم لما سمعت باسمك فيه ... قلت نعم المولى ونعم النصير ) ومنه قوله
( طوت الزيارة إذ رأت ... عصر الشباب طوى الزياره )
( ثم انثنت لما انثنى ... بعد الصلابة كالحجاره )
( وبقيت أهرب وهي تسأل ... جارة من بعد جاره )
( وتقول يا ستي استرحنا ... لا سراج ولا مناره ) ومما ورى به عن صناعة الوراقة قوله
( نصب الحشا غرضا فقرطس إذ رمى ... وهي القلوب سهامها الأحداق )
( وسألته وصلا فقال يحجني ... يا ليت شعري من هو الوراق ) ومثله قوله
( يا خجلتي وصحائفي سود غدت ... وصحائف الأبرار في إشراق )
( وموبخ لي في القيامة قال لي ... أكذا تكون صحائف الوراق ) ومن لطائفه في غير لقبه وصناعته قوله
( قالوا وقد ضاعت جميع مصالحي ... لهموم نفس ليت لا حملتها )
( قد كان عندك يا فلان صريمة ... فأجبتهم بعت الحمار وبعتها ) ومنه قوله
( رفضوا الشعر جهدهم ورموه ... بينهم بالهوان والازدراء )
( فلو أن الكتاب كان بأيديهم ... محوا منه آية الشعراء ) وله في المعنى وأجاد
( يا بني الآمال قد خاب الرجا ... وقد اشتدت وقد عز العزاء )
( سفن الآمال في بحر المنى ... وحلت منا فأين الرؤساء )

وقال في المعنى
( أصون أديم وجهي عن أناس ... لقاء الموت عندهم الأديب )
( ورب الشعر عندهم بغيض ... ولو وافى به لهم حبيب ) ومن لطائفه قوله ( وقائل لي لما أن رأى قلقي ... من انتظاري لآمال تعنينا )
( عواقب الصبر فيما قال أكثرهم ... محمودة قلت أخشى أن تخرينا ) ومن لطائفه بعد تخرينا قوله
( أتيت أرجيه في حاجة ... فلم تنبعث نفسه الجامده )
( وفتل في ذقنه والنفوس ... تعاف المفتلة البارده ) ومنه قوله
( دع الهوينا وانتصب واكتسب ... واكدح فنفس المرء كداحه )
( وكن عن الراحة في عزلة ... فالصفع موجود مع الراحه ) وأنشده الجزار وهو يسرح ذقنه مماجنا
( لا تعجبت من لباسي ... فكل أمري لبس )
( والله ما ثم مآل ... وإنما ثم نفس ) فأجابه على الفور
( صدقت ما ثم مال ... وإنما ثم نحس )
( وثم أخرى وأخرى ... فيها وعندك حدس ) ومنه قوله
( ومغمومات روس باكرتنا ... بطيب شذا ولا طيب العروس )
( فقمت بما يلين لها فقالت ... يحق لك القيام على الرؤوس )

ومنه قوله
( وأحمق أضافنا ببقله ... لنسبة بينهما ووصله )
( فمن أقل أدبا من سفله ... قد مد في وجه الضيوف رجله ) ومنه قوله
( وسائل يسأل مني وقد ... انشدت شعرا دونه الشعرى )
( يقول لي إذ كنت في معشر ... قد عبدوا البيضاء والصفرا )
( هل حصلت دائرة بينهم ... قلت بلى بطيخة خضرا ) ومنه قوله
( مدحته جهدي فما اهتز من ... قولي ونادى الناس كم تتعب )
( فقلت أرجو زبدة قيل لي ... فاتك أين اللبن الطيب ) ومن لطائفه أيضا قوله
( كان أيرا صار سيرا ... يلطم الأكساس سخره )
( كيف لا ينفرن عني ... ومعي شيب ودره ) ومنه قوله
( فسر لي عابر مناما ... فصل في قوله وأجمل )
( وقال لا بد من طلوع ... فكان ذاك الطلوع دمل ) ومنه قوله وقد طلب شرابا فما وصل إليه
( لا تطمعن براحة من معشر ... سادوا بغير مآثر السادات )
( قطعت عن المعروف أيديهم وقد ... سرقوا العلا فخلت من الراحات ) ومن نكته البديعة في مدائحه قوله
( رأيت قطوف عفوك دانيات ... فنحن على المدى نجني ونجني )
( وكم بات المسيء قرير عين ... وسيفك إن حلمت قرير جفن )

وكتب إلى فتح الدين بن عبد الظاهر
( أنا تحت وعدك واعد أملي بما ... يرجوه من ظفر ومن نجح )
( إذ قال اين الجود قلت أجيبه ... مع أين مبني على الفتح ) ومنه قوله
( ومبخل بالمال قلت لعله ... يندى وظني فيه ظن مخلف )
( جمع الدراهم ليس جمع سلامة ... فأجابني لكنه لا يصرف )
وكتبت في هذا المعنى إلى الخواجا شهاب الدين بن لؤلؤ الذهبي بدمشق المحروسة وقد مطلني في صرف دنانير أحلت بها عليه
( قد منعتم صرف الدنانير عني ... ولكم في الورى هبات كثيره )
( وأنا شاعر وفي شرع نظمي ... صرفها واجب لأجل الضروره ) وكتب السراج إلى بعض أصحابه يطلب كتابا
( لك في المكارم سنة مألوفة ... معروفة الأنساب والأسباب )
( فابعث لعبدك بالكتاب فلم تزل ... تقواك تشفع سنة بكتاب ) ومن لطائفه في شخص اسمه عرفات
( أطنبوا في عرفات وغدوا ... يتعاطون له حسن الصفات )
( ثم قالوا لي هل وافقتنا ... قلت عندي وقفة في عرفات ) ومن أغزاله قوله
( وفاتك يجرح سيف لحظه ... مجردا عن جفنه ومغمدا )
( خاف على خديه من لحاظه ... فبات في عذاره مزردا ) ومنه قوله وهو في غاية الحسن
( ومهفهف عني يميل ولم يمل ... يوما إلي فقلت من ألم الجوى )
( لم لا تميل إلي يا غصن النقا ... فأجاب كيف وأنت من جهة الهوى )

ومثله قوله
( قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك )
( قال قول الوشاة عندي ريح ... قلت أخشى يا غصن أن يستميلك ) ومنه قوله
( عذبت طرفي بالسهاد فليله ... قد مات عنه تعيش أنت صباحه )
( وألح سائل أدمعي فحرمتني ... ولكم أضر بسائل إلحاحه ) وقال في مليح قلندري
( عشقت من ريقته قرقفا ... وما لها إذ ذاك من شارب )
( قلندريا حلقوا حاجبا ... منه كنون الخط من كاتب )
( سلطان حسن زاد في عدله ... فاختار أن يبقى بلا حاجب ) ومنه قوله
( ولنا ساق جواد كفه ... وكفت بالراح سحبا بعد سحب )
( قال قوم فاق كعبا في الندى ... قمت لا غرو لساق فوق كعب ) ومنه قوله
( يا ساكنا قلبي على أنه ... بوجده في قلق دائب )
( قلبي من خوف النوى واجب ... وأنت لم تخرج عن الواجب )
نكتة الواجب أخذها الشيخ جمال الدين بن نباتة ولكن سبكها في غير هذا القالب في قوله في رامي بندق
( إسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب )
( صرعت طيرا وسكنت الحشا ... فما تعديت عن الواجب )

ويعجبني من تغزلات السراج الوراق قوله
( أقول لهم شبهت بالغصن قدها ... فقالوا رأينا قدها منه أرشقا )
( فقلت وبالرمان شبهت نهدها ... فقالوا إذن شبهت شيئا محققا ) ومنه قوله
( وقفت بأطلال الأحبة سائلا ... ودمعي يسقى ثم عهدا ومعهدا )
( ومن عجب أني أروي ديارهم ... وحظي منها حين أسألها الصدا ) ومنه قوله
( وبي من البدو كحلاء الجفون بدت ... في قومها كمهاة بين آساد )
( بنت عليها المعالي من ذوائبها ... بيتا من الشعر لم يمدد بأوتاد )
( وأوقدت وجنتاها النار لا لقرى ... لكن لأفئدة منا وأكباد )
( فلو بدت لحسان الخصر قمن لها ... على الرؤوس وقلن الفضل للبادي )
قلت ديوان الشيخ سراج الدين الوراق سبعة مجلدات من القطع الكامل ولكن الذي جنيته وفكهت المتأمل به هنا هو ثمرات تلك الأوراق وجمع الشيخ صلاح الدين الصفدي من ديوانه كتابا لطيفا وسماه لمع السراج ولكن رأيت نور السراج فيه قليلا
ومن مقاطيف الجزار في سمين التورية قوله موريا في صناعته
( ألا قل للذي يسأل ... عن قومي وعن أهلي )
( لقد تسأل عن قوم ... كرام الفرع والأصل )
( ترجيهم بنو كلب ... وتخشاهم بنو عجل )
ومثله قوله
( إني لمن معشر سفك الدماء لهم ... دأب وسل عنهم إن رمت تصديقي )
( تضيء بالدم إشراقا عراصهم ... فكل أيامهم أيام تشريق )

ومثله قوله
( أصبحت لحاما وفي البيت لا ... أعرف ما رائحة اللحم )
( واعتضت من فقري ومن فاقتي ... عن التذاذ الطعم بالهم )
( جهلته فقرا فكنت الذي ... أضله الله على علم ) ومثله قوله
( أعمل في اللحم للعشاء ولا ... أنال منه العشا فما ذنبي )
( خلا فؤادي وفي فمي وسخ ... كأنني في جزراتي كلبي )
وظريف قوله
( كيف لا أشكر الجزارة ما عشت ... حفاظا وأرفض الآدابا )
( وبها صارت الكلاب ترجيني ... وبالشعر كنت أرجو الكلابا ) وقلبه أيضا وقال
( لا تعبني بصنعة القصاب ... فهي أذكى من عنبر الآداب )
( كان فضلي على الكلاب فمذ صرت ... أديبا رجوت فضل الكلاب ) ومثله قوله
( معشر ما جاءهم مسترفد ... راح إلا وهو منهم معسر )
( أنا جزار وهم من بقر ... ما رأوني قط إلا نفروا ) وقال متهكما على المتنبي
( تعاظم قدري على ابن الحسين ... فذهني كالعارض الصيب )
( وكم مرة قد تحكمت فيه ... لأن الخروف أبو الطيب )

وكتب إليه الشيخ نصير الدين الحمامي موريا عن صناعته
( ومذ لزمت الحمام صرت بها ... خلا يداري من لا يداريه )
( أعرف حر الأشياء وباردها ... وآخذ الماء من مجاريه ) فأجابه أبو الحسين الجزار بقوله
( حسن التأني مما يعين على ... رزق الفتى والحظوظ تختلف )
( والعبد مذ صار في جزارته ... يعرف من أين تؤكل الكتف ) ومن لطائفه البديعة ما كتب به إلى بعض الرؤساء وقد منع من الدخول إلى بيته في يوم فرح
( أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعلمته من خمول )
( أتيت لبابك أرجو الغنى ... فأخرجني الضرب عند الدخول ) وكتب إلى بعض الرؤساء يستهدي منه قطرا
( أيا علم الدين الذي جود كفه ... براحته قد أخجل الغيث والبحرا )
( لئن أمحلت أرض الكنافة إنني ... لأرجو لها من سحب راحتة القطرا ) هذا القطر تحلى به الشيخ جمال الدين بن نباتة بقوله
( لجود قاضي القضاة أشكو ... عجزي عن الحلو في صيامي )
( والقطر أرجو ولا عجيب ... للقطر يرجى من الغمام ) تلاعب الناس به بعده كثيرا
ويعجبني من تغزلات أبي الحسين الجزار قوله
( تكلف بدر السما إذ حكى ... محياك لو لم يشنه الكلف )
( وقام بعذري فيك العذار ... فأجرى دموعي لما وقف )

ومنها قوله
( حمت خدها والثمر عن حائم شج ... له أمل في مورد ومورد )
( وكم هام قلبي لارتشاف رضابها ... فأعرب عن تفصيل نحو المبرد ) ومن لطائف مجونه في التورية قوله
( تزوج الشيخ أبي شيخة ... ليس لها عقل ولا ذهن )
( لو برزت صورتها في الدجا ... ما جسرت تبصرها الجن )
( كأنها في فرشها رمة ... وشعرها من حولها قطن )
( وقائل قال ما سنها ... فقلت ما في فمها سن )
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان رأيت أبا الحسين بالقاهرة عند الشيخ قطب الدين ابن القسطلاني فقال لي الشيخ قطب الدين هذا هو الأديب أبو الحسين الجزار فأنشدني لنفسه وكتبت عنه
( من منصفي من معبر ... كثروا علي وأكثروا )
( صادقتهم وأرى الخروج ... من الصداقة يعسر )
( كالخط يسهل في الطروس ... ومحوه يتعذر )
( وإذا أردت كشطته ... لكن ذاك يؤثر ) ومما شرح الصدور والقلب من قول الحمامي
( وكدرت حمامي بغيبتك التي ... تكدر فيها العيش من كل مشرب )
( فما كان صدر الحوض منشرحا بها ... ولا كان قلب الماء فيها بطيب ) ومنه قوله
( لي منزل معروفه ... ينهل غيثا كالسحب )
( أقبل ذا العذر به ... وأكرم الجار الجنب )

ومن لطائفه ما كتب به إلى السراج الوراق على يد مليح ولسانه
( عبدك يا مولاي وافى بها ... وفى بها معنى لمن يعقل )
( وهو على الباب ومقصوده ... وفيك فهم أنه يدخل ) ومن نكته اللطيفة قوله
( أصبحت من أغنى الورى ... وطائرا بالفرح )
( الخمر عندي ذهب ... أكتاله بالقدح ) وقوله
( أقول للكاس إذ تبدى ... بكف أحوى أغن أحور )
( أخربت بيتي وبيت غيري ... وأصل ذا كعبك المدور ) ومن لطائفه في تغزلاته قوله
( ما زال يسقيني زلال رضابه ... لما خفيت ضنى وذبت توقدا )
( ويظنني حيا رويت بريقه ... فإذا دعا قلبي يجلو به الصدى ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وتقوى عليه بالسيف فقال
( أدعو السيوف صقيلة من لحظه ... وإذا دعوت لماه جاوبني الصدى ) ومن لطائفه في مداعباته قوله
( رأيت شخصا آكلا كرشة ... وهو أخو ذوق وفيه فطن )
( وقال ما زلت محبا لها ... قلت من الإيمان حب الوطن ) وممن انتظم في سلك الجماعة وانتصر للتورية وحسن مواقعها ناصر الدين حسن بن النقيب
( وجردت مع فقري وشيخوختي التي ... بها اليوم نومي عن جفوني مشرد )
( فلا يدعي غيري مقامي فإنني ... أنا ذلك الشيخ الفقير المجرد )

ومن نكته الغريبة في التورية قوله
( أقول وقد شنوا إلى الحرب غارة ... دعوني فإني آكل الخبز بالجبن ) ومثل ذلك قوله
( أقول لنوبة الحمى أتركيني ... ولا يك منك لي ما عشت أوبه )
( فقالت كيف يمكن ترك هذا ... وهل يبقى الأمير بغير نوبه )
ومن لطائف قوله
( قالوا رأينا العلق ينفق مسرفا ... والعلق لا شيء لديه ولا معه )
( فأجبتهم إنفاقه من جحره ... قالوا صدقت لذاك ينفق من سعه )
ومن لطائف ما وقع في تورية السعة قول أبي الحسين الجزار وقد وقف على باب ابن الزبير ومنع من الدخول دون غيره فكتب رقعة وأرسلها إلى ابن الزبير فإذا فيها
( الناس قد دخلوا كالأير أجمعهم ... والعبد مثل الخصي ملقى على الباب )
فلما وقف ابن الزبير على هذا البيت أمر بعض الخدم أن يقف على الباب وينادي أدخل يا خصي فدخل وهو يقول هذا دليل على السعة ومنه قوله
( ومكرش أضحى يحلق سفله ... لعساه لا يشكى إليه ويشكر )
( ويقص لحيته فإن ناديته ... لباك وهو محلق ومقصر ) ويعجبني من لطائفه قوله في داره
( ودار خراب بها قد نزلت ... ولكن نزلت إلى السابعة )
( طريق من الطرق مسلوكة ... محجتها للورى شاسعه )
( فلا فرق ما بين أني أكون ... بها أو أكون على القارعه )
( تساررها هفوات النسيم ... فتصغي بلا أذن سامعه )

( وأخشى بها أن أقيم الصلاة ... فتسجد حيطانها الراكعه )
( إذا ما قرأت إذا زلزلت ... خشيت بأن تقرأ الواقعه ) ومنه قوله
( جودوا لتسجع بالمديح ... على علاكم سرمدا )
( فالطير أحسن ما يغرد عند ... ما يقع الندى )
ومن بدائع أغزاله قوله
( وما بي سوى عين نظرت لحسنها ... وذاك لجهلي بالعيون وغرتي )
( وقالوا به في الحب عين ونظرة ... لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي )
ومن لطائف مجونه قوله
( نفقت لي رأس من الخيل كانت ... تسبق البرق والرياح الزعازع )
( وابتلى الله في المشاعر أخرى ... بشقاق لها عن المشي مانع )
( وإذا قيل كم بقي لك رأس ... قلت رأس لكن بغير كوارع ) ومن لطائفه أيضا في تورية المطوق قوله
( أنت طوقتني صنيعا وأسمعتك ... شكرا كلاهما ما يضيع )
( فإذا ما شجاك سجعي فإني ... أنا ذاك المطوق المسموع )
ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة سجع المطوق ووصل به عدة مقاطيع ومن غاية تغزلاته قوله ( رميت بمهجتي جمرات شوق ... ولم تأخذك بالمشتاق رأفه )
( فهرول دمع عيني فوق خدي ... وما حصلت له مع ذاك وقفه )

ومن لطائف مجونه قوله
( قال لي الواسع صف لي ... مثل ما أعرف وصفك )
( أين باب الخرق قل لي ... قلت باب الخرق خلفك )
ومن غرائب النكت قوله
( أبيات شعرك كالقصور ... ولا قصور بها يعيق )
( ومن العجائب لفظها ... حر ومعناها رقيق )
ومن بديع اختراعاته قوله
( قالوا قد احترقت بالنار راحته ... وهي الغمام ومنها الوابل الغدق )
( وقال قوم وما ضلوا وما هموا ... بأنها النيل قلت النيل يحترق ) ومن غريب نكته قوله
( بخالد الأشواق يحيى الدجا ... يعرف هذا العاشق الوامق )
( فخذ حديث الوجد عن جعفر ... من دمع عيني إنه الصادق ) ومن بديع تغزله قوله
( يا مالكي ولديك ذلي شافعي ... وما لي سألت فما أجبت سؤالي )
( فوخدك النعمان إن بليتي ... وشكايتي من جفنك الغزال ) ومن بديع غزله قوله
( أقول لمن جفنه سيفه ... ولكنه ليس يخشى نبوه )
( تكلف جفنك حمل الفتور ... وأخرج فيه من الضعف قوه ) ومن نكته الغريبة قوله
( قلت لسقم الجسم مني وقد ... أفرط بي فرط ضنى واكتئاب )
( فعلت بي يا سقم ما لم يكن ... تلبس والله عليه الثياب )

وممن حصل الجلاء لعيون التورية بملاطفته الحكيم شمس الدين بن دانيال من لطائفه قوله
( يا سائلي عن حرفتي في الورى ... واضيعتي فيهم وإفلاسي )
( ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس ) ومنه قوله
( كم قيل لي إذ دعيت شمسا ... لا بد للشمس من طلوع )
( فكأن ذاك الطلوع داء ... يرقى إلى السطح من طلوعي ) ومن لطائفه أيضا قوله
( ما عاينت عيناي في عطلتي ... أقل من حظي ومن بختي )
( قد بعت عبدي وحماري معا ... وصرت لا فوقي ولا تحتي ) ومن لطائفه أيضا في جارية تضرب بالدف وأجاد قوله
( ذات القوام الذي يهتز غصن نقا ... لو مر يوما عليه طائر صدحا )
( تبدي على الدف كالجمار معصمها ... لنقره ببنان يشبه البلحا )
( غناؤها برقيق الغنج تمزجه ... فما ينقط إلا كل من رشحا ) ومن اختراعاته البديعة قوله
( أيا سائلي عن قد محبوبي الذي ... فتنت به وجدا وهمت غراما )
( أبي قصر الأغصان ثم رأى القنا ... طوالا فأضحى بين ذاك قواما ) وممن أحيا رسوم التورية وأظهر خفيها القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ومن نظمه فيها
( لقد قال كعب في النبي قصيدة ... وقلنا عسى في فضلها نتشارك )
( فإن شملتنا بالجوائز رحمة ... كرحمة كعب فهو كعب مبارك )

ومن لطائفه قوله
( لا ينقل الروض أحاديثه ... عن عين نمام غدت حافيه )
( فإنه ينقل أخباره ... إلى أعين عنده صافيه )
ومثله قوله
( يا قاتلي بلحاظ ... قتيلها ليس يقبر )
( إن صبروا عنك قلبي ... فهو القتيل المصبر ) وقال
( إن لوزي جلق ... واهن الحبل والقوى )
( لم يكلفك كسره ... فالق الحب والنوى )
ومن نظمي في هذا المعنى في المشمش السلطاني بحماه
( قال سلطاني حماة عندما ... أجلسوه مذ أتاهم في الصدور )
( مشمش الشام يقوي قلبه ... يوم نقع فهو قد أضحى وزيري )
ومن لطائف القاضي محيي الدين قوله
( شكرا لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحيه )
( لا غرو أن حفظت أحاديث ... الهوى فهي الذكيه )
وهذه النكتة أخذها الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( يا طيب نشر هب لي من نحوكم ... فأثار كامن لوعتي وتهتكي )
( أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا نشر ذكي )
وأشار إلى هذه السرقة الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة بقوله ولم يخرج عما نحن فيه من التورية
( إن ابن أيبك لم تزل سرقاته ... تأتي بكل قبيحة وقبيح )
( نسب المعاني في النسيم لنفسه ... جهلا فراح كلامه في الريح )

ومن نكته البديعة الغريبة قوله
( لا تسلني عن أول العشق إني ... أنا فيه قديم هجر وهجره )
( من دموعي ومن جبينك أرخت ... غراما بمستهل وغره )
وتطفل الشيخ عز الدين الموصلي على هذا المعنى ولكن سبكه في قالب حسن بقوله من قصيدة
( فيا هاجري عاما لقد ضل عاذلي ... وليس له وجه وتاريخه سلخ )
ومن لطائفه قوله بمنزلة القطيفة بالقرب من دمشق
( هذي القطيفة التي ... لا تشتهي عقلا ونقلا )
( حشيت ببرد يابس ... فلأجل ذاك الحشو تقلى )
ومن لطائفه قوله
( ضفر الشعر وألقى ... خلفه كالقطن وفره )
( قلت ماذا قال شيب ... قلت والله ودره )
ومن لطائفه قوله في معشوقه المعنى المسمى بالنسيم
( إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا )
( فأنا الذي أتلو لهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا ) ومثله قوله فيه
( يا من غدا لي من عواصف ... هجره الريح العقيم )
( أترى يطيب لي الهوى ... ويقال لي رق النسيم )
ومن لطائفه قوله
( سل سيفا من جفنه ثم أرخى ... وفرة وفرت عليه الحميلة )
( إن شكا الخصر طولها غير بدع ... لنحيل يشكو الليالي الطويلة )

وألم به ابن العفيف فقال
( حل ثلاثا يوم حمامه ... ذوائبا تعبق منها الغوال )
( فقلت والقصد ذؤاباته ... يا سهري في ذي الليالي الطوال )
وهذا المعنى تلاعب به جماعة من المتأخرين ولولا الخيفة من طول الشرح لذكرت ذلك ولكن لا بد أن يرد على المتأمل في مواضعه ويعجبني قوله
( وبروحي هويته عجميا ... لي لذت ألفاظه الغتمية )
( كم حلا عجمه فقلت لخلي ... خلني والحلاوة العجمية ) ومن لطائف مجونه قوله ( وأعور العين ظل يكشفها ... بلا حياء منه ولا خيفه )
( وكيف يلفى الحياء عند فتى ... عورته لا تزال مكشوفه ) ومنه قوله ( قال لي العلق وقد جئته ... أريه أيرا فاق في حسنه )
( أيرك هذا مات قلت انحنى ... كرامة الميت في دفنه ) ويعجبني من خمرياته قوله
( خمرة للشقيق أمست شقيقه ... بنت كرم بالمكرمات خليقه )
( قال قوم من لطفها هي في الكاس ... مجاز والكاس فيها حقيقه ) ( أنتجت فرحة وجاءت بكأس ... صبغت حمرة فنعم الشقيقه ) ومن بديع اقتباسه بالتورية قوله
( بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين )
( كم قد دفعت عواذلي عن وجهها ... لما تبدت بالتي هي أحسن )

هذا الاقتباس بالتورية أخذه الشيخ جمال الدين بقافيته ولكن زاده إيضاحا بقوله
( يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال فاتنتي ألذ وأزين )
( فانظر إلى حسنيهما متأملا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن ) وألم به الشيخ عز الدين الموصلي وما خرج عن إيضاحه أيضا بقوله
( قد سلونا عن المليح بخود ... ذات وجه به الجمال تفنن )
( ورجعنا عن التهتك فيه ... ودفعناه بالتي هي أحسن ) ومن لطائفه قوله
( ذات طوق وذات زيق تغنى ... فتنبي بالوجد من ليس يدري )
( زيفت ثم كاشفتنا فقلنا ... لك زيق الغنى ولي زيق فقري )
( ما تراها قد حدثت خاطر النهر ... بما قد جرى وما منه يجري ) ومن لطيف كلامه قوله
( وبطحاء في واد يروقك روضها ... ولا سيما إن جاد غيث مبكر )
( تلاحظها عين تفيض بأدمع ... يرقرقها منه هنالك محجر )
( إذا فاخرتها الريح وهي عليلة ... بأذيال كثبان الربا تتعثر )
( بها الفضل يبدو والربيع وقد غدا ... بها الروض يحيى وهو لا شك جعفر ) وقال في مليحة اسمها وردة
( بأبي وردة مولدة الحسن ... دعوها بوردة البستان )
( في التصاوير مثلها ليس يلفى ... فيقولون وردة كالدهان ) ومن تواريه الغريبة في المواليا في مليح مشطوب
( لك طرف أحور حمى من حسنك السرحه ... كم قد أغار على العشاق في صبحه )
( لما علمت بانو سابق اللمحة ... عليه خفت فشطبتو على صحه )

ومن نكته الغريبة في أغزاله قوله
( ذباب السيف من لحظ إليه ... لأخضر صدغه حسن انتسابي )
( ولا عجب إذا ما قيل هذا ... له صدغ زمرده ذبابي ) ومن اختراعاته الغريبة قوله
( كتبت لكم من أعين القصب التي ... لها من معانيكم ومن نفسها طرب )
( فإن أطرب التشبيب فيها بذكركم ... فكم أطرب التشبيب من أعين القصب ) ومن هنا أخذ المعمار فقال
( هويته مشببا ... جماله برح بي )
( تيم قلبي بالحجاز ... من عيون القصب ) ومن مخترعات القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر قوله
( ملأت الليالي من علا وختمتها ... فقد أصبحت محشوة بمكارمك )
( ختمت عليها بالثريا فقل لنا ... أهذا الذي في كفها من خواتمك ) ومنه قوله
( يا سيدي إن جرى من مدمعي ودمي ... للعين والقلب مسفوح ومسفوك )
( لا تخش من قود يقتص منك به ... فالعين جارية والقلب مملوك ) ومنه قوله
( ذو قوام يجور منه اعتدال ... كم طعين به من العشاق )
( سلب القضب لينها فهي غيظى ... واقفات تشكوه بالأوراق )
ومنه قوله
( يا رب كأس صرت من شربها ... من بعد رشفي ريق معشوقي )
( ملتهب الأحشاء نارا لأن ... شربتها منه على الريق )

ويعجبني منه قوله
( أنت من وجه ولحظ ... لك دينار وكسر )
هذا الدينار والكسر اغتصبه الشيخ جمال الدين بن نباتة ولم يسبكه في غير قالبه فقال
( أفدي حبيبا لي إلى ... مرآه طول الدهر فقر )
( في خده وجفونه ... للحسن دينار وكسر )
وهذه زاوية اخترتها من ديوان الشيخ الإمام العلامة شيخ الشيوخ عبد العزيز الأنصاري الحموي سقى الله ثراه أما بعد حمدا لله الذي أطلعنا من زوايا الأدب على خبايا وأرشدنا بمشايخ شيوخه إلى سلوك ما فيه من المزايا والصلاة والسلام على نبيه الذي اختاره فكان نعم المختار وعلى آله وصحبه المنتظمين في سلك هذا الاختيار فقد انتهى ما أوردته منوعا في التورية من الحلاوات القاهرية وقد تعين أن أفكه المتأمل بعد ذلك بالفواكه الشامية وأقتطف له من فروع شيخ الشيوخ ما يظهر به مزية الثمرات الحموية وقدرة السلطنة في الأدب وناهيك بالسلطنة الشيخية فاخترت من أبيات قصائده ومواصيل مقاطيعه ما يحلو بها التشبيب وسميته زاوية شيخ الشيوخ علما بأنها زاوية يتأهل بها الغريب والله تعالى يجعلنا ممن تخير العمل الصالح فأحسن وسمع القول فاتبع منه الأحسن فمن ذلك قوله من قصيدة
( ويلاه من نومي المشرد ... وآه من شملي المبدد )
( يا كامل الحسن ليس يطفي ... ناري سوى ريقك المبرد )
منها ووصل إلى المخلص وهو في غاية الحسن قوله
( غصن نقا حل عقد صبري ... بلين خصر يكاد يعقد )
( فمن رأى ذلك الوشاح ... الصائم صلى على محمد )
ومنه قوله من قصيدة
( لنا من ربة الخالين جاره ... تواصل تارة وتصد تاره )
( تعاملني بما يحلي سلوي ... ولكن ليس في حلو مراره )

ومنه قوله وهو مطلع قصيدة
( حروف غرامي كلها حرف إغراء ... على أن سقمي بعض أفعال أسماء ) ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين وقال
( أودت فعالك يا أسما بأحشائي ... واحيرتي بين أفعال وأسماء ) ومن بديع نكته قوله
( وبدر دجى لم ينتقل كسميه ... ولكنه ما زال في القلب والطرف )
( يلوح لعيني ماشقا نون صدغه ... فأعبد خلاقي على ذلك الحرف ) هذه النكة أخذها ابن الوردي بقافيتها وغالب ألفاظها ومعناها فقال
( يا بدر تم نوره باهر ... منزله في القلب والطرف )
( صدغك حرف النون في مشقه ... من يعبد الله على حرف ) ولعمري إنها سرقة فاحشة ومنه قوله
( أقام لخده الناري عذارا ... ومذ أقصى عذاري وهو ثلجي )
( حمى مرج العذار بمقلتيه ... فأمشى الناس في هرج ومرج ) ومنه قوله في التورية مع بديع الاقتباس
( يا نظرة ما جلت لي حسن طلعته ... حتى انقضت وأدامتني على وجل )
( عاتبت إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي خلق الإنسان من عجل ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وجعله مطلعا لقصيدة فقال
( إنسان عيني بتعجيل السهاد ملى ... عمري لقد خلق الإنسان من عجل )
ومنه قول الشيخ عز الدين شيخ الشيوخ وتلطف ما شاء مع قصر الوزن
( وغمام معربد ... ببروق وزمجره )
( غادر الروض ناضرا ... بعيون مخضره )

ومنه قوله
( قلت وقد عقرب صدغا له ... عن مشقة الحاجب لم يحجب )
( قد سدت يا رب الجمال الذي ... ألف بين النون والعقرب ) وقال وتلطف ما شاء وأظنه أول من ورى بهذه النكتة
( أفدي حبيبا رزقت منه ... عطف محب على حبيب )
( بوجنة ما أتم ربحي ... وقد غدا وردها نصيبي ) ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وغيره وقول الشيخ جمال الدين بن نباتة
( فديتك غصنا ليس يبرح مثمرا ... من الحسن في الدنيا بكل غريب )
( تفتح في وجناته الورد أحمرا ... فيا ليت ذاك الورد كان نصيبي ) ومنه قوله
( لا تنس وجدي بك يا شاذنا ... بحبه أنسيت أحبابي )
( ما لي على هجرك من طاقة ... فهل إلى وصلك من باب ) ومنه قوله
( مرضت ولي جيرة كلهم ... عن الرشد في صحبتي حائد )
( فأصبحت في النقص مثل الذي ... ولا صلة لي ولا عائد ) ومن هنا أخذ الشيخ عز الدين الموصلي وقال
( أهل دمشق قد مرضت عندهم ... وما قصدت نحوهم بمسأله )
( مع علمهم بأنني أنا الذي ... ولا أتاني عائد ولا صلة ) ومنه قوله
( قالوا أما في جلق نزهة ... تنسيك من أنت به مغرى )
( يا عاذلي دونك من لحظه ... سهما ومن عارضه سطرا )

السهم وسطرى من منتزهات دمشق المشهورة ومن هنا أخذ الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا وقال
( سألتكما إن جئتما الشام بكرة ... وعاينتما الشقراء والغوطة الخضرا )
( قفا واقرآ مني كتابا كتبته ... بدمعي لكم مقرا ولا تنسيا سطرا )
ومقرا أيضا من منتزهات دمشق وحسن بعدها ذكر سطرا ومنه قوله وأجاد
( سبحان مورثه من حسن يوسف ما ... لم يبق في الحجر لي والصبر من حصص )
( أقام للشعراء العذر عارضه ... فكم لهم من دبيب النمل من قصص ) ومنه قوله
( ولقد عجبت لعاذلي في حبه ... لما دجا ليل العذار المظلم )
( أو ما درى من سنتي وطريقتي ... أني أميل مع السواد الأعظم ) ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وغيره فأما ابن نباتة فإنه أخذه وزنا وقافية وقال
( أهواه معسول الرضاب منعما ... ولقد يعذبني الهوى بمنعم )
( يا قلب هذا شعره وجفونه ... صبرا على هذا السواد الأعظم ) ومن لطائفه قوله
( أكملت ستا وأربعين بها ... أخلت همومي من راحتي ربعي )
( وجزت في السبع خائفا وجلا ... لأنني جائز على سبع ) ومن نكته اللطيفة قوله
( هزم الهم عن نداماي راح ... حظيت من سماعهم بلحون )
( لم تكد في الكؤوس تظهر لطفا ... فبدت من خدودهم في الصحون )

ومن لطائف مجونه قوله
( سألته من ريقه شربة ... أطفي بها من كبدي حره )
( فقال أخشى يا شديد الظما ... أن تبع الشربة بالجره ) ومن هنا أخذ المتأخرون ومن نكته اللطيفة ما كتبه على جرن حمام السلطان بحماة
( كملت لطفا ووقارا على ... ما حزت من أوصافي الحلوه )
( من أجل هذا صرت أهلا لأن ... أجالس السلطان في الخلوه ) وممن أجار رقيق التورية من غلظ العقادة الأمير مجير الدين بن تميم فمن ذلك قوله
( لما لبست لبعده ثوب الضنى ... وغدوت من ثوب اصطباري عاريا )
( أجريت واقف أدمعي من بعده ... وجعلته وقفا عليه جاريا ) ومن لطائف نكته قوله في كتاب
( ياحسنها نسخة يلهو مطالعها ... بها لما قد حوت من رائق الكلم )
( صحت وقد لطفت أجزاؤها فحكت ... لطف النسيم وحاشاها من السقم ) ومنه قوله
( بتنا جميعا وبات لثمي ... له حمى ثغره مباح )
( فمات مني الظلام غيظا ... وانشق من غيظه الصباح ) ومنه قوله
( وساقية تدور على الندامى ... وتنهرهم لسرعة شرب خمر )
( سنشكر يوم لهو قد تقضى ... بساقية تقابلنا بنهر ) وهذه النكتة تلاعب الناس بها كثيرا ومن نكته الغريبة قوله في سجادة
( أيا حسنها سجادة سندسية ... يرى للتقى والزهد فيها توسم )

( إذا ما رآها الناسكون ذوو الحجا ... أمامهم صلوا عليها وسلموا ) ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال
( إن سجادتي الحقيرة قدرا ... لم يفتها في بابك التعظيم )
( شرفت إذ سعت إليك فأمست ... وعليها الصلاة والتسليم ) وتطفل عليها الشيخ زين الدين بن الوردي أيضا فقال
( سجادة أذكرتني ... منك الذي كنت تعلم )
( أهديتها لمحب ... صلى عليها وسلم ) ومن قوله وهو من ألطف أغزاله
( يا حسن أهيف حظه من حبنا ... طيب النعيم وحظنا منه الشقا )
( قدم العذار إلى نقا وجناته ... يا مرحبا بقدوم جيران النقا ) ومن نكته الغريبة قوله في مليح جرح جبينه
( بكوا لجراحة شقت جبين الحبيب ... فقال ما ضر الجراح )
( أليس جبينه صبحا منيرا ... ولا عجب إذا انشق الصباح ) ومن لطائفه قوله
( وعيرني بالشيب قوم أحبهم ... فقلت وشأن العاشقين التحمل )
( بعثتم إلى رأسي المشيب بهجركم ... ومهما أتى منكم على الرأس يحمل )
وهذه النكتة أيضا تلاعب بها المتأخرون بعد ابن تميم كثيرا ومن لطائف نكته أيضا قوله
( ونهر حالف الأهواء حتى ... غدا طوعا لها في كل أمر )
( إذا سرقت حلى الأزهار ألقت ... إليه بها فيأخذها ويجري )

ومثله قوله
( سرق النسيم حلى الغصون بسحره ... لما أتاها وهي في اطرابها )
( ورمى بها نحو الغدير فضمها ... في صدره من خوفه وجرى بها ) ومن بدائع نكته
( وليلة بت أسقى في غياهبها ... راحا تسل شبابي من يد الهرم )
( ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم ) ومن لطائف نكته في أغزاله قوله
( خليلي قد صاد الفؤاد بحسنه ... غزال به عذر المحبين واضح ) ( ولا غرو أن صاد الفؤاد بلحظه ... ألم تعلما أن العيون جوارح )
ومن لطائف نكته في أغزاله أيضا قوله
( وقالوا بدا خط العذار بخده ... فأضحى سعيد الخد وهو معذر )
( فقلت خيال الشعر ما قد رأيتم ... فإن صح ذاك الخط فهو مزور ) من هنا أخذ الشيخ صلاح الدين ولكن زاده نكتة أخرى بقوله
( عيناه قد شهدت بأني مخطىء ... وأتت بخط عذاره تذكارا )
( يا حاكم الحب اتئد في قتلتي ... فالخط زور والشهود سكارى ) ومن نكته الغريبة قوله
( أيا ذا الذي قد كف كفيه عامدا ... عن الجود خوف الفقر ما ذاك سائغ )
( أتخشى سهام الفقر ما دمت منفقا ... نصيبك والنعما عليك سوابغ ) ومن نكته الغريبة قوله
( ونهر بحب الروض أصبح مغرما ... يروح ويغدو هائما بوصالها )
( إذا بعدت عنه شكا بخريره ... جفاها وأمسى قانعا بخيالها )

ومن لطائف مجونه
( وقواد يعيد الهجر وصلا ... وطول البعد قربا واتفاقا )
( يكاد لحكمة فيه ولطف ... يقود بلا أزمتها النياقا ) ومن نكته البديعة الغريبة في باب التورية قوله
( لما جسستك بالمديح ولم أكن ... أدري بأنك خامل في الناس )
( ناديت لما أن جسستك بالهجا ... أكليب خذها من يدي جساس ) ومنه قوله
( مذ لاحظ المنثور طرف النرجس المزور ... قال وقوله لا يدفع )
( فتح عيونك في سواي فإنني ... عندي قبالة كل عين أصبع ) ومن لطائفه في هذا الباب قوله
( أيا حسنها من روضة ضاع نشرها ... فنادت عليه في الرياض طيور )
( ودولابها كادت تعد ضلوعه ... لكثرة ما يبكي لها ويدور )
النكتة في يدور وفي ضاع دارت بين ابن تميم وبين الجماعة وتسلسل دورها منهم بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي بقوله
( وروضة دولابها ... إلى الغصون قد شكا )
( من حين ضاع نشرها ... دار عليها وبكى ) ومنهم الشيخ جمال الدين بن نباتة بقوله
( وناعورة قسمت حسنها ... على واصف وعلى سامع )
( وقد ضاع نشر الربا فاغتدت ... تدور وتبكي على الضائع ) ومنهم الشيخ صلاح الدين الصفدي ونقل المعنى إلى الغزل بقوله
( أضحى يقول عذاره ... هل فيكم لي عاذر )
( الورد ضاع بخده ... وأنا عليه دائر )

وبعضهم نقصه وقنع بالدور بقوله
( أبدى لنا الدولاب قولا معجبا ... لما رآنا قادمين إليه )
( إني من العجب العجيب كما ترى ... قلبي معي وأنا أدور عليه ) وزاد الشيخ جمال الدين بن نباتة الدور نكتة أخرى فقال
( وناعورة قالت وقد ضاع قلبها ... وأضلعها كادت تعد من السقم )
( أدور على قلبي لأني فقدته ... وأما دموعي فهي تجري على جسمي ) وهذا المعنى سبق إليه ابن تميم أيضا بقوله
( قامت لنا بالعذر ناعورة ... أدمعها في غاية السكب )
( تقول لما ضاع قلبي وقد ... ضعفت بالنوح وبالندب )
( صيرت جسمي كله أعينا ... يدور في الماء على قلبي ) ومثله قوله
( ناعورة مذ ضاع منها قلبها ... ناحت عليه بأنة وبكاء )
( وتعللت بلقائه فلأجل ذا ... جعلت تدير عيونها في الماء ) وقنع الشيخ زين الدين بن الوردي بالدور فقال
( ناعورة مذعورة ... ولهانة وحائرة )
( الماء فوق كتفها ... وهي عليه دائرة )
وعلى ذكر تورية الدور يعجبني قول المقر المرحومي الفخري ابن مكانس وقد كتب بدر الدين البشتكي يداعبه وقد دار الشيخ بدر الدين المذكور في ساقية الهمائل
( دورة البدر في سواقي الهمائل ... تركت أدمع العيون هوامل )
( آه من للرياض نور أديب ... مظهر من كلامه سحر بابل )
( فاق سعيا على بني عجل في الجود ... وأغنى عن الولي الهاطل )
( زاد علما على أبي ثور لكن ... قال بالدور تارة والسلاسل )

ومنها ولم يخرج عن تورية الدور
( يا سعيدا أثرى من النظم والنثر ... فأنسى الورى زمان الفاضل )
( قد سقيت الرياض يا شيخ بالدور ... فها غصنها من السكر مائل ) ومن نظمي في تورية الدور أيضا قولي من قصيدة
( ومذ مد ذاك النهر ساقا مدملجا ... وراح بنقش البيت يمشي على بسط ) ( لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دورا على ساقه السبط )
وعلى ذكر تورية الدور وتسلسلها هنا نكتة لطيفة وهي أنه اتفق أن الشيخ نجم الدين الفجفيري سأل جماعة من الطلبة المستعلين عليه من قول الشاعر
( يا أيها الحبر الذي ... علم العروض به امتزج )
( أبن لنا دائرة ... فيها بسيط وهزج )
ففكر بعض الطلبة فيه ساعة طويلة ثم قال هذا في الدولاب لأنه أراد بالبسيط الماء وبالهزج صوته حال دورانه فقال له الشيخ صدقت إلا أنك درت في الدولاب زمانا حتى ظهرت لك التورية
وهذا الكلام في غاية الظرافة من الشيخ رحمه الله تعالى
رجع إلى ما كنا فيه من لطائف ابن تميم فمن ذلك قوله
( لم لا أميل إلى الرياض وحسنها ... وأعيش منها تحت ظل ضافي )
( والزهر يلقاني بثغر باسم ... والماء يلقاني بقلب صافي )
وهذان البيتان عزاهما الصلاح الكتبي في كتابه فوات الوفيات للبدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي ونسبا أيضا لمحيي الدين بن قرناص في مواضع كثيرة والله أعلم ومن نكته اللطيفة في التورية قوله
( روحي الفداء لمن أدار بلخطه ... صهباء في عقلي لها تأثير )
( فاعجب له أنى يصون بلحظه ... مشمولة وإناؤها مكسور )

ومنه قوله
( إني لأشهد للحمى بفضيلة ... من أجلها أصبحت من عشاقه )
( ما زاره أيام نرجسه فتى ... إلا وأجلسه على أحداقه ) وتلاعب المتأخرون بهذه النكتة كثيرا ومنه قوله
( ألا رب يوم قد تقضى ببركة ... أقمت بها فيما جرى متفكرا )
( بعيني رأيت الماء فيها وقد هوى ... على رأسه من شاهق فتكسرا ) ومثله قوله
( يا حسنه من جدول متدفق ... يلهي برونق حسنه من أبصرا )
( ما زلت أنظره عيونا حوله ... خوفا عليه أن يصاب فيعثرا )
( فأبى وزاد تماديا في جريه ... حتى هوى من شاهق فتكسرا ) وتورية تكسر تلاعب بها الناس بعد ابن تميم كثيرا ومن نكته البديعة الغريبة قوله
( لو كنت تشهدني وقد حمي الوغى ... في موقف ما الموت عنه بمعزل )
( لترى أنابيب القناة على يدي ... تجري دما من تحت ظل القسطل ) ومن لطائف نكته قوله
( قالوا رأيناك كل وقت ... تهيم بالشرب والغناء )
( إني فتى قنوع ... أعيش بالماء والهواء ) ومنه قوله
( حاذر أصابع من ظلمت فإنه ... يدعو بقلب في الدجى مكسور )
( فالورد ما ألقاه في جمر الغضى ... إلا الدعا بأصابع المنثور ) ومن لطائف نكته وقد تقدم معناها ولكن حلا مكررها هنا بقوله
( تأمل إلى الدولاب والنهر إذ جرى ... ودمعهما بين الرياض غزير )
( كأن نسيم الروض قد ضاع منهما ... فأصبح ذا يجري وذاك يدور )

وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان أنشدني أبو الخير الأزدي لمجير الدين بن صميم
( نزلنا إلى الغور في جحفل ... نقاتل قوما من المسلمينا )
( قطعنا الشريعة في حربهم ... وخضنا إليهم مع الخائضينا ) ومن نكته البديعة الغريبة قوله
( إني لأعجب في الوغى من فارس ... حارت دقائق فكرتي في كنهه )
( أدى الشهادة لي بأني فارس الهيجاء ... حين جرحته في وجهه ) ومن لطائف مجونه قوله
( هويت نطاعا إذا جئته ... بادرني باللحظ والصفع )
( أروم أن أخطى بوصل وقد ... قابلني بالسيف والنطع ) ويعجبني من نكته في الخمريات قوله
( ومدامة كاساتها ... تعطي الأمان من الزمان )
( قد أحكمت علم النجوم ... وأتقنت سحر البيان )
( فإذا حساها الشاربون ... وأوقعتهم في الأماني )
( بدأت بإخراج الضمير ... وبعده عقد اللسان ) ومن لطائف مجونه قوله
( غطت محاسن وجهها عن ناظري ... هيفاء لم أر في البرية شبهها )
( وغدت تمانعني فقمت مبادرا ... وكشفت من بعد التمنع وجهها ) ومن نكته الغريبة قوله
( سأهجو أناسا يبتغون نقيصتي ... وقد رسخوا في بحر جهلهم رسخا )
( وأسلخهم لا في أوان مغيبهم ... ولكن أريهم في وجوههم السلخا ) ومن لطائفه قوله
( بعث النسيم رسالة بقدومه ... للروض فهو بقربه فرحان )

( ولطيب ما قرأ الهزار بشدوه ... مضمونها مالت له الأغصان ) ومن لطائفه التي سبقه السراج إليها واستعملها ابن تميم أحسن منه
( أراق دمي بسيف اللحظ ظلما ... وها أثر الدماء بوجنتيه )
( فلما خاف من طلبي لثأري ... أدار عذاره زردا عليه ) وقال في غلام وقاد
( لاموا على الوقاد في حبه ... وحبه باللوم يزداد )
( لو لم يكن في حسنه كوكبا ... ما كان أمسى وهو وقاد )
وزاد شيخنا الشيخ شهاب الدين بن حجر فسح الله في أجله هذا المعنى نكتة حصل بها الاتفاق البديع بلقبه الكريم فقال في وقاد أيضا
( أحبب بوقاد كنجم طالع ... أنزلته برضا الغرام فؤادي )
( وأنا الشهاب فلا يعاند عاذلي ... إن ملت نحو الكوكب الوقاد ) ومن نكته البديعة الغريبة قوله
( بنده الأزرق لما ... شده من قد سباني )
( جدول فوق كثيب ... دار يسقي غصن بان ) ومن نكته الغريبة قوله في وكيل بدار القاضي بدمشق المحروسة
( لا تقرب الشرع إذا لم تكن ... تخبره فهو دقيق جليل )
( ووكل العز الذي وجهه ... على نجاح الأمر أقوى دليل )
( ولا تمل عنه إلى غيره ... وحسبنا الله ونعم الوكيل )
وعلى ذكر الوكيل رأيت
( لاقى فلان اليوم ما ساءه ... وأفرغ الصك عليه وكيل )
( وذاق من كف الوكيل العمى ... وحسبنا الله ونعم الوكيل )

ومن لطائفه قوله يصف روضة
( أرض كساها القطر حلة سندس ... رقمت لها طرز من الغدران )
( وفد النسيم أضاع نشر رياضها ... فالورق تنشده بكل مكان )
وكتب إلى كمال الدين بن النجار وكيل بيت المال بدمشق المحروسة وهي من نكته المخترعة
( كمال الدين يا مولاي يا من ... يغير لبحر في بذل النوالي )
( أتيت لحاجة فاغنم ثنائي ... عليك بها وشكري وابتهالي )
( ولا تجعل سواك لها فإني ... عليك بنجحها وقع اتكالي )
( أيجمل أن يقول الناس أني ... أتيت لحاجة لم تقضها لي )
( وأصبح بينهم مثلا لأني ... أتاني النقص من جهة الكمال ) ومن لطائف نكته قوله
( لم أنس قول الورق وهي حبيسة ... والعيش منها قد أقام مقفصا )
( قد كنت ألبس من غصوني أخضرا ... فلبست منها بعد ذاك مقفصا ) وقال فيمن تاب عن شرب الخمر
( تركت شرب الحميا غير مفتكر ... فيها وفي شربها اللذات والطرب )
( فارجع فقد أسبل الراووق أدمعه ... شوقا إليك وقلب الكاس يلتهب ) فأنشده بعد ذلك وقد وافقه
( إن كان قد أسبل الراووق أدمعه ... شوقا إليك وقلب الكاس يضطرم )
( فاليوم أعينه من فرط فرحته ... تفيض دمعا وثغر الكاس يبتسم ) ومن نكته الغريبة قوله فيمن غضب عند عزله من منصب ولايته
( كم قلت لما فاض غيظا وقد ... أزيح عن منصبه المعجب )
( لا تعجبوا إن فار من غيظه ... فالقلب مطبوخ على المنصب )

وهذا المعنى ألم به شرف الدين النصيبي واستعمله أرق وأسجم بقوله
( ولوك إذ علموا بجهلك منصبا ... علموا بأنك عن قليل تبرخ )
( طبخوا بنار العزل قلبك بعد ذا ... وكذا القلوب على المناصب تطبخ ) وقال يعتذر عن مخدومه في كثرة تجريده له
( لقد لام قوم صاحبي حيث لم يزل ... يجردني دون الرفاق تعمدا )
( رآني حساما ماضيا فأقامني ... مدى الدهر في وجه الأعادي مجردا ) ومنه قوله
( مذ قلت للمنثور إن الورد قد ... وافى على الأزهار وهو أمير )
( بسمت ثغور الأقحوان مسرة ... بقدومه وتلون المنثور ) وأحسن منه قوله
( ومذ قلت للمنثور إني مفضل ... على حسنك الورد المنزه في الشبه )
( تلون من قولي وزاد اصفراره ... وفتح كفيه وأوما إلي وجهي ) ومثله قوله
( كيف السبيل للثم من أحببته ... في روضة للزهر فيها معرك )
( ما بين منثور وناضر نرجس ... مع أقحوان وصفه لا يدرك )
( هذا يشير بأصبع وعيون ذا ... ترنو إلي وثغر هذا يضحك ) ومثله قوله
( كيف السبيل لأن أقبل خد من ... أهوى وقد نامت عيون الحرس )
( وأصابع المنثور تومي نحونا ... حسدا وتغمزها عيون النرجس ) ومنه قوله
( روض الحمى يهوى لقاك وإنه ... من فرط شوق لا يزال قرينه )
( لم يهد نرجسه إليك وإنما ... لغرامه أهدى إليك عيونه )

ومن لطائفه في أغزاله قوله
( قالوا بدا نبت خديه فخذ بدلا ... عنه فقلت لهم حاشاه حاشاه )
( إن لاح في خده نبت فلا عجب ... الله أنبته والعين ترعاه )
وتورية النبت والرعي تلاعب بها جماعة من المتأخرين بعد ابن تميم ومن مخترعاته في هذا الباب قوله
( لو كنت حين علوت كور مطيتي ... لم تعتلقها للمطي عيون )
( وتوسطت بحر السراب حسبتني ... من فوقها ألفا وتحتي نون ) ومن نكته المخترعة قوله
( دعيت فكان أكلي فخذ طير ... ولم أشرب من الصهباء نقطه )
( وما يومي كأمس وذاك أني ... أكلت أوزة وشربت بطه )
أخذ الشيخ صلاح الدين الكل مع القافية فقال
( شوى الأوز فأضحت ... في حمرة الخد بسطه )
( فقلت تشوي أوزا ... أم كنت تشرب بطه ) ومن اختراعاته التي لعب الناس بها بعده
( قد هجرت الراح حتى ... ليس لي فيها نصيب )
( وعلى الراووق مني ... طول ما عشت صليب ) ومن نكته المخترعة الغريبة قوله يرثي الأمير قطب الدين رحمه الله تعالى
( نأيتم فلا قلبي عن الحزن مقصر ... عليكم ولا جفني يجف له غرب )
( وأفلاك لذاتي تعطل سيرها ... وهل فلك يسري إذا عدم القطب )

ومن غريب نكته في أغزاله قوله
( شبهت خدك يا حبيبي عندما ... أبدى الجمال به عذارا أشقرا )
( تفاحة حمراء قد كتبوا بها ... خطا دقيقا بالنضار مشعرا ) ومثله في الغرابة قوله
( ولما احتمت عنا الغزالة بالسما ... وعز على قناصها أن ينالها )
( نصبنا شباك الماء في الأرض حيلة ... عليها فلم نقدر فصدنا خيالها ) ومن لطائف غرامياته
( لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... من أرضكم فلها علي جميل )
( خاضت دموع العاشقين وعرجت ... عنهم إلي وثوبها مبلول ) وهذا المعنى وقفت عليه لغيره والله أعلم من السابق ولعمري إن الآخر أجاد بقوله
( وصبا صبت من قاسيون فسكنت ... بهبوبها وصب الفؤاد البالي )
( خاضت مياه النيرين عشية ... وأتتك وهي بليلة الأذيال ) ومن لطائفه قوله
( لو لم أعانق من أحب بروضة ... أحداق نرجسها إلينا تنظر )
( ما شق جيب شقيقها حسدا ولا ... بات النسيم بذيله يتعثر )
وتلاعب الناس بعد ابن تميم بهذا المعنى كثيرا وقال في إهداء مهرة حمراء وهي من مخترعاته
( أهديت لي يا مالكي مهرة ... جميلة الخلق بوجه جميل )
( مؤخرها والعنق قد أوقع ... قلب الأعادي في العريض الطويل )
( قد لبست من شفق حلة ... تخبرنا أن أباها أصيل )

ومنه قوله وهو من الاختراعات اللطيفة
( حبيبي وعدت الكاس منك بقبلة ... وأعقب ذاك الوعد منك نفار )
( وما كان هذا لونها غير أنها ... علاها لطول الانتظار صفار ) ومن هنا أخذ الشيخ بدر الدين بن الصاحب فقال
( يا حابس الكأس لا تزدها ... من بعد حبس الدنان حسره )
( واغنم مزاجا لها لطيفا ... أورثه الانتظار صفره ) ومن نكته الغريبة البديعة قوله
( مما رأت عيني مناطقك التي ... أضحت بشعرك دائما تتعلق )
( ولا تستقر وقد علتها صفرة ... ونحول جسم بالصبابة ينطق )
( أيقنت أن الخصر ضاع نحافة ... فلذا تدور جوى عليه وتقلق ) ومن هنا أخذ الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( وشاح من أحببته قال لي ... وهو الذي في قوله قد صدق )
( قد ضاع مني الخصر لما انثنى ... أما تراني دائرا في قلق ) وقال في شخص اسمه عثمان يهدده بالهجو
( توعدت يا عثمان بالهجو شاعرا ... سيوليك هجوا عاره ليس ينجلي )
( فخذها قصيدا قد أتت من محمد ... كجلمود صخر حطه السيل من عل ) وممن أبدر في أفق التورية عقود ونظم لالئها بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي فمن لآئىء عقوده قوله
( صدوا وقد دب العذار بخده ... ما ضرهم لو أنهم خبروه )
( هل ذاك غير نبات خد قد حلا ... لكنهم لما حلا هجروه ) ومنه قوله
( عرج على الزهر يا نديمي ... ومل إلى ظله الظليل )
( فالروض يلقاك بابتسام ... والريح تلقاك بالقبول )

ومنه قوله وأجاد
( ورياض وقفت أشجارها ... وتمشت نسمة الصبح إليها )
( طالعت أوراقها شمس الضحى ... بعد أن وقعت الورق عليها )
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه المسمى بفض الختام عن التورية والاستخدام لما وقف على هذين البيتين نكتة التوقيع هنا أليق بابن عبد الظاهر لكن طلع واطلع عليه البدر وحفظ سره لما أضاعه ذلك الصدر ومنه قوله
( وحديقة مطلولة باكرتها ... والشمس ترشف ريق أزهار الربا )
( يتكسر الماء الزلال على الحصى ... فإذا جرى بين الرياض تشعبا ) ومن هنا أخذ الشيخ برهان الدين القيراطي فقال من قصيدة
( وكأن ذاك النهر فيه معصم ... بيد النسيم منقش ومكتب )
( فإذا تكسر ماؤه أبصرته ... في الحال بين رياضه يتشعب ) ويعجبني قوله من قصيدة كلها غرر ولولا خشية الإطالة لأوردتها بكمالها
( وتنبهت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فنبهت أشواقي )
( ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحق )
( قامت تطارحني الغرام جهالة ... من دون صحبي بالحمى ورفاقي )
( أنى تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض مآقي )
( وأنا الذي أملى الجوى من خاطري ... وهي التي تملى من الأوراق ) ومنه قوله
( هلم يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدا همه )
( نسيمها يعثر في ذيله ... وزهرها يضحك في كمه ) ومنه قوله
( أدر كؤوس الراح في روضة ... قد نمقت أزهارها السحب )

( الطير فيها شيق مغرم ... وجدول الماء بها صب ) ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال في نواعير حماة من طرديته
( ذات النواعير سقات الترب ... وأمهات عصفه والأب )
( تعلمت نوح الحمام الهتف ... أيام كانت ذات فرع أهيف )
( فكلها من الحنين قلب ... وكيف لا والماء فيها صب ) وقال ابن نباته في مطلع قصيدة
( دمعي عليك مجانس قلبي ... فارث على الحالين للصب )
ونكتة الصب تطفل عليها أيضا الشيخ صلاح الدين الصفدي ولكن ركبها تركيبا قلقا فقال
( وحقكم ما حلت عن سنن الوفا ... ولم ينقلب مني إلى سلوة قلب )
( وما أنا غر بالصبابة والهوى ... فأنكر دمعي إن جرى وأنا صب ) ويعجبني قول بدر الدين يوسف بن لؤلؤ من قصيدة
( باكر إلى الروضة تستجلها ... فثغرها في الصبح بسام )
( والنرجس الغض اعتراه الحيا ... فغض طرفا فيه أسقام )
( وبلبل الدوح فصيح على الأيكة ... والشحرور تمتام )
( ونسمة الريح على ضعفها ... لها بنا مر وإلمام )
( فعاطني الصهباء مشمولة ... عذراء فالواشون نوام )
( واكتم أحاديث الهوى بيننا ... ففي خلال الروض نمام ) ومن هنا أخذ الجميع حتى الشيخ صفي الدين الحلي مع أن التورية غير مذهبه فقال

( أقول وطرف النرجس الغض شاخص ... إلي وللنمام حولي إلمام )
( أيا رب حتى في الحدائق أعين ... علي وحتى في الرياحين نمام )
ولكن ما أخل بها الشيخ جمال الدين بن نباتة لئلا يخرج عن مذهبه فقال
( وأهيف ينهب أرواحنا ... ووجهه كالروض بسام )
( تنم خداه بقتل الورى ... فخده ورد وثمام ) وأخذها ابن الوردي أيضا ولكن زادها نكتة أخرى بقوله
( إن قال صف لي عذارى وصف مبتكر ... ووجنتي قلت خذ يا صنعة الباري )
( هذا عذارك نمام ومسكنه ... نار بخديك والنمام في النار ) ومنه قوله
( الروض أحسن ما رأيت ... إذا تكاثرت الهموم )
( تحنو علي غصونه ... ويرق لي فيه النسيم ) ومنه قوله
( البرد قد ولى فما لك راقدا ... يا أيها المدثر المزمل )
( أو ما ترى وجه الربيع وحسنه ... والروض يضحك والحيا يتهلل ) ومن لطائف تغزلاته قوله
( حلا نبات الشعر يا عاذلي ... لما بدا في خده الأحمر )
( فشاقني ذاك العذار الذي ... نباته أحلى من السكر ) ومثله في اللطف قوله
( شوقي إليك على البعاد تقاصرت ... عنه خطاي وقصرت أقلامي )
( واعتلت النسمات فيما بيننا ... مما أحملها إليك سلامي )

ومنه قوله
( تعشقته لدن القوام مهفهفا ... شهي اللمى أحوى المراشف أشنبا )
( وقالوا بدا حب الشباب بوجهه ... فيا حسنه وجها إلي محببا )
وقد تقدم القول أن أبا تمام أول من اخترع هذه النكتة ومن نكته الغريبة اللطيفة البديعة قوله
( وذي قوام أهيف ... بين الندامى قد نشط )
( قام يقط شمعة ... فهل رأيت الظبي قط ) وتطفل الناس بعده على هذه النكتة ومنه قوله
( وبمهجتي المتحملون عشية ... والركب بين تلازم وعناق )
( وحداتهم أخذت حجازا بعدما ... غنت وراء الركب في عشاق ) ومن هنا أخذ الناس بعد الشيخ بدر الدين كقول بعضهم
( قلت مذ غنى حجازا ... ليتنا في أصبهان ) ومنه قول الشيخ بدر الدين بن لؤلؤ
( لك مبسم عذب اللمى يفتر عن ... برد وسلسال الرضاب مرادي )
( وفم يحاكي الميم إلا أنه ... كم حوله عين تحوم كصاد )
وهذا المعنى أيضا تطفل عليه المتأخرون بعد الشيخ بدر الدين منهم الشيخ جمال الدين بن نباتة حيث قال
( يا عين آمالي إذا استجمعت ... إني إلى مورد لقياك صاد )

ويعجبني قوله من قصيدة ورى في بيتها الأول باسمه فقال
( قد أنحلتني الغوادي غير راحمة ... ومحقتني الليالي بعد إبدار )
( فكم أواري غراما من جوى وأسى ... زناده تحت أثناء الحشا واري )
( جيراننا كنتم بالرقمتين فمذ ... بعدتم صار دمعي بعدكم جاري ) ومن هنا أخذ الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال
( بروحي جيرة أبقوا دموعي ... وقد رحلوا بقلبي واصطباري )
( كأنا للمجاورة اقتسمنا ... فقلبي جارهم والدمع جاري ) وما أحلى قول بدر الدين من القصيدة المذكورة في الخمرة ولم يخرج عما نحن فيه من التورية فقال
( سارت لتقتص من قوم فما ربحت ... في حث كأس على الأوتار دوار )
( فالقوم من بعد قتلاها وما ظلمت ... وإنما أخذت منهم بأوتار ) ومن هنا أخذ القاضي أمين الدين الحمصي وكان كاتب السر الشريف بالشام المحروس فقال
( وقوس حاجبه يصمي كأن له ... مطالبات على قلبي بأوتار ) ويطربني قوله من قصيدة
( فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا )
( فأتبعته قلبا مطيعا على الغضى ... وخليت لي جفنا على السفح أطوعا ) ومن لطائفه الغريبة
( رفقا بصب مغرم ... أبليته صدا وهجرا )
( وافاك سائل دمعه ... فرددته في الحال نهرا ) هذا النهر ورد منه المتأخرون قاطبة ولولا طول الشرح لذكرت ذلك ومن لطائفه قوله

( يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو )
( يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو ) ومن لطائف اتفاقه ونكته الغريبة قوله في نجم الدين بن إسرائيل وقد هوي مليحا يلقب بالجارح
( قلبك اليوم طائر ... عنك أم في الجوانح )
( كيف ترجي خلاصه ... وهو في كف جارح )
وكتب إليه وقد بلغه أنه سلا عن معشوقه المذكور
( خلصت طائر قلبك العاني ترى ... من جارح يغدو به ويروح )
( ولقد يسر خلاصه إن كنت قد ... خلصته منه وفيه روح ) ومن مخترعاته الغريبة قوله في الخمرة
( أبدى الحباب لها خطا فأحسن ما ... قد كان حرر من ميم ومن هاء )
( قديمة ذاتها في روض جنتها ... كانت وكان لها عرش على الماء ) ومن هنا أخذ الصاحب فخر الدين بن مكانس فقال من قصيدة السرحة
( فاستمهدت دوحها المخضل وافترشت ... نجم الربا ورقت عرشا على الماء )
ولكن لم يساعده في لفظة العرش اشتراك تورية بالنسبة إلى الشيخ بدر الدين فإن نسبة العروش إلى الكرم معروفة ومنه قوله في مليح نجار
( بروحي نجار حكى الغصن قده ... رشيق التثني أحور الطرف وسنان )
( يميل على الأعواد قطعا بما جنت ... وما سرقت من قده وهي أغصان ) ومن هنا أخذ جميع الناس وقال من قال
( قد لمت ذا الأهيف النجار وهو على ... الأشجار يقطع في أغصان خلاف )
( فقال لي عندها ثار تحد به ... لأنها سرقت من لين أعطافي )

وممن أحيا ما درس من رسوم التورية القاضي محيي الدين بن قرناص الحموي تغمده الله برحمته فمن نكته اللطيفة قوله
( سقيا له روضا قدود غصونه ... تختال في الأبراد من أوراقها )
( جنت به ورق الحمام صبابة ... أو ما ترى الأغلال في أعناقها ) ومن لطائف قوله
( مال القضيب بروضة من سكره ... لما سقاه عقاره أدرار )
( حتى إذا سرق النسيم دراهما ... من كمه صاحت به الأطيار ) ومثله قوله
( مذ أتينا نبغي زيارة دوح ... قد حبانا بالجود والإكرام )
( ناولتنا أيدي الغصون ثمارا ... أخرجتها لنا من الأكمام ) ومثله قوله وتلطف ما شاء في جمعه بين الاستعارة البديعة والتورية
( قد أتينا الرياض حين تجلت ... وتحلت من الندى بجمان )
( ورأينا خواتم الزهر لما ... سقطت من أنامل الأغصان ) ومنه قوله
( ورب نهر له عيون ... تحار في وصفه العيون )
( لما غدا الريق منه عذبا ... مالت إلى رشفه الغصون ) ومنه قوله
( أيا حسنها روضة قد غدا ... جنوني فنونا بأفنانها )
( أتى الماء فيها على رأسه ... لتقبيل أقدام أغصانها ) ومنه قوله
( تثنى الغصن إعراضا وعجبا ... على نهر يذوب أسى عليه )
( فرق له النسيم وجاء يسعى ... ملاطفة وميله إليه )

ومنه قوله وتلطف ما شاء
( ويوم قد قطعناه بروض ... يضاحك زهره شمس النهار )
( فكأن نهارنا طلق المحيا ... صبيح الوجه مخضر العذاب ) ومنه قوله
( أنعم فإن الدوح يا مالكي ... حمل من أجلك ما لا يطيق )
( يرقبك الطير على وكره ... وأعين الأزهار نحو الطريق ) وهذا المعنى أخذه الصاحب فخر الدين بن مكانس وزنا وقافية فقال
( والنرجس الغض غدا شاخصا ... فلا يخلي عينه للطريق ) ومنه قوله وتلطف ما شاء
( لو كنت إذ نادمت من أحببته ... في روضة أطيارها تترنم )
( لرأيت نرجسها يغض جفونه ... عنا وثغر أقاحها يتبسم ) ومنه قوله في معذر
( ووجنة قد غدت كالورد حمرتها ... وأشبه الآس ذاك العارض النضر )
( كأن موسى كليم الله أقبسها ... نارا وجر عليها ذيله الخضر ) وهذا المعنى استعمله بعضهم في شجرة نارنج فقال ولكن لم أعلم المخترع من هو
( نارنجة برزت في منظر عجب ... زبرجد ونضار صاغه المطر )
( كأن موسى كليم الله أقبسها ... نارا وجر عليها ذيلة الخضر ) ومنه قوله
( وروض قد أتت فيه معان ... يطيب به الندامى والمدام )
( يسامره النسيم إذا تغنت ... حمائمه ويسقيه الغمام )

ومنه قوله
( روضة من قرقف أنهارها ... وغناء الورق فيها بارتفاع )
( لا تلم أغصانها إن رقصت ... فهي ما بين شراب وسماع ) ومن لطائفه في أغزاله قوله
( هويت في مكتب غلاما ... قلبي بهجرانه جريح )
( أهيف أضحى قبيح خط ... وإنما شكله مليح ) ومنه قوله في مليح مؤذن
( ومؤذن أضحى كريما وجهه ... لكنه بالوصل أي شجيح )
( أبدا أموت بهجره لكنني ... من بعد ذاك أعيش بالتسبيح ) ومنه قوله
( قبلت خط عذاره لما بدا ... وهصرت لين قوامه المياس )
( وطلبت لي من خده المحمر ما ... يشفي قواي فجائني بالآس ( ي ) ) وهذه النكتة توارد هو وشمس الدين محمد بن العفيف عليها فقال
( من يعطف نحوي قلب هذا القاسي ... كم أذكره وهو لعهدي ناسي )
( أشكو سقمي لعارضيه وكذا ... يشكو دنف سقامه للأسي ( س ) ) وتطفل عليها بعدهما الشيخ صلاح الدين الصفدي فقال
( كم جرح القلب منه جفن ... كالسيف في صحة القياس )
( وطب آس العذار جرحي ... فصح أن الطيب آسى )
وابتذل المتأخرون بعدهم حجابها ونظمتها أنا ولكن زدتها نكتة أخرى من جنسها فترشحت وازدادت حسنا وهي قولي
( مذ جفاني ممرض القلب ولم ... ألق للضعف وللكسر انجبارا )
( قلت للعارض يا آسي إذا ... درت داري مرض القلب فداري )

ومن لطائفه في أغزاله قوله
( إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ناظره )
( أنزلتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهره )
وهذه النكتة أيضا ابتذل المتأخرون حجابها كثيرا ومن ظرافات شمس الدين محمد ابن العفيف المشهور بالشاب الظريف قوله
( إذا حاولت حل البند قالت ... معاطفه حمانا لا يحل )
( وإن جليت بوجنته مدام ... يرى لعذاره دور ونزل ) وسبك أيضا تورية الدور في قالب اخر وجاء في غاية اللطف والغرابة بقوله
( لحاظك أسياف ذكور فما لها ... كما زعموا مثل الأرامل تغزل )
( وما بال برهان العذار مسلما ... ويلزمه دور وفيه تسلسل ) ومنه قوله فيما يكتب على كاس وأجاد
( أدور لتقبيل الثنايا ولم أزل ... أجود بنفسي للندامى وأنفاسي )
( وأكسو أكف الشرب ثوبا مذهبا ... فمن أجل هذا لقبوني بالكاس ( ي ) ) ومن هنا أخذ الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة وقال مضمنا
( يا صاح قد حضر الشراب ومنيتي ... وحظيت بعد الهجر بالإيناس )
( وكسا العذار الخد حسنا فاسقني ... واجعل حديثك كله في الكاس ( ي ) ) ويعجبني قوله وقد أهدى مجموعا
( يا أيها الصدر الذي وجه العلا ... منه يزان بمنظر مطبوع )
( لا تعتقد قلبي يحبك وحده ... ها قد بعثت لسيدي مجموعي ) ونكتة المجموع استعملها الشيخ جمال الدين وغيره ومن نكته البديعة التي لم يسبق إليها قوله
( كان ما كان وزالا ... فاطرح قيلا وقالا )
( أيها المعرض عنا ... حسبك الله تعالى )

وهذه أخذها صاحبنا المرحوم مجد الدين بن مكانس بنصها فقال من قصيدة
( يا غصنا في الرياض مالا ... حملتني في هواك مالا )
( يا رائحا بعد ما سباني ... حسبك رب السما تعالى ) ومن لطائفه في مليح رسام قوله
( قلت لرسامكم ... بك الفؤاد مغرم )
( قال متى أذيبه ... فقلت حين ترسم ) ومن لطائفه واختراعاته قوله
( قامت حروب الزهر ما ... بين الرياض السندسية )
( وأتت بأجمعها لتغزو ... روضة الورد الجنية )
( لكنها انكسرت لأن الورد ... شوكته قويه ) ومن لطائفه أيضا قوله
( يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثاني )
( لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان ) ومن لطائفه أيضا قوله
( إني لأشكو في الهوى ... ما راح يفعل خده )
( ما كان يدري ما الجفا ... لكن تفتح ورده ) ومن هنا أخذ الشيخ صلاح الدين الصفدي فقال ولكن زاده نكتة
( أقول له ما كان خدك هكذا ... ولا الصدغ حتى سال في الشفق الدجا )
( فمن أين هذا الحسن والظرف قال ... لي تفتح وردي والعذار تخرجا ) ومن نكته البديعة قوله
( قد تعشقت خلافي ... ولي فيه معاني )
( كلما جادلني العاذل ... فيه ولحاني )
( جئته من عارضيه ... بدليل الدوران )

ومن اختراعاته اللطيفة قوله في مليح خيالي
( خيالي أخاف الهجر منه ... ولست أراه يرغب في وصالي )
( وكنت عهدتني قدما شجاعا ... فما لي صرت أفزع من خيالي ) وقال في زهر اللوز
( تبسم ثغر اللوز عن طيب نشره ... وأقبل في حسن يجل عن الوصف )
( هلموا إليه بين قصف ولذة ... فإن غصون الزهر تصلح للقصف ) ومثله قوله
( تمشي بصحن الجامع الشادن الذي ... على قده أغصان بان النقا تثني )
( فقلت وقد لاحت عليه حلاوة ... ألا فانظروا هذي الحلاوة في الصحن ) وقال
( يا ذا الذي نام عن غرامي ... ونبه الوجد والجوى لي )
( جفني جرى طيه دموع ... شوقا إلى وجهك الهلالي ) ومن اختراعاته الغريبة قوله
( عبتم على المحبوب حمرة شعره ... وأظنكم بدليله لم تشعروا )
( لا تنكروا ما احمر منه فإنه ... بدماء أرباب القلوب مضفر ) وقال في مليح زجاج
( قولوا لزجاجكم ذا الذي ... له محيا بالسنا يسفر )
( إن كنت في الصنعة ذا خبرة ... وكان معروفك لا ينكر )
( فما لأحداقك أقداحها ... في صحة من حسنها تكسر ) وقال أيضا
( كلف الفؤاد بظبية عجانة ... ما كنت يوما امنا من هجرها )
( عجنت فؤادي بالغرام فماؤها ... من أدمعي ودقيقها من خصرها )

وهذا المعنى تلاعب به الجماعة بعد ابن العفيف ولكن ما برح دقيقة خاصا وقال في ذم الحشيش وأجاد
( ما للحشيشة فضل عند اكلها ... لكنه غير مصروف إلى رشده )
( صفراء في وجهه خضراء في فمه ... حمراء في عينه سوداء في جسده ) وقال في مليح أصيبت عينه
( كان بعينين فلما طغى ... بسحره رد إلى عين )
( وذاك من لطف بعشاقه ... ما يضرب الله بسيفين )
وتورية السيف تناولها الجماعة بعد ابن العفيف ولولا خشية الإطالة لذكرت غالبها وقال في مليح بدوي
( بدوي كم جدلت مقلتاه ... عاشقا في مقاتل الفرسان )
( ذو محيا يصيح يا لهلال ... ولحاظ تقول يا لسنان ) وقال في مليح جرح بسكين
( لم تجرح السكين كف معذبي ... إلا لمعنى في الغرام يحقق )
( هي مثل ما قد قيل جارحة له ... ولكل جارحة إليه تشوق ) وقال في مليح مؤذن بالجامع الأموي
( فديت مؤذنا تصبو إليه ... بجامع جلق منا النفوس )
( يطير النسر من شوق إليه ... وتهوى أن تعانقه العروس )
هذان البيتان توارد على نكتتهما شمس الدين بن العفيف والشيخ جمال الدين بن نباتة ورأيتهما في ديوانه والبيت الأول بنصه والبيت الثاني فيه بعض تغيير وهو
( لقد زف الزمان لنا مليحا ... تكاد بأن تعانقه العروس ) وقال في مليح منير
( منير وجدي به ... أكتمه ويظهر )
( وكيف تخفى لوعتي ... وقد غدا ينير )

وقال أيضا يصف بساطا
( بساط يملأ الأحداق حسنا ... ويهدي للقلوب به سرورا )
( ويشرح حين يبسط كل صدر ... وخبر البسط ما يرضي الصدورا ) وقال من دو بيت
( الصب بحبكم عراه الوله ... في طوع هواكم عصى عذله )
( إيضاح غرامه غدا تكملة ... إذ كان مفصل الهوى مجمله ) وقال أيضا
( أفدي عربا بوادي الجزع ... يا وحشة ناظري لهم في الربع )
( لما بحثوا عندي في فرقتنا ... أنشأت لهم مسائلا من دمعي ) ومنه قوله
( يقول وقد رنا عن لحظ ظبي ... وهز الغصن في ورق الغلائل )
( أأقتلكم بطرفي أم بعطفي ... فقلت بما تشا فالكل ذابل ) وهذه النكتة أخذها الشيخ جمال الدين بقافيتها وقال
( له معطف لدن القوام ومرشف ... رقيق على التقبيل فالكل ذابل )
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه الذي جمعه من إملاء الشيخ أثير الدين أبي حيان وسماه مجاني الهصر من أدب أهل العصر أنشدني الشيخ أثير الدين قال أنشدني شمس الدين محمد بن العفيف في مليح طباخ
( رب طباخ مليح ... فاتر الطرف غرير )
( مالكي أصبح لكن ... شغلوه بالقدور ) قال الشيخ صلاح الدين وأنشدني الشيخ أثير الدين قال أنشدني شمس الدين محمد ابن العفيف لنفسه

( ليس خليلا لي ولكنه ... يضرم في الأحشاء نار الخليل )
( يا ردفه جرت على خصره ... رفقا به ما أنت إلا ثقيل )
وهذه النكتة تلاعب بها غالب المتأخرين بعد ابن العفيف ومن لطائفه قوله وقد احتجب بعض أصحابه عنه
( ولقد أتيت إلى جنابك قاضيا ... باللثم للعتبات بعض الواجب )
( وأتيت أقصد زورة أحيا بها ... فرددت يا عيني هناك بحاجب ) هذه النكتة أخذها الشيخ جمال الدين بن نباتة غفر الله له بقافيتها فقال
( حجبتني فازددت عندي علا ... برغم من أقبل كالعاتب )
( وقلت لا أعدم من سيدي ... من كان عيني فغدا حاجبي ) وألم الشيخ زين الدين بن الوردي بهذه النكتة ولكن سبكها في غير هذا القالب بقوله
( زرتكم صحبة وودا ... ألفيتكم مغلقين بابا )
( سعيي إلى بابكم جنون ... عليه أستأهل الحجابا ) ومن لطائفه في أغزاله قوله
( وكم يدعي صونا وهذي جفونه ... بفترتها للعاشقين يواعد )
( وكم يتجافى خضره وهو ناحل ... وكم يتحالى ريقه وهو بارد ) ومن هنا أخذ الشيخ صفي الدين الحلي وليته ما قال
( وما فيه شيء ناقص غير خصره ... وما فيه شيء بارد غير ريقه ) ومنه قوله
( أيسعدني يا طلعة البدر طالع ... ومن شقوتي خط بخدك نازل )
( ولو أن قسا واصف منك وجنة ... لأعجزه نبت بها وهو باقل )

الذي يظهر لي أن النكتة في باقل من اختراعات ابن العفيف فإني لم أجد أحدا ممن تقدمه ألم بها ولكن ما صبر الشيخ جمال الدين عنها لحسنها فقال من قصيدة ضمنا
( تطاولت الأغصان تحكي قوامه ... وعند التناهي يقصر المتطاول )
( وأعيا فصيح الوقت نبت عذاره ... وعير قسا بالفهاهة باقل ) وكذلك الشيخ زين الدين بن الوردي ما صبر عنها حتى قال
( وبي أغيد من حسنه البدر خائف ... على نفسه والنجم في الغرب مائل )
( فلو رام قس وصف باقل خده ... لعير قسا بالفهاهة باقل )
ومن لطائف قوله
( يا خاله خضرة بعارضه ... حرستها عن متيم مغرى )
( كف عن العاشقين مقتصرا ... هل أنت إلا حويرس الخضرا ) ومن نكته اللطيفة قوله
( زار وجيب الظلام منسدل ... فانشق ثوب الدجى عن الفجر )
( وبت من صدغه ومبسمه ... أجمع بين الحشيش والخمر ) هذه النكتة أخذها الشيخ زين الدين بمعناها وقال
( ومليح قال جهرا ... يا نفوس الناس عيشي )
( من رضابي وعذاري ... بين خمر وحشيش ) ومن لطائف نكت ابن العفيف قوله
( وأتى بوجه كالهلال مركب ... من قامة غصنية هيفاء )
( وبمقلة خفق الفؤاد وقد رنت ... وكذا الجنون يكون عن سوداء )

ومن لطائف اختراعاته قوله
( بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من سود الذوائب في جنح )
( فقلت عجيب كيف لم يذهب الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح ) ومنه قوله والنكتة غريبة وبديعة
( أسكرني باللفظ والمقلة الكحلاء ... والوجنة والكاس )
( ساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاس ( ي ) ) ومن لطائفه أيضا قوله
( يا باعثا شعره انتشارا ... بقامة ما لها نظير )
( الموت من ناظريك لكن ... من شعرك البعث والنشور ) ومن لطائفه قوله في مليح اسمه مالك
( مالك قد أحل قتلي برمح القد ... منه وراح قلبي طعينه )
( ليس يفتي سواه في قتل صب ... كيف يفتى ومالك بالمدينة ) ومنه قوله من حسن التضمين
( جلا ثغرا وأطلع لي ثنايا ... يسوق بها المحب إلى المنايا )
( وأنشد ثغره يبغي افتخارا ... أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ) ومن لطائفه قوله
( بأبي شادن غدا الوجه منه ... يخجل النيرين في الإشراق )
( سلب القضب لينها فهي غيظى ... واقفات تشكوه بالأوراق )

البيت الثاني بلفظه ومعناه تقدم لابن عبد الظاهر والله أعلم أيهما السابق وابتذل حجاب هذه النكتة بعد ذلك المتأخرون منهم الشيخ زين الدين بن الوردي بقوله
( قده جار اعتدالا ... فله فتك ونسك )
( سلب الأغصان لينا ... فهي بالأوراق تشكو ) ومن نكته البديعة الغريبة قوله
( ومستتر من سنا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في )
( كوى القلب مني بلام العذار ... فعرفني أنها لام كي ) ومن لطائفه قوله
( كأنني واللواحي في محبته ... في يوم صفين قد قمنا بصفين )
( وكيف يطلب صلحا أو موافقة ... ولحظه بيننا يسعى بسيفين ) ومن نكته التي تطفل الناس بعده عليها قوله
( بأبي أفدي حبيبا ... تيم القلب غراما )
( عذر العاذل فيه ... مذ رأى العارض لاما ) وقال
( لولم تكن ابنة العنقود في فمه ... ما كان في خده القاني أبو لهب )
( تبت يدا عاذلي فيه فوجنته ... حمالة الورد لا حمالة الحطب ) أخذه ابن نباتة وقال
( حمالة الحلى والديباج قامته ... تبت غصون النقا حمالة الحطب )
قلت ورد ابن العفيف أغلى من ديباج ابن نباتة من حيث المناسبة الأدبية والله أعلم وهذه النكتة أيضا أغار عليها المعمار بقوله
( تعرض البدر يحكي حسن صورته ... فراح منكسفا وانشق بالغضب )
( وبانة الجزع ماست مثل قامته ... تبت وقد أصبحت حمالة الحطب )

وممن أحسن المباشرة في نظم التورية سيف الدين بن المشد
فمن نكته البديعة الغريبة قوله
( مسكية الأنفاس تملي الصبا ... عنها حديثا قط لم يملل )
( جننت لما أن سرى عرفها ... وما نرى من جن بالمندل ) ومن لطائفه قوله
( ومجلس راق مر واش يكدره ... ومن رقيب له باللوم إيلام )
( ما فيه ساع سوى الساقي وليس به ... على الندامى سوى الريحان نمام )
هذه النكتة تقدمت للبدر بن لؤلؤ الذهبي وذكرت من أغار عليها من الجماعة ولكن الأمير سيف الدين زادها نكتة أخرى بديعة واستعملها أحسن من الجماعة ومن لطائفه قوله
( وشاذن أورد في هجره ... لهيب حر الشوق والفرقه )
( أصبحت حران إلى ريقه ... فليت لي من قلبه رقه )
هذه النكتة نظمتها في مبادي العمر ولم أقف على قول ابن المشد إلا بالديار المصرية في الأيام المؤيدية فقلت
( أرشفني ريقه وعانقني ... وخصره يلتوي من الدقة )
( فبت من خصره وريقته ... أهيم بين الفرات والرقه ) ومن لطائفه قوله
( في يوم غيم من لذاذة جوه ... غنى الحمام وطابت الأنداء )
( والروض بين تكبر وتواضع ... شمخ القضيب به وخر الماء ) ومن لطائفه أيضا قوله
( أذن القمري فيها ... عند تهويم النجوم )
( فانثنى الغصن يصلي ... بتحيات النسيم )

ومن لطائفه قوله
( لئن صرفت وحاشاك ... فالدنانير تصرف )
( وما اعتقلت كريما ... إلا وأنت مثقف ) ومن لطائفه قوله
( الحمد لله في حلي ومرتحلي ... على الذي نلت من عملي ومن علمي )
( بالأمس كنت إلى الديوان منتسبا ... واليوم أصبحت والديوان ينسب لي ) ومن لطائفه قوله
( لعبت بالشطرنج مع شادن ... رشاقة الأغصان من قده )
( أحل عقد البند من خصره ... وألثم الشامات من خده )
تورية الشامات رخصها المتأخرون بعد سيف الدين بن المشد وممن أخذها الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال
( أفديه لاعب شطرنج قد اجتمعت ... في شكله من معاني الحسن أشتات )
( عيناه منصوبة للقلب غالبة ... والخد فيه لقتل النفس شامات )
انتهى ما تخيرته ووعدت بإيراده في باب التورية من كلام هذه العصابة التي مشت تحت العصائب الفاضلية وصار لها من بعده في نظم التورية أعظم روية وقدمت إمامهم الذي صلت الجماعة خلفه وهو القاضي الفاضل وبعده القاضي السعيد ابن سنان الملك والشيخ سراج الدين الوراق وأبو الحسين الجزار ونصير الدين الحمامي وناصر الدين حسن بن النقيب والحكيم شمس الدين بن دانيال والقاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر وهذه هي الفرقة التي تقدمت بعد الفاضل بالديار المصرية وأما الفرقة الشامية فإمام جماعتها الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة وبعده مجير الدين بن تميم وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي ومحيي الدين بن قرناص الحموي وشمس الدين بن العفيف وسيف الدين بن المشد
ولكن عجبت من الشيخ صلاح الدين الصفدي كيف أخل في كتابه المسمى بفض الختام عن التورية والاستخدام بذكر الشيخ علاء الدين علي بن المظفر الكندي الشهير بالوداعي وهو أشهر من قفا نبك في نظم التورية بل هو امرؤ قيسها وكنديها وإذا

ذكر شرف نسبها فإنه علويها وانتقل من حلب إلى دمشق المحروسة وعاصر الجماعة المذكورين ومولده سنة أربعين وستمائة ووفاته سنة ست عشرة وسبعمائة فكانت مدة حياته ستا وسبعين سنة ومولد السراج الوراق سنة خمس عشرة وستمائة ووفاته سنة خمس وتسعين وستمائة فكانت مدة حياته ثمانين سنة ومولد أبي الحسين الجزار سنة إحدى وستمائة ووفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة فمدة حياته إحدى وسبعون سنة ووفاة نصير الدين الحمامي لسنة اثنتي عشرة وسبعمائة ووفاة ناصر الدين بن النقيب سنة سبع وثمانين وستمائة ووفاة الحكيم بن دانيال سنة عشرة وسبعمائة ومولد محيي الدين ابن عبد الظاهر سنة عشرين وستمائة ووفاته سنة اثنتين وتسعين وستمائة فمدة حياته اثنتان وسبعون سنة ومولد شيخ الشيوخ الأنصاري سنة ست وثمانين وخمسمائة ووفاته سنة إحدى وستين وستمائة فمدة حياته خمس وسبعون سنة ووفاة مجير الدين بن تميم سنة إحدى وثمانين وستمائة ووفاة بدر الدين يوسف الذهبي سنة ثمانين وستمائة ومولد شمس الدين بن العفيف سنة اثنتين وستين وستمائة ووفاته سنة سبع وثمانين وستمائة فمدة حياته خمس وعشرون سنة ومولد سيف الدين بن المشد سنة اثنتين وستمائة ووفاته سنة خمس وخمسين وستمائة فمدة حياته ثلاث وخمسون سنة وجل القصد من ذلك تحقيق الواقف على هذا الشرح إن علاء الدين الوداعي عاصر الجماعة أو غالبهم وقد تقدم قولي في باب التوجيه إن الشيخ علاء الدين الوداعي سبك التورية في قوالب لم يسبقه أحد من هذه الجماعة إليها ولا سقط فكره عليها
ومع علو قدر الشيخ جمال الدين بن نباتة وهو الذي مشت ملوك الأدب قاطبة بعد الفاضل تحت أعلامه تطفل على موائد نكت الوداعي ومعانيه وعلى الأنواع الغريبة من تواريه وأوردت هناك من هذا القدر نبذة ولكن تعين إيرادها هنا كاملة لأنها حق من حقوق التورية وصل في تقدمه إلى غير مستحقه بحيث أن الطالب إذا أراد أن يفرد هذا النوع أعني التورية كان بإفراده فريدا وعقدا نضيدا وكلما أوردته من أنواع التورية في غير بابه عزمت على نظم شمله هنا ليجتمع كل غريب بأقاربه وأنسابه وقد عن لي أنني إذا فرغت من هذا الشرح أن أفرد بابا للتورية والاستخدام وأجعلهما مصنفا مفردا وأسميه كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام فإن الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه لم يشف القلوب بترتيبه ولا تفقه في بديعه وغريبه
فمن موائد الوداعي التي تطفل الشيخ جمال الدين بن نباتة عليها قوله من قصيدة
( أثخنت عينها الجراح ولا إثم ... عليها لأنها نعساء )
( زاد في عشقها جنوني فقالوا ... ما بهذا فقلت بي سوداء )

أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال من مطلع قصيدة
( قام يرنو بمقلة كحلاء ... علمتني الجنون بالسوداء )
والشيخ جمال الدين بن نباتة أدرك الوداعي وهو في عنفوان شبابه ولمعان سيوف آدابه وقد تقدم مولد الوداعي ووفاته ومولد الشيخ جمال الدين سنة ست وثمانين وستمائة وتوفي سنة ثمان وستين وسبعمائة فمدة حياته اثنتان وثمانون سنة وعلى هذا كان سن الشيخ جمال الدين ابن نباتة عند وفاة الوداعي ثلاثين سنة والله أعلم ومما نعطف به على ما تقدم قول الوداعي
( إذا رأيت عارضا مسلسلا ... في وجنة كجنة يا عاذلي )
( فاعلم يقينا أنني من أمة ... تقاد للجنة بالسلاسل ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وزنا وقافية وقال
( أفدي الذي ساق إليها مهجتي ... فرع طويل تحت حسن طائل )
( قلبي بصدغيها إلى طلعتها ... يقاد للجنة بالسلاسل ) ومن ذلك قول الشيخ علاء الدين الوداعي ( لقد سمح الزمان لنا بيوم ... غدا فيه السمي مع السمي )
( تجمعنا كأنا ضرب خيط ... علي في علي في علي ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضا وزنا وقافية وقال
( علوت اسما ومقدارا ومعنى ... فيا لله من حسن جلي )
( كأنكم الثلاثة ضرب خيط ... علي في علي في علي ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي
( من اخذ من خده ... بدم الشهيد المغرم )
( فالريح ريح المسك منه ... ولونه لون الدم ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال
( لا ينكر الكاسر من جفنه ... دم الشهيد الصابر المغرم )
( فالريح ريح المسك من خده ... كما ترى واللون لون الدم )

قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة
( يفتن بالفاتر من طرفه ... وريقه البارد يا حار )
أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة
( لو ذقت برد رضاب من مقبله ... يا حار ما لمت أعضائي التي ثملت ) مع أن الشيخ جمال الدين فتر عن الفاتر وقال الشيخ علاء الدين الوداعي
( قيل إن شئت أن تكون غنيا ... فتزوج وكن من المحصنينا )
( قلت ما يقطع الإله بحر ... لم يضع بين أظهر المسلمينا ) أخذه الشيخ جمال الدين بالقافية وقال
( قال لي خلي تزوج تسترح ... من أذى الفقر وتستغني يقينا )
( قلت دع نصحك واعلم أنني ... لم أضع بين ظهور المسلمينا )
قلت إن قافية محصنين أصدق من يقين ابن نباتة في مقطوعه
قال الشيخ علاء الدين الوداعي مضمنا
( يا عاذلي في النكاريش اطرح عذلي ... واعذر فعذري فيهم واضح حسن )
( فالمرد إن حاولوا حربي بهجرهم ... إذا لقام بنصري معشر خشن ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال
( لو اذنتني عذالي بحربهم ... إذ في النكاريش قد أصبحت هيمانا )
( إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة ان ذو لوثة لانا ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة
( عذب مقبله وحلو لحظه ... أو ما تراه بالنعاس معسلا )

أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة
( معسل بنعاس في لواحظه ... أما تراها إلى كل القلوب حلت ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من القصيدة المذكورة
( ألحاظه وهي السيوف كليلة ... ويكون تعذيب الكليلة أطولا ) أخذه الشيخ جمال الدين مع القافية وقال من قصيدة
( بليت به ساجي اللحاظ كليلها ... وما زال تعذيب الكليلة أطولا ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة
( والنهر كالمبرد يجلو الصدا ... ببرده عن قلب ظمآنه ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة
( والنهر فيه كمبرد ... فلأجل ذا يجلو الصدا )
لكن نقص نهره وكل مبرده عن نكتة ببرده في بيت الوداعي فإن الشيخ جمال الدين حط مكانها في بيته فلأجل ذا وشتان
قال الشيخ علاء الدين الوداعي في مطلع قصيدة
( ما كنت أول مغرم محروم ... من باخل بادي النفار كريم ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة
( مبخل يشبه ريم الفلايا ... طول شجوي من بخيل كريم ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي في مليح أعمى
( بروحي غزال راح في الحسن جنة ... تعشقته عمى فهمت من الوجد )
( إذا ما تردى قائدا بيمينه ... تيقنت حقا أنه جنة الخلد ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة بالقافية وقال
( أفديه أعمى مغمدا لحظه ... ليرتعي في خده الوردي )
( تمكنت عيناي من وجهه ... فقلت هذي جنة الخلد )

قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة
( بخلت علي بدر مبسمها ... فغذت مطوقة بما بخلت ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال من قصيدة
( بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم ... فغدت مطوقة بما بخلت به )
هذا المعنى استحقيته على الشيخ علاء الدين الوداعي والشيخ جمال الدين بن نباتة فإني زدت الاقتباس من الحديث تورية بقولي
( ناحت مطوقة الرياض وقد جرى ... دمعي الملون بعد فرقة حبه )
( لكن بتلوين الدموع تباخلت ... فغدت مطوقة بما بخلت به ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة يصف مليحا من المغل
( وما يبري هوى المشتاق ... إلا ذلك المغلي ) قال الشيخ جمال الدين من قصيدة
( من المغل أشكو نحوه ألم الجوى ... وطب الهوى عندي كما قيل بالمغلي ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي
( يا نديمي والذي عاهدني ... أنه عن شربها لن يقصرا )
( اسقني صرفا ودع عذالنا ... يضربون الماء حتى يخصرا ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال
( اسقني صرفا من الراح ... تحت الهم حتا ) ( ودع العذال فيها ... يضربون الما حتى ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من مطلع قصيدة
( باللوى صعدة عليها لواء ... كل طعنات نصلها نجلاء )

وقال بعد المطلع ( لا تخل عندها سماعا لشكوى ... فلهذا قالوا لها صماء ) قال الشيخ جمال الدين بن نباتة في مطلع قصيدة
( وعدت بطيف خيالها أسماء ... إن كان يمكن مقلتي إغفاء ) وقال بعد المطلع
( يا من يطيل من الجوى لقوامها ... شكواه وهي الصعدة الصماء ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي
( يا ربوة أطربتني ... وحسنت لي هتكي )
( إذ لست أبرح فيها ... ما بين دف وجنك ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال
( بالجنك من مغنى دمشق حمائم ... في دف أشجار تشوق بلطفها )
( فإذا أشار لها الشجي بكأسه ... غنت عليه بجنكها وبدفها ) وتطفل أيضا الشيخ صلاح الدين الصفدي على الوداعي في جنكه ودفه فقال
( انهض إلى الربوة مستمتعا ... تجد من اللذات ما يكفي )
( فالطير قد غنى على عوده ... في الروض بين الجنك والدف ) وتطفل على الوداعي أيضا الشيخ زين الدين بن الوردي وتزاحم هو والصفدي على العود ( دمشق قل ما شئت في وصفها ... واحك عن الربوة ما تحكي )
( فالطير قد غنى على عوده ... في الروض بين الدف والجنك ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة يصف نار شوقه لمحبوبه مع كتمان سره
( في حشاه للشوق نار تلظى ... وبفيه حفظا لسرك ماء )

أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة بالقافية وقال من قصيدة ولكن زاده حسنا
( فيا عجبا مني لإنسان مقلتي ... يحدث أخباري وفي فمه ماء )
ومن لطائف الوداعي ونكته في العود الذي أخذه منه الشيخ صلاح الدين الصفدي والشيخ زين الدين بن الوردي واستعملاه بلا أوتار قوله
( والروض يهدي مع نسيم الصبا ... نشر خزاماه وريحانه )
( وراسل القمري ورقاءه ... شدوا على أوتار عيدانه ) ويعجبني من هذه القصيدة قوله مشيرا إلى رأس العين ببعلبك
( يا حادي الأظعان إن شارفت ... من بعلبك سفح لبنانه )
( فاقرأ تحياتي على نازل ... في محجر العين كإنسانه ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة
( يا جيرة بالغوير قد نزلوا ... الله من جيرة ونزال )
( ما عطل الطرف بعد فرقتكم ... من دمعه واكشفوا عن الحال ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال
( حلوا بعقد الحسن أجيادهم ... وحاولوا صبري حتى استحال )
( فآه من عاطل صبر مضى ... والحمد لله على كل حال ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي وأجاد إلى الغاية
( قالت الورق إذ شدا ... فشجاها وشوقا )
( ما رأينا مقرطقا ... قبل هذا مطوقا ) ومثله في تورية المطوق
( يا جنة كوثرها ... رضا به المروق )
( وفوق غصن قده ... عذاره مطوق )

ومثله قوله
( فديت من مبسمه ... زهرا لغصن قده )
( وصدغه مطوق ... في روضة من خده )
النكتة في المطوق من اختراعات الوداعي وتطفل عليها الشيخ جمال الدين بن نباتة حتى في تسمية كتابه ومن نظمه فيها قوله
( طوق جود الوزير جيدي ... فلست عن مدحه أعوق )
( أسجع بالمدح في علاه ... لا غرو أن يسجع المطوق ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي
( لي من الطرف كاتب يكتب الشوق ... إليه إذا الفواد أمله )
( سلسل الدمع في صحيفة خدي ... هل رأيتم مسلسلات ابن مقله )
هذا المعنى قلبه ابن نباتة بعد الوداعي كثيرا وسبكه في قوالب كثيرة وأظنه أخذه وزنا وقافية بقوله
( قلت للكاتب الذي ما أراه ... قط إلا ونقط الدمع شكله )
( إن تخط الدموع في الخد خطا ... ما يسمى فقال خط ابن مقله ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة
( قلبي مطبع في هواك وأنت لي ... من بين دوح الحسن غصن خلاف ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة وقال في مطلع قصيدة
( قاسي الجوانح لين الأعطاف ... أهواه في الحالين غصن خلاف ) قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة
( كيف أقوى لحمل سخط وبعد ... بعدما كان من رضا وتداني )
( فتكرم بعطفة والتفات ... مثل ما في الأغصان والغزلان )
أخذه الشيخ جمال الدين فقال من قصيدة
( غزال رمل ولكن غير ملتفت ... وغصن بان ولكن غير منعطف )

ومن لطائف الشيخ علاء الدين الوداعي ونكته الغريبة قوله
( قال لي العاذل المفند فيها ... يوم وافت فسلمت مختاله )
( قم بنا ندعي النبوة في العشق ... فقد سلمت علينا الغزاله ) أخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال
( يا غزالا أهدى السلام إلى المغرم ... لا تنكرن حالا لديه )
( كيف لا يدعي النبوة في العشق ... وقد سلم الغزال عليه ) وأخذه الشيخ صفي الدين الحليي فقال في ثلاثة أبيات تركيبها ضعيف
( تنبأ فيك قلبي واسترابت ... قلوب صدهم عنه ضلال )
( وردهم الهوى أن يؤمنوا بي ... وقالوا إن معجزه محال )
( فمذ سلمت سلمت البرايا ... إلي وقيل كلمه الغزال )
ومن لطائف الشيخ علاء الدين الوداعي أيضا ونكته الغريبة قوله على لسان صديق اسمه عمرو قد هام بمليح في إحدى أذنيه لؤلؤة
( كم قلت لما مر بي ... مقرطق يحكي القمر )
( هذا أبو لؤلؤة ... منه خذوا ثأر عمر ) ومن لطائفه أيضا في مليح اسمه سعد
( إذا ما كان قتلي يا حياتي ... مرادك من يردك أو يصد )
( ففوق سهم طرفك نحو قلبي ... فداك أبي وأمي وارم سعد ) ومن لطائفه أيضا في مليح بدوي
( أقبل من حيه وحيا ... فأشرقت سائر النواحي )
( فقلت يا وجه من بني من ... فقال لي من بني صباح )

ومن نكته البديعة الغريبة قوله
( تعجبوا لما غدت أدمعي ... بيضا وراحت كالدم القاني )
( لا تعجبوا طرفي رب الهوى ... فكل يوم هو في شان ) ومن نكته البديعة الغريبة أيضا قوله
( وليلة خلت مجلسنا سماء ... وصحبي كالثريا في اجتماع )
( فبات الطرف يرعى البدر منهم ... إلى أن حل منزلة الذراع ) ومن نكته البديعة الغريبة أيضا قوله من دو بيت
( يا غصن نقا أينع بالأزهار ... يا ألطف من نسيمة الأسحار )
( ريحان عذارك الذي تيمني ... من ولده من قلم الأشعار ) ومن لطائفه قوله من دو بيت أيضا
( لما حجب الكرى عن الآماق ... وانقاد مع العدى على العشاق )
( ناديت وقد تزايدت أشواقي ... يا غصن رضيت منك بالأوراق ) ومن لطائفه الغريبة قوله فيمن يبيع السكر بالدين
( أرى من الواجب أن يصرف العطار ... بالصد وبالزجر )
( فأي تصريف وذوق لمن ... يدين السكر بالصبر ) ومن نكته الغريبة أيضا من قصيدة
( يا طالبا للكيمياء ولم ... يحصل على عين ولا أثر )
( زر لاثما عتبات ساحته ... تظفر إذا بمكرم الحجر ) وهذا المعنى تطفل عليه الشيخ جمال الدين بن نباتة وكثير من الناس بعد الوداعي

ومن لطائفه قوله
( يا عز والله العزيز الذي ... قضى على نفسي بإذلالها )
( له خطرت من نحوكم نسمة ... إلا تعرضت لتسآلها )
( ولا سرت منا إلى أرضكم ... إلا تمسكت بأذيالها ) ومن لطائف مجونه قوله
( لنا شاعر قد هذب الطبع شعره ... وأصبح عاصيه على فيه طيعا )
( إذا خمس الناس القصيد لحسنه ... يحق لشعر قاله أن يسبعا ) ومن نكته البديعة الغريبة قوله مع حسن التضمين
( وشادن مثل الضحى وجهه ... كتمت عشقي فيه خوف الرقيب )
( حتى بدا ليل عذار له ... فبحت والليل نهار الأديب ) ومن لطائفه التي تقدم بها قوله
( كلما رمت فيك إنكار حبي ... من عذول يزيد في تعنيفي )
( عرفته لام العذار غرامي ... بك واللام الة التعريف ) ومن نكته التي هي نوع من السحر قوله في مطلع قصيدة
( أعيذ ريم الترك بالروم ... والصدغ مع فيه بحم ) وما أحلى ما قال بعده ولم يخرج من مطابقة التورية
( وخده المشرق قد صح في ... عذاره المعوج تقويمي ) ومن نكته البديعة الغريبة المطربة قوله
( وأغن ساجي الطرف ذي هيف ... والواو في وأغن للقسم )

( قالت خلاخله أيمكنني ... نطق وماء الساق ملء فمي ) ومن نكته البديعة الغريبة قوله من قصيدة
( وكأن ريق النحل ريقتها ... فيها الشفاء لمهجة نحلت ) ومن لطائفه قوله
( ويوم لنا بالنيرين رقيقة ... حواشيه خال من رقيب يشينه )
( وقفنا وسلمنا على الدوح بكرة ... فردت علينا بالرؤوس غصونه ) ومن لطائفه أيضا قوله
( وذي دلال أهيف أحور ... أصبح في عقد الهوى شرطي )
( طاف على القوم بكاساته ... وقال ساقي قلت في وسطي ) ومن نكته البديعة الغريبة قوله
( رو بمصر وبسكانها ... شوقي وجدد عهدي الخالي )
( وارو لنا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسال ) ومن اختراعاته البديعة الغريبة قوله
( سقيا لكرم مدامة ... أنشت لنا النشوات ليلا )
( خلعت علينا سكرة ... بدوية كما وذيلا ) ومن نكته البديعة الغريبة قوله
( رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي )
( وما في ذاك من بدع ... سهام الليل لا تخطي )

أخذه الشيخ جمال الدين بالقافية وقال
( وأغيد كل شيء فيه يعجبني ... كأنما هو مخلوق على شرطي )
( أجفانه الود ما تخطي إذا رشقت ... سهامها وسهام الليل لا تخطي ) ويعجبني من نكته الغريبة قوله من قصيدة
( أهل نجد هل تنجدون محبا ... صاده بالغوير ظبي ملول )
( كم دماء مطلولة في هواه ... وبها روض خده مطلول )
( وحديث عن السقام صحيح ... قد رواه عن طرفه مكحول ) وقال وقد عينه الوزير لرحبة مالك بن طوق
( حاشاك أن تختار لي رحبة ... لست إليها الدهر بالسالك )
( لأنها نار تلظى أما ... ترونها تعزى إلى مالك ) ومن نكته التي ما حام فكر غيره عليها قوله
( وفي أسانيد الأراك حافظ ... للعهد يروي صبره عن علقمه )
( وكلما ناحت به حمامة ... روى حديث دمعه عن عكرمه ) التورية في علقمة وفي عكرمة أيضا فإنه اسم للحمامة
ومثله في الغرابة أيضا قوله وقد توجه من دمشق إلى البلقاء لزيارة صاحب له يلقب بالشمس فلما وصل إلى البلقاء وجده قد توجه إلى حسبان فكتب إليه
( أتيت إلى البلقاء أبغي لقاءكم ... فلم أركم فازداد شوقي وأشجاني )
( فقالت لي الأقوام من أنت قاصد ... لرؤياه قلت الشمس قالوا بحسبان )
انتهى ما أوردته من ترجمة الشيخ علاء الدين الوداعي ومن غرائب نكته البديعة في باب التورية وأبدت سمو رتبته بتطفل مثل الشيخ جمال الدين بن نباتة على موائد

بدائعه وغرائبه ولكن أقول إن الجزاء من جنس العمل فكما أغار الشيخ جمال الدين على الوداعي ودخل إلى بيوته وابتذل حجاب بنات فكره قيض الله له الشيخ صلاح الدين الصفدي فإن الشيخ جمال الدين رحمه الله كان يخترع المعنى الذي لم يسبق إليه ويسكنه بيتا من أبياته العامرة بالمحاسن فيأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي بلفظه ولم يغير فيه غير البحر وربما عام به في بحر طويل يفتقر فيه إلى كثرة الحشو واستعمال ما لا يلائم فلم يصبر الشيخ جمال الدين على ذلك وصنف كتابا ألفه من نظمه ونظم الشيخ صلاح الدين الصفدي وسماه خبز الشعير يعني أنه مأكول مذموم واستهل خطبته بقوله تعالى ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ) ورتب كتابه المذكور على قوله قلت أنا فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال وكنت أوردت من خبز الشعير نبذة في أوائل هذا الكتاب ولكن لم يرض باب التورية إلا بإيراده هنا كاملا لأنه حق من حقوقها فمن ذلك قول الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت
( ومولع بفخاخ ... يمدها وشباك )
( قالت لي العين ماذا ... يصيد قلت كراك ( ي ) ) فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( أغار على سرح الكرى عندما رمى ... الكراكي غزال للبدور يحاكي )
( فقلت ارجعي يا عين عن ورد حسنه ... ألم تنظريه كيف صاد كراك ( ي ) ) قال الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت
( أسعد بها يا قمري برزة ... سعيدة الطالع والغارب )
( صرعت طيرا وسكنت الحشا ... فما تعديت عن الواجب ) فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( قلت له والطير من فوقه ... يصرعه بالبندق الصائب )
( سكنت قلبي فحركته ... فقال لم أخرج عن الواجب )

وقال الشيخ جمال الدين قلت
( وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنه نشوان من شفتيه )
( شغف العذار بخده وراه قد ... نعست لواحظه فدب عليه )
أخذه الشيخ الصلاح الصفدي وقال
( وأهيف كالغصن الرطيب إذا انثنى ... تميل حمامات الأراك إليه )
( له عارض لما رأى الطرف ناعسا ... أتى خده سرا فدب عليه ) قال الشيخ جمال الدين قلت
( يا غادرا بي ولم أغدر بصحبته ... وكان مني مكان السمع والبصر )
( قد كنت من قلبك القاسي أخال جفا ... فجاء ما خلته نقشا على حجر ) فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( ما زلت أشكو حين وفر في الضنى ... قسمي وأسلمني إلى البلوى وفر )
( حتى تأثر من شكاية لوعتي ... لي قلبه فرأيت نقشا في حجر ) وأحسن ما وقع في هذا الباب للشيخ جمال الدين بن نباتة أنه قال
( بروحي عاطر الأنفاس ألمى ... مليء الحسن حالي الوجنتين )
( له خالان في دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين ) فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( بروحي خده المحمر أضحت ... عليه شامة شرط المحبه )
( كأن الحسن يعشقه قديما ... فنقطه بدينار وحبه )

فلما وقف الشيخ جمال الدين على هذين البيتين قال لا إله إلا الله سرق الشيخ صلاح الدين كما يقال من الحبتين حبه قال الشيخ جمال الدين قلت
( يا عاذلي شمس النهار جميلة ... وجمال فاتنتي ألذ وأزين )
( فانظر إلى حسنيهما متأملا ... وادفع ملامك بالتي هي أحسن ) فأخذه الشيخ صلاح الدين مع البحر بل أخذ الكل مع القافية وقال
( بأبي فتاة من كمال صفاتها ... وجمال بهجتها تحار الأعين )
( كم قد دفعت عواذلي من وجهها ... لما تبدى بالتي هي أحسن )
وهذان البيتان تقدم القول أنهما بنصهما للقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ولكن رأيت العز الموصلي نسبهما في تذكرته للصلاح الصفدي من جملة خبر الشعير والله أعلم
قال الشيخ جمال الدين قلت
( فديتك أيها الرامي بقوس ... وطرف يا ضنى جسدي عليه )
( لقوسك نحو حاجبك انجذاب ... وشبه الشيء منجذب إليه ) فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( تشرط من أحب فذبت وجدا ... فقال وقد رأى جزعي عليه )
( عقيق دمي جرى فأصاب خدي ... وشبه الشيء منجذب إليه )
قلت أظن أن الشيخ صلاح الدين لما سمع قول الشيخ جمال الدين ونظم هذين البيتين ما كان في حيز الاعتدال وأين انجذاب القوس إلى الحاجب من انجذاب الدم إلى الخد وليته ما تلفظ بالانجذاب بل قال عقيق دمي فأصاب خدي قال الشيخ جمال الدين قلت أنا
( يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجا ... ودار وقتك من حين إلى حين )
( ولا تعاند إذا أصبحت في كدر ... فإنما أنت من ماء ومن طين )

أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( دع الأخوان إن لم تلق منهم ... صفاء واستعن واستغن بالله )
( أليس المرء من ماء وطين ... وأي صفا لهاتيك الجبله ) قال الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت
( أحاول صبرا عن هوى قد كتمته ... فلا أجد الصبر المحاول يعذب )
( وألقى به ثوب المشيب مطيعا ... فأغسله بالدمع والطبع أغلب ) فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( يقول الفكر لي دنست ثوب الشباب ... وفي غداة الشيب تتعب )
( وتغسله بدمعك كل وقت ... وما ينقى لأن الطبع أغلب ) قال الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى رحمة واسعة قلت
( أسفت لشاشي الذي قد مضى ... وفاز به سارق حاشه )
( ووالله ما بي مما جرى ... سوى قولهم صفعوا شاشه ) فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( قد سرق الشاش بليل وما ... قدره الله فما يندفع )
( الحمد لله الذي لم يكن ... شاشي على رأسي لما صفع ) قال الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت أنا
( أشكو إلى الله ما أكابد من ... دمامل مسني بها الضر )
( فالليل عندي من حالها سنة ... فما لليلي ولا لها فجر ) فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( أشكو إلى الله من أمور ... تمر عيشي لما تمر )

( ودمل مع دوام ليل ... ما لهما ما حييت فجر ) ونظم الشيخ جمال الدين هذا المعنى أيضا في أبيات معناها الوعظ يعجبني إلى الغاية وهي
( لا تخش من هم كغيم عارض ... فلسوف يسفر عن إضاءة بدره )
( إن تمس عن عباس حالك راويا ... فكأنني بك راويا عن بشره )
( ولقد تمر الحادثات على الفتى ... وتزول حتى ما تمر بفكره )
( ولرب ليل في الهموم كدمل ... صابرته حتى ظفرت بفجره ) وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت أنا
( بروحي فاتر الأجفان ساج ... كأن الحسن لفظ وهو معنى )
( تفرد وهو فتان التثني ... فيا لله من فرد تثنى ) فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( وأهيف حاز قدا ... قد حار فيه المعنى )
( تراه في الحسن فردا ... لكنه يتثنى ) قال الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت أنا
( بروحي جيرة أبقوا دموعي ... وقد رحلوا بقلبي واصطباري )
( كأنا للمجاورة اقتسمنا ... فقلبي جارهم والدمع جاري ) أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( أسكنت شخصك طرفي ... حتى أواري أواري )
( فحين جاورت دمعي ... جعلت جارك جاري )

وقد تقدم أن ابن بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي أول من سبق إلى هذه النكتة
قال الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت
( سألت النقا والغصن يحكي لناظري ... روادف أو أعطاف من زاد صدها )
( فقال كثيب الرمل ما أنا حملها ... وقال قضيب البان ما أنا قدها ) أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( يقول ردف حبيبي ... وعطفه المتثني )
( ما أنت يا غصن قدي ... ولا كثيبك وزني ) قال الشيخ جمال الدين قلت أنا
( لك يا أزرق اللواحظ مرأى ... قمري أضحى على الخلق ينهى )
( يا لها من سوالف وخدود ... ليس تحت الزرقاء أحسن منها ) أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( ألبسوه عمامة للنصارى ... قد روى اللازورد في الحسن عنها )
( وجلا طلعة كبدر تمام ... ليس تحت الزرقاء أحسن منها ) قال الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت أنا
( يا مجريا دمعي وموقف لوعتي ... من جسمي المضنى على الأطلال )
( يا من إذا سألوه عن بدر الدجى ... والمسك قال أخي الشقيق وخالي )

أخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( فديت حبيبا ضرج الحسن خده ... فصب على خديه ذوب عقيق )
( إذا عاين الروض المدبج خده ... يقول لنا هذا أخي وشقيقي ) قلت الشيخ صلاح الدين ما شم لمسك الخال رائحة والله أعلم وقال الشيخ جمال الدين قلت أنا
( هيهات بين ذوي الأسى لا يستوي ... دمعي ودمعك أيها المتواجد )
( فحديث دمعي عن تلهب أضلعي ... ذاكي اللظى وحديث دمعك بارد ) فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( شكوت حتى لان بعد قسوة ... ورحت أبكي وهو لي يساعد )
( وقال ها نحن سواء في البكا ... لا يا حبيبي ما بكانا واحد )
( لا يستوي دمع حكى جمر الغضى ... إذا جرى ودمع عين بارد ) قال الشيخ جمال الدين بن نباتة قلت أنا
( هنئتم ال الشهيد بنجمكم ... وبوجه مولود لكم ما أزهره )
( من قبل ما عملت لديه عقيقة ... عملت له المدح الجواري جوهره ) فأخذه الشيخ صلاح الدين وقال
( أيا أندى الورى كفا ووجها ... وأقومهم إلى العليا طريقه )
( لقد جاءتك جوهرة المعاني ... فلا تبخل عليها بالعقيقه )

قال الشيخ جمال الدين قلت أنا
( عذول لست أسمع منه عذلا ... على هيفاء مثل البدر تما )
( له طرف ضرير عن سناها ... ولي أذن عن الفحشاء صما ) أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وغير صيغة المثل بالحشو فقال
( تعشقته مثل القضيب إذا انثنى ... بوجه حكى البدر المنير إذا تما )
( وإن كان عذالي عموا عن جماله ... فلي أذن عن كل ما نقلوا صما ) قال الشيخ جمال الدين قلت أنا
( حربي من مهفهف القد رام ... أسهم اللحظ ما أسد وأرشق )
( كلما قلت يفتح الله بالوصل ... رماني من سحر عينيه يغلق ) فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( سهام طرفك أصمت ... قلبي ولم تترفق )
( ما يفتح الجفن إلا ... ورهن قلبي يغلق ) قال الشيخ جمال الدين قلت أنا
( تأملت في الحمام تحت مازر ... روادف بيض ما سناها بغائب )
( كأني من هذي وهاتيك ناظر ... بياض العطايا في سواد المطالب ) فأخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( تبدى حبيبي في السواد فراقني ... وما راعني لما أتى بالعجائب )
( وشبهت ذاك الجيد في طوق برده ... بياض العطايا في سواد المطالب ) قال الشيخ جمال الدين قلت أنا
( لقد كنت في لذات ثغرك هائما ... ليالي لم يمنع على عاشق ثغر )
( فأما وستر دونها من شوارب ... فلا خير في اللذات من دونها ستر )

أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( ألا فاسقني من خمرة لذ طعمها ... بفيك ولا تبخل وقل لي هي الخمر )
( وحط لثاما حجب اللثم عن فمي ... فلا خير في اللذات من دونها ستر )
قلت قد أوردت هنا ما جناه الشيخ صلاح الدين الصفدي من حدائق الروض النباتي ومقابلة الشيخ جمال الدين له على ما جناه فإن نسبني أحد إلى تحامل راجعته إلى النقل وإن وافق وتعقل الرتبتين فقد اكتفى بشاهد العقل وإلا فالأقسماء الصفدية بالنسبة إلى القطر النباتي تمجها الأذواق وها أنا قد أبرزت ثمرات الدوحتين بين هذه الأوراق والشيخ صلاح الدين رحمه الله تصاغر لذلك وما كابر ووقف على باب الشيخ وقوف فقير يسأل بر الإجازة وطال وقوفه على ذلك الباب العالي إلى أن حصل له الفتوح وأجازه وها أنا أذكر سؤال هذا السائل الذي ود قبل العطاء أن يدفع بالتي هي أحسن وأشرح كرم المسؤول الذي نثر على سائله الدر جزافا علما بأن عطاء الكريم لا يوزن فسؤال الإجازة من الشيخ صلاح الدين قوله يخاطب الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمهما الله تعالى الحمد لله على نعمائه المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة رحلة أهل الأدب قبلة ذوي التحصين في التحصيل والدأب الذي تبيت شوارد المعاني صرعى تخوله للطافة تخيله وتمسي الألفاظ العذبة طوع تحوله في التركيب وتحيله فأمسى وله النسيب الذي يضحك من العباس في رقته ويقيم صريع الغواني إلى مقته بعد مقته والغزل الذي يشيب له فؤد الوليد ويسترق الحر من كلام عبيد والتشبيه الذي لو علمه ابن المعتز لما نصب الهلال فخا لصيد النجوم ولو تعاطاه حفيد جريح لقيل له ألم تسمع ( ألم غلبت الروم ) والمديح الذي لو بلغ زهيرا لقال ما أنا من هذه الحدائق أو اتصل نبؤه بالمتنبي لاشتغل عن ذكر العذيب وبارق والرثاء الذي نقص عنده أبو تمام بعد أن رفع له لواء الشرف والفخر وقال هذه عذوبة الزلال لا ما تفجر من الخنساء على صخر والترسل الذي سقى الفاضل كأس الحتوف لما شبه الغمود بالكمائم والسيوف بالأزهار وأذهله حتى صحت له القسمة في الخيل والخيال بين المراقب والمرافد فأخطأت معه في المرابع والمساجد بين الأنواء والأنوار والكتابة

التي تغدو الطروس بها وكأنها رياض محبرة أو سماء بالنجوم زاهره إن لم ترض أن تكون في الأرض رياضا مزهره
( أدب على الحصري يعلو تاجه ... وله ابن بسام بكى ألوانا )
( وترسل سبحان من قد زاده ... منه وأعطى الفاضل النقصانا )
( وكتابة لعلوها في وضعها ... ليس ابن مقلة عندها إنسانا )
( فلكم أخي فضل رأت عيناه ... في الأوراق لابن نباتة بستانا )
جمال الدين أبي عبد الله محمد ابن الشيخ الحافظ شمس الدين محمد بن نباتة جمع الله به شتات أهل الأدب في درجة هذه الدولة ولم به شعث أبنائه الذين لا صون لهم ولا صولة وأقام به عماد أبيات الشعر التي لولاها لما عرفت دارمية من أطلال خولة إجازة كاتب هذه الأحرف فسح الله له في مدته برواية المصنفات في الأحاديث النبوية والتأليفات الأدبية على اختلاف أوضاعهما وتباين أجناسهما وأنواعهما بحسب ما يؤدي ذلك إليه واتصل به من سماع أو إجازة أو وصية أو وجازة من مشايخ العلم الذين أخذ عنهم وإجازة ماله أحسن الله إليه من مقول نظما أو نثرا أو تأليفا أو وضعا إجازة خاصة وإثبات ما له من التصانيف إلى هذا التاريخ بخطه الكريم وإجازة ما لعله يقع بعد ذلك إجازة عامة على أحد القولين في المسألة فإن الرياض لا ينقطع زهرها والبحار لا ينفد درها وإثبات ما يحسن إيراده في هذه الإجازة من المقاطيع الرائقة والأبيات اللائقة وذكر نسبه ومولده ومكانه متفضلا في ذلك وكتب كتبه خليل بن أيبك عبد الله الأيبكي بالقاهرة المحروسة في مستهل شعبان المبارك سنة تسع وعشرين وسبعمائة وحسبنا الله ونعم الوكيل
وكتب الشيخ جمال الدين بن نباتة الجواب مجيبا لسؤال الشيخ صلاح الدين الصفدي رحمهما الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمدا لله الذي إذا توجه إليه ذو السؤال فاز وإذا استدعى كرمه ذو الطلب أجاب وأجاز والصلاة والسلام على سيدنا محمد كعبة القصد التي ليس بينها وبين النجح حجاز وعلى اله وصحبه حقائق الفضل والفضل من بعدهم مجاز
فلو لزم في كل الأحوال تناسب المخاطبة وكان جواب السؤال بحسب ما بينهما من شرف المناسبة لما رضي سجع الحمائم لمطارحته نوعا من الأطيار ولا قبل فصحاء الأول مراجعة الصدى من الديار ولا قنع غمز حواجب الأحبة برد القلوب الهائمة في

أودية الأفكار ولكن نقول الأكابر والأولياء تبذل من الأجوبة جهدها وتنفق ما عندها وتجرد الأماثل سيوف المنطق ولا تتعدى الاتباع من الطاعة حدها ولما كنت أيها الراقم برود هذا الاستدعاء ببنانه والمنشىء روض هذا السؤال بأثار السحب من بيانه والسائل الذي بهرت الأفكار فضائله وسحرت أرباب العقول عقائله وأقام المسؤول مقاما ليس من أهله فليتق الله سائله فريد فن الأدب الذي لا يبارى وبحره الذي لا يهدي غائص قلمه الدر إلا كبارا وذا اليد البيضاء فيه الذي طال ما انس من جانب الذهن نارا وخليله الذي اطلع على أسراره الدقيقة ورئيسه الذي لو طارح ابن المعتز وتمت ولايته لكان أمير المؤمنين على الحقيقة وناظمه الذي يسري الطائيان تحت علمه المنشور وكاتبه الذي تتبجح العيدان بالدخول تحت رقه المأثور طالما شافه منه القلم وجها وجميلا وقدرا جليلا ولا في من لا يندم على صحبته فيقول ليتني لم أتخذ فلانا خليلا فهو الغرس الذي يقصر عن أمالي وصفه الشجري ويفخر الدين والعلم بشخصه ولفظه فهذا يقول غرسي وهذا يقول ثمري كم أغنى بمفرد شخصه عن فضلاء جيل وكم بدا للسمع والبصر من بنات فكره بثينة ومن وجهه جميل وكم تنزهت الأفكار من لفظه بين اس وورد لا بين إذخر وجليل وكم دام عهده ووده حتى كاد يبطل قول الأول دليلا على أن لا يدوم خليل تود الشهب لو كانت حصباء غدير طرسه وتغار الأفق إذا طرز يراع درجه بالظلماء أردية شمسه ويتحاسد النظم والنثر على ما تنتج مقدمات منطقه من النتائج وينشد كل منهما إذا حاول القول خليل الصفا هل أنت بالدار عائج إن كتب أغضى ابن مقلة من الحسد على قذاه وحمل ابن البواب لحجبه عصا القلم قائلا ما ظلم من أشبه أباه وإن نحا النحو لباه عشرا ولانت أعطاف الحروف قسرا وتشاجرت على لفظه الأمثلة فلا غرو أن ضرب زيد عمرا يترجل كلام الفارسي بين يديه ويطير لفظ ابن عصفور حذرا من البازي المطل عليه وإن شعر هامت الشعراء بذكره في كل واد ونصبت بيوت نظمه على بقاع الشرف كما نصبت بيوت الأجواد

طالما بلدا لبيدا وولى منه شعر ابن مقبل شريدا وقالت الآداب لبحتري لفظه ألم نربك فينا وليدا وإن نثر فما الدر اليتيم إلا تحت حجره ولا الزهر النضير إلا ما ارتضع من أخلاف قطره ولا المترسلون إلا من تصرف في ولاية البلاغة تحت نهيه وأمره وإن تكلم على فنون الأدب روى الظما وجلا معاني الألفاظ كالدمى وقالت الأعاريض لابن أحمد وله خليلي هبا بارك الله فيكما
هذا وكم أثنى قديم علم الأوائل على فكره الحكيم وشهدت رواية الحديث النبوي بفضله وما أعلى من شهد بفضله الحديث والقديم
بدأتني أعزك الله من الوصف بما قل عن مكاني وكاد من الخجل يضيق صدري ولا ينطلق لساني وحملت كاهلي من المنن ما لم يستطع وضربت لذكري في الافاق نوبة خليلية لا تنقطع وسألتني مع ما عندك من المحاسن التي لها طرب من نفسها وثمر من غرسها أن أجيبك وأجيزك وأوزان بمثقال كلمي الحديد إبريزك وأقابل لسانك المطلق بلساني المحصور وأثبت استدعاءك على بيت مال نطقي المكسور فتحيرت بين أمرين أمرين ووقع ذهني السقيم بين داءين مضرين إن فعلت ما أمرت به فما أنا من أرباب هذا القدر العالي والصدر الحالي ومن أنا من أبناء مصر حتى أتقدم لهذا الملك العزيز وكيف أطالب مع إقتار علمي بأن أمدح وأجيز وإني لمقيد خطوي هذه الوثبات وأنى يماثل قوة هذا الغرس ضعف هذا النبات
وإن منعت فقد أسأت الأدب والمطلوب حسن الأدب مني وأهملت الطاعة التي أقرع بعدها برمح القلم سني وفاتني شرف الذكر الذي امتلأ به حوض الأفق وقال قطني ثم ترجح عندي أن أجيب السؤال وأقابل بالامتثال صابرا على تهكم سائلي معظما قدري كما قيل بتعاقلي منقادا إلى جنة استدعائك من السطور بسلاسلي وأجزت لك أن تروي عني ما تجوز لي روايته من مسموع ومأثور ومنظوم ومنثور وإجازة ومناولة ونقل وتصنيف وتنضيد وتفويف وماض ومتردد وآت على رأي بعض الرواة ومتجدد وجميع ما تضمنه استدعاؤك فاجمع ما يكون من لفظه المتبدد كاتبا لك بذلك خطي مشترطا عليك الشرط المعتبر فليكن قبولك يا عربي البيان جواب شرطي ذاكرا من لمع خبري ما أبطأت بذكره وأرجو أن أبطىء ولا أخطي

فأما مولدي فبمصر المحروسة في ربيع الأول سنة ست وثمانين وستمائة بمنزلنا بزقاق القناديل وأما شيوخ الحديث الذين رويت عنهم سماعا وحضورا فمن أقدمهم الشيخ شهاب الدين أبو الهيجاء غازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب المعروف بالرادف والشيخ عز الدين أبو نصر عبد العزيز بن أبي الفرج الحصري البغدادي والشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي محمد إسحق الأبرقوهي وأما ذوو الإجازة في مصر وغيرها من الأمصار فكثير وأما الفضلاء والأدباء الذين رويت عنهم ورأيت منهم فمنهم القاضي الفاضل محيي الدين أبو محمد عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان الكاتب المصري والشيخ الإمام بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس الحلبي النحوي والأمير الفاضل شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الصاحب شرف الدين بن إسماعيل بن المتنبي اقترح علي أن أنظم له في زيادة النيل فقلت
( زادت أصابع نيلنا ... وطمت فأكمدت الأعادي )
( وأتت بكل جميلة ... ما ذي أصابع ذي أيادي )
والشيخ العالم علم الدين قيس بن سلطان المصري من أهل منية ابن خصيب قرأت عليه كثيرا من الكتب الأدبية وكان كثيرا ما يستنشدني إلى أن أنشدته قولي
( يا غائبين تعللنا لغيبتهم ... بطيب عيش ولا والله لم يطب )
( ذكرت والكأس في كفي لياليكم ... فالكأس في راحة والقلب في تعب )
فقال أتعب والله جزعك القدح والشيخ العالم شهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بابن المفسر أنشدني لنفسه
( لا أرى لي في حياتي راحة ... ذهبت لذة عيشي بالكبر )
( بقي الموت لمثلي سترة ... يا إلهي أنت أولى من ستر ) فأنشدته لي
( بقلت وجنة المليح وقد ولى ... زمان الصبا الذي كنت أملك )
( يا عذار الحبيب دعني فإني ... لست في ذا الزمان من خل بقلك )

والشيخ الأديب الفاضل سراج الدين عمر الوراق المصري سمعته ينشد لنفسه
( واخجلتي وصحائفي مسودة ... وصحائف الأبرار في إشراق )
( وتوقفي لموبخ لي قائل ... أكذا تكون صحائف الوراق ) والأديب الفاضل نصير الدين المناوي الحمامي أنشدني لنفسه
( أحب من الدنيا إلي وما حوت ... غزال تبدى لي بكأس رحيق )
( وقد شهدت لي سنة اللهو أنني ... أحب من الصهباء كل عتيق ) فأنشدته لي
( إني إذا انست هما طارقا ... عجلت باللذات قطع طريقه )
( ودعوت ألفاظ المليح وكأسه ... فنعمت بين حديثه وعتيقه )
وجماعة يطول ذكرهم ويعز علي أن لا يحضرني الآن شعرهم
وأما مصنفاتي التي هي كالياسمين لا تساوي جمعها ولولا الخزائن الشريفة السلطانية الملكية المؤيدية تجبرها ما استخرت نصبها ورفعها فهي كتاب مجمع الفرائد القطر النباتي سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون منتخب الهدية من المدائح المؤيدية الفاضل من إنشاء الفاضل زهر المنثور أبرار الأخبار شعائر البيت التقوى لم تكمل إلى الان الأرجوزة المسماة فرائد السلوك في مصائد الملوك
أجزت لك أعزك الله روايتها عني ورواية ما أدونه وأجمعه بعد ذلك حسبما اقترحه استدعاؤك ونمقه ونسخه وحققه وتضمنه سؤالك الذي تصدقت به فمنك السؤال ومنك الصدقة والله تعالى يشكر عهدك الجميل وكلماتك الجزلة وكرمك الجزيل ويمتع بك فنون الفضائل الملتجئة إلى ظل قلمك الظليل ولا يعدم الأحباب والاداب من اسمك وسميك خير صاحب وخليل
قال ذلك وكتبه محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن أبي الحسن بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر بن محمد بن الخطيب بن يحيى بن عبد الرحيم بن نباتة الفارقي الحذاقي ثم المصري عفا الله عنه
انتهى ما أوردته من استدعاء الشيخ صلاح الدين وسؤاله وجواب الشيخ جمال

الدين وإجازته بعد أن علمت دقائق الدرجتين في النظم والنثر واتضح الفرق بينهما وثبت أن الشيخ جمال الدين بن نباتة سقى الله نباته ورعاه ومتع أهل الذوق السليم بحلاوة ذلك النبات وجناه فإنه وإن تأخر في السبق عن فحول المتقدمين عصرا فقد تقدم عليهم ببديعه وغريبه بيانا وسحرا وتفقه في الطريق الفاضلية لمذاهب ما سلكها المتقدمون وها نحن نستجدي من حواصلها نظما ونثرا وكم سأله عالم في سلوك هذه الطريقة فقال له إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا
وإن قيل إن الفاضل أجل من تمذهب بهذا المذهب فمذهبي وأنا أستغفر الله أنه وصل فيه إلى درجة الاجتهاد وهذا القول يقول به من رفع الخلاف وتأدب فإن هذه الطريقة ما أمها ناظم ولا ناثر في الأيام الأمويه ولا ابتسمت لهم ثغورها في الخلافة العباسية ولما انتهت الغاية إلى الفاضل أتى بهذه الفضيلة الغريبة وأظهر منها الزيادة المستفادة واعتادت بلغاء المتأخرين بها بعد ما شهدوا بسبقه فأكرم بها عادة وشهاده ولما اتصلت بالشيخ جمال الدين بن نباتة أهل غربتها وشرف بأصل شجرته النباتية نسبتها وأسكن في أبياته من بديع النظم كل قرينة صالحة وأمست سواجع إنشائها على فروعه النباتية صادحه وقد عن لي أن أورد نبذة من مفرداته التي حصل الإجماع في الغرابة عليها وأشار المصنف بقوله إليها
( أصغ لما قال أخو وقته ... وخل عنك اليوم ما قيلا )
( واسمع مقاطيعا له أطربت ... ولا تقل إلا مواصيلا ) فمن ذلك قوله
( حملت خاتم فيه فصا أزرقا ... من كثرة اللثم الذي لم أحصه )
( لولاه ما علم الرقيب فيا له ... من خاتم نقل الحديث بفصه ) ومنه قوله
( لله خال على خد الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبث )
( ورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عهدي أن الخال لا يرث )

ومنه قوله
( وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى )
( أجل نظرا في حاجييه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى ) وقوله
( بروحي مشروط على الخد أسمر ... دناو وفي بعد التجنب والسخط )
( وقال على اللثم اشترطنا فلا تزد ... فقبلته ألفا على ذلك الشرط ) وقوله
( واحربا من هوى رشيق ... معتدل كالقضيب مائل )
( عذاره لا يجيب دمعي ... وسائل لا يجيب سائل ) ومن نكته البديعة في هذا الباب قوله
( وضعت سلاح الصبر عنه فما له ... يقاتل بالألحاظ من لا يقاتله )
( وسال عذار فوق خديه جائر ... على مهجتي فليتق الله سائله ) ومن السرقات الفاحشة قول ابن الوردي غفر الله له
( تعجبت من نهديه لو أن لامسا ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله )
( وسال عذار لو نحا نفس صبه ... لجاد بها فليتق الله سائله ) ومنه قوله
( لا تخف عيلة ولا تخش فقرا ... يا كثير المحاسن المختاله )
( لك عين وقامة في البرايا ... تلك غزالة وذي قتاله ) ومنه قوله
( قبلته عند النوى فتمررت ... تلك الحلاوة بالتفرق والجوى )
( ولثمته عند القدوم فحبذا ... رطب الشفاه السكري بلا نوى )

وقوله
( أفديه لدن القوام منعطفا ... يسل من مقلتيه سيفين )
( وهبت قلبي له فقال عسى ... نومك أيضا فقلت من عيني ) ومنه قوله
( يا رب لص ناهب سالب ... وهو من الحسن مليء غني )
( يرنو إلى سرب الظبى لحظة ... فيسرق الكحل من الأعين ) ومنه قوله
( مبقل الخد أدار الطلا ... فقال لي في حبها عاتبي )
( عن أحمر المشروب ما تنتهي ... قلت ولا عن أخضر الشارب ) ومنه قوله
( كم قلت باللثم وبرد اللمى ... إيه برغم العاذل الحاسد )
( رو صدى قلبي ودع عاذلي ... في الحب يغتاط على البارد ) ومنه قوله
( بروحي معسول اللمى متحجب ... إذا لم يزر لم يهن عيش ولا إذا )
( وإن ذقت منا من حلاوة ريقه ... أتانا رقيب يتبع المن بالأذى ) ومنه قوله
( يا كعبة الحسن الممنع لا تطل ... بيني وبينك للجفاء حجاز )
( حاشى لها من قامة ألفية ... يثني لقاها كاشح هماز )

ومنه قوله
( يا واصف الخيل بالكميت وبالنهد ... أرحني من طول وسواسي )
( لا نهد إلا من صدر غانية ... ولا كميت إلا من الكاس ) ومن هنا أخذ الصاحب فخر الدين بن مكانس وقال
( وإن ذكرت الخيل في الميدان ... فاشرب كميتا واعل فوق نهد ) ومنه قوله
( قلت ولي في هوى حبيبي ... قلب رقيق عليه يدهش )
( بالجفن والصدغ يا عنائي ... هذا سقيم وذا مشوش ) ومنه قوله
( نقطة خال في وجنة جعلا ... في اللهو لي بعد نوبتي غبطه )
( فيا لها وجنة معشقة ... صرت عليها أقول بالنقطه ) ومنه قوله
( إذا سألوني عن هوى قد كتمته ... سكت أراعي واشيا ورقيبا )
( وجاوب عني سائل من مدامعي ... فلله دمعي سائلا ومجيبا ) ومن اختراعاته الغريبة مع بديع التضمين قوله
( لما رأيت نهودها قد أقبلت ... ورأت لقلبي عشقه يتجدد )
( قالت وقد رأت اصفراري من به ... وتنهدت فأجبتها المتنهد ) ومنه قوله
( وتاجر قلت له إذ رنا ... رفقا بقلب صبره خاسر )
( ومقلة تنهب طيب الكرى ... منها على عينك يا تاجر )

وهذه النكتة زاحمه فيها الشيخ زين الدين بن الوردي وزنا وقافية ومعنى وقال
( وتاجر شاهدت عشاقه ... والحرب فيما بينهم دائر )
( قال علام اقتتلوا هكذا ... قلت على عينك يا تاجر )
واتصلت بالشيخ شمس الدين الرئيس الدمشقي العصري الشهير بالمزين فاستعملها أحسن من الشيخ زين الدين بن الوردي وزاد المثل قوة وإيضاحا بقوله
( وتاجر أسكرني طرفه ... والكاس فيما بيننا دائر )
( وقال لي سرك قلت اسقني ... جهرا على عينك يا تاجر ) ومنه قوله
( أفنى جفاكم كثير دمعي ... لكن بقي في القليل نشطه )
( وكنت أروي عن ابن بحر ... فصرت أروي عن ابن نقطه ) ومنه قوله وتلطف كثيرا
( خف خصر الحبيب ثم ابتلاني ... بعذول يزيدني تعنيفا )
( ليت لو كان في الملامة مثلي ... في هوى الخصر يؤثر التخفيفا ) ومنه قوله
( وكنت أظن العشق يترك مهجتي ... إذا زاحم الشيب الشباب بمفرقي )
( فلما بدا مع أسود الشعر أبيض ... أتى العشق يغزوني على ألف أبلق ) ومنه قوله
( يا حبذا خد الحبيب ... وقد أضاء شريقه )
( إن لم يكن في الحسن نفس ... الروض فهو شقيقه ) أخذه الشيخ صلاح الدين الصفدي وقال
( فديت حبيبا ضرج الحسن وجهه ... وصب على خديه ذوب عقيق )
( إذا أبصر الروض المديح خده ... يقول لنا هذا أخي وشقيقي )

ومنه قوله
( يا حبذا يومي بوادي جلق ... وفرحتي مع الغزال الحالي )
( من أول الجبهة قد قبلته ... مرتشفا لاخر الخلخال ) ومنه قوله
( اها لحاذق ذهن ... يقول في الحب من لي )
( قال العذار لحذقي ... ما أنت من خل بقلي ) ومنه قوله مع التضمين للمثل
( في الناس من يشتاق للمرد ولا ... يزال في هجر وشوق يبطنه )
( واخر شاخوا وما يتركهم ... ذا يشتهي التين وذا يقطنه ) ومنه قوله
( يا من يقول البدر أو شمس الضحى ... كمعدني لا كيد للقمرين )
( أبوجه ذاك ووجه تلك تقيسه ... قسما لقد أخطأت من وجهين ) ومنه قوله
( نسبوه حسنا للهلال وعينه ... للظبي تنسب لا رميت ببينه )
( فإذا بدا فإلى هلال أصله ... وإذا رنا فهو الغزال بعينه ) ومثله ومن خطه نقلت
( يرنوا ويشرق حسنه ... في ناظري ولهانه )
( فهو الغزالة والغزال ... بعينه وعيانه )

وضاقت عين الشيخ صلاح الدين الصفدي عن هذه النكتة فأخذها بعينها وقال
( بسهم أجفانه رماني ... وذبت من صده وبينه )
( إن مت ما لي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه ) ومنه قوله
( دعوني في حلي من العيش مائسا ... ومرتقبا بعده عفو راحم )
( أمد إلى ذات الأساور مقلتي ... واسأل للأعمال حسن الخواتم ) ومنه قوله
( لما تبدي في الحنين ... تحاربت كبدي وعيني )
( فاعجب لها من وقعة ... جاءت ببدر في حنين ) ومن هنا أخذ الشيخ برهان الدين القيراطي فقال
( بدت روادف حبي ... تحت الحنين بعين )
( فقلت يا بدر هذي ... حقا جبال حنين ) ومن لطائف الشيخ جمال الدين قوله
( دعوا شبيه الغزال يرمي ... في مهجتي بالنفار جمرا )
( تالله لا فاتني لقاه ... وعين كيسي عليه حمرا ) ومنه قوله
( بأبي نائم على الطرق راحت ... في هواه وليس يعلم روحي )
( فاتح في الكرى فما سكريا ... يا له من مسكر مفتوح ) ومنه قوله
( ملأت إنسان عيني عسجدا ... من خدود قد ملاها الحسن صبغا )

( قلت والردف أريني فانثنت ... ثم قالت هكذا الإنسان يطغى ) ومنه قوله
( ومن الشقا أن الجفا وتشوقي ... لا ينتهي هذا وذاك إلى طرف )
( ما مال غصن قوامه عن فكرتي ... يوما ولا دينار وجنته انصرف ) ومنه قوله
( سلت مهجة قد كان صدعها الأسى ... فلا آخذ الله الأسى بصدوعها )
( وعين على حالي بعاد وجفوة ... عفا الله عما قد جرى من دموعها ) ومن لطائفه قوله
( من الترك أثني سلوتي مع أنها ... صواب وأفتي فيه وهو من الخطا )
( أما والهوى لا حلت عن عطف أغيد ... ولا بت في رمان صدر مفرطا ) ومن نكته البديعة في المدائح قوله
( لنا ملك قد قاسمتنا هباته ... فنثر العطا منه ونظم الثنا منا )
( يذكرنا أخبار معن بجوده ... فننشي له لفظا وينشي لنا معنى ) وقال في صدر مطالعه
( خذ من عبيدك مقتضى نياتها ... في الحمد واعذر مقتضى أقوالها )
( قسما لو اسطاعت إليك جسومهم ... بعثت دروج الحمد من أوصالها ) وقوله
( لا عد منا لابن الأثير يراعا ... جاريا للعفاة بالأرزاق )
( كما ماس في المهارق كالغصن ... رأيت الندى على الأوراق )

وقوله في كمال الدين بن الزملكاني
( يفديه قوم تشبهوا حسدا ... به وليسوا له بأشباه )
( إن نطقوا بالجميل أو فعلوا ... فللريا والكمال لله ) ومنه قوله
( لعمري لقد أفحمت بالفضل منطقي ... وقد كنت ذا نطق وفضل بيان )
( وحركت ميزاني فأثنى لسانه ... فلا زلت مشكورا بكل لسان ) وقال وقد كتب إليه الملك المؤيد صاحب حماة
( فديتك من ملك يكاتب عبده ... بأحرفه اللاتي حكتها الكواكب )
( ملكت بها رقي وانحلني الأسى ... فها أنا ذا عبد رقيق مكاتب ) وقال يهنىء القاضي جمال الدين وقد عاد من غزوة سيس
( بقيت مدى الدنيا جمالا لدولة ... لها منك شهم في اللقا ورئيس )
( يسوق لها عند الفتوح جنائبا ... وأول هاتيك الجنائب سيس ) ومنه قوله في جواد
( وأدهم اللون حندسي ... في جريه للورى عجائب )
( يقصر سعي الرياح عنه ... فكلها خلفه جنائب ) ومنه قوله وقد كتب بها إلى الصاحب شرف الدين يعقوب ( قالت العليا لمن حاولها ... سبق الصاحب واحتل ذراها )
( فدعوا كسب المعالي إنها ... حاجة في نفس يعقوب قضاها )

ومنه قوله
( قصدت معاليك أرجو الندى ... وأزجي من العسر داء دفينا )
( فما كان بيني وبين اليسار ... سوى أن مددت إليك اليمينا ) وقوله يهنىء محتسبا
( تهنأ بها حسبة أدركت ... بأيام فضلك ما ترتقب )
( فإنك من أسرة تصطفي ... وترزق من حيث لا تحتسب ) ومنه قوله يهنىء بعيد النحر
( تهنأ بعيد النحر وابق ممتعا ... بأمثاله سامي العلا نافذ الأمر )
( تقلدنا فيه قلائد أنعم ... وأحسن ما تبدو القلائد في النحر ) وقوله
( كذا أبدا يا أرفع الناس همة ... غوادي الندى من راحتيك غزار )
( أقدم أطراسا وتمنح أنعما ... فمني أوراق ومنك ثمار ) ومنه قوله وكتب بها إلى القاضي بهاء الدين بن أبي البقاء على يد طالب شفاعة
( أرسلته لك واثقا بمكارم ... أورثتها عن سادة أنجاب )
( لا غرو أن أعربت عن أحسابهم ... فأبو البقاء أحق بالإعراب ) ومنه قوله وكتب بها إلى القاضي شمس الدين البهنسي
( يا رب أمدد بالغنى يد سيد ... في يومه يهب الجزيل وفي غده )
( فالبحر يسعى خادما في بابه ... والسحب جارية تصب على يده ) ومنه قوله وكتب بها إليه
( علي ديون من ثنا لم أقم بها ... فيا عجبا في ازديادي من الفضل )
( وأعجب من ذا أنك الشمس أشرقت ... وها أنا منها حيثما كنت في ظل )

ومنه قوله وقد أرسل إليه شرف الدين خالد القيسراني هدية جليلة في وقتها
( لك الله ما أزكى وأشرف همة ... وأحمد صنعا حيث تبلى المحامد )
( فأنت الذي قرت برؤيته العلا ... وهنئت الدنيا بأنك خالد )
قال وقد وصلت إليه هدية على يد الكمال
( قبضت من الكمال نداه عفوا ... بريئا من سؤال أو مطال )
( فيا لله من عادات بر ... أتتني بالتمام وبالكمال ) وكتب إلى الصاحب تقي الدين بن هلال
( هنئت ما أوتيته من رتبته ... حملتك في العينين من إجلالها )
( في مقلة الإنسان نمت فقل لنا ... أنت ابن مقلتها أم ابن هلالها ) وقوله
( فديناك يا ابن المحسنين مجودا ... بأقلامه أو جائدا بمكارمه )
( فحاتم عند الجود في بطن كفه ... وياقوت عند الخط في فص خاتمه ) وقوله يهنىء بالعيد
( تهن بعوده عيدا سعيدا ... وعش ما شئت يا كهف البرايا )
( نحرت به جميع عداك فانحر ... قرونا اخرين من الضحايا ) ومنه قوله
( قف بباب العلا وقل يا كتابي ... عن لساني قول الخويدم حقا )
( أنا عبد مكاتب غير أني ... لست أبغي من مالك الرق عتقا )

وقال وقد أنعم عليه بنصيفة
( سور الذكر سهلت ... لي نصيفة علت )
( فبياسين عوذت ... وبحاميم فصلت ) وتلطف بكتابته إلى من أنعم عليه بالنصيفة بقوله
( يا سيدي نصيفتي قد فصلت ... وعجزت لما غبت عن تبطينها )
( ما حلت فيها عن ندى نعما يديك ... ولا اتخذت بطانة من دونها ) وكتب إلى القاضي شمس الدين البهنسي
( شكر الله أياديك التي ... أنعشت حالي بشمس الهبات )
( أنت بالمعروف قد أحييته ... وكذا الشمس حياة للنبات ) وقال يهنىء قادما من الحجاز
( قالوا سررت زائدا بقادم ... حج شهابا ثم عاد بدرا )
( تقصد منه ماله أو جاهه ... قلت نعم كلاهما وتمرا ) وكتب إلى من أهدى إليه تمرا رديئا غالبه نوى
( أرسلت تمرا بل نوى فقبلته ... بيد الوداد فما عليك عتاب )
( وإذا تباعدت الجسوم فودنا ... باق ونحن على النوى أحباب ) ومنه قوله
( قال فتح الدين إذ حدثنا ... يتلافى قصة تفضي لمنحى )
( كيف أثمار حديثي عندكم ... قلت فصي أولا فهو فتحي ) وقال يهنىء ولد الأمير ناصر الدين بن فضل الله العمري بإمرة عشرة

( هنئتها إمرة مجددة ... يا ابن السراة الأكابر البرره )
( أقسم من ذا وذا بأنكم ... وجدتم من أكابر العشره ) ومن لطائفه في هذا الباب قوله
( والله ما عجبي لقدرك إنه ... قدر على باغي مداه بعيد )
( إلا لكونك لست تشكو وحشة ... في هذه الدنيا وأنت وحيد )
وكتب على شرح مختصر ابن الحاجب لشمس الدين الأصفهاني
( أخا العلم إن الشمس باد ضياؤها ... فسر بسناها حيثما أنت سائر )
( وخل فتى شيراز عنك فإنما ... هو القطب قد دارت عليه الدوائر ) ومن لطائفه قوله
( وصلت إلى باب المعز وظله ... وفارقت ذلي إذ وصلت إلى العز )
( وأصبحت من جند المحامد والثنا ... ولا بد للجندي من طلب الخبز ) وقوله في الجامع الأموي بدمشق
( أرى الحسن مجموعا بجامع جلق ... وفي صدره معنى الملاحة مشروح )
( فإن يتغالى بالجوامع معشر ... فقل لهم باب الزيادة مفتوح ) ومن مداعباته ومجونه وإعراضه ونكته اللطيفة في باب التورية قوله
( يا أير لا تركن لعلق ولا ... تثق به واتركه مع نفسه )
( ولا ترج الود ممن يرى ... إنك محتاج إلى فلسه ) ومن مداعباته اللطيفة مع الشيخ بدر الدين حسن الزغاري مضمنا قوله
( يا غائبا عن مجلس قد شاتمت ... ندماه واشتعلت عليه الأكؤس )
( نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستب بعدك يا كليب المجلس )

ومنه قوله في مليح اسمه إلياس
( أفدي مليحا في البرايا لم أزل ... طول الزمان عليه في وسواس )
( قالوا أتقطعه كثيرا قلت من ... راحات قلب المرء قطع إلياس ) وقوله
( لهفي على فرسي الذي ... أضحى قريح المقلتين )
( يكبو وأملك رقه ... فمعثر في الحالتين ) ومنه قوله
( سافرت للساحل مستبعضا ... قصدا وحمدا حسن الجملة )
( فيا له من متجر رابح ... ما نفقت فيه سوى بغلتي ) وقوله
( ميزاني العاطل المحلى ... قال له الفقر قف مكانك )
( لا تذكر المال عند هذا ... ولا تحرك به لسانك ) ومنه قوله يداعب صديقا له يروم ولاية القضاء
( رب إن ابن عامر هائم الفكر ... معنى في صبحه والمساء )
( يتمنى القضا فلا تعطينه ... واجعل الموت سابقا للقضاء ) ومثله قوله
( لقد أصبحت في حال ... يرق لمثلها الحجر )
( مشيب وافتقار يد ... فلا عين ولا أثر )

ومنه قوله يداعب بعض أصحابه
( بفلان في الديوان صورة حاضر ... وكأنه من جملة الغياب )
( لم يدر ما محزومه وجريده ... سبحان رازقه بغير حساب ) ومن لطائفه قول يهنىء شارب دواء
( أمط بالدواء ثياب الأذى ... وطب بالرواح به والغدو )
( وكرر أحاديث بيت الخلا ... ولكن على رغم أنف العدو ) وكتب إلى صفي الدين الحلي مداعبا له
( أوقعني ودي مع هاجر ... يبخل بالدرج وبالوصل )
( والله لا غررت من بعدها ... ولا جعلت الود في حل ) ومنه قوله
( وقالوا أحاطت ذقنه بخدوده ... ووجدك لا ينفك يذكر حسنه )
( فقلت نعم ضيفي بقلبي نازل ... أعظم مثواه وأكرم ذقنه ) وقوله
( رب مليح حسن صوته ... قالوا وقد أصبح ذا ذقن )
( لحيته قد قطعت حلقه ... قلت من الأذن إلى الأذن ) وكتب وقد أهدى إليه بعض أصحابه ديوكا
( وصلتنا ديوك برك تزهو ... بوجوه جميلة مستجاده )
( كل عرف يروق حسنا وإني ... أرتجي أن تكون عرفا وعاده )

وكتب إليه في المعنى
( قل للرئيس جمال الدين لا برحت ... هباته ذات تأسيس وإيناس )
( واصل رجاي بعرف الديك مقتبلا ... لن يذهب العرف بين الله والناس ) ومن لطائفه في هذا الباب قوله
( لقد عدناكم لما ضعفتم ... فلا والله ما وافيتمونا )
( أقيموا في ضناكم أو أفيقوا ... فإن عدنا فإنا ظالمونا ) ومنه قوله وقد صرف عن مباشرته
( أيا ابن نباتة جار الزمان ... وزلت وزالت قوى همتك )
( وقد كنت ذا خدم وانقضت ... فلا أحوش الله من خدمتك ) ومن نكته اللطيفة قوله في هذا الباب
( أحمد الله كم أجود في الخلق ... مقالا وما يفيد المقال )
( كلمي في الأنام سحر ولكن ... أنا والسحر باطل بطال ) وقوله
( لقد أصبحت ذا عمر عجيب ... أقضي فيه بالإنكاد وقتي )
( من الأولاد خمس حول أم ... فوا حرباه من خمس وست ) ومن لطائفه قوله
( قد لقبوا الراح بالعجوز وما ... تخرج ألقابهم عن العادة )
( ألانت الغادة التي امتنعت ... فصح أن العجوز قواده ) وقال يداعب كبير الأنف
( أقبل عند القوم يسألني ... من أي أرضيك نلت إيثارا )
( قلت من النيك ما رأى بصري ... خيرا ولكن رأيت منقارا )

ومن لطائف مجونه
( أرى أيري تكبر في جلوسي ... وفي عمر وأعطى اللؤم قومه )
( فأمسى لا يقوم لزائريه ... وإن زار العزيز فنصف قومه ) وقال في صديق باع مملوكا وتزوج امرأة جميلة
( لي صاحب ترك المليح وعاد في ... حب المليحة من ذوي الأقدار )
( قد كان عبد الأشهب المنسوب في ... حسن فأضحى وهو عبد الدار ) ومن لطائفه قوله في هذا الباب
( لقد أضحت سعاد تعاف أيري ... وتحوجها الضرورة أن تجامل )
( فتمعكه بلا قلب لديها ... وتأخذه بأطراف الأنامل ) ومنه قوله مع التضمين المخترع وهو
( دنوت إليها وهو كالفرخ راقد ... فيا خجلتي لما دنوت وإدلالي )
( وقلت امعكيه بالأنامل فالتقى ... لدى وكرها العناب والحشف البالي ) ومنه قوله
( محبوبتي دنيا جفت بعدما ... جادت وكانت نزهة الهائم )
( كانت مع الأير زمان الصبا ... وهكذا الدنيا مع القائم ) ومن لطائفه قوله
( باع صديقي لجام بغلته ... ليشتري الخبز منه والأدما )
( واها عليه راحت جرايته ... فهو على ذلك يعلك اللجما ) ومن لطائف مجونه قوله
( يا ملاذي الغوث من عائلة ... ليس من تكليفهم لي مهرب )
( طلبوا في أرجلي شيئا وقد ... نقبوا رأسي بما قد طلبوا )

ومنه قوله
( جنينة التين وجيرانها ... قد طيبت لذاتها وقتي )
( وكثرت عندي ما أشتهي ... فالتين من فوقي ومن تحتي ) وقال يداعب صديقا له طلق زوجة تسمى دنيا
( قل لابن بغلان الذي أصبحت ... كرته بين الورى خاسره )
( ظلمت دنياك وفارقتها ... ورحت لا دنيا ولا آخره ) وقوله
( تبسم الشيب بذقن الفتى ... يوجب سح الدمع من جفنه )
( حسب الفتى بعد الصبا ذلة ... أن يضحك الشيب على ذقنه ) ومن أغراضه اللطيفة في إهداء كتاب قوله
( أرسلته نعم الجليس ... إذا تغيرت البشر )
( يبقى على سنن الوفا ... أبدا ويقنع بالنظر ) وقوله
( لله تصنيف له رونق ... كرونق الحبات في عقدها )
( كادت تصانيف الورى عنده ... تموت للهيبة في جلدها ) وقال وقد عتب عليه القاضي بدر الدين لأمر
( أهلتني للعتب حتى لقد ... لذ لسمعي وهو صعب شديد )
( هذا ولو قطعتني لذلي ... وسرني أني ببدر شهيد ) وقال يداعب جنديا من أصحابه عرض ولم يقبل
( ظننا طوله يجدي ... ليوم العرض أو يرضي )
( فلا والله ما أجدى ... وراح الطول في العرض ) ومن لطائف مجونه قوله
( صفا لون شيبي ثم كدر عيشتي ... فيا عجبا للشيب من كدر صافي )
( وصار على الأكتاف يضحك من يرى ... فاها له شيبا يقطع أكتافي )

ومن أغراضه اللطيفة قوله
( كانت للفظي رقة ... ضمن الزمان بما استحقت )
( فصرفتها عن قدرتي ... وقطعتها من حيث رقت ) ومن لطائف مجونه قوله
( قالت أريد من طبيخ قدرة ... وكثرت حاجاتها وأوغلت )
( فقلت هذي قدرة يا ستنا ... من قبل أن تمسها النار غلت ) ومن لطائف مجونه قوله
( دعاني صديق لحاجاته ... فأوقعني في العذاب الأليم )
( كلام يزيد وماء يقل ... فبئس الصديق وبئس الحميم ) ومنه قوله
( ما زلت أقلع شيبة نسخت بها ... فسواد عقد شبابها مفسوخ )
( حتى غدت صفحات وجهي اية ... لا ناسخ فيها ولا منسوخ ) ومن مراثيه البديعة قوله يرثي الملك المؤيد صاحب حماة
( ألا في سبيل الله ملك مؤبد ... كنصل غدا في باطن الأرض مغمدا )
( على الرغم منا إن أتى منه لامع ... وجاوبنا من حول تربته الصدى ) قوله وقد توفي له ولد ولم يبلغ حولا
( يا راحلا من بعد ما أقبلت ... مخايل للخير مرجوه )
( لم تكتمل حولا وأورثتني ... ضعفا فلا حول ولا قوة ) ومثله قوله في ولده عبد الرحيم
( يا لهف قلبي على عبد الرحيم ويا ... شوقي إليه ويا شجوي ويا دائي )
( في شهر كانون وافاه الحمام لقد ... أحرقت بالنار يا كانون أحشائي )

ومنه قوله فيه
( آها لشمل قد وهى سلكه ... وكان ذا در بعبد الرحيم )
( فليتني لاقيت عنه الردى ... وعاش ذاك الدردرا يتيم ) وقال يرثي جارية له
( يقولون قد أخلقت جفنك بالبكى ... نعم إن جفني بالبكاء حقيق )
( دعوا الدمع للجفن القريح مؤاخيا ... فإني عدمت الدمع وهو شقيق ) وقال يهنىء بالعشر بعد تعزية بميت
( أتيتك يا أزكى البرية جامعا ... لأمرين في يوم من الدهر وافد )
( هنا وعزا لا عيب فيه لأنني ... أهني بعشر إذ أعزي بواحد ) وقال يرثي الملك الأفضل صاحب حماة
( مضى الأفضل المرجو للبأس والندى ... وصحت على رغم العداة وفاته )
( وما مات إذ ماتت بحزن نساؤه ... وماتت بأحزان البلاد حماته ) وقال في رثاء طفل
( بدا وفي حاله توارى ... فيا لها طلعة شريقه )
( جوهرة ما عملت إلا ... دموع عيني لها عقيقه ) وقال في رثاء ولده أيضا
( قالوا فلان قد جفت أفكاره ... نظم القريض فلا يكاد يجيبه )
( هيهات نظم الشعر منه بعدما ... سكن التراب وليده وحبيبه )
انتهى ما وقع عليه الاختيار ووعدت بإيراده من غرائب الشيخ جمال الدين بن نباتة وبدائعه في باب التورية على اختلاف أنواعها وقد تقدم قولي إن الراية الفاضلية هو عرابة مجدها وواسطة عقدها وقائد زمامها ومسكة ختامها وقدمت أيضا من مشى تحت الراية الفاضلية من ابن سنا الملك إلى الوداعي ولما رفع العلم النباتي كانت هذه الفرقة التي مشت تحت هذا العلم أكثر عددا وأشهر ذكرا وأعلى رتبة نظما ونثرا

وقد عن لي أن أذكر هنا لكل من عاصره ومشى تحت علمه النباتي وتحلى بنكته الأدبية نبذة من مختار مقاطيعه التي حلاوتها في الأصل نباتية ليظهر صدق قولي في تفضيل الصحابة المحمدية وأشرع بعد ذلك في إيراد نبذة من نظم التابعين لهم بإحسان وأدير هذا الكاس بحيث يتسلسل دوره إلى أهل هذا العصر والأوان والعصابة التي مشت تحت العلم النباتي وتحلت بقطر نباته هم الشيخ صلاح الدين الصفدي والشيخ زين الدين بن لوردي والشيخ برهان الدين القيراطي ومذهبي أنه أقرب الناس إلى الشيخ جمال الدين نظما ونثرا والشيخ شمس الدين بن الصائغ والشيخ بدر الدين ابن الصاحب والشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة والشيخ إبراهيم المعمار والشيخ بدر الدين حسن الزغاري والشيخ يحي الخباز الحموي والشيخ شهاب الدين الحاجبي
وممن أدركهم وعاصرهم المصنف وكتبوا إليه وكتب إليهم وأنشدوه وأنشدهم من أهل مصر والشام الشيخ زين الدين بن العجمي عين كتاب الإنشاء الشريف بالديار المصرية والقاضي فتح الدين بن الشهيد صاحب دواوين الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة وناظم السيرة النبوية نور الله ضريحه والشيخ عز الدين الموصلي والشيخ علاء الدين بن أبيك الدمشقي والشيخ جلال الدين ابن خطيب داريا والشيخ شمس الدين الرئيس الشهير بابن المزين والصاحب فخر الدين بن مكانس وولده الجناب المخدومي المجدي وسيدي أبو الفضل بن أبي الوفاء قدس الله روحه ولكن ما رأيته والشيخ شرف الدين عيسى الشهير بعويس والشيخ شهاب الدين بن العطار ولكن ما حضرته والشيخ جمال الدين ولكن ما رأيته وصاحبنا الشيخ شمس الدين المتنبي المصري والفرقة التي أطال الله بقاءها وأمست قواعد الأدب بها قائمة وختمت بهم هذه الطريقة البديعة وأخلصوا في العمل ففازوا في الحالتين بحسن الخاتمة وهم القاضي بدر الدين ابن الدماميني المالكي المخزومي فسح الله في أجله والشيخ الإمام الحافظ العلامة شهاب الدين بن حجر العسقلاني الشافعي رحمه الله تعالى والشيخ بدر الدين البشتكي رحمه الله تعالى
ونبدأ بمن تقدم ذكره أولا فأولا فمن محاسن الشيخ صلاح الدين الصفدي في باب التورية رحمه الله قوله
( أفديه ساجي العيون حين رنا ... أصاب مني الحشا بسهمين )
( أعدمني الرشد في هواه ولا ... أفلح شيء يصاب بالعين )

ومثله قوله
( لقد شب جمر القلب من فيض عبرتي ... كما أن رأسي شاب من موقف البين )
( فإن كنت ترضى لي مشيبي والبكى ... تلقيت ما ترضاه بالرأس والعين ) ومثله في تورية العين قوله
( سألتم عن منام عيني ... وقد براه جفا وبين )
( واليوم قد غاب حين غبتم ... ولم يقع لي عليه عين ) ومثله قوله
( إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السعد في كراها وينهى )
( بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها ) ومنه قوله
( وفقيه قلت صلني ... فالبكى قرح عيني )
( قال لا تفخر بشيء ... هو دون القلتين ) ومن لطائفه قوله
( قلت وقد أعرض عني ولم ... يصغ إلى الشكوى ولم يقبل )
( لا تطمعي يا نفس في وصله ... ويا دموع العين لا تسألي ) ومن لطائفه قوله
( إن لم تصدقني تصدق بالكرى ... ليزورني فيه الخيال الزائل )
( وانظر إلى فقري لوصلك واغتنم ... أجري وقل للدمع قف يا سائل ) وقوله أيضا
( يقول الناس كيف يميل عنه ... الحبيب ويدعي صونا وعفه )
( أليس لقده في كل يوم ... يمر مع النواسم ألف عطفه )

وقوله أيضا
( وأحور أحوى فاتر الطرف قد غدا ... به قلب صب بالجوى يتضرم )
( كستني ضنى جسمي سهام جفونه ... فبرد سقامي في هواه مسهم ) وقوله مع حسن التضمين
( مقلته السوداء أجفانها ... ترشق في وسط فؤادي نبال )
( ويقطع الطرق على سلوتي ... حتى حسبنا في السويدا رجال ) وألم الشيخ زين الدين بهذه النكتة ولكن سبكها في غير هذا القالب بقوله
( من قال بالمرد فإني امرؤ ... ميلي إلى النسوة ذات الجمال )
( ما في سويدا القلب غير النسا ... ما حيلتي ما في السويدا رجال ) ومنه قوله
( بجفنه سيف فرى حده ... قلوب قوم في الهوى أسرى )
( ومن عجيب نصر ألحاظه ... وجفنها المكسور قد فرا ) ومنه قوله
( وظبي معانيه بيان بديعها ... له حار فكري إذ رأى كل معجز )
( قرأت مقامات الحريري كلها ... بعارضه مشروحة للمطرزي ) وتزاحم الشيخ صلاح الدين والشيخ زين الدين بن الوردي في هذا المعنى والنكتة بقوله ( شبهت خد حبيبي ... تشبيه فكر مبرز )
( مقامة للحريري ... وشرحها للمطرز )

والذي يشهد به الذوق أن تركيب الصفدي أحسن وأقعد ومنه قوله
( كن كيف شئت فإن قد ... رك قد علا عندي وعزا )
( مات السلو تعيش أنت ... أما رأيت الصبر عزا ) ومن لطائفه في هذا الباب قوله
( قالوا حكى بدر الدجا وجه الذي ... تهوى فقلت لهم قفوا وتربصوا )
( أنا ما أصدق ما عليه كلفة ... فإذا حكى شيئا يزيد وينقص ) ومنه قوله
( من شافعي يوما إلى مالك ... في أمر روحي القبض والبسطا )
( صوب رأي الناس في حبه ... وشعره في الأرض قد خطا ) ومنه قوله
( يقول إذ أنكرته قبلة ... غصبتها في زورة الطيف )
( هذا عذاري وجفوني فقم ... واحلف على المصحف والسيف ) ومنه قوله
( يقولون حاكاه الهلال فلا تزغ ... عن الحق واعرف ذاك إن كنت تنصف )
( فقلت إذا ما صار بدرا مكملا ... حكاه ومع هذا عليه تكلف ) وقوله
( إذا قلت قد أسرفت في التيه قال لي ... تقل في جمالي في الورى غير ما جرى )
( وابيض طرفي واقف عند حده ... واسود شعري قد تواضع للثرى ) وقوله
( محياه له حسن بديع ... غدا روض الخدود به مزهر )
( وعارضه رأى تلك الحواشي ... مذهبة فزمكها وشعر )

وقوله
( أقول وحر الرمل قد زاد وقده ... وما لي إلى شم النسيم سبيل )
( أظن نسيم الجو قد مات وانقضى ... فعهدي به في الشام وهو عليل )
النسيم العليل تلاعبوا به كثيرا ولكن قول الصفدي فعهدي به في الشام وهو عليل في غاية اللطف ومنه قوله
( كؤوس المدام تحب الصفا ... فكن لتصاويرها مبطلا )
( ودعها سواذج من نقشها ... فاحسن ما ذهبت بالطلا ) وقوله
( قلت لما شوى أوزا حبيبي ... واكتسى باللهيب ثوب ثناء )
( لو يعيش الجزار مات غراما ... في معاني محاسن الشواء ) وقوله
( كلفي ببدر صائغ ... كالبدر في جو السماء )
( سكر المحب بريقه ... وغدا يموه بالطلاء ) ومنه قوله
( شوى الأوز فأضحت ... في حمرة الخد بسطه )
( فقلت تشوى إوزا ... أم كنت تشرب بطه ) ومنه قوله
( قل للعذول يسترح من عذلي ... ما أصبح المعشوق عندي مشتهى )
( وارتد قلبي عن سيوف لحظه ... وكل شيء بلغ الحد انتهى ) ومن نكته البديعة قوله
( أقول له ما كان خدك هكذا ... ولا الصدغ حتى سال في الشفق الدجا )

( فمن أين هذا الحسن والظرف قال لي ... تفتح وردي والعذار تخرجا ) وقوله
( أصبحت نابغة الغرام لصبوة ... في غادة بجمالها متفرده )
( كم قد جلت من خدها وسيوف مقلتهاإلى النعمان والمتجرده ... ) وقوله أيضا
( أنفقت كنز مدائحي في ثغره ... وجمعت فيه كل معنى شارد )
( وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فأبى وراح تغزلي في البارد ) وقوله
( قالت وقد مادت كغصن النقا ... أسرفت في العشق بلا فائده )
( فقلت منهوم الهوى لم يكن ... يشبع إن مدت له المائده ) وقوله
( سكن البدو من أحب فقالوا ... زاد أهل الغرام في البعد بعدا )
( قلت بالله هل سمعتم ببدر ... غاب عن عاشقيه لما تبدى ) ومن نكته الغريبة قوله
( سال العذار فسل سيف جفونه ... حتى غدت مهج الورى أفلاذا )
( يا صدغه والله كنا في غنى ... عن أن نراك السائل الشحاذا ) وقوله ( أقول لقاض سهم مقلته غدا ... يصيب الحشا لا تبغ قتلي ولا توذي )
( وإن كان قلبي عنده غير تائب ... فدعه ولا تحكم عليه بتنفيذ )

وقوله
( أملت أن تتعطفوا بوصالكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا يرى )
( وعلمت أن بعادكم لا بد أن ... يجري له دمعي دما وكذا جرى ) وقوله
( لئن سمح الدهر البخيل بقربكم ... وسكن مني أنفسا وخواطرا )
( جعلت ابتذال الروح شكران وصلكم ... وقلت لدمع العين يعمل ما جرى ) وقوله
( بدا في الخد عارضه فأضحى ... عليه معنفي باللوم يغري )
( وحاول أن يرى مني سلوا ... وقال لقد تعذر قلت صبري ) وقوله
( تقول له الأغصان إذ ماس قده ... أتزعم أن اللين عندك قد ثوى )
( فقم نحتكم في الروض عند نسيمه ... ليقضي على من مال منا مع الهوى ) وقوله
( تنائى الذي أهوى فمت صبابة ... فقال عجيب كل أمرك في الهوى )
( صبرت لطرفي إذ رمتك سهامه ... ولم تتصبر إذ رمتك يد النوى ) وقوله
( أتاني وقد أودى السهاد بناظري ... يمزق جنح الليل بارق فيه )
( فناديته يا طيب الأصل هكذا ... أخذت الكرى مني وعيني فيه ) وقوله
( بأسياف الجفون قتلت نفسا ... مبرأة عن الشكوى زكيه )
( فما أقوى جفونك وهي مرضى ... وأقدرها على قتل البريه ) وقوله
( جاء بقد قد ثنته الصبا ... ورنحت أعطافه الساميه )
( ومذ غدا في لينه واحدا ... كانت له ريح الصبا ثانيه ) وقوله
( وفي القلب من هاجري لوعة ... بغير تلافيه ما تندمل )
( فيا شعره بعض هذا الجفا ... ويا ردفه أنت ما تتحمل ) وقوله
( يا قلب صبرا على الفراق ولو ... روعت ممن تحب بالبين )
( وأنت يا دمع إن أبحت بما ... تخفيه وجدا سقطت من عيني )

وقوله
( لولا شفاعة شعره في صبه ... ما كان زار ولا أزال سقاما )
( لكن تطاول في الشفاعة عنده ... وغدا على أقدامه يترامى )
وهذه النكتة تزاحم هو والشيخ زين الدين بن الوردي عليها والله أعلم من المخترع فإنهما كانا متعاصرين فقال
( كيف أنسى لشعر حبي يوما ... وهو كان الشفيع في لديه )
( شعر الشعر أنه رام قتلي ... فرمى روحه على قدميه ) وقوله
( إن قلت زرني قال لا ... بحاجب ما أظلمه )
( فما يرى جوابه ... إلا بنون العظمه )
والشيخ صلاح الدين تزاحم هو والشيخ برهان الدين القيراطي على هذه النكتة وزنا وقافية والله أعلم من المخترع منهما بقوله
( وتائه حدثته ... فلم يفه بكلمه )
( أجابني بحاجب ... لكن بنون العظمه ) ويعجبني قوله
( أضحى نسيم دمشق حياها الحيا ... يمشي الهوينا في ظلال رباها )
( فكأنه من مائها وهضابها ... ما داس إلا أعينا وجباها ) ومثله قوله
( تقول دمشق إذ تفاخر غيرها ... بمعبدها الزاهي الرفيع المشيد )
( جرى ليباهي حسنه كل معبد ... وما قصبات السبق إلا لمعبد ( ي ) ) وقوله
( لما زهر الربيع بروضه ... وغدا له فضل ينير لديه )
( قام الحمام له خطيبا بالهنا ... وجرى الغدير فخر بين يديه )

وقوله
( قالوا علا نيل مصر في زيادته ... حتى لقد بلغ الأهرام حين طمى )
( فقلت هذا عجيب في بلادكم ... أن ابن ستة عشر يبلغ الهرما ) ومن أغراضه قوله
( رب طباخ به نضجت ... مهجات غير مرحومه )
( سلوتي عنه مزورة ... أبدا والنفس مغمومه ) وقوله
( أحببت بابا حسنه بارع ... سبى من النساك ألبابا )
( أغلق في وجهي باب الرضى ... فهل تراني أفتح البابا ) وقوله
( إن اللطافة لم تزل ... بين الأكابر فاشيه )
( أرأيت عمرك في الورى ... طرفا رقيق الحاشيه ) وكتب على لسان صاحب له طلب من صاحب سرجا فلم يجهزه له قوله
( عجبا كيف لم تجد لي بسرج ... وحده واللجام دأب النفوس )
( وإذا لم تبعثه في أول الأمر ... اختيارا فابعثه بالدبوس ) وكتب إلى من أهدى له صحن قطائف قوله
( أتاني صحن من قطائفك التي ... غدت وهي روض قد تنبت بالقطر )
( فلا غرو إن صدقت حلو حديثها ... وسكرها يرويه لي عن أبي ذر ) الجماعة تجاروا في هذه الحلبة وأجادوا منهم الشيخ زين الدين بن الوردي بقوله
( بعثت قطائفا حلت ... جناها قطرها الغامر )
( فسكرها أبو ذر ... ومرسل صحنها جابر )
وأجاد الشيخ جمال الدين بن نباتة هنا وجمع بين التورية وحسن التضمين وبديع الاكتفاء والحلاوة بقوله
( أقول وقد جاء الغلام بصحنه ... عقيب طعام الفطر يا غاية المنى )
( بعيشك قل لي جاء صحن قطائف ... وبح باسم من تهوى ودعني من الكنا )

وقوله مع بديع التضمين
( رعى الله نعماك التي من أقلها ... قطائف من قطر النبات لها قطر )
( أمد لها كفي فأهتز فرحة ... كما انتفض العصفور بلله القطر ) ويعجبني هنا قول الشيخ برهان الدين القيراطي مع بديع التضمين
( لقد قطفت زهر النبات قطائف ... تخيرتها فاخترت للنفس ما يحلو )
( تقول اسمعوا مني مدائح مرسلي ... فكلي إن حدثتكم ألسن تتلو ) وأما تورية فالقطر النباتي معروف فمن ذلك قوله
( شكرا لبرك يا غيث العفاة ولا ... زالت مدائحك العلياء تنتخب )
( قد جدت بالقطر حتى زدت في طمع ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب ) وقوله
( لجود قاضي القضاة أشكو ... عجزي عن الحلو في صيامي )
( والقطر أرجو ولا عجيب ... القطر يرجى من الغمام ) ويعجبني هنا قول أبي الحسين الجزار
( أيا علم الدين الذي جود كفه ... براحته قد أخجل الغيث والبحرا )
( لئن أمحلت أرض الكنافة إنني ... لأرجو لها من سحب راحتك القطرا )
قلت الشيء بالشيء يذكر ذكرت هنا لغزا في لوزينج كتب به مولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الأدمي رحمه الله إلى علامة العصر القاضي بدر الدين بن الدماميني رحمهما الله
( يا من له في عروض الشعر أي يد ... فاق الخليل بها فضلا وتمكينا )
( ما اسم دوائره في لفظه ائتلفت ... والثلم في صدرها مستعمل حينا )
( أجزاؤه من زحاف الحشو قد سلمت ... وقد تقطع مطويا ومخبونا )
( تصحيف معكوسه لفظ يرادفه ... يا فرد يا رحلة قوم مقيمونا )
( والعبد منتظر من حله فرجا ... لا زال سعدك بالإقبال مقرونا )

فأجابه المشار إليه بقوله
( يا مرسلا من شهي النظم لي كلما ... منه ابن سكرة قد راح مغبونا )
( لله درك صدرا من حلاوته ... وجوهر النظم لم يبرح يحلينا )
( حليت لغزك إذ أبهمته فلذا ... يا فاتني رحت بالإعجاب مفتونا )
( هذا وكم قد رأينا في دوائره ... للكف قبضا يزيد العقل تمكينا )
( وليس إضماره مستحسنا فأدم ... بالكشف عنه لمن وافاك تحسينا )
( وكن لنا هاديا صوب الصواب ودم ... فينا أمينا رشيد الرأي مأمونا )
وقد ان الرجوع إلى ما كنا فيه مما اختاره من نظم الشيخ صلاح الدين الصفدي في باب التورية فمن لطائف مجونه قوله فيمن سرق شيئا من بعض شعره
( إن كان يا مولاي لا بد أن ... تأخذ شعري جملة كافيه )
( قافية البيت اطرح لفظها ... وقم خذ الكل بلا قافيه ) وقوله
( أدير بلحيتي البيضاء كاسي ... بكيس زائد مني وفطنه )
( ألم ترني وعفو الله راج ... ومن شرهي أصفيها بقطنه ) وقوله
( وجرة قدموها ... والراح فيها كمينه )
( شممت طينة فيها ... فرحت سكران طينه ) وقوله
( قلت له إذ هز لي ذقنه ... ولام فيمن همت في عشقها )
( تذكر إذ غنت فنادى نعم ... فقلت واشوقا إلى حلقها ) وقوله
( وعاذل بارد المقالة لا ... يعي صوابا وزاد في نكدي )
( وقال ذقن الحبيب باردة ... فقلت يا بردها على كبدي ) وقوله
( ملكت كتابا أخلق الدهر جلده ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد )

ومن نكت المجون التي توارد هو والشيخ جمال الدين عيلها وزنا وقافية قوله
( إذا ما قام أيرك في الدياجي ... وعندك من تحب فلا تحابي )
( ومل نحو الطواشي واعتنقه ... فمثلك لا يدل على صواب )
وقول الشيخ جمال الدين
( أرى الصواب يا أيري صفات ... تحث على التعشق والتصابي )
( فبادره فأنت به خبير ... ومثلك لا يدل على صواب ) ويحسن أن نختم هذه المجونات بقول الشيخ صلاح الدين وهو
( يا ساحبا ذيل الصبا في الهوى ... أبليته في الغي وهو القشيب )
( فاغسل بدمع العين ثوب التقى ... ونقه من قبل وقع المشيب )
الشيخ صلاح الدين سامحه الله كان من المكثرين وكان هو والشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة يرضيان لرغبتهما في الكثرة بالأشياء الرخيصة ولم أورد للشيخ صلاح الدين هنا غير الغالي من نظمه واختياره واختياري ومن محاسن الشيخ زين الدين بن الوردي في باب التورية ومقاطيعه التي هي أحسن من مقطعات النيل وأحلى في الأسماع من نغمات المواصيل
( إن قلت قدك غصن ... قالت لي الغصن ساجد )
( أو قلت ريقك ثلج ... قالت تشبه بارد ) ومن ذلك قوله
( يا سائلي تصبرا ... عن لثم فيه لا تسل )
( ما تستحي تبدلني ... بالصبر عن ذاك العسل )
ومن ذلك قوله
( ومليح إذا النحاة رأوه ... فضلوه على بديع الزمان )
( برضاب عن المبرد يروي ... ونهود تروى عن الرماني )

وقوله
( امام في الركوع حكى هلالا ... ولكن في اعتدال كالقضيب )
( وقال تلوث قلت الشمس حسنا ... وقال ختمت قلت على القلوب ) ومن لطائفه في هذا الباب قوله
( يشفع في شعره ... إذ مال عن قبوله )
( فهو على أقدامه ... ممدد بطوله ) ومنه قوله
( عجبت في رمضان من مسحرة ... بديعة الحسن إلا أنها ابتدعت )
( قامت تسحرنا ليلا فقلت لها ... كيف السحور وهذي الشمس قد طلعت ) ومن لطائفه قوله
( إذا تعذر حبي ... فخله يتعذر )
( فجيده حصل ما بي ... والجيد لا يتغير ) ومنه قوله
( وتاجر ما طلته دينه ... لأجتليه قال ما أمطلك )
( قلت له جيدك لي أو لمن ... فقال هات المال والجيد لك ) وقوله
( قالت إذا كنت تهوى ... أنسي وتخشى نفوري )
( صف ورد خدي وإلا ... أجور ناديت جوري ) ومنه قوله
( أنكر حبي مدمعي ... وقال هذا من هوى )
( فقلت لا بل من فتى ... أصاب عيني بنوى ) ومن نكته اللطيفة في تضمين المثل السائر قوله
( وسمينة كانت لها ... في القلب منزلة ترقت )
( رقت فعفت وصالها ... وقطعتها من حيث رقت )

وقوله
( سألتها أي ناه ... نهاك عن حسن نوجك )
( قالت نهاني زوجي ... فقلت روحي بزوجك ) ومن أغزاله قوله
( أقول إذ قال لي حبيبي ... علام فارقتني علاما )
( خدك كان الصفا ولكن ... قد أصبح المشعر الحراما ) وقوله
( رامت وصالي فقلت لي شغل ... عن كل خود تريد تلقاني )
( قالت كأن الخدود كاسدة ... قلت كثير القلة القاني ) وقوله
( أبصروا دمعي فخافوا ... قلت لا تخشوا بكائي )
( ما عليكم من دموعي ... غير أمطار السماء ) ومنه قوله
( سل الله ربك من فضله ... إذا عرضت حاجة مقلقه )
( ولا تسأل الترك في حاجة ... فأعينهم أعين ضيقه ) وقوله
( لما شتت عيني ولم ... ترفق لتوديع الفتى )
( أدنيتها من خده ... والنار فاكهة الشتا ) وقوله
( ضممتها عند اللقا ضمة ... منعشة للكلف الهالك )
( قالت تمسكت وإلا فما ... وهذا الشذى قلت بأذيالك ) وقوله
( شكى من الخط ضعفا ... وذاك منه دلال )
( قلت استعن بمثال ... فقال ما لي مثال ) ومنه قوله
( وأغيد يسألني ... ما المبتدأ والخبر )
( مثلهما لي مسرعا ... فقلت أنت القمر ) ومن نكته مع حسن التضمين قوله
( مليح ردفه والساق منه ... كبنيان القصور على الثلوج )
( خذوا من خده القاني نصيبا ... فقد عزم الغريب على الخروج )

ومن نكته اللطيفة قوله
( مهفهف القد إذا ما انثنى ... يقول لا تخش من الرد )
( ما أنت حملي يا كثيب النقا ... ولست يا غصن النقا قدي ) وقوله
( لو نلت من خديه تقبيلة ... تزين الريحان بالورد ) وقوله
( رومية الأصل لها مقلة ... تركية صارمها هندي )
( قد فضحتني وجنتاها فقل ... في وجنة فاضحة الوردي ) وقوله من دو بيت
( يا روضة حسن ليتها لي وحدي ... الشركة فيك قد أذابت كبدي )
( ما ضرك أن تسقي بماء فرد ... والواجب أن يكون ماء الورد ) ومنه قوله
( هويت أعرابية ريقها ... عذب ولي فيها عذاب مذاب )
( رأسي بنو شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب ) وقوله
( قلت وقد عانقته ... عندي من الصبح فلق )
( قال وهل يحسدنا ... قلت نعم حتى انفلق ) ومنه قوله
( تقويم قدك مال يا من ثغره ... در يقصر دونه التقويم )
( إني لأبكي من جفاك ولي أب ... والثغر يضحك منه وهو يتيم ) ومن اختراعاته قوله
( رام ظبي الترك وردا ... قلت أقصر خاب ضدك )
( عندك الورد المربى ... قال قاني قلت خدك ) وقوله
( رب فلاح مليح ... قال يا أهل الفتوه )
( كفلي أضعف خصري ... فأعينوني بقوه )

وقوله
( قلت لفرا فرى أديمي ... وزاد صدا وطال هجرا )
( قد فر صبري وفر نومي ... قال نعم مذ عشقت فرا ) وقوله
( رغيف خباز كم قد حكى ... من وجهه التدوير والحمره )
( إذا رأى ميزانه المشتري ... قال هنا الميزان والزهره ) ومنه قوله في مليح عبري
( أغيد عبري له عمة ... حكت من العشاق ألوانا )
( لقد سبى بالنور شمس الضحى ... فهل أتى من آل عمرانا ) ومنه قوله
( ووعدت أمس بأن تزور ولم تزر ... فغدوت مسلوب الفؤاد مشتتا )
( لي مهجة في النازعات وعبرة ... في المرسلات وفكرة في هل أتى ) وقوله
( أعور كالبدر له مقلة ... واحدة قامت مقام اثنتين ) ( قد سرق الرقدة من ناظري ... وقال ما جئتك إلا بعين ) وقوله
( بأبي أعور عين فاتن ... مثل بدر التم والتم بعين )
( طرفه الواحد عضب ذكر ... فله في الحسن حظ الأنثيين ) ومنه قوله
( رأيت رشيق القد أعور فاتنا ... له مقلة أغنته عن حسن ثنتين )
( إذا قال غصن البان أنت ابن قامتي ... يناديه بدر التم أنت أخو عيني ) وقوله
( جنكية شاهدت عشاقها ... وهم بها في الجهد والضنك )
( قالت أما تعشق جنكية ... قلت كذا يا ليتني جنكي ) وقوله
( تغسل عيني وجنتي ... بدمعة هاملة )
( فوجنتي قائلة ... عدوتي غاسلتي )

وقوله
( ناديت صالحة إلى ... كم أنت عنا نازحه )
( قالت نزحت لأنكم ... لا تصلحون لصالحه )
( هويت حصادا حكت قامتي ... من طول ما يهجرني منجله )
( أقول والسنبل من حوله ... مولاي أنت الشمس في السنبله ) وقوله
( أنا في حالي نقيض ... يا شموسا في البزوغ )
( هزم الصبر عليكم ... والمنى دون البلوغ ) ومن لطائفه قوله
( قال لي بند خصره ... كم كذا ترجع البصر )
( قلت لا تنفرد به ... لك شد ولي نظر ) ومن أغراضه اللطيفة قوله في صديق له بالمعرة يقال له شمس
( لي بالمعرة شمس ... رضاه غير مرادي ) ( فلا تذموه إني ... أدرى بشمس بلادي ) وكتب إليه في زفة له
( يا شمس أشعلت شمعا ... عليك عشر الأصابع )
( رغما لمن قال قبلي ... الشمع في الشمس ضائع ) ومنه قوله في آل النصيبي بحلب
( فؤادي إلى ال النصيبي مائل ... وودي لهم في محضري ومغيبي )
( فبيني وبين القوم نوع تجانس ... إذا طاب أصل الورد كان نصيبي ) وقوله
( للمقدسي بقلبي ... حب خلي الدليل )
( فمن يكن ذا خليل ... فالمقدسي خليلي )

ومن لطائف أغراضه قوله
( يا شيخ خل التصابي ... فالزهد بالشيخ أليق )
( ولا تحت كميتا ... فإن فودك أبلق )
( ولي صاحب بالمدح والهجو كسبه ... يقول أتدري كيف أصنع بالخلق )
( إذا حمروا وجهي وما بيضوا يدي ... أزرق لهم رجلي ولو خضروا عنقي ) ومثله قوله
( لي صاحب واسمه سراج ... ما قر لي عنده قرار )
( لسانه محرق لقلبي ... إن لسان السراج نار ) ومن أغراضه اللطيفة قوله
( تجادلنا أماء الزهر أزكى ... أم الخلاف أم ورد القطاف )
( وعقبى ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد حصل الوفاق على الخلاف ) ومن لطائف مجونه
( يا من تولى قاضيا ... هذا قضاء أم قدر )
( غدروك في بستاننا ... إن القضا يعمي البصر ) ومن أغراضه البديعة قوله
( قد مات شيخي فاظهروا ... بحربه أو سلمه )
( عيشوا بجهل بعده ... فقد قضى بعلمه ) ومن أغراضه البديعة قوله
( لا تحملوني على انتقام ... فالجاه يحكي خيال طيف )
( عفوت عن مذنب فقرت ... عين عدوي وجفن سيفي )

ومن أغراضه قوله
( ديار مصر هي الدنيا وساكنها ... هم الأنام فقابلهم بتقبيل )
( يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمة والشرح للنيل ) ومن لطائف مجونه قوله
( حمامكم قيمة أسود ... هربت منه وأنا صارخ )
( قد سلخت جسمي أظفاره ... يا قوم هذا أسود سالخ ) ومن لطائف أغراضه قوله
( يا من غدا في طلاب المجد مجتهدا ... لم يثنه عنه لا مال ولا ولد )
( لا تبسطن لتقليد القضاء يدا ... أيرتضي رتبة التقليد مجتهد ) وكتب إلى قاضي القضاة شرف الدين بن البارزي
( جنبتني وأخي تكاليف القضا ... وكفيتنا مرضين مختلفين )
( يا حي عالم دهرنا أحييتنا ... فلك التصرف في دم الأخوين ) وقوله مع تضمين المثل السائر
( إني عدمت صديقا ... قد كان يعرف قدري )
( دعني لقلبي ودمعي ... يا صاح أحرف وأدري ) ومن لطائف أغراضه وقد ولي قضاء شيراز قوله
( إنما شيراز نار ... وبها القاضي مخلد )
( قلت لا أمكث فيها ... أنا من حزب محمد ) ومن أغراضه قوله
( مرض الفؤاد وصح ودي فيهم ... وأقام تذكاري وصبري نازح )
( إنسان عيني كم سهادكم بكى ... يا أيها الإنسان إنك كادح )

ومن نكته البديعة مع تضمين المثل قوله في آل البيت عليهم السلام
( يا آل بيت النبي من بذلت ... في حبكم روحه فما غبنا )
( من جاء عن بيته يحدثكم ... قولوا له البيت والحديث لنا ) ومن نكته الغريبة قوله في محتسب
( من ولي الحسبة يصبر على ... تعرض الواقف والسائر )
( فليس يحظى بالمنى والغنى ... فيهم سوى المحتسب الصابر ) وقوله
( قد عجبنا لأمير ... ظلم الناس وسبح )
( فهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح ) وقوله في مدينة حلب
( عليك بصهوة الشهباء تلقى ... بجوشنها محاربة الزمان )
( فللعرفان في الفردوس ريح ... يفوح شذاه من باب الجنان ) ومن مجونه فيمن رتبوا له أربعة دراهم قوله
( كل يوم رتبوا أربعة ... لك فازددت علينا صعصعه )
( فلو استفتيت في سيدنا ... قلت يستأهل قطع الأربعة ) ومن لطائفه قوله
( ناعورة مذعورة ... ولهانة وحائره )
( الماء فوق كتفها ... وهي عليه دائره ) ومن نكته الغريبة قوله
( زوجة مجد الدين والدها ... قد أخذ عرض المجد أشبهاها )
( إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها )

وقوله
( مليحة مصطولة ... إن لمتها فيما أرى )
( تقول كل ظبية ... ترعى الحشيش الأخضرا ) ومن أغراضه البديعة مع حسن التضمين قوله
( كرهت وضوءا من قناة تساق من ... دماء الرعايا أو بسخرة مسلم )
( ستشرق في يوم الحساب ندامة ... كما شرقت صدر القناة من الدم ) ومما تخيرته هنا من تأليفي الذي وسمته بتحرير القيراطي رحمه الله تعالى قوله
( البدر طلعة وجهه ... وعذاره هالاته )
( وخفوق قلبي في هواه ... سعيدة حركاته ) وقوله
( أجريت دمعي فمذ أفنيت أبحره ... أجريت مني بأسياف الجفون دمي )
( إن ملت عني برمح القد يا أملي ... لتقرعن علي السن من ندم ) وقوله
( أسدي ثم ألحم تحت طاق ... له والدمع يجري كل وقفه )
( وكم يوم عبرت له زقاقا ... أحاول غفلة وأروم عطفه ) وقوله
( لما تبدى قوام قامته ... وحاجباه لناظر العين )
( رأيت موتى بسيف ناظره ... من قيد رمح وقاب قوسين )
وقوله
( تنفس الصبح فجاءت لنا ... من نحوه الأنفاس مسكيه )
( واطربت في العود قمرية ... وكيف لا تطرب عوديه ) وقوله
( ارتاح للأقمار وهي طوالع ... وشموس راحي للمغارب تجنح )
( ويهزني زجل الطيور بلحنها ... والروض بالزهر النظيم موشح )

وقوله
( يا أمير الجمال قل ... فالمراسيم تستمع )
( أنا مملوكك الذي ... لك قلبي غدا تبع ) وقوله
( في جفنه سيف مضاربه ... يا صاح اسبق لي من العذل )
( وبخده والردف لي خبر ... قد سار بين السهل والجبل ) وقوله
( شبه السيف والسنان بعيني ... من لقتلي بين الأنام استحلا )
( فأبى فالسيف والسنان وقالا ... حدنا دون ذاك حاشى وكلا ) وقوله
( هويت طباخا له نصبة ... نيرانها للقلب جنات )
( يكسر أجفانا إذا ما رنا ... لها على الأرواح نصبات ) وقوله
( أهيم بأعطاف القدود صبابة ... وإن هي زادتني جفا وتباعدا )
( ويعجبني بين الأنام تطفلي ... عليها إذا شاهدتهن موائدا ) وقوله
( أباح لي نرجس ألحاظه ... في مجلس ما فيه ما نكره )
( فقلت ورد الخد جد لي به ... أيضا فقال الكل في الحضره ) وقوله
( قال لي بالحمى غزالي لما ... لم أجد من ظبا الجفون ملاذا )
( كيف جاءت إليك أسياف جفني ... قلت جاءت على الحمى فولاذا ) وقوله
( في وصف خمر الثغر منك نوادر ... تزري بحسن نوادر ابن عتيق )
( وإذا وصفت رشيق قدك عندما ... هز القوام لنا فما ابن رشيق ) وقوله
( جفني وجفن الحب قد أحرزا ... وصفين من نيلك يا مصر )
( جفني له يوم الوداع الجفا ... وجفنه الساجي له الكسر ) وقوله
( خدمت بالأغزال أبوابه ... لما تبدى حسنه الباهر )
( ولي من الدمع على خدمتي ... جراية أطقلها الناظر )

وقوله
( الدمع والجفن فيه ... لي شاهدان بحزني )
( فالجفن يسقط دمعي ... والدمع يجرح جفني ) وقوله
( عبدك يا من جفا وصد وما ... درى بصب يموت بالكمد )
( جرى على الخد من مدامعه ... في الحب ما لا جرى على أحد ) وقوله
( في خد من همت به شامة ... ما الند في نفحه ندها )
( والعنبر الرطب غدا قائلا ... لا تدعني إلا بيا عبدها ) وقوله
( ومخايل نبت العذار بخده ... وله مخايل بالملاحة تشهد )
( لما راني قانعا بخياله ... نزل العذار بوجنتيه يسود ) وقوله
( مال إلى الهيئة ذو هيئة ... فاتنة ألبابنا باهره )
( فخاله في خده نقطة ... عذاره أضحى لها دائره ) وقوله
( أنظر إلى سطر عذار بدت ... من فوقه الشامات مثل النقط )
( صحت به نسخة حسن لمن ... قد راحت الأرواح فيه غلط ) وقوله
( جزت النقا فحويت لين غصونه ... وكثيب واديه وجيد غزاله )
( وأخذت حسن البدر منه وقد بدا ... في أفقه بتمامه وكماله ) وقوله
( ويوم توالى القطر فيه فجاءني ... بشمس الطلا بدر يفوق على البدر )
( فعانقت لما مال عسال قده ... وقبلت معسول اللمى عدد القطر ) وقوله
( يا من تبرمك صبه في عشقه ... بالروح لا تبخل فعشقي زائد )
( بالفضل جد لي إن دمعي جعفر ... والوجد يحيى والتشوق خالد ) وقوله
( يا هاجرا أوقعني هجره ... وصده في حالة صعبه )
( أخذت قلبي بالتجني وما ... تركت لي منه ولا حبه )

وقوله
( قلت له لما زها حسنه ... على بدور التم ما أحسنك )
( وقلت للائم يا لائمي ... في خده الناعم ما أخشنك ) ومن لطائف مدائحه قوله
( أوصافكم تسري أحاديثها ... مسرى النجوم الزهر في الأفق )
( كما أحاديث الندى عندكم ... تسندها الركبان من طرق ) وقوله في البجانقي الموقت
( شهاب الدين ذو فكر بسمت ... وبالفلك المحيط غدت محيطه )
( غدا في العصر شيخ الوقت حقا ... وفي أوضاعه ملك البسيطة ) ومن أغراضه قوله
( قناطر الجيزة كم قادم ... عليك يلقى فيك أقصى مناه )
( أتاك قوم لاطة فانحنى ... ظهرك للوطء وصب المياه ) وقلت في هذا المعنى
( وقالوا كميت النيل يجري وقد غدا ... عليه حلوق السبق قلت كذا جرى )
( ولكنه نحو القناطر إذ أتى ... تجرى عليها معجبا فتقنطرى ) ويعجبني من أغراضه اللطيفة قوله
( كم عالم قد اشتكى ... في الفقر طول مكثه )
( وكل نور سارح ... زيد له في حرثه ) وكتب إلى الشيخ صلاح الدين
( يا صلاح العلا صفاء ودادي ... لا يرى عن أبي الصفا تحويلا )
( فدع العتب إنني لست ممن ... لا يراعون في الأنام خليلا )

ومن لطائفه قوله فيما يكتب على طاسة
( تأمل فإني طاسة صح نقشها ... وفاق على نقش الغواني التي تسبي )
( وواصف حسني أطرب السمع قوله ... كأني في الكاسات داخلة الضرب ) وقلت في المعنى
( أنا طاسة قدري سما وبروضتي ... نهر المجرة للنجوم موارد )
( وتسارح القمر المنير لحسنه ... فقمرته وعليه نقشي قاعد ) وقلت أيضا
( أنا طاسة بيضت وجهي عندكم ... وصفا لكم قلبي بماء رائق )
( عذبت موارده ببارق بهجتي ... فتنزهوا بين العذيب وبارق ) ومن أغراضه اللطيفة في باذهنج قوله مضمنا
( بروحي أفدي باذهنجا موكلا ... بإطفاء ما يلقاه من حرق الجوى )
( إذا مدحت أوصافه قال منشدا ... على أنني راض بأن أحمل الهوى ) ومن أغراضه قوله
( أطربنا العود إلى أن غدا ... مقامنا يرقص مع صحبه )
( فشمعنا قام على ساقه ... وكأسنا دار على كعبه ) وقوله مضمنا
( درب الحجاز لقد شرفت منازلا ... قدر المنازل من سواها نازل )
( كم سرت فيها نحو مكة منشدا ... لك يا منازل في القلوب منازل ) ومما اخترته من الأبيات العامرة للمعمار رحمه الله قوله
( إن قام يتلو سورة الشمس المنيرة في ضحاها ... )

( يا حسنه فكأنه القمر المنيرإذا تلاها ... ( ي ) )
ونقلت من تذكرة الشيخ عز الدين الموصلي بخطه بيتين للمعمار وذكر أنهما خارجان عن الديوان وهما من اللطائف في هذا الباب
( لما تبدى عذار الحب قلت له ... رفقا ومهلا عليه أيها الجاني )
( ولا تخشن فما في الخد محتمل ... بان يخط عليه عرق ريحان ) ومن لطائفه في هذا الباب قوله
( وخادم قبلت مشروطه ... في خده لكن رأيت العجب )
( من ناعم حلو فناديته ... ما أنت يا مشروط إلا رطب ) وقوله
( تملك قلبي خادم قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد )
( أقول لصحبي حين يرنو بلحظه ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي ) وقوله
( لثمت عذار محبوبي الشرابي ... فقال تركت لثم الخد عجبا )
( حفظت الأنيسون كما سمعنا ... ورحت تضيع الورد المربى ) وقوله
( صاد فؤادي من بني العرب فتى ... له من الحسن اتصال ونسب )
( فصحت في الحي وقلبي طائر ... يا عربا أهل ذمام وحسب )
( عساكم أن تنشدوا حشاشة ... في حبكم ضلت وراحت يا عرب ) وقوله
( رحلوا عريب المنحنى ... وفراقهم ما كان أصعب )
( أملتهم أن يرجعوا ... والموت لي من ذاك أقرب )
( جئت الحمى لأرى الخيام ... فلم يلح في الحي مضرب ) ومنه قوله وأجاد
( كلفي بطباخ تنوع حسنه ... ومزاجه للعاشقين يوافق )
( لكن مخافي من جفاه وكم غدت ... منه قلوب في الصدور خوافق )

ومنه قوله
( رب جزار هواه ... صار لي لحما ودما )
( فزت بالألية منه ... وامتلا قلبي شحما ) وقوله
( حاكمت في شرع الهوى قاتلي ... ولي دم طل على خده )
( فاتهم الحاكم لحظا له ... تحقق الفتنة من عنده ) ( مال إلى الحق فلما رأى ... قد حبيبي مال مع قده ) وقوله
( أصاب قلبي خطائي ... بلحظه لشقائي )
( فرحت من فرط دائي ... أشكو إلى الحكماء )
( قالوا أصبت بعين ... فقلت من علم دائي )
( إن كان هذا صوابا ... فتلك عين الخطائي ) ومن لطائفه قوله
( رحت يوم الفراق أجري دموعي ... حسرة إذ قضى الزمان ببيني )
( قيل كم ذا تجري دموعك تعمى ... أوقف الدمع قلت من بعد عيني ) ومن لطائفه قوله
( شكوت للحب منتهى حربي ... وما ألاقيه من ضنى جسدي )
( قال تداوى بريقتي سحرا ... فقلت يا بردها على كبدي ) ومن لطائفه قوله
( قلت له لما وفى موعدي ... مختفيا من حاسد معتدي ) ( رب كما فرحتني بالوفا ... أسبل علي الستر يا سيدي ) وقوله
( وبي غضبان لا يرضيه إلا ... دموع ساكبات مستمره )
( فما عطفت معاطفه بوصل ... وفي عيني بعد الهجر قطره )

ومن لطائفه قوله
( لو أنصفت لأشارت بالسلام على ... متيم ما قضى من وصلها وطره )
( بأصبع إنما عضت أناملها ... حتى ولا واحد يصفو من العشره ) ومثله قوله
( لو رأى دور ثغره ... عاذلي في التبسم )
( ذهبت روحه كما ... قيل في دور درهم ) وقوله
( في خد من أحببته ... ورد بدا لم أجنه )
( وشامة ذقت لها ... حلاوة في صحنه ) ومن لطائف قوله مع التضمين
( عزمت على رقيا محاسن وجهه ... بأنوار آيات الضحى حين أقبلا )
( فلما بدا يفتر عن نظم ثغره ... بدأت ببسم الله في النظم أولا ) ومن بديع مديحه قوله
( لابن فضل الله فضل ... غمر الفضل ووفى )
( كيف لا وهو علي ... علم السر وأخفى ) وقوله
( أيا بدر المحاسن حزت جودا ... وفضلا شاع بين العالمينا )
( وكنت من الكرام فحزت حظا ... فصرت من الكرام الكاتبينا ) وقوله
( قسما بما أوليت من إحسانه ... وجميله ما عشت طول زماني )
( ورأيت من يثني على عليائه ... بالجود إلا كنت أول ثان ) ومن أغراضه قوله
( ما مصر إلا منزل مستحسن ... فاستوطنوه مشرقا أو مغربا )
( هذا وإن كنتم على سفر به ... فتيمموا منه صعيدا طيبا )

وقوله
( جاء الرخاء وفاض النيل وانفرجت ... عنا الهموم وهان القمح ثم رمى )
( وراح خزانه للنيل ينظره ... فاستكثر الماء في عينيه ثم عمى ) وقوله
( حزن الخزان لما أن رأى ... نيلنا قد عم سهلا وجبل )
( ورأى الأرض لنا قد أخرجت ... سنبلات ذات حب فاختبل )
( وبكى إذ رمدت أعينه ... زادها الله عروقا وسبل ) وقوله
( سمعت يوما سد مصر يقول ... النيل وافى زائدا عندي )
( وكان هذا خبرا صادقا ... فرحت أرويه عن السدي ) وقوله
( لائمي في الشباب دع عنك لومي ... لست ممن تروعه بالعتاب )
( أيها الشيخ هات بالله قل لي ... أي عيش يحلو بغير الشباب ) وقوله
( وشادن ليس له شارب ... ولا عذار بل له طره )
( كفايتي من ريقه شربة ... واحسرتي منه على جره ) ومن لطائف مجونه قوله
( شهر الصيام تولى ... فراقه يوم عيد )
( فقيل شيع بست ... فقلت أيضا وسيدي ) وقوله
( قلت هلال الصيام ليس يرى ... فلا تصوموا وارضوا بقول ثقه )
( فغالطوني وحققوا ورجوا ... وكل هذا من قوة الحدقه ) وقوله
( أيري مع المرد خاب متجره ... مذ عاملوه معثر النصبه )
( فضيعوا رأس مال حاصله ... إذ كسروه وقام بالثقبه )

وقوله
( أيري إذا ندبته ... لحاجة تختص بي )
( قام لها بنفسه ... ما هو إلا عصبي ) وقوله
( تأخرت لعذرها ... قلت لها تقدمي )
( أيري هذا عصبي ... يدخل معك في الدم ) وقوله
( لي أير فيه كبر وجفاء ... وهو مني يا لقومي وإلي )
( كلما أغضبني أرضيته ... وإذا أرضيته قام علي ) وقوله
( أيري مغرى باللواط الذي ... يقبح لا سيما على مثله ) ( أوقف حالي لا تسل ما جرى ... وصرت خلف الناس من أجله ) وقوله
( وبخت أيري إذ جاء ملتثما ... بذاك من غفلة فما اكترثا )
( بل قال لي حين لمته قسما ... ما جزت حمام قعره عبثا )
( كيف وفيها طهرتي وبها ... أقلب ماء وأرفع الحدثا ) وقوله
( يا ليلة قضيتها ... فهل تراها عائده )
( عمود أيري قائم ... وهي عليه قاعده ) وقوله
( وصغيرة كلفتها ... أيري فقالت ويك باعد )
( ما خلت يحمل ذا العمود ... من النسا إلا القواعد ) ومثله
( صغير نام على وجهه ... وقال حكك قلت لا فائده )
( قم أدخل العمود ياسيدي ... فقال لا تنخرم القاعده ) وقوله
( عميرة قام يبتغي نكدي ... جلدته ثم قلت يا ولدي )
( ها أنت في قبضتي تطاوعني ... وإن عصاني خصاه تحت يدي ) وقوله
( وقحبة ذات حر يابس ... يحمل كالسندان رصعي الشديد )
( تقول قم طرقه لي لا تنم ... فقلت ما لي زبرة من حديد ) وقوله
( أطعمت أيري كي ينام ... وقلت قر فما استقر )
( بل قام يسعى قائلا ... أنا من إذا طعم انتشر ) وقوله
( قد ذبت من كربي لفقد النسا ... أفور كالتنور من ناريه )
( وقد طغى الماء فمن لي بأن ... أحمل بالجود على جاريه )

وقوله
( لو رأى فقحة حبي عاذلي ... وهي تجلى في ثياب سندسيه )
( لغدا العاذل فيها عاذرا ... وتفاصلنا على بيضا نقيه ) وقوله
( سألت وصال حبي قال دعني ... فإنك في افتقار لا تجاب )
( فقلت له حبيب القلب أدعى ... بذي فقر وفي وسطي نصاب ) وقوله
( وصاحب أنزل بي صفعة ... غضبت إذ ضيع لي حرمتي )
( فقال في ظهرك جاءت يدي ... فقلت لا والعهد في رقبتي ) وقوله
( سألته في صفعة قال لي ... جناية الصفعة ما منه بد )
( صاع من التمر أحلى به ... قلت له أعطيك صاعا ومد ) وقوله
( لج العذول ولامني ... فيمن أحب وعنفا )
( فهممت ألطم رأسه ... لما بليت تأسفا )
( لكنني زلقت يدي ... وقعت على أصل القفا ) وقوله
( جئت لخل يلاطف الجرحى ... قلت له يا أخا الرضا صف لي )
( في عنقي دمل به ورم ... قال تداو بمرهم الخل ) وقوله
( قالوا عشقت الشباب جهلا ... فعلك هذا هو القبيح )
( فقلت قد قيل كل شيء ... يأتي على وجهه مليح ) وقوله
( بدا بخد الحبيب شعر ... وسفله يا أخي سالم )
( فكان كالخوخ إذ ينادي ... عليه ذا مشعر وناعم ) وقوله
( ومماجن يهوى الصفاع ... ولم يكن إذ ذاك فني )
( سلمته عنقي الدقيق ... فراح ينخله بغبن )
( ما إن أذنت له رضا ... لكنه من خلف أذني )
( لولا يد سبقت له ... لأمرته بالكف عني )

ومثله قوله
( ومازحة تهوى المجون ولم تزل ... تباسطني لطفا بطيب مجونها )
( تقول وقد تاهت بلين قوامها ... وقلبي مفتون بسحر عيونها )
( بعيشك هب لي صفعة ثم أقسمت ... على صبها المضني بنور جبينها )
( فلما جرى منها اليمين وأكدت ... مددت قفاي فسحة ليمينها ) ومن عجائبه وغرائبه قوله
( جاءت بخدين كاللجين ... فقلت ماذا سوى لحيني )
( ذات حر واسع عميق ... كأنه ترعة اللبيني )
( عليه شعر لو نسجته ... لجاء مسحا لراهبين )
( تقول لم لا تجر ألفا ... أجبتها باسط اليدين )
( إن كان قصدي عليه جرا ... غرقت فيه بجرتين ) ومنه قوله
( وإن من الخدام من ليس ترتجي ... مكارمه فالبعد عنه غنائم )
( ولا تك ممن يتهمهم بحشمة ... فليس لهم بين الرجال محاشم ) وقوله
( فلان والجماعة عارفوه ... وإن أبدى التنسك والزهاده )
( يموت على الشهادة وهو حي ... إلهي لا تمته على الشهادة ) وقوله
( لما جلوا لي عروسا لست أطلبها ... قالوا ليهنك هذا العرس والزينه )
( فقلت لما رأيت النهد منتفشا ... رمانة كتبت يا ليتها تينه ) وقوله
( أبيت من الإفلاس والفقر طاويا ... لقد زهدوني العشق قهرا وسلوني )
( وقالوا تحب البيض والسمر قلت لا ... أحب من الألوان قمحية اللون )

وقوله في المواليا
( طرفي لمح حسن رابس قرحوا تقريح ... أوسق بصدي وسمى الهجر بالتصريح )
( قذف لعرضي وخلاني من التبريح ... دمعي انحدر والعواذل تقذفوا في الريح ) وقوله
( مزحت يوما مع الحب الرشيق القد ... وقلت آهى على قبلة بصحن الخد )
( فسل سيفه من الحاظو لقتلي حد ... قلت انتهى الأمر يا حبي إلى ذا الحد ) وقوله
( رمى أصاب صميم القلب زين الزين ... وأصبحت مضنى قلق أخشى حلول الحين )
( وكنت لم أشك قبل الخل وشك البين ... سالم من العشق حتى صابني بالعين ) وقوله
( يقل لها زوجها لا تختشي من لوم ... ولا ففي كل من في الأرض وأنا الكوم )
( واتبنى واطعميني ابق من ذا اليوم ... انعس وأرقد ومثلي لا يرى في النوم ) وقوله
( قلت لمن تركتني بالجفا ناحل ... وصلك بكم وارحمي ذا العاشق الناحل )
( قالت بميتين جمل قلت لها أنا راحل ... ما لي جمال ولكن نخل في الساحل ) وقوله
( قالت لي أخبر وروي قلبي الظامي ... وأصدقني أعطيك ما خلفي وقدامي )
( عهدي بأيرك رقيق خرط لاقلامي ... وقد نما قلت أيري لم يزل نامي ) وقوله
( قالوا توق الشتا كم قد صرع أعيان ... يصدمك تعمى وذا شي يعرفوا العميان )
( انهض تحلل ودع لعبك مع الصبيان ... قلت يجي إنني لو منحني عريان ) ومن لطائف العلامة الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي رحمه الله تعالى في باب التورية قوله
( من هجر سلمى ما سلمت ومن ترى ... يقوى لحمل الشوق والهجران )
( لا تغترر يوما بحلو رضابها ... فلقد بدا من قدها مران ) وقوله
( وشادن ظلت غصون الربا ... لما رأته مقبلا ساجده )
( سألته من ريقه شربة ... فقال ذي مسألة بارده )

وقوله
( ثنى غصنا ومد عليه فرعا ... كحظي حين أطلب منه وصلا )
( وأسبله على الأرداف منه ... فلم أر مثل ذاك الفرع أصلا ) وقوله
( ركبت في بحر هواكم مركبا ... قذفت فيه بيد التبريح )
( فانحدرت مدامعي وأقبلت ... عواذلي وأقلعت في الريح ) وقوله
( هجرت فأحشائي توقد جمرها ... هذا وليست في المحبة فاتره )
( وتظل تحرقني بنيران الجفا ... ومن الذي يقوى لنار الهاجره ) وقوله
( قد أودعوا القلب لما ودعوا حرقا ... فظل في الليل مثل النجم حيرانا )
( راودته يستعير الصبر بعدهم ... فقال إني استعرت اليوم نيرانا ) وقوله
( يقول عذولي للدموع وقد جرت ... على اثر محبوب برى مهجتي بريا )
( تأنى فقد لاح العذار بخده ... فقالت له والله قد زدتني جريا ) وقوله
( قد زاد في التفنيد لي عاذلي ... على هوى من لم أطق بينها )
( حتى بدا من لحظها صارم ... ففر لما أن رأى عينها ) وقوله
( لا تنكروا اني تركت معذرا ... أضنى الفؤاد بلوعة التبريج )
( لما بدا شعر بصفحة خده ... قابلت ذاك الشعر بالتسريح ) وقوله
( عارضني العذال في عارض ... قالوا له بلطف بعدما أطنبوا )
( ما آن للعارض أن ينتهي ... قلت ولا للشيب لا تتعبوا ) وقوله
( قاس الورى وجه حبيبي بالقمر ... لجامع بينهما وهو الخفر )
( قلت القياس باطل بفرقه ... وبعد ذا عندي في الوجه نظر )

وقوله
( لما ثنى العطف ثنى مهجتي ... إليه ظبي في الهوى شارد )
( ناديت إذ صرنا بلا ثالث ... يا ثاني العطف عسى واحد ) وقوله
( قال العذول عندما ... شاهدني في شغلي )
( بمن فتنت في الورى ... فقلت دعني بعلي ) وقوله
( يا باخلين بالسلام جهدهم ... من ذا رأيتم له شح يوما بالكلام )
( لا تمنعوا عني السلام سادتي ... فأنتم قصد المعنى والسلام ) وقوله
( يا مليحا رووا لنا عنه حسنا ... وقبيح إن لم يكن تم حسنا )
( طبت لفظا مع الرواة ولكن ... ينبغي أن تكون في الدهر معنا ) وقوله
( أميل إليه كي يميل فينثني ... ويعرض أبصرت القضيب إذا انثنى )
( ويطرحني عن باله لا يعدني ... فيلبسني من طرحه حلة الضنى ) وقوله
( وليلة مرت لنا حلوة ... إن رمت تشبيها بها عبتها )
( بت مع المعشوق في روضة ... ونلت من خرطومه المشتهى ) وقوله
( لست أنسى رقة العيش الذي ... زاد في الرقة حتى انقطعا )
( فرعى الله زمانا بالحمى ... وحماه وسقاه ورعا ) وقوله
( بدا ليل العذار بخد بدر ... يفوق البدر حسنا في الكمال )
( فلا تطمع عذولي في سلوي ... فعشقي لا تغيره الليالي ) وقوله
( بروحي أفدي خاله فوق خده ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال )
( تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخال ) وقوله
( راحت مني روحي فهذي مهجتي ... من بعد ذا وجدا بها قد طاحت )
( فاترك ملامك يا عذول فإنما ... هي مهجة رحلت على من راحت ) وقوله في القاضي علاء الدين بن فضل الله
( لقد أعطى علاء الدين ما لم ... توف بشكره المداح طرا )

( نحا نحو الكرام إلي حتى ... دخلت مبردا وخرجت فرا ) وقوله في القاضي تقي الدين بن صالح مع بديع التضمين
( بجود تقي الدين أصبح دهرنا ... رقيق الحواشي معلما بالمدائح )
( فيا دهرنا حزت المفاخر فافتخر ... إذا نحن أثنينا عليك بصالح ) ومن أغراضه قوله
( أعدى احتراق النيل أكباد الورى ... فغدت تذوب تلهبا وتلهفا )
( وتزايدت نيرانها من نقصه ... فإذا به طاف البلاد وقد طفا ) ومن نكته اللطيفة وقد أهدى له بعض الوزراء في عيد الأضحى كبشا
( وزير الملك عيد ألف عيد ... فأنت الصاحب الخلق الجميل )
( لقد منيت في الأضحى بكبش ... ملي بالغنى كاف كفيل ) ومن لطائف مجونه قوله
( وناحل أضحى يصفي وقد ... حنت له راووق جريال )
( سألته كأسا أطفي بها ... نيران أحشائي فصفى لي ) وقوله
( قلت لبزاز على خلوة ... واصل فتى ينسب للخرقة )
( وخلني أصفق ولو صفقة ... فأنت ما تخسر في صفقتي ) وقوله في العنب العاصمي
( وعاصمي قد غدا طعمه ... أروى من الماء لدى الحائم )
( أورث خلي أكله هيضة ... فاعجب له من مسهل عاصم )

وقوله
( جاء نحوي معذر ... بعدما عز مطلبه )
( قلت ذا الأير ميت ... ظل يبكي ويندبه ) وقوله
( تطلبت حجرا في الظلام فلم أجد ... ومن يك مثلي حية دأبه الجحر )
( فناداني البدر الأديب إلى هنا ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ) ومن لطائف مجونه مع الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة قوله
( يكذب من ينسب البغاء إلى ... شاعرنا المنتمي إلى حجله )
( ما هو بغا كما يقال لنا ... بل هو نور يدور بالعجلة ) وقوله في الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد
( لعلاء الدين ذقن ... تملأ الكف وتفضل )
( فاعمل المنخل منها ... لدقيق العيد وانخل ) ومن لطائف الشيخ بدر الدين بن الصاحب في باب التورية قوله وتلطف ما شاء
( حبيب لي طبيب لم يزرني ... سوى بالطيف في ظلم الليالي )
( رآني ناحلا من فرط شوقي ... فأهدى لي مزوره الخيالي ) وقوله
( وعدتني بخيال ... يزور طرفي مناما )
( فشاب رأسي انتظارا ... وما بلغت احتلاما ) وقوله
( يا هلالا قد تسامى ... وله الصدغ عمامه )
( أشتهي لو نلت حظا ... منك مقدار قلامه ) ومن لطائفه في هذا الباب قوله
( يقبل الأرض لا زالت مقبلة ... من بعد ثغري بثغر الروض والزهر )
( ويسأل الله جمع الشمل منتظما ... ودمعه قائل يا منزل المطر )

وقوله
( جفني عليك ساهر ... بحرقة قد دقتها )
( ودمعتي جارية ... إن زرتني عتقتها ) وقوله في قيم حمام
( وقيم قيم في حسن صنعته ... حاز الجمال على حسن من الترف )
( لو يخدم البدر أنقى البدر من كلف ... لكنه لم يزل ما بي من الكلف ) وقوله
( فتنت بنبت من عوارض خده ... فها أنا في قيد الغرام أسير )
( ولا كان لي بالعشق قط تعلق ... ولا بالهوى قبل العذار شعور ) وقوله
( إذا جلوا لي كأسي ... بها حباب منظم )
( علمت أن زماني ... بعد القطوب تبسم ) وقوله
( يا أيها العاصر بادر إلى ... عنقودك الفاخر في كرمه )
( إياك أن تتركه ساعة ... يزبب النحس على أمه ) وقوله
( يا حابس الكاس لا تزدها ... من بعد حبس الدنان حسره )
( واغنم مزاجا لها لطيفا ... أورثه الانتظار صفره ) وقوله
( أطربنا مشبب ... من غير جعل سأله )
( يا حسن موصول له ... لم يفتقر إلى صله ) ويعجبني قوله
( غنت فأغنت عن كؤوس الطلا ... بالسكر من لذات تلك اللحون )
( فقلت إذ هيمني صوتها ... في مثل ذا الحلق تروح الذقون )

( يا مهدي الأقصاب من سكر ... صفرا حكى طول القنا طولها )
( إياك أن تقطعها ساعة ... فأحسن الأقصاب موصولها ) وقوله
( ناحت حمام البان أم تاهت أسى ... لم أدر ما عناؤها من شوقها )
( عجماء لا تظهر حرفا من شجى ... كأنها مخنوقة من طوقها ) وقوله
( وذات طوق على الأغصان تذكرني ... قوام حسنك في ضمي لمعتنقك )
( قد سودت وجهها نوحا فقلت لها ... سواد قلبي يا ورقاء في عنقك ) ويعجبني قوله
( يا ليل إن الحبيب وافى ... وخفت إسراع دهم خيلك )
( فطل وغش الصباح إني ... دخلت بالليل تحت ذيلك ) ومن نكته البديعة الغريبة في الشطرين قوله
( تأمل ترى الشطرنج كالدهر دولة ... نهارا وليلا ثم بؤسا وأنعما )
( محركها باق وتفنى جميعها ... وبعد الفنا تحيى وتبعث أعظما ) وقوله مضمنا
( أميل لشطرنج أهل النهى ... وأسلوه من ناقل الباطل )
( وكم رمت تهذيب لعابه ... وتأبى الطباع على الناقل ) ومن أغراضه
( لعبت في الشطرنج في غاية ... تقصر الأوصاف عن حدها ) ( إن صاح في الأقران لي بيدق ... تموت منه الشاة في جلدها ) ومن لطائف مجونه قوله
( شاب الحبيب فقلت أهلا بالوفا ... وازددت فيه تعشقا وتكلفا )
( والأير قام ولم يبل لمشيبه ... فالراية البيضا عليه في الوفا )

وقوله
( كم جار صرف الدهر في حكمه ... وضرني من حيث بي يعتني )
( ألبسني من شيبتي حلة ... قلت له والله عزيتني ) ومن أغراضه البديعة مع حسن التضمين قوله
( لله يوم الوفا والناس قد جمعوا ... كالروض تطفوا على نهر أزاهره )
( وللوفاء عمود من أصابعه ... مخلق تملأ الدنيا بشائره ) وقوله
( النيل ألبس حلة ... حمراء في تخليقه )
( وله أصابع زينب ... قد ختمت بعقيقه ) وقوله
( نادى منادي الوفاء مصرا ... إذ علقوا سترة علامه )
( من الغلا قد سلمت حقا ... فبت في الستر والسلامه ) وقوله
( كانت لمصر سترة ... بالنيل مذ ولى خلت )
( كأنه زوج لها ... فبعده ترملت ) ومن أغراضه البديعة قوله
( فاخرت الأقلام سمر القنا ... والسعد في الأقسام مكتوب )
( فقلت للخطي لا تستطل ... كلاكما للخط منسوب ) وقوله
( ولائم زاد لوما ... في أسود أشتهيه )
( وقال أسود تهوى ... فقلت عينك فيه ) ومن لطائف أغراضه في مليح فوال قوله
( أنا ابن الذي في الليل تسطع ناره ... كثير رماد القدر للعبء يحمل )
( يطوف بأقداح العوافي على الورى ... ويصبح بالخير الكثير يفول )
ومما اخترته من نظم الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة وقد تقدم قولي إنه كان يرضى بالرخيص لأجل الكثرة قوله

( بي من غدا ظهري عليه المنحنى ... ولحظه لحظ ظباء رامه )
( كم قلت من عذاره وقد بدا ... لي خطه يا كاتب السلامه ) وقوله
( يقول لي الحبيب أرى عذاري ... يدب الحسن من وجهي إليه )
( تكلم في وظيفة حسن خدي ... وقام بنفسه يسعى إليه ) وقوله
( وعاذل قد زاد في لومه ... وقال لما هاج بلبالي )
( بعارض المحبوب ما تنتهي ... قلت ولا بالشيب والوالي ) وقوله
( يا سائلي عن حالتي ما حال من ... أمسى بعيد الدار فاقدا إلفه )
( بي صيرفي لا يرق لحالتي ... قدمت من جور الزمان وصرفه ) وقوله
( أصبحت ما بين الورى ... كالواله المصاب )
( من هجر ذي القبطي الذي ... ما كان في حسابي ) وقوله
( يقول جاري من بعد جور ... وقد رأى حرقتي وناري )
( دمعك ما شانه ومن ذا ... عليك قد جار قلت جاري ) وقوله مضمنا
( أقول لصب قلبه يشتكي الأسى ... هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل )
( عذلتك في ابن السكري والذي أرى ... مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو ) وقوله مضمنا
( قل للهلال وغيم الأفق يستره ... حكيت طلعة من أهواه بالبلج )
( لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج ) وقوله في غلام يدعى مقبلا
( يا من تحجب عن محب صادق ... ما زال عنه كل حين يسأل )
( من لي بيوم فيه تقبل باللقا ... ويقال لي هذا حبيبك مقبل )

وقوله في جارية تدعى حكم الهوى
( حكم الهوى صدق فبت لأجل ذا ... ولهان من فرط الصبابة والجوى )
( يا عاذلي لا تلحني في حبها ... نفذ القضا وكذا جرى حكم الهوى ) ورأيت غالب مقطعات الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في الباذهنج والفانوس ولكن نختار منها ما يحسن نظمه في هذا السلك فمن ذلك قوله في فانوس مع حسن التضمين
( وكأنما الفانوس نجم نير ... منع الظلام من الهجوم طلوعه )
( أو عاشق أجرى الدموع بحرقة ... من حر نار تحتويه ضلوعه ) وتقدمه فيه مجير الدين بن تميم فقال وأحسن التضمين
( أنظر إلى الفانوس تلق متيما ... ذرفت على فقد الحبيب دموعه )
( يبدو تلهب قلبه بدموعه ... وتعد من تحت القميص ضلوعه ) وقال فيه ابن أبي حجلة وأجاد مع حسن التضمين
( يحكي سنا الفانوس من بعد لنا ... برقا تألق موهنا لمعانه )
( فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحت به أجفانه ) ويعجبني قوله مع حسن التضمين
( أنا في الدجا ألقى الهوى وبمهجتي ... حرق يذوب لها الفؤاد جميعه )
( فكأنني في الليل صب مدنف ... كتم الهوى فوشت عليه دموعه ) ويعجبني أيضا هنا قول مجير الدين بن تميم
( أبدى اعتذارا لنا الفانوس حين بدا ... في حالة من هواه ليس ينكرها )
( رأى الهوى مضرما ما بين أضلعه ... نار الجوى فغدا بالثوب يسترها ) ومن نظم الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في الباذهنج قوله مع حسن التضمين

( وباذهنج غدا في الجو منظره ... من فوق مخبره يبدو على سنن )
( فانظر فديتك يا محبوب رفعته ... واستنشق الريح من تلقاه يا سكني ) وقوله
( يا باذهنجي كم كذا ... تعلو على بان الحمى )
( أبديت حمقا زائدا ... ورفعت رأسك للسما ) وألطف منه قوله مع حسن التضمين
( يا باذهنجي لا برحت من الهوى ... مثلي على حب الديار مولها )
( داري بحبك لم تزل مشغوفة ... خلعت هواك كما خلعت هوى لها ) وقوله مضمنا
( هجا الشعراء جهلا باذهنجي ... لأن نسيمه أبدا عليل )
( فقال الباذهنج وقد هجوه ... إذا صح الهوى دعهم يقولوا ) ومن نكته الغريبة في باب التورية قوله وكتب به إلى ابن الزين المعروف بلبيكم
( يا شاعرا قد حاز حسن بديهة ... وتطيعه درر النجوم إذا نظم )
( وتجيبه قبل السؤال لقصده ... وتقول يا ابن الزين لبيكم نعم ) وقوله وقد قدم الشيخ جمال الدين إلى الشام
( يا معشر الأدبا غدا تشبيبكم ... ومديحكم فيما يروق ويعذب )
( وافاكم ابن نباتة فتفقهوا ... أقواله بسكينة وتأدبوا ) وقوله من أبيات
( ومتى امتطيت من الكؤوس كميتها ... أمسيت تمشي في المسرة راكبا )
( ومتى طرقت عشى انس ديرها ... لم تلق إلا راغبا أو راهبا ) وممن قنص شوارد التورية بحبائل فكره الشيخ بدر الدين حسن الزغاري فمن ذلك قوله

( قالت وقد أنكرت سقامي ... لم أرد ذا السقم يوم بينك )
( لكن أصابتك عين غيري ... فقلت لا عين بعد عينك ) وقوله
( حبست الدمع ثم جعلت جفني ... سياجا ما له قط انفراج )
( فما زلتم بجوركم إلى أن ... تجرى الدمع وانخرق السياج ) وقوله
( قيل لي إذ رأيت أقمار تم ... عن بدور السماء للطرف تلهي )
( أي وجه أضناك قلت دعوني ... فسقامي قد صح من كل وجه ) وقوله
( سل لحتفي كالحسام الصقيل ... لحظا حديدا تحت جفن كليل )
( ثقيل ردف قادني في دجا ... شعره عنقود وليل طويل ) وقوله أيضا
( أفديه في الألكن يرمي دائما ... وسواد قلب الصب من أغراضه )
( أطلقت لحظي نحوه فأجابني ... سهم وما عاينت كشف بياضه ) وقوله مضمنا وأجاد
( يقول العاذلون نرى رمادا ... على خديه من شعر العذار )
( فقلت لهم صدقتم غير أني ... أرى خلل الرماد وميض نار ) وقوله
( فتنت بأسمر حلو اللمى ... لسلوانه الصب لم يستطع )
( يقطع قلبي وما رق لي ... ودمعي يرق وما ينقطع ) ومنه قوله في مليح بيده قوس حلقه
( وبدا العشية أغيد في كفه ... قوس كنانتها سهام جفونه )
( فسألته البقيا على عشاقه ... فنفوسهم مطوية بيمينه )

وقوله
( وافى كتابك يا خليلي بعدما ... حكمت علي ببعدك الأيام )
( لكن أرى نار اشتياقي لم تكن ... بردا علي وفيه منك سلام ) ومن نكته الغريبة قوله
( أما ترى النهر كالحسام غدا ... ينسل بين الغصون والورق )
( وليس في الجري مثل صارمه ... يشق نحوي مفارق الطرق ) ومن غاياته البديعة في هذا الباب قوله
( سرت من بعيد الدار لي نفحة الصبا ... وقد أصبحت حسرى من السير ظالعه )
( ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعب أنفاسها متتابعه ) ومن لطائفه قوله
( أعجب ما في مجلس اللهو جرى ... من أدمع الرواق لما انسكبت )
( لم تزل البطة في قهقهة ... ما بيننا نضحك حتى انقلبت ) ومثله قوله وزاد لطفا بزيادة نكتة أخرى
( يا من يلوم في التصابي خلني ... فأذني عن الملام قد نبت )
( تصفية الكاسات في شواربي ... أضحكت البطة حتى انقلبت ) وتلاعب بهذا المعنى وقال
( أنا القليل العقل في صرف الذي ... أملكه في كلف المشارب )
( ولم أنل مما أضعته سوى ... تصفية الكاسات في شواربي ) ومن مجونه قوله
( يا صاحبا ما زال من أنعامه ... لثياب راجيه المؤمل رافي )
( قد قطعت فرجيتي حتى لقد ... ظهر القطوع بها على أكتافي )

وممن أتى في دقيق التورية بخاص الخاص الشيخ يحيى الخباز الحموي فمن ذلك قوله
( قال عذولي والقوم قد رحلوا ... وقصده في مقاله حيني )
( أطلق دموعا ما زلت تحبسها ... وطلق النوم قلت من عيني ) وقوله
( لم أنس طيفا زارني وانثنى ... عني وقلبي بعده يخفق )
( وما كفى حتى دموعي غدت ... من خلفه تجري وما تلحق ) وقوله مضمنا
( لئن وعدت بالوصل سلمى وأخلفت ... فسلها عسى العذر المبين يقوم )
( ولا تبدها باللوم قبل سؤالها ... لعل لها عذرا وأنت تلوم ) وقوله
( لقد تعشقت فتى سائبا ... يبدل الحاضر بالغايب )
( مدحته جهدي فلم يرتبط ... وراح كل المدح في السائب ) وقوله
( تعذر من أهواه واسود وجهه ... ورام وصالي بعدما لم يكن خلقي )
( وقال حكى صدغي نباتا أجبته ... صدقت لهذا عاد يصلح للحلق ) ومن لطائف نكته في هذا الباب قوله
( قلت لمن ينتف أصداغه ... لا تكره الريحان حول الشقيق )
( وأعتق شعور الذقن من نتفها ... فإنني شيخ أحب العتيق ) ومن لطائف نكته في هذا الباب قوله
( أصبحت في العالم أعجوبة ... عند ذوي الألباب والفهم )
( جدي حموي فاسمعوا واعجبوا ... وما كفى حتى أبي أمي )

ومن لطائفه قوله
( عاطنيها من عهد كسرى سلافا ... تتقد في الكؤوس كالنيران )
( وابن ماء السماء زوجه راحا ... أذكرتنا شقائق النعمان ) ومن رقيق أغزاله قوله
( لضعف أجفان حبي ... بالفتك فينا عتوه )
( فيا لها من جفون ... تزداد بالضعف قوه ) ومن مجونه قوله
( كسبت مملوكا ومن لطفه ... يسير باللطف على سيري )
( سميته خيرا وإن يدخل ... الأير يكن خيرا على خير ) وممن مماجناته مع الشيخ حسن الزغاري المذكور قوله
( حسن الزغاري أحمق ... يا بئس من يوافقه )
( خنقته هجوا وما ... للكلب إلا خانقه ) ومثله قوله فيه
( نبح الزغاري عند نظم موشح ... وكمال نظمي بالسفاهة نقصا )
( فضربته بعصا الهجا لما عوى ... فأصبت مصرعه ولم تضع العصا ) وقوله فيه
( قل للزغاري الذي من جهله ... أمسى بأقوال الأكابر هازي )
( هذا ابن قرصة قد سمعت هجاءه ... من ذا يجيرك من يد الخباز )
ومن لطائف الشيخ شهاب الدين الحاجبي تغمده الله برحمته في باب التورية ولم أظفر له إلا بما قل من مقاطيعه مع أني كثير الفحص عنها فإنه ما يجارى في انسجامه وسهولته ورقته ولطيف تركيبه في هذا الباب قوله
( لها عين لها غزل وغزو ... مكحلة ولي عين تباكت )
( وحاكت في فعائلها المواضي ... فيا لك مقلة غزلت وحاكت )

وقوله
( وصفت خصره الذي ... أخفاه ردف راجح )
( قالوا وصف جبينه ... فقلت ذاك واضح ) وقوله
( عودوا لصب بكى عليكم ... يا جيرة ودعوا وساروا )
( فدمع عينيه عاد بحرا ... وقلبه ما له قرار ) وقوله
( لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها )
( حفظت أحاديث الهوى وتضوعت ... نشرا فيا لله ما أذكاها )
ووقفت له على قصيدة لامية امتدح بها الملك الأفضل صاحب حماة كلها غرر في باب التورية مطلعها
( عما جرى من أدمعي لا تسألوا ... فمدامعي أخبارها تتسلسل ) وما أحلى ما قال بعد المطلع
( وخذوا حديثا قد ألم بمهجتي ... وازداد حتى أهملته العذل ) منها
( ثاني المعاطف كنت أول عاشق ... في حبه ولكل ثان أول )
( يرنو فيحلو للمتيم لحظه ... إذ ذاك لحظ بالنعاس معسل )
( وتميل منه شمائل لم أدر من ... مشمولة أو حركتها الشمأل )
( متلون الأوصاف سيف لحاظه ... ماض ولكن هجره مستقبل ) منها قوله وأظنه سبق ابن نباتة إلى معناه وهو

( أيجود لي دهر بطيف خياله ... وأظنه برجوع ذلك يبخل )
( أم كيف يأتي الطيف جفنا بابه ... بالفتح من أرق الصبابة مقفل )
وقول الشيخ جمال الدين
( وأقسم لو جاد الخيال بزورة ... لصادف باب الجفن بالفتح مقفلا ) ومن قصيدة الحاجبي قوله
( يا ساكنين السفح كيف حجبتم ... عن ناظري البدر الذي لا يأفل )
( وفعلتم بي ما يسر عواذلي ... ما شئتم يا أهل بدر فافعلوا )
( لا تحجبوا بيني وبين غزالكم ... فعلى حجاز الصد ما لي محمل ) ومنها وهو المرقص والمطرب قوله
( يا صاح عللني بكأس مدامة ... عن ذكره إن المحب يعلل )
( صهباء إن جن الفتى بخمارها ... فهى الشفاء وفي شذاها المندل ) ومن لطائفه في هذا الباب قوله
( لم أنس أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح )
( ذاك زمان مر حلو الجنى ... ظفرت فيه بحبيب وراح )
تالله لقد عز علي أن تتحجب عني عرائس الحاجبي في خدور الأوراق فإني لم أظفر من منهله العذب بغير هذه النهلة ومن عروبة الشيخ زين الدين بن العجمي في باب التورية قوله
( سهل الخدود عزيز وصل من يرم ... يوما جنى وجناته لم يستطع )
( كم رمت لثم الخد منه فقال لي ... لا تطمعن فكل سهل ممتنع )

وقوله
( حبي يمين في يمين الهوى ... فلا تشق منه بزور المقال )
( كم قال ما ملت وولى وكم ... قد سلب العشاق روحا ومال ) وقوله
( وافى وفي كميه ورد أحمر ... حيا به مذ شب تحت لثامه )
( فرشفت حلو الراح من خرطومه ... وجنيت ورد الخد من أكمامه ) وقوله
( أنظر إلى الغدران كيف تجعدت ... أمواجها فزهت وراقت منظرا )
( وحكت سطورا في طروس خطها ... قلم النسيم بلطفه لما انبرى ) ومن نكت مدائحه البديعة قوله في القاضي شهاب الدين بن فضل الله رحمه الله تعالى
( يا عمري الأصل أنت مالكي ... ونافعي بجوده دون البشر )
( لذا رفعت سندي في حكمكم ... لنافع لمالك لابن عمر ) وقال وقد أهدى له حلاوة سكب
( لفضلك يا قاضي القضاة مزية ... على السحب لا تخفى على من له لب )
( فأول جود الغيث قطر مبدد ... وغيث نداك الجم أوله سكب ) ويعجبني من زهدياته قوله
( عن طريق الذنوب قيدت خطوي ... خيفة من عقاب عقبى التجري )
( وإذا لاح نهج بر تراني ... فيه أمشي أبغي ثوابي وأجري ) وقد عن لي أن أورد هنا نبذة له من المواليا فإنه كان فارس ميدانها وقائد عنانها فمن ذلك قوله
( للحب قالوا معناك الذي إذ بلتو ... جدلو بقبله فعقلو فيك خبلتو )
( فقال أقسم لو أن البوس سبلتو ... ومات للشرق ما درتو وقبلتو )

ومن مخترعات معانيه قوله فيها
( حشيش عارضك الأخضر بدا في هدو ... في روض وجنتك يحدو للصبابه حدو )
( والوهم ما ضر خدك يا رخيم الشدو ... إلا لأن حشيشو قد طلع في بدو ) وقوله
( شدوا المحامل فصرت ساعة التحميل ... ملهوف لا حمل يعنيني ولا تحميل )
( والعين قد حلفت يا بدر في التكميل ... لا تكتحل بالكرى إن غبت عنها ميل ) وقوله
( يا من على الخلق أذيال المكارم جر ... وقد سلب نوم أجفاني وعنى فر )
( يحل لك أن قلبي يا غزير الدر ... مالو قرار ودمعي البحر وأنت البر ) وممن فتح له هذا الوصيد القاضي فتح الدين بن الشهيد رحمه الله تعالى فمنه قوله
( بستان حسنك أينعت ثمراته ... واها لغصن قوامك المياس )
( في صدره رمان نهد زانه ... حلي يوسوس في صدور الناس ) وقوله
( أفدي التي ساقت حروب الهوى ... بحسن ساقيها لمشتاقها )
( جادلت عذالي على حسنها ... فقامت الحرب على ساقها ) وقوله
( قال لا تخش رقيبي فلمن ... حبني في زورتي أوفى نصيب )
( قلت إن زرت وحانت غفلة ... فبودي وعمى عيني رقيبي ) وقوله في عين بعلبك
( ولقد أتيت لبعلبك فشاقني ... عين بها روض النعيم منعم )
( فلأهلها من أجلها أنا مكرم ... ولأجل عين ألف عين تكرم ) وقوله
( قاسوا حماة بجلق فأجبتهم ... هذا قياس باطل وحياتكم )
( فعروس جامع جلق ما مثلها ... شتان بين عروسنا وحماتكم )

فأجبته في ذلك التاريخ عن ذلك بقولي
( والله إن حماة شامة شامكم ... وعروسها بمحاسن متزايده )
( ودمشقكم بعذارها الثلجي قد ... ولت شبيبتها وأمست بارده )
ومن لطائف القاضي فتح الدين بن الشهيد قوله وقد أحضر له عواد يسمى طائر بغا بسفارة الحاجب توكل
( نهاري أنس كله بمنادم ... على عوده يغزو الحشا بتبلبل )
( وكنت أراه طائرا عز مطلبا ... ولكنني حصلته بتوكل ) وقال وقد حضر عنده من يلعب بالقانون وأطربه
( غنى على القانون حتى غدا ... من طرب يهتز عطف الجليس )
( داوى قلوبا من عليل الأسى ... وكان فيها من هواها رسيس )
( فصاحت الجلاس عجبا به ... يا صاحب القانون أنت الرئيس )
ومن نكته اللطيفة التي هو أحق بها من غيره لكونه صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام قوله
( كانت فتاتي لنظم بيتي ... قرينة برة أمينه )
( بكيتها والحمام قامت ... بالسجع في ندبها معينه )
( من علم الورق أن سجعي ... ليس يؤاتي بلا قرينه )
ومن لطائفه وقد جهز لبعض أصحابه رسالة القلب وهي ما لا يستحيل بالانعكاس وجهز بعده قوالب سكر
( رسالة القلب بها خدمتي ... تقدمت في الزمن الذاهب )
( وها أنا أرسل من بعدها ... قوالب السكر في الواجب )
( ليعلم المخدوم أني امرؤ ... أخدمه بالقلب والقالب ) وكتب على عمارة بيته قوله
( بنيت على وفق المكارم والعلا ... فللفتح أبوابي وصدري للضم )
( سنا الملك يبدو من موشح زينتي ... ومن أجل ذا دار الطراز على كمي )

وكتب على الرفرف
( رفعتك ما شاء الترفه رفرفا ... أزين سمائي بل أزين سماحي )
( فلا بدع أن الناس يهوون بهجتي ... ويمشون في ظلي وتحت جناحي ) وكتب على مجلس بيته
( يا من ينزه في حسني نواظره ... اسمع صفات بها قد فقت أمثالي )
( أنى مقام مقر عز جانبه ... ودون قدر مقامي المجلس العالي ) ومن لطائف الشيخ عز الدين الموصلي في باب التورية قوله رحمه الله تعالى
( يقول وقد بدا قمرا وغصنا ... حباه حسنه هيفا بلين )
( تنشق مسك أصداغي حلالا ... فهذا الطيب من عرق الجبين ) وقوله
( كالزرد المنظوم أصداغه ... وخده كالورد لما ورد )
( بالغت في اللثم وقبلته ... في الخد تقبيلا يفك الزرد ) ويعجبني من نكته الغريبة قوله
( وحاجم في الكأس أجرى دما ... من ساق ساقينا بإشفاق )
( لكنه خالف في شرطه ... وحكم الكأس على الساق ) ولعمري إنه تلطف إلى الغاية بقوله
( أعدى سقام جفونه ... جفني فأعدمني الكرى )
( حتى اعتللت بسرعة ... مثل النسيم إذا سرى ) ويعجبني قوله في باب التدبيح
( خضرة الصدغ والسواد من العين بياض المشيب قد أورثاني ... )
( واحمرار الدموع صفر خدي ... كل ذا من تلونات الزمان )

وقوله
( حديث عذار الحب باد وساقه ... له أوجه تبدي لقلبي اشتياقه )
( درى أننا نسعى إلى الحسن كلنا ... فأبدى لنا ذاك الحديث وساقه ) وقوله
( يا مقلة الحب مهلا ... فقد أخذت بثارك )
( وأنت يا وجنتيه ... لا تحرقيني بنارك ) وقوله
( حديث عذار الحب في خده جرى ... كمسك على الورد الجني مسطرا )
( فقبلته حتى محوت رسومه ... كأن لم يكن ذاك الحديث ولا جرى ) وقوله
( عيني أفاضت دموعي ... من طول صد وبين )
( ووجنة الحب قالت ... رأيت غسلي بعين ) وقوله
( عاتبت حبي على تأخره ... وقد تعنى برجة الردف )
( فقال هذا الثقيل أخرني ... عن سرعتي لانقطاعه خلفي ) وقوله
( لحديث نبت في العذار حلاوة ... وطلاوة هاجت بها العشاق )
( فإذا تجافى المرد قلت تمهلوا ... فإليكم هذا الحديث يساق ) وقوله
( هجروك البيض لما ... نصل الصبغ فضرك )
( كشف الدهر المغطى ... يا جميل الستر سترك ) وقوله
( ذو حور أصابني ... بعينه لما نظر )
( فليس قتل صبه ... إلا كلمح بالبصر ) ومن لطائف مجونه قوله
( وبي ناتف للعارضين يقول صف ... نبات عذار زان في الحسن منظري )
( فناديت يا حلو الشمائل ما الذي ... يقول لساني في النبات المكرر )

وقوله
( لما جفا المحبوب ناديته ... قابلت حبي منك بالبغض )
( فعندها نام على وجهه ... وقال وجهي منك في الأرض )
وكنت أظن أن هذه النكتة اختراع الشيخ عز الدين الموصلي إلى أن وقفت على الديوان الكبير من نظم الشيخ جمال الدين بن نباتة فوجدته قد أخذها منه بنصها اللهم إلا أن يكون وقع حافر على حافر وقول الشيخ جمال الدين في هذه النكتة
( عاتبت محبوبي وقد نكته ... بطحا فأضحى خجلا مغضي )
( فقلت دربسني وخل الحيا ... فقال وجهي منك في الأرض ) ومن لطائف مجون الشيخ عز الدين قوله
( قد لقبوا بالزاغ ذا حنكة ... كواه ذا التلقيب في القلب داغ )
( وهو غراب البين في شؤمه ... لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ ) وقوله في تمتع الدمشقي
( وذي أدب لطيف الذات جدا ... طلبت الوصل منه فما تمنع )
( ودب لأخذ أيري قلت من ذا ... فناداني بإشفاق تمتع ) وقوله
( مذ نام أيري قال لي ... أفمه يحظى بالوصول )
( فقلت فيه قصر ... فقال ذا شيء يطول )
وممن عاصر الشيخ عز الدين الموصلي ومشى تحت علم التورية علاء الدين بن أيبك الدمشقي وكان المتعصبون على الشيخ عز الدين يناظرونه به ولعمري إن هذه المناظرة ما صدرت ممن له نظر فمن نكته البديعة قوله وقد اجتمع بمليح في منتزه من منتزهات دمشق يعرف بالسلطاني
( سلطان حسن أفتديه بناظري ... وأعيذه من نظرة الشيطان )
( يوما بزهر اللوز لما زارني ... قضيت ذاك اليوم بالسلطان )

وقوله
( أحببت من خياله وجنة ... مشرقة حمراء شبه اللهب )
( قالوا الشهيدية أعطافه ... فقلت والردف تليل الذهب ) وقوله
( أقول وقد ظمئت ووجه حبي ... له عرق على ورد الخدود )
( أرى ماء وبي ظمأ شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود ) ومن لطائف مجونه قوله
( تلطف واحتمل مزح الغواني ... وإن أوجعن منك الظهر دقا )
( وجيدك إن يلق الصفع فاصبر ... فإن الجيد في الدنيا ملقى ) ومن نظم الشيخ جلال الدين ابن خطيب داريا في باب التورية قوله
( شهدت جفون معذبي بملالة ... مني وإن وداده تكليف )
( لكنني لم أفأ عنه لأنه ... خبر رواه الجفن وهو ضعيف ) وقوله
( تقول وقد أتتني ذات يوم ... مخبرة عن الظبي الجموح )
( يسرك أن أروح إليه أجري ... فقلت لها خذي مالي وروحي ) ومن لطائف مجونه قوله
( يا معشر الأصحاب قد عن لي ... رأي يزيل الحمق فاستظرفوه )
( لا تحضروا إلا بأخفافكم ... ومن تثافل بينكم خففوه ) وقوله
( تصفحت ديوان الصفي فلم أجد ... لديه من السحر الحلال مرامي )
( فقلت لقلبي دونك ابن نباتة ... ولا تقربي الحلي فهو حرامي )

الشيخ جمال الدين رحمه الله تعالى أراد بالسحر الحلال الذي ما وجده في ديوان صفي الدين التورية لا غير وما ذاك إلا أن الشيخ صفي الدين كان أجنبيا منها ولهذا لم أنظمه في سلك القوم الذين مشوا في نظم التورية تحت العلم الفاضلي والعلم النباتي وغايته أنه رضي بالشعر الساذج المنسجم وتعرض للتورية في بعض المواضع ولكن سبكها في غير قالبها لأنه لم يكن في طباعه ويأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ومن نظم الشيخ جلال الدين غفر الله له والمعنى في مراده ومفهوم قوله
( ذكر المصطفى ثلاثين دجا ... لا يجيئون في قيام الساعه )
( فيهم أعور وقد صح بالبر ... هان أن جا كواحد من جماعه ) ويعجبني قوله في آثار النبي
( يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره )
( فلقد حظيت من الزمان بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره ) ومن لطائف شمس الدين بن المزين في باب التورية ما أنشدنيه من لفظه لنفسه
( مدير الكاس حدثنا ودعنا ... بعيشك من كؤوسك والخبيث )
( حديثك عن قديم الراح يغني ... فلا تسقي الأنام سوى الحديث ) وأنشدني من لفظه لنفسه أيضا
( ومليح لالاه يحكيه حسنا ... فهو كالبدر في الدجى يتلالا )
( قلت قصدي من الأنام مليح ... هكذا هكذا وإلا فلا لا ) ومن نكته اللطيفة قوله
( قلت للأحدب لما ... أن رأى الوجد علاني )
( أنا أبقى وبوجدي ... فيك يا أحدب فاني )

وقد تقدم القول أن النكتة في التاجر استحقها الشيخ جمال الدين بن نباتة على الصلاح الصفدي وعلى زين الدين الوردي وهي
( وتاجر أسكرني طرفه ... والكاس فيما بيننا دائر )
( وقال لي سرك قلت اسقني ... جهرا على عينك يا تاجر ) ومن نكته المخترعة قوله
( شاب ورد الرياض من ... ورد خديك وانفرك )
( فله الناس أثبتوا ... وانتفى الورد للكرك )
ورسم الجوباني وهو إذ ذاك كافل المملكة الشامية لفضلاء دمشق أن ينظموا له ما يكتب على أسنة الرماح فنظم القاضي فتح الدين بن الشهيد
( إذا الغبار علا في الجو عثيره ... فأظلم الجو ما للشمس أنوار )
( هذا سناني نجم يستضاء به ... كأنه علم في رأسه نار )
( إن الرماح لأغصان وليس لها ... سوى النجوم على العيدان أزهار )
ونظم مولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي نور الله ضريحه وكان إذ ذاك في عنفوان شبابه ومبادي نظمه
( النصر مقرون بضرب أسنة ... لمعانها كوميض برق يشرق )
( سبكت ما لتسبك كل خصم مارق ... وتطرقت لمعاند يتطرق )
( زرق تفوق البيض في الهيجاء إذ ... يحمر من دمها العدو الأزرق )
( ينسجن يوم الحرب كل كتيبة ... تحت الغبار فنصرهن محقق )

ولعمري إن الشيخ شمس الدين بن المزين تطاول برمحه على أقرانه في ذلك العصر بقوله
( أنا أسمر والراية البيضاء لي ... لا للسيوف وسل من الشجعان )
( لم أحل في عيش العداة لأنني ... نوديت يوم الجمع بالمران )
( وإذا تعانقت الكماة بجحفل ... كلمتهم فيه بكل لسان )
( فتخالهم غنما تساق إلى الردى ... قهر المعظم سطوة الجوباني ) وكتبت من حماة المحروسة حسب ما رسم لي به قولي
( أنا في الخط إن تحمر نقطي ... فكتابي مقاتل الفرسان )
( وقوامي إذا تثنى ففرد ... ما له في تفرق الجمع ثاني )
( وسناني كالبرق بل صار منه ... قلب سيف البروق في خفقان )
( رمحه للردين ينسب لكن ... صاح لما علاه بالسنان ) ومن أغراض الشيخ شمس الدين المزين اللطيفة قوله
( حمل الدواة فرمتها ... منه مرامة عاشق )
( قالت إذا ما أنت يا ... قلم الديار بلائق ) ومن لطائف مجونه قوله
( سلماني أضافنا ... لبنا ما له ثمن )
( بيض الله وجهه ... كلما جاء باللبن ) ومن مقاطيعه التي سارت لديها الركبان قوله
( أنا دواة يضحك الجود من ... بكا يراعي جل من قد براه )
( دلوا على جودي من مسه ... داء من الفقر فإني دواه )

ومن أغراضه اللطيفة قوله
( نزلنا بالقصير فرام قلبي ... مليحا بالعذارى الغيد أزرى )
( فلما أن تعذر مال عنه ... فؤادي والجوانح نحو عذرا )
ومن مدائحه المخترعة ما أنشده لشيخنا ومولانا قاضي القضاة علاء الدين بن القضامي الحنفي نور الله ضريحه وقد مر على دمشق متوجها إلى الحجاز الشريف في محفة قوله
( محفة المجلس العلائي ... تنشر جدواه في المشاهد )
( تقول هذا قنى وأعطى ... وحج بالناس وهو قاعد )
وأمر ابن المزين أن يكتب على قبره من نظمه ما قرأته على القبر وحفظته وهو قوله رحمه الله
( بقارعة الطريق جعلت قبري ... لأحظى بالترحم من صديقي )
( فيا مولى الموالي أنت أولى ... برحمة من يموت على الطريق ) ومما قررته للشيخ شرف الدين عيسى العالية في باب التورية قوله رحمه الله تعالى
( لما رأوه مضاجعي تحت الدجا ... حجبوه عن عيني حتى أسهرا )
( قبلت خالا فوق كعبة خده ... قبل الوداع وما أتيت المشعرا ) وقوله
( ومليحة راودتها فتعللت ... بالحيض وهي تقول كالمذعور )
( هل موضع خال فقلت لها اسكتي ... فمواضعي ليست تعد ودوري ) ومن لطائف مجونه قوله وهو حكاية لحاله
( قالت لي الفروة قم دفني ... حتى أدفيك بقلبين )
( قلت لها بالله ما تشتهي ... قالت غشا قلت على عيني )

ومن مجونه مع الشيخ بدر الدين البشتكي
( البشتكي المكدي ... ذو أبنة ليس تخفى )
( قد مد للنيك رجلا ... وللخلائق كفا ) وقوله
( أيا معشر الصحب مني اسمعوا ... مقالي وكس أم من ينتكي )
( ألا فالعنوا اكلين الحشيش ... وبولوا على شارب البشتكي ) وقوله
( البشتكي البدر له لحية ... كلحية الراهب مشعوره )
( قال أنا أشعر هذا الورى ... قلنا له فاستعمل النوره ) ويعجبني من مدائحه قوله
( تهنأ بنصف كم به من حلاوة ... وجد لي بفضل لا يضيع ثوابه )
( فإن لساني صارم وفمي له ... قراب وأرجو أن يحلى قرابه ) ومن شعر عيسى في مؤلفه من قصيدة
( صبيغ دعاويه ما تنقضي ... ويخطىء في القول لا يشعر )
( تفكرت فيه وفي ذقنه ... فلم أدر أيهما أحمر ) وقوله
( أيا رب الجناب الرحب جد لي ... وكثر في العطاء ولا تقلل )
( وما تعطيه لي من خشكنان ... نهار العيد كبر أو فهلل ) وقوله
( لفضلك يا ابن فضل الله أشكو ... برأسي البرد في نومي وأمسي )
( وأرجو أن يكون الشاش شمسا ... أروم الفوز من برد بشمس )

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6