كتاب : خزانة الأدب وغاية الأرب
المؤلف : تقي الدين أبي بكر علي بن عبد الله الحموي الأزراري

خلق الحيوان والتفكر في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار وإنزال الرزق من السماء وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح يقتضي رجاحة العقل ليعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلي بعد قيام البرهان على أن للعالم الكلي صانعا مختارا فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة ( لقوم يعقلون )
وإن احتيج للعقل في الجميع إلا أن ذكره هنا أمتن بالمعنى من الأول ويروى أن أعرابيا سمع شخصا يقرأ ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ) غفور رحيم فقال ما ينبغي أن يكون الكلام هكذا
فقيل إن القارئ غلط والقراءة ( والله عزيز حكيم )
فقال نعم هكذا تكون فاصلة هذا الكلام فإنه لما عز حكم
وإذا تأملت فواصل القرآن وجدتها كلها لم تخرج عن المناسبة كقوله تعالى ( فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) لا يجوز التبديل بينهما
إذ لا يجوز النهي عن انتهار اليتيم لمكان تهذيبه وتأديبه وإنما ينهى عن قهره وغلبته كما لا يجوز أن ينهر السائل إذا حرم بل يرده ردا جميلا
ويعجبني قول ديك الجن
( قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي عند المنام )
عند الرقاد عند الهجوع عند الهجود عند الوسن
( فعسى أنام فتنطفي ... نار تأجج في العظام )
في الفؤاد في الضلوع في الكبود في البدن
( جسد تقلبه الأكف ... على فراش من سقام )
من قتاد من دموع من وقود من حزن
( أما أنا فكما علمت ... فهل لوصلك من دوام )
من معاد من رجوع من وجود من ثمن
فهذه القوافي المثبتة يقابل كل بيت بما يليق به منها والأولى أولى وأرجح

وبيت صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى
( عدمت صحة جسمي إذ وثقت بهم ... فما حصلت على شيء سوى الندم )
فلذكر عدمت في صدر البيت يليق أن تكون القافية العدم ولذكر الصحة يليق أن تكون القافية السقم ولذكر الوثوق يليق أن تكون القافية الندم والبيت في غاية الرقة والانسجام
وبيت عز الدين
( تخيير قلبي هوى السادات صح به ... عهدي وإني لحزني ثابت الألم )
أما تخيير هذا البيت فإني تركته لأهل الذوق السليم بل تخير البيت بكماله
ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع
وبيتي هو
( تخيروا لي سماع العذل وانتزعوا ... قلبي وزادوا نحولي مت من سقمي )
فسماع العذل يليق به السأم وانتزاع القلب يليق به الألم وزيادة النحول يليق بها السقم وتقديم السقم هنا لقربه من النحول ولم يدخل إلى هذا البيت من الأجانب قافية

ذكر الإبهام
( وزاد إبهام عذلي عاذلي ودجا ... ليلي فهل من بهيم يشتفي ألمي )
الإبهام بباء موحدة وهو أن يقول المتكلم كلاما مبهما يحتمل معنيين متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر ولا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد بل يقصد إبهام الأمر فيهما
والإبهام مختص بالفنون كالمديح والهجاء وغيرهما ولكن لا يفهم من ألفاظه مدح ولا هجاء بل يكون لفظه صالحا للأمرين ومثاله ما يحكى أن بعض الشعراء هنأ الحسن بن سهل باتصال ابنته بالمأمون مع من هنأه فأثاب الناس كلهم وحرمه فكتب إليه إن أنت تماديت على حرماني عملت فيك بيتا لا تعلم مدحتك فيه أو هجوتك
فاستحضره وسأله عن قوله فاعترف وقال لا أعطيك أو تفعل
فقال
( بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن )
( يا إمام الهدى ظفرت ... ولكن ببنت من )
فلم يعلم ما أراد بقوله ببنت من في الرفعة أو في الصغر واستحسن منه الحسن ذلك وناشده أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته فقال لا والله بل نقلته من شعر شاعر مطبوع كثير العبث بهذا النوع اتفق أنه فصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد فقال له

الخياط على طريق العبث به سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دواج
فقال له الشاعر إن فعلت ذلك لأعملن فيك بيتا لا يعلم أحد ممن سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك ففعل الخياط فقال الشاعر
( خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء )
فما علم أحد أن الصحيحة تساوي السقيمة أو بالعكس فاستحسن الحسن صدقه أضعاف استحسانه حذقه
وغالب الناس يسمون الخياط عمرا ويقولون
( خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء )
ولكن نقل زكي الدين بن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير أن الخياط كان اسمه زيدا وأورد البيت مصرعا مرفوع العروض والضرب ووجه الرفع ظاهر فيهما
ولم يتفق للمتأخرين ولا للسلف من قبل في هذا الإبهام غير البيت المتعلق بالخياط زيد والبيت المتعلق بالحسن بن سهل وقد تقدم ذكرهما وقد عززتهما بثالث لما وقفت على تاريخ زين الدين بن قرناص الحلبي ووجدته قريبا من قباء زيد الخياط فقلت
( تاريخ زين الدين فيه عجائب ... وبدائع وغرائب وفنون )
( فإذا أتاه مناظر في جمعه ... خبره عني إنه مجنون )
وكذلك الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته وتبعه الشيخ عز الدين الموصلي لأجل المناظرة ويأتي الكلام على بيتيهما
وقد كشفت عنه قناع الأشكال وأبرزت بدوره المتحجبة في أفق الكمال فإني كتبت فيه تقريضا لم أرض بقراضة الذهب أن تكون له رملا ولا سبقني إليه أديب ولا ولد منه على هذا الطريق شكلا وما ذاك إلا أنه ورد إلى الديار المصرية وأنا منشئ دواوين الإنشاء المؤيدي خلد الله ملكه الشيخ شمس الدين محمد بن ناهض الفقاعي في شهر شوال سنة ثمانية عشر وثمانمائة وقد صنف سيرة مشتملة على نظم ونثر للسلطان الملك المؤيد ولم يكن للمشار إليه إلمام بتعاطي الأدب في مبادي عمره فسألني أن أكتب له عليها تقريظا قبل تقديمها فامتنعت من ذلك مدة فدخل علي بمن

لا تمكن مخالفته فحسنت له كتابة شيخنا القاضي بدر الدين بن الدماميني أولا فتوجه إليه فالتزم بالأيمان المغلظة أنه لا يكتب له إلا إذا كتبت له فلزمتني الكتابة من وجوه فكتبت له هذا التقريظ الذي صلت البلغاء خلفه فإنه للمحاسن جامع وأوضحت طريقه فضاع نشره الذي كان من غير تورية ضائع وهو
وقفت على قواعد الأدب من هذه السيرة الناهضية فوجدت مطرب لحنها قد أعرب عن التنكيت لأهل النكتب الأدبية ونويت معها سلوك الأدب لاحتشامها بالصفات المؤيدية فإنها ما قوبلت بأدب إلا تقوت بسلطانها ولا جارتها سيرة مطولة إلا كانت قاصرة عن الجري في ميدانها ولا ذكرت التواريخ المقدمة معها إلا تأخرت وكبت خلفها ولا ناظرها ذو قصص إلا ثقل عليه أمرها ونظر إلى قصصه فاستخفها ولا بالغ أهل التقاريض في تقاريضهم إلا وكانت دونها واستحق لها هذا الوصف في ذمة أهل الأدب فاستوفت منه ديونها فلو نظر الصفدي إلى هذا التاريخ وراجع النظر لسلخ جلده أو تصفحه الكتبى لعدد على تاريخه وما عده أو كاثره ابن كثير لرأى نقصه متزايدا عنده أو عاصره ابن خلكان لقال لم أمازج شراب الفقاعي بخلي فإن عنده حمضة وبرده أو لمحه الذهبي وموه بتاريخه لقيل له هذا ما ينطلي معه وعلم أن خلاصة الذهب تظهر بالسبك فهضم من جانبه ووضعه ولو أدركه البديع لرمى بديعه وعلم أنه بدعة أو لحقه الوهراني لرآه في المنان إن حصل له بعد مطالعته هجعة نسب هذا التأليف إلى الدولة المؤيدية فصار له على كل أهل الأرض صوله فلو ناظره مؤلف بمجلد لقلنا هذا جراب الدولة تحمس في شعره وتغالى فألقى لنا في سوق الكلام رخصه ولو زايده أبو تمام لتحقق عجزه وأرانا بنفسه نقصه نعم هذه الأشعار التي ما زاحمها شاعر بديوانه إلا تلت عليه بعد الزلزلة الواقعة وتقوم القيامة وهي إلى الحشر مرمية على القارعة ولقد أقام أوزانها بالقسط ولكن رجحها على القيراطي بفضله ونقص عنها الراجح الحلي لأن فيها زيادة على مثله فيا له من شعر قصر عن بحره الطويل كل معارض وكيف لا وناظمه ذو همة علية وناهض وابن ناهض وقد وقف ابن حجة وقوف معترف أن عنده في نظمه وقفه وسيكتب المقر البدري على اعترافه أنه قاضي الأدب وإمامه الذي صلت البلغاء خلفه وفتحت لعلماء الأدب هذا الباب وأرجو أن يكون فتحا مبينا فإن رضوني براعة بحسن الختام وإذا حصل العلل من هذا النهر روينا نعم وقفت وغير خاف عن علومهم الكريمة أن شرط الواقف ما يهمل وامتثلت

مراسيم المصنف مع سلوك الأدب الذي يذوقه من له فيه أعذب منهل والله يجمعنا على هذا الشرب لتحلو موارده بالموارده ولا يحجبنا عن الكلام الذي يحسن السكوت عليه وتتم به الفائدة
وكتب بعد ذلك سيدنا القاضي بدر الدين المشار إليه وقفت أنا ولا أكاد أثبت نظري لشدة الخجل وسألت المهلة في وصف هذه الألفاظ فإذا هي قد جاءت على عجل فقلت أما المقام الشريف الممدوح عز نصره ولا زالت تفخر بدولته القاهرة مصره فملك مد على الرعية جناح العدل وحمى بيضة الإسلام وتواردت على تجريح عداته وتعديل صفاته السنة السيوف والأقلام وسار على أقوم طريق فأذكرنا السيرة العمريه وطلع في سماء الكواكب كالبدر فقل ما شئت في الطلعة القمرية ودعا إلى نسك طاعته فلبته في ذلك الموقف النفوس ونادى على أعدائه منادي الحتف فأرانا كيف يكون الترخيم بحذف الرؤس ناهيك بها مناقب سرت القلوب وسارت ونافست النجوم جواهر الألفاظ في مدحها فغارت وشملت البرايا بالمن والمنح وقابلت المسيء بالعفو والصفح حماها الله تعالى من الغير وجعل صفاتها الشريفة جمال الكتب والسير
وأما منشئ السيرة فماذا أقول وقد رأيت الخطب جليلا وماذا أصف وقد حملني العجز عبئا ثقيلا هو كبير أناس مزمل من البلاغة بأنواع وأجناس يأتم به الهداة كأنه علم وتروم الأدباء المقايسة به فيقاسون ولكن من شدة الألم له في الأدب صريمه وشهامه وفراهة تجريه إلى المقامات الرائقة فلا تعتريه سآمه ما هم بتركيب معنى إلا وشرح الصدور بذلك الهم ولا شن فارس فكره غارة إلا وتم منها على بيوت الشعراء ما تم
طالما أظهر برغم أنوف الحسدة في المجالس فضله وصعبت الآداب على غيره لكنها أصبحت عليه سهلة وعقل غرائب نكته عما سواه فلله ما أبدع عقله كدر عيش الحلي بما ابتدعه من العجائب ولا ينكر لمثله تكدير الصفي واكتفى في ميدان البراعة بجواد فكره الذي جال وهو مكر مفر وهكذا يكون المكتفي أتى في تاريخه بألفاظ لو رآها ابن الأثير لتأثر وابن سعيد لتعثر وابن بسام لأصيب منها بالقارعة فعبس وتولى أو الحجازي لرمي منها بالداهية التي هدمت ما بناه وثقلت عليه حملا وكتب خطا لو لمحه ابن مقلة لأصيب منه بنظره أو ابن البواب لهتك ستره وجاء بأدب لو وازن أحد به الراجح الحلي لما أقام له وزنا ولا رجحه ولو تأمل المليحي ملاحة لفظه الذي ما مر

مثله بالذوق إلا قال لسان التعجب ما أملحه ولو قيس به ابن الرومي المتعاظم لأنشد الناظم
( ولو أني بليت بهاشمي ... خؤولته بنو عبد المدان )
( لهان علي ما ألقى ولكن ... تعالوا وانظروا بمن ابتلاني )
ولو تشبه به مادح كافور لعاد من برده بكبد حرا ولو كلف مجاراته صاحب القطر النباتي لقال ربنا أفرغ علينا صبرا ولو تعرض ديك الجن لعزائمه في الأدب لما زادته إلا خبالا ولرأى سطورا تتوالد منها المعاني العجيبة والليالي كما علمت حبالي ولو أصبح ابن قادوس فخارا بمثل أدبه لقلنا له حسبه أن يدور في الدولاب ولو تسرح الزغاري إلى تصيد معانيه الشاردة لقطعت عليه أذناب الكلاب ولو تسلق المعمار عليها لعلم أنه ينحت من الجبال بيوتا ولو رآه أبو نواس لقال هذا الذي نقل الأدب خبرا وعلم من أين يؤتى ولو عورض به ابن مماتي لطال على قريحته الميتة النحيب أو ذكر الصابي لقال الذوق السليم ليس لعصرنا من صاب سوى هذا الأديب ولو أدرك آدابه الحكيم ابن دانيال لعلم أنه ما تخيل نظيرها في الوهم ولا تصور مثلها في الخيال وإذا كان الأمر كما قال حسان بن ثابت الأنصاري
( وإنما الشعر عقل المرء يعرضه ... على البرية إن كيسا وإن حمقا )
فما أوفر عقل هذا الشاعر وأوفاه وما أقدره على تخيل المعاني الغريبة وأقواه وما أحمق من قاسه على قرنائه من هذه الصناعة التي تعاطاها بسواه كم تصور معنى في الذهن فأبرزه في الخارج أغرب الأشياء أسلوبا وكم ركب جناسا إذا ذكر البستي عنده قال الأدب دعنا من تركيبه للجناس مقلوبا
ولقد كنت أرتجي بابا أدخل منه للتقريض ففتح لي المقر التقوي بابا مرتجا ونهج الطريق إلى المدح فاقتفيت آثاره واهتديت حيث رأيت منهجا أبقاه الله لإبهام يوضحه وفساد عاجز يصلحه والله تعالى يحفظ على منشئ هذه السيرة قريحته التي هي لعجائب الأدب حائزه ويجعله ممن يسرح في رياض الصدقات الشريفة بما يسوقه إليه من وفور الجائزه

وألح المصنف بعد ذلك على المقر المجدي فضل الله بن مكانس فكتب يا لطيف نظرت هذه السيرة التي يعرض عنها المعارض وينزو مؤلفها في رياض الأدب على بكر من سوام المعاني وفارض فوجدته قد نهض بعبء ثقيل من الكلام وقام وأوقف البلغاء في مقام العجز ويعذر العاجز إذ شرفها بذكر مولانا السلطان في هذا المقام خلد الله ملكه الشريف وعم بعدله المبسوط مدائن فضل ذات ظل وريف وجعل أيامه الزاهرة تواريخ السعود ومغانم الوفود ومواسم الكرم والجود وثبت قواعد سلطانه على التخوم ورفع جنابه المعظم على الأفلاك حتى تسير لخدمته ممنطقات بمناطق النجوم وأعز دولته عزا يذل له الدبر والأملس وتلبس أثوابه في الأرض ويخص محله الرفيع من تلك الأفلاك بالأطلس هنالك ينحني الهلال لتقبيل أقدامه ويمتد كف الثريا لاستجداء صوب غمامه ويتضاءل كل منهما فيصير هذا نعل فرسه وهذا حلية لجامه وملكه رقاب العباد وأمضى أحكام سيوفه في رقاب أهل العناد حتى يشهد الدين أنه قام بحقوقه نافلة وفرضا وسعى في مراضي الله فزلزل ديار الكفار سماء وأرضا ضاعف الله ثواب عمله المقبول وأنشد بشكره لسان العالم حتى ينطق ويقول
( السيد المالك الملك المؤيد سيف ... الدين شيخ حوى العليا وأرضاها )
( وشيد الدين والدنيا ببيض ظبا ... إن لم تضاه به في الحرب أمضاها )
ثم كررت النظر فيها واستنهضت القلم المكتابة عليها حسب سؤال منشيها فنكس القلم من الخجل رأسه وصعد من صريره أنفاسه وقال لست ممن يجيد في هذا التقريض عباره ولا ينهض في وصف ما جاء به هذا الرجل من متين كلمه الذي أفحم الفحول فكأنما ألقمهم حجاره فلقد ترفع قلمه في أرض قرطاسه وسما وأتى من الرقيق بشيء يحسبه الظمآن ماء وقذف الرعب في القلوب بذكر الوقائع فورمت خوفا وشكت

مما قذف بها ورما فلو وازنه القيراطي لثقل في الحقيقة عليه أو حام على حمى ابن أبي حجلة لفر طائرا من بين يديه أو جلا على ابن نباتة سلاف نظمه لم يقل إلي بكاسك الأشهى إلي أو أورى زنده مع الشواء لأحرق قلبه ولم يستحسن منه شيئا أو عاصر ابن الساعاتي لم يلتذ بطيب المنام أو جارى النصير الحمامي لألقى شعره في سرب الحمام أو تقدم لزمان أبي تمام وناظره لعلم الناس أنه غير لبيب وقال له علماء البديع هذا ضدك يا حبيب أو ابن حجاج لأظهر فساد عقله السخيف ورمى بجميع ما قاله في الكنيف فهو أولى منهم بما جره الفضل وجذب وأحق وإن اشتهرت فضائلهم أن يشتهر بالأدب فإنه لو كلف الغريب من القول لأتى به على كنهه أو أقام الاعتذار عن قبيح لقام العذر عما جاء به وذهب على وجهه ولو تصدى لتهجين حسن لزان بما يملأ الطروس من ذلك وشحن أو حاجج بالباطل من يعرب عن الحق لنهض بحجته واستمر يلحن فسبحان من أقدره على ما تقصر عن إدراكه الإفهام وتعجز عن تصوره عقول الأنام
ولقد استعفاه القلم عن الكتابة خشية من عرض فضائحه وسأله طي هذه الصحيفة خوفا من نشر قيائحه فأبى إلا إظهار المكتوم وفض المختوم فيا خجلتاه لما كتب ويا فضيحتاه إذا لام الفاضل على ما جاء به وعتب ولكنه جرى خلف الجوادين السابقين واقتدى بإمامتهما التي اعترف الآفاق أنها ملأت الخافقين أبقاهما الله مدى الزمان وأسبغ عليهما غطاء الفضل وبلغهما غاية الأماني يوم الخوف والأمان وأمتع بجناب منشئها الأحباب وأقر به أعين الإخوان وبسط به أنفس الأصحاب وألهمنا أجمعين تجنب ما خفي علينا من عوراتنا وكشف حجب قلوبنا بمنه وكرمه
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
( ليت المنية حالت دون نصحك لي ... فيستريح كلانا من أذى التهم )
هذا البيت ليس له نظير في هذا الباب فإنه اشتمل على الرقة والسهولة والانسجام وما زاده حسنا إلا تقويته بليت التي استعان بها الشاعر في إبهام بيته على زيد الخياط

فإن الشيخ صفي الدين لما قال لعاذله ليت المنية حالت دون نصحك لي حسن إبهامه بقوله فيستريح كلانا من أذى التهم وصار الأمر مبهما بينه وبين العاذل
وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته يخاطب فيها العاذل
( أبهمت نصحي مشيرا بالأصابع لي ... ليت الوجود رمى الإبهام بالعدم )
وهذا الإبهام هنا يشار إليه بالأصابع وتعقد عليه الخناصر فإن الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى أجاد فيه إلى الغاية ولم يتفق له في نظم بديعيته بيت نظيره ولا اتفق لغيره ممن نظم بديعية فإنه جمع بين السهولة والانسجام والتصوير والتورية البارزة في أحسن القوالب بتسمية نوع الإبهام الذي هو المقصود ولعمري إنه بالغ في عطف القلوب بهذا السحر الحلال
ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع وبيت بديعيتي
( وزاد إبهام عذلي عاذلي ودجا ... ليلي فهل من بهيم يشتفي ألمي )
فإن الإبهام هنا بين بهيم الليل وبين العاذل فإن اشتراك البهيم صالح لهما ولكن لم يحصل التمييز لأحدهما عن الآخر كما وقع الشرط بين الأمر بينهما مبهما ولا يعلم من هو المقصود منهما وهذا هو الفرق بين الإبهام والتورية إذ المراد من التورية المعنى البعيد المورى عنه بالقريب

ذكر إرسال المثل
( وكم تمثلت إذ أرخوا شعورهم ... وقلت بالله خلوا الرقص في الظلم )
إرسال المثل نوع لطيف في البديع ولم ينظمه في بديعيته غير الشيخ صفي الدين وهو عبارة عن أن يأتي الشاعر في بعض بيت بما يجري مجرى المثل من حكمة أو نعت أو غير ذلك مما يحسن التمثل به كقوله تعالى ( ليس لها من دون الله كاشفة ) وقوله تعالى ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ) وقوله تعالى ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) وقوله تعالى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها )
ومما جاء من ذلك في السنة الشريفة قوله ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين )
وقوله ( لا ضرر ولا ضرار )
وقوله ( خير الأمور أوساطها )
وقوله ( المرء مع من أحب )
وقوله ( المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم )
وقوله ( ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها يوم القيامة )
وقوله ( البلاء موكل بالمنطق )
وقد احتوى كتاب أبي أحمد العسكري على كثير من هذا الباب ومن أمثلته في الشعر قول زهير
( وهل ينبت الخطمي إلا وشيجة ... وتغرس إلا في منابتها النخل )

ومثله قول النابغة
( ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب )
ومثله قول بشار
( فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه )
وما أحلى ما قال بعده
( إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه )
وقول أبي تمام
( فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع )
وكقوله
( نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول )
وذكر ابن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير إنه استخرج أمثال أبي تمام من شعره فوجدها تسعين نصفا وثلثمائة بيت وأربعة وخمسين بيتا واستوعب أمثال أبي الطيب المتنبي فوجدها مائة نصف وثلاثة وسبعين نصفا وأربعمائة بيت ولكنه أخرج من أمثال أبي الطيب ما ولده من أمثال أبي تمام وصدر الجميع بما وقع في الكتاب العزيز من الأمثال بزيادات على ذلك وهي أمثال الأشعار السنية والحماسة وأمثال أبي نواس بعد أن ألحق أمثال القرآن بأمثال دواوين الإسلام السنية وختم الجميع بأمثال العامة في كتاب الأمثال له
ومما سار من أمثال الطغرائي في لامية العجم قوله
( حب السلامة يثني عزم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل )
( لو أن في شرف المأوى بلوغ مني ... لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل )
( أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل )
( وعادة النصل أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل )
( ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل )

( هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل )
( وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل )
( فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل )
( أعدي عدوك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل )
( وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل )
( يا واردا سؤر عيش كله كدر ... أنفقت صفوك في أيامك الأول )
( فيم اقتحامك لج البحر تركبه ... وأنت تكفيك منه مصة الوشل )
( ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول )
( ترجو البقاء بدار لا بقاء لها ... فهل سمعت بظل غير منتقل )
( ويا أمينا على الأسرار مطلعا ... اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل )
وممن سار في مجرى هذه القصيدة ووزنها أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي أولها
( أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل )
( وما صبابة مشتاق على أمل ... من اللقاء كمشتاق بلا أمل )
( والهجر أقتل لي مما أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل )
( قد ذقت شدة أيامي ولذتها ... فما حصلت على صاب ولا عسل )
( خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل )
أنظر إلى محاسن هذين الفحلين إلى الغاية التي تمثلا بها في الشمس وزحل وتأخر سوابق الأفهام عن معرفة السابق منهما إلى الغاية ومنها قوله
( وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... وإن وجدت لسانا قائلا فقل )
( لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل )

( لأن حلمك حلم لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كالكحل )
( وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسد طريق العارض الهطل )
وقد عن لي أن أجمع هنا ما حلا بذوقي من أمثال أبي الطيب المتنبي وإن كان فيها ما ولده من شعر أبي تمام كما ذكره ابن أبي الأصبع فإن القصد أن نصيرها عمدة لأهل الإنشاء إذا أوردوها في الوقائع التي تليق بها على اختلاف أنواعها فمن ذلك قوله
( إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل )
( في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل )
وقوله من قصيدة
( أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا )
( ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا )
وقوله من قصيدة
( ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام )
( كل حلم أتى بغير اقتدار ... حجة لاجئ إليها اللئام )
( من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام )
( خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام )
وقوله
( ما كل من طلب المعالي نافذا ... فيها ولا كل الرجال فحولا )
( تلف الذي اتخذ الجراءة خلة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا )
وقوله
( ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتني )
ويعجبني قوله في الهجو وهو مما نحن فيه
( فلو كنت امرأ تهجى هجونا ... ولكن ضاق قطر عن مسير )

وقوله
( فقر الجهول بلا لب إلى أدب ... فقر الحمار بلا رأس إلى رسن )
( قد هون الصبر عندي كل نازلة ... ولين العزم خد المركب الخشن )
( لا يعجبن مضيما حسن بزته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن )
وقال من أبيات قوله
( عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما )
( وكنت قبيل الموت أستعظم النوى ... فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى )
( فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ... ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما )
وقوله أيضا
( وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل )
( أنعم ولذ فللأمور أواخر ... أبدا كما كانت لهن أوائل )
( للهو آونة تمر كأنها ... قبل تزودها حبيب راحل )
( جمح الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل )
( وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل )
وقال من قصيدة وهي أبلغ ما يكون في المدح
( أعيا زوالك عن محل نلته ... لا تخرج الأقمار من هالاتها )
وقال من قصيدة
( وأشجع مني كل يوم سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر )
( ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما عمر )
( ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر )
( وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخبر الخبر )
( وإني رأيت الضر أحسن منظرا ... وأهون من مرأى صغير به كبر )

ويعجبني من المديح منها شعر
( وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه )
وقال من قصيدة
( وما ليل بأطول من نهار ... يظل بلحظ حسادي مشوبا )
( ولا موت بأنقص من حياة ... أرى لهم معي فيها نصيبا )
( عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نقيبا )
وما أظرف ما قال منها
( وشيخ في الشباب وليس شيخا ... يسمى كل من بلغ المشيبا )
( قسا فالأسد تفزع من يديه ... ورق فنحن نفزع أن يذوبا )
وقال من قصيدة وهي التي ذكروا أنه ادعى فيها النبوة
( ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد )
وقال من قصيدة
( قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيز بعدكم هانا )
( إذا قدمت على الأهوال شيعني ... قلب إذا شئت أن يسلاكم خانا )
( أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحا وأهوانا )
( وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس عزيز حيثما كانا )
( لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعا ... ولا أبيت على ما فات حسرانا )
( ولا أسر بما غيري الحميد به ... ولو حملت إلي الدهر ملآنا )
وقوله من قصيدة
( فما لي وللدنيا طلابي نجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم )

( من الحلم أن يستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم )
( ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روي سيفه غير راحم )
( ولولا احتقاري الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودة في البهايم )
( وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم )
وقال من قصيدة
( وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقتكم والدهر أخبث صاحب )
( فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب )
( يهون على مثلي إذا رام حاجة ... وقوع العوالي دونها والقواضب )
( كثير حياة المرء مثل قليلها ... يزول وباقي عيشه مثل ذاهب )
( بأي بلاد لم أجر ذوائبي ... وأي مكان لم تطأه ركائبي )
وتخلص إلى مديح طاهر ولكنه أتى في تخلصه بالعجائب فقال
( كأن رحيلي كان من كف طاهر ... فأثبت كوري في ظهور المواهب )
ما يقول أثبت كوري في ظهور المواهب إلا المتنبي
ومن أبياته التي سارت أمثالا قوله
( إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم )
( فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم )
( وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحليم )
( وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم )
( ولكن تأخذ الأسماع منه ... على قدر القرائح والفهوم )

وقال من قصيدة
( والهم يحترم الجسيم مخافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم )
( ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاء منعم )
( لا تخدعنك من عدو دمعة ... وارحم شبابك من عدوك ترحم )
وما أعظم ما قال بعده
( لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم )
( والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم )
( ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم )
( والذل يظهر في الذليل مودة ... وأود منه لمن يود الأرقم )
( ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم )
( أفعال من تلد الكرام كريمة ... وفعال من تلد الأعاجم أعجم )
وقوله
( كريشة بمهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق )
ويعجبني قوله من أبيات يتمثل بها في كثرة الإحسان المفرط
( ولم تملل تفقدك الموالي ... ولم تذمم أياديك الجساما )
( ولكن الغيوث إذا توالت ... بأرض مسافر كره المقاما )
( وصار أحب ما يهدى إليه ... لغير قلى وداعك والسلاما )
وقال
( والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق )
وقال من قصيدة
( وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه )

( بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه )
( وما استغربت عيني فراقا رأيته ... ولا علمتني غير ما أنا عالمه )
وقوله
( وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام )
وقال من قصيدة
( إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما تمر به الوحول )
وقوله
( رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال )
( فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال )
وقوله
( يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل )
( ولو زلتم ثم لم أبككم ... بكيت على حبي الزائل )
وقوله
( هل الولد المحبوب إلا تعلة ... وهل جلوة الحسناء إلا أذى البعل )
( وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل )
( وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حياة وإن يشتاق فيه إلى النسل )
وقال
( إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإني قد أكلتهم وذاقا )
وقوله
( فما ترجي النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمود )
وقوله
( ووجه البحر يعرف من بعيد ... إذا يسجو فكيف إذا يموج )
وقال
( ليس الجمال لأنف صح مارنه ... أنف العزيز بقطع العز يجتدع )
( من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع )
( إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع )
وقوله مفتخرا
( وإنا إذا ما الموت صرح في الوغى ... لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا )
وقوله
( أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد )
( وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد )

( ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد )
منها
( بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد )
( وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد )
( فإن قليل الحب بالعقل صالح ... وإن كثير الحب بالجهل فاسد )
وقوله
( وما كل وجه أبيض بمبارك ... ولا كل جفن ضيق بنجيب )
( كأن الردى عاد على كل ماجد ... إذا لم يعوذ مجده بعيوب )
( ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب )
( فرب كئيب ليس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيب )
( وفي تعب من يجحد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب )
وقوله
( ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا )
( ومن تكن الأسد الضواري جدوده ... يكن ليله صبحا ومطعمه غصبا )
( ولست أبالي بعد إدراكي بالعلا ... أكان تراثا ما تناولت أم كسبا )
ويعجبني من هذه القصيدة قوله في مديح سيف الدولة وقد كسر الدمستق على مرعش
( أتى مرعشا يستقرب البعد مقبلا ... وأدبر إذ أقبلت تستبعد القربا )
( كذا يترك الأعداء من يكره القنا ... ويقفل من كانت غنيمته رعبا )
( مضى بعدما التف الرماحان ساعة ... كما يلتقي الهدب في الرقدة الهدبا )
( ولكنه ولى وللطعن سورة ... إذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا )
( فحب الجبان النفس أوردها البقا ... وحب الشجاع الحرب أوردها الخربا )
وما أحلى ما قال بعده
( ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا )

ومن أنصاف مطالعه التي يتمثل بها الناس
( واحر قلباه ممن قلبه شبم ... )
ونصفه الثاني لأجل تمام شخص المطلع
( ومن بجسمي وحالي عنده سقم ... )
ويعجبني من هذه القصيدة قوله يخاطب سيف الدولة ويشير إليه أنه سمع فيه كلام الأعداء وقد أحضرهم لمواجهته ولم يخرج عن إرسال المثل
( يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم )
( أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم )
( وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم )
ومما سار من أمثالها قوله
( إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث مبتسم )
( يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم )
( إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم )
( وبيننا لو رعبتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم )
( كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم )
ومنها وليس لمثله مثيل
( إذا ترحلت عن قوم وقد قرروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم )
وما أحلى ما قال بعده
( شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم )
وقال من أبيات
( وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا )
وقال من قصيدة
( وما كمد الحساد شيئا قصدته ... ولكنه من يزحم البحر يغرق )
( وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق )

وقوله
( لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا )
وقوله
( لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفس فخرت لا بجدودي )
وما أحلى ما قال من غزلها
( أي يوم سررتني بوصال ... لم ترعني ثلاثة بصدود )
منها
( أين فضلي إذا قنعت من الدهر ... بعيش معجل التنكيد )
( عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود )
وقال من قصيدة
( وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق )
وقوله من قصيدة
( تحقر عندي همتي كل مطلب ... ويقصر في عيني المدى المتطاول )
وما أحلى ما قال بعده
( وما زلت طودا لا تزول مناكبي ... إلى أن بدت للضيم في زلازل )
وله من قصيدة
( ليس التعلل بالآمال من أربي ... ولا القناعة بالإقلال من شيمي )
( ولا أظن بنات الدهر تتركني ... حتى تسد عليها طرقها هممي )
وما ألطف ما قال منها
( أرى أناسا ومحصولي على غنم ... وذكر جود ومحصولي على الكلم )
( لقد تصبرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم )

وقال
( وكاتم الحب يوم البين منهتك ... وصاحب الدمع لا تخفى سرائره )
وقوله
( إذا قيل رفقا قال للحلم موضع ... وحلم الفتا في غير موضعه جهل )
وقال من قصيدة
( فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت العيش من أرب النفوس )
وقال من أخرى
( إن ترمني نكبات الدهر عن كثب ... ترمي امرأ غير رعديد ولا نكس )
وقال
( خير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا )
وقال أيضا
( يخفي العداوة وهي غير خفية ... نظر العدو بما أسر يبوح )
وقال أيضا
( وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء )
وقال أيضا
( وشغل النفس عن طلب المعالي ... يبيع الشعر في سوق الكساد )
ومنها
( وما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يوم يمر بمستعاد )
( متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد )
( وما العضب الطريف وإن تقوى ... بمنتصف من الكرم التلاد )
( فإن الجرح يدمي بعد حين ... إذا كان البناء على فساد )
( وكيف يبيت مضطجعا جبان ... فرشت لجنبه شوك القتاد )
وما أحلى قوله من قصيدة
( إني وإن لمت حاسدي فما ... أنكر أني عقوبة لهم )
( كفاني الذم أنني رجل ... أكرم مال ملكته الكرم )
وما أحلى ما قال بعده
( يجني الغنى للئام لو عقلوا ... ما ليس يجني عليهم العدم )
وقال أيضا
( خليلك أنت لا من قلت خلي ... وإن كثر التجمل والكلام )
( ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام )

وما أحلى قوله منها
( تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام )
ومما سار من أمثالها
( لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام )
( تروع ركانة وتذوب ظرفا ... فما ندري أشيخ أم غلام )
وقال من قصيدة
( أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستمطرا أمطرت علي مصائبا )
وقال منها
( خذ من ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا )
وقال من غيرها
( ومن لبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم )
وقوله
( أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... وإذا نطقت فإنني الجوزاء )
( وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء )
( إن الكريم إذا أقام ببلدة ... سال النضار بها وقام الماء )
وقال من قصيدة
( لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه )
وما أحلى ما قال بعده
( إن القتيل مضرجا بدموعه ... مثل القتيل مضرجا بدمائه )
وما أحلى ما قال من قصيدة
( إذا ما قدرت على نطفة ... فإني على تركها أقدر )
( أصرف نفسي كما أشتهي ... وأملكها والقنا أحمر )

ويطربني من مديحها قوله منها أيضا
( كفتك المروءة ما تتقي ... وآمنك الود ما تحذر )
وقال
( فلا تطمعن من حاسد في مودة ... وإن كنت تبديها له وتنيل )
( يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول )
وقوله
( وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا )
وقال
( ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... تصيده الضرغام فيما تصيدا )
( وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا )
وما أحلى ما قال بعده
( إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا )
( ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى )
ويعجبني منها في افتخاره
( وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا )
( فسار به من لا يسير مشمرا ... وغنى به من لا يغني مغردا )
ومن أمثالها
( فدع كل صوت بعد صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى )
( وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا )
ولقد أجاد في مديحها بقوله
( إذا سأل الإنسان أيامه الغنى ... وكنت على بعد جعلتك موعدا )
ومن الأمثال السائرة مطلع هذه القصيدة لكل امرئ من دهره ما تعودا
وقال من قصيدة
( وما التيه ظني فيهم غير أنني ... بغيض إلي الجاهل المتغافل )

وقوله
( وكيف يتم بأسك في أناس ... تصيبهم فيؤلمك المصاب )
وما ألطف ما قال بعده
( ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب )
( وما تركوك معصية ولكن ... يعاف الورد والموت الشراب )
( وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربما خفي الصواب )
( وكم ذنب يولده دلال ... وكم بعد يولده اقتراب )
( وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب )
ومن مطالعه التي سارت أمثالا
( على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام الكرام )
ويعجبني من مديحها
( إذا كان ما تنويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقي عليه الجوازم )
( وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم )
وقال من قصيدة
( وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرائم )
وقال من غيرها
( وما الحسن في وجه الفتى شرف له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق )
وقال من قصيدة
( وما في سطوة الأرباب عيب ... ولا في زلة العبدان عار )

وقال من قصيدة
( وإذا لم تجد من الناس كفؤا ... ذات خدر أرادت الموت بعلا )
( وإذا الشيخ قال أف فما مل ... حياة وإنما الضعف ملا )
( آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولى )
وما أحلى ما قال بعده
( أبدا تسترد ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا )
وقال من قصيد
( رب أمر أتاك لا تحمد الفعال ... فيه وتحمد الأفعالا )
( وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا )
ومن أنصافها هكذا هكذا وإلا فلا لا
وقال من قصيدة مطلعها
( الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني )
( ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران )
( لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان )
( ولما تفاضلت النفوس ودبرت ... أيدي الكماة عوالي المران )
( وإذا الرماح شغلن مهجة ثائر ... شغلته مهجته عن الإخوان )
وقال أيضا
( وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل )
( وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل )
( ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول )
وقال من قصيدة
( ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعب )

ومن مطالعه التي سارت أمثالا
( كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا )
وقوله منها
( إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة ... فلا تستعدن الحسام اليمانيا )
( وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا )
( إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا )
( خلقت ألوفا لو رددت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا )
ومن أنصافها السائرة
( ومن قصد البحر استقل السواقيا ... )
وقال أيضا
( فارم بي ما أردت مني فإني ... أسد القلب آدمي الرواء )
( وفؤادي من الملوك وإن كان ... لساني يرى من الشعراء )
وقال من قصيدة
( فما الحداثة عن حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب )
ويعجبني من مديحها
( كأن كل سؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب )
( إذا اعترته أعاديه بمسألة ... فقد عرته بجيش غير مغلوب )
وقال أيضا
( وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده )
( فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده )
وما أحلى ما قال بعده
( وفي الناس من يرضى بميسور عيشة ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده )
( ولكن قلبا بين جنبي ما له ... مدى ينتهي بي في مراد أجده )
وقال
( إذا حللت مكانا بعد صاحبه ... جعلت فيه على ما قبله تيها )

وقوله
( وما منزل اللذات عندي بمنزل ... إذا لم أبجل عنده وأكرم )
منها
( إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم )
( وعادى محبيه بقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم )
( أصادق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها من فعله والتكلم )
( وأحلم عن خلي وأعلم أنه ... متى أجزه حلما من الجهل يندم )
( وما كل ناو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم )
( لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم )
منها
( رضيت بما ترضى به لي محبة ... وقدت إليك النفس قود المسلم )
وقوله
( وإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلم تقدم الميلاد )
( وإذا كان في الأنابيب خلف ... وقع الطيش في صدور الصعاد )
وقوله
( وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب )
( وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب )
منها وأجاد إلى الغاية
( واظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب )
وقال من قصيدة
( لا تلق دهرك إلا غير مكترث ... ما دام يصحب فيه روحك البدن )
( فما يديم سرورا ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن )
( ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن )
( رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدر على مرعاكم اللبن )
( جزاء كل قريب منكم ملل ... وحظ كل محب منكم ضغن )
( وتغضبون على من نال رفدكم ... حتى يعاقبه التنغيص والمنن )
وقال من قصيدة
( ومراد النفوس أهون من أن ... تتعادى فيه وأن تتعانى )

( غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحات ولا يلاقي الهوانا )
( ولو أن الحياة تبقى لحي ... لعددنا أضلنا الشجاعانا )
( وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا )
وله من قصيدة
( ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان )
وقال
( لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والأقدام قتال )
وقال
( ومن يجد الطريق إلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنام )
وما أحلى ما قال بعده
( ولم أر في عيوب الناس نقصا ... كنقص القادرين على التمام )
( وملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاءه في كل عام )
ومن اختراعاته المخترعة قوله منها ويشير إلى حمى أصابته وكانت تغشاه إذا أتى الليل
( وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام )
( بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي )
( يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام )
( إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام )
( كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام )
( أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام )
( وتصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام )
( فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حم اعتزامي )
( وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام )

وقوله
( وللسر مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب )
( وما العشق إلا غرة وطماعة ... يمرض قلب نفسه فيصاب )
( أعز مكان في الدنا ظهر سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب )
منها في المديح قوله في كافور
( تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثني عليه يعاب )
( إذا نلت منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب )
وما أحلى ما قال بعده
( وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا ... له كل يوم بلدة وصحاب )
وقوله
( من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم )
منها
( ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم )
( لا تشتكون إلى خلق فتشمتهم ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم )
( وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم )
منها
( أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم )
( سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم )
ومن أمثاله التي سارت في هجو كافور قوله
( العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو أنه في ثياب الخز مولود )
( لا تشتر العبد إلا والعصى معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد )

( ما كنت أحسبني أبقى إلى زمن ... يسيء بي فيه كلب وهو محمود )
( من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه السود )
ومن أمثاله
( ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى )
ومن أنصافه التي سارت أمثالا ولا بد دون الشهد من إبر النحل
وقال من قصيد
( قد كنت أحذر بينهم من مثل ذا ... لو كان ينفع خائفا أن يحذرا )
( أعطى الزمان فما قبلت عطاءه ... وأراد بي فأردت أن أتخيرا )
وقال من قصيدة
( وقد يتقارب الوصفان جدا ... وموصوفاهما متباعدان )
وقوله
( نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه )
( تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه )
( لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه )
( يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه )
( وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه )
( فلا قضى حاجته طالب ... فؤاده يخفق من رعبه )
وقال من قصيد
( إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى )
ولقد رأيت هنا في هذا القدر الذي أوردته من شعر أبي الطيب من إرسال المثل ما تطيب به الأذواق وتجول به فرسان الإنشاء بالحمر من جياد الأقلام في ميادين الأوراق وعلى كل تقدير فما لأبي الطيب في حكمه وأمثاله نظير
وهنا نكتة لطيفة وهي أن صلاح الدين الصفدي كان مذهبه تقديم أبي الطيب المتنبي على أبي تمام وهو مذهب أبي العلاء المعري فإنه سمي ديوانه بعدما شرحه معجز أحمد فاتفق أن صلاح الدين اجتمع بابن نباتة بالديار المصرية وذاكره في أبي

الطيب وأبي تمام فوجده على مذهبه واجتمعا بعد ذلك بالشيخ أثير الدين أبي حيان وذاكراه في ذلك فقدم أبا تمام فلاماه على ذلك فقال أنا لا أسمع لوما في حبيب
انتهى
ومذهبي في ذلك مذهب الشيخ صلاح الدين ومذهب الشيخ جمال الدين وإن كان الشيخ أثير الدين ما سمع في حبيبه لوما وخالف من لامه فيه وفند فمن المستحيل رجوع أبي بكر عن حب أحمد وقد عن لي أن أورد هنا ما سارت في الخافقين حكمه وأمثاله وانقاد أهل الذوق السليم لطاعته لما ورد عليهم مثاله وهو تأليفي الذي وسمته بتغريد الصادح وما ذاك إلا أن سيدنا ومولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي نور الله ضريحه وجعل من الرحيق المختوم غبوقة وصبوحه كان يقول أود أن أنتزع من الصادح والباغم أرجوزة مشتملة على أمثلة مرقصة وحكم بديعة بشرط أن يكون البيت منسجما مع الذي قبله والذي بعده ولم يتيسر لي ذلك لصعوبة المسلك انتهى
ولما قدر الله تعالى ما قدره من الاختفاء بدمشق سنة ثلاث عشرة وثمانمائة عند حلول الملك الناصر بها وأنا في خدمة المقر الأشرف القاضوي محمد بن البارزي الجهني الشافعي صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية كان الصادح والباغم بين كتبه فنظر فيه يوما وذكر قول قاضي القضاة صدر الدين ورسم لي بذلك فانتزعت له هذه الأرجوزة التي سارت غرر أمثالها ولم يسمح الزمان لمؤلف بمثالها ومن سافر فيها نظره وكان الذوق السليم رفيقه علم أنها تضرب بها الأمثال على الحقيقة وسميتها بتغريد الصادح وصدرتها من نظمي بأبيات تقوم مقام الديباجة والخطبة هي
( الحمد لله الذي هذبنا ... واختارنا للعلم إذ أدبنا )
( فإن للآداب فضلا يذكر ... فلا تخاطب كل من لا يشعر )
( يا مدعي الحكمة في كلامه ... ومن يروم السحر في نظامه )
( خذ حكما وكلها أمثال ... ليس لها في عصرنا مثال )
( ألفها ابن حجة للنجبا ... لأن فيها رأس مال الأدبا )
( واختارها من مفردات الصادح ... فكان ذا من أكبر المصالح )
من كل بيت إن تمثلت به ... سكنت من سامعه في قلبه )

( وقد تهجمت على الشريف ... لكنني خاطبت بالمعروف )
( وجئت من كلامه بنبذة ... تجلب للسامع كل لذة )
( وترفع الأديب إن تمثلا ... بها إذا خاطب أرباب العلا )
( من حكم تتبعها وصايا ... مقبولة من أحسن السجايا )
( من أول وأوسط وآخر ... جمعتها جمع أديب شاعر )
( حتى دنا البعيد للقريب ... وانتظم البديع بالغريب )
( وانسجمت في جمعها أرجوزه ... بديعة غريبة وجيزة )
( وكل من أنكر ما أحكمت في ... ترتيبها يكون غير منصف )
( فلينظر الأصل ليعرف السبب ... ويعترف إن كان من أهل الأدب )
( أول ما يرغب في استهلاله ... من نظمه المحكم في مقاله )
وهذا أول الصادح والباغم
( العيش بالرزق وبالتقدير ... وليس بالرأي ولا التدبير )
( في الناس من تسعده الأقدار ... وفعله جميعه إدبار )
ومن هنا يأتي هذا التأليف جميعه على هذا النمط وما أردت بهذا التنبيه إلا يقظة المتأمل
( من عرف الله أزال التهمه ... وقال كل فعله للحكمة )
( من أنكر القضاء فهو مشرك ... إن القضاء بالعباد أملك )
( ونحن لا نشرك بالله ولا ... نقنط من رحمته إذ نبتلى )
( عار علينا وقبيح ذكر ... أن نجعل الكفر مكان الشكر )
( وليس في العالم ظلم جاري ... إذ كان ما يجري بأمر الباري )
( وأسعد العالم عند الله ... من ساعد الناس بفضل الجاه )
( ومن أغاث البائس الملهوفا ... أغاثه الله إذا أخيفا )
( إن العظيم يدفع العظيما ... كما الجسيم يحمل الجسيما )
( فإن من خلائق الكرام ... رحمة ذي البلاء والأسقام )
( وإن من شرائط العلو ... العطف في البؤس على العدو )

( وقد علمت واللبيب يعلم ... بالطبع لا يرحم من لا يرحم )
( فالمرء لا يدري متى يمتحن ... فإنه في دهره مرتهن )
( وإن نجا اليوم فما ينجو غدا ... لا يأمن الآفات إلا ذو الردى )
( لا تغترر بالحفظ والسلامة ... فإنما الحياة كالمدامه )
والعمر مثل الكاس والدهر القذر ... والصفو لا بد له من الكدر )
أنظر أيها المتأمل كيف اتبعت قوله فإنما الحياة كالمدامه بقوله فالعمر مثل الكاس
وإذا نظرت إلى آخر البيت رأيت الاتفاق العجيب منها
( وكل إنسان فلا بد له ... من صاحب يحمل ما أثقله )
( جهد البلاء صحبة الأضداد ... فإنها كي على الفؤاد )
( أعظم ما يلقى الفتى من جهد ... أن يبتلى في جنسه بالضد )
( فإنما الرجال بالإخوان ... واليد بالساعد والبنان )
( لا يحقر الصحبة إلا جاهل ... أو مارق عن الرشاد غافل )
( صحبة يوم نسب قريب ... وذمة يحفظها اللبيب )
( وموجب الصداقة المساعده ... ومقتضى المودة المعاضده )
( لا سيما في النوب الشدائد ... والمحن العظيمة الأوابد )
( فالمرء يحيى أبدا أخاه ... وهو إذا ما عد من أعداه )
( وإن من عاشر قوما يوما ... ينصرهم ولا يخاف لوما )
( وإن من حارب من لا يقوى ... لحربه جر إليه البلوى )
فحارب الأكفاء والأقرانا ... فالمرء لا يحارب السلطانا )
( واقنع إذا حاربت بالسلامه ... واحذر فعالا توجب الندامه )
( فالتاجر الكيس في التجارة ... من خاف في متجره الخساره )
( يجهد في تحصيل رأس ماله ... ثم يروم الربح باحتياله )
( وإن رأيت النصر قد لاح لكا ... فلا تقصر واحترز أن تهلكا )
( واسبق إلى الأجود سبق الناقد ... فسبقك الخصم من المكايد )

( وانتهز الفرصة إن الفرصه ... تصير إن لم تنتهزها غصه )
( كم نظر الغالب يفترك ... عنه التوقي واستهان فهلك )
( ومن أضاع جنده في السلم ... لم يحفظوه في لقاء الخصم )
( وإن من لا يحفظ القلوبا ... يخذل حين يشهد الحروبا )
( والجند لا يرعون من أضاعهم ... كلا ولا يحمون من أجاعهم )
( وأضعف الملوك طرا عقدا ... من غره السلم فأقصى الجندا )
( والحزم والتدبير روح العزم ... لا خير في عزم بغير حزم )
( والحزم كل الحزم في المطاولة ... والصبر لا في سرعة المزاولة )
( وفي الخطوب تظهر الجواهر ... ما غلب الأيام إلا الصابر )
( لا تيأسن من فرج ولطف ... وقوة تظهر بعد ضعف )
( فربما جاءك بعد الياس ... روح بلا كد ولا التماس )
( في لمحة الطرف بكاء وضحك ... وناجذ باد ودمع ينسفك )
( تنال بالرفق وبالتأني ... ما لم تنل بالحرص والتعني )
( ما أحسن الثبات والتجلدا ... والحيرة والتبلدا )
( ليس الفتى إلا الذي إن طرقه ... خطب تلقاه بصبر وثقه )
( إذا الرزايا أقبلت ولم تقف ... فثم أحوال الرجال تختلف )
( وكم لقيت لذة في زمني ... فاصبر الآن لهذي المحن )
( فالموت لا يكون إلا مرة ... والموت أحلى من حياة مره )
( إني من الموت على يقين ... فاجهد الآن لما يقيني )
( صبرا على أهوالها ولا ضجر ... وربما فاز الفتى إذا صبر )
( لا يجزع الحر من المصائب ... كلا ولا يخضع للنوائب )
( فالحر للعبء الثقيل يحمل ... والصبر عند النائبات يجمل )
( لكل شيء مدة وتنقضي ... ما غلب الأيام من رضي )
( قد صدق القائل ف الكلام ... ليس النهي بعظم العظام )
( لا خير في جسامة الأجسام ... بل هو في العقول والأفهام )
( فالخيل للحرب وللجمال ... والإبل للحمل وللترحال )

( لا تحتقر شيئا صغيرا محتقر ... فربما أسالت الدم الإبر )
( لا تحرج الخصم ففي إحراجه ... جميع ما تكره من لجاجه )
( لا تطلب الفائت باللجاج ... وكن إذا كويت ذا إنضاج )
( فعاجز من ترك الموجودا ... طماعة وطلب المفقودا )
( وفتش الأمور عن أسرارها ... كم نكتة جاءتك مع إظهارها )
( لزمت للجهل قبيح الظاهر ... وما نظرت حسن السرائر )
( ليس يضر البدر في سناه ... إن الضرير قض لا يراه )
( كم حكمة أضحت بها المحافل ... نافقة وأنت عنها غافل )
( ويغفلون عن خفي الحكمه ... ولو رأوها لأزالوا التهمه )
( كم حسن ظاهره قبح ... وسمج عنوانه مليح )
( والحق قد تعلمه ثقيل ... يأباه إلا نفر قليل )
( فالعاقل الكامل في الرجال ... لا ينثني لزخرف المقال )
( إن العدو قوله مردود ... وقلما يصدق الحسود )
( لا تقبل الدعوى بغير شاهد ... لا سيما إن كان من معاند )
( أيؤخذ البريء بالسقيم ... والرجل المحسن باللئيم )
( كذاك من يستنصح الأعادي ... يردونه بالغش والفساد )
( إن أكل من ترى أذهانا ... من حسب الإساءة الإحسانا )
( فادفع إساءة العدا بالحسنى ... ولا تخل يسراك مثل اليمنى )
( وللرجال فاعلمن مكايد ... وخدع منكرة شدائد )
( فالندب لا يخضع للشدائد ... قط ولا يغتاظ بالمكايد )
( فرقع الخرق بلطف واجتهد ... وامكر إذا لم ينفع الصدق وكد )
( فهكذا الحازم إذ يكيد ... يبلغ في الأعداء ما يريد )
( وهو بريء منهم في الظاهر ... وغيره مختصب الأظافر )

( والشهم من يصلح أمر نفسه ... ولو بقتل ولده وعرسه )
( فإن من يقصد قلع ضرسه ... لم يعتمد إلا صلاح نفسه )
( وإن من خص اللئيم بالندا ... وجدته كمن يربي أسدا )
( وليس في طبع اللئيم شكر ... وليس في أصل الدنيء نصر )
( وإن من ألزمه وكلفه ... ضد الذي في طبعه ما أنصفه )
( كذاك من يصطنع الجهالا ... ويؤثر الأرذال والأنذال )
( لو أنكم أفاضل أحرار ... ما ظهرت بينكم الأسرار )
( إن الأصول تجذب الفروعا ... والعرق دساس إذا أطيعا )
( ما طاب فرع أصله خبيث ... ولا زكا من مجده حديث )
( قد يدركون رتبا في الدنيا ... ويبلغون وطرا من بغيا )
( لكنهم لا يبلغون في الكرم ... مبلغ من كاب له فيها قدم )
( وكل من تمايلت أطرافه ... في طيها وكرمت أسلافه )
( كان خليقا بالعلا وبالكرم ... وبرعت في أصله حسن الشيم )
( لولا بنو آدم بين العالم ... ما بان للعقول فضل العالم )
( فواحد يعطيك فضلا وكرم ... فذاك من يكفره فقد ظلم )
( وواحد يعطيك للمصانعة ... أو حاجة له إليك واقعه )
( لا تشرهن إلى حطام عاجل ... كم أكلة أودت بنفس الآكل )
( واحذر أخي يا فتى من الشره ... وقس بما رأيته ما لم تره )
( فليس من عقل الفتى أو كرمه ... إفساد شخص كامل لقرمه )
( فالبغي داء ماله دواء ... ليس لملك معه بقاء )
( والبغي فاحذره وخيم المرتع ... والعجب فاتركه شديد المصرع )
( والغدر بالعهد قبيح جدا ... شر الورى من ليس يرعى العهدا )

( عند تمام الأمر يبدو نقصه ... وربما ضر الحريص حرصه )
( وربما ضرك بعض مالكا ... وساءك المحسن من رجالكا )
( فالمرء يفدي نفسه بوفره ... عساه أن ينجو به من أسره )
تمت وختمها شيخنا رحمه الله بقوله
( لا تعطين شيئا بغير فائده ... فإنها من السجايا الفاسده )
( هذا الذي ألفته واخترته ... من رجز الشريف وانتخبته )
( وحرمة الآداب يا أهل الأدب ... إن الشريف قد أتانا بالعجب )
( قلنا جميعا إذ سمعنا رجزه ... كم قد أتى محمد بمعجزة )
( من كل بيت شطره قصيد ... وكلنا لبيته عبيد )
( فرحمة الله له في الآخرة ... خاتمة مع الهبات الوافره )
( ثم الصلاة والسلام دائما ... على الذي للرسل جاء خاتما )
انتهى ما أوردته من أمثال أبي الطيب المتنبي وأمثال الصادح والباغم ولم أقصد بذلك إلا أخذ ما يحتاج المتأدب إليه في إرسال المثل على أنواعه خصوصا أهل الإنشا فإنه حلبة جولاتهم وعمدة فرسانهم وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته
( رجوتكم نصحاء في الشدائد لي ... لضعف رشدي واستسمنت ذا ورم )
فقوله استسمنت ذا ورم من الأمثال السائرة ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته
( أنوار بهجته إرسالها مثلا ... يلوح أشهر من نار على علم )
فقوله أشهر من نار على علم من الأمثال السائرة وبيتي
( وكم تمثلت إذ أرخوا شعورهم ... وقلت بالله خلوا الرقص في الظلم )
فالرقص في الظلم من الأمثال السائرة ولكن قولي لهم بعد إرخاء الشعور خلوا الرقص في الظلم لا يخفى على الحذاق من أهل الأدب

ذكر التهكم
( ذل العذول بهم وجدا فقلت له ... تهكما أنت ذو عز وذو شمم )
التهكم نوع عزيز في أنواع البديع لعلو مناره وصعوبة مسلكه وكثرة التباسه بالهجاء في معرض المدح وبالهزل الذي يراد به الجد ويأتي الفرق بينهما بعد إيضاح حد
والتهكم في الأصل التهدم
يقال تهكمت البئر إذا تهدمت وتهكم عليه إذا اشتد غضبه والمتهكم المحتقر
قال أبو زيد تهكمت غضبت وتهكمت تحقرت وعلى هذا يكون المتهكم لشدة الغضب قد أوعد بالبشارة أو لشدة الكبر أو لتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك فهذا أصله في الاستعمال
وفي المصطلح هو عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار والوعد في مكان الوعيد والمدح في معرض الاستهزاء فشاهد البشارة في موضع الإنذار قوله تعالى ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) وشاهد المدح في معرض الاستهزاء بلفظ المدح قوله تعالى ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) قال الزمخشري إن في تأويل قوله تعالى له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله تهكما فإن المعقبات هم الحرس من حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله على سبيل التهكم فإنهم لا يحفظونه من أمره في الحقيقة إذا جاء والله أعلم
ومنه قوله تعالى ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) فقوله إيمانكم تهكم

ومن التهكم في السنة الشريفة قوله ( بشر مال البخيل بحادث أو وارث )
وشاهد المدح في موضع الاستهزاء من النظم قول ابن الذروي في ابن أبي حصينة من أبيات
( لا تظنن حدبة الظهر عيبا ... فهي في الحسن من صفات الهلال )
( وكذاك القسي محدودبات ... وهي أنكى من الظبا والعوالي )
( وإذا ما علا السنام ففيه ... لقروم الجمال أي جمال )
( وارى الانحناء في مخلب البازي ... ولم يعد مخلب الريبال )
( كون الله حدبة فيك إن شئت ... من الفضل أو من الأفضال )
( فأتت ربوة على طود علم ... وأتت موجة ببحر نوال )
( ما رأتها النساء إلا تمنت ... أن غدت حلية لكل الرجال )
وما أحلى ما ضمنها بقوله
( وإذا لم يكن من الهجر بد ... فعسى أن تزورني في الخيال )
وقول ابن الرومي
( فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل )
وقيل إن أظرف ما نظم في التهكم قول حماد عجرد
( فيا ابن طرح يا أخا ... الحلس ويا ابن القتب )
( ومن نشا والده ... بين الربا والكثب )
( يا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي )
وهذا النوع أعني التهكم ذكر ابن أبي الأصبع في كتابه تحرير التحبير أنه من مخترعاته ولم يره في كتب من تقدمه من أئمة البديع والعميان لم ينظموه في بديعيتهم

وقنع الشهاب محمود في كتابه المسمى بحسن التوسل من أشجار معاليه بالشميم فإنه ذكر بعض شواهده ولم يأت له بحد تمشي الأفهام فيه على صراط مستقيم ولكن ابن أبي الأصبع أزال بكارة أشكاله وكان أبا عذرته وأرضع الأذواق لبان فهمه وكان فارس حلبته وقال الفرق بينه وبين الهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل وهو ضد الأول لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلا وباطنه جدا
وذكر بعضهم الفرق بين التهكم والهجاء في معرض المدح فقال الفرق بينهما التصريح بلفظة في الآخر يخالف معناها معنى الالتزام في الكلام الأول وهو في هذا دون الأول
والشيخ صفي الدين نظم التهكم في بديعيته ولكن ما أسكن بيته قرينة صالحة لبيانه ولا غردت حمائم الإيضاح على أفنانه وبيته
( محضتني النصح إحسانا علي بلا ... غش وقلدتني الإنعام فاحتكم )
ولم يظهر لي من هذا البيت غير صريح المدح والشكر ولم أجد فيه لفظة تدل على الحقارة والاستهزاء ولا على البشارة في موضع الإنذار ولا على الوعد في موضع الوعيد ولم يشر في بيته إلى نوع من هذه الأنواع وقد تقدم أن العميان لم ينظموه في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين
( لقد تهكمت فيما قد منحتك من ... قولي بأنك ذو عز وذو كرم )
فالشيخ عز الدين ذكر في بيته أنه تهكم على العذول لما خاطبه بلفظ العز والكرم ولكنه لم يأت بصيغة التهكم وبيتي
( ذل العذول بهم وجدا فقلت له ... تهكما أنت ذو عز وذو شمم )
فخطاب العذول هنا بلفظ العز والشمم بعد وقوف العاذل في موقف الذل هو التهكم بعينه

ذكر المراجعة
( قال اصطبر قلت صبري ما يراجعني ... قال احتمل قلت من يقوى لصدهم )
المراجعة ليس نحتها كبير أمر ولو فوض إلي حكم في البديع ما نظمتها في أسلاك أنواعه وذكر ابن أبي الأصبع إنها من اختراعاته وعجبت من مثله كيف قربها إلى الذي استنبطه من الأنواع البديعة الغريبة كالتهكم والافتنان والتدبيج والهجاء في معرض المدح والاشتراك والألغاز والنزاهة ومنهم من سمى هذا النوع أعني المراجعة السؤال والجواب وهو أن يحكي المتكلم مراجعة في القول ومحاورة في الحديث بينه وبين غيره بأوجز عبارة وأرشق سبك وألطف معنى وأسهل لفظ إما في بيت واحد أو في أبيات كقول عمر بن أبي ربيعة
( بينما ينعتنني أبصرنني ... مثل قيد الرمح يعدو بي الأغر )
( قالت الكبرى ترى من ذا الفتى ... قالت الوسطى لها هذا عمر )
( قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر )

قال ابن أبي الأصبع لما أورد هذه الأبيات واستشهد بها على هذا النوع في كتابه المسمى بتحرير التحبير إن هذا الشاعر عالم بمعرفة وضع الكلام في مواضعه وما ذاك إلا أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت مرفوعة وأما بلاغته في الأبيات فإنه جعل التي عرفته وعرفت به وشبهته تشبيها يدل على شغفها به هي الصغرى ليظهر بدليل الالتزام أنه فتي السن إذ الفتية من النساء لا تميل إلى الا الفتى من الرجال غالبا وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر موزونا ولا يقال إنما مالت الصغرى إليه دون أختيها لضعف عقلها وقلة تجريبها فإني أقول إنه تخلص من هذا المدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن ما كانت رأته قبل ذلك وإنما كانت تهواه على السماع فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف لها أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه ولم تتجاوز ذلك وقنعت بالسؤال عنه وقد علمته بلذة السؤال وبسماع اسمه وأظهرت تجاهل العارف الذي موجبه شدة الوله والعقل يمنعها من التصريح وأما الوسطى فسارعت إلى تعريفه باسمه العلم فكانت دون الكبرى في الثبات وأما الصغرى فمنزلتها في الثبات دون الأختين لأنها أظهرت في معرفة وصفه ما دل على شدة شغفها به فكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشاعر تدل عليه
انتهى كلام ابن أبي الأصبع
ومن جيد أمثلة هذا النوع قول أبي نواس
( قال لي يوما سليمان ... وبعض القول أشنع )
( قال صفني وعليا ... أينا أبقى وأنفع )
( قلت إني إن أقل ما ... فيكما بالحق تجزع )
( قال كلا قلت مهلا ... قال قل لي قلت فاسمع )
( قال صفه قلت يعطي ... قال صفني قلت تمنع )
ومثله قول البحتري
( بت أسقيه صفوة الراح حتى ... وضع الرأس مائلا يتكفا )
( قلت عبد العزيز تفديك نفسي ... قال لبيك قلت لبيك ألفا )
( هاكها قال هاتها قلت خذها ... قال لا أستطيعها ثم أغفى )

وعلماء البديع أجمعوا على استحسان قول وضاح اليمن من أبيات
( قالت ألا لا تلجن دارنا ... إن أبانا رجل غائر )
( قلت فإني طالب غرة ... منه وسيفي صارم باتر )
( قالت فإن البحر ما بيننا ... قلت فإني سابح ماهر )
( قالت فإن القصر عالي البنا ... قلت فإني فوقه طائر )
( قالت أليس الله من فوقنا ... قلت بلى وهو لنا غافر )
( قالت فقد أعييتنا حيلة ... فأت إذا ما هجع السامر )
( واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا آمر )
وظريف هنا قول بعضهم
( قالت لقد أشمت بي حسدي ... مذ بحت بالسر لهم معلنا )
( قلت أنا قالت وإلا فمن ... قلت أنا قالت وإلا أنا )
وهي أبيات طويلة جميعها على هذا المنوال منسوج ولكن اكتفيت بالتمثيل منها على هذا القدر
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
( قالوا اصطبر قلت صبري غير متبع ... قالوا اسلهم قلت ودي غير منصرم )
ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته
( راجعت في القول إذ أطلقت سلوتهم ... قال اسلهم قلت سمعي عنك في صمم )
والمراجعة إن لم تتكرر لم يبق لها في القلوب حلاوة ولا يطبق اسمها مسماه وقد تقدم قول الشاعر وتكراره في قوله
( قلت أنا قالت وإلا فمن ... قلت أنا قالت وإلا أنا )
وعز الدين لم يكرر مراجعته ولم يأت بها إلا في مكان واحد والذي أقوله إنه ما

صده عن ذلك إلا اشتغاله بتسمية النوع ولكن ليته لو دخل إلى سوق الرقيق وبيت بديعيتي
( قال اصطبر قلت صبري ما يراجعني ... قال احتمل قلت من يقوى لصدهم )
وهذا البيت متعلق ببيت التهكم الذي قبله وهو البيت المبني على خطاب العاذل وهو
( ذل العذول بهم وجدا فقلت له ... تهكما أنت ذو عز وذو شمم )

ذكر التوشيح
( توشيحهم بملا تلك الشعور إذا ... لفوه طيا يعرفنا بنشرهم )
اتفق علماء البديع على أن التوشيح أن يكون معنى أول الكلام دالا على لفظ آخره ولهذا سموه التوشيح فإنه ينزل فيه المعنى منزلة الوشاح وينزل أول الكلام وآخره منزلة محل الوشاح من العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح وهذا النوع فرعه قدامة من ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت وقال فيه التوشيح هو أن يكون في أول البيت معنى إذا فهم فهمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه من جنس معنى القافية بلفظه
وأورد ابن أبي الأصبع في تحرير التحبير من أعظم الشواهد على هذا قوله تعالى ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) فإن في معنى اصطفاء المذكورين ما يعلم منه الفاصلة لأن المذكورين نوع من جنس العالمين
ومن الأمثلة الشعرية قول الراعي النميري
( فإن وزن الحصى ووزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا )
فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى وتحقق أن القافية

مجردة مطلقة رويها النون وحرف إطلاقها الألف ورأى في صدر البيت ذكر الزنة تحقق أن تكون القافية رزينا ليس إلا
ومن عجائب أمثلة هذا النوع ما حكي عن عمر بن أبي ربيعة أنه أنشد عبد الله بن العباس رضي الله عنهما
( تشط غدا دار جيراننا ... )
فقال له عبد الله
( وللدار بعد غد أبعد ... )
فقال عمر هكذا والله قلت فقال عبد الله بن العباس وهكذا يكون
ويقرب من هذه القصة قصة عدي بن الرقاع حين أنشد الوليد بن عبد الملك بحضرة جرير والفرزدق قصيدته التي مطلعها عرف الديار توهما فاعتادها حتى انتهى إلى قوله تزجي أغن كأن إبرة روقه
ثم شغل الوليد عن الاستماع فقطع عدي الإنشاد فقال الفرزدق لجرير ما تراه يقول فقال جرير أراه يستلب بها مثلا
فقال الفرزدق إنه سيقول قلم أصاب من الدواة مدادها
فلما عاد الوليد إلى الاستماع وعاد عدي إلى الإنشاد قال البيت
فقال الفرزدق والله لما سمعت صدر بيته رحمته فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدا
قال زكي الدين بن أبي الأصبع الذي أقوله إن بين ابن العباس وبين الفرزدق في استخراجهما العجزين كما بينهما في مطلق الفضل وفضل ابن عباس رضي الله عنهما معلوم وأنا أذكر الفرق فإن بيت عدي بن الرقاع من جملة قصيدة تقدم مطلعها مع معظمها وعلم أنها دالية مردفة بألف وهي من وزن قد عرف ثم تقدم في صدر البيت ذكر ظبية تسوق خشفا لها قد أخذ الشاعر في تشبيه طرف قرنه بالقلم في سواده وهذه القرائن لا تخفى على أهل الذوق الصحيح أن فيها ما يدل على عجز البيت بحيث يسبق إليه من هو دون الفرزدق من حذاق الشعراء وبيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته من أي ضرب هي من القوافي ولا رويه من أي الحروف ولا حركة رويه من أي الحركات فاستخراج عجزه ارتجالا في غاية العسر ونهاية الصعوبة لولا ما أمد الله تعالى به هؤلاء الأقوام من المواد التي فضلوا بها عن غيرهم
انتهى كلام ابن أبي الأصبع
وبين التوشيح والتصدير فرق ظاهر مثل الصبح ولم يحصل الالتباس إلا لكون كل منهما يدل صدره على عجزه والفرق أن دلالة التصدير لفظية ودلالة التوشيح معنوية

والفرق بين التوشيح والتمكين أيضا أن التوشيح قد تقدم أنه لا بد أن يتقدم قافيته معنى يدل عليها والتمكين بخلاف ذلك
والعميان لم ينظموا أنواع التوشيح في بديعيتهم وبيت صفي الدين
( هم أرضعوني ثدي الوصل حافلة ... فكيف يحصل منها حال منفطمي )
فقصيدة صفي الدين قد علم أنها ميمية وقد مر على السامع منها عدة أبيات وقد صدر بيت التوشيح بذكر الرضاع والثدي فما يخفى أن تكون القافية منفطما إلا على كل أجنبي من هذا العلم
ولقد برز في حسن هذا التركيب باستجلاب الرقة على من تقدمه
وبيت الشيخ عز الدين
( نومي وعقلي بتوشيح الهوى سلبا ... فبت صبا بلا حلم ولا حلم )
قال في شرحه الهوى وشحني برداه غطاني فسلب نومي وعقلي فصرت بلا حلم ولا حلم
وهذه عبارته بنصها
وبيتي
( توشيحهم بملا تلك الشعور إذا ... لفوه طيا يعرفنا بنشرهم )
هذا النوع أعني التوشيح يفتقر الناظم إلى قدح زناد الفكر في سبك معانيه مع الملكة والبسطة في علم الأدب وحسن التصرف لا سيما إذا التزم بتسمية النوع وأبرز التسمية منتظمة في سلك التورية من جنس الغزل فتسمية النوع هنا قد عرفت والإتيان في هذا البيت بلفظة الملا هو الذي رشح جانب التوشيح الجائل على العاتق والكشح وأما توشيح الهوى في بيت الشيخ عز الدين فلم ينسج على منوال مقبول لأن استعارة الوشاح للهوى المقصور الذي هو الغرام لم يفهم منها شيء يقرب من التشبيه فإن علماء البديع قالوا الاستعارة هي ذكر الشيء باسم غيره وإثبات ما لغيره له لأجل المبالغة في التشبيه
وعلى هذا التقدير تكون استعارة الملا للشعور في حالة توشيح الأحباب بها هي الاستعارة التي يستعار منها المحاسن الأدبية فإن حسن التشبيه قد غازل بعيون كماله غزلها والتصريح في البيت بلفظ اللف والنشر والطي يعرفه من له أدنى ذوق مع أني ما اكتفيت بذلك حتى قلت بعد اللف والطي تعرفنا وتعرفنا فيها الاشتراك بين المعرفة والعرف فإذا تقرر أن القافية ميمية ما يتصور في ذوق أن تكون القافية غير نشرهم وقد اجتمع في هذا البيت من أنواع البديع التورية وحسن الاستعارة والترشيح والمطابقة والبسط والانسجام والتمكين والسهولة والتوشيح الذي هو العمدة
والله أعلم بالصواب

ذكر تشابه الأطراف
( شابهت أطراف أقوالي فإن أهم ... أهم إلى كل واد في صفاتهم )
هذا النوع الذي سموه تشابه الأطراف هو أيضا مثل المراجعة التي تقدمت ليس في كل منهما كبير أمر
وتالله ما خطر لي يوما ولا حسن في الفكر أن ألحق طرفا من تشابه الأطراف بذيل من أبيات شعري ولكن شروع المعارضة ملتزم وتشابه الأطراف هو أن يعيد الناظم لفظة القافية في أول البيت الذي يليها وهذا النوع كان اسمه التسبيغ بسين مهملة وغين معجمة وإنما ابن أبي الأصبع قال هذه التسمية غير لائقة بهذا المسمى فسماه تشابه الأطراف فإن الأبيات فيه تتشابه أطرافها
وأحسن ما وقع في هذا النوع قول أبي نواس
( خزيمة خير بني خازم ... وخازم خير بني دارم )
( ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم )
ولما كان هذا النوع لا يأتي إلا في بيتين والشيخ عز الدين لما التزم أن يأتي به لأجل التورية بالتسمية في بيت واحد شطر البيت شطرين وجعل كل شطر بمنزلة بيت كامل وأعاد لفظ القافية في الشطر الثاني فجاء به في غاية اللطف
فإن الشيخ صفي الدين أورد قبله بيت الاكتفاء ويأتي الكلام عليه في موضعه وإنما المراد هنا معرفة تشابه الأطراف وهو
( قالوا ألم تدر أن الحب غايته ... سلب الخواطر والألباب قلت لم )
( لم أدر قبل هواهم والهوى حرم ... أن الظباء تحل الصيد في الحرم )

تشابه الأطراف بين لم ولم في آخر البيت الأول وأول الثاني
وبيت الشيخ عز الدين
( أطرافك اشتبهت قولا متى تلم ... تلم فتى زائد البلوى فلم يلم )
أما قوله أطرافك اشتبهت يضيق الكلام فيه
وبيت بديعيتي
( شابهت أطراف أقوالي فإن أهم ... أهم إلى كل واد في صفاتهم )
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم ويا ليتني كنت معهم

ذكر التغاير
( أغاير الناس في حب الرقيب فمذ ... أراه أبسط آمالي بقربهم )
التغاير سماه قوم التلطف وهو أن يتلطف الشاعر بتوصله إلى مدح ما كان قد ذمه هو أو غيره
فأما مدح الإنسان ما ذمه غيره فإن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أتى فيه بما يمتزج صافي مشربه بالأرواح وينقلنا ببديع بلاغته من الإبهام إلى الإيضاح
فمن ذلك خطبته التي مدح فيها الدنيا مغايرا لأمثاله في ذمها حيث قال
أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها بم تذمها أنت المتجرئ عليها أم هي المتجرئة عليك متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى كم عللت ولديك وكم مرضت والديك تبغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تشف لهم بطبك ولم تدفع عنهم بقوتك قد مثلت لك بهم الدنيا نفسك وخيلت لك بمصرعهم مصرعك إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها ودار موعظة لمن اتعظ بها مسجد أحباب الله ومصلى ملائكته ومهبط وحي الله ومتجر أوليائه اكتسبوا منها الرحمة وربحوا منها الجنة فمن ذا يذمها وقد أدبت بنيها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهليها فمثلت لهم ببلائها البلى وشوقتهم بسرورها إلى السرور وراحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم الدنيا فذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا
ونظم ابن أبي الأصبع معاني هذه الخطبة فقال

( من يذم الدنيا بظلم فإني ... بطريق الإنصاف أثني عليها )
( وعظتنا بكل شيء وإنا ... حين جدت بالوعظ من مصطفيها )
( نصحتنا فلم نر النصح نصحا ... حين أبدت لأهلها ما لديها )
( أعلمتنا أن المآل يقينا ... للبلى حين جددت عصريها )
( كم أرتنا مصارع الأهل والأحباب ... لو نستفيق يوما إليها )
( يوم بؤس لها ويوم رخاء ... فتزود ما شئت من يوميها )
( وتيقن زوال ذاك وهذا ... تسل عما تراه من حادثيها )
( دار زاد لمن تزود منها ... وغرور لمن يميل إليها )
( مهبط الوحي والمصلى الذي كم ... عفرت صورة بها خديها )
( متجر الأولياء قد ربحوا الجنة ... منها وأوردوا عينيها )
( رغبت ثم رهبت ليرى ... كل لبيب عقباه في حالتيها )
وإذا أنصفت تعين أن يثني ... عليها ذو البر من ولديها )
فأما من ذم ما مدحه الناس قاطبة فابن الرومي فإنه ذم الورد وهو مشهور ووصف البحتري يوم الفراق بالقصر وقد أجمع الناس على طوله فقال
( ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل )
( قصرت مسافته على متزود ... منه لوهن صبابة وغليل )
وهذا النوع أعني المغايرة أورده الحريري في المقامة الدينارية وبالغ في مدح الدينار وذمه فقال في مدحه
( أكرم به أصفر راقت صفرته ... جواب آفاق ترامت سفرته )
( مأثورة سمعته وشهرته ... قد أودعت سر الغنى أسرته )
( وقارنت نجح المساعي خطرته ... وحببت إلى الأنام غرته )
( كأنما من القلوب نقرته ... به يصول من حوته صرته )

( وإن تفانت أو توانت عثرته ... يا حبذا نضاره ونضرته )
( وحبذا مغناته ونصرته ... كم آمر به استتبت أمرته )
( ومترف لولاه دامت حسرته ... وجيش هم هزمته كرته )
( وبدر تم أنزلته بدرته ... ومستشيط تتلظى جمرته )
( أسر نجواه فلانت سرته ... وكم أسير أسلمته أسرته )
( أنقذه حتى صفت مسرته ... وحق مولى أبدعته فطرته )
( لولا التقى لقلت جلت قدرته ... )
وقال في ذمه
( تبا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق )
( يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق )
( وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق )
( لولاه لم تقطع يمين سارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق )
( ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا شكا الممطول مطل العائق )
( ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق )
( أن ليس يغني عنك في المضائق ... إلا إذا فر فرار الآبق )
( واها لمن يقذفه من حالق ... ومن إذا ناجاه نجوى الوامق )
( قال له قول المحق الصادق ... لا رأي في وصلك لي ففارق )
ومن المغايرة تفضيل القلم على السيف إذ المعتاد عكس ذلك كقول ابن الرومي
( إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم )
( فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم )
( كذا قضى الله في الأقلام إذ بريت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم )

وغاير المتنبي ذلك وقال
( حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم )
والمغايرة هنا مليحة لكن المعنى مأخوذ من قول أبي تمام السيف أصدق إنباء من الكتب والمعنى في قول أبي تمام أبلغ فإن ابن أبي الأصبع قال لم يرض أبو تمام أن يقول السيف أصدق إنباء من القلم حتى قال من الكتب التي لا تكتب إلا بالأقلام والدواة والقرطاس والكاتب المطلق اليد واللسان والجنان فالحظ الفرق بينه وبين كلام المتنبي
انتهى كلام ابن أبي الأصبع
وقد عن لي هنا أن أرفع للمتأخرين في التقديم رأيه ليعلم المنكر الفرق بين البداية والنهاية فإن الشيخ جمال الدين أظهر في المغايرة بين السيف والقلم ما صدق به قول القائل
( وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل )
من ذلك قوله في رسالة المفاخرة بينهما والمغايرة في مدح كل واحد منهما وذمه فبرز القلم بإفصاحه ونشط لارتياحه ورقي من الأنامل على أعواده وقام خطيبا بمحاسنه في حلة مداده والتفت إلى السيف فقال ( بسم الله الرحمن الرحيم ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) الحمد لله الذي علم بالقلم وشرفه بالقسم وخط به ما قدر وقسم و الذي قال ( جف القلم بما هو كائن ) وعلى آله وصحبه ذوي المجد المبين وكل مجد بائن صلاة واضحة السطور فائحة من أدراج الصدور ما نقلت صحف البحار غواديها وكتبت أقلام النور على مهارق الدياجي حكمة باريها أما بعد
فإن القلم منار الدين والدنيا ونظام الشرف والعليا ومجاديح سحب الخير إذا احتاجت الهمم إلى السقيا ومفتاح باب اليمن المجرب إذا أعيا وسفير الملك المحجب وعذيق الملك المرجب وزمام أموره السائرة وقادمة أجنحته الطائرة

ومطلق أرزاق عفاته المتواترة وأنملة الهدى المشيرة إلى ذخائر الدنيا والآخرة به رقم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل وسنة نبيه التي تهذب الخواطر الخواطل فبينه وبين من يفاخره الكتاب والسنة وحسبه ما جرى على يده الكريمة من منه وفي مراضي الدول عونة للشائدين ويعين الله في ليالي النفس تقلب وجهه في الساجدين إن نظمت فرائد العلوم فإنما هو سلكها وإن علت أسرة الكتب فإنما هو ملكها وإن رقمت برود البيان فإنما هو جلالها وإن تشعبت فنون الحكم فإنما هو أمانها ومآلها وإذا انقسمت أمور الممالك فإنما هو عصمتها وثمالها وإن اجتمعت رعايا الصنائع فإنما هو إمامها المتلفع بسواده وإن زخرت بحار الأفكار فإنما هو المستخرج دررها من ظلمات مداده وإن وعد أوفى بجنب النفع وإن أوعد أخاف كأنما يستمد من النقع
هذا وهو لسان الملوك المخاطب ورسيلها لأبكار الفتوح والخاطب والمنفق في تعمير دولها ومحصول أنفاسه والمتحمل أمورها الشاقة على عينه ورأسه والمتيقظ لجهاد أعدائها والسيف في جفنه نائم والمجهز لبأسها وكرمها جيشي الحروب والمكارم والجاري بما أمر الله من العد والإحسان والمسود الناصر فكأنما هو لعين الدهر إنسان طالما ذب عن حرمها فشد الله أزره ورفع ذكره وقام في المحامات عن دينها أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره وقاتل على البعد والصوارم في القرب وأوتي من معجزات النبوة نوعا من النصر بالرعب وبعث جحافل السطور فالقسي دالات والرماح ألفات واللامات لامات والهمزات كواسر الطير التي تتبع الجحافل والأتربة عجاجها المحمر من دم الكلى والمفاصل فهو صاحب فضيلتي العلم والعلم وساحب ذيلي الفخار في الحرب والسلم لا يعاديه إلا من سفه نفسه ولبس لبسه وطبع على قلبه وفل الجدال من غربه وخرج في وزن المعارضة عن ضربه
وكيف يعادى من إذا كرع في نقسه قيل ( إنا أعطيناك الكوثر ) وإذا ذكر شانئه السيف قيل ( إن

شانئك هو الأبتر ) أقول قولي هذا وأستغفر الله من الشرف وخيلائه والفخار وكبريائه وأتوكل على الله فيما حكم وأسأله التدبير فيما جرى به من القلم ثم أكتفي بما ذكره من أدواته وجلس على كرسي دواته متمثلا بقول القائل
( قلم يفل الجيش وهو عرمرم ... والبيض ما سلت من الأغماد )
( وهبت له الآجام حين نشابها ... كرم السيول وصولة الآساد )
فعند ذلك نهض السيف قائما عجلا وتلمظ لسانه للقول مرتجلا وقال ( بسم الله الرحمن الرحيم وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) الحمد لله الذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف وشرع حدها في ذوي العصيان فأغصتهم بماء الحتوف وشيد مراتب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وعقد مرصوف وأجناهم من ورق حديدها الأخضر ثمار نعيمها الدانية القطوف و هازم الألوف وعلى آله وصحبه الذين طالما محوا بريق بريق الصوارم سطور الصفوف صلاة عاطرة في الأنوف حالية بها الأسماع كالشنوف وسلم
أما بعد فإن السيف زند الحق الوري وزنده القوي وحده الفارق بين الرشيد والغوي والنجم الهادي إلى العز وسبيله والثغر الباسم عن تباشير فلوله به أظهر الله الإسلام وقد جنح خفاء وجلى شخص الدين الحنيفي وقد جمح جفاء وأجرى سيوفه بالأباطح فأما الحق فمكث والباطل فذهب جفاء وحملته اليد الشريفة النبوية وخصته على الأقلام بهذه المزية وأوضحت به للحق منهاجا وأطلعته في ليالي النقع والشك سراجا وهاجا وفتحت باب الدين بمصباحه حتى دخل فيه الناس أفواجا فهو ذو

الرأي الصائب وشهاب العزم الثاقب وسماء العز التي زينت من آثاره بزينة الكواكب والحد الذي كأنه ماء دافق يخرج عند قطع الأجساد من بين الصلب والترائب لا تجحد آثاره ولا ينكر قراره إذا اشتبت في الدجى والنقع ناره يجمع بين الحالتين البأس والكرم ويصاغ في طوق الحليتين فهو إما طوق في نحور الأعداء وإما خلخال في عراقيب أهل النقم ويحسم به أهواء الفتن المضلة ويحذف بهمته الجازمة حروف العلة وإذا انحنى في سماء القتام بالضرب فقل يسألونك عن الأهلة فهو القوي الاستطاعة الطويل المعمر إذا قصف سواه في ساعة فما أولاه بطول الإحسان وما أجمل ذكره في أخبار المعمرين ومقاتل الفرسان كأن الغيث في غمده للطالب المنتجع وكأنه زناد يستضاء به إلا أن دفع الدماء شرره الملتمع كم قد مد فأدرك الطلاب ودعا النصر بلسانه المحمر من أثر الدماء فأجاب وتشعبت الدول لقائم نصره المنتظر وحازت أبكار الفتوح بحدة الذكر وغدت أيامها به ذات حجول معلومة وغرر وشدت به الظهور وحمدت علائقه في الأمور واتخذته الملوك حرزا لسلطانها وحصنا على أوطانها وقطانها وجردته على صروف الأقدار في شانها وندب فما أعيت عليه المصالح وباشر اللمم فهو على الحقيقة بين الهدى والضلال فرق واضح وأغاث في كل فصل فهو إما لغمده سعد الأخبية وإما لحامله سعد السعود وأما لضده سعد الذابح يجلس على رؤوس الأعداء قهرا ويشرح أنباء الشجاعة قائلا للقلم ( ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) وهل يفاخر من وقف الموت على بابه وعض الحرب الضروس بنابه وقذفت شياطين القراع بشهبه ومنح آيات شريفة منها طلوع الشمس من غربه ومنها أن الله أنشأ برقه فكان للمارد مصرعا وللرائد مرتعا ( ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ) كم اتخذ من جسد طرسا وكتب عليه حرفا لا ينسى فيه للألباب عبرة وللأذهان السابحة غمرة بعد غمرة
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من لفظ يجمح ورأي إلى الخصام يجنح

ولسان يحوجه اللدد إلى أن يخرج فيجرح وأتوكل عليه في صد الباطل وصرفه وأسأله الإعانة على كل باحث عن حتفه بظلفه ثم اختفى في بعض الخمائل وتمثل بقول القائل
( سل السيف عن أصل الفخار وفرعه ... فإني رأيت السيف أفصح مقولا )
فلما وعى القلم خطبته الطويلة الطائلة ونشطته الجليلة الجائلة وفهم كتابته وتلويحه وتعريضه بالذم وتصريحه وتعديله في الحديث وتجريحه استغاث باللفظ النصير واحتد وما أدراك ما حدة حده القصير وقام في دواته وقعد واضطرب على وجه القرطاس وارتعد وعدل إلى السب الصراح ورأى أنه إن سكت تكلم ولكن بأفواه الجراح فانحرف إلى السيف وقال أيها المعتز بطبعه المغتر بلمعه الناقض حبل الإنس بقطعه الناسخ بهجيره من ظلال العيش فيأ السراب الذي ( يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) الحبيس الذي طالما عادت عليه عوائد شره الكمين الإبليس الذي لو أمر لي بالسجود لقال ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) أتعرض بسبي وتتعرض لمكايد حربي ألست ذا الخدع البالغة والحرب خدعة والمنن النافعة ولا خير فيمن لا تبغي الأنام نفعه ألست المسود الأحق بقول القائل
( نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الجود والإقداما )
أتفاخرني وأنا للوصل وأنت للقطع وأنا للعطاء وأنت للمنع وأنا للصلح وأنت للضراب وأنا للعمارة وأنت للخراب وأنا المعمر وأنت المدمر وأنت المقلد وأنا صاحب التقليد وأنت العابث وأنا المجود ومن أولى من القلم بالتجويد فما أقبح شبهك وما أشنع يوما ترى فيه العيون وجهك أعلى مثلي يشق القول ويرفع

الصوت والصول وأنا ذو اللفظ المكين وأنت ممن دخل تحت قوله تعالى ( أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين ) فقد تعديت حدك وطلبت ما لم تبلغ به جهدك هيهات أنا المنتصب لمصالح الدول وأنت في الغمد طريح والمتعب في تمهيدها وأنت غافل مستريح والساهر وقد مهد لك في الغمد مضجع والجالس عن يمين الملك وأنت عن يساره فأي الحالتين أرفع والساعي في تدبير حال القوم والمغني لنفعهم العمر إذا كان نفعك يوما أو بعض يوم فاقطع عنك أسباب المفاخرة واستر أنيابك عند المكاشرة فما يحسن بالصامت محاورة المفصح والله يعلم المفسد من المصلح على أنه لا ينكر لمثلك التصدي ولا يستغرب منه على مثلي التعدي ما أنا أول من أطاع الباري وتجرأت عليه ومددت يد العدوان إليه أولست الذي قيل فيه
( شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجاج في الحرم )
قد سلبت الرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء وجلبت القوة فكم هيجت سبة حمراء وأثرت دهماء وخمشت الوجوه وكيف لا وأنت كالظفر كونا وقطعت اللذات ولم لا وأنت كالصبح لونا أين بطشك من حلمي وجهلك من علمي وجسمك من جسمي
( شتان ما بين جسم صيغ من ذهب ... وذاك جسمي وجسم صيغ من بهق )
أين عينك الزرقاء من عيني الكحيلة ورؤيتك الشنعاء من رؤيتي الجميلة أين لون الشيب من لون الشباب وأين نذير الأعداء من رسول الأحباب هذا وكم أكلت الأكباد غيظا وحميت الأضغان قيظا وشكوت الصدأ فسقيت ولكن بشواظ من نار وأخنت عليك الأيام حتى انتعل بأبعاضك الحمار ولولا تعرضك إلي لما وقعت في المقت ولولا إساءتك لما كنت تصقل في كل وقت فدع عنك هذا الفخر المديد

وتأمل وصفي إذا ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) وافهم قول ابن الرومي
( إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم )
( فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم )
( بذا قضى الله في الأقلام إذ بريت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم )
فعند ذلك وثب السيف على قده وكاد الغضب يخرجه عن حده وقال أيها المتطاول على قصره والماشي على طريق غرره والمتعرض مني إلى الدمار والمتحرش بي فهو كما تقول العامة ذنبه قش ويحترس بالنار لقد شمرت عن ساقك حتى أغرقتك الغمرات وأتعبت نفسك فيما لا تدرك إلى أن أذهبها التعب حسرات أولست الذي طالما أرعش السيف للهيبة عطفك ونكس للخدمة رأسك وطرفك وأمر بعض رعيته وهو السكين فقطع قفاك وشق أنفك ورفعك في مهمات خاملة وحطك وجذبك للاستعمال وقطك فليت شعري كيف جسرت وعبست على مثلي وبسرت وأنت السوقة وأنا الملك وأنا الصادق وأنت المؤتفك وأنت لصون الحطام وأنا لصون الممالك وأنت لحفظ المزارع وأنا لحفظ المسالك وأنت للفلاحة وأنا للفلاح وأنت حاطب الليل من نفسه وأنا ساري الصباح وأنا الباصر وأنت الأرمد وأنا المخدوم الأبيض
وأنت الخادم الأسود وأقسم بمن صير في قبضتي أنواع اليمن المسخرة وجعل شخصك وشخصي كقوله تعالى ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) إنك عن بلوغ قدري لأذل رتبة وعن بري كفي لأخيب طلبة فإني لا أنكر قول بعض أربابك حيث قالوا
( أف لرزق الكتبه ... أف له ما أصعبه )
( يرتشف الرزق به ... من شق تلك القصبه )
( يا قلما يرفع في ... الطرس لوجهي ذنبه )
( ما أعرف المسكين إلا ... كاتبا ذا متربه )

إن عاينت الديوان وقعت في الحساب والعذاب أو البلاغة سحرت وبالغت فأنت ساحر كذاب أو فخرت بتقييد العلوم فما لك منها سوى لمحة الطرف أو برقم المصاحف فإنك تعبد الله على حرف أو جمعت عملا فإنما جمعك للتكسير أو رفعت إلى طرفك رجع البصر خاسئا وهو حسير وهل أنت في الدول إلا خيال تكتفي الهمم بطيفه أو أصبع يلعق بها الرزق إذا أكل الضارب بقائم سيفه وساع على رأسه قل ما أجدى وسار ربما أعطى قليلا وأكدى
ثم وقف وأكدى أين أنت من حظي الأسنى وكفي الأغنى وما خصصت به من الجوهر الفرد إذا عجزت أنت عن العرض الأدنى كم برزت فما أغنيت في مهمه وكم خرجت من دواتك لتسطير سيئة فخرجت كما قيل من ظلمة إلى ظلمة وهب أنك كما قلت مفتوق اللسان جريء الجنان مداخل بمخلبك بين ذوي الاقتناص معدود من شياطين الدول وأنت في الطرس والنقس بين بناء وغواص فلو جريت خلفي إلى أن تحفى وصحت بصريرك إلى أن تخفت وتخفى فما كنت مني إلا بمنزلة المدرة من السماك الرامح والبعرة على تيار الخضم الطافح فلا تعد نفسك بمعجزي فإنك ممن يمين ولا تحلف لها أن تبلغ مداي فليس لمخضوب البنان يمين ومن صلاح نجمك أن تعترف بفضلي الأكبر وتؤمن بمعجزتي التي بعثت منك إلى الأسود والأحمر لتستوجب حقا وتسلم من نار حر تلظى لا يصلاها إلا الأشقى إن لم يتضح لرأيك إلا الإصرار وأبت حصائد لسانك إلا أن توقعك في النار فلا رعى الله عزائمك القاصرة ولا جمع عقارب ليل نفسك التي إن عادت فإن نعال السيوف لها حاضرة ثم قطع الكلام وتمثل بقول أبي تمام
( السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب )
( بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب )
فلما تحقق تحريف القلم حرجه وفهم مقدار الغيظ الذي أخرجه وسمع هذه المقالة التي يقطر من جوانبها الدم ورأى أنه هو البادي بهذه المناقشة والبادي أظلم

رجع إلى خداعه وتنحى عن طريق قراعه وعلم أن الدهر دهره والقدر على حكم الوقت قدره وأنه أحق بقول القائل
( لحنها معرب وأعجب من ذا ... أن إعراب غيرها ملحون )
فالتفت إليه وقال أيها المتلهب في قدحه والخارج عما نسب إليه من صفحه ما هذه الزيادة في السباب والتطفيف في كيل الجواب وأين علم الشيوخ عند جهل الشباب أما كان الأحسن بك أن تترك هذا الرفث وتعلم أخاك على الشعث وتحلم كما زعمت أنك السيد وتزكو على الغيظ كما يزكو على النار الجيد أما تعلم أني معينك في تشييد الممالك ورفيقك فيما تسلكه لنفعها من المسالك أما أنا وأنت للملك كاليدين وفي تشييده كالركنين الأشدين وما أراك عبتني في الأكثر إلا بتحول جسدي الذي ليس خلقه علي وضعفه الذي ليس أمره إلي على أن أشهى الخصور أنحفها وأقوى الجفون أضعفها وأزكى النسيمات أعلها وأدنفها وهذه سادات العرب تعد ذلك من فضلها الأظهر وحسنها الأشهر ولو أنك تقول بالفصاحة وتقف في هذه الساحة لأسمعتك في ذلك من أشعارهم وأتحفتك بما يفخرون به من آثارهم وكذلك عيبك سواد خلقتي التي
( أكسبها الحب حلية صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق )
فيا لله ويا للحجر الأسود من هذه الحجة البائره والكرة الخاسره وعلى هذه النسبة ما عبتني به من فقر الأنبياء وذل الحكماء على أن إطلاقات معروفي معروفة وسطوات

أمري في وجوه الأعداء المكسوفة مكشوفة فأستغفر الله مما فرط في مقالك والتقويض من عوائد احتمالك فلا تشمت بنا الأضداد ولا تسلط بفرقتنا المفسدين في الأرض إن الله لا يحب الفساد واغضض الآن من خيلائك بعض هذا الغض ولا تشك أني قسيمك ولو قيل لك يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض وإن أبيت إلا أن تهدد وتجرد الشغب وتحدد فاذكر محلنا من اليد الشريفة السلطانية الملكية المؤيدية أيد الله نعمها وجازى بالإحسان شيمها وأيقظ في الآجال والآمال سيفها وقلمها ولا عطل مشاهد المدح من أنسها ولا أخلى قرائض الباس والكرم من قيام خمسها فأقسم من بأسه بالليل وما وسق ومن بشر طلعته بالقمر إذا اتسق لو تجاور الأسد والظباء بتلك اليد لوردا بالأمن في منهل ورتعا في روض لا يجهل ولو لجأ إليها النهار لما راعه بمشيئة الله الليل بزجر أو الليل لما غلب على خيطه الأسود الخيط الأبيض من الفجر وعلى ذلك فما ينبغي لنا بين تلك الأنامل غير سلوك الأدب والمعاضدة على محو الأزمات والنوب والاستقامة على الحق ولا عوج والحديث من تلك الراحة عن البحر ولا حرج هذه نصيحتي إليك والدين النصيحة والله تعالى يطلعك على معاني الرشد الصريحة ويجعل بينك وبين الغي حجابا مستورا وينسيك ما تقدم من القول وكان ذلك في الكتاب مسطورا
فعند ذلك نكس السيف طرفه وقبل خديعة القلم قائلا لأمر ما جدع قصير أنفه وأمسك عن المشاغبة خيفة الزلل فإن السيوف معروفة بالخلل ثم قال أيها الضعيف الجبار البازغ في ليل المداد نجما وكم في النجوم غرار لقد تظلمت من أمر أنت البادي بظلمه وتسورت إلى فتح باب أنت السابق إلى فتح ختمه وقد فهمت الآن ما ذكرت من أمر اليد الشريفة ونعم ما ذكرت وأحسن بما أشرت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره وقد تغافلت عن قولك الأحسن ورددتك إلى أمك الدواة كي تقر عينها ولا تحزن وسألت الله تعالى أن يزيد محاسن تلك اليد العالية تماما على الذي أحسن فإنها اليد التي
( لو أثر التقبيل في يد منعم ... لمحا براجم كفها التقبيل )
والراحة التي
( تسعى القلوب لغوثها ولغيثها ... فيجيبه التأمين والتأميل )

والأنامل التي علمها الله بالسيف والقلم ومكنها من رتبتي العلم والعلم ودارك بكرمها آمال العفاة بعد أن ولا ولم ولولا أن هذا المضمار يضيق عن وصفه السابق إلى غاية الخصل ومجده الذي إذا جر ذيله ود الفضل لو تمسك منه بالفضل لأطلت الآن في ذكر مجدها الأوضح وأفصحت في مدحها ولا ينكر لمثلها إن أنطقت الصامت فأفصح ثم إنك بعدما تقدم من القول المزيد والمجادلة التي عز أمرها على الحديد أقررت أنت أننا للملك كاليدين ولم تقر أينا اليمين وفي آفاقه كالقمرين ولم تذكر أينا الواضحة الجبين وما يشفي ضناي ويروي صداي إلا أن يحكم بيننا من لا يرد حكمه ولا يتهم فهمه فيظهر أينا المفضول من الفاضل والمخذول من الخاذل ويقصر عن القول المناظر ويستريح المناضل وقد رأيت أن يحكم بيننا المقام الأعظم الذي أشرت إلى يده الشريفة وتوسلت بمحاسنها اللطيفة فإنه مالك زمامنا ومنشئ غمامنا ومصرف كلامنا وحامل أعبائنا الذي ما هوى للهوى وصاحب أمرنا ونهينا وتالله ما ضل صاحبكم وما غوى ليفصل الأمر بحكمه ويقدمنا إلى مجلسه الشريف فيحكم بيننا بعلمه فقدم خيرة الله على ذلك الاشتراط وقل بعد تقبيلنا الأرض له في ذلك البساط خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط فنشط القلم فرحا ومشى في أرض الطرس مرحا وطرب لهذا الجواب وخر راكعا وأناب وقال سمعا وطاعة وشكر الله على هذه الساعة يا برد ذاك الذي قالت على كبدي
الآن ظهر ما تبغيان وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان وحكم بيننا الرأي المنير ونبأنا بحقيقة الأمر ولا ينبئك مثل خبير ثم تفاصلا على ذلك وتراضيا على ما يحكم به المالك وكانوا أحق بها وأهلها وانتبه المملوك من سنة فكره وطالع بما اختلج سواد هذه الليلة في سره والله تعالى يديم أيام مولانا السلطان التي هي نظام المفاخر ومقام المآثر وغوث الشاكي وغيث الشاكر ويمتع بظلال مقامه الذي لا تكسر الأيام مقدار ما هو جابر ولا تجبر ما هو كاسر إن شاء الله تعالى
تمت رسالة الشيخ جمال الدين التي كشف بها عن قناع المغايرة وأتى فيها بكل مثال ليس له مثيل ووسمها بصاحب حماة فأطاعه عاصي الأدب ووهب الله له على الكبر إسماعيل
نرجع إلى أبيات البديعيات فبيت الشيخ صفي الدين
( فالله يكلؤ عذالي ويلهمهم ... عذلي فقد فرجوا كربي بذكرهم )

الشيخ صفي الدين غاير الناس في الدعاء لعذاله وما ذاك إلا أن العذول ما برح ممتزجا بذكر الأحباب فكلما كرروا عذله وذكروا أحبابه فرجوا كربه بذلك الذكر
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم
وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته
( تغاير الحال حتى للنوى فئة ... أصبحت منتظرا أيام وصلهم )
أما الشرح في نوع المغايرة فقد طال
والكلام في بيت عز الدين يضيق عنه المجال فإنه نظم المغايرة ولكن غاير بها الأفهام وما أرانا من عقادة بيته غير الإبهام
وبيت بديعيتي
( أغاير الناس في حب الرقيب فمذ ... أراه أبسط آمالي بقربهم )
الناس قد أجمعوا على ذم الرقيب وغايرتهم في مدحه لمعنى وما ذاك إلا أنني لما أراه أتحقق أنه ما تجرد للمراقبة إلا وقد علم بزيارة الحبيب فانظر إلى حسن المغايرة وغرابه المعنى وحسن التركيب

ذكر التذييل
( والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القسم )
التذييل هو أن يذيل الناظم أو الناثر كلاما بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتجري مجرى المثل بزيادة التحقيق
والفرق بينه وبين التكميل أن التكميل يرد على معنى يحتاج إلى الكمال
والتذييل لم يفد غير تحقيق الكلام الأول وتوكيده
ومن أعظم الشواهد عليه قوله تعالى ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) فالجملة الأخيرة هي التذييل الذي خرج كلامه مخرج المثل السائر
ومثله قوله تعالى ( ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) فالجملة الأخيرة هي تذييل خرج في الكلام مخرج الأمثال التي ليس لها مثيل وقوله تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ) ففي هذه الآية الشريفة تذييلان أحدهما قوله تعالى ( وعدا عليه حقا ) فإن الكلام كان قد تم قبل ذلك وحسن السكوت عليه والآخر قوله تعالى ( ومن أوفى بعهده من الله ) فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر
ووقع ذلك في السنة الشريفة وهو قول النبي ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه

وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة ولا يهلك على الله إلا هالك )
فقوله ( لا يهلك على الله إلا هالك ) هو التذليل الذي تتعلق البلاغة بأذياله وخرج الكلام فيه مخرج الأمثال وهذا التذليل انفرد بإخراجه مسلم ومن هذا الباب قول النابغة
( ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب )
اتفق أهل البديع على أن قوله أي الرجال المهذب من أحسن تذييل وقع في شعر لأنه خرج مخرج المثل ومثله قول بعض العرب
( ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل )
فعجز هذا البيت كله تذييل وهو في غاية الكمال ولقد أحسن بعضهم في هذا الباب حيث قال
( صدقتك الود أبغي الوصال ... وليس المكاذب كالصادق )
( فجازيتموني بطول البعاد ... وكم أخجل الحب من واثق )
فكل من عجزي البيتين تذييل وخرج الكلام فيهما مخرج المثل وأحسن منه قول الحطيئة
( نزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد )
فإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل وصدر البيت استقل بالمعنى المراد على انفراده وفيه أيضا مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في قوله يعطي ويعط وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة ورابطة وثيقة قال ابن أبي الأصبع عجز هذا البيت إذا انفرد استقل مثلا وتذييلا كما أن الصدر إذا انفرد استقل بالمعنى المقصود من جملة البيت والغرض المطلوب من التمثيل أيضا وقل أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم على استقلال كل قسم بنفسه وتمام معناه ولفظه ومن التذييل الحسن قول أبي الشيص
( وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم )
فعجز البيت كله تذييل في ضمنه مطابقة لذكره الهوان والكرامة
ومن بديع التمثيل قول ابن نباتة السعدي
( لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل )

فإنه استوفى ما أراده من المدح في الشطر الأول ثم احتاج إلى تتميم البيت وأراد إتمامه بتكرار المعنى المتقدم فيه استحسانا وتوكيدا فأخرجه مخرج المثل السائر حيث قال تركتني أصحب الدنيا بلا أمل ليحصل ما أراده من التوكيد وزيادة المعنى لأن المدح إذا خرج مخرج المثل كان أسير في الأرض
قال ابن أبي الأصبع هذا البيت إن نظر فيه إلى قول أبي الطيب المتنبي
( تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي )
فبيت ابن نباتة أفضل من بيت المتنبي لأنه أحسن الأدب مع ممدوحه إذ لم يجعله في حيز من يتمنى شيئا وجعل في قدرته وجوده ما يبلغ مادحه كل أمنية فلم يبق له أمل وإن كان في بيت المتنبي زيادة من جهة المبالغة في قوله دون مبلغه واستعارة في اللفظ بقوله تمسي الأماني صرعى ففي بيت ابن نباتة أن كل ما جعله المتنبي لممدوحه جعله ابن نباتة لمادحه مع زيادة المبالغة في المدح بكونه أخرجه مخرج المثل السائر كما بينا فهو أشهر وأسير وأبقى
وإذا تأمل الناظر في البيتين وجد معنى بيت المتنبي بكماله في صدر بيت ابن نباتة لأن حاصل بيت المتنبي أن الممدوح قدر على كل الأماني وهذا قد استقل به صدر بيت ابن نباتة والعجز ملزوم صدره لأن من نال كل أمل صحب الدنيا بلا أمل غير أن ابن نباتة لكونه أخرج العجز مخرج المثل صار كأنه استأنف معنى آخر مستقلا بجميع معنى بيت المتنبي مع كونه زاد بأن جعل للمادح ما جعله المتنبي للممدوح وهذا غاية في حسن الأدب
وقد ترجح بيت ابن نباتة على بيت المتنبي من وجوه
انتهى كلام ابن أبي الأصبع في النقد الحسن الذي قرره على بيت أبي الطيب وبيت ابن نباتة
وقد يختلط على بعض الناس هذه الأبواب الأربعة وهي باب الإيغال والتذييل والتمكين والتكميل
والفرق ظاهر فإن الإيغال لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق به وهو أيضا مما يأتي بعد تمام المعنى كالتكميل والتذييل
وأما التمكين فليس له مدخل في هذه الأبواب لأنه عبارة عن استقرار القافية في مكانها لأنها لا تزيد معنى البيت بل إذا حذفت نقص معنى البيت لأنها ممكنة في قواعده
وأما التكميل فإنه وإن أتى بعد تمام المعنى فهو يفارق الإيغال والتذييل من وجهين أحدهما كونه يأتي في الحشور والمقاطع والإيغال والتذييل لا يكونان إلا في المقاطع دون الحشو

والإيغال والتذييل لا يخرجان عن معنى الكلام المتقدم والتكميل لا بد أن يأتي بمعنى يكمل الغرض على التكملة المتقدمة إما تكميلا بديعيا أو تكميلا عروضيا
والتذييل يفارق الإيغال لكونه يزيد على الكلمة التي تسمى إيغالا ويستوعب غالبا عجز البيت
وبيت صفي الدين في التذييل
( لله لذة عيش بالحبيب مضت ... فلم تدم لي وغير الله لم يدم )
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم
وبيت عز الدين الموصلي
( تذييل عيشي ورزقي قسمة حصلت ... في أول الخلق والأرزاق بالقسم )
وبيت بديعيتي
( والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القسم )
فقولي وكفى بالله في القسم هي الجملة التي جاءت بعد تمام الكلام وحسن السكوت عليه واشتملت على معناه وزادته في القسم تحقيقا وتوكيدا وجرت مجرى المثل الذي ما يجارى في شرفه وكماله وأما لفظة التذييل التي هي تسمية لهذا النوع المقصود ففات الشيخ عز الدين فيها لفظة طال فإنني لو لم أذكر الطول ما ترشحت تورية التذييل ولا وقع لها في القلوب مواقع فإن الطول من لوازم الأذيال وطويل ذيل اللقاء في البيت من ألطف الاستعارات وقولي يا عاذلي هو التكميل الذي يأتي في الحشو وقد تقدم الكلام عليه وتقرر

ذكر التفويف
( خشن ألن أحزن افرح امنع اعط أنل ... فوف أجد وش رقق شد حب لم )
التفويف تأملته فوجدته نوعا لم يفد غير إرشاد ناظمه إلى طرق العقادة
والشاعر إذا كان معنويا وتجشم مشاقه تقصر يده عن التطاول إلى اختراع معنى من المعاني الغريبة وتجفوه حسان الألفاظ ولم يعطف عليه برقة وتأنف كل قرينة صالحة أن تسكن له بيتا ولكن شروع المعارصة ملزم به ولم يسعني غير تشريع الطباق في بيته
وهو في اللغة مشتق من الثوب المفوف الذي فيه خطوط بيض والمراد تلوينه ونقشه ومن ظريف قول ابن قاضي ميلة
( بعيشي ألم أخبركما أنه فتى ... على لفظه برد الكلام المفوف )
والتفويف في الصناعة عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح والغزل وغير ذلك من الفنون والأغراض كل فن في جملة من الكلام منفصلة عن أختها مع تساوي الجملة في الوزنية
ويكون بالجملة الطويلة أو المتوسطة أو القصيرة وأحسنها وأبلغها وأصعبها مسلكا القصار فمثال ما جاء منه بالجملة الطويلة قول النابغة
( وأعظم أحلاما وأكبر سيدا ... وأفضل مشفوعا وأكرم شافع )

وبالجملة المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون
( ته أحتمل واحتكم أصبر وعز أهن ... وذل أخضع وقل أسمع ومر أطع )
ومثال ما جاء بالجملة القصيرة قول أبي الطيب المتنبي
( أقل أنل أقطع إحمل عل أسل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل )
أقل من الإقالة في العثرة أنل من الإنالة والآعطاء أقطع من الإقطاع احمل من قولهم حمله على فرسه عل من الاستعلاء والعلو أسل من السلو أعد أي أعدني إلى موضعي من الجوائز زد أي زدني مما كنت أعهده منك هش من الهشاشة وهي التهلل والبشر من بش البشاشة وهي البشر وطلاقة الوجه تفضل من الأفضال ادن أي قربني إليك وقوله سر من التسري وهو أن يعطيه جارية يتسراها صل من الصلة ولم أقصد بحل هذه الألفاظ إلا إيناسا تزول به وحشة العقادة عن المتأمل فإن هذه الجملة ما استولت عليها عقادة التركيب إلا لكون كل كلمة منها فعل أمر ولم يأت في الجملة القصيرة على هذه الصفة شيء من فصيح الكلام وعلى هذا المنوال نسج أصحاب البديعيات وبالله المستعان
وبيت الشيخ صفي الدين رحمه الله
( أقصر أطل اعذل اعذر سل خل أعن ... خن هن عن ترفق كف لج لم )
وهذا النوع ما نظمه العميان وبيت الشيخ عز الدين
( فوف أزف انظم أنثر خص عم أفد ... اعتب أدر أبرق ارعد اضحك ابك لم )
هذا البيت بيت ما نحت من الجبال ولكن الجبال نحتت منه وبيت بديعيتي
( خشن ألن احزن افرح امنع اعط أنل ... فوف اجد وش رقق شد حب لم )
قد تقدم قولي للعاذل
( والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القسم )
ولما قررت له ذلك قلت له في بيت التفويف إن شئت تخشن في عذلك وإن

شئت تلين وإن شئت تحزن وإن شئت تفرح وإن شئت تمنع وإن شئت تعطي وإن شئت تفوف العذل وتجيد نقشه وتوشيته وترقق فيه أو تشد معناه أن الكل بالنسبة إلى صدق المحبة سهل ولكن النكتة في قولي له أعني للعاذل حب لم يعني إذا حب لم يعد ذلك كأني أقول له
( من لم يبت والحب يقرع قلبه ... لم يدر كيف تفتت الأكباد )
وما أحلى قول الشيخ شرف الدين بن الفارض مخاطبا لعاذله
( دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف )

ذكر المواربة
( يا عاذلي أنت محبوب لدي فلا ... توارب العقل مني واستفد حكمي )
المواربة براء مهملة وباء موحدة وهي مشتقة من الأرب وهي الحاجة لكن ذكر ابن أبي الأصبع أنها مشتقة من ورب العرق بفتح الواو والراء إذا فسد فهو ورب بكسر الراء
كأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر الكلام بما أبداه من تأويل باطنه
وحقيقة المواربة أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه فيه بسببه ويتوجه عليه المؤاخذة فإذا حصل الإنكار عليه استحضر بحذقه وجها من الوجوه التي يمكن التخلص بها من تلك المؤاخذة إما بتحريف كلمة أو تصحيفها أو بزيادة أو نقص أو غير ذلك
فأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف فقول عتبان الحروز
( وإن يك منك كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب )
( فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب )
فلما بلغ الشعر هشاما وظفر به قال أنت القائل ومنا أمير المؤمنين شبيب فقال يا أمير المؤمنين ما قلت إلا ومنا أمير المؤمنين شبيب فتخلص بفتح الراء بعد ضمها وهذا ألطف مواربة وقعت في هذا الباب وشاهد الحذف قول أبي نواس في خالصة جارية أمير المؤمنين الرشيد هاجيا لها
( لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع حلي على خالصه )

فلما بلغ الرشيد ذلك أنكر عليه وتهدده بسببه فقال لم أقل إلا
( لقد ضاء شعري علي بابكم ... كما ضاء حلي علي خالصه )
فاستحسن الرشيد مواربته وقال بعض من حضر هذا بيت قلعت عيناه فأبصر
وشاهد التصحيف في المواربة يأتي في أبيات البديعيات ويعجبني قول الشيخ عز الدين الموصلي في المواربة من غير البديعية لما بلغه وفاة القاضي فتح الدين بن الشهيد وكان القاضي فتح الدين يرجح جانب الشيخ شمس الدين المزين على الشيخ عز الدين لبغض كان في خاطره لا لاستحقاق
( دمشق قالت لنا مقالا ... معناه في ذا الزمان بين )
( اندمل الجرح واستراحت ... ذاتي من الفتح والمزين )
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته
( لأنت عندي أخص الناس منزلة ... إذ كنت أقدرهم عندي على السلم )
المواربة في أخص يريد بها أخس بالسين المهملة وأقدرهم يريد بها أقذرهم بالذال المعجمة والمواربة في أقدرهم بالتصحيف
وهذا النوع لم ينظمه العميان في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي
( لأنت أفتح ذهنا في مواربة ... وبالتعقل منسوب إلى النعم )
مراد الشيخ بأفتح أقبح وبالتعقل التغفل وقال في شرحه إنه أراد بالنعم النعم وهو اسم جامع للإبل وغيرها وأراد بذلك المواربة بالتحريف أيضا
سلمنا له ذلك ولكن لم أر في بيته قبل المواربة معنى يستأنس به الذوق
وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على ما تقدم من خطاب العاذل
( يا عاذلي أنت محبوب لدي فلا ... توارب العقل مني واستفد حكمي )
قولي للعاذل أنت محبوب لدي من له أدنى ذوق يفهم منه أن مرادي المواربة بمجنون والمراد بلفظة توارب توازن والمعنى قبل المواربة مستقيم وهو في غاية الكمال وإذا حصلت المواربة صار البيت
( يا عاذلي أنت مجنون لدي فلا ... توازن العقل مني واستفد حكمي )
وأنتقل من صيغة المدح المقبول إلى صيغة الهجو الصريح

ذكر الكلام الجامع
( جمع الكلام إذا لم تغن حكمته ... وجوده عند أهل الذوق كالعدم )
الكلام الجامع هو أن يأتي الشاعر ببيت مشتمل على حكمة أو وعظ أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال ويتمثل الناظم بحكمها أو وعظها أو بحالة تقتضي إجراء المثل كقول زهير بن أبي سلمى
( ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم )
وقول أبي نواس
( إذا كان غير الله في عدة الفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد )
وقول المتنبي
( وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام )
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته
( من كان يعلم أن الشهد مطلبه ... فلا يخاف للدغ النحل من ألم )
فإنه حصر فيه الكلام الجامع بشروطه وأجراه مجرى المثل مع ما أودع فيه من الحكمة وزاد على ذلك بما كساه من ديباجة الرقة ولطف السهولة وحسن الانسجام وأما العميان فما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي
( كلامه جامع وصف الكمال كما ... يهيج الشوق أنواعا من الريم )

قد تقرر إن الكلام الجامع هو أن يأتي الناظم ببيت جملته حكمة أو موعظة أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال وليس بين الشطر الأول من البيت وبين الشطر الثاني مناسبة ولا إيناس ملاءمة ولم أر لجريان المثل دخولا في باب هذا البيت وبيت بديعيتي
( جمع الكلام إذا لم تغن حكمته ... وجوده عند أهل الذوق كالعدم )
حكمة هذا البيت ما أجريت مثلها على هذا النمط إلا ليعلم المتيقظ أن فيه إشارة لطيفة إلى بيت عز الدين
فإني قررت أن ليس في كلامه الجامع ما يشعر بحكمة تجري مجرى الأمثال فوجوده عند أهل الذوق كالعدم والله الموفق

ذكر المناقضة
( إني أناقضهم إن أزمعوا ونأوا ... وجر نمل ثبيرا إثر عيسهم )
المناقضة تعليق الشرط على نقيضين ممكن ومستحيل ومراد المتكلم المستحيل دون الممكن ليؤثر التعليق عدم وقوع المشروط فكأن المتكلم ناقض نفسه في الظاهر إذ شرط وقوع أمر بوقوع نقيضين ومثاله قول النابغة
( وإنك سوف تحكم أو تباهي ... إذا ما شبت أو شاب الغراب )
فإن تعليقه وقوع حكم المخاطب على شيبة ممكن وعلى شيب الغراب مستحيل ومراده الثاني لا الأول لأن مقصوده أن يقول إنك لا تحكم أبدا
والفرق بين المناقضة وبين نفي الشيء بإيجابه أن هذا الباب ليس فيه نفي ولا إيجاب ونفي الشيء بإيجابه ليس فيه شرط وبيت الشيخ صفي الدين في المناقضة
( وإنني سوف أسلوهم إذا عدمت ... روحي وأحييت بعد الموت والعدم )
فتعليق الشرط بين النقيضين الممكن والمستحيل ظاهر والبيت في غاية الحسن والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم
وبيت عز الدين
( إني أناقض عهد النازحين إذا ما شاب عزمي وشبت شهوة الهرم )
الشيخ عز الدين قرر في بيته وشرحه إن شيب العزم ممكن وشباب شهوة الهرم مستحيل
فرأيت تصوير شيب العزم وإمكانه وسبك استعارته في قالب التشبيه كما تقرر

في باب الاستعارة فيه أشكال فإنهم قالوا الاستعارة هي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه
ولم أر في شيب العزم وجها للمبالغة في التشبيه وعلى كل تقدير فالممكن والمستحيل في بيت عز الدين فيهما نظر
وبيت بديعيتي
( إني أناقضهم إن أزمعوا ونأوا ... وجر نمل ثبيرا إثر عيسهم )
تعليق الشرط على الممكن والمستحيل في هذا البيت أوضح من الكلام عليه والله أعلم بالصواب

ذكر التصدير أو رد العجز على الصدر
( ألم أصرح بتصدير المديح لهم ... ألم أهدد ألم أصبر ألم ألم )
هذا النوع الذي هو رد الإعجاز على الصدور سماه المتأخرون التصدير
والتصدير هو أخف على المستمع وأليق بالمقام وقد قسمه ابن المعتز على ثلاثة أقسام
الأول ما وافق آخر كلمة في البيت آخر كلمة في صدره أو كانت مجانسة لها كقول الشاعر
( يلفى إذا ما كان يوم عرمرم ... في جيش رأي لا يفل عرمرم )
والثاني ما وافق آخر كلمة في البيت أول كلمة منه وهو الأحسن كقول الآخر
( سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع )
ومثله
( تمنت سليمى أن أموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنت ) ومثله
( سكران سكر هوى وسكر مدامة ... أني يفيق فتى به سكران )
وشاهد الجناس في هذا الباب للسري الرفاء
( يسار من سجيتها المنايا ... ويمنى من عطيتها اليسار )

والأكثر أن تكون الكلمة التي في العجز عين الكلمة التي في الصدر لفظا وإن قبل اللفظ اشتراكا زاد النوع حسنا
مثاله
( ذوائب سود كالعناقيد أرسلت ... فمن أجلها منا النفوس ذوائب )
والقسم الثالث ما وافق آخر كلمة في البيت بعض كلام في أي موضع كان كقول الشاعر
( سقى الرمل صوب مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل )
هكذا عرف ابن المعتز هذا القسم الثالث من التصدير
لكن قال ابن أبي الأصبع إن هذا التعريف مدخول وصدق فإن ابن المعتز قال في أي موضع كان والكلمة إذا كانت في العجز لم تسم تصديرا لأن اشتقاق التصدير من صدر البيت فلا بد من زيادة قيد في التعريف يسلم به من المدخل بحيث يقول بعض كلمات البيت في أي موضع كانت من صدره
قال ابن أبي الأصبع أيضا الذي يحسن أن يسمى به القسم الأول تصدير التقفية والثاني تصدير الطرفين والثالث تصدير الحشو وقد وقع من القسم الأول في الكتاب العزيز قوله تعالى ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ومن القسم الثاني قوله تعالى ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) ومن القسم الثالث قوله تعالى ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون )
قال ابن أبي الأصبع وفي التصدير قسم رابع ذهب عنه ابن المعتز وهو أن يأتي فيما الكلام فيه منفي واعتراض فيه إضراب عن أوله كقول الشاعر
( فإن تك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد )
وقد جاء قدامة من التصدير بنوع آخر كما ذكرناه وسماه التبديل وهو أن يصير المتكلم الأخير من كلامه أولا أو بالعكس كقولهم أشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك

قال ابن أبي الأصبع لم أقف لهذا النوع على شاهد شعري فقلت
( اصبر على خلق من تصاحبه ... واصحب صبورا على أذى خلقك )
أصحاب البديعيات نظموا القسم الثاني الذي قرره ابن المعتز وهو ما وافق آخر كلمة من البيت أول كلمة فيه وهو الذي وقع الاتفاق على أنه الأحسن
وبيت الشيخ صفي الدين رحمه الله
( فمي تحدث عن سري فما ظهرت ... سرائر القلب إلا من حديث فمي )
هذا النوع أعني التصدير ما برحت السهولة نازلة بأكناف أذياله فإنه سهل المأخذ ويتعين على الأديب المعنوي أن لا يتركه ساذجا من نكتة أدبية يزداد بها بهجة فإن الشيخ صفي الدين مع عدم تكلفه بتسمية النوع وسبكه في قالب التورية من جنس الغزل لم يأت به إلا ساذجا
وبيت العميان في بديعيتهم
( وحقهم ما نسينا عهد حبهم ... ولا طلبنا سواهم لا وحقهم )
لعمري إن بيت الشيخ عز الدين في هذا النوع أعمر من بيت الصفي ومن بيت العميان فإنه مع التصريح بتورية التسمية حلى نوع التصدير بمكررها في طرفي بيته وهو
( فهم بصدر جمال عجز عاشقه ... عن وصله ظاهر عن باحث فهم )
وبيت بديعيتي
( ألم أصرح بتصدير المديح لهم ... ألم أهدد ألم أصبر ألم ألم )
ديباجة التورية في عجز هذا البيت وصدره لا تخفى على صاحب الذوق السليم ولو استقل هذا البيت بنظم نوع التصدير مجردا لم يكن تحته كبير أمر كبيت الحلي وبيت العميان

ذكر القول بالموجب أو أسلوب الحكيم
( قولي له موجب إذ قال أشفقهم ... تسل قلت بناري يوم فقدهم )
القول بالموجب ويقال له أسلوب الحكيم وللناس فيه عبارات مختلفة منهم من قال هو أن يخصص الصفة بعد أن كان ظاهرها العموم أو يقول بالصفة الموجبة للحكم ولكن يثبتها لغير من أثبتها المتكلم
وقال ابن أبي الأصبع هو أن يخاطب المتكلم مخاطبا بكلام فيعمد المخاطب إلى كلمة مفردة من كلام المتكلم فيبني عليها من لفظه ما يوجب عكس معنى المتكلم وذلك عين القول بالموجب لأن حقيقته رد الخصم كلام خصمه من فحوى لفظه
قال صاحب التلخيص في تلخيصه وإيضاحه القول بالموجب ضربان
أحدهما أن تقع صفة من كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم فتثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم وانتفائه كقوله تعالى ( يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) فإنهم كنوا بالأعز عن فريقهم وبالأذل عن فريق المؤمنين وأثبتوا للأعز الإخراج فأثبت الله تعالى في الرد عليهم صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة ولا لنفيه عنهم
انتهى كلام صاحب التلخيص
ومنه قول القبعثري للحجاج لما توعده فقال لأحملنك على الأدهم والمراد به

القيد فرأى القبعثري أن الأدهم يصلح للقيد والفرس فحمل كلامه إلى الفرس وقال مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب فصرف الوعيد بالهوان إلى الوعد بالإحسان وفي هذا ما لا يخفى على المتأدب من حسن التلطف وشدة الباعث على فعل الخير إذ لا يليق بمن له همة عالية أن يقال له مثلك من يفعل الخير فيقول لا بل أفعل الشر
والقسم الثاني من كلام صاحب التلخيص أن القول بالموجب هو حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه وهذا القسم الذي تداوله الناس ونظمه أصحاب البديعيات كقول ابن حجاج
( قال ثقلت إذ أتيت مرارا ... قلت ثقلت كاهلي بالأيادي )
( قال طولت قلت أوليت طولا ... قال أبرمت قلت حبل ودادي )
وحذاق البديع أخلوا هذا الباب من لفظة لكن فإنهم خصصوا بها نوع الاستدراك بحيث يفرق بينهما فرق دقيق وهذا هو الفرق
ومن أحسن ما وقع في هذا النوع قول محاسن الشواء
( ولما أتاني العاذلون عدمتهم ... وما فيهم إلا للحمى قارض )
( وقد بهتوا لما رأوني شاحبا ... وقالوا به عين فقلت وعارض )
وأورد الشهاب محمود في كتابه المسمى بحسن التوسل إلى صناعة الترسل بيت الأرجاني في الاستدراك شاهدا على هذا النوع وهو
( غالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة أعرت من اللحم العظاما )
( ثم قالت أنت في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما )
قد تقرر أن لفظه لكن خصص بها أهل البديع نوع الاستدراك لأجل الفرق بينه وبين القول بالموجب ولم يستشهدوا على نوع الاستدراك بغير بيتي الأرجاني
قال الشهاب محمود في البيتين إنه أعجبه معناهما ونظم فيه قوله وهو شاهد على القول بالموجب

( رأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا )
( فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضا )
وبيت الحلي
( قالوا سلوت لبعد الإلف قلت لهم ... سلوت عن صحتي والبرء من سقمي )
فقوله سلوت عن صحتي هو حمل لفظ وقع من كلام الغير على خلاف مراده
وبيت العميان أوردوه بحرف الاستدراك وهو
( كانوا غيوثا ولكن للعفاة كما ... كانوا ليوثا ولكن في عداتهم )
رأيت ترك الكلام على هذا البيت أليق بالمقام
وبيت عز الدين الموصلي
( قالوا مدام الهوى قول بموجبه ... تسل قلت شبابي من يد الهرم )
لما قال الشيخ عز الدين بعد تسل شبابي من يد الهرم علمنا أنها الكلمة التي أشار إليها ابن أبي الأصبع وقال إن المخاطب يعكس بها معنى كلام المتكلم وهو عين القول بالموجب
وتسل هنا أحسن من سلوت في بيت الحلي فإن تسل يقبل الاشتراك ومراد المتكلم هنا داء السل فعاكسه المخاطب بسل الشباب من يد الهرم ونقله باشتراك التورية إلى الوجه الذي أراده ولم يخرج عن موضوعها في معنى السل الذي لم يخرج عن الوجهين غير أن قول الموصلي مدام الهوى قول بموجبه لم يخل من شدة العقادة وبيت بديعيتي
( قولي له موجب إذ قال أشفقهم ... تسل قلت بناري يوم فقدهم )
فلفظة تسل هي الكلمة المعتمد عليها في عكس معنى كلام المتكلم من المخاطب فإن المتكلم أراد السلو في لفظه تسل وهي فعل أمر فعاكسه المخاطب بالاشتراك ونقلها بالتورية إلى صفة التسلي بالنيران فإنه لما قال له تسل قال بناري يوم فقدهم
ورقة البيت وانسجامه لا تخفى على أهل الذوق السليم والله أعلم

ذكر الهجو في معرض المدح
( وكم بمعرض مدح قد هجوتهم ... وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم )
هذا النوع من مستخرجات ابن أبي الأصبع وهو أن يقصد المتكلم هجاء إنسان فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح وباطنها القدح فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول الحماسي
( يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا )
( كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا )
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم والعفة والخشية والتقوى وباطنه المقصود أنهم في غاية الذل وعدم المنعة وظريف قول بعضهم في الشريف ابن الشجري
( يا سيدي والذي يعيذك من ... نظم قريض يصدى به الفكر )
( ما فيك من جدك النبي سوى ... أنك لا ينبغي لك الشعر )
ومن ملح هذا الباب قول ابن سنا الملك في قواد
( لي صاحب أفديه من صاحب ... حلو التأني حسن الاحتيال )
( لو شاء من رقة ألفاظه ... ألف ما بين الهدى والضلال )
( يكفيك منه أنه ربما ... قاد إلى المهجو طيف الخيال )

قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع لقد تشبثت بأذيال القاضي السعيد بن سنا الملك في هذا النوع بقولي فيمن ادعى الفقه والكرم
( إن فلانا أكرم الناس لا ... يمنع ذا الحاجة من فلسه )
( وهو فقيه ذو اجتهاد وقد ... نص على التقليد في درسه )
( فيحسن البحث على وجهه ... ويوجب الدخل على نفسه )
والفرق بين الهجاء في معرض المدح وبين التهكم أن التهكم لا تخلو ألفاظه من اللفظ الدال على نوع من أنواع الذم أو لفظة توهم من فحواها الهجو
وألفاظ المدح في معرض الذم لا يقع فيها شيء من ذلك ولا تزال تدل على ظاهر المدح حتى يقرن بها ما يصرفها عنه
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
( من معشر يرخص الإعراض جوهرهم ... ويحملون الأذى من كل مهتضم )
فقوله ويحملون الأذى من كل مهتضم ينظر إلى قول الحماسي يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة والمراد بما أبطنه الذل وعدم المنعة
والعميان لم ينظموا هذا النوع
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي
( في معرض المدح تهجى من قبيلته ... أعراضهم بين معمور ومنهدم )
الذي أقوله إن الشيخ عز الدين قفل مصراعي بيته ومنع الأفهام من الدخول إليه فإني لم أجد فيه ما يدل على مجرد المدح ولا اقترن به ما يصرفه إلى صيغة الهجو بل أقول وأنا أستغفر الله إن هذا البيت أجساد ألفاظه ما دب فيها من المعاني روح وليس له بهذا النوع إلمام
وبيت بديعيتي
( وكم بمعرض مدح قد هجوتهم ... وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم )
فحمل الضيم ينظر إلى قول الحماسي إذ ظاهره الحلم والحسن وباطنه الذل وعدم المنعة ولكن حمل التهم هو الغاية القصوى في ظاهره وباطنه والله أعلم

ذكر الاستثناء
( عفت القدود فلم أستثن بعدهم ... إلا معاطف أغصان بذي سلم )
الاستثناء استثناءان لغوي وصناعي
فاللغوي إخراج القليل من الكثير وقد فرع النحاة من ذلك في كتبهم فروعا كثيرة
والصناعي هو الذي يفيد بعد إخراج القليل من الكثير معنى يزيد على معنى الاستثناء ويكسوه بهجة وطلاوة ويميزه بما يستحق به الإثبات في أبواب البديع كقوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) فإن في هذا الكلام معنى زائدا على مقدار الاستثناء وذلك لعظم الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خرق إجماع الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم وذلك مثل قولك أمر الملك بكذا وكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلانا فإن الإخبار عن معصية هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته ويفخم مقدار كبريائه بخلاف قولك أمر الملك بكذا فعصاه فلان
ومثاله قوله تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام ( فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ) فإن في الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع لتمهيد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه وإن في حكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة العظيمة تعظيمها لكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف والإيجاز في اختصار هذا اللفظ بهذه البلاغة العظيمة ظاهر فإن لفظ القرآن أخصر وأوجز من قولنا تسعمائة سنة وخمسين عاما ولفظ القرآن بتقييد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة

عليه ومثله قوله تعالى ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ) فالله تعالى لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر استثنى من خلودهم في النار بلفظ مطمع حيث أثبت الاستثناء المطلق وأكده بقوله إن ربك فعال لما يريد أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار
ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة استثنى من خلودهم ما ينفي الاستثناء حيث قال عطاء غير مجذوذ أي مقطوع وهذه المعاني في هذه الآيات الشريفة زائدة على الاستثناء اللغوي
ومن أمثال الاستثناء اللغوي في الشعر قول النميري
( فلو كنت بالعنقاء أو بأطومها ... لخلتك إلا أن تصد تراني )
هذا الاستثناء في غاية الحسن فإنه تضمن المبالغة في زيادة مدح الممدوح وذلك أن هذا الشاعر يقول إني لو كنت في حيز العدم لأن العرب تضرب المثل بالعنقاء لكل شيء متعذر الوجود لخلتك متمكنا من رؤيتي ليس لك مانع يمنعك عني فالزيادة هنا في غاية اللطف وهي قوله إلا أن تصد فأنت في القدرة علي غير ممنوع وهذا غاية المبالغة في المدح
ومن الاستثناء نوع سماه ابن أبي الأصبع استثناء الحصر وهو غير الاستثناء الذي يخرج القليل من الكثير ونظم فيه قوله
( إليك وإلا ما تحث الركائب ... وعنك وإلا فالمحدث كاذب )
فإن خلاصة هذا البيت قول الناثر للممدوح لا تحث الركائب إلا إليك ولا يصدق المحدث إلا عنك وهذا الحصر لا يحسن في الاستثناء الأول فإنه لو قال سبحانه وتعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما وعاما صح لولا توخي الصدق في الخبر
وقوله تعالى ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا أبليس ) لا يمنع أن يقال ورهطه لولا مراعاة الصدق في الخبر

وعلى منوال الاستثناء الأول الذي هو العمدة في هذا الباب نظم أصحاب البديعيات وهو إخراج القليل من الكثير بزيادة معنى بديع يزيد على معنى الاستثناء فبيت الشيخ صفي الدين الحلي
( فكل ما سر قلبي واستراح به ... إلا الدموع عصاني بعد بعدهم )
فبيت صفي الدين هنا غير خال من العقادة ومراده فيه أن كل شيء كان يسره قبل الفراق ويطيعه عصاه إلا الدموع فإنها أطاعته
ومعنى هذه الزيادة اللطيفة لا يخفى على أهل الذوق
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين
( الناس كل ولا استثناء لي عذروا ... إلا العذول عصاني في ولائهم )
مراد عز الدين في زيادة معناه على معنى الإستثناء أن عذوله خالف الإجماع
وبيت بديعيتي
( عفت القدود فلم أستثن بعدهم ... إلا معاطف أغصان بذي سلم )
قال الله تعالى ( كل حزب بما لديهم فرحون ) هذا البيت ما أعلم أنني إذا أطنبت في وصفه يكون الإطناب لشدة فرحي به لكونه نظمي أو لأن الأمر على حقيقته
فإن زيادة معناه على معنى الاسثتناء وغرابة أسلوبه وشرف نسيبه وحسن انسجامه وسهولة ألفاظه ومراعاة نظيره لا تخفى على المنصف من أهل الأدب
وأما ترشيح تورية الاستثناء بذكر القدود والمعاطف فإنه من النسمات التي حركت القدود والمعاطف والتكميل بذي سلم لكون القصيدة نبوية في غاية الكمال
والذي أقوله إنه ما يدخل نظر المتأمل إلى بيت أعمر منه في هذا الباب والله أعلم بالصواب

ذكر التشريع
( طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا ... على النقا فنعمنا في ظلالهم )
هذا النوع أعني التشريع سماه ابن أبي الأصبع التوأم
وأراد بذلك مطابقة التسمية للمسمى فإن هذا النوع شرطه أن يبني الشاعر بيته على وزنين من أوزان القريض وقافيتين فإذا أسقط من أجزاء البيت جزأ أو جزأين صار ذلك البيت من وزن آخر غير الأول كقول الحريري
( يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردي وقرارة الأكدار ) ... ( دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا تبا لها من دار )
وهي قصيدة كاملة معروفة في مقاماته من ثاني الكامل وتنتقل بالإسقاط إلى ثامنه فتصير
( يا خاطب الدنيا الدنية ... إنها شرك الردى )
( دار متى ما أضحكت ... في يومها أبكت غدا )
وزيادة القافيتين ظاهرة ووقع قبل كلام الحريري من كلام العرب في هذا الباب

( وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هوج الرمال بكثبهن شمالا )
( ألفيتنا نفري الغبيط لضيفنا ... قبل القتال ونقتل الأبطالا )
فإن هذا الشاعر لو اقتصر على الرمال والقتال لكان الشعر من الضرب المجزو المرفل من الكامل وهو
( وإذا الرياح مع العشي ... ي تناوحت هوج الرمال )
( ألفيتنا نفري الغبيط ... لضيفنا قبل القتال )
فإذا أتممت البيتين صارا من الضرب التام المقطوع منه وصار لكل بيت من هذين البيتين قافيتان ولا شك أن هذا النوع لا يأتي إلا بتكلف زائد وتعسف فإنه راجع إلى الصناعة لا إلى البلاغة والبراعة إذ وقوع مثل هذا النوع في الشعر من غير قصد له نادر ولا يحسن أن يكون في النثر فإنه ما يقع فيه إلا ترصيعا ولا يظهر حسنه إلا في النظم لأن فيه الانتقال من وزن إلى وزن آخر فيحصل بذلك من الاستحسان ما لا يحسن في النثر لأن النثر على كل حال كلام مسجوع ليس فيه انتقال من وزن إلى وزن وأوسع البحور في هذا النوع الرجز فإنه قد وقع مستعملا تاما ومجزوا ومشطورا ومنهوكا فيمكن أن يعمل للبيت منه أربع قواف فإذا أسقطت ما بعد القافية الأولى بقي البيت منهوكا فإذا أسقطت ما بعد الثانية بقي البيت مشطورا فإذا أسقطت ما بعد الثالثة بقي مجزوا وإذا لم تسقط شيئا كان تاما
ولأبي عبد الله محمد بن جابر الضرير الأندلسي ناظم البديعية في غير بديعيته المذكورة هنا
( يرنو بطرف فاتر مهما رنا ... فهو المنى لا أنتهي عن حبه )
( يهفو بغصن ناضر حلو الجنى ... يشفي الضنا لا صبر لي عن قربه )
( لو كان يوما زائري زال العنا ... يحلو لنا في الحب أن نسمى به )
( أنزلته في ناظري لما دنا ... قد سرنا إذ لم يحل عن صبه )
فهذه الأبيات من الرجز التام وهو الضرب الأول منه فإذا تركتها على حالها فهي

من التام وإذا أسقطت من البيت الأول لا أنتهي عن حبه ومن الثاني لا صبر لي عن قربه ومن الثالث في الحب أن نسمى به ومن الرابع إذا لم يحل عن صبه صارت من الرجز المجزوء وإن أسقطت من البيت الأول قوله فهو المنى إلى آخره ومن الثاني يشفي الضنا إلى آخره ومن الثالث يحلو لنا إلى آخره ومن الرابع قد سرنا إلى آخره صارت من الرجز المشطور
وإن أسقطت من الأول
قوله مهما رنا ومن الثاني حلو الجنى ومن الثالث زال العنا ومن الرابع لما دنا صار من الرجز المنهوك
ولكن القوة في ذلك والمكنة في ملكة الأديب أن يأتي بالتشريع في بيت واحد وهذا هو المطلوب من نظام البديعيات لأجل الاستشهاد بأبياتهم على كل نوع لا سيما الملتزم بتسميته على الصيغة فإنه لو جاء بالتسمية والنوع في بيتين بطل حكم التورية وخرج عن شروط البديعيات
وبيت الشيخ صفي الدين
( فلو رأيت مصابي عندما رحلوا ... رثيت لي من عذابي يوم بينهم )
يخرج له من هذا البيت
( فلو رأيت مصابي ... رثيت لي من عذابي )
وهو مجزوء المجتث وبيته عند العروضيين
( البطن منها خميص ... والوجه مثل الهلال )
وقد تعين إيراد ما نظمه أبو عبد الله الضرير في البيتين لأجل المعارضة وهما
( واف كريم رحيم قد وفى ووقى ... فعم نفعا فكم ضرا شفى فقم )
( فقم بنا فلكم فقرا كفى كرما ... وجود تلك الأيادي قد صفا فقم )
أقول لو اختصر العميان هذين البيتين وأضافوهما إلى ما اختصروه من البديع لكان أجمل بهم فإنهم أسقطوا من أنواع البديع نحو السبعين وقصد الناظم فيهما أعني البيتين أنك إذا أسقطت من البيت الكلمة الموازنة لفعلن من آخر كل نصف وهما قوله ووقى وقوله فكم صار الوزن من الضرب الأول من البسيط وهو التام إلى الضرب الثالث منه وهو المجزو لأنه قد حذف منه جزءا من آخر كل نصف فصار
( واف كريم رحيم قد وفى ... وعم نفعا فكم ضرا شفى )
( فقم بنا فلكم فقرا كفى ... وجود تلك الأيادي قد صفا )

وهذا مع ركته وثقالة نظمه غير المشهور من البسيط فإنه لم يشتهر منه سوى العروض الأولى المخبونة ووزنها فعلن ولها ضربان المشهور منها الأول وهو مخبون مثلها
وبيت الشيخ عز الدين
( وفي الهوى ضل تشريع العذول لنا ... وكم هوى في مقال ذل من حكم )
أخبر أن تشريع العذول في حكم الهوى ضلال حتى يرشح بتورية التشريع في تسمية النوع ويخرج من بيت الشيخ عز الدين بيت من قافية أخرى من منهوك الرجز فنصفه في الشطر الأول وفي الهوى وفي الشطر الثاني وكم هوى وهذه عبارته في شرحه بنصها فصار باقي البيت بدون الجزأين الأولين
( ضل تشريع العذول لنا ... في مقال ذل من حكم )
وهذا البيت من العروض الثالثة المحذوفة المخبونة من المديد ووزنها فعلن وشاهدها
( للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه )
ولقد برز الشيخ عز الدين في ذلك على متقدميه فإن الشيخ صفي الدين لم يتحصل له بيتان من بيت ولا للشيخ أبي عبد الله الضرير ولكن قال الشيخ عز الدين في شرحه إن هذا النمط ما وقع للمتقدمين وهو معجز ليس لأديب عليه قدرة وبسط العبارة في الدعوى بسببه فأردت أن لا أنسج في الشرح على غير منواله فقلت
( طاب اللقا لذا تشريع الشعور لنا ... على النقا فنعمنا في ظلالهم )
فيخرج من بيتي
( طاب اللقا ... على النقا )
وهو بيت بقافية أخرى من منهوك الرجز كبيت الشيخ عز الدين ولكن شتان بين قولي ( طاب اللقا ... على النقا ) وبين قوله ( وفي الهوى ... وكم هوى ) فإن بيته لا تتم به فائدة ولا يحسن السكوت عليه وصار باقي بيتي بدون الجزأين الأولين
( لذ تشريع الشعور لنا ... فنعمنا في ظلالهم )
وهو بيت من العروض الثالثة المحذوفة المخبونة من المديد وهي التي رتب عز الدين عليها ما بقي من بيته
( ضل تشريع العذول لنا ... في مقال ذل من حكم )

ولكن الفرق في تشريع الشعور ظاهر والتورية في قوله فنعمنا في ظلالهم عند ذكر الشعور كلامها سائغ عند أهل الأدب وهذا البيت مع صعوبة مسلك هذا النوع اجتمع فيه من أنواع البديع السهولة والانسجام والتورية في موضعين والتمكين في القافية والجناس المطلق بين تشريع وشعور والتذييل البديعي فإني أتيت بجملة بعد تمام الكلام الأول زادت معناه تحقيقا وتوكيدا وجرت مجرى المثل وفيه نوع التشريع الذي هو المقصود هنا والله أعلم

ذكر التتميم
( بكل بدر بليل الشعر يحسده ... بدر السماء على التتميم في الظلم )
التتميم كان اسمه التمام وإنما سماه الحاتمي التتميم وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه
والتتميم عبارة عن الإتيان في النظم والنثر بكلمة إذا طرحت من الكلام نقص حسنه ومعناه وهو على ضربين ضرب في المعاني وضرب في الألفاظ
فالذي في المعاني هو تتميم المعنى والذي في الألفاظ هو تتميم الوزن والمراد هنا تتميم المعنى ويجيء للمبالغة والاحتياط كقول طرفة
( فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمة تهمي )
فقوله غير مفسدها احتراس واحتياط ويجيء في المقاطع والحشو وأكثر مجيئه في الحشو ومثاله قوله تعالى ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) فقوله ( من ذكر أو أنثى ) تتميم وقوله ( وهو مؤمن ) تتميم ثان في غاية البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام وجرى على الصحة ولو حذفت الجملتان نقص معناه واختل حسن البناء
ومن هذا القسم قول النبي مما انفرد به مسلم ( ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتا في

الجنة ) فوقع التتميم في هذا الحديث في أربعة مواضع منها قوله مسلم ومنها قوله لله ومنها كل يوم ومنها قوله من غير الفرائض
ومن أناشيد قدامة على هذا القسم
( أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب )
فقوله ويعطوه تتميم فإنه في غاية الحسن وهو شاهد على ما جاء منه للاحتياط
ومثال ما جاء منه للمبالغة قول زهير
( من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا )
فقوله على علاته تتميم للمبالغة
وغاية الغايات في التتميم للمبالغة قوله تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) فقوله على حبه هو تتميم للمبالغة التي تعجز عنها قدرة المخلوقين
وأما التتميم الذي جاء في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن بحيث أنه لو طرحت الكلمة استقل معنى البيت بدونها وهو على ضربين أيضا كلمة لا يفيد مجيئها إلا إقامة الوزن وأخرى تفيد مع إقامة الوزن ضربا من المحاسن
فالأولى من العيوب والثانية من النعوت والمراد هنا الثانية لا الأولى ومثالها قول المتنبي
( وخفوف قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما )
فإنه جاء بقوله يا جنتي لإقامة الوزن فأفاد تتميم المطابقة وهو ضرب من المحاسن المشار إليها

ولقد وهم جماعة من المؤلفين وخلطوا التكميل بالتتميم وساقوا في باب التتميم شواهد التكميل وبالعكس
وتأتي شواهد التكميل في مواضعها والفرق بين التكميل والتتميم أن التتميم يرد على الناقص فيتمه والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله إذ الكمال أمر زائد على التتميم وأيضا أن التمام يكون متمما لمعاني النقص لا لأغراض الشعر ومقاصده والتكميل يكملها
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته
( وكم بذلت طريفي والتليد لكم ... طوعا وأرضيت عنكم كل مختصم )
فالتتميم في قوله طوعا فإنه أراد به أنه لم يبذل ذلك كرها فتم بهذا المعنى
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين
( والبدر مذ لاح في التتميم دان له ... والشمس مذعنة طوعا لمحتكم )
قوله في التتميم هو التتميم بعينه مع زيادة التورية في التشبيه وقوله طوعا تتميم ثان لكن تقدمه الشيخ صفي الدين بقوله طوعا وأرضيت عنكم كل مختصم
وبيت بديعيتي متعلق ببيت التشريع الذي قبله وهو
( طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا ... على النقا فنعمنا في ظلالهم )
( بكل بدر بليل الشعر يحسده ... بدر السماء على التتميم في الظلم )
فقولي بليل الشعر هو التتميم الذي تستعار من استعارته المحاسن فإني لو قلت بكل بدر يحسده بدر السماء لصح المعنى ولكن زدت البدر الأرضي بقولي بليل الشعر تتميما وحسنا
وقولي على التتميم تتميم ثان مع زيادة التورية التي فيها تسمية النوع الملتزم بها وقولي في الظلم تتميم ثالث ليس له نظير فإن به تم المعنى وتمت رتبة اللف والنشر

ذكر تجاهل العارف
( وافتر عجبا تجاهلنا بمعرفة ... قلنا أبرق بدا أم ثغر مبتسم )
تجاهل العارف تسميته لابن المعتز وسماه السكاكي بسوق المعلوم مساق غيره لنكتة المبالغة في التشبيه
وهو عبارة عن سؤال المتكلم عما يعلم سؤال من لا يعلم ليوهم أن شدة التشبيه الواقع بين المتناسبين أحدثت عنده التباس المشبه بالمشبه به وفائدته المبالغة في المعنى نحو قولك أوجهك هذا أم بدر فإن المتكلم يعلم أن الوجه غير البدر إلا أنه لما أراد المبالغة في وصف الوجه بالحسن استفهم أهذا وجه أم بدر ففهم من ذلك شدة الشبه بين الوجه والبدر فإن كان السؤال عن الشيء الذي يعرفه المتكلم خاليا من الشبه لم يكن من هذا الباب بل يكون من باب آخر كقوله تعالى ( وما تلك بيمينك يا موسى ) فإن السؤال هنا ما وقع لأجل المبالغة في التشبيه المشار إليه في تجاهل العارف بل هو لفائدة أخرى
أما الإيناس لموسى عليه السلام لأن المقام مقام هيبة واحترام وإما إظهار المعجز الذي لم يكن موسى يعلمه
ومنه قوله لعيسى عليه السلام ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) فإن السؤال هنا لم يكن للتشبيه وإنما هو توبيخ لمن ادعى فيه ذلك
ومن الناس من جعل تجاهل العارف مطلقا سواء كان على طريق التشبيه أو على غيره إذا تقرر هذا فاعلم أن تجاهل العارف من حيث هو إنما يأتي لنكتة من نحو مبالغة

في مدح أو ذم أو تعظيم أو تحقير أو توبيخ أو تقرير أو من تدله في الحب وأنا أذكر أمثلة الجميع هنا فمنه للمبالغة في الغزل قول الشاعر
( أجفون كحيلة أم صفاح ... وقدود مهزوزة أم رماح )
ومنه للمبالغة في الشوق وطول الليل
( وشوق ما أقاسي أم حريق ... وليل ما أكابد أم زمان )
وللمبالغة في النحول
( وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد )
( وشكك في عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد )
ومنه للمبالغة في الغزل
( في الخيف من ظبيانه سمراء ... أقوامها أم صعدة سمراء )
ومثله
( أثغرك يا هند أبدى ابتساما ... أم البرق سل عليه حساما )
ومثله قول شرف الدين راجح الحلي
( من أطلع البدر في ديجور طرته ... وأودع السحر في تكسير مقلته )
( ومن أدار يواقيت الشفاه على ... كأس من الدر يحمي خمر ريقته )
ويعجبني من هذا القصيد قوله وإن كان من غير ما نحن فيه
( يحنو النسيم عليه من لطافته ... والدهر ألين منه عند قسوته )
ومثله في اللفظ والمعنى قول ابن نباتة
( في مرشفيه سلاف الراح من عصره ... ومعطفيه قوام البان من هصره )
( وفي ابتسام ثناياه ومنطقه ... من نظم الدر أسلاكا ومن نثره )

ومن تجاهل العارف للمبالغة في تعظيم الممدوح قول ابن هانئ المغربي
( أبني العوالي السمهرية والمواضي ... المشرفية والعديد الأكبر )
( من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير )
قيل إنه لما تجاهل في هذا البيت عن معرفة الممدوح ترجل الجيش بكماله تعظيما للممدوح إذ هو ملكهم وهذه القصيدة سارت بها الركبان والحداة تشدو ببلاغتها وهي أحب من قفا نبك في الشهرة لفصاحتها ومطلعها
( فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر )
وما أحلى ما قال بعده
( وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر )
أقول إن هذه الاستعارات المرشحة يرشح ندى البلاغة من بين أوراقها وتتعثر فحول الشعراء في حلبة سباقها ومنها
( في فتية صدأ الدروع عبيرهم ... وخلوقهم علق النجيع الأحمر )
( لا يأكل السرحان شلو طعينم ... مما عليه من القنا المتكسر )
( قوم يبيت على الحشايا غيرهم ... ومبيتهم فوق الجياد الضمر )
( وتظل تسبح في الدماء قبابهم ... فكأنهن سفائن في أبحر )
( حي من الأعراب إلا أنهم ... يردون ماء الأمن غير مكدر )
( لي منهم سيف إذا جردته ... يوما ضربت به رقاب الأعصر )
( صعب إذا نوب الزمان استصعبت ... متنمر للحادث المتنمر )
( وإذا عفا لم تلق غير مهلل ... وإذا سطا لم تلق غير معفر )
( فغمامه من رحمة وعراصه ... من جنة ويمينه من كوثر )

ولم أستطرد إلى هذا القدر من نظم ابن هانئ إلا لعلمي أنه عزيز الوجود وغريب في هذه البلاد
ومن تجاهل العارف للمبالغة في المدح قول إمام هذه الصناعة ومالك أزمة البلاغة والبراعة القاضي الفاضل من مديح العادل
( أهذي كفه أم غيث غوث ... ولا بلغ السحاب ولا كرامه )
( وهذا بشره أم لمع برق ... ومن للبرق فينا بالإقامه )
( وهذا الجيش أم صرف الليالي ... ولا سبقت حوادثها زحامه )
( وهذا الدهر أم عبد لديه ... يصرف عن عزيمته زمامه )
( وهذا نعل غمد أم هلال ... إذا أمسى كنون أم قلامه )
( وهذا الترب أم خد لثمنا ... فآثار الشفاه عليه شامه )
سبحان المانح هذا الأديب الذي لم ينسج الأوائل على منواله ولا تتعلق الأفاضل من المتأخرين بغبار أذياله
ومنها وليس من تجاهل العارف ولكنه من المرقص والمطرب
( وهذا الدر المنثور ولكن ... أروني غير أقلامي نظامه )
( وهذي روضة تندى وسطري ... بها غصن وقافيتي حمامه )
( وهذا الكاس روق من بناني ... وذكرك كان من مسك ختامه )
وقوله أيضا من تجاهل العارف للمبالغة في المديح
( أهذه سير في المجد أم سور ... وهذه أنجم في السعد أم غرر )
( وأنمل أم بحار والسيوف لها ... موج وإفرندها في لجها درر )
( وأنت في الأرض أم فوق السماء وفي ... يمينك البحر أم في وجهك القمر )
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في التعظيم قول سيدنا القطب الفرد الجامع عبد القادر الكيلاني قدس الله ضريحه وأعاد علينا من بركاته في الدنيا والآخرة بمحمد وآله

( أأظما وأنت العذب في كل منهل ... وأظلم في الدنيا وأنت نصيري )
( وعار على حامي الحمى وهو قادر ... إذا ضاع في البيدا عقال بعير )
ومثله
( بدا فراع فؤادي حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك )
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في الذم قول زهير
( وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء )
ومما جاء للتحقير قول الشاعر وتظارف إلى الغاية
( لما ادعى غصن الرياض بأنه ... في لينه مع قدها موصوف )
( قلنا له هل أنت تشبه قدها ... ما أنت هذا القد يا مقصوف )
ومما جاء منه للتوبيخ قول ليلى بنت طريف الخارجية في أخيها الوليد
( أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف )
وهذا البيت من قصيدة غريبة أثبتها بكمالها ابن خلكان في تاريخه والخابور نهر أصله من رأس عين بديار بكر يصب إلى الفرات
ومن أطرف ما وقع في تجاهل العارف على سبيل التوبيخ قول سراج الدين الوراق فإنه صرح بذكر التوبيخ في بيتيه وهما
( وا خجلتي وصحائفي مسودة ... وصحائف الأبرار في إشراق )
( وموبخ في الحشر وهو يقول لي ... أكذا تكون صحائف الوراق )
ومما وقع للتقرير قول مهيار
( سلا ظبية الوادي وما الظبي مثلها ... وإن كان مصقول الترائب أكحلا )
( أأنت أمرت الصبح أن يصدع الدجا ... وعلمت غصن البان أن يتميلا )

ومما وقع منه قول العرجي للتدله في الحب
( بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكم أم ليلى من البشر )
قد قررت هنا اختلاف أقسام هذا النوع أعني تجاهل العارف من مدح وذم وتعظيم وتحقير وتوبيخ وتقرير وغير ذلك إذا عرفت ذلك فإني أوردت هنا ما استظرفته في هذا الباب ولم أحتج فيه إلى التنبيه
وأظرف ما سمعته في هذا الباب قول عبد المحسن الصوري
( بالذي ألهم تعذيبي ... ثناياك العذابا )
( والذي صير حظي ... منك هجرا واجتنابا )
( والذي ألبس خديك ... من الورد نقابا )
( ما الذي قالته عيناك ... لقلبي فأجابا )
ومثله
( دعوه ونجدا إنها شأن نفسه ... ولو أن نجدا تلعة ما تعداها )
( وهبكم منعتم أن يراها بعينه ... فهل تمنعون القلب أن يتمناها )
وقول المتنبي
( أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي )
وقول الفاضل
( فإذا قلت أين داري وقالوا ... هي هذي أقول أين زماني )
وقال ابن الفارض
( أوميض برق بالأبيرق لاحا ... أم في ربا نجد أرى مصباحا )
( أم تلك ليلى العامرية أسفرت ... ليلا فصيرت المساء صباحا )
ويعجبني قول الشيخ علاء الدين الوداعي
( ترى يا جيرة الرمل ... يعود بقربكم شملي )
( وهل تقتص أيدينا ... من الهجران للوصل )
( وهل ينسخ لقياكم ... حديث الكتب والرسل )

ومن لطائف هذه القصيدة ولم أبعد في الاستطراد عما نحن فيه قوله
( بروحي ليلة مرت ... لنا معكم بذي الأثل )
( وساقينا وما يملا ... وشادينا وما يملي )
( وظبي من بني الأتراك ... حلو التيه والدل )
( له قد كغصن البان ... ميال إلى العدل )
( وطرف ضيق ويلاه ... من طعناته النجل )
( أقول لعاذلي فيه ... رويدك يا أبا جهل )
( فقلبي من بني تيم ... وعقلي من بني ذهل )
( وما يبري هوى المشتاق ... إلا ذلك المغلي )
لقد زاحمه الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله هنا بقوله
( حلفت بما يملا النديم وما يملي ... لقد صان ذاك الحسن سمعي عن العذل )
( من المغل أشكو نحوه ألم الهوى ... وطب الهوى عندي كما قيل بالمغلي )
ومن الذي أعجبني في هذا النوع أعني تجاهل العارف قول بعضهم
( أقول له علام تميل عجبا ... على ضعفي وقدك مستقيم )
( فقال تقول عني في ميل ... فقلت له كذا نقل النسيم )
ومليح هنا قول ابن نباتة السعدي
( فوالله ما أدري أكانت مدامة ... من الكرم تجنى أم من الشمس تعصر )
وأورد صاحب الصناعتين في هذا الباب ما كتبه إليه بعض أهل الأدب وهو سمعت بورود كتابك فاستفزني الفرح قبل رؤيته وهز عطفي المرح أمام مشاهدته فما أدري أسمعت بورود كتاب أم رجوع شباب ولم أدر أرأيت خطا مسطورا أم روضا ممطورا أو كلاما منثورا أم وشيا منشورا

وبيت الشيخ صفي الدين غاية في هذا الباب
( يا ليت شعري أسحرا كان حبكم ... أزال عقلي أم ضرب من اللمم )
وبيت العميان في بديعيتهم
( إذا بدا البدر تحت الليل قلت له ... أأنت يا بدر أم مرأى وجوههم )
هذا البيت لم يعمر بشيء من محاسن الأدب لما فيه من الركة
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي
( وعارف مذ بدا بدري تجاهل لي ... وقال حبك أم ذا البدر في الظلم )
الشيخ عز الدين مع التزامه بالتورية في تسمية النوع الذي استوعب كلمتين من البيت بيته أرق من بيت العميان وأعمر بالمحاسن
وبيت بديعيتي
( وافتر عجبا تجاهلنا بمعرفة ... قلنا أبرق بدا أم ثغر مبتسم )
هذا البيت شاهد في تجاهل العارف على المبالغة في التشبيه وهو القسم الذي تقرر في أول الكلام على النوع وقلنا إنه المقدم على بقية الأقسام من تجاهل العارف فإن فيه سوق المعلوم في مقام غيره لنكتة المبالغة في التشبيه كما قرره السكاكي
وقولي تجاهلنا بمعرفة لا يخفى ما فيه من الحسن على أهل الذوق السليم والله أعلم

ذكر الاكتفاء
( لما اكتفى خده القاني بحمرته ... قال العواذل بغضا إنه لدمي )
الاكتفاء هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف فلم يفتقر إلى ذكر المحذوف لدلالة باقي لفظ البيت عليه ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى
وهو نوع ظريف ينقسم إلى قسمين قسم يكون بجميع الكلمة وقسم يكون ببعضها
والاكتفاء بالبعض أصعب مسلكا لكنه أحلى موقعا ولم أره في كتب البديع ولا في شعر المتقدمين
فشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة كقول ابن مطروح
( لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا )
فمن المعلوم أن باقي الكلام ولا إذا مت لما تقدم من قوله الحياة ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبا من عيوب الشعر مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان ومنه قول شيخ شيوخ حماة
( أهلا بطيفكم وسهلا ... لو كنت للاغفاء أهلا )
( لكنه وافى وقد ... حلف السهاد علي أن لا )
ومنها قوله فيما نحن فيه
( راموا فطامي عن هوى ... غذيته طفلا وكهلا )
( فوضعت في طوقي يدي ... وقلت خلوني وإلا )

وما أظرف قول الصاحب بهاء الدين زهير
( يا حسن بعض الناس مهلا ... صيرت كل الناس قتلى )
( لم تبق غير حشاشة ... في مهجتي وأخاف أن لا )
وما أظرف ما قال بعده ولم يخرج عن المراد
( وكشفت فضل قناعه ... بيدي عن قمر تجلى )
( ولثمته في خده ... تسعين أو تسعين إلا )
وجمع الشيخ سراج الدين الوراق بين تضمينين واكتفاءين في بيت واحد وأجاد إلى الغاية
( يا لائمي في هواها ... أفرطت في اللوم أهلا )
( ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا )
وجمع ابن نباتة بين الاكتفاء وتضمين المثل السائر
( إسقني صرفا من الراح ... تحت الهم حتا )
( ودع العذال فيها ... يضربون الماء حتى )
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة في هذا النوع
( صلي ودعي نفارك عن محب ... بذكرك آنس والليل ساكن )
( ولا تستقبحي شيبا برأسي ... فما إن شبت من كبر ولكن )
وقول ابن سنا الملك من قصيدة
( رأيت طرفك يوم البين حين همى ... والدمع ثغر وتكحيل الجفون لما )
( فاكفف ملامك عني حين ألثمه ... فما شككت بأني قد لثمت فما )
( لو كان يعلم مع علمي بقسوته ... تألم القلب من وخز الملام لما )

وله من قصيدة
( يا عاذلين جهلتم فضل الهوى ... فعذلتمو فيه ولكني أنا )
ويعجبني قول القائل هنا من قصيدة مطلعها
( هزوا القدود فأخجلوا سمر القنا ... وتقلدوا عوض السيوف الأعينا )
( وتقدموا للعاشقين فكلهم ... طلب الأمان لقلبه إلا أنا )
وتلطف ابن سنا الملك في مطلع قصيدة بقوله
( دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدى ... وقبلته في الثغر تسعين أو إحدى )
ومثله في اللطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة
( ولقد كملت فما يقال لقد ... حزت الجمال جميعه إلا )
ولبعضهم وأجاد
( فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادمه أينما )
ومما يرشف الذوق حلاوته في هذا النوع قول الشيخ شرف الدين ابن الفارض من قصيدة
( ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ... إن غاب عن إنسان عيني فهو في )
ومثله في اللطف مع الترشيح باكتفاء ثان قول الشيخ جمال الدين بن نباتة
( أفدي التي تاجها وقامتها ... كأنه همزة على ألف )
( أذكر ثغرا لها فأسكر من ... ورد خد لها فأرتع في )

ومثله قول الشيخ شمس الدين بن العفيف
( رأى رضابا عن تسليه ... أولو العشق سلوا )
( ما ذاقه وشاقه ... هذا وما كيف ولو )
ومن لطائف الصاحب بهاء الدين زهير في هذا النوع قوله من أبيات
( فما كان أحسن من مجلسي ... فحدث بما شئت عن ليلتي )
( بشمس الضحى وببدر الدجى ... على يمنتي وعلى يسرتي )
( وبت وعن خبري لا تسل ... بذاك الذي وبتلك التي )
ومن لطائفه أيضا أنه كتب إلى بعض أصحابه وكان اسمه يحيى وقد بلغه أنه شرب دواء أبياتا أولها
( سلمت من كل ألم ... ودمت موفور النعم )
( في صحة لا ينتهي ... شبابها إلى الهرم )
( يحيا بك الجود كما ... يموت يا يحيى العدم )
( وبعد ذا قل لي ما ... كان من الأمر وكم )
وأظرف منه ولم يخرج عما نحن فيه من بديع الاكتفاء وزيادة التورية ما وقع لشهاب الدين التلعفري مع شمس الدين الشيرجي بين يدي الملك الناصر وما ذاك إلا أنهما حضرا بين يديه في ليلة أنس فاتفق أن شمس الدين الشيرجي ذهب إلى ضرورة وعاد فأشار إليه الملك الناصر أن يصفع التلعفري وكان شمس الدين رجلا ألحى فلما صفع التلعفري نهض على الفور وقبض على لحية الشيرجي وأنشد ارتجالا ويده فيها
( قد صفعنا في ذا المحل الشريف ... وهو إن كنت ترتضي تشريفي )
( فارث للعبد من مصيف صفاع ... يا ربيع الندى وإلا خريفي )
وما أحلى قول الشيخ جمال الدين بن نباتة في هذا النوع مع زيادة اللف والنشر والاكتفاء في البيتين

( قالت إذا غمضت جفونك فارتقب ... طيفي فقلت لها نعم ولكن إذا )
( وسمعت عن سيف ورمح قبلها ... حتى انثنت ورنت فقلت هما اللذا )
ومنه قول الشيخ صدر الدين بن عبد الحق ولم أكثر من هذا النوع إلا لأنه قليل في أيدي الناس
( جهنم حمامكم نارها ... تقطع أكبادنا بالظما )
( وفيها عصاة لهم ضجة ... وإن يستغيثوا يغاثوا بما )
ومنه قول المقر الفخري ابن مكانس مع زيادة التورية
( من شرطنا إن أسكرتنا الطلا ... صرفا تداوينا برشف اللمى )
( نعاف مزج الماء من كأسها ... لا آخذ الله السكارى بما )
ومنه قول المقر المرحومي الأميني صاحب ديوان الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة رحمه الله وهو مما أنشدنيه مرارا وكان عند عوده من أذربيجان بصحبة المقر المرحومي سيفي تنم كافل المملكة الشريفة بتاريخ كذا وقد ضل غالب العسكر في بعض الليالي عن الماء وفيه الزيادة على الاكتفاء بالاقتباس والتورية وهو
( ضلوا عن الماء لما أن سروا سحرا ... قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما )
( والله أكرمني بالماء دونهم ... فقلت يا ليت قومي يعلمون بما )
ومثله قولي وفيه أيضا زيادة الاقتباس والتورية على الاكتفاء
( قالوا وقد فرطت في تصبري ... وما شفى بقربه سقاما )
( اصبر عسى تشفى بماء ريقه ... قلت لهم يا حسرتي على ما )
وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي عماد الدين بن القضامي أخو شيخي قاضي القضاة علاء الدين الحنفي سقى الله من غيث الرحمة ثراه موشحا امتدح به المقر المرحومي الأوحدي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية كان تغمده الله

برحمته ورضوانه
والموشح ما نسج ابن سنا الملك في دار الطراز على منواله منه في نوع الاكتفاء بالكل مع زيادة التضمين
( أرخت ذوائبها لنا في الأربع ... لنضل فاستغنت بها عن برقع )
( وغدوت أسهر في ليالي شعرها ... ويقول فجر الفرق هذا مطلعي )
( وتبسمت فعلاها ... نور فزاد سناها )
( فلثمت فاها آخذا مستغنما ... ورشفته رشف النزيف لبرد ما )
ومنه وفيه حسن التخلص مع الاكتفاء
( حكم الزمان بينهم وتشتتي ... وشماتة الأعداء أكبر محنتي )
( ولسيد الرؤساء رمت تخلصا ... من محنتي فشددت رحل مطيتي )
( فغدت تمد خطاها ... وأقول عند عياها )
( الأوحدي الأوحدي لتغنما ... يا ناقتي فزمامك بيدي وما )
وظريف هنا قول الشيخ زين الدين بن الوردي
( ماذا تقولون في محب ... عن غير أبوابكم تخلى )
( وجاءكم زائرا عفيفا ... عن مالكم هل يجوز أم لا )
ومنه قوله مع زيادة التضمين
( مولاي إنك محسن ... قسما وإنك ثم إنك )
( فلأشكرنك ما حييت ... وإن أمت فلتشكرنك )
ويعجبني قول الشيخ برهان الدين القيراطي هنا مع زيادة التورية والاقتباس
( حسنات الخد منه ... قد أطالت حسراتي )
( كلما ساء فعالا ... قلت إن الحسنات )
ومر سيدنا ومولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي الحنفي نور الله ضريحه وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه على حماة المحروسة سنة سبع وثمانمائة

وهو إذ ذاك صاحب ديوان الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة ومولانا السلطان الملك المؤيد خلد الله ملكه كافلها في تلك الأيام وركابه الشريف متوجه إلى حلب المحروسة والأمير حكم في خدمته بحيث يوصله إلى محل كفالته بها وكنت في تلك الأيام بحلب المحروسة أمام كافلها علان تغمده الله برحمته ورضوانه فهرب علان واختفيت بعده فلما حل ركاب قاضي القضاة صدر الدين المشار إليه بحلب المحروسة توصل بحنوه وصدق محبته وخبره إلى أن عرف أين كنت مختفيا فكتب إلي
( قصدنا حماة فلم نلق من ... أردنا فلم نر عهدا وإلا )
( وجئنا إلى حلب خلفه ... فإن كان فيها اجتمعنا وإلا )
فكتبت إليه الجواب
( أمولاي والله حال الجريض ... دون القريض الذي قد تولى )
( وأرجو وقد عفت هذي البلاد ... خلاصي بالصدر منها وإلا )
فقدر الله بالسلامة وتوجهت في خدمته متنكرا إلى دمشق المحروسة ومن نظمي في هذا النوع مع زيادة إيهام التورية
( تطلبت منه قبلة وهو نافر ... فقال وقتلى حبنا لن تقبلا )
( فقلت له بالوصل عدني إلى غد ... فبعدك مات الصبر قال نعم إلى )
وقولي أيضا مع زيادة التضمين
( صهباء ريقته رشفت سلافها ... فتغلبت فعجزت أن أتكلما )
( وإذا سئلت أقل لمن هو سائل ... إني لأعلم ما تقول وإنما )
القسم الثاني الاكتفاء بالبعض وقد تقدم أنه عزيز الوقوع جدا ولم يوجد في كتب البديع فمن ذلك قول ابن سنا الملك من قصيدة

( أهوى الغزالة والغزال وإنما ... نهنهت نفسي عفة وتدينا )
( ولقد كففت عنان عيني جاهدا ... حتى إذا أعييت أطلقت العنا )
ومنه قول شيخ شيوخ حماة
( إليكم هجرتي وقصدي ... وأنتم الموت والحياة )
( أمنت أن توحشوا فؤادي ... فآنسوا مقلتي ولاتو )
وقول ابن مكانس مع زيادة التورية
( لله ظبي زارني في الدجى ... مستوطنا ممتطيا بالخفر )
( فلم يقم إلا بمقدار أن ... قلت له أهلا وسهلا ومر )
ومنه قول العلامة بدر الدين بن الدماميني
( الدمع قاض بافتضاحي في هوى ... ظبي يغار الغصن منه إذا مشى )
( وغدا بوجدي شاهدا ووشى بما ... أخفى فيا لله من قاض وشا )
ومثله قوله
( يقول مصاحبي والروض زاه ... وقد بسط الريح بساط زهر )
( هلم نباكر الروض المفدى ... وقم نسعى إلى ورد ونسر )
ومثله قوله
( ورب نهار فيه نادمت أغيدا ... فما كان أحلاه حديثا وأحسنا )
( منادمتي فيها مناي فحبذا ... نهار تقضى بالحديث وبالمنا )
ومنه قول شهاب الدين ابن حجر
( أطيل الملام لمن لامني ... وأملأ في الروض كأس الطلا )
( وأهوى الملاهي وطيب الملاذ ... فها أنا منهمك في الملا )

وأنشدني المقر المجدي بن مكانس لنفسه
( نزل الطل بكرة ... وسروري تجددا )
( والندامى تجمعوا ... فأجل كأسي على الندا )
ومنه قول ابن حجر
( دع يا عذول رقى الملام فقد سرى ... عني الحبيب فتبت دام لك البقا )
( والطرف من فقد الرقاد بكى بما ... يحكي الغمام فليس يهدي بالرقا )
وأنشدني من لفظه لنفسه قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي الحنفي وأنا بين يديه بدمشق المحروسة ورياحين الشبيبة غضة بيتين فيهما الاكتفاء بالبعض والتورية في القافيتين مع عدم الخروج عن الوزن في البيتين إذا قصد شق التورية الثاني وهذا الباب عزيز الوقوع جدا وسبكه في هذا القالب من غير تمويه ينطلي على الحاذق في صناعة الكلام هذا مع الاتفاق البديعي وحسن المطابقة ولم أذكر الاتفاق إلا أن الذي كتب إليه القاضي صدر الدين البيتين مشهور بالحسن والأدب وصحبته المشار إليه وهو غرس الدين خليل بن بشارة وهما
( يا متهمي بالسقم كن منجدي ... ولا تطل رفضي فإني علي )
( أنت خليلي فبحق الهوى ... كن لشجوني راحما يا خلي )
وتقاضاني عند الإنشاد أن أنظم له شيئا على هذا الطريق فأنشدته في المجلس قولي
( يقولون صف أنفاسه وجبينه ... عسى للقا يصبو فقلت لهم صبا )
( وغالطت إذ قالوا أباح وصاله ... وإلا أبى قربا فقلت لهم أبا )
ونظم الشيخ جمال الدين بن نباتة هذا النوع وكساه ديباج التورية ولم يسلم له الوزن إذ جمع بين طرفي الاكتفاء كما فعلنا حيث قال
( أقول وقد جاء الغلام بصحفة ... عقيب طعام الفطر يا غاية المنا )
( بحقك قل لي جاء صحن قطايف ... وبح باسم من أهوى ودعني من الكنا )

وكتب الشيخ برهان الدين القيراطي لنور الدين ابن حجر والد قاضي القضاة شهاب الدين
( مولاي نور الدين ضيفك لم يزل ... يروي مكارمك الصحيحة عن عطا )
( صدقت قطايفك الكبار حلاوة ... بفمي وليس بمنكر صدق القطا )
انتهى ما أوردته من هذا النوع الغريب
وبيت صفي الدين
( قالوا ألم تدر أن الحب غايته ... سلب الخواطر والألباب قلت لم )
بيت صفي الدين هنا شاهد على الاكتفاء بجميع الكلمة ولكن لم ترض التورية أن تكون له سكنا لشدة برده
وعجبت للشيخ صفي الدين كيف استحسن هذا البيت ونظمه في سلك أبيات بديعيته مع ما فيه من الركة والنظم السافل وقرر موضع الاكتفاء بلفظة لم هذا مع أنه غير مكلف بتسمية النوع ولا ملتفت إلى تورية
والعميان لم ينظموا هذا النوع
وبيت الشيخ عز الدين شاهد على النوعين مع التزامه بالتورية في تسمية النوع البديعي واستجلاب الرقة ولطف المعنى وهو
( وما اكتفى الحب كسف الشمس منه إذا ... حتى انثنى يخجل الأغصان حين تمي )
فشاهد الكل قوله إذا المعروف أن بعده بدا لما تقدم من ذكر كسف الشمس وشاهد البعض قوله حين تمي فدل حرف الكلمة أنها تميل أو تميس
وبيت بديعيتي شاهد على الاكتفاء بالبعض بزيادة التورية التي تتوارى من حسنها بهجة الشموس مع سلامة الوزن في طرق الاكتفاء على مذهب الجماعة كما تقدم
وأما التورية بتسمية النوع فهي محصول الحاصل إذ لا بد منها وبيتي
( لما اكتفى خده القاني بحمرته ... قال العواذل بغضا إنه لدمي )

المعنى هنا أن الخد لما تزايدت حمرته قال العواذل بغضا في الظاهر إنه لدمي ووروا بالاكتفاء وقصدوا في الباطن أنه دميم حسدا له وهذا الاكتفاء ينظر إلى قول القائل
( كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنه لدميم )
وهو بالدال المهملة للحقارة ومن تأمل هذا البيت تأمل أهل الأدب المنصفين علم أن الحيلة في تركيب توريته حيلة دقيقة مع ما فيه من المعنى وجزالة الأسلوب
وهذا النوع على هذا النمط الغريب لا يجري في مضماره من فحول الأدب إلا كل ضامر مهزول

ذكر مراعاة النظير
( ذكرت نظم اللآلي والحباب له ... راعى النظير بثغر منه منتظم )
هذا النوع أعني مراعاة النظير يسمى التناسب والائتلاف والتوفيق والمواخاة وهو في الاصطلاح أن يجمع الناظم أو الناثر أمرا وما يناسبه مع إلغاء ذكر التضاد لتخرج المطابقة وسواء كانت المناسبة لفظا لمعنى أو لفظا للفظ أو معنى لمعنى إذ القصد جمع شيء إلى ما يناسبه من نوعه أو ما يلائمه من أحد الوجوه كقول البحتري في إبل أنحلها السير
( كالقسي المعطفات بل الأسهم ... مبرية بل الأوتار )
فإنه لما شبه الإبل بالقسي وأراد أن يكرر التشبيه كان يمكنه أن يشبهها بالعراجين أو بنون الخط لأن المعنى واحد في الانحناء والرقة ولكنه قصد المناسبة بين الأسهم والأوتار لما تقدم ذكر القسي
ولعمري لقد أصاب الغرض في هذا المرمى
وظريف هنا قول بعضهم في وصف فرس
( من جلنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس )
فالمناسبة هنا بين الجلنار والآس والنضارة ومثله قول بعضهم في آل النبي
( أنتم بنو طه ونون والضحى ... وبنو تبارك في الكتاب المحكم )

( وبنو الأباطح والمشاعر والصفا ... والركن والبيت العتيق وزمزم )
هذا الناظم أحسن في مراعاة النظير وأتى في البيت الأول بحسن المناسبة بين أسماء السور وفي الثاني بحسن المناسبة بين الجهات الحجازية
انتهى
ويعجبني قول السلامي في هذا الباب
( والنقع ثوب بالسيوف مطرز ... والأرض فرش بالجياد محمل )
( وسطور خيلك إنما ألفاتها ... سمر تنقط بالدماء وتشكل )
فإنه ناسب بين الثوب والتطريز وبين الفرش والحمل وبين السطور والألفات والنقط والشكل ومثله قول أبي العلاء المعري
( دع اليراع لقوم يفخرون بها ... وبالطوال الردينيات فافتخر )
( فهن أقلامك اللاتي إذا كتبت ... مجدا أتت بمداد من دم هدر )
فأبو العلاء أيضا ناسب بين الأقلام والكتابة والمداد
وغاية الغايات في هذا الباب قول بديع الزمان الهمذاني من قصيدة يصف فيها طول السرى
( لك الله من ليل أجوب جيوبه ... كأني في عين الردى أبدا كحل )
( كأن السرى ساق كأن الكرى طلا ... كأنا له شرب كأن المنى نقل )
( كأنا جياع والمطي لنا فم ... كأن الفلا زاد كأن السرى أكل )
( كأن ينابيع الثرى ثدي مرضع ... وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل )
( كأنا على أرجوحة في مسيرنا ... لغور بنا تهوي ونجد بنا تعلو )

ومنها في المديح ولم يخرج عما نحن فيه من حسن المناسبة
( كأني في قوس لساني له يد ... مديحي له فرع به أملي نبل )
( كأن دواتي مطفل حبشية ... بناني لها بعل ونقشي لها نسل )
( كأن يدي في الطرس غواص لجة ... له كلمي در به قيمتي تغلو )
أنظر أيها المتأمل إلى ملكة هذا الشاعر المفلق الذي ما دخل إلى بيت إلا وأسكن فيه ما يلائمه من المناسبات البديعية
نعم هذه الغايات التي تقف عندها فحول الشعراء وهذا الإمام المتقدم الذي صلى الحريري خلفه وأشار إليه بقوله في مقاماته
( فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدي شفيت النفس قبل التندم )
( ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم )
فإن البديع هو الذي سبق الحريري إلى نظم المقامات وسبك العلوم في تلك القوالب الغريبة وعلى منواله نسج الحريري واستعمل بعض أسماء مقاماته وقفى أثر عيسى بن هشام بالحرث بن همام وعارض طرح الإسكندري بما نسجه أبو زيد السروجي
وعلى كل تقدير فالبديع عرابة هذه الراية وعباس هذه السقاية
نرجع إلى ما كنا فيه من حسن المناسبة في مراعاة النظير فمن المستحسن في هذا النوع قول بعضهم في مليح معه خادم يحرسه
( ومن عجب أن يحرسوك بخادم ... وخدام هذا الحسن من ذاك أكثر )
( عذارك ريحان وثغرك جوهر ... وخدك ياقوت وخالك عنبر )
هذا الأديب المتمكن ناسب بين العذار والثغر والخد والخال إذ الوجه لمصابيح هذه المحاسن جامع وبين ريحان وجوهر وياقوت وعنبر للملاءمة في أسماء الخدام فلو ذكر شيئا عن غير تناسب كان نقصا وعيبا وإن كان جائزا فإنهم عابوا على أبي نواس قوله
( وقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب )
( برب زمزم والحوض ... والصفا والمحصب )

فالحوض هنا أجنبي من المناسبة لأنه ما يلائم المحصب والصفا وزمزم وإنما يناسب الصراط والميزان وما هو منوط بيوم القيامة
ومثله في عدم المناسبة قول الكميت
( وقد رأينا بها حوراء منعمة ... بيضا تكامل فيها الدل والشنب )
فإنهم قالوا الدلال لا يناسب الشنب وهو صحيح فإن الشنب من لوازم الثغر فلو ذكر معه اللعس وما ناسب ذلك مشى على سنن المناسبة وخلص من النقد
ويعجبني من ملاءمة التناسب في مراعاة النظير قول العلامة أبي بكر بن اللبانة في موشح
( بعض يخاصمني في بعض ... جسمي مقيم وقلبي يمضي )
( وكيف أسلو وبدري الأرضي ... يدير في الأقحوان الغض )
( وردية سرقت أنفاسه بالالتماس ... رقت فكانت مثل دمعة في جفن كاس )
أنظر إلى ما ناسب بين الأقحوان والورد وجذب القلوب وأنشا الأذواق في المناسبة بين الدمعة وجفن الكاس مع الاستعارة التي تستعار منها المحاسن
ومن أحلى ما يستحلى في الذوق من هذا النوع قول ابن مطروح
( لبسنا ثياب العناق ... مزررة بالقبل )
ومن شدة إعجابي بهذا البيت ضمنته تضمينا لو سمعه ابن مطروح لاطرح نفسه خاضعا وسلم إلي مفاتيح بيته طائعا وهو
( ولما خلعنا العذار ... فككنا طويق الخجل )
( لبسنا ثياب العناق ... مزررة بالقبل )
ولولا خوف الإطالة لتكلمت على بيت ابن مطروح وعلى التضمين وما فيهما من حسن التناسب والاستعارات بما يليق بمقامهما
وغاية الغايات قول القاضي الفاضل في هذا الباب
( في خده فخ لعطفة صدغه ... والخال حبته وقلبي الطائر )

ويعجبني في هذا الباب قول مجير الدين بن تميم
( لو كنت تشهدني وقد حمي الوغى ... في موقف ما الموت فيه بمعزل )
( لترى أنابيب القناة على يدي ... تجري دما من تحت ظل القسطل )
أنظر أيها المتأمل إلى حسن ما ناسب بين الأنابيب والقناة والجريان والقسطل مع انقياد التورية إلى طاعته وحسن تصرفه فإني أنا محقق أن الأمير مجير الدين بن تميم من فرسان هذا الميدان وممن أجاد في هذا الباب وبالغ في الإحسان إلى غريب المناسبة
وراعى جانب مراعاة النظير حسن الزغاري بقوله
( كان السحاب الغر لما تجمعت ... وقد فرقت عنا الهموم بجمعها )
( نياق ووجه الأرض قعب وثلجها ... حليب وكف الريح حالب ضرعها )
فإنه أتى بالمعنى الغريب والتشبيه البديع وحسن المناسبة في مراعاة النظير مع حلاوة الانسجام ولطف الاستعارة
وأنشدني لنفسه الشيخ عز الدين في هذا النوع قوله
( بخد الحب ريحان نضير ... لأحرفه سطور ليس تقرا )
( فراعيت النظير وقلت بدري ... عذارك أخضر والنفس خضرا )
والذي يظهر لي أن خضرة النفس هنا من إيهام المناسبة
ومما نظمته في هذا النوع قولي
( أبرزت معصما نهار وداعي ... شف بلوره فزاد حريقي )
( راح دمعي يرعى النظير ويبدي ... عند لثمي سلاسلا من عقيق )
فحسن المناسبة هنا بين المعصم والسلاسل والعقيق والبلور مع إبراز تسمية النوع البديعي والنسيب المطرب الغزلي في معنى توريته
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي
( تجار لفظ إلى سوق القبول بها ... من لجة الفكر تهدي جوهر الكلم )

المناسبة في بيت الشيخ صفي الدين بين التجار والسوق واللجة والجوهر وهو بيت عامر بمحاسن هذا النوع
وبيت العميان في بديعيتهم
( يروى حديث الندى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهل ومبتسم )
هذا البيت ما رأيت له وجها يظهر به مراعاة النظير ولا بينه وبين المناسبة البديعية نسب ثابت ولكن رأيت الشيخ أبا جعفر شارح هذه البديعية أعني بديعية العميان قال إن العنعنة في البيت بعن تناسب الرواية في الحديث والندا والبشر فيهما مناسبة للكرم
ولعمري إن الشيخ رحمه الله استسمن من وجه هذا البيت ذا ورم ونفخ من نفسه في غير ضرم وهذا لعمري جهد من لا جهد له
وبيت عز الدين الموصلي
( وارع النظير من القوم الأولى سلفوا ... من الشباب ومن طفل ومن هرم )
المناسبة في بيت الشيخ عز الدين بين الشباب والطفل والهرم أظن أنه قصد بها النسبة إلى آدم عليه السلام
وبيت بديعيتي
( ذكرت نظم اللآلي والحباب له ... راعي النظير بثغر منه منتظم )
المناسبة هنا ما بين اللآلي ونظم الحباب ونظم الثغر بديعة عند أهل النظم هذا مع حسن التشبيه بالمناسبة البديعية وفي نور هذا المثال ما يمحو ظلمة الإشكال عند مراعاة النظير هذا مع رقة الانسجام ومغازلة عيون الغزل في تسمية النوع البديعي وحلاوة توريته وقد حبست عنان القلم وإن كانت المهجة في هذا المعرك الضيق قد ذابت لئلا يقال كثر فارتابت

ذكر التمثيل
( وقلت ردفك موج كي أمثله ... بالموج قال قد استسمنت ذا ورم )
التمثيل مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى وقال هو أن يريد المتكلم معنى فلا يدل عليه بلفظه الموضوع له ولا بلفظ قريب من لفظه وإنما يأتي بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف يصلح أن يكون مثالا للفظ المعنى المذكور كقوله تعالى ( وقضي الأمر ) وهذا التمثيل العظيم في غاية الإيجاز والحقيقة أي هلك من قضي هلاكه ونجا من قدرت نجاته وما عدل عن اللفظ الخاص إلى لفظ التمثيل إلا لأمرين أحدهما الاختصار لبلاغه الإيجاز والثاني كون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع ولا يحصل ذلك من اللفظ الخاص
ومن شواهد ذلك في السنة الشريفة قول النبي حكاية عن بعض النسوة في حديث أم زرعة زوجي كليل تهامة لا حر ولا برد ولا مخافة ولا سآمة
فإنها أرادت وصفه بحسن العشرة مع نسائه
فعدلت عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ التمثيل لما فيه من الزيادة وذلك تمثيلها الممدوح بليل تهامة المجمع على وصفه بأنه معتدل فتضمن ذلك وصف الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن العشرة وكمال العقل اللذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة وخصت الليل بالذكر لما في الليل من راحة الحيوان وخصوصا الإنسان لأنه يستريح فيه من الكد والفكر ولكون الليل جعل سكنا والسكن محل الاجتماع بالحبيب لا سيما وقد جعلته معتدلا بين الحر والبرد والطول والقصر وهذه صفة ليل تهامة لأن الليل يبرد فيه الجو مطلقا بالنسبة إلى النهار لغيبة الشمس

وخلوص الهواء من اكتساب الحر فيكون في البلاد الباردة شديد البرد وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابا فلهذا قالت زوجي كليل تهامة وحذفت أداة التشبيه ليقرب المشبه من المشبه به وهذا مما يبينه لفظ التمثيل لكونه لا يجيء إلا مقدرا بمثل غالبا
وقال ابن رشيق في العمدة التمثيل والاستعارة ضرب من التشبيه ولكنهما بغير أداة
والتمثيل هو المماثل عند بعضهم وذلك أن تمثل شيئا بشيء فيه إشارة منه كقول امرئ القيس
( وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل )
فمثل عينيها بالسهمين ومثل قلبه بأعشار الجزور معناه ما بكيت إلا لتقدحي في قلبي كما يقدح القادح في الأعشار فتمت له جهات التمثيل والاستعارة
وقد تقدم أن التمثيل ضرب من الاستعارة والتشبيه وهو قريب التذييل ولكن بينهما فرق دقيق وهو خلو التذييل من التشبيه
وألحقوا بهذا الباب أعني التمثيل ما يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر وأبلغ ما سمعته من الشواهد البليغة المستوعبة لشروط هذا الباب قول أبي تمام
( أخرجتموه بكرة عن سجيته ... والنار قد تلتظي من ناضر السلم )
( أوطأتموه على جمر العقوق ولو ... لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم )
ففي عجز كل من البيتين تمثيل حسن فإنه مثل فيهما حالته عند إخراجه كرها عن سجيته يخاطب أحبابه وقد أثروا به تلك الحالة والنار قد تلتظي من ناضر السلم
قد هنا للتقليل ومراده أن وقوع هذا منكم وأنتم أحباب عجيب
ومثل الحال بقوله والنار قد تلتظي من ناضر السلم وقال في عجز البيت الثاني عندما أوطؤوه على جمر العقوق إن الليث لو لم يخرج ما خرج من الأجم
وهذا التمثيل والذي قبله في البيت الأول غايتان في هذا الباب
وقد أخرج كلا منهما مخرج المثل السائر على مذهب من يرى ذلك
وبيت الشيخ صفي الدين
( يا غائبين لقد أضنى الهوى جسدي ... والغصن يذوي لفقد الوابل الردم )

الشيخ صفي الدين أجاد في نظم هذا النوع وأتى بشروطه كاملة فإنه مثل حاله لما أضنى الهوى جسده لغيبة أحبابه بالغصن لما يذوي لفقد المطر وأخرج كلامه مخرج المثل السائر كما تقرر ولكن لو حط موضع الهوى الجفا لكان أقرب إلى المراد ولو كانت القافية غير الردم لكانت أخف على القلوب
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين
( من التعاظم تمثيل الزمان به ... وقد يكون اتضاع القدر بالشمم )
هذا البيت غير صالح للتجريد وقد كل الفكر وعجزت أن أتوصل فيه إلى حد يتوصل به إلى فهم معناه أو إلى صورة التمثيل في تركيبه فلم أجد بدا من مطالعة الشرح فلما نظرت في شرحه وجدته قد قال فيه إن العذول يتعاظم في كلامه وأفعاله فلذلك مثل الزمان به من استهتار السامع به والتهكم وعدم الإصغاء إليه وفي ذلك تهجين له وربما استجيب فيه الدعاء ثم قال في آخر الشرح وقد أرسلت النصف الثاني من البيت مثلا فما ازدادت مرآة ذوقي بذلك إلا صدأ والله أعلم
وبيت بديعيتي
( وقلت ردفك موج كي أمثله ... بالموج قال قد استسمنت ذا ورم )
أنظر أيها المتأمل إلى التمثيل الذي مثلت فيه شيئا بشيء فيه إشارة منه كما قرره ابن رشيق في العمدة وحذفت أداة التشبيه لتقريب المشبه من المشبه به كما تقدم وتقرر أن لفظ التمثيل لا يكون إلا مقدرا يمثل غالبا وأخرجت آخر كلامي مخرج المثل السائر على مذهب من يرى ذلك وأتيت بتسمية النوع البديعي مورى به مسبوكا في أحسن القوالب والله أعلم بالصواب

ذكر التوجيه
( وأسود الخال في نعمان وجنته ... لي منذر منه بالتوجيه للعدم )
التوجيه مصدر توجه إلى ناحية كذا إذا استقبلها وسعى نحوها وفي الاصطلاح أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى احتمالا مطلقا من غير تقييد بمدح أو غيره والتوجيه هو إبهام المتقدمين لأن الاصطلاح فيهما واحد غير أن الشواهد التي استشهدوا بها على التوجيه الإبهام أحق بها لطلوع أهلتها زاهرة في أفقه ولمطابقة التسمية فإنهم يستشهدون على التوجيه بقول الشاعر في الحسن ابن سهل عندما زوج ابنته بوران بالخليفة
( بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن )
( يا إمام الهدى ظفرت ... ولكن ببنت من )
فلم يعلم ما أراد بقوله ببنت من في الرفعة أو في الحقارة وقد تقدم قولي في شرح نوع الإبهام لما استشهدت بهذين البيتين على ما نقل ابن أبي الأصبع أن الحسن بن سهل قال له أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته فقال لا والله نقلته من شعر شاعر مطبوع كان كثير الولوع بهذا النوع واتفق أنه فصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد كذا نقله ابن أبي الأصبع فقال له الخياط على سبيل العبث سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دواج فقال له الشاعر إن فعلت ذلك نظمت فيك بيتا لا يعلم من سمعه أدعوت لك أم دعوت عليك ففعل الخياط فقال الشاعر
( خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء )
فإن قيل إنه قصد التساوي في عينيه بالعمى صح وإن قيل إنه قصد التساوي في

الأبصار صح
فتسمية النوع هنا بالإبهام أليق من تسميته بالتوجيه ومطابقة التسمية فيه لا تخفى على أهل الذوق الصحيح وهذا مذهب ابن أبي الأصبع فإنه هو الذي تخير الإبهام ونزل عليه هذه الشواهد واختصر التوجيه من كتابه وقال في ديباجته وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذا رأيت اسمه لا يدل على معناه
وقد أجمع الناس على أن كتابه المسمى بتحبير التحرير أصح كتاب ألف في هذا الفن لأنه لم يتكل فيه على النقل دون النقد وغالب الجماعة غيروا بعض القواعد وبدلوا أكثر الأسماء والشواهد ووضعوها في غير محلها وإذا وصلت إلى بديع ابن منقذ وصلت إلى الخبط والفساد والجمع بين أسباب الخطاء وأنواعه من التداخل والتبديل
والسكاكي ومن تبعه سموا هذا النوع التوجيه ونسج الناس على منوالهم إلى أن تخير ابن أبي الأصبع نوع الإبهام وقرر له الشواهد التي هي أليق به من التوجيه
ولم أسمع من شواهد الإبهام غير البيت المنظوم في الخياط والبيتين المنظومين في الحسن ابن سهل وهذا النوع صعب المسلك في نظمه لأن المراد من الناظم أن يبهم المعنيين بحيث لا يكاد أحدهما يترجح على الآخر
ومن أظرف ما وقع في هذا الباب وقد أوردته في باب الإبهام أن القاضي زين الدين بن القرناص الحلبي غفر الله له ألف تاريخا قريبا من قباء الخياط وهاجر إلى حماة المحروسة بسبب الكتابة عليه ورسم لي بعد وقوفي عليه بالكتابة عليه فكتبت على التاريخ المذكور هذين البيتين
( تاريخ زين الدين فيه عجائب ... وبدائع وغرائب وفنون )
( فأذاب تاه مناظر في جمعه ... خبره عني إنه مجنون )
ومن أغرب ما نقل من شواهد الإبهام التي ما تليق بغيره أن أبا مسلم الخراساني قال يوما لسليمان بن كثير بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى ذكري فقلت اللهم سود وجهه واقطع رأسه واسقني من دمه
فقال نعم قلت ذلك ونحن جلوس بكرم حصرم فاستحسن أبو مسلم إبهامه وعفا عنه لسداد جوابه
رجع إلى ما كنا فيه من تقرير نوع التوجيه
قد تقدم أن المتقدمين نزلوه منزلة الإبهام وسموه توجيها واستشهدوا عليه بالشواهد التي تقدم ذكرها
وأما التوجيه عند المتأخرين فقد قرروا أن يوجه المتكلم بعض كلامه أو جملته إلى أسماء متلائمة اصطلاحا من أسماء الأعلام أو قواعد علوم أو غير ذلك مما يتشعب له من الفنون

توجيها مطابقا لمعنى اللفظ الثاني من غير اشتراك حقيقي بخلاف التورية وهذا هو مذهب الشيخ صفي الدين وعلى هذا المنوال نسج بديعيته وقد تقدم أن بديعيته نتيجة سبعين كتابا في هذا الفن
وعلى منواله نسجت بديعيتي لأجل المعارضة
وقد أدخل جماعة نوع التوجيه في التورية وليس منها
والفرق بينهما من وجهين
أحدهما أن التورية تكون باللفظة المشتركة والتوجيه باللفظ المصطلح عليه
والثاني أن التورية تكون باللفظة الواحدة والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ متلائمة كقول علاء الدين الوداعي
( من أم بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن )
( فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن )
أقول لو بلغت ما عسى أن أبلغه لما وجدت للمتقدمين شاهدا أحسن من هذين البيتين على هذا النوع ولذلك قدمتهما
سبحان المانح لقد أظهر الشيخ علاء الدين الوادعي من محاسن الأدب في التوجيه وجوها تخجل الأقمار ويتمسك الناس بعده بطيب هذه الآثار
أما قرة فهو قرة ابن خالد السدوسي وهو ثقة يروي عن الحسن وابن سيرين وليس بتابعي
وأما صلة فهو صلة بن أشيم العدوي كان من كبار التابعين وهو زوج معاذة العدوية وهي تروي عن عائشة
وأما جابر فهو جابر بن عبد الله صاحب رسول الله وليس بجابر الجعفي لأن جابر الجعفي ضعيف وهو تابعي وإنما ضعفوه لأنه كان يؤمن بالرجعة
وأما الحسن فهو الحسن البصري كان تابعيا كبيرا رأى من أصحاب رسول الله نحوا من ثلثمائة رجل
فلله در الوداعي لقد أودع في بيته نفائس الذخائر وقال فلم يترك مقالا لشاعر وكان من المتقدمين عصرا وعلما في اقتناص شوارد النكت الأدبية والأنواع البديعية وإبراز التورية في القوالب التي لم يسبق إليها وعلى موائد معانيه ونكته تطفل الشيخ جمال الدين بن نباتة في مواضع كثيرة
وقد عن لي وإن طال الشرح أن أذكر نبذة من ذلك ليتأيد قولي ويعرف رتبة الشيخ علاء الدين من كان بها جاهلا
قال الشيخ علاء الدين من قصيدة مطولة
( أثخنت عينها الجراح ولا ... إثم عليها لأنها نعساء )
( زاد في عقشها جنوني فقالوا ... ما بهذا فقلت بي سوداء )

وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة
( قام يرنو بمقلة كحلاء ... علمتني الجنون بالسوداء )
قال الشيخ علاء الدين الوداعي
( إذا رأيت عارضا مسلسلا ... في وجنة كجنة يا عاذلي )
( فاعلم يقينا أنني من أمة ... تقاد للجنة بالسلاسل )
قال الشيخ جمال الدين ولم يخرج عن الوزن والقافية
( أفدي الذي ساق إليها مهجتي ... فرع طويل تحت حسن طائل )
( قلبي بصدغيها إلى طلعتها ... يقاد للجنة بالسلاسل )
قال الشيخ علاء الدين وقد اجتمع جماعة من أصحابه لم يخرج اسم واحد منهم عن علي
( لقد سمح الزمان لنا بيوم ... غدا فيه السمي مع السمي )
( تجمعنا كأنا ضراب خيط ... علي في علي في علي )
قال الشيخ جمال الدين
( علوت اسما ومقدارا ومعنى ... فيا لله من حسن جلي )
( كأنكم الثلاثة ضرب خيط ... علي في علي في علي )
قال الشيخ علاء الدين
( من آخذ من خده ... بدم الشهيد المغرم )
( فالريح ريح المسك منه ... ولونه لون الدم )
قال الشيخ جمال الدين
( لا ينكرن الكاس من جفنه ... دم الشهيد الصابر المغرم )
( فالريح ريح المسك من خده ... كما يرى واللون لون الدم )
قال الشيخ علاء الدين من قصيدة
( يفتن بالفاتر من طرفه ... ورقه البارد يا حار )

قال الشيخ جمال الدين
( لو ذقت برد رضاب من مقبله ... يا حار ما لمت أعضائي التي ثملت )
مع أن الشيخ جمال الدين فتر عن الفاتر قال الشيخ علاء الدين
( قيل إن شئت أن تكون غنيا ... فتزوج تكن من المحصنينا )
( قلت ما يقطع الإله بحر ... لم يضع بين أظهر المسلمينا )
قال ابن نباتة
( قال لي خلي تزوج تسترح ... من أذى الفقر وتستغني يقينا )
( قلت دع نصحك واعلم أنني ... لم أضع بين ظهور المسلمينا )
قال الوداعي
( يا عاذلي في النكاريش اطرح عذلي ... واعذر فعذري فيهم واضح حسن )
( فالمرد إن حاولوا حربي بهجرهم ... إذا لقام بنصري معشر خشن )
قال ابن نباتة
( لو آذنتني عذالي بحربهم ... إذ بالنكاريش قد أصبحت حيرانا )
( إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا )
قال الشيخ علاء الدين الوداعي من قصيدة
( عذب مقبله وحلو لحظه ... أو ما تراه بالنعاس معسلا )
قال الشيخ جمال الدين
( معسل بنعاس في لواحظه ... أما تراها إلى كل القلوب حلت )
قال الوداعي من القصيدة المذكورة
( ألحاظه وهي السيوف كليلة ... ويكون تعذيب الكليلة أطولا )

قال ابن نباتة
( بليت به ساجي اللحاظ كليلها ... وما زال تعذيب الكليلة أطولا )
قال الوداعي من قصيدة
( والنهر كالمبرد يجلو الصدا ... ببرده عن قلب ظمآن )
قال ابن نباتة
( والنهر فيه كمبرد ... فلأجل ذا يجلوا الصدا )
لكن نقص نهره وكل مبرده عن نكتة برده في بيت الوداعي فإن الشيخ جمال الدين حط مكانها في بيته فلأجل ذا وشتان
قال الوداعي
( ما كنت أول مغرم محروم ... من باخل بادي النفار كريم )
( قال ابن نباتة مبخل يشبه ريم الفلا ... يا طول شجوي من بخيل كريم )
قال الوداعي في مليح أعمى
( بروحي غزالا راح في الحسن جنة ... تعشقته أعمى فهمت من الوجد )
( إذا ما تبدى قائدا بيمينه ... تيقنت حقا أنه جنة الخلد )
قال ابن نباتة
( أفديه أعمى مغمد الخطة ... ليرتقي في خده الوردي )
( تمكنت عيناي من وجهه ... فقلت هذي جنة الخلد )
قال الشيخ علاء الدين
( بخلت علي بدر مبسمها ... فغدت مطوقة بما بخلت )
قال ابن نباتة
( بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم ... فغدت مطوقة بما بخلت به )
قال الوداعي
( وما يبري هوى المشتاق ... إلا ذلك المغلي )

قال ابن نباتة
( من المغل أشكو نحوه ألم لجلوى ... وطب الهوى عندي كما قيل في المغلي )
قال الوداعي
( يا نديمي والذي عاهدني ... أنه عن شربها لن يقصرا )
( اسقني صرفا ودع عذالنا ... يضربون الماء حتى يخثرا )
قال ابن نباتة
( اسقني صرفا من الراح ... تحت الهم حتا )
( وجع العذال فيها ... يضربون الماء حتى )
قال الوداعي
( باللوى صعدة عليها لواء ... كل طعنات نصلها نجلاء )
وقال بعد المطلع
( لا نجد عندها سماعا لشكوى ... فلهذا قالوا لها صماء )
قال ابن نباتة
( وعدت بطيف خيالها أسماء ... إن كان يمكن ناظري إغفاء )
وقال بعد المطلع
( يا من يطيل من الجوى لقوامها ... شكواه وهي الصعدة الصماء )
وقد آن أن أختصر لئلا يطول الشرح وأكف لسان القلم فقد طال واستطال على عرض الشيخ جمال الدين
ونعود إلى ما كنا فيه من الاستشهاد ببيتي الشيخ علاء الدين الوداعي على نوع التوجيه فقد فهمت رتبته في هذا الفن وتوجيه بيته يصدق على أسماء الأعلام من رواة الحديث في هذا الفن حيث قال
( فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن )
والمعنى الآخر في حسن مناسبته بين القرة والعين والصلة والكف والجبر والقلب والكسر والسمع والحسن ظاهر
ومثله قول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر الحلبي يصف نهرا صافيا في روض نزيه

( إذا فاخرته الريح ولت عليلة ... بأذيال كثبان الربا تتعثر )
( به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به الروض يحيى وهو لا شك جعفر )
ومثله قول ابن الوردي
( هويت أعرابية ريقها ... عذب ولي فيها عذاب مذاب )
( رأسي بنو شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب )
أما التوجيه في قواعد العلوم كما تقرر فأحسن ما رأيت فيه قول أمين الدين علي السليماني في بعض قواعد النحو
( أضيف الدجى معنى إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خص بالجر )
( وحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر )
ومنه قولي
( إغراء لحظك مالي منه تحذير ... ولا لتعريف وجدي فيك تنكير )
( يا نصب عيني غرامي كيف أجزمه ... والقد مرتفع والشعر مجرور )
ومن أظرف ما وقع في هذا الباب أنه كان بالعراق عاملان أحدهما اسمه عمر والآخر اسمه أحمد فعزل عمر عن عمله واستقر أحمد بسبب مال وزنه فقال بعض الشعراء في ذلك
( أيا عمر استعد لغير هذا ... فأحمد بالولاية مطمئن )
( فإنك فيك معرفة وعدل ... وأحمد فيه معرفة ووزن )
وقول ابن عنين فيمن عزل وكانت سيرته غير مشكورة
( فلا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفة )

وقول ابن الساعاتي وقيل لابن أبي الأصبع
( أيا قمرا من حسن وجنته لنا ... وظل عذاريه الضحى والأصائل )
( جعلتك للتمييز نصبا لناظري ... فهلا رفعت الهجر والهجر فاعل )
وظريف هنا قول بعضهم
( عرج بنا تحت طلول الحمى ... فلم تزل آهلة الأربع )
( حتى تظل اليوم وقفا على الساكن ... أو عطفا على الموضع )
وقول محمد بن العفيف
( يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثاني )
( لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان )
ومن لطائف البهاء زهير
( يقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد )
( هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوايدي )
ونظير هذا ما اتفق لشرف الدين محمد بن عنين وذلك أنه مرض فكتب إلى الملك المعظم صاحب دمشق
( أنظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي )
( أنا كالذي أحتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي )
فعاده الملك المعظم ومعه خمسمائة دينار وقال له أنت الذي وأنا العائد وهذه الصلة
وظريف هنا قول بعض المواليا
( رأيتها وهي داخل دارها في الصحن ... تنشد رمل صحنت قلبي المعنى صحن )
( يا ليتها مع تغنيها وطيب اللحن ... ترفع أجر ودع يدخل علي اللحن )

وقول بعضهم من التوجيه في قواعد الفقه
( أحجج إلى الزهر لتحظى به ... وارم جمار الهم مستنفرا )
( من لم يطف بالزهر في وقفة ... من قبل أن يحلق قد قصرا )
وقول شمس الدين بن العفيف من التوجيه في قواعد الجدل
( وما بال برهان العذار مسلما ... ويلزمه دور وفيه تسلسل )
وقول شمس الدين بن جابر الأندلسي ناظم البديعية من التوجيه في الحديث
( قالت أعندك من أهل الهوى خبر ... فقلت إني بذاك العلم معروف )
( مسلسل الدمع من عيني ومرسله ... على مديح ذاك الخد موقوف )
ومن التوجيه في علم العروض قول ابن نصر الله المصري
( وبقلبي من الهموم مديد ... وبسيط ووافر وطويل )
( لم أكن عالما بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل )
ومثله قولي وهو مطلع قصيدة
( في عروض الجفا بحور دموعي ... ما أفادت قلبي سوى التقطيع )
ومن التوجيه في الكتابة قول ابن الساعاتي
( لله يوم في دمشق قطعته ... حلف الزمان بمثله لا يغلط )
( الطير تقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والسحاب ينقط )

ولبعضهم وأجاد وهو ابن القيسراني
( بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت عنه ولا تحاشي )
( فنسخة حسنه قرئت وصحت ... وها خط الكمال على الحواشي )
وقال ابن الوردي
( رأيت فقيرا في المرقعة التي ... على حسنه دلت وحسن طباعه )
( بخديه ريحان الحواشي محقق ... إلى الثلث والفضاح تحت رقاعه )
ومثله قول القرشي الكاتب وقد طلبه السلطان بسبب خط نقل عنه أنه زور فاختفى في بيته ثلث سنة وكتب إلى ابن فضل الله يسأله النظر في جاله في رقعة أولها يقبل الأرض وينهى إن له ثلث سنة محقق مختف في حواشي البيت يخشى توقيعات الرقاع من صاحب الطومار وسؤال المملوك نسخ هذا الأمر الفضاح بحيث لا يبقى عليه غبار فإن المملوك وحق المصحف ما يحمل عود ريحان
ومن التوجيه في علم الرمل قول الصاحب بهاء الدين زهير
( تعلمت علم الرمل لما هجرتني ... لعلي أرى شكلا يدل على الوصل )
( فقالوا طريق قلت يا رب للقا ... وقالوا اجتماع قلت يا رب للشمل )
ومن التوجيه ف علم النجوم قول بعضهم في كان وكان
( لو سنبله خلف ظهره ... ناظر إليها المشتري )
( ولو ذنب ما يقارن ... حتى يرى الميزان )
ومن التوجيه في علم الهندسة
( محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأن بها إقليدسا يتحدث )

( فعارضه خط استواء وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث )
وقول يوسف الذهبي بن لؤلؤ في توجيه علم الموسيقى
( وبمهجتي المتحملون عشية ... والركب بين تلازم وعناق )
( وحداتهم أخذت حجازا بعدما ... غنت وراء الركب في عشاق )
ومثله قول شمس الدين بن جابر الأندلسي ناظم البديعية
( يا أيها الحادي اسقني كأس السرى ... نحو الحبيب ومهجتي للساقي )
( حي العراق على النوى واحمل إلى ... أهل الحجاز رائل العشاق )
ومن التواجيه اللطيفة قول ابن نباتة في أسماء منتزهات دمشق
( يا حبذا يوما بوادي جلق ... وتنزهي مع ذا الغزال الخالي )
( من أول الجبهة قد قبلته ... مرتشفا لآخر الخلخال )
ومن التوجيه الغريب اللطيف قول ابن الوردي ود كتب إلى بعض المخاديم بسبب وظيفة القضاء وأظنه لشيخ الإسلام شرف الدين بن البارزي
( جنبتني وأخي تكاليف القضا ... وكفيتنا مرضين مختلفين )
( يا حي عالم عصرنا أحييتنا ... فلك التصرف في دم الأخوين )
وقول بعض المواليا
( لك خد يا حي عالم يا كميت الطرد ... عليه لو نفس صباره وحر وبرد )
( ناداه والعارض النمام حولو فرد ... ما فاتك الحسن ساعة يا شقيق الورد )
وقد تقدم قولي إن الشيخ شمس الدين بن الصايغ استشهد في شرحه المسمى برقم البردة بشيء من أزجال أهل عصره على بعض أنواع البديع وتقدمت ترجمة الشيخ علاء الدين بن مقاتل الحموي علأد ما أوردت له ما أوردت في أنواع الجناس ود ذكرت له هنا في باب التوجيه زجلا موجها في خياط أخبرني من أدرك الحاج علاء المذكور من أعيان أهل حماة أن هذا الرجل دخل إلى بلاد المغرب وعاد مخلقا بالزعفران ورتبة الشيخ علاء الدين بن مقاتل في هذا الفن مشهورة شرقا وغربا لم تحتج فيها إلى الإطناب ف وضعه الزجل ومطلعه

( نهوى خياط سبحان تبارك من ... بالجمال جملوا )
( بالمفصل وآية الكرسي ... نرقى شكلو الحلو )
( خاط لي ثوب سقام قصر نسجو ... طال بحكم القدر )
( حتى إن البدن لضعفي ضاع ... في عيون الإبر )
( راح عذولي يشكلو شكلو ... ويقص الخبر )
( وجا مذ بوح القلب متمزق ... ونسي إيش قلت لو )
( ولا فرج لو كرب عن قلبو ... ولا عن مرسلو )
( ذا الحسيني بلأيقة العشاق ... كم قد أخلا جيوب )
( وبزرو من العيون كم لو ... تخرجه في القلوب )
( قلت بصه ثملا لك الجيب زور ... ولا فرج كروب )
( خلا سري المكتوم مشهر فيه ... والذي يسألو )
( جيبو مقلوب وراب على غير ... الاستوا فصلو )
( بعد طيب الوصال قطع وصلي ... وأوصل الانقطاع )
( حتى خلى بيني وبين الموت ... أما باع أو ذراع )
( وترى ظاهري صحيح لكن ... باطني في النزاع )
( وإن هو طول شقة بعادي ... والانقطاع أوصلوا )
( جهزوا القطن والكفن والما ... واغسلوا وفصلوا )
( جا الفقيه ف حبيبي يعذلني ... ويرقع كلام )
( قلت دعني فقيه في تمزيقي ... بس تلفيق ملام )
( قال حبك لو ظلم سلاري ... تتري والسلام )
( وسلب إسلامي لما حذرني ... عند باب منزلو )
( وقطع عاتقي وضربني ... وإيش معو يعملو )
( ذا الخليع الجديد نهار قد قال لي ... لفظ وعقلي قمر )
( صف جبيني وشعري من تفصيل ... نظمك المبتكر )
( قلت خيط الصباح يستفتح ... ذيل الدجى في السحر )
( قال لي قصرت بل هو ستر الله ... حين علي اسبلو )
( حابك الزرقا فاتق الخضرا ... بالهلال كللو )

( قال فصفني في خدي والعارض ... فيها جمع الشتات )
( وعليها دار الطراز تنبيت ... رقم ما أحلاه نبات )
( قال ما هو إلا شرب والحمره ... دم من تقتلو )
( فيه خلات خيوط زرق لاحت ... من جفون تغزلو )
( قلت كف العتاب في ذي الصفة ... ما أنا في ذا القياس )
( وانظر في دايره تمنطقها ... بدر من غير قياس )
( واكسني ثوب وقار ولبسني ... بالفتوة لباس )
( وإن جا تخليصي غرض من يديك ... بالوصال طولوا )
( وإن قصر باعي عن صفحات مدحك ... بالوفا ذيلو )
( جاز في بستان مشهر القمصان ... من بكر صابحو )
( مثل كف المنثور في مكنونه ... حين وقف صافحو )
( وقميص الشقيق من اكمامو ... بالخجل فاتحو )
( وقضيب الخلاف وقف عراه ... فرق حين فصلو )
( وأوثق أزراره الورد في كمو ... وعليه فضلو )
( دي الكلام يتخلع ويتفرد ... ويفصل مليح )
( ويفرج ويندرج أصلو ... ويفتح صحيح )
( ويبطن من بعد تضريبو ... بالسجاف يستريح )
( ويعرى من حبكه التخريم ... ويزر رولو )
( أنو يطوى والنشر فيه موزون ... آخرو في أولو )
ومنه يعرض بذكر أضداده بدمشق
( ذا الزجل قاسيون على الأعدا ... جد ما فيه سخف )
( وعلى أرباب المعرفة من ريش ... النعامات أخف )
( للصغير والكبير فقل عني ... واحذر احذر تخف )
( كم زيادة على على وإن كان ... يشتهوا يعملوا )
( هذا الأبلق والشقرا والميدان ... اركبوا وادخلوا )

كأني بمتأمل نظر في رسم كتابة هذا الزجل فأنكره لبعده عن رسم الألفاظ المعربة الخالية من اللحن ويعذر في ذلك لأنه ليس له إلمام بمصطلح رسمه ومن رسمه على غير هذا الطريق لم ينفذ له مرسوم فإنه يؤديه إلى خطأ وزنه وإعراب لحنه
ومصنفه أبو بكر بن يحيى بن قرمان الوزير قال في خطبته وقد جردته من الإعراب تجريد السيف من القراب
ولم يطلب من الزجل غير عذوبة ألفاظه وغرابة معانية
انتهى
ومن التواجيه اللطيفة في الطب ما اتفق أن بعض الملوك خرج لقتال أعدائه فأيده الله بنصره فطلب كاتب إنشائه ليكتب على الفور حكاية الحال فتعذر وجوده في ذلك الوقت فطلب طبيبه وأمر بالكتابة بسرعة وكان الطبيب حاذقا فكتب موجها في صناعته
أما بعد فإنا كنا مع العدو في حلقة كدائرة البيمارستان حتى لو رميت مبضعا لم يقع إلا على قيفال ولم يكن إلا كجس نبضة أو نبضتين حتى لحق العدو بحران عظيم
فهلك بسعادتك يا معتدل المزاج
وكان أبو الحسين الجزار ونصير الدين الحمامي وسراج الدين الوراق لم يخرجوا عن هذا النوع في غالب نظمهم ويأتي الكلام على ذلك في مواضعه من باب التورية وأما توجيه أسماء أنواع البديع فهو نسيج وحده وواسطة عقده
وما ذاك إلا أنه رسم لي بإنشاء توقيع المقر الأخوي الزيني عبد الرحمن بن الخراط الشافعي أحد أعيان العصر في الأدب بكتابة السر بثغر طرابلس وأنا منشئ ديوان الإنشاء الشريف المؤيدي بالديار المصرية فقصدت التوجيه بالأنواع المذكورة لتحصل الملاءمة ومراعاة النظير بذلك فإن صاحب التوقيع من المتميزين على كلا الحالين بحسن الأدب فمن ذلك قولي في فصل التعدية وبعد فمنهل إنعامنا الشريف قد حلينا لأهل الأدب مورده لتصير عقود إنشائنا بجواهر منثورة منضده وتطلع كل براعة باستهلالها في أشرف المطالع وتسكن النزاهة طباق البديع للمقابلة فيتنزه الناظر والسامع ويقوم الاستخدام بما يجب عليه من واجب الخدمة ويزيل الاقتباس بنوره عن أهلته كل ظلمة وتجول خيول الاستطراد في رد العجز على صدره ويحصل لأهل الأدب في زماننا تمكين فيظهر الافتنان في نظمه ونثره ويصير لفقه المذهب الكلامي في أيامنا الشريفة ترشيح ومماثلة ومناسبة ويبرز في توشيح التسليم من غير اعتراض مناقضة ومواربة ويجنح العصيان إلى الدخول تحت الطاعة ويسمع القول بموجبه من غير مراجعة في كل براعة ويزول التجاهل بالعارف ويصير التسجيع والمواربة عند إيجازه بالمواقف

وكان المجلس العالي القضائي عبد الرحمن بن الخراط الشافعي ممن حسن بيانه إيضاح وللسر عنده حسن إيداع وللأدب إليه التفات لأنه بجواهر ترصيعه يشنف الأسماع وهو الفاضل الذي إذا نظم أزال بسهولة نظمه الإبهام والتوهيم وإذا نثر عقود الإنشاء فلا فرق بين عبد الرحمن وعبد الرحيم يحسن في المطالعة والأمثلة الشريفة طيه ونشره وهو من الشعراء فيما يبعد من القصص إذا علا في تفسيرها أمره فلذلك رسم بالأمر الشريف لا زالت براعة المطلب منظومه في بديع زمانه بإنعامه ولا برحت أبوابه الشريفة في تصريح وتشريع لوفود أهل الأدب في أيامه أن يستقر لأنه ممن يحسن به التحبير ويحصل به الاكتفاء والتتميم ويجمع من نظمه ونثره بين التحميس والترسل فيحسن الجمع بهذا التقسيم فليباشر ذلك ويجعل الاستعانة بالله ليأمن من التنكيت والتعليل ويصير لشقة الإنشاء بعد النقص تسهيم وتكميل ويظهر لبرد الكلام بحسن تفصيله تفويت وتوشيع
ولأصول التهذيب والتأديب مبالغة وتفريع والوصايا كثيرة لا تخفى على الأديب الفاضل الاحتراس والفرق بين المستوي والمقلوب وبه يحصل النسق في جمع الفرائد وتظهر براعة التخلص في عنوان كل مطلوب لأنه الفاضل الذي إن سكن ثغرا لم يفته شنب التورية بحسن نظامه أو جاور بحرا فهو أديب والبحور في تصريف أوامره في نقضه وإبرامه والله تعالى يجعل نظم هذا الثغر بحسن أدبه في بلاغة وانسجام وكما أحسن له الابتداء يعضده بديع السموات والأرض بحسن الختام
وقد طال الشرح في نوع التوجيه ولم يبق للإطالة وجه
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع
( خلت الفضائل بين الناس ترفعني ... بالابتداء فكانت أحرف القسم )
الشيخ صفي الدين قصد في توجيه بيته بعض قواعد النحو وهو بيت عامر بالمحاسن
وقد تقدم ما أوردناه من هذا القسم
وبيت بديعيتي
( وأسود الخال في نعمان وجنته ... لي منذر منه بالتوجيه للعدم )
التوجيه في هذا البيت من القسم المقدم على التوجيه في قواعد العلوم وقد تقدم فيه أن يوجه المتكلم كلامه إلى أسماء متلائمة اصطلاحا من أسماء الأعلام

توجيها مطابقا لمعنى اللفظ الثاني من غير اشتراك حقيقة بخلاف التورية وقد تقدم ذلك وتقرر الكلام عليه وعلى التوجيه في قواعد العلوم وبقية الفنون وعلى كل تقدير فالكل راجع إلى طريق واحد والاشتراك هنا في النعمان والمنذر ظاهر ولكن في النكتة اللطيفة في الأسود فإن المتأمل ما يتخيل في أول وهلة غير سواد الخال وجل القصد في المعنى الآخر هو الملك الأسود أخو النعمان بن المنذر وهو أحد ملوك العرب والتورية ههنا في التوجيه الذي هو اسم النوع البديعي لم يفتها من المحاسن وجه وهذا هو الأفق الذي أقمر فيه الشيخ علاء الدين الوداعي والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر وغيرهما ممن أوردنا على هذا النوع نظمه وأوصلنا إلى الغرض لما أطلق فيه سهمه وما أخرت بيت العميان وبيت الشيخ عز الدين ونثرت نظم الترتيب هنا إلا لأنهم نسجوا على غير هذا المنوال وتعوضوا عن مسارح الماء الحلو بالآل
وبيت العميان
( ترى الغني لديهم والفقير وقد ... عادا سواء فلازم باب قصدهم )
هنا بحث لطيف وهو أن العميان نظموا التوجيه بين التسمية التي تحتمل وجهين من المعنى على مذهب المتقدمين وهو الإبهام وقد تقرر أن المتكلم فيه يبهم المعنيين بحيث لا يترشح أحدهما على الآخر بقرينة واستشهدوا عليه بشاهد الإبهام الذي نزلوه على التوجيه وهو قول الشاعر في الخياط وقد تقدم ليت عينيه سواء
فالشاعر أبهم المعنيين بحيث يتحير السامع والمتأمل ويعجز عن ترجيح أحدهما
ولم أر في بيت العميان غير التسوية بين الغني والفقير فإن هؤلاء الممدوحين يعطون الفقير إلى أن يصير مساويا للغني وهذا هو المعنى الواحد وهو أوضح من ضوء الشمس إذا توقدت جمرة المصيف وأما المعنى الآخر فما وجدت في بيتهم له قرينة صالحة تدلني عليه وصاحب البيت أدرى بالذي فيه
وقد تقدم أن نوع التوجيه قسمه البديعيون قسمين وذهب إلى كل منهما فريق
وبيت الشيخ عز الدين مذبذب
( بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ) وهو
( نزهت طرفي وسمعي في محاسنه ... وعنك إن تقصد التوجيه في الكلم )

أصحاب الطريق الذي مشى عليها الشيخ عز الدين في نظم هذا النوع قالوا التوجيه الاصطلاحي أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى وهذا هو الفرق بين التورية والتوجيه فإن التورية باللفظة الواحدة والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ والشيخ عز الدين أتى بكلمة مفردة تحتمل معنيين فما نظم غير التورية والتوجيه بخلاف ذلك والكلمة التي اقتضت اشتراك المعنيين قوله نزهت فإنه قال إنه نزه طرفه في محاسن محبوبه وكأنه التفت إلى العذول وقال له وعنك وهو وبيت العميان سافلان خاليان ليس فيهما من المحاسن ساكن والله أعلم

ذكر عتاب المرء نفسه
( يا نفس ذوقي عتابي قد دنا أجلي ... مني ولم تقطعي آمال وصلهم )
هذا النوع أعني عتاب المرء نفسه لم أجد العتب مرتبا إلا على من أدخله في البديع وعده من أنواعه وليس بينهما نسبة والذوق السليم أعدل شاهد على ذلك ولولا أن الشروع في المعارضة ملزم ما نظمت حصاه مع جواهر هذه العقود ونهاية أمره أنه صفة لحال واقعة ليس تحتها كبير أمر وهو من أفراد ابن المعتز ولم يورد فيه غير بيتين ذكر أن الأسدي أنشدهما عن الجاحظ وهما
( عصاني قومي في الرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم )
( فصبرا بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضا ينهل بالموت والدم )
قال زكي الدين بن أبي الأصبع وقوله صحيح لم أر في هذين البيتين ما يدل على عتاب المرء نفسه إلا أن هذا الشاعر لما أمر بالرشاد وبذل النصح ولم يطع ندم على بذل النصيحة لغير أهلها ويلزم من ذلك عتابه لنفسه فتكون دلالة البيتين على عتابه لنفسه دلالة إلتزامية لا دلالة المطابقة ولا يصلح أن يكون شاهدا على هذا النوع إلا قول شاعر الحماسة
( أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر )
انتهى كلام ابن أبي الأصبع فانظر ما أحلى ما صرح هذا الشاعر بذكر النفس واللوم لها وخاطبها بكاف الخطاب ليتمكن عتبه وتقريعه المؤلم لها

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي فيه
( أنا المفرط أطلعت العدو على ... سري وأودعت نفسي كف مجترم )
الشيخ صفي الدين حكى أنه فرط في اطلاع عدوه على سره وإيداع نفسه كف مجترم لا غير وأين هو من قول شاعر الحماسة وقد قال لنفسه على سبيل العتب والتوبيخ لك الويل ما هذا التجلد والصبر
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي
( عتبت نفسي إذ أتعبتها بهوى ... مجهول سبل بلادها دولا علم )
الشيخ عز الدين حكى أيضا أنه عاتب نفسه وذكر أنه هو الذي أتعبها وكلفها حمل الهوى فالعتاب هنا من كل وجه لم يترتب على غيره وما مقدار هذا النوع حتى إن الشاعر لم يأت به على صيغته لا سيما ونظام البديعيات قد التزموا أن يأتوا به شاهدا على نوعه
وبيت بديعيتي
( يا نفس ذوقي عتابي قد دنا أجلي ... مني ولم تقطعي آمال وصلهم )
أقول إن هذا البيت ينظر إلى بيت شاعر الحماسة في علو طباقه وإن كان من الفحول التي لها فضيلة السبق فقد زاحمه في حلبة سباقه مع أن عروس التسمية يضوع عطرها من أطواق الطروس ويقول مزكوم الذوق وقد عاد له الشم لا عطر بعد عروس وأين هذا النشر الواضح والرقة التي ود النسيم لو انتظم معها وانسجم من عقادة بيت الشيخ عز الدين وقد أمسى بها مجهولا بلا هاد ولا علم

ذكر القسم
( برئت من أدبي والعز من شيمي ... إن لم أبر بنأي عنهم قسمي )
القسم أيضا حكاية حال واقعة وليس تحته كبير أمر ولكن تقرر أن الشروع في المعارضة ملزم وهو أن يقصد الشاعر الحلف على شيء فيحلف بما يكون له مدحا وما يكسبه فخرا وما يكون هجاء لغيره فمثال الأول قول مالك بن الأشتر النخعي في معاوية ابن هند
( بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس )
( إن لم أشن على ابن هند غارة ... لم تخل يوما من ذهاب نفوس )
فقول ابن الأشتر تضمن المدح لنفسه والفخر الزائد والوعيد للغير ومثله قول أبي علي البصير يعرض بعلي بن الجهم
( أكذبت أحسن ما يظن مؤملي ... وهدمت ما شادته لي أسلافي )
( وعدمت عاداتي التي عودتها ... قدما من الأسلاف والأخلاف )
( وغضضت من ناري ليخفى ضوؤها ... وقريت عذرا كاذبا أضيافي )
( إن لم أشن على علي خلة ... تمسي قذى في أعين الأشراف )
وقد يقسم الشاعر بما يريده الممدوح ويختاره كقول الشاعر
( إن كان لي أمل سواك أعده ... فكفرت نعمتك التي لا تكفر )

وأحسن ما سمع في القسم على المدح قول الشاعر
( خفت بمن سوى السماء وشادها ... ومن مرج البحرين يلتقيان )
( ومن قام في المعقول من غير رؤية ... فأثبت في إدراك كل عيان )
( لما خلقت كفاك إلا لأربع ... عقائل لم تعقل لهن ثواني )
( لتقبيل أفواه وإعطاء نائل ... وتقليب هندي وحبس عنان )
والمقدم في هذا الباب وهو الذي انتهت إليه نهاية البلاغة قوله تعالى ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) فإنه قسم يوجب الفخر لتضمنه التمدح بأعظم قدرة وأكمل عظمة حاصلة من ربوبية السماء والأرض وتحقيق الوعد بالرزق وحيث أخبر سبحانه وتعالى أن الرزق في السماء وأنه رب السماء يلزم من ذلك قدرته على الرزق الموعود به دون غيره
انتهى الكلام على القسم الذي يراد به الفخر والمدح والتعظيم
وأما ما جاء من القسم في النسيب فكقول الشاعر
( جنى وتجنى والفؤاد يطيعه ... فلا ذاق من يجني عليه كما يجني )
( فإن لم يكن عندي كعيني ومسمعي ... فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني )
ومما جاء من القسم في الغزل قول ابن المعتز
( لا والذي سل من جفنيه سيف ردى ... قدت له من عذاريه حمائله )
( ما صارمت مقلتي دمعا ولا وصلت ... غمضا ولا سالمت قلبي بلابله )
الذي وقع عليه الاتفاق أن هذا أحسن ما وقع من القسم في الغزل إذ القسم والمقسم عليه كل منهما داخل في باب الغزل ولكن قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع إن الذي وقع لجميل بن معمر العذري في هذا الباب ما تحسن العبارة تفصح عن لفظه ووصفه وهو قوله على لسان محبوبته
( قالت وعيش أبي وأكبر إخوتي ... لأنبهن الحي إن لم تخرج )
( فخرجت خيفة أهلها فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تلجج )

ثم قال أعني ابن أبي الأصبع رحم الله جميلا لقد تظرف في هذين البيتين ما شاء لأنه أتى بهما من باب الهزل الذي يراد به الجد وأغرب في القسم فيهما وأدمج في القسم حسن ائتلاف اللفظ مع المعنى وأتى بما لا يوفيه واصف حقه
انتهى كلام ابن أبي الأصبع
قلت وإذا وصلنا في القسم إلى باب الهزل الذي يراد به الجد فهذب الدين أحمد بن منير الطرابلسي قائد هذا العنان وفارس هذا الميدان وما ذاك إلا أنه هاجر إلى مدينة السلام بغداد والشريف الموسوي نقيب الأشراف بها وبابه حرم الوافدين وينابيع الفضل التي هي مناهل الواردين
وكان يقال إن الشريف المشار إليه من كبار الشيعة ببغداد وعلى هذا أجمع غالب الناس فجهز إليه ابن منير عند قدومه بغداد هدية مع مملوكه تتر بل معشوقه الذي اشتهر به في الخافقين غرامه وأبدع في أوصافه الجميلة نظامه فقبل الشريف هديته واستحسن المملوك فأدخله في الهدية وقصد أن يعوضه عن ذلك بأضعافه فلما شعر ابن منير بذلك التهبت أحشاؤه على مملوكه بل معشوقه تتر وكتب إلى الشريف على الفور قصيدة أولها
( عذبت قلبي يا تتر ... وأطرت نومي بالفكر )
ومنها
( بالمشعرين وبالصفا ... والبيت أقسم والحجر )
( وبمن سعى فيه وطاف ... به ولبي واعتمر )
( إن الشريف الموسوي ... بن الشريف أبي مضر )
( أبدى الجحود ولم يرد ... إلي مملوكي تتر )
( واليت آل أمية ... الطهر الميامين الغرر )
( وجحدت بيعة حيدر ... ورجعت عنه إلى عمر )
( وإذا جرى ذكر الصحابة ... بين جمع واشتهر )
( قلت المقدم شيخ ... تيم ثم صاحبه عمر )
( ما سل قط ظبا على ... آل النبي ولا شهر )

( كلا ولا صد البتول ... عن التراث ولا زجر )
( وأثابها الحسنى وما ... شق الكتاب ولا بقر )
( وبكيت عثمان الشهيد ... بكاء نسوان الحضر )
( وشرحت حسن صلاته ... جنح الظلام المعتكر )
( وقرأت من أوراق مصحفه ... براءة والزمر )
( ورثيت طلحة والزبير ... بكل شعر مبتكر )
( وأزور قبرهما وأزجر ... من لحاني أو زجر )
( وأقول أم المؤمنين ... عقوقها إحدى الكبر )
( ركبت على جمل لتصبح ... من بنيها في زمر )
( وأتت لتصلح بين جيش المسلمين على غرر )
( فأتى أبو حسن وسل ... حسامه وسطا وكر )
( وأذاق إخوته الردى ... وبعير أمهم عقر )
( ما ضره لو كان كف ... وعف عنهم إذ قدر )
( وأقول إن إمامكم ... ولى بصفين وفر )
( وأقول إن أخطا معاوية ... فما أخطا القدر )
( هذا ولم يغدر معاوية ... ولا عمرو مكر )
( بطل بسوأته يقاتل ... لا بصارمه الذكر )
( وجنيت من ثمر النواصب ... ما تتمر واختمر )
( وأقول ذنب الخارجين ... على علي يغتفر )
( لا ثائر لقتالهم ... في النهروان ولا أشر )
( والأشعري بما يؤول ... إليه أمرهما شعر )
( قال انصبوا لي منبرا ... فأنا البريء من الخطر )

( فعلا وقال خلعت صاحبكم ... وأوجز واختصر )
( وأقول إن يزيد ما ... شرب الخمور ولا فجر )
( ولجيشه بالكف عن ... أبناء فاطمة أمر )
( وحلقت في عشر المحرم ... ما استطال من الشعر )
( ونويت صوم نهاره ... وصيام أيام أخر )
( ولبست فيه أجل ثوب ... للملابس يدخر )
( وسهرت في طبخ الحبوب ... من العشاء إلى السحر )
( وغدوت مكتحلا أصافح ... من لقيت من البشر )
( ووقفت في وسط الطريق ... أقص شارب من عبر )
( وغسلت رجلي ضلة ... ومسحت خفي في السفر )
( وأمين أجهر في الصلاة ... كمن بها قبلي جهر )
( وأسن تسنيم القبور ... لكل قبر محتفر )
( وإذا جرى ذكر الغدير ... أقول ما صح الخبر )
( ولبست فيه من الملابس ... ما اضمحل وما دثر )
( وسكنت جلق واقتديت بهم ... وإن كانوا بقر )
( وأقول مثل مقالهم ... بالفاشر يا قد فشر )
( مصطيحتي مكسورة ... وفطيرتي فيها قصر )
( نفر يرى برئيسهم ... طيش الظليم إذا نفر )
( وخفيفهم مستثقل ... وصواب قولهم هدر )
( وطباعهم كجبالهم ... طبعت وقدت من حجر )
( ما يدرك التشبيب تغريد ... البلابل في السحر )

( وأقول في يوم تحار ... له البصيرة والبصر )
( والصحف ينشر طيها ... والنار ترمي بالشرر )
( هذا الشريف أصنلني ... بعد الهداية والنظر )
( فيقال خذ بيد الشريف ... فمستقر كما سقر )
( لواحة تصطو فما ... تبقي عليه ولا تذر )
( والله يغفر للمسيء ... إذا تنصل واعتذر )
( فاخش الإله بسوء فعلك ... واحتذر كل الحذر )
( وإليكها بدوية ... رقت لرقتها الحضر )
( شامية لو شامها ... قس الفصاحة لافتخر )
( ودرى وأيقن أنني ... بحر وألفاظي درر )
( وبديعتي كبديعة ... عذراء ترفل في الحبر )
( خبرتها فغدت كزهر ... الروض باكره المطر )
( وإلى الشريف بعثتها ... لما قراها فانبهر )
( رد الغلام وما استمر ... على الجحود ولا أصر )
( وأثابني وجزيته ... شكرا وقال لقد صبر )
أقول إنه يغتفر لي طول الشرح لغرابة أسلوب هذه القصيدة فإني لم أخرج بها عن القصد لأنها مبنية على القسم وجوابه من البراعة إلى الختام وأما هزلها الذي يراد به الجد فإنه غاية لا تدرك وطريق ما رأينا لغيره فيها مسلك وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع أعني القسم نسجه على المنوال الأول الذي هو مبني على المدح والفخر والتعاظم وعلو الهمة وهو قوله
( لا لقبتني المعالي بابن بجدتها ... يوم الفخار ولا بر التقى قسمي )
هذا البيت منسوج على المنوال المذكور لكن فيه نقص لأنه غير صالح للتجريد ولم يأت ناظمه بجواب القسم إلا في بيت الاستعارة الذي ترتب بعده وهو
( إن لم أحث مطايا العزم مثقلة ... من القوافي تؤم المجد عن أمم )

وأصحاب البديعيات شرطوا أن يكون كل بيت شاهدا على نوعه بمجرده وإذا كان البيت له تعلق بما بعده أو بما قبله لا يصلح أن يكون شاهدا على ذلك النوع
ولقد عجبت للشيخ صفي الدين كيف فتر عزمه وقصرت همته عن هذا القدر الذي يتطاول إلى إدراكه كل قاصر وأين هو من قول القائل في طريقته الغرامية التي حركت السواكن حيث قال
( حرمت الرضا إن كنت خنتك في الهوى ... وعوقبت بالهجران إن كنت كاذبا )
انظر ما أحلى ما أتى بالقسمين وجوابيهما في بيت واحد مع عدم التعسف والرقة التي كادت أن تسيل
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي
( برئت من سلفي والشم من هممي ... إن لم أدن بتقى مبرورة القسم )
بيت الشيخ عز الدين مبني على الفخر والتعاظم وعلو الهمم وهو صالح للتجريد بخلاف بيت الشيخ صفي الدين هذا مع التزام الشيخ عز الدين بتسمية النوع
وبيت بديعيتي
( برئت من أدبي والعز من شيمي ... إن لم أبر بنأي عنهم قسمي )
وهذا البيت مبني على الفخر والتعاظم وعلو الهمة
وفي قولي والعز من شيمي غاية الفخر ولكن اللطف الزائد قول الأديب في القسم برئت من أدبي مع التورية التي ترفل في حلل الحشمة وتسمية النوع والتقفية به لا تخفى على أهل الذوق من أهل الأدب والله أعلم

ذكر حسن التخلص
( ومن غدا قسمه التشبيب في غزل ... حسن التخلص بالمختار من قسمي )
حسن التخلص هو أن يستطرد الشاعر المتمكن من معنى إلى معنى آخر يتعلق بممدوحه بتخلص سهل يختلسه اختلاسا رشيقا دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني لشدة الممازجة والالتئام والانسجام بينهما حتى كأنهما أفرغا في قالب واحد
ولا يشترط أن يتعين المتخلص منه بل يجري ذلك في أي معنى كان فإن الشاعر قد يتخلص من نسيب أو غزل أو فخر أو وصف روض أو وصف طلل بال أو ربع خال أو معنى من المعاني يؤدي إلى مدح أو هجو أو وصف في حرب أو غير ذلك ولكن الأحسن أن يتخلص الشاعر من الغزل إلى المدح
والفرق بين التخلص والاستطراد أن الاستطراد يشترط فيه الرجوع إلى الكلام الأول أو قطع الكلام فيكون المستطرد به آخر كلامه والأمران معدومان في التخلص فإنه لا يرجع إلى الأول ولا يقطع الكلام بل يستمر على ما يتخلص إليه
وهذا النوع أعني حسن التخلص اعتنى به المتأخرون دون العرب ومن جرى مجراهم من المخضرمين ولكنه لم يفتهم فإنهم أوردوا لزهير في هذا الباب قوله
( إن البخيل ملوم حيث كان ولكن ... الكريم على علاته هرم )
أنظر إلى هذا العربي القديم كيف أحسن التخلص من غير اعتناء في بيت

واحد وهذا هو الغاية القصوى عند المتأخرين الذين اعتنوا به
وعلى كل تقدير فمن كلام العرب استنبط كل فن فإنهم ولاة هذا الشأن لكنهم كانوا يؤثرون عدم التكلف ولا يرتكبون من فنون البديع إلا ما خلا من التعسف
فمن ذلك قول الفرزدق وأجاد إلى الغاية
( وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب )
( سروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب )
( إذا آنسوا نارا يقولون ليتها ... وقد حضرت أيديهم نار غالب )
ومثله قول أبي نواس
( تقول التي من بيتها خف محملي ... يعز علينا أن نراك تسير )
( أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير )
( فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في إثرهن عبير )
( دعيني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير )
ومثله في الحسن قوله
( وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كله في الكاس )
( وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس )
( وإذا أردت مديح قوم لم تمن ... في مدحهم فامدح بني العباس )
أقول إن هذه الطريق التي مشى عليها أبو نواس ومن تقدمه من المتقدمين ممن أوردت نظمه في هذا الباب وهي حسن التخلص ببيت واحد باستطراد رشيق ينتقل الشاعر به من الشطر الأول إلى الشطر الثاني فاتت فحولا من الشعراء كالبحتري وأبي تمام في غالب القصائد على أنهما المقدمان في هذا الشأن
وقد تقرر أن حسن التخلص ما كان في بيت واحد يثب الشاعر من شطره الأول إلى الثاني وثبة تدل على رشاقته وقوته وتمكنه في هذا الفن
وإذا لم يكن التخلص

كذلك سمي اقتضابا وهو أن ينتقل الشاعر من معنى إلى معنى آخر من غير تعلق بينهما كأنه استهل كلاما آخر
وعلى هذه الطريقة مشى غالب العرب وغالب المخضرمين وكثير من شعراء المولدين فمن ذلك قول البحتري في قصيد وقد جرى في ميادين غزلها إلى أن قال من غير ارتباط
( وردنا إلى الفتح بن خاقان إنه ... أعم ندى فيكم وأيسر مطلبا )
وهذه النبذة التي أبرزتها هنا من نظم المتقدمين في حسن التخلص عزيزة الوجود فإنها ما تيسرت إلا بعد بذل الجهد في جمعها
وهذا النوع البديع ما اعتنى به غير حذاق المتأخرين وما نسجوه جميعه إلا على المنوال المذكور
ولعمري إنها طريقة بديعة ونوع من السحر يدل على رسوخ القدم في البلاغة وتمكن الذهن من البراعة وإن لم يكن كذلك لم يعد من أنواع البديع
والقرائح تختلف فيه وتتفاوت وقد عن لي أن أنبه على قبح المخالص التي لا تعد من أنواع البديع لينفتح ذهن المبتدئ في هذا الفن فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي وإن كانت له المخالص الفائقة
( غدا بك كل خلو مستهاما ... وأصبح كل مستور خليعا )
( أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا )
أنظر ما أبرد هذا المخلص وأشد تعسفه ومعناه أنه علق انقضاء حبها على غير ممكن وهو أن يجر النمل الجبل المسمى ثبيرا وأن يخاف ممدوحه فجعل خوف الممدوح نظير جر النمل لثبير ليقرر أن كلا منهما من المستحيلات ومن تخاليصه القبيحة أيضا قوله
( على الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا )
وسبب قبح هذا المخلص كونه جعل ممدوحه ساعيا بينه وبين محبوبته في الوصال ولا خفاء في دنو هذه المرتبة وقد سبقه أبو نواس إلى ذلك ولكنه أقل شناعة مع أن الكل قبيح حيث قال
( سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا )
وقد سبقهما إلى ذلك قيس بن ذريح حين طلق لبنى وتزوجت غيره فندم على ذلك وشبب بها في كل معنى فرحمه ابن أبي عتيق فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إلى قيس فقال يمدحه

( جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق )
( فقد جربت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق )
( سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن الطريق )
( وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي )
فلما سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس يا حبيبي أمسك عن هذا المدح فما يسمعه أحد إلا ظنني قواد
ومن المخالص التي استحسنوها للبحتري قوله
( رباع تردت بالرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد )
( إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد )
( كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... عليها بتلك البارقات الرواعد )
ومن المخالص المستحسنة لأبي تمام قوله من قصيدة
( ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم )
( لا والذي هو عالم أن النوى ... مر وأن أبا الحسين كريم )
هذا المخلص مقدم على مخالص البحتري من وجوه أحدها التخلص من النسيب إلى المدح والثاني حسن الانسجام والثالث وهو جل القصد الوثبة في بيت التخلص من الشطر الأول إلى الشطر الثاني بأسرع اختلاس
وهذا الذي عقد المتأخرون الخناصر عليه وصار لهم فيه اليد الطولى ومثله قوله من قصيدة
( فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس )
ومن مخالص أبي الطيب الفائقة قوله من قصيدة يمدح بها أبا أيوب أحمد بن عمران بن ماهويه مطلعها
( سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها )
معنى هذا المطلع في غاية الحسن والغرابة فإنه يقول هذا سرب حيل بيني وبين كل حسناء منه وهذه الحسناء صفاتها دانية عند ذكرها بالقول ولكن ذاتها الموصوفة بعيدة ولم يزل في غرابة هذا الأسلوب إلى أن قال متحمسا

( ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها )
( أقبلنها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها )
أقول سبحان المانح هذا هو السحر الحلال والشرب الذي أمست المشارب لصافية عنده كالآل
ومثله في الغرابة التي هي من معجزات المتنبي قوله من قصيدة مدح بها علي بن عامر ويعرض بذكر أبيه عامر ومدحه بعد وفاته مطلعها
( أطاعن خيلا من فوارسها الدهر ... وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر )
وما أحلى ما قال بعده
( وأعجب من ذا كل يوم سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر )
ولم يزل ينفث بصدق عزائمه في هذا السحر الذي سحر به العقول وخلب القلوب إلى أن قال
( ويوم وصلناه بليل كأنما ... على أفقه من برقه حلل حمر )
( وليل وصلناه بيوم كأنما ... على متنه من دجنة حلل خضر )
( وغيث ظننا تحته أن عامرا ... علا لم يمت أو في السحاب له قبر )
ومثله قوله من قصيدة دالية يمدح بها سيف الدولة بن حمدان مطلعها
( عواذل ذات الخال في حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لماجد )
وما ألطف ما قال بعده
( يرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد )
ولما انتظم له هذا الدر في هذه الأسلاك البديعية قال
( خليلي إني لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى ومني القصائد )
( فلا تعجبا أن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد )
ومن مخالص أبي العلاء أحمد بن سليمان على طريق المديح فإنه لم يكن من طلاب الرفد قوله من قصيد
( ولو أن المطي لها عقول ... وحقك لم نشد لها عقالا )

( مواصلة بها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها انتقالا )
( سألن فقلن مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا )
هذا المخلص أيضا من العجائب فإن الشيخ أبا العلاء سبكه في قالب التورية والاتفاق البديع وكان اسم الأمير في فالهم سعيدا والعرب ما برحوا يتفاءلون بالاسم الحسن ويتطيرون من ضده ومما استحسن لابن حجاج من المخالص قوله
( ألا يا ماء دجلة لست تدري ... بأني حاسد لك طول عمري )
( ولو أني استطعت سكرت سكرا ... عليك فلم تكن يا ماء تجري )
( فقال الماء قل لي كل هذا ... بم استوجبته يا ليت شعري )
( فقلت له لأنك كل يوم ... تمر على أبي الفضل بن بشر )
( تراه ولا أراه وذاك شيء ... يضيق عن احتمالك فيه صبري )
قال صاحب المثل السائر حين أورد هذه الأبيات ما علمت معنى في هذا المقصد أبدع ولا أعذب ولا أرق ولا أحلى من معنى هذا اللفظ ويكفي ابن حجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات
قلت ولعمري إن المخلص والأبيات بكمالها دون إطناب ابن الأثير في الوصف
ولكن قال زكي الدين بن أبي الأصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير لما انتهى إلى هذا النوع أعني حسن التخلص إذا وصلت إلى ابن حجاج في هذا الباب فإنك تصل إلى ما لا تدركه الألباب فمن ذلك قوله على طريقته المعهودة منه
وقد بادلتها فمبالها لي ... بمشورة استها ولها قذالي )
( كما لابن العميد جميع مدحي ... ودنيا ابن العميد جميعها لي )
ومن المخالص الفائقة قول الأستاذ أبي الحسن مهيار بن مرزويه الكاتب من قصيدة بائية يمدح بها الأمير سيف الدولة ابن مزيد مطلعها
( هب من زمانك بعض الجد للعب ... واهجر إلى راحة شيئا من التعب )
ولم يزل ماشيا على هذا السنن إلى أن قال
( تسعى السقاة علينا بين منتظر ... بلوغ كأس ووثاب بمستلب )
( كأنما قولنا للبابلي أدر ... سلافة قولنا للمزيدي هب )

ومثله قوله من قصيدة حائية يمدح بها الأستاذ أبا طالب بن أيوب
( يا من ثناياه التي ... غولطت عنها بالأقاحي )
( غلط المقايس بابن أيوب ... السحابة في السماح )
ويعجبني من مخالصة قوله من قصيدة رائية يمدح بها فخر الملك ولم يزل يرفل في حلل غزلها ونسيبها إلى أن قال
( أرى كبدي وقد بردت قليلا ... أمات الهم أم عاش السرور )
( أم الأيام خافتني لأني ... بفخر الملك منها أستجير )
ومما يعجبني أيضا إلى الغاية قوله من قصيدة عينية يمدح بها الوزير عميد الدولة مطلعها
( لو كان يرفق ظاعن بمشيع ... ردوا فؤادي يوم كاظمة معي )
ولم يزل يطلق العنان في هذه الحلبة إلى أن سبق إلى غاية قال فيها
( إن شاء بعدهم الحيا فلينسكب ... أو شاء ظل غمامه فليقلع )
( فمقيل جسمي في ذيول ربوعهم ... كاف وشربي من فواضل أدمعي )
( كرمت جفوني في الديار فأخصبت ... فغنيت أن أرد المياه وارتعي )
( فكأن دمعي مد من أيدي بني ... عبد الرحيم ومائها المستنبع )
وما أحلى ما قال بعده وهو مخلص آخر
( وكأن ليلي من تفاوت طوله ... أسيافهم موصولة بالأدرع )
ولم أكثر من محاسن مهيار هنا إلا لعلمي بغرابة شعره وعزة وجود ديوانه
ومن المخالص التي تصلح أن تكون واسطة في هذا العقد قول أفقه الشعراء وأشعر الفقهاء كما قال وهو القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني من قصيدة يمدح بها ولي الدين الكاتب مطلعها
( وعدت باستراقة للقاء ... وبإهداء زورة في خفاء )
وما أحلى ما قال بعده
( ثم غارت من أن يماشيها الظل ... فسارت في ليلة ظلماء )

( ثم خافت لما رأت أنجم الليل ... شبيهات أعين الرقباء )
( فاستنابت طيفا يلم ومن يملك ... عينا تهم بالإغفاء )
( هكذا نيلها إذا نولتنا ... وعناء تسمح البخلاء )
( يهدم الانتهاء باليأس منها ... ما بناه الرجاء بالابتداء )
ولم يزل راتعا في هذه الحدائق الغضة إلى أن قال
( تركتني معنيا لمغان ... وأعادت أعاديا أصدقائي )
( رنقت مشربي وقد كان عين الشمس ... والماء دونه في الصفاء )
( بعد عهدي بعيشتي وهي خضرا ... تتثنى كالبانة الغناء )
( وأموري كأنها ألفات ... خطهن الولي في الاستواء )
ومن جواهر مخالصه المنتظمة في هذا السلك قوله من قصيدة رائية يمدح بها سديد الدولة محمد بن عبد الكريم الأنباري مترسل الخلافة وكاتب إنشائها مطلعها
( سلا رسوما أقامت بعدما ساروا ... أعندها من أهيل الحي أخبار )
( وروحا عاتقي من حملها مننا ... للسحب فيها وللأجفان أستار )
ولم يزل مبدرا في هذا الأفق النير إلى أن قال
( أقسمت ما كل هذا الضيم محتمل ... ولا فؤادي على ما شمت صبار )
( إلا لأنك منى اليوم نازلة ... في القلب حيث سديد الدولة الجار )
ومن مخالصه الصافية التي مازجها بسلاف التورية قوله من قصيدة بائية يمدح بها شهاب الدين أحمد بن أسعد الطغرائي مطلعها
( إذا لم يخن صب ففيم عتاب ... وإن لم يكن ذنب فمم متاب )
وما ألطف ما قال بعده
( أجل ما لنا إلا هواهم جناية ... فهل عندهم غير الصدود عقاب )

ولم يزل سائرا في سهولة هذه الجادة إلى أن قال
( فلا تكثرن شكوى الزمان فإنما ... لكل ملم جيئة وذهاب )
( وقد كان ليل الفضل في الدهر داجيا ... إلى أن بدا للناظرين شهاب )
والأرجاني أيضا نظمه غريب في هذه البلاد فلذلك أوردت منه هنا هذه النبذة اللطيفة والله أعلم
وقد آن لي أن أقدم مقدمات النتائج من أشعار المتأخرين في هذا النوع فإنهم رياحين حدائقة وأقمار مشارقه فالمقدم هنا قاضيهم الفاضل الذي ارتفع الخلاف بقضائه ونفذ حكمه بالموجب على ملوك هذه الصناعة وتقدم باستيفاء شرائط التقديم فصلى خلف إمامته الجماعة
فمن مخالصه الفاضلية قوله من قصيدة يمدح بها خليفة الفاطميين في ذلك العصر مطلعها
( ترى لحنيني أو حنين الحمائم ... جرت فحكت دمعي دموع الغمائم )
وما أحلى ما قال بعده
( وهل من ضلوع أو ربوع ترحلوا ... فكل أراها دارسات المعالم )
( دعوا نفس المقروح تحمله الصبا ... وإن كان يهفو بالغصون النواعم )
تأخرت في حمل السلام عليكم ... لديها لما قد حملت من سمائم )
( فلا تسمعوا إلا حديثا لناظري ... يعاد بألفاظ الدموع السواجم )
( فإن فؤادي بعدكم قد فطمته ... عن الشعر إلا مدحة لابن فاطم )
ومثله قول العلامة الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة من قصيدة دالية يمدح بها النبي مطلعها
( ويلاه من نومي المشرد ... وآه من شملي المبدد )
ولم يزل يدير على خصور هذه الألفاظ الرقيقة وشاحات معانيه البديعية إلى أن قال
( أكسبني نشوة بطرف ... سكرت من خمره فعربد )

( غصن نقا حل عقد صبري ... بلين خصر يكاد يعقد )
( فمن رأى ذلك الوشاح الصائم ... ثم صلى على محمد )
ومثله قوله من قصيدة يمدح بها الملك الناصر صلاح الدين يوسف مطلعها
( لنا من ربة الخالين جاره ... تواصل تارة وتصد تاره )
( تعاملني بما يحلى سلوى ... ولكن ليس في جوفي مراره )
ولم تزل أعين هذا الغزل الرقيق تغازله إلى أن قال
( وقالوا قد خسرت الروح فيها ... فقلت الربح في تلك الخسارة )
( بأيسر نظرة أسرت فؤادي ... كما نشأ اللهيب من الشراره )
( ويفتك طرفها فيقول قلبي ... أشن ترى صلاح الدين غاره )
ومثله قوله من قصيدة يمدح بها الملك الأمجد
( ظبية حكم ظبا مقلتها ... عزة الظبي وذل الأسد )
( كنت في ترك الهوى مجتهدا ... وهي كانت زلة المجتهد )
( كملت حسنا فلولا بخلها ... خلتها بعض خلال الأمجد )
ومن المخالص التي نقلتها من ناصح بن قلاقس قوله من قصيدة يمدح بها أبا المنصور نور الدين محمودا عين الأمراء بالديار المصرية
( ماذا على العيس لو عادت بربتها ... بقدر ما نتقاضاها المواعيدا )
( رد الركاب لأمر عن في خلدي ... وسمه في بديع الحب ترديدا )
( وقف أبثك ما لان الحديد له ... فإن صدقت فقل هل أبت داوودا )
( حلت عرا النوم عن أجفان ساهرة ... رد الهوى هدبها بالنجم معقودا )
( تفجرت وعصا الجوزاء تضربها ... فاذكرتني موسى والجلاميدا )
وما أحلى ما قال بعده كناية عن طول الليل
( يا ثعلب الصبح يا سرحان أوله ... كل الثريا فقد صادفت عنقودا )

ولم يزل ينثر هذه العقود الثمينة مع تفخيم هذا النظم إلى أن قال
( ما لي وما للقوافي لا أسيرها ... إلا واقعد محروما ومحسودا )
( أسكرتهم بكؤوس الراح مترعة ... ولم أنل منهم إلا العرابيدا )
( سمعت بالجود مفقودا فهل أحد ... يقول إني وجدت الجود موجودا )
( الحمد لله لا والله ما نظرت ... عيناي بعد أبي المنصور محمودا )
هذا المخلص حلاه نصر الله بن قلاقس مع زيادة حسنة بشعار التورية
ومثله قوله من قصيدة يمدح بها الشيخ سديد الدين المعروف بالحصري مطلعها
( أروه الجلنار من الخدود ... وأخفوا عنه رمان النهود )
وقال بعده
( وحلوا مقلتيه بدر دمع ... تبسم في المخانق والبرود )
( وما غرسوا نخيل العيس إلا ... وهم فيها من الطلع النضيد )
( سقى مصرا وساكنها ملث ... طليل البرق صخاب الرعود )
( موارد بي لها ظمأ شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود )
( هل الرأي السديد البعد عنها ... نعم إن كان للشيخ السديد )
ويعجبني من مخالص القاضي السعيد هبة الله بن سنا الملك قوله من قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل أتى فيها بحسن التخلص ولم يخلص من إشراك عيون الغزل لغرابة أسلوبها
( ضنت بطرف ظل بعدي سقمه ... أرأيتم من ضن حتى بالضنى )
( يا عاذلين جهلتم فضل الهوى ... وعذلتم فيه ولكني أنا )
( إني رأيت الشمس ثم رأيتها ... ماذا علي إذا هويت الأحسنا )
( وسألت من أي المعادن ثغرها ... فوجدت من عبد الرحيم المعدنا )
وما أحلى ما قال بعد المخلص
( أبصرت جوهر ثغرها وكلامه ... فعلمت حقا أن هذا من هنا )

ومثله قوله من قصيدة يمدح بها الملك المعظم مطلعها
( تقنعت لكن بالحبيب المعمم ... وفارقت لكن كل عيش مذمم )
وما أحلى ما قال بعده
( وباتت يدي في طاعة الحب والهوى ... وشاحا لخصر أو وسادا لمعصم )
وما أبدع ما قال منها
( سعدت ببدر خده برج عقرب ... فكذب عندي قول كل منجم )
( وأقسم ما وجه الصباح إذا بدا ... بأوضح مني حجة عند لومي )
( ولا سيما لما مررت بمنزل ... كفضلة صبر في فؤاد متيم )
( وما بان لي إلا بعود أراكة ... تعلق في أطرافه ضوء مبسم )
سبحان المانح والله لقد أحرز القاضي السعيد قصبات السبق برقة هذه الألفاظ وغرابة هذه المعاني ولقد خلب القلوب وجلا ظلمة الأفهام بقوله
( وما بان لي إلا بعود أراكة ... تعلق في أطرافه ضوء مبسم )
وأظنه من المخترعات والله أعلم وما أحلى ما قال بعده
( وقفت به أعتاض عن لثم مبسم ... شهي لقلبي لثم آثار منسم )
( ولم ير طرفي قط شملا مبددا ... يقابله إلا بدمع منظم )
( ولم يسل قلبي أو فمي عن غزالة ... وعن غزل إلا بمدح المعظم )
ومن المخالص البديعة قول الصاحب بهاء الدين زهير من قصيدة يمدح بها الأمير نصير الدين اللمطي مطلعها
( لها خفر يوم اللقاء خفيرها ... فما بالها ضنت بما لا يضيرها )
وما ألطف ما قال بعده
( أعدتها أن لا يعاد مريضها ... وسيرتها أن لا يفك أسيرها )

ولم يزل هائما في طريقه الغرامية إلى أن قال
( وها أنا ذا كالطيف فيها صبابة ... لعلي إذا نامت بليل أزورها )
هذا المعنى قلبه الصاحب بهاء الدين زهير على من تقدمه فيه وسبكه في أغرب القوالب البديعية وأظنه من مخترعاته
ثم قال بعده
( من الغيد لم توقد مع الليل نارها ... ولكنها بين الضلوع تثيرها )
( تقاضي غريم الشوق مني حشاشة ... مروعة لم يبق إلا يسيرها )
( وإن الذي أبقته منها يد الهوى ... فداء يشير يوم وافى نصيرها )
هذا المخلص استعبد الصاحب بهاء الدين زهيرا رقيق ألفاظه بحشمة توريته
ومثله في الحسن قوله من قصيدة يمدح بها الملك الناصر صلاح الدين بن العزيز مطلعها
( عرف الحبيب مكانه فتدللا ... وقنعت منه بموعد فتعللا )
وما أظرف ما قال بعده
( وأرى الرسول ولم أجد في وجهه ... بشرا كما قد كنت أعهد أولا )
ولم يزل يدير كاسات صباباته الغرامية إلى أن قال
( آها لقلب ما خلا من لوعة ... أبدا يحن إلى زمان قد خلا )
( ورسوم جسم كاد يحرقه الهوى ... لو لم تبادره الدموع لأشعلا )
( ولقد كتمت حديثه وحفظته ... فوجدت دمعي قد رواه مسلسلا )
( أهوى التذلل في الغرام وإنما ... يأبى صلاح الدين أن أتذللا )
وما أحلى ما قال بعد المخلص
( مهدت بالغزل الرقيق لمدحه ... وأردت قبل الفرض أن أتنفلا )
ويعجبني أيضا من مخالص القاضي كمال الدين بن نبيه قوله من قصيدة يمدح بها الخليفة الناصر لدين الله مطلعها
( باكر صبوحك أهنى العيش باكره ... فقد ترنم فوق الأيك طائره )

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6