كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه
المؤلف : ابن رشيق القيرواني

ومن الإيغال الحسن قول الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
فبالغت في الوصف أشد مبالغة، وأوغلت إيغالاً شديداً بقولها " في رأسه نار " بعد أن جعلته علماً، وهو الجبل العظيم.
وأنشد الجاحظ:
ألوي حيازيمي بهن صبابة ... كما تتلوى الحية المتشرق
فقوله " الحية المتشرق " إيغال؛ لأنه أشد لتلويه.
وكذلك قول جرير:
بات الفرزدق عائراً وكأنه ... قعو تعاوره السقاة معار
وإذا كان معاراً كان أشد لاستعماله وأقل للتحفظ عليه.
وقال النجاشي يذكر عبد الرحمن بن حسان:
لما أتاني ما يقول ودونه ... مسيرة شهر للمطى المفرد
فأوغل بقوله " المفرد " إيغالاً عجيباً؛ لأنه أسير من المحمل.
وقال جميل:
إني لأكتم حبها إذ بعضهم ... فيمن يحب كناشد الأغفال
" الناشد " طالب الضالة، وإذا كانت غفلاً ليس فيها سمة كان أشد للبحث عليها، وأكثر للسؤال والذكر.
ومن أحسن إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة:
هم القوم: إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
فقوله " وأجزلوا " قد أتى به في نهاية الحسن.
وكذلك قول بشار بن برد:
وغيران من دون النساء كأنه ... أسامة ذو الشبلين حين يجوع
فقوله " حين يجوع " إيغال حسن.
وقال ابن المعتز:
وداع دعا والليل بيني وبينه ... فكنت مكان الظن منه وأعجلا
فقوله " وأعجل " زيادة وصف، وإيغال ظاهر.
وقال أبو الطيب في رثاء أم سيف الدولة:
مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال
" فالزف " : أصغر الريش وألينه، ولا سيما النعام، ولم يرض بذلك حتى جعله زف الرئال، شبه به المرو وهو ما صغر من الحصى وحد فهذا فوق كل مبالغة وإيغال.
ومن هذا نوع يسمى الاستظهار، وهو قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي أو غيره:
فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم
فقوله " المسلم " استظهار؛ لأن العلوية من بني عم النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً أعني أبا طالب ومات جاهلياً، فكأن ابن المعتز أشار بحذقه إلى ميراث الخلافة.
وليس بين الإيغال والتتميم كبير فرق؛ إلا أن هذا في القافية لا يعدوها، وذلك في حشو البيت.
واشتقاق الإيغال من الإبعاد، يقال: أوغل في الأرض، إذا أبعد، فيما حكاه ابن دريد، وقال: وكل داخل في شيء دخول مستعجل فقد أوغل فيه وقال الأصمعي في شرح قول ذي الرمة:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
الإيغال: سرعة الدخول في الشيء، يقال: أوغل في الأمر، إذا دخل فيه بسرعة، فعلى القول الأول كأن الشاعر أبعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب، وعلى القول الثاني كأنه أسرع الخول في المبالغة بمبادرته هذه القافية.
وكلما أكثرت من الشواهد في باب فإنما أريد بذلك تأنيس المتعلم وتجسيره على الأشياء الزائعة. ولأريه كيف تصرف الناس في ذلك الفن، وقلبوا تلك المعاني والألفاظ.

باب الغلو
ومن أسمائه أيضاً الإغراق، والإفراط، ومن الناس من يرى أن فضيلة الشاعر إنما هي في معرفته بوجوه الإغراق والغلو، ولا أرى ذلك إلا محال؛ لمخالفته الحقيقة، وخروجه عن الواجب والمتعارف.. وقد قال الحذاق: خير الكلام الحقائق، فإن لم يكن فما قاربها وناسبها، وأنشد المبرد قول الأعشى:
فلو أن ما أبقين مني معلق ... بعود تمام ما تأود عودها
فقال: هذا متجاوز، وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه، وأحسن منه ما أصاب الحقيقة فيه، انقضى كلامه.
وأصح الكلام عندي ما قام عليه الدليل، وثبت فيه الشاهد من كتاب الله تعالى، ونحن نجده قد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق؛ فقال جل من قائل: " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق " .
والغلو عند قدامة: تجاوز في نعت ما للشيء أن يكون عليه، وليس خارجاً عن طباعه، كقول النمر بن تولب في صفة سيف شبه به نفسه:
تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي

إذ ليس خارجاً عن طباع السيف أن يقطع الشيء العظيم ثم يغوص بعد ذلك في الأرض، ولأن مخارج الغلو عنده على " تكاد " وعلى هذا تأول أصحاب التفسير قول الله تعالى: " وبلغت القلوب الحناجر " أي: كادت.
وقال الجرجاني في كتاب الوساطة: والإفراط مذهب عام في المحدثين، وموجود كثير في الأوائل، والناس فيه مختلفون: من مستحسن قابل، ومستقبح راد، وله رسوم متى وقف الشاعر عندها ولم يتجاوز بالوصف حدها سلم، ومتى تجاوزها اتسعت له الغاية، وأدته الحال إلى الإحالة، وإنما الإحالة نتيجة الإفراط، وشعبة من الإغراق.
وقال الحاتمي: وجدت العلماء بالشعر يعيبون على الشاعر أبيات الغلو والإغراق، ويختلفون في استحسانها واستهجانها، ويعجب بعض منهم بها، وذلك على حسب ما يوافق طباعه واختياره، ويرى أنها من إبداع الشاعر الذي يوجب الفضيلة له، فيقولون: أحسن الشعر أكذبه، وأن الغلو إنما يراد به المبالغة والإفراط، وقالوا: إذا أتى الشاعر من الغلو بما يخرج عن الموجود ويدخل في باب المعدوم فإنما يريد به المثل وبلوغ الغاية في النعت، واحتجوا بقول النابغة وقد سئل: من أشعر الناس فقال: من استجيد كذبه وأضحك رديثه، وقد طعن قوم على هذا المذهب بمنافاته الحقيقة، وأنه لا يصح عند التأمل والفكرة، انقضى كلامه.
ومن أبيات الغلو للقدماء قول مهلهل:
فلولا الريح اسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
وقد قيل: إنه أكذب بيت قالته العرب، وبين حجر وهي قصبة اليمامة وبين مكان الوقعة عشرة أيام، وهذا اشد غلواً من قول امرئ القيس في النار؛ لأن حاسة البصر أقوى من حاسة السمع وأشد إدراكاً..
ومنها قول النابغة في صفة السيوف:
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب
وهو دون بيت امرئ القيس في تنر صاحبة النار إفراطاً، ودون بيت النابغة قول النمر بن تولب في صفة السيف أيضاً، وقد أنشدته فيما مضى من هذا الباب واختار قوم على بيتي النابغة والنمر قول أبي تمام:
ويهتز مثل السيف لو لم تسله ... يدان لسلته ظباه من الغمد
ومن الغلو قول جرير:
فلو وضعت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا
لأنه شيء لا يذوب أبداً، وقد نعي على أبي نواس قوله:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
إذ جعل ما لم يخلق يخافه.. وكذلك قوله:
حتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان
وزعم بعض المتعقبين أن الذي كثر هذا الباب أبو تمام، وتبعه الناس بعد، وأين أبو تمام مما نحن فيه؟ فإذا صرت إلى أبي الطيب صرت إلى أكثر الناس غلواً، وأبعدهم فيه همة، حتى لو قدر ما أخلي منه بيتاً واحداً، وحتى تبلغ به الحال إلى ما هو عنه غنى، واه في غيره مندوحة، كقوله:
يترشفن من فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد
وإن كان له في هذا تأويل ومخرج يجعله التوحيد غاية المثل في الحلاوة بفيه.
وقوله:
لو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا
أو كان صادف رأس عازر سيفه ... في يوم معركة لأعيا عيسى
أو كان لج البحر مثل يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه موسى
فما دعاه إلى هذا وفي الكلام عوض من بلا تعلق عليه؟ فكيف إذا قال:
كأني دحوت الأرض من خبرتي به ... كأني بني الإسكندر السد من عزمي
فشبه نفسه بالخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ثم انحط إلى الإسكندر، وربما أفسد أبو الطيب إغراقه هكذا ونقص منه بما يظنه إصلاحاً له وزيادة فيه، نحو قوله يصف شعره:
إذا قلته لم يمتنع من وصوله ... جدار معلى أو خباء مطنب
فما وجه الخباء المطنب بعد الجدار المنيف؟ بينا هو في الثريا صار في الثرى! وإنما أراد الحاضرة والبادية، وكذلك قوله:
تصد الرياح الهوج عنها مخافة ... ويفزع منها الطير أن يلقط الحبا
فكم بين خوف الرياح الهوج وصدودها، وبين فزع الطير أن تلقط الحب؟ ولا سيما وأفزع الطير بهائمه التي تلقط الحب لضعفها وعدمها السلاح، وأقل خيال أو تمثال يحمي مزروعات جمة

وقد رجح صاحب الوساطة هذا البيت على قول أبي تمام:
فقد بث عبد الله خوف انتقامه ... على الليل حتى ما تدب عقاربه
فاعتبروا يا أولي البصار.
ومما يشاكل قول أبي الطيب في ألفاظه قول نصر الخابز أرزي:
ذبت من الشوق فلو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه
وكان لي فيما مضى خاتم ... فالآن لو شئت تمنطقت به
فبين الإغراق والإغراق بون بعيد واختلاف شديد.
وإذا لم يجد الشاعر بداً من الإغراق لحبه ذلك، ونزوع طبعه إليه فليكن ذلك منه في الندرة، وبيتاً قي القصيدة إن أفرط، ولا يجعل هجيراه كما يفعل أبو الطيب. وأحسن الإغراق ما نطق فيه الشاعر أو المتكلم بكاد أو ما شاكلها، نحو كأن ولو ولولا، وما أشبه ذلك مما لم يناسب أبيات أبي الطيب المتقدم ذكرها في البشاعة، ألا ترى ما أعجب قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا
فبلغ ما أراد من الإفراط، وبنى كلامه على صحة.
ومما استحسنه الرواة ونص عليه العلماء قول امرئ القيس يصف سناناً:
حملت ردينيا كأن شباته ... سنا لهب لم يتصل بدخان
وإذا نظرت إلى قول أبي صخر:
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ... وينبت في أطرافها الورق النضر
وقول أبي الطيب:
عجبت من أرض سحاب أكفهم ... من فوقها وصخورها لا تورق
لم يخف عنك وجه الحكم فيهما، على أن في قول أبي الطيب بعض الملاحة والمخالطة لطبعه في حب الإفراط وقلة المبادرة فيه؛ إذ كان ممكناً أن يقول: إن الصخور أورقت، ولغة القرآن أفصح اللغات، وأنت تسمع قول الله تعالى: " يكاد البرق يخطف أبصارهم " وقوله: " إذا أخرج يده لم يكد يراها " وقوله: " يكاد زينتها يضيء ولو لم تمسسه نار " .
واشتقاق الغلو من المبالغة، ومن غلوة السهم، وهي مدى رميته، يقال: غاليت فلاناً مغالاة وغلاء، إذا اختبرتما أيكما أبعد غلوة سهم، ومنه قول النبي عليه الصلاة السلام: " جرى المذكيات غلاء " وقد جاء في حديث داحس " غلاء " و " غلاب " بالياء ايضاً، وإذا قلت: غلا السعر غلاء، فإنما تريد أنه ارتفع وزاد على ما كان، وكذلك غلت القدر غلياً أو غلياناً، إنما هو أن يجيش ماؤها ويرتفع، والإغراق أيضاً أصله في الرمي، وذلك أن تجذب السهم في الوتر عند النزع حتى تستغرق جميعه بينك وبين حنية القوص، وإنما تفعل ذلك لبعد الغرض الذي ترميه، وهذه التسمية تدل على ما نحوت إليه وأشرت نحوه.

باب التشكك
وهو من ملح الشعر وطرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما للغو والإغريق.
وفائدته الدالة على قرب الشبهين حتى لا يفرق بينهما، ولا يميز أحدهما من الآخر، وذلك نحو قول زهير:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فإن تكن النساء مخبئآت ... فحق لكل محصنة هداء
فقد أظهر أنه لم يعلم أنهم رجال أم نساء، وهذا أملح من أن يقول: هم نساء، وأقرب إلى التصديق؛ ولهذه العلة اختاروه كما تقدم القول في بيت ذي الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقاآ أنت أم أم سالم
وبيت جرير فإنك لو رأيت عبيد تيم وبيت أبي النجم في صفة عرق الخيل. وقال العرجي:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
وإنما سلك طريق ذي الرمة.
وقال سلم بن عمرو الخاسر:
تبدت فقلت الشمس عند طلوعها ... بجلد غني اللون عن أثر الورس
فلما كررت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية: ما ها هنا مطلع الشمس
فأنت ترى كيف موقع هذا الشك من اليقين؟ وكيف حلاوته في الصدر وقبوله؟؟ فإنه لو كان يقيناً ما بلغ هذا المبلغ.
وتناول هذا المعنى أبو زيد الوضاح بن محمد الثقفي فقال يمدح المستعين بالله:
وقائلة والليل قد نشر الدجى ... فغطى بها ما بين سهل وقردد
أرى بارقاً يبدو من الجوسق الذي ... به حل ميراث النبي محمد
فظل عذارى الحي ينظمن تحته ... ظفارية الجزع لم يسرد
أضاءت به الآفاق حتى كأنما ... رأينا بنصف الليل نور ضحى الغد

فقلت: هو البدر الذي تعرفينه ... وإلا يكن فالنور من وجه أحمد
وأما قول أبي تمام حين قصد عبد الله بن طاهر إلى خراسان يذكر شك رفقائه واستبعادهم الطريق:
يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطا المهرية القرد:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا؟ ... فقلت: كلا ولكن مطلع الجود
فقد صرف المعنى فيه عن وجهه، وخالف فيه قصده، ونسب الشك إلى غيره، وهو بعيد من قول سلم، وليس ذكرهما جميعاً مطلع الشمس قدوة، ولا عليه معول.. وقال ابن ميادة:
وأشفق من وشك الفراق وإنني ... أظن لمحمول عليه فراكبه
فوالله ما أدري: أيغلبني الهوى ... إذاجد جد البين أم أنا غالبه؟!
فقوله في البيت الأول " أظن " مليح جداً، وكذلك قوله في البيت الثاني " ما أدري أيغلبني الهوى أم أنا غالبه " .
وأخذ هذا المعنى ابن أبي مية وزاده ملاحة فقال:
فديتك لم تشبع ولم ترو من هجري ... أيستحسن الهجران أكثر من شهر
أراني سأسلو عنك إن دام ما أرى ... بلا ثقة، لكن أظن ولا أدري
وقد أحسن أبو الطيب في قوله:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر؟؟ ... بفي برود وهو في كبدي جمر
لولا أنه كدر صفوه ومرر حلوه بما أضاف إليه من قوله:
أذا الغصن أم ذا الدعص أم أنت فتنة ... وهذا الذي قبلته البرق أم ثغر؟
ولله در أبي نواس إذ يقول:
ألا لا أرى مثل امترى اليوم في رسم ... تغص به عيني ويلفظه وهمي
أتت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن وعلمي كلا علم
ويروي وجهلي كلا جهل.
وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس:
لمن طلل دارس آيه ... أضر به سالف الأحرس
تنكره العين من جانب ... ويعرفه شغف الأنفس
وقال أعرابي في معنى أبيات الوضاح بن محمد:
أقول والنجم قد مالت مياسره ... إلى الغروب: تأمل نظرة حار
ألمحة من سنا برق رأى بصري ... ووجه نعم بدا لي أم سنا نار
بل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح من بين حجاب وأستار

باب الحشو وفضول الكلام
وسماه قوم الاتكاء، وذلك أن يكون في داخل البيت من الشعر لفظ لا يفيد معنى، وإنما أدخله الشاعر لإقامة الوزن، فإن كان ذاك في القافية فهو استدعاء، وقد يأتي في حشو البيت ما هو زيادة في حسنه وتقوية لمعناه: كالذي تقدم من التتميم، والالتفات، والاستثناء، وغير ذلك، مما ذكرته آنفاً.
من ذلك قول عبد الله بن المعتز يصف خيلاً:
صببنا عليها ظالمين ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
وقد مر ذكره في باب المبالغة، فقوله ظالمين حشو أقام بها وزن، وبالغ في المعنى أشد مبالغة من جهته، حتى علمنا ضرورة أن إتيانه بهذه اللفظة التي هي حشو في ظاهر الأمر أفضل من تركها، وهذا شبيه بالتتميم..
وقال الفرزدق:
ستأتيك مني إن بقيت قصائد ... يقتصر عن تحبيرها كل قائل
فقوله إن بقيت حشو في ظاهر لفظه، وقد أفاد به معنى زائداً، وهو شبيه بالالتفات من جهة، وبالاحتراس من جهة أخرى، فما كان هكذا فهو الجيد، وليس بحشو إلا على المجاز، أو بعد أن ينعت بالجودة والحسن، أو يضافا إليه، وإنما يطلق اسم الحشو على ما قدمت ذكره مما لا فائدة فيه.
وقد أتى العتابي بما فيه كفاية حيث يقول:
إن حشو الكلام من لكنه المر ... ء وإيجازه من التقويم
فجعل الحشو لكنة، وليس كل ما يحشى بن الكلام لزيادة فائدة لكنة، وإنما أراد ما لا حاجة إليه ولا منفعة، كقول أبي صفوان الأسدي يذكر بازياً:
ترى الطير والوحش من خوفه ... حواجر منه إذا ما أغتدي
فقوله منه بعد قول من خوفه حشو لا فائدة فيه، ولا معنى له، وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدة:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود حالك الجلباب
فقوله الدجى حشو؛ لأن في القسيم الثاني ما يدل عليه من زيادة استعارتين مليحتين، فإن لم يكن في القسيم الأول حشو كان القسيم الثاني بأثره فضلة.
وقال أبو الطيب في نحو من ذلك:

إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومن فوقها والبأس والكرم المحض
فقوله والبأس حشو؛ لأن قوله ومن فوقها دال على الإنس والجن جميعاً، والبأس والكرم جميعاً، والبأس والكرم جميعاً، اللهم إلا أن يحمله على تأويلهم في قول الله تعالى: " فيهما فاكهة ونخل ورمان " فأعاد ذكرهما وهما من الفاكهة لفضلهما، وقوله تعالى: " ومن كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال " فإن هذا سائغ وليس بحشو حينئذ.
ومن الحشو قول الكلحبة اليربوعي:
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا
فقوله بالفتى حشو، وكان الواجب أن يقول به لأن ذكر المرء قد تقدم، إلا أن يريد في قوله بالفتى الزراية والأطنوزة فإنه يحتمل.
قال زيد الخيل يخاطب كعب بن زهير: يقول:
أرى زيداً وقد كان معدماً ... أراه لعمري قد تمول واقتنى
فقوله أراه لعمري حشو واستراحة يستغنى عنها بقوله أرى زيداً ومما يكثر به حشو الكلام أضحى، وبات، وظل، وغدا، وقد، ويوماً، وأشباهها، وكان أبو تمام كثيراً ما يأتي بها، ويكره للشاعر استعمال ذا، وذي، والذي، وهو، وهذا، وهذي وكان أبو الطيب مولعاً بها، مكثراً منها في شعره، حتى حمله حبه فيها على استعمال الشاذ وركوب الضرورة في قوله:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو ... عقمت بمولد نسلها حواء
وكذلك يكره للشاعر قوله في شعره " حقاً " إلا أن تقع له موقعها في قول الأخطل:
فأقسم المجد حقاً لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر
فإن قوله ههنا حقاً زاد المعنى حسناً وتوكيداً ظاهراً.
ولقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في قوله لابن المعتز:
ولو قبلت في حادث الدهر فدية ... لقلنا على التحقيق نحن فداؤه
فقوله " على التحقيق " حشو مليح فيه زيادة فائدة.
ومن الناس من يسمي هذا النوع من الكلام ارتفاداً، وأنشد بعض العلماء قول قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا يكنها سدف
والاتكاء عنده والإرتفاد هو قول الشاعر " صورها الخالق " لأن اسم الله تعالى قد تقدم.
ووجدت الحذاق يعيبون قول ابن الحدادية وهي أمه، واسمه قيس بن منقذ:
إن الفؤاد قد أمسى هائماً كلفاً ... قد شفه ذكر سلمى اليوم فانتكسا
لحشوه ب " قد " في موضعين من البيت ثم ب " أمسى " وب " اليوم " على تناقضهما.
وعاب الحاتمي على الأعشى قوله:
فرميت غفلة قلبه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها
لأن تكرير القلب عنده حشو لا فائدة فيه، وهذا تعسف من الحاتمي لأن قلبه غير قلبها، فإنما كرر اللفظ دون المعنى، ورأيت روايته في أكثر النسخ " حبة قلبه وطحالها " وهو غلط، ومن ههنا عابه فيما أظن، ومن الناس من روى " فرميت غفلة عينه عن شاته " وهي رواية مشهورة صحيحة.
ونعوا على أبي العيال الهذلي قوله:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
لأن صداع الرأس من أدواء الرأس خاصة، فليس الذكر الرأس معه معنى، وعلى جميل قوله:
وما ذكرتك النفس يا بثن مرة ... من الدهر إلا كادت النفس تتلف
فتكرير النفس لبس له وجه ههنا، وللتكرير موضع يحسن فيه، وسيرد إن شاء الله في بابه.
ومن الحشو نوع سماه قدامة التفضيل بالفاء وزعم قوم أنه بالعين كأنهم يجعلونه اعوجاجاً من قولهم: ناب أعصل، وجعله آخرون بالعين وضاد معجمة، كأن عندهم من: تعضل الولد، إذا عسر خروجه واعترض في الرحم، وظاهر البيت الذي أنشده قدامة يدل على أنه التفصيل بالفاء وهو قول دريد بن الصمة:
وبلغ نميراً إن عرضت ابن عامر ... وأي أخ في النائبات وطالب
ويجري هذا المجرى قول أبي الطيب، بل هو اقبح منه:
حملت إليه من لساني حديقة ... سقاها الحيا سقي الرياض السحائب
لأن التفرقة بين النعت والمنعوت أسهل من التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، وهما بمنزلة اسم واحد، فإذا شئت أن تجعل بيت ابن الخطيم " حين صورها الخالق " من هذا النوع جاز لك؛ فيكون التقدير قضى لها الله الخالق حين صورها.

باب الاستدعاء

وهو ألا يكون للقافية فائدة إلا كونها قافية فقط، فتخلو حينئذ من المعنى كقول عدي القرشي، أنشده قدامة:
ووقيت الحتوف من وارث وا ... لٍ، وأبقاك صالحاً رب هود
فإنه لم يأت لهود النبي عليه السلام ههنا معنى إلا كونه قافية.
وما أعجب السيد الحميري في قوله:
أقسم بالفجر وبالعشر ... والشفع والوتر ورب لقمان
في منزل محكم ناطق ... بنور آيات وبرهان
فالفجر فجر الصبح والعشر عش ... ر النحر والشفع نجيان
محمد وابن أبي طالب ... والوتر رب العزة الباني
باني سموات بناها بلا ... تقدير إنس ولا جان
فانظر إلى قوله " رب لقمان " ما اكثر قلقه وأشد ركاكته!!! وأما قوله " الباني " فقد خرج فيه من حد اللين والبرد، وتجاوز فيه الغاية في ثقل الروح، والله حسبه.
ومن أناشيد قدامة قول علي بن محمد صاحب البصرة:
وسابغة الأذيال زغف مفاضة ... تكنفها مني نجاد مخطط
فلا أدري معنى هذا الشاعر في تخطيط النجاد، وهذا أقل ما في تكلف القوافي الشاردة إذا ركبها غير فارسها، وراضها غير سائسها.

باب التكرار
وللتكرار مواضع يحسن فيها، ومواضع يقبح فيها، فأكثر ما يقع التكرار في الألفاظ دون المعانى، وهو في المعاني دون الألفاظ أقل، فإذا تكرر اللفظ والمعنى جميعاً فذلك الخذلان بعينه، ولا يجب للشاعر أن يكرر اسماً إلا على جهة التشوق والاستعذاب، إذا كان في تغزل أو نسيب.. كقول امرئ القيس، ولم يتخلص أحد تخلصه فيما ذكر عبد الكريم وغيره، ولا سلم سلامته في هذا الباب:
ديار لسلمى عافيات بذي الخال ... ألح عليها كل أسحم هطال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامي أو على رأس أو عال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء محلال
ليالي سلمى إذ تريك منضداً ... وجيداً كجيد الريم ليس بمعطال
وكقول قيس بن ذريح:
ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا
أو على سبيل التنويه به، والإشارة إليه بذكر، إن كان في مدح كقول أبي الأسد:
ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر؟
أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر؟!
كأن وفود الفيض يوم تحملوا ... إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
مواقع جود الفيض في كل بلدة ... مواقع ماء المزن في البلد القفر
فتكر يراسم الممدوح ههنا تنويه به، وإشارة بذكره، وتفخيم له في القلوب والأسماع.
وكذلك قول الخنساء:
وإن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
أو على سبيل التقرير والتوبيخ. كقول بعضهم:
إلى كم وكم أشياء منكم تريبني ... أغمض عنها لست عنها بذي عمي
فأما قول محمد بن مناذر الصبيري في معنى التكثير:
كم وكم كم كم وكم كم كم وكم ... قال لي: أنجز حر ما وعد
فقد زاد على الواجب، وتجاوز الحد.
ولما أنشدوا للصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد قول أبي الطيب:
عظمت فلما لم تكلم مهابة ... تواضعت، وهو العظم عظماً عن العظم
قال: ما أكثر عظام هذا البيت مع أنه من قول الطائي:
تعظمت عن ذاك التعظيم فيهم ... وأوصاك عظم القدر أن تتنبلا
ومن المعجز في هذا النوع قول الله تعالى في سورة الرحمن: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " كلما عدد منة أو ذكر بنعمة كرر هذا. وقد كرر أبو كبير الهذلي قوله:
فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
على بعض الروايات في سبعة مواضع من قصيدته التي أولها:
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول؟؟
كلما وصف فصلاً وأتمه كرر هذا البيت.
أو على سبيل التعظيم للمحكي عنه، وأنشد سيبويه:

لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
أو على جهة الوعيد والتهديد إن كان عتاب موجع، كقول الأعشى ليزيد بن مسهر الشيباني:
أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا ... أبا ثابت أقصر وعرضك سالم
وذرنا وقوماً إن هم عمدوا لنا ... أبا ثابت واقعد فإنك طاعم!!
أو على وجه التوجع إن كان رثاء وتأبيناً، نحو قول متمم بن نويرة:
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟؟
فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك
وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي يجدها المتفجع، وهو كثير حيث التمس من الشعر وجد.
أو على سبيل الاستغاثة وهي في باب المديح، نحو قول العديل بن الفرخ:
بني مسمع لولا الإله وأنتم ... بني مسمع لم ينكر الناس منكرا
ويقع التكرار في الهجاء على سبيل الشهرة، وشدة التوضيع بالمهجو، كقول ذي الرمة يهجو المرئي:
تسمى امرأ القيس بن سعد إذا اعتزت ... وتأبى السبال الصهب والأنف الحمر
ولكنا أصل امرئ القيس معشر ... يحل لهم لحم الخنازير والخمر
نصاب امرئ القيس العبيد وأرضهم ... ممر المساحي لا فلاة ولا مصر
تخطى إلى الفقر امرؤ القيس؛ إنه ... سواء على الضيف امرؤ القيس والفقر
تحب امرؤ القيس القرى أن تناله ... وتأبى مقاريها إذا طلع الفجر
هل الناس إلا يا امرأ القيس غادر ... ووافٍ وما فيكم وفاء ولا غدر؟
وكذلك صنع جرير في قصيدته الدماغة التي هجا بها راعي الإبل؛ فإنه كرر " بني نمير " في كثير من أبياتها.
ويقع أيضاً على سبيل الازدراء والتهكم والتنقيص، كقول حماد عجرد لابن نوح، وكان يتعرب:
يا بن نوح يا أخا ال ... حلس ويا ابن القتب
ومن نشا والده ... بين الربا والكثب
يا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي
ومن المعيب في التكرار قول ابن الزيات:
أتعزف أم تقيم على التصابي؟ ... فقد كثرت مناقلة العتاب
إذا ذكر السلو عن التصابي ... نفرت من اسمه نفر الصعاب
وكيف يلام مثلك في التصابي ... وأنت فتى المجانة والشباب؟!!
سأعزف إن عزفت عن التصابي ... إذا ما لاح شيب بالغراب
ألم ترني عدلت عن التصابي ... فأغرتني الملامة بالتصابي؟!!
فملأ الدنيا بالتصابي، على التصابي لعنة الله من أجله، فقد برد به الشعر، ولا سيما وقد جاء به كله على معنى واحد من الوزن، لم يعد به عروض البيت، وأين هذا من تكريره على جهة التفخيم في قوله للحسن بن سهل من قصيدة:
إلى الأمير الحسن استجدتها ... أي مزار ومناخ ومحل
أي مزار ومناخ ومحل ... لخائف ومستريش ذي أمل
وهذا كقول امرئ القيس:
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا
عشية جاوزنا حماة وشيزرا ... أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا
ومن تكرير المعاني قول امرئ القيس، وما رأيت أحداً نبه عليه:
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
فالبيت الأول يغني عن الثاني، والثاني يغني عن الأول، ومعناهما واحد؛ لأن النجوم تشتمل على الثريا، كما أن بذبل يشتمل على صم الجندل، وقوله " شدت بكل مغار الفتل " ومثل قوله " علقت بأمراس كتان " ويقرب من ذلك وليس به قول كثير:
وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت

إلا أن كثيراً تصرف، فجعل رجاء الأول ظل الغمامة ليقيل تحتها من حرارة الشمس فاضمحلت وتركته ضاحياً، وجعل الممحل في البيت الثاني يرجو سحابة ذات ماء فأمطرت بعد ما جاوزته.
ومن مليح هذا االباب ما أنشدنيه شيخنا أبو عبد الله محمد بن جعفر لابن المعتز، وهو قوله:
لساني لسري كتوم كتوم ... ودمعي بحبي نموم نموم
ولي مالك شفني حبه ... بديع الجمال وسيم وسيم
له مقلتا شادنٍ أحورٍ ... ولفظ سحور رخيم رخيم
فدمعي عليه سجوج سجوم ... وجسمي عليه سقيم سقيم

باب منه
ذكر ابن المعتز أن الجاحظ سمى هذا النوع المذهب الكلامي.
قال ابن المعتز: وهذا باب ما علمت أني وجدت منه في القرآن شيئاً، وهو ينسب إلى التكلف، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قال صاحب الكتاب: غير أن ابن المعتز قد ختم بهذا الباب أبواب البديع الخمسة التي خصها بهذه التسمية، وقدمها على غيرها، وأنشد الفرزدق:
لكل امرئ نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها
وأنشد لآخر، ولا أظنه إلا إبراهيم بن العباس:
وعلمتني كيف الهوى وجهلته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي
فاعلم مالي عندكم فيميل بي ... هواي إلى جهلي وأعرض عن علمي
وعاب على أبي تمام قوله:
فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا
وحكى أن إسحاق الموصلي سمع الطائي ينشد ويكثر من هذا الباب وأمثاله عند الحسن بن وهب، فقال: يا هذا، لقد شددت على نفسك.
وأنشد ابن المعتز لنفسه:
أسرفت في الكتمان ... وذاك مني دهاني
كتمت حبك حتى ... كتمته كتماني
فلم يكن لي بد ... من ذكره بلساني
وهذه الملاحة نفسها، والظرف بعينه.
ومن هذا الباب نوع آخر هو أولى بهذه التسمية من كثير مما ذكره المؤلفون، نحو قول إبراهيم بن المهدي يعتذر إلى المأمون من وثوبه على الخلافة:
البر منك وطاء العذر عندك لي ... فيما فعلت، فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم
وكذلك قول أبي عبد الرحمن العطوي:
فو حق البيان يعضده البر ... هان في مأقط ألد الخصام
ما رأينا سوى الحبيبة شيئاً ... جمع الحسن كله في نظام
هي تجري مجرى الإصابة في الرأ ... ي ومجرى الأرواح في الأجسام
وقد نقلت هذا الباب نقلاً من كتاب عبد الله بن المعتز، إلا ما لا خفاء به عن أحد من أهل التمييز، واضطرني إلى ذلك قلة الشواهد فيه، إلا ما ناسب قول أبي نواس:
سخنت من شدة البرودة حتى ... صرت عندي كأنك النار
لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج بارد حار
فهذا مذهب كلامي فلسفي.. وقوله أيضاً:
فيك خلاف لخلاف الذي ... فيه خلاف لخلاف الجميل
وأشباه ذلك مما في هذا غنى عنه ودلالة عليه.
باب نفي الشيء بإيجابه
وهذا الباب من المبالغة، وليس بها مختصاً، إلا أنه من محاسن الكلام، فإذا تأملته وجدت باطنه نفياً، وظاهره إيجاباً.. قال امرؤ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
فقوله " لا يهتدى بمناره " لم يرد أن له مناراً لا يهتدى به، ولكن أراد أنه لا منار له فيهتدى بذلك المنار.
وكذلك قول زهير:
بأرض خلاء لا يسد وصيدها ... علي، ومعروفي بها غير منكر
فأثبت لها في اللفظ وصيداً، وإنما أراد ليس لها وصيد فيسد علي.
ويتصل بهذا قول الزبير بن عبد المطلب يذكر عميلة بن السباق بن عبد الدار، وكان نديماً له وصاحباً:
صبحت بهم طلقاً يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره
ضعيفاً بحث الكأس قبض بنانه ... كليلاً على وجه النديم أظافره

فظاهر كلامه أنه يخمش وجه النديم، إلا أن أظافره كليلة، وإنما أراد في الحقيقة أنه لا يظفر وجه النديم ولا يفعل شيئاً من ذلك، وكذلك قوله " لم تحتضره مفاقره " أي: ليس له مفاقر فتحتضره.
وقال أبو كبير الهذلي يصف هضبة:
وعلوت مرتقباً على مرهوبة ... حصاء ليس رقيبها في مثمل
عيطاء معنقة يكون أنيسها ... ورق الحمام جميعها لم يؤكل
يريد أنه ليس بها جميم فيؤكل، يدل على ذلك قوله في البيت الأول " حصاء " وهي التي لا نبت فيها.
وقال أبو ذؤيب يصف فرساً:
متفلق أنساؤها عن قانئ ... كالقرط صار وغبره لا يرضع
فلم يرد أن هناك بقية لبن لا يرضع، لكن أراد أنها لا لبن لها فيرضع.
والشاهد على جميع ما قلته في شرح هذه الأشياء ما جاء في تفسير قول الله عز وجل: " لا يسألون الناس إلحافاً " قالوا: ليس يقع منهم سؤال فيقع إلحافاً: أي هم لا يسألون البتة.
والمعيب من هذا الباب قول كثير يرثي عزة صاحبته:
فهلا وقاك الموت من أنت زينه ... ومن هو أسوأ منك دلاً وأقبح؟
لأنه قد أوهم السامع أن لها دلاً سيئاً، ولكن غيره أسوأ منه وأقبح، فكيف إن كان القبح راجعاً عليها لا على دلها، وليس هذا في شيء من قوله تعالى: " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا " لأن هذا إشكال فيه.

باب الاطراد
ومن حسن الصنعة أن تطرد الأسماء من غير كلفة، ولا حشو فارغ؛ فإنها إذا أطردت دلت على قوة طبع الشاعر، وقلة كلفته ومبالاته بالشعر.
وذلك نحو قول الأعشى:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل
فأتى كالماء الجاري اطراداً وقلة كلفة، وبين النسب حتى أخرجه عن مواضع اللبس والشبهة..
ولما سمع عبد الملك بن مروان قول دريد بن الصمة:
قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤابة بن أسماء بن زيد بن قارب
قال كالمتعجب: لولا القافية لبلغ به آدم، ورواه قوم " أبأت بعبد الله " .
وقال أبو تمام:
عبد المليك بن صالح بن عل ... ي بن قسيم النبي في نسبه
فهذا سهل العنان، خفيف على اللسان، وإن كانت الياء في " المليك " ضرورة وتكلفاً.
وقال الحارث بن دوس الإيادي:
وشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد
فأطردت ثلاثة أسماء لا كلفة فيها.
وقال أبو تمام في قالب بيت الأعشى، وإن نقص عنه اسماً واحداً:
بنصر بن منصور بن بسام انفرى ... لما شظف الأيام عن عيشة رغد
فأما من أتى بأكثر من هذا ومن الأول فقد قال بعضهم:
من يكن رام حاجة بعدت عن ... ه وأعيت عليه كل العياء
فلها أحمد المرجى بن يحيى ب ... ن معاذ بن مسلم بن رجاء
فجاء كلامه نسقاً واحداً، إلا أنه قد شغل البيت وفصل بين الكلام بقوله " المرجى " غير أن مجانسة رجاء هونت خطيئته وغفرت ذنبه.
وقال الطائي:
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عت ... اب بن سهم سهمكم لا يسهم
فخاطب بذلك بني عمرو بن غنم التغلبيين، وهم بنو عم مالك بن طوق، فانتظم له ما أراد من الأسماء، إلا أنه ظاهر التكلف، وقال فأتى بستة:
مناسب تحسب من ضوئها ... منازل للقمر الطالع
كالدلو والحوت وأشراطه ... والبطن والنجم إلى البالع
نوح بن عمرو بن حوى بن عم ... رو بن حوى بن الفتى مانع
فأحكم التصنيع وقابل ستة بستة؛ لأن الأشراط منزلة، وإن جمعها، إلا أن " الفتى " ههنا غضة مع برد لفظ وركاكة، ما أحسن أبا هؤلاء كلهم يقال له الفتى وإن كنا نعلم أنه لم يرد فتاء السن، ولكن الفتوة.
وجاء أبو الطيب فجاءك بالتعسف في قوله لسيف الدولة:
فأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا ابنه ... تشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد
ففي هذا المعنى من التقصير أنه جاء به في صفين وأنه جعله أنياب الخلافة بقوله:
أولئك أنياب الخلافة كلها ... وسائر أملاك البلاد الزوائد

وهم سبعة بالممدوح، والأنياب في المتعارف أربعة، إلا أن تكون الخلافة تمساح نيل أو كلب بحر؛ فإن أنياب كل واحد منهما ثمانية، اللهم إلا أن يريد أن كل واحد منهم ناب الخلافة في زمانه خاصة؛ فإنه يصح، وفيه من الزيادة على ما قبله أنه زاد واحداً في العدد، فإنه جعل كل ابن هو أبوه في الخلافة إلى أن بلغ راشداً، ولم يقصد إلى ذلك أحد من أصحابه، وإنما مقت شعره هذا تكريره كل اسم مرتين في بيت واحد، وهي أربعة أسماء.

باب التضمين والإجازة
وهذا باب يختلط على كثير من الشعراء ممن ليس له ثقوب في العلم ولا حذق بالصناعة، كجماعة ممن وسم في بلدنا بالمعرفة، وينسب إليها مكذوباً عليه فيها، كاذباً فيما ادعاه منها، ولتعرفنهم في لحن القول.
فأما التضمين فهو قصدك إلى البيت من الشعر أو القسيم فتأتي به في أواخر شعرك أو في وسطه كالمتمثل، نحو قول محمود بن الحسين كشاجم الكاتب:
يا خاضب الشيب والأيام تظهره ... هذا شباب لعمر الله مصنوع
أذكرتني قول ذي لب وتجربة ... في مثله لك تأديب وتقريع
إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع
فهذا جيد في بابه، وأجود منه أن لو يكن بين البيت الأول والآخر واسطة؛ لأن الشاعر قد دل بذلك على أنه متهم بالسرق، أو على أن هذا البيت غير مشهور، وليس كذلك، بل هو كالشمس اشتهاراً، ولو أسقط البيت الأوسط لكان تضميناً عجيباً، لأن ذكر الثوب قد أخرج الثاني من باب الأول إلا في المعنى، وهذا عند الحذاق أفضل التضمين، فإنما احتذى كشاجم قول ابن المعتز في أبيات له:
لا ذنب لي إن ساء ظنك بعدما ... وفيت لكم، ربي بذلك عالم
وها أنا ذا مستعتب متنصل ... كما قال عباس وأنفي راغم
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم
وأبيات العباس بن الأحنف التي منها البيت المضمن هي قوله:
وصب أصاب الحب سوداء قلبه ... فأنحله، والحب داء ملازم
فقلت له إذ مات وجداً بحبه ... مقالة نصح جانبتها المآثم:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل: أنا ظالم
فإنك إن لم تحمل الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم
غير أن شيخنا أبا عبد الله روى هذه الأبيات أيضاً لابن المعتز.
فهذا النوع من التضمين جيد، وهو الذي أردنا من قبل؛ وأجود منه أن يصرف الشاعر المضمن وجه البيت المضمن عن معنى قائله إلى معناه، نحو قول بعض المحدثين، ونسبه قوم إلى ابن الرومي:
يا سائلي عن خالد، عهدي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
هكذا أعرفه، وروى " عن جعفر " فصرف الشاعر قول النابغة في صفة الثغر:
تجلوا بقادمتي حمامة أيكةٍ ... برداً أسف لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
إلى معناه الذي أراد.
ومن هذا المعنى أيضاً قول ابن الرومي بلا محالة:
وسائلة عن الحسن بن وهبٍ ... وعما فيه من كرم وخير
فقلت: هو المهذب غير أني ... أراه كثير إرخاء الستور
وأكثر ما يغنيه فتاه ... حسين حين يخلو بالسرير
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
فالبيت الأخير لمهلهل، فجاء قرع البيض بالذكور ههنا عجيباً، وإن كانت اللفظتان في المعنى غير اللفظتين.
ومن الشعراء من يضمن قسيماً نحو قول بعضهم، أظنه الصولي:
خلقت على باب الأمير كأنني ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
إذا جئت أشكو طول ضيق وفاقة ... يقولون: لا تهلك أسى وتحمل
ففاضت دموع العين من سوء درهم ... على النحر حتى بل دمعي محملي
لقد طال تردادي وقصدي إليكم ... فهل عند رسم دارس من معول
ومنهم من يقلب البيت فيضمنه معكوساً، نحو قول العباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان لمسلمة بن عبد الملك:
لقد أنكرتني إنكار خوف ... يضم حشاك عن شتمي وذحلي

كقول المرء عمرو في القوافي ... لقيسٍ حين خالف كل عذل
عذيرك من خليلك من مراد ... أريد حياته ويريد قتلي
والبيت المضمن لعمرو بن معدي كرب الزبيدي، يقوله لابن أخته قيس بن زهير بن هبيرة بن مكشوح المرادي، وكان بينهما بعد شديد وعداوة عظيمة، وحقيقته في شعر عمرو:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا رأى ابن ملجم تمثل بهذا البيت.
ومن التضمين ما يجمع فيه الشاعر قسمين من وزنين كقول علي بن الجهم يعرض بفضل الشاعرة جارية المتوكل وبنان المغني وكانا يتعاشقان فإذا غنى بنان:
اسمعي أو خبرينا ... يا ديار الظاعنينا
غنت هي كالمجاوبة له عما يقول:
ألا حييت عنا ما مدينا ... وهل بأس بقول مسلمينا
فقال علي منبهاً عليهما في ذلك:
كلما غنى بنان ... اسمعي أو خبرينا
أنشدت فضل ألا حي ... يت عنا يا مدينا
عارضت معنى بمعنى ... والندامى غافلونا
أحسنت إذ لم تجاوب ... هم ديار الظاعنينا
لو أجابتهم لصرنا ... آية للسائلينا
واستعاد الصوت مولا ... ها وحث الشاربينا
قلت للمولى وقد دا ... رت حميا الكأس فينا
رب صوت حسن ين ... بت في الرأس قرونا
وأنشد ابن المعتز في باب التضمين للأخطل:
ولقد سما للخرمي فلم يقل ... يوم الوغى لكن تضايق مقدمي
إشارة إلى قول عنترة العبسي:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي
وهذا تضمين أنت ترى كيف هو، وأنشد لآخر:
عوذ لما بت ضيفاً له ... أقراصه مني بياسين
فبت والأرض فراشي وقد ... غنت قفا نبك مصاريني
ومن التضمين ما يحيل الشاعر فيه إحالة، ويشير به إشارة، فيأتي به كأنه نظم الأخبار أو شبيه به، وذلك نحو قول بعضهم في معنى قول ابن المعتز كما قال عباس وأنفي راغم إنه لم يرد الأبيات المقدم ذكرها، وإنما أراد قوله للرشيد حين هجرته ماردة:
لا بد للعاشق من وقفةٍ ... تكون بين الوصل والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم
فهذا النوع أبعد التضمينات كلها، وأقلها وجوداً، وذلك نحو قول أبي تمام:
لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرق وأحمى منك في ساعة الكرب
أراد البيت المضروب به المثل:
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقد صنعت أنا معنى الهجاء:
عرسه من غير ضيرٍ ... عرس زيد بن عمير
أبداً تزني فإن حاض ... ت تقد حباً لأير
ولها رجلان من نا ... قة كعب بن زهير
هكذا تبنى المعالي ... ليس إلا كل خير
" زيد بن عمير " هو الذي يقول في زوجته:
تقود إذا حاضت، وإن طهرت زنت ... فهي أبداً يزنى بها وتقود
و " كعب بن زهير " يقول في وصف ناقته:
تهوى على يسرات وهي لاهية ... ذوابل وقعهن الأرض تحليل
فكانت هذه المرأة في حاليها لا تقع رجلاها بالأرض: إما لكثرة مباضعة أو شدة مشي في فساد.
ومن أنواع التضمين تعليق القافية بأول البيت الذي بعدها، وقد تقدم ذكره.
وأما الإجازة فإنها بناء الشاعر بيتاً أو قسيماً يزيده على ما قبله، وربما أجاز بيتاً أو قسيماً بأبيات كثيرة، فأما ما أجيز فيه قسيم بقسيم فقول بعضهم لأبي العتاهية: أجز برد الماء وطابا فقال: حبذا الماء شرابا وأما ما أجيز فيه بيت ببيت فقول حسان بن ثابت وقد أرق ذات ليلة فقال:
متاريك أذناب الأمور إذا اعترت ... أخذنا الفروع واجتنبنا أصولها
وأجبل، فقالت ابنته: يا أبت، لا أجيز عنك، فقال: أوعندك ذاك؟ قالت: بلى، قال: فافعلي، فقالت:
مقاويل للمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سولها
قال: فحمي الشيخ عند ذاك، فقال:
وقافية مثل السنان ردفتها ... تناولت من جو السماء نزولها
فقالت ابنته:

يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها
وذكر أن العباس بن الأحنف دخل على الذلفاء فقال: أجيزي عني هذا البيت:
أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
فقالت غير مفكرة:
خاف التلون إذ أتته لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر
فحلف لها بكل الأيمان، وكانت تعزه، لئن ظهر البيت إن دخلت منزلكم أبداً، وأضافه إلى بيته.
وأما ما أجيز فيه قسيم بيت ببيت ونصف فقول الرشيد للشعراء: أجيزوا: الملك لله وحده فقال الجماز: وللخليفة بعده
وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده
واستجاز سيف الدولة أبا الطيب قول عباس بن الأحنف:
أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر؟
فصنع القصيدة المشهورة:
هواك هواي الذي أضمر ... وسرك سري فما أظهر
إلا أنه خرج فيها عن المقصد.
والإجازة في هذا الموضع مشتقة المعنى من الإجازة في السقي، يقال: أجاز فلان فلاناً، إذا سقى له أو سقاه، الشك مني، وأما اللفظة فصحيحة فصيحة.
وقال ابن السكيت: يقال للذي يرد على أهل الماء فيستقى: مستجيز: قال القطامي:
وقالوا فقيم الماء فاستجز ... عبادة؛ إن المستجيز على قتر
ويجوز أن يكون من " أجزت عن فلان الكأس " إذا تركته وسقيت غيره، فجازت عنه دون أن يشربها، فقال أبو نواس:
وقلت لساقينا أجزنا فلم أكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا
فجوزها عني عقاراً ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا
وقد تقدم ذكره الإجازة التي فيها عيوب القوافي، وذكرت اشتقاقها.
ومن هذا الباب نوع يسمى التمليط، وهو أن يتساجل الشاعران فيصنع هذا قسيماً وهذا قسيماً لينظر أيهما ينقطع قبل صاحبه، وفي الحكاية أن امرأ القيس قال للتوأم اليشكري: إن كنت شاعراً كما تقول فملط أنصاف ما أقول فأجزها، قال: نعم، قال امرؤ القيس: أحار ترى بريقاً هب وهناً فقال التوأم: كنار مجوس تستعر استعارا ف قال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال التوأم: إذا ما قلت قد هدأ استطارا ولا يزالان هكذا، يصنع هذا قسيماً وهذا قسيماً إلى آخر الأبيات.
وقد تقدم إنشادها في باب أدب الشاعر من هذا الكتاب.
وربما ملط الأبيات شعراء جماعة، كما يحكى أن أبا نواس والعباس بن الأحنف والحسين بن الضحاك الخليع ومسلم بن الوليد الصريع خرجوا في متنزه لهم ومعهم يحيى بن المعلى، فقام يصلي بهم، فنسي الحمد وقرأ " قل هو الله أحد " فأرتج عليه في نصفها، فقال أبو نواس: أجيزوا:
أكثر يحيى غلطاً ... في قل هو الله أحد
فقال عباس:
قام طويلاً ساهياً ... حتى إذا أعيا سجد
فقال مسلم بن الوليد:
يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد
فقال الخليع:
كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد
وأنشدني بعض أصحابنا هذه الأبيات على طريق الاستملاح لها والاستظراف بها، وقال: هذا الذي يعجز الناس عنه، فقلت: فما بال عباس وأبي نواس لم يقولا بعد البيت الأول:
ونسي الحمد فما ... مرت له على خلد
ولا سيما وقد كان ذلك حقيقة، وكذلك جرت الحكاية، فقال: ولمن البيت؟ فقلت: لابن وقته.
واشتاق التمليط من أحد شيئين: أولهما أن يكون من الملاطين، وهما جانباً السنام في مرد الكتفين، قال جرير:
ظللن حوالي خدر أسماء، وانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح
فكأن كل قسيم ملاط، أي: جانب من البيت، وهما عند ابن السكيت العضدان. والآخر وهو الأجود أن يكون اشتقاقه من الملاط وهو الطين يدخل في البناء يملط به الحائط ملطاً، أي: يدخل بين اللبن حتى يصير شيئاً واحداً. وأما الملط وهو الذي لا يبالي ما صنع والأملط الذي لا شعر عليه في جسده؛ فليس لاشتقاقه منهما وجه.

باب الاتساع
وذلك أن يقول الشاعر بيتاً يتسع فيه التأويل؛ فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى.
من ذلك قول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل

فإنما أراد أنه يصلح للكر والفر، ويحسن مقبلاً مدبراً، ثم قال " معاً " أي: جميع ذلك فيه، وشبهه في سرعته وشدة جريه بجلمود صخر حطه السيل من أعلى الجبل؛ فإذا انحط من عال كان شديد السرعة، فكيف إذا أعانته قوة السيل من ورائه؟؟ وذهب قوم منهم عبد الكريم إلى أن معنى قوله كجلمود صخر حطه السيل من عل إنما هو الصلابة؛ لأن الصخر عندهم كلما كان أظهر للشمس والريح كان أصلب.
وقال بعض من فسره من المحدثين: إنما أراد الإفراط، فزعم أنه يرى مقبلاً ومدبراً في حال واحدة عند الكر والفر لشدة سرعته، واعترض على نفسه، واحتج بما يوجد عياناً؛ فمثله باللجلمود المنحدر من قنة الجبل، فإنك ترى ظهره في النصبة على الحال التي ترى فيها بطنه وهو مقبل إليك، ولعل هذا ما مر قط ببال امرئ القيس، ولا خطر في وهمه، ولا وقع في خلده، ولا روعه.
ومثله قول أبي نواس: ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر فزعم من فسره أنه إنما قال " وقل لي هي الخمر " ليلتذ السمع بذكرها كما التذت العين برؤيتها، والأنف بشمها، واليد بلمسها، والفم بذوقها، وأبو نواس ما أظنه ذهب هذا المذهب، ولا سلك هذا الشعب، ولا أراه أراد إلا الخلاعة والعبث الذي بنى عليه القصيدة، ودليل ذلك أنه قال في تمام البيت: ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر ويروى " فقد أمكن الجهر " فذهب إلى المجاهرة، وقلة المبالاة بالناس، والمداراة لهم في شرب الخمر بعينها التي لا اختلاف بين المسلمين فيها.
وقد ثبت أن المأمون ذم أخاه الأمين على المنابر، وذكر في مذامه أنه صحب شاعراً من أمره ومن قصته أنه يجاهر بالمعاصي، ويقول في قصيدة أولها كذا وأنشد البيت:
فبتنا يرانا الله شر عصابة ... نجر بأذيال الفسوق ولا فخر
ومثل ذلك قول المفضل الضبي بين يدي الرشيد والكسائي حاضر في معنى قول الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
وقد سأل الأمين والمأمون: ما معناه؟ فقالا: معناه في قوله " قمراها " تغليب المستعمل عندهم؛ لأن القمر أكثر استعمالاً عند العرب من الشمس، وكذلك قولهم " العمران " لما كان عمر أطول أياماً وأكثر تأثيراً، فقال الرشيد: هكذا أخبرنا هذا الشيخ، وأشار إلى الكسائي، فقال المفضل: بل مراده بالقمرين جداك إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما، وبالنجوم الطوالع أنت وآباؤك الطيبون، فأعجب الرشيد بذلك ووصله، والفرزدق ما قصد إلى شيء من ذلك ولا أراده، ولا علم أن الرشيد بعده يكون أمير المؤمنين، وإنما أراد أن كل مشهور فاضل فهو لنا عليكم، ومنا لا منكم، فنحن أشرف بيتاً، وأظهر فضلاً، وأبعد صوتاً، إلا أن التي جاء بها المفضل ملحة أفادت مالا.
ويتعلق بهذا قول أبي الطيب يذكر الروم:
وقد بردت فوق اللقان دمائهم ... ونحن أناس نتبع البارد السخنا
أراد أنا نتبع البارد من الدماء سخنا، كأنه يتوعدهم بقتل آخر، فيكون قد أخذه من قول سويد بن كراع وهي أمه يصف كلاباً وثوراً:
فهز عليه الموت والموت دونه ... على روقه منه مذاب وجامد
وقال الأصمعي: يعني بالمذاب الحار، وبالجامد والبارد، ويجوز أن يكون أبو الطيب أراد: ونحن أناس نتبع البارد من الطعام سخنا، وكذلك أيضاً عادتنا في الدماء؛ فيكون قد فرع.
وزعم قوم في قوله يشفع لبني كلاب إلى سيف الدولة:
وتملك انفس الثقلين طراً ... فكيف تحوز أنفسها كلاب
أنه لم يرد القبيلة، وإنما أراد أن يجعلهم كلاباً على باب التحقير لقدرهم، والتلطف لهم، كما جعلهم في البيت الأول ذئاباً سراقاً، ولا أظن ذلك، بل لا أحققه؛ لأن في القصيدة:
ولو غير الأمير غزا كلاباً ... ثناه عن شموسهم ضباب
ولاقي دون ثأيهم طعاناً ... يلاقي عندها الذئب الغراب
إلا أن يحملوا على الشاعر التناقض، وينسبوه إلى قلة التحصيل؛ فذلك إليهم، على أن هذه القصيدة قليلة النظير في شعره: تناسباً، وطبعاً، وصنعة، ومثلها الرائية في وزنها وذكر القصة بعينها.

باب الاشتراك

وهو أنواع: منها ما يكون في اللفظ، ومنها ما يكون في المعنى؛ فالذي يكون في اللفظ ثلاثة أشياء: فأحدها: أن يكون اللفظان راجعين إلى حد واحد ومأخوذين من حد واحد، فذلك اشتراك محمود، وهو التجنيس، وقد تقدم القول فيه، والنوع الثاني: أن يكون اللفظ يحتمل تأويلين أحدهما يلائم المعنى الذي أنت فيه والآخر لا يلائمه ولا دليل فيه على المراد، كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكاً ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
فقوله " حي " يحتمل القبيلة، ويحتمل الواحد الحي، وهذا الاشتراك مذموم قبيح، والمليح الذي يحفظ لكثير في قوله يشبب:
لعمري لقد حببت كل قصيرة ... إلي، وما تدري بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا؛ شر النساء البحاتر
فأنت ترى فطنته لما أحس باشتراك كيف نفاه، وأعرب عن معناه الذي نحا إليه.
ومن نوع قول الفرزدق قول كشاجم يذكر الميدان:
عمرته بفتية صباح ... سمح، بأعراضهم شحاح
فنحن نعلم أنه أراد سمح شحاج بأعراضهم، ولكن فيه من اللبس ما هو أولى من التأويل.
والنوع الثالث ليس من هذا في شيء، وهو سائر الألفاظ المبتذلة للتكلم بها، لا يسمى تناولها سرقة، ولا تداولها اتباعاً؛ لأنها مشتركة لا أحد من الناس أولى بها من الآخر، فهي مباحة غير محظورة، إلا أن تدخلها استعارة، أو تصحبها قرينة تحدث فيها معنى، أو تفيد فائدة، فهناك يتميز الناس، ويسقط اسم الاشتراك الذي يقوم به العذر، ولو غيرت اللفظة وأتى بما يقوم مقامها كقول ابن أحمر:
بمقلص درك الطريدة، متنه ... كصفا الخليقة بالفضاء الملبد
فقوله " درك الطريدة " وقول الأسود بن يعفر:
بمقلص عتد جهير شده ... قيد الأوابد والرهان جواد
جميعاً كقول امرئ القيس: بمنجرد قيد الأوابد هيكل وكذلك قول أبي الطيب: أجل الظليم وربقة السرحان فأما ما ناسب قول الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه:
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه، وإن عظم الأجر
وقول أبي نواس في صفة الخمر:
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها
فهو من المشترك الذي لا يعد سرقة.
وقد نص عليه القاضي الجرجاني أنه من المنقول المتداول المبتذل.
وأما الاشتراك في المعاني فنوعان: أحدهما: أن يشترك المعنيان وتختلف العبارة عنهما، فيتباعد اللفظان، وذلك هو الجيد المستحسن، نحو قول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلل
وقول غيلان ذي الرمة:
نجلاء في برج صفراء في نعجٍ ... كأنها فضة قد مسها ذهب
فوصفا جميعاً لوناً بعينه: فشبهه الأول بلون بيضة النعام، وشبهه الثاني بلون الفضة قد خالطها الذهب يسيراً ولذلك قال " قد مسها ذهب " ونحو قول عبدة بن الطبيب يصف ثوراً وحشياً:
مجتاب نصع جديد فوق نقبته ... وفي القوائم من خال سراويل
وقال الطرماح يصف ظليماً:
مجتاب شملة برجد لسراته ... قدراً فأسلم ما سواه البرجد
فوصف الأول بياض الثور وسواد قوائمه وتخطيطها فشبه ظهره كأن عليه نصعاً جديداً، وهو الثوب الأبيض، وشبه ما في قوائمه من السواد والتخطيط بسراويل من الخال، وهو ضرب من الوشي.
وقال الثاني: إنه مجتاب شملة برجد، يريد ما على الظليم من قرونه، والبرجد: كساء أسود مخمل، وجعل الشملة قدراً لسراته دون رجليه وعنقه؛ فدل على بياضهن.
وقال عنترة:
صعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
فشبهه بعبد طويل عليه فرو أصلم، أي: قصير الذيول، وإنما خص الفرو لأنهم كانوا يلبسونه مقلوباً، وجعله عبداً لبياض ساقيه وعنقه وإشرابهما الحمرة يعني صفات الروم، ولم تكن العبيد في ذلك الوقت إلا بيضاً؛ فهذا اشتراك في وصف الظهر والقوائم واختلاف في اللفظ والعبارة.

والنوع الثاني على ضربين: أحدهما: ما يوجد في الطباع من تشبيه الجاهل بالثور والحمار، والحسن بالشمس والقمر، والشجاع بالأسد وما شابهه، والسخي بالغيث والبحر، والعزيمة بالسيف والسيل، ونحو ذلك؛ لأن الناس كلهم الفصيح والأعجم والناطق والأبكم فيه سواء؛ لأنا نجده مركبا في الخليقة أولاً.
ولآخر ضرب كان مخترعاً، ثم كثر حتى استوى فيه الناس، وتواطأ عليه الشعراء آخراً عن أول، نحو قولهم في صفة الخد " كالورد " وفي القد " كالغصن " وفي العين " كعين المهاة من الوحش " وفي العنق كعنق الظبي، وكإبريق الفضة أو الذهب فهذا النوع وما ناسبه قد كان مخترعاً، ثم تساوى الناس فيه، إلا أن يولد أحد منهم فيه زيادة، أو يخصه بقرينة؛ فيستوجب بها الانفراد من بينهم، ومثل ذلك تشبيه العزم بهبوب الريح، والذكاء بشواظ النار، وسيرد عليك من قوافي باب السرقات وما ناسبها كثير، إن شاء الله تعالى.

باب التغاير
وهو أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما، ثم يصحا جميعاً، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم وغوص أفكارهم.
من ذلك قول بعض العرب المتقدمين يذكر قوماً بأنهم لا يأخذون إلا القود دون الدية:
لا يشربون دمائهم بأكفهم ... إن الدماء الشافيات تكال
وقال آخر وقد أخذ بثأره إلا إنه فيما زعم قتل دون من قتل له، ويروى لامرأة حارثية:
فيقتل خير بامرئ لم يكن له ... بواء ولكن لا تكايل بالدم
ويروى " في فتى لم يكن له وفاء " فالأول يقول: لا آخذ بالدم لبناً، لكن آخذ دماً بقدره، فكان ذلك مكايلة، والثاني يزعم أن قتيله قليل المثل والنظير، فمتى لم يقتل به إلا نظيره بعد انتقامه، وعسر إدراكه الثأر فقال: إن الدماء ليست مما يكايل به في الحقيقة، وقيل: إنما يعني بذلك أن الإسلام لما جاء أزال المكايلة بالدم؛ فكانوا لا يقتلون بالرئيس إلا رئيساً مثله.
ومن هذا الباب قول أبي تمام في التكرم يفضله على الكرم المطبوع:
قد بلونا أبا سعيد حديثاً ... وبلونا أبا سعيد قديماً
ووردناه سائحاً وقليباً ... ورعيناه بأرضاًً وجميماً
فعلمنا أن ليس إلا بشق الن ... فس صار الكريم يدعى كريماً
وقال أبو الطيب في خلافه:
لو كفر العالمون نعمته ... لما عدت نفسه سجاياها
كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... تكرمة عندهم ولا جاها
وإلى هذا المذهب نحا السيد أبو الحسن في قوله:
جبر الكسير إذا يهاض جناحه ... لجأ المطرد مستغاث المملق
جمع الفضائل والمحامد والعلا ... خلق لعمر أبيك غير تخلق
وأصل معنى قول أبي الطيب من قول بشار:
ليس يعطيك للرجاء وللخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
وقال البحتري في نحو ذلك:
لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر؟!
وكان أبو الطيب لقدرته واتساعه في المعاني كثيراً ما يخالف الشعراء ويغاير مذاهبهم، ألا ترى إلى قول علي بن العباس النوبختي وهو في رواية الجرجاني لابن الرومي يصف القلم ويفضله على السيف، وكتب بذلك إلى علي بن مقلة في قصيدة:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم
وهذا كلام متقن البنية، صحيح المعنى، لا مطعن فيه، فجاء أبو الطيب فخالفه وذهب مذهباً آخر يشهد بصحته العيان، ويصححه البرهان، فقال:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بذا أبداً قبل الكتاب بها ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
ومن التغاير قول الفرزدق يصف إبله ويفخر:
ألم تسمعا يا بني حكيم حنينها ... إلى السيف تستبكي إذا لم تعقر
فجعلها إذا لم تعقر حنت إلى السيف واستبكت؛ لكثرة عادتها، وهذا غلو مفرط، وكان في مكان آخر يصفها بالجزع إذا رأت الضيف لعلمها أنها تنحر له:
ترى النيب من ضيفي إذا ما رأينه ... ضموراً على جراتها ما تجيزها

فزعم أنها تخفي حسها حتى إنها لا تجتر خوفاً من النحر، وهذا المعنى مأخوذ من بيتين مدح بهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهما:
وأبيك حقاً إن إبل محمد ... عزل نوائح أن تهب شمال
وإذا رأين لدى الفناء غريبة ... فدموعهن على الخدود سجال
يقول: إذا هبت الشمال وهي من رياح الشتاء، وعلامات المحل أيقن أن رسول الله عليه وسلم ينحرهن للضيفان والجيران؛ فهي نوائح لذلك، وقوله وإذا رأين لدى الفناء غريبة أي: يعرفن بذلك أنها ناقة ضيف فتذري كل واحدة دمعها، لا تدري هل هي النحورة، وهذا من مليح الشعر ولطيف المدح، وقل كل مديح لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن مليح التغاير قول أبي الشيص:
أجد الملامة في هوام لذيذة ... حباً لذكرك؛ فليلمني اللوم
وقول أبي الطيب في عكس هذا:
أأحبه وأحب فيه ملامة؟ ... إن الملامة فيه من أعدائه
وهذا عند الجرجاني هو النظر والملاحظة، وهو يعده في باب السرقات، قال: وأصله من قول أبي نواس:
إذا غاديتني بصبوح عذل ... فممزوجاً بتسمية الحبيب
ولأبي العلاء المعري مثله من غير التزام:
لم يبق غير العذل من أسبابهم ... فأحب من يدنو إلي عذول
يغدو فر مستخبر عن حالهم ... غيري، ولا مستخبر مسئول

باب التصرف ونقد الشعر
يجب للشاعر أن يكون متصرفاً في أنواع الشعر: من جد وهزل، وحلو وجزل، وأن لا يكون في النسيب أبرع منه في الرثاء، ولا في المديح أنفذ منه في الهجاء، ولا في الافتخار أبلغ منه في الاعتذار، ولا في واحد مما ذكرت أبعد منه صوتاً في سائرها؛ فإنه متى كان كذلك حكم له بالتقدم، وحاز قصب السبق، كما حازها بشار بن برد، وأبو نواس بعده.
حكى الصاحب بن عبادة في صدر رسالة صنعها على أبي الطيب، قال: حدثني محمد بن يوسف الحمادي، قال: حضرت بمجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد حضره البحتري، فقال: يا أبا عبادة، أمسلم أشعر أم أبو نواس؟ فقال: بل أبو نواس؛ لأنه يتصرف في كل طريق، ويبرع في كل مذهب: إن شاء جد، وإن شاء هزل، ومسلم، ومسلم يلزم طريقاً واحداً لا يتعداه، ولا يتحقق بمذهب لا يتخطاه فقال له عبيد الله: إن أحمد بن يحيى ثعلباً لا يوافقك على هذا، فقال: أيها الأمير، ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله؛ فإنما يعرف الشعر من دفع إلى مضايقه، فقال: وريت بك زنادي يا أبا عبادة، إن حكمك في عميك أبي نواس ومسلم وافق حكم أبي نواس في عميه جرير والفرزدق؛ فإنه سئل عنهما ففضل جريراً، فقيل: إن أبا عبادة لا يوافقك على هذا، فقال: ليس هذا من علم أبي عبيدة؛ فإنما يعرفه من دفع إلى مضايق الشعر، وقد خالف البحتري أبا نواس في الحكم بين جرير والفرزدق، فقدم الفرزدق، قيل له: كيف تقدمه وجرير أشبه طبعاً بك منه؟ فقال: إنما يزعم هذا من لا علم له بالشعر، جرير لا يعدو في هجائه الفرزدق ذكر القين وجعثن وقتل الزبير، والفرزدق يرميه في كل قصيدة بآبدة، حكى ذلك غير واحد من المؤلفين.
فإذا كان هذا فقد حكم له بالتصرف، وبهذا أقول أنا، وإياه أعتقد فيهما، وإذا لم يكن شعر الشاعر نمطاً واحداً لم يمله السامع، حتى إن حبيباً ادعى ذلك لنفسه في القصيدة الواحدة فقال:
الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسخف، والأشجان والطرب
وقد كان إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:
لا يصلح النفس إذ كانت مصرفة ... إلا التصرف من حال إلى حال
وأنشد الصاحب لأبي أحمد يحيى بن علي المنجم في نقد الشعر:
رب شعر نقدته مثل ما ين ... قد رأس الصيارف الدينارا
ثم أرسلته فكانت معاني ... ه وألفاظه معاً أبكارا
لو تأتى لقالة الشعر ما أس ... قط منه الحلو به الأشعارا
إن خير الكلام ما يستعير النا ... س منه ولم يكن مستعارا
وقال الجاحظ:

طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبه فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب: كالحسن بن وهب، ومحمد بن عبد الملك الزيات.
قال الصاحب على أثر هذه الحكاية: فلله أبو عثمان، فلقد غاص على سر الشعر، واستخرج أرق من السحر.
وسأذكر بعد هذا الباب قطعة من أشعار الكتاب يظهر فيها مرماهم، ويستدل به على مغزاهم، ويعرف حسن اختيار الجاحظ فيما ذهب إليه من تفضيلهم، ويشهد لي بجودة الميز، وفرط التثبت والإنصاف، إن شاء الله تعالى.

باب في أشعار الكتاب
والكتاب أرق الناس في الشعر طبعاً، وأملحهم تصنيعاً، وأحلاهم ألفاظاً، وألطفهم معاني، وأقدرهم على تصرف، وأبعدهم من تكلف.
وقد قيل: الكتاب دهاقين الكلام، وما نزيدك على قول إبراهيم بن العباس الصولي بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر فقال ارتجالاً:
صد عني وصدق عني الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا
فطرب له المتوكل واهتز ووصله، وخلع عليه وحمله، وجدد له ولاية. وقيل له في التلطف والاستعطاف أكثر من هذا، وأي مدح أبرع وأبدع من قوله في الفضل بن سهل:
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل
ونائلها للغنى ... وسطوتها للأجل
أليس هذا الماء الزلال، والسحر الحلال؟؟ ولقد أجاد ابن الرومي في تناوله هذا المعنى حين قال:
مفبل ظهر الكف، وهاب بطنها ... له راحة فيها الحطيم وزمزم
فظاهرها للناس ركن مقبل ... وباطنها عين من الجود عيلم
إلا أن الأول أخف وزناً، وأرشق لفظاً ومعنى. وهذان البيتان وإن كانت فيهما زيادة فإنما هما بإزاء البيت الأوسط من أبيات إبراهيم فقط..
ومن تغزل إبراهيم قوله:
أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون
ولو أني نظرت بكل عين ... لما استقصت محاسنك العيون
فهذا وأبيك البيان، والخبر الذي كأنه العيان.
وما أجد كل حلاوة وحسن طلاوة، إلا دون قوله:
ابتداء بالتجني ... واقتضاء بالتظني
واشتفاء بتجني ... ك لأعدائك مني
بأبي قل لي لكي أع ... لم لم أعرضت عني
قد تمنى ذاك أعدا ... ئي، فقد نالوا التمني
وأما الهجاء فقد بلغ فيه أبعد الغايات بقوله في محمد بن عبد الملك الزيات:
فكن كيف شئت وقل ما تشاء ... وأرعد يميناً وأبرق شمالاً
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا
ومن شعر محمد بن عبد الملك الزيات قوله لأحمد بن أبي دؤاد، وقد أمر الواثق أن يقوم جميع الناس لابن الزيات، ولم يجعل في ذلك رخصة لأحد، وكان ابن أبي دؤاد يشتغل بصلاة الضحى إذا أحس بقدومه أنفةً من القيام إليه في دار السلطان، وامتثالاً للأمر، فصنع ابن الزيات:
صلى الضحى لما استفاد عداوتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعد من عداوة مشئومة ... تركتك تقعد تارةً وتقوم
ومن تغزله قوله، وهو في غاية العذوبة:
قام بقلبي وقعد ... لما نفى عني الجلد
يا صاحب القصر الذي ... أسهر عيني ورقد
واعطشي إلى فمٍ ... يمج خمراً من برد
إن قسم الناس فحس ... بي بك من كل أحد
وقال يرثي جاريته سلوانة، وهي أم ولده عمر الأصغر:
يقول لي الخلان: لو زرت قبرها ... فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟
على حين لم أحدث فأجهل قدرها ... ولم أبلغ السن التي معها الصبر
وقال أيضاً وأحسن ما شاء:
مالي إذا غبت لم أذكر بواحدة ... وإن مرضت فطال السقم لم أعد
ما أعجب شيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي
ومن شعره في هذا الباب مقطعات متفرقة تغني عن الإكثار منه ههنا.

وأما الحسن بن وهب فمن قوله:
لم تنم مقلتي لطول بكاها ... ولما جال فوقها من قذاها
فالقذى كحلها إلى أن ترى وج ... ه سليمى، وكيف لي أن تراها؟!
أسعدت مقلتي بإدمانها الدم ... ع وهجرانها الكرى مقلتاها
فلعيني في كل حين دموع ... إنما تستدرها عيناها
وقدم إليه كانون، ومعه قينة كان يهواها، فأمرت بإبعاد الكانون، فصنع:
بأبي كرهت النار حتى أبعدت ... فعرفت ما معناك في إبعادها
هي ضرة لك بالتماع شعاعها ... وبحسن صورتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها ... بأراكها وسيالها وعرادها
شركتك في كل الجهات بحسنها ... وضيائها وصلاحها وفسادها
ومن مليح الشعر قوله يمدح محمد بن عبد الله بن ظاهر غب مطر:
هطلتنا السماء هطلا دراكا ... جاوز المزربان فيه السماكا
قلت للبرق إذ تألق فيه: ... يا زناد السماء من أوراكا
أحبيباً أحببته فجفاكا؟ ... فعسى ذاك أن يعود كذاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العب ... اس في جوده؟ فلست هناكا
وهذا هو الكلام الكتابي، السهل، المرسل، الحسن الطلاوة، والظاهر الحلاوة.
ومن قوله يرثى حبيباً الطائي، وكان صديقاً له جداً:
سقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن به نحيبا
إذا أظللنه أطلقن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا
ولطمت البروق له خدوداً ... وشققت الرعود له جيوبا
فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيباً كان يدعى لي حبيبا
وهي قصيدة كاملة أتيت بهذا منها معرضاً.
ومن شعراء الكتاب سعيد بن حميد الكاتب، وهو القائل في طول الليل:
يا ليل، بل يا أبد ... أنائم عنك غد؟
يا ليل، لو تلقى الذي ... ألقى بها أو أجد
قصر من طولك أو ... أضعف منك الجلد
ورواه قوم أنحل من منك الجسد والأول عندي أصوب، وعلى كل حال فمنه أخذ أبو الطيب قوله:
ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي ... فتظهر فيه رقة ونحول
وليس يلزم الكاتب أن يجاري الشاعر في أحكام صنعة الشعر؛ لرغبة الكتاب في حلاوة الألفاظ وطيرانها، وقلة الكلفة، والإتيان بما يخف على النفس منها؛ وأيضاً فإن أكثر أشعارهم إنما يأتي تظرفاً، لا عن رغبة ولا رهبة، فهم مطلقون مخلون في شهواتهم، مسامحون في مذاهبهم؛ إذ كانوا إنما يصنعون الشعر تخيراً واستظرافاً، كما قال كشاجم الكاتب:
ولئن شعرت فما تع ... مدت الهجاء ولا المديحه
لكن رأيت الشعر لل ... آداب ترجمة فصيحه
وعلى هذا النمط يجري الحكم في أشعار الخلفاء، والأمراء، والمترفين من أهل الأقدار: لا يحاسبون فيها محاسبة الشاعر المبرز الذي الشعر صناعته، والمديح بضاعته.
وقد أعرب أبو الفتح بن العميد وأغرب في قوله:
فإن كان مرضياً فقل: شعر كاتب ... وإن كان مسخوطاً فقل: شعر كاتب
ولو حاولت أن أذكر من علمت من شعراء الكتاب سوى من ذكرت لبعد الأمد، وطالت الشقة، واحتجت إلى أن أقيم لهذا الفن ديواناً مفرداً؛ لكني عولت على ابن الزيات، وابن وهب؛ لإحالة الجاحظ في الفضل عليهما، وآنستهما باثنين ليسا بدونهما، ولو لم آت بهذا الباب إلا بما بنيته عليه من ذكر أشعار السيد الرئيس أبي الحسن أيده الله لكان ذلك فوق الرضا والكفاية.
فمن ذلك قوله:
باكر الراح ودع عنك العدل ... واسع في الصحة من قبل العلل
واغتنم لذة يوم زائل ... فالمنايا ضاحكات بالأمل
ما ترى الساقي كشمس طلعت ... تحمل المريخ في برج الحمل
مائساً كالغصن في دعص نقاً ... فاتن المقلة زينت بالكحل
وقوله أيضاً يتغزل:
مر بنا يهتز في مشيه ... مثل اهتزاز الغصن الرطب
فمقلتي ترتع في حسنه ... ومقلتاه أحرقت قلبي
قوله " أحرقت " وهما مقلتان كقول بعضهم، وأنشده أبو الجراح في طبقات الشعراء:

أشركت عيناه ظالمة ... في دمي يا عظم ما جنت
فقال " ظالمة " وقال " جنت " لأن التثنية جمع في الحقيقة، والجماعة تخبر عنها كما تخبر عن الواحد: لمكان التأنيث، والشاهد من قول القدماء قول أحدهم:
لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل
فقال " تنهل " وكان حقه أن يقول " تنهلان " لكن العلة ما قدمت.
ومن الموعظة الحسنة البالغة قوله:
أمن الزمان زمانة العقل ... فاخش الإله وحل عن الجهل
واعلم بأنك في الحساب غداً ... تجزى بما قدمت من فعل
ومن تشكي أحوال الناس وقلة ثقتهم وإنصافهم قوله:
أيا رب، إن الناس لا ينصفونني ... ولم يحسنوا قرضي على حسناتي
إذا ما رأوني في رخاء ترددوا ... إلي، وأعدائي لدى الأزمات
ومهما أكن في نعمة حزنوا لها ... ذوو أنفس في شدة جذلات
ثقاتي ما دامت صلاتي لديهم ... وإن عنهم أخرتها فعداتي
سأمنع قلبي أن يحن إليهم ... وأصرف عنهم قالياً لحظاتي
وألزم نفسي الصبر دأبا لعلني ... أعاين ما أملت قبل مماتي
ألا إنما الدنيا كفاف وصحة ... وأمن، ثلاث هن طيب حياتي
قوله " ثلاث " يعني ثلاث خصال أو ثلاث أحوال، كما قال طرفة: فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ثم فسرهن فقال: فمنهن سبق العاذلات بشربة وكرى إذا نادى المضاف مجنباً وتقصير يوم الدجن والسبق والتقصير والكر كلها مذكرة، لكن أراد ما قدمت.
ومن أحسن الأشعار قوله:
خليلي، إن لم تسعداني فأقصرا ... فليس يداوي بالعتاب المتيم
تريدان مني النسك في غير حينه ... وغصني ريان ورأسي أسحم
وقوله في قصيدة طويلة:
غراء واضحة ينوس بقرطها ... جيد حكى جيد الغزال الأعنق
صدت فأغرت بالسجوم مدامعي ... والعين تذرف بالدموع السبق
تشكو البعاد إذا بعدت تصبراً ... وإن ارتجعت إلى الزيارة تفرق
ولقد يبيت أخو المودة لائمي ... في حبها لوم الشفيق المشفق
حتى إذا طلعت فأبصر شخصها ... أخزى جهالة لائمي المستحمق
كم قد قطعت بوصلها من ليلة ... وبشرب صافية كلون الزئبق
يسعى بها كالبدر ليلة تمه ... سحار ألحاظ رخيم المنطق
آليت أترك ذا وتلك وهذه ... حتى يفارقني سواد المفرق
فلله سلامة هذا الطبع واندفاعه، وقرب هذا اللفظ واتساعه، ولله رقة معانيه وإرهافها، وظهورها مع ذلك وانكشافها، ولطف مواقعها من القلوب، وسرعة تأثيرها في النفوس، وسيرد من شعره فيما بعد ما لاق بالمواضع التي يذكر فيها، إن شاء الله تعالى.

باب في أغراض الشعر وصنوفه
وهو بسط لما بعده من الأبواب، وقد فرط البسط له، وفرغ من مقدمته في باب حد الشعر وتبيينه، وأنا ذاكر هنا ما لا بد منه.
تكلم قوم في الشعر عند أبي الصقر إسماعيل بن بلبل من حيث لا يعلمون فكتب إليه أبو العباس الناشئ:
لعن الله صنعة الشعر، ماذا ... من صنوف الجهال فيها لقينا؟
يؤثرون الغريب منه على ما ... كان سهلاً للسامعين مبينا
ويرون المحال شيئاً صحيحا ... وخسيس المقال شيئاً ثميناً
يجهلون الصواب منه، ولا يد ... رون للجهل أنهم يجهلونا
فهم عند من سوانا يلامو ... ن، وفي الحق عندنا يعذرونا
إنما الشعر ما تناسب في النظ ... م، وإن كان في الصفات فنونا
فأتى بعضه يشاكل بعضاً ... قد أقامت له الصدور المتونا
كل معنى أتاك منه على ما ... تتمنى لو لم يكن أن يكونا
فتناهى عن البيان إلى أن ... كاد حسناً يبين للناظرينا
فكان الألفاظ فيه وجوه ... والمعاني ركبن فيه عيونا
فائتاً في المرام حسب الأماني ... فيجلي بحسنه المنشدينا
فإذا ما مدحت بالشعر حرا ... رمت فيه مذاهب المسهبينا

فجعلت النسيب سهلاً قريباً ... وجعلت المديح صدقا مبينا
وتنكبت ما تهجن في السم ... ع، وإن كان لفظه موزونا
وإذا ما قرضته بهجاء ... عفت فيه مذاهب المرفثينا
فجعلت التصريح منه دواء ... وجعلت التعريض داء دفينا
وإذا ما بكت فيه على الغا ... دين يوماً للبين والظاعنينا
حلت دون الأسى وذللت ما كا ... ن من الدمع في العيون مصونا
ثم إن كنت عاتبا شبت في الوع ... د وعيدا وبالصعوبة لينا
فتركت الذي عتبت عليه ... حذراً آمنا، عزيزاً مهينا
وأصح القريض ما فات في النظ ... م، وإن كان واضحا مستبينا
وإذا قيل أطمع الناس طرا ... وإذا ريم أعجز المعجزينا
قال أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضائه، حتى قصدت أبا تمام؛ فانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة، تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا، والمعنى رشيقا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، وتقاض المعاني، واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين: فما استحسنته العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله تعالى.
قال صاحب الكتاب: قد كنت أردت ذكر هذا الفصل فيما تقدم من باب عمل الشعر وشحذ القريحة له، فلم أثق بحفظي فيه، حتى صححته فأثبته بمكانه من هذا الباب.
ومن قول الناشئ في معنى شعره الأول:
الشعر ما قومت زيغ صدوره ... وشددت بالتهذيب أسر متونه
ورأيت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز عور عيونه
وجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمه ومعينه
فإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شؤونه
وإذا مدحت به جواداً ماجداً ... وفيته بالشكر حق ديونه
أصفيته بنفيسه ورصينه ... وخصصته بخطيره وثمينه
فيكون جزلاً في اتساق صنوفه ... ويكون سهلاً في اتفاق فنونه
فإذا أردت كناية عن رتبة ... باينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... ببيانه وظنونه بيقينه
وإذا عتبت على أخٍ في زلةٍ ... أدمجت شدته له في لينه
فتركته مستأنساً بدماثة ... مستيئساً لوعوثه وحزونه
وإذا نبذت إلى التي علقتها ... إن صارمتك بفاتنات شؤونه
تيمتها، بلطيفه ودقيقه ... وشغفتها بخبيه وكمينه
وإذا اعتذرت إلى أخ من زلة ... واشكت بين محيله ومبينه
وهذا حين أبدأ بالكلام على هذه الأغراض والصنوف واحداً فواحداً، إن شاء الله سبحانه وتعالى.

باب النسيب
حق النسيب أن يكون حلو الألفاظ رسلها، قريب المعاني سهلها، غير كز ولا غامض، وأن يختار له من الكلام ما كان ظاهر المعنى، لين الإيثار، رطب المكسر، شفاف الجوهر، يطرب الحزين، ويستخف الرصين.
وروى أبو علي إسماعيل بن القاسم، عن ابن دريد، عن أبي حاتم، عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن رواية كثير قال: كنت مع جرير وهو يريد الشام فطرب، وقال: أنشدني لأخي بني مليح يعني كثيراً فأنشدته حتى انتهيت إلى قوله:

وأدنيتني حتى إذا ما سنيتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح
فقال: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي النخير لنخرت حتى يسمع هشام على سريره..
وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحداً لا يشتهي النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.
والنسيب والتغزل والتشبيب كلها بمعنى واحد.. وأما الغزل فهو إلف النساء، والتخلق بما يوافقهن، وليس مما ذكرته في شيء؛ فمن جعله بمعنى التغزل فقد أخطأ، وقد نبه على ذلك قدامة وأوضحه في كتابه نقد الشعر.
وقال الحاتمي: من حكم النسيب الذي يفتتح به الشاعر كلامه أن يكون ممزوجاً بما بعده من مدح أو ذم، متصلاً به، غير منفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر بالجسم عاهة تتخون محاسنه، وتعفي معالم جماله، ووجدت حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون من مثل هذه الحال احتراساً يحميهم من شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان.
ومن مختار ما قيل في النسيب قول المرار العدوي.
وهي هيفاء هضيم كشحها ... فخمة حيث يشد المؤتزر
صلتة الخد طويل جيدها ... ضخمة الثدي ولما ينكسر
يضرب السبعون في خلخالها ... فإذا ما أكرهته ينكسر
لا تمس الأرض إلا دونها ... عن بلاط الأرض ثوب منعفر
تطأ الخز ولا تكرمه ... وتطيل الذيل منه وتجر
ثم تنهد على أنماطها ... مثل ما مال كثيب منقعر
عبق العنبر والمسك بها ... فهي صفراء كعرجون العمر
أملح الناس إذا جردتها ... غير سمطين عليها وسور
قال عبد الكريم: هذه أملح وأشرف ما وقع في الوصف، وهي أشبه بنساء الملوك.
وأنشد لغيره:
قليلة لحم الناظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد
أرادت لتنتاش الرواق فلم أقم ... إليه، ولكن طأطأته الولائد
تناهى إلى لهو الحديث كأنها ... أخو سقطة قد أسلمته العوائد
وأنواع النسيب كثيرة، وهذا الذي أنشدته أفضلها في مذاهب المتقدمين، وللمحدثين طريق غير هذه كثيرة الأنواع أيضاً: فما أختار من ذلك ما ناسب قول أبي نواس:
حلت سعاد وأهلها سرفاً ... قوماً عدى ومحلة قذفا
وكأن سعدي إذ تودعنا ... وقد اشرأب الدمع أن يكفا
رشا تواصين القيان به ... حتى عقدن بأذنه شنفا
فإن هذا في غاية الجودة ونهاية الإحسان، وما ناسب قول مسلم بن الوليد:
أحب التي صدت وقالت لتربها: ... دعيه، الثريا منه أقرب من وصلي
أماتت وأحيت مهجتي فهي عندها ... معلقة بين المواعيد والمطل
وما نلت منها نائلاً غير أنني ... بشجو المحبين الألى سلفوا قبلي
بلى، وربما وكلت عيسى بنظرة ... إليها تزيد القلب خبلاً على خبل
ومن الجيد قول الوليد بن عبيد البحتري:
رددن ما خففت منه الخصور إلى ... ما في المآزر فاستثقلن أردافاً
إذا نضين شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافاً
والبحتري أرق الناس نسيباً، وأملحهم طريقة، ألا تسمع قوله:
إني وإن جانبت بعض بطالتي ... وتوهم الواشون أني مقصر
ليشوقني سحر العيون المجتلي ... ويروقني ورد الخدود الأحمر
وشعره من هذا النمط، لا سيما إن ذكر الطيف؛ فإنه الباب الذي شهر به، ولم يكن لأبي تمام حلاوة توجب له حسن التغزل، وإنما يقع له من ذلك التافه اليسير في خلال القصائد، مثل قوله:
بت أرعى الخدود حتى إذا ما ... فارقوني بقيت أرعى النجوما
وقوله أول قصيدة:
أرامة، كنت ما لف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس المقيم
أدار البؤس، حسنك التصابي ... إلي فصرت جنات النعيم
ومما ضرم البرجاء أني ... شكوت فما شكوت إلى رحيم

وأما أبو الطيب فمن مليح ما سمعت له قوله:
كئيباً توقاني العواذل في الهوى ... كما يتوقى ريض الخيل حازمه
قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية، والمتلف الشيء غارمه
سقاك وحيانا بك الله، إنما ... على العيس نور والخدور كمائمه
فقد جاء بأملح شيء وأوفاه من الظرافة والغرابة.
وقوله يذكر ربع أحبابه:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا
نذم السحاب الغر في فعلها به ... ونعرض عنها كلما طلعت عتبا
وقال في ذكر الديار أيضاً:
ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت أستشفي بلثم المناسم
ديار اللواتي دارهن عزيزة ... بسمر القنا يحفظن لا بالتمائم
حسان التثني ينقش الوشي مثله ... إذا مسن في أجسامهن النواعم
ويبسمن عن در تقلدن مثله ... كأن التراقي وشحت بالمباسم
ورد جماعة من الكتاب على العتابي، وهو بحلب، وفي يده رقعة، وقد أطال فيها النظر والتأمل، فقال: أرأيتم الرقعة التي كانت في يدي؟ قالوا: نعم، قال: لقد سلك صاحبها وادياً ما سلكه غيره، فلله دره، وكان في الرقعة قول أبي نواس:
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفى عليه بكى عليك طويل
يا ناظراً ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيل
روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: أغزل بيت قالته العرب قول عمر بن أبي ربيعة:
فتضاحكن وقد قلن لها: ... حسن في كل عين من تود
وكان الأصمعي يقول: أغزل بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
وحكى عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أنه قال: لم تقل العرب بيتاً أغزل من قول جميل بن معمر:
لكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل عندهن شهيد
وفضلته بهذا البيت سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم، وأثابته به دون جماعة من حضر من الشعراء.
وقال بعضهم: الأحوص من أغزل الناس بقوله:
إذا قلت أني مشتف بلقائها ... وحم التلاقي بيننا زادني سقما
وقال غيره: بل جميل بقوله:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود
وقال آخر: بل جرير بقوله:
فلما التقى الحيان ألقيت العصي ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
والأحوص عندهم أغزلهم في هذه الأبيات الثلاثة؛ لزيادته سقماً إذا التقى المحبوب.
وقال الحاتمي: أغزل ما قالته العرب قول أبي صخر:
فيا حبذا زدني جوى كل ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
وقال أبو عبيدة: ما حفظت شعراً لمحدث، إلا قول أبي نواس:
كأن ثيابه أطلع ... ن من أزراره قمرا
يزيدك وجهه حسناً ... إذا ما زدته نظرا
بعين خالط التفت ... ير من أجفانها الحورا
وخد سابري لو ... تصوب ماؤه قطرا
وللشعراء أسماء تخف على ألسنتهم وتحلو أفواههم، فهم كثيراً ما يأتون بها زوراً نحو: ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، وأروى، وريا، وفاطمة، ومية، وعلوة، وعائشة، والرباب، وجمل، وزينب، ونعم، وأشباههن.
ولذلك قال مالك بن زغبة الباهلي، أنشده الأصمعي:
ما كان طبي حبها غير أنه ... يقام بسلمى للقوافي صدورها
وأما عزة وبثينة فقد حماهما كثير وجميل، حتى كأنهما حرما على الشعراء..
وربما أتى الشعراء بالأسماء الكثيرة في القصيدة؛ إقامة للوزن، وتحلية للنسيب، كما قال جرير:
أجد رواح القوم؟ بل لات روحوا ... نعم كل من يعنى بجمل مبرح
ثم قال بعد بيت واحد:
إذا سايرت أسماء يوماً ظعائناً ... فأسماء من تلك الظعائن أملح
ظللن حوالي خدر أسماء فانتحى ... بأسماء موار الملاطين أروح
صحا القلب عن أسما وقد برحت به ... وما كان يلقى من تماضر أبرح
وأما قول السيد الحميري:
ولقد تكون بها أوانس كالدمى ... هند وعبدة والرباب وبوزع

فإنه ثقيل من أجل بوزع.
وأنكر هذه اللفظة عبد الملك بن مروان على جرير، فما ظنك بالسيد الحميري؟ وكلما كانت اللظة أحلى كان ذكرها في الشعر اشهى، اللهم إلا أن يكون الشاعر لم يزور الاسم، وإنما قصد الحقيقة لا إقامة الوزن؛ فحينئذ لا ملامة عليه، ما لم يجد في الكنية مندوحة..
وقال يزيد بن أم الحكم:
أمسى بأسماء هذا القلب معموداً ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا
كان أحور من غزلان ذي بقر ... أهدى لعائشة العينين والجيدا
على أن بعضهم رواه " أهدى لها شبه العينين " وهو أجود لا محالة، ومثل هذا كثير في أشعار القدماء، ولست أرى مثله من عمل المحدثين صواباً، ولا علمته وقع لأحد منهم، إلا ما ناسب قول السيد المتقدم آنفاً، وقول أبي تمام الطائي:
وإن رحلت في ظعنهم وحدوجهم ... زيانب من أحبابنا وعواتك
ومن عيوب هذا الباب أن يكثر التغزل ويقل المديح، كما يحكى عن شاعر أتى نصر بن سيار بأرجوزة فيها مائة بيت نسيباً وعشرة أبيات مديحاً، فقال له نصر: والله ما أبقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيفاً إلا وقد شغلته عن مديحي بنسيبك، فإن أردت مديحي فاقتصد في النسيب، فغدا عليه فأنشده:
هل تعرف الدار لأم عمرو؟ ... دع ذا وحبر مدحة في نصر
فقال نصر: لا هذا ولا ذاك، ولكن بين الأمرين.
فأما مذهبه الأول في طول النسيب وقصر المديح فإن نصيباً اتبعه فيه، ولكن ذاك منه إنما كان على اقتراح في القصيدة التي مدح بها بني جبريل، وأما المذهب الثاني فانتحله أبو الطيب في قوله:
واحر قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
ثم خرج إلى المدح في البيت الثاني.
ويعاب على الشاعر أن يفتخر أو يتعاطى فوق قدره، كما أخذ على عباس قوله:
فإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتي ... مصاليت قومي من حنيفة أو عجل
وعيب على الفرزدق وهو صميم بني تميم قوله:
يا أخت ناجية بن سامة إنني ... أخشى عليك بني إن طلبوا دمي
اللهم إلا أن يكون النسيب الذي يصنع مجازاً كالذي في بسط القصائد، فإن ذلك لا بأس به، ولا مكروه فيه.
وسمع ابن أبي عتيق قول ابن أبي ربيعة المخزومي:
بينما ينعتنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ ... قالت الوسطى: نعم، هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها: ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر!؟
فقال له: أنت لم تنسب بهن، وإنما نسبت بنفسك، وإنما كان ينبغي لك أن تقول: قالت لي فقلت لها، فوضعت خدي فوطئت عليه.
وكذلك قال له كثير لما سمع قوله:
قالت لها أختها تعاتبها ... لا تفسدن الطواف في عمر
قومي تصدي له لأبصره ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري
أهكذا يقال للمرأة؟؟ إنما توصف بأنها مطلوبة ممتنعة.
قال بعضهم أظنه عبد الكريم : العادة عند العرب أن الشاعر هو المتغزل المتماوت، وعادة العجم أن يجعلوا المرأة هي الطالبة والراغبة المخاطبة، وهنا دليل كرم النجيزة في العرب وغيرتها على الحرم.
وعاب كثير على نصيب قوله:
أهيم بدعد ما حييت، فإن أمت ... فيا ليت شعري من يهيم بها بعدي
حتى إنه قال له: كأنك اغتممت لمن يفعل بها بعدك، وهو لا يكنى..
ومثل هذه الحكاية ما قاله بعض الكتاب وقد دخل على علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهو محبوس فقال: أين هذا الجعفري الذي يتديث في شعره؟ قال علي: فعلمت أنه يريدني لقولي:
ولما بدا لي أنها لا تحبني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي، لعلها ... تذوق صبابات الهوى فترق لي
فما كان إلا عن قليل وأشغفت ... بحب غزال أدعج الطرف أكحل
وعذبها حتى أذاب فؤادها ... وذوقها طعم الهوى والتذلل
فقلت لها: هذا بهذا، فأطرقت ... حياء، وقالت: كل من عايب ابتلي
فقلت: أنا هو جعلت فداك، وأنا الذي أقول في الغيرة:

ربما سرني صدودك عني ... وطلابيك وامتناعك مني
حذراً أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التمني
ويعاب ما ناسب قول الآخر، وهو جميل:
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
لأن الصواب قول عباس، أو مسلم:
أبكي وقد ذهب الفؤاد، وإنما ... أبكي لفقدك لا لفقد الذاهب
فأما طرد الخيال والمجاورة في المحبة فهو مذهب مشهور، وقد ركبه جلة الشعراء، ورواه رواة: منهم طرفة، ولبيد، ثم جرير، ثم جميل، فقال طرفة، وهو أول من طرقه:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها، فإني واصل حبل من وصل
وقال لبيد في مثل ذلك:
فاقطع لبانة من تعرض وصله ... ولشر واصل خلة صرامها
يقول: اقطع المزار ممن تعرض وصله للقطيعة ويقال: تعرض الشيء، إذا فسد، حكاه الخليل فإن شر من وصلك من قطعك بلا ذنب، يريد الذي تعرض وصله، ومن الناس من رواه ولخير واصل خلة صرامها يقول: إن خير من وصل الخلة من قطعها باستحقاق، يعني نفسه..
وقال جرير:
طرقتك صائدة القلوب، وليس ذا ... وقت الزيارة، فارجعي بسلام
على أن قوماً زعموا أنه كان محرماً، فلذلك طرد الخيال، كأنه تحرج وليس طرد عتب.
وقال جميل:
ولست وإن عزت علي بقائل ... لها بعد صرم: يا بثين صليني
وجرى على سنن هؤلاء جماعة من المولدين، واعتقدوا هذا المبدأ قولا وفعلاً، حتى تعداه بعضهم إلى القتل، مثل عبد السلام بن رغبان، ونصر الخابز أرز ومن شاكلهما من الشطار، إلا أن أصل هذا المذهب عند قدامة فاسد، وعاب عن نابغة بني تغلب واسمه الحارث بن عدوان، أحد بني زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب قوله:
بخلنا لبخلك لو تعلمين ... وكيف يعيب بخيل بخيلاً؟
لأن الواجب عنده في التغزل أن يكون على خلاف هذا، وكل ما لا يليق بالمحبوب فهو مكروه في باب النسيب.
قالت عزة لكثير يوماً ويقال بثينة ما أردت بنا حين قلت:
وددت وبيت الله أنك بكرة ... وأني هجان مصعب ثم نهرب
كلانا به عر فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب
نكون لذى مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلاً صاح أهله ... علينا، فلا ننفك نرمى ونضرب
لقد أردت بنا الشقاء، أما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟! فخرج من عندها خجلاً وإنما اقتدى بالفرزدق حيث يقول، وهذا من سوء الأتباع:
ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشل ونقذف
كلانا به عر يخاف قرافه ... على الناس مطلي الأشاعر أخشف
بأرض خلاء وحدنا وثيابنا ... من الريط والديباج درع وملحف
ولا زاد إلا فضلتان: سلافة ... وأبيض من ماء الغمامة قرقف
وأشلاء لحم من حباري يصيدها ... إذا نحن شئنا صاحب متألف
لنا ما تمنينا من العيش مادعا ... هديلا بنعمان حمائم هتف
وإذا كان بعيراً فما هذه الأمنية التي كلها للحيوان الناطق؟ لولا أنه ردها إلى نفسه حقيقة، وإلا فما أملح الجمل نشوان يصيد الحباري بالبازي.
ومعايب هذا الباب كثيرة، وفما قدمت منها دليل على باقيها.
واشتقاق التشبيب يجوز أن يكون من ذكر الشبيبة، وأصله الإرتفاع، كأن الشباب ارتفع عن حال الطفولية، أو رفع صاحبه، ويقال: شب الفرس، إذا رفع يديه وقام على رجليه.
قال الجاحظ: يقال شبت شبوبا، وشب الفرس بيديه فهو يشب شبيباً، ويقال: مالك عضاض ولا شباب، انقضى كلامه.
ويجوز أن يكون من الجلاء، يقال: شب الحمار وجه الجارية، إذا جلاه ووصف ما تحته من محاسنه؛ فكأن هذا الشاعر قد أبرز هذه الجارية في صفته إياها وجلاها للعيون، ومنه الشب الذي يجتلي به وجوه الدنانير، ويستخرج غشها، ومنها: شببت النار، إذا رفعت سناها وزدتها ضياء.
وأنشد الأصمعي لعكاشة بن أبي مسعدة: يدفع عنها كل مشبوب أغر قال: المشبوب الذي إذا رأيته فزعت لحسنه.. قال ابن دريد: شببت في الشعر شبيباً، مثل نسبت نسيباً، والنسيب أكثر ما يستعمل في الشعر.

باب في المديح
وسبيل الشاعر إذا مدح ملكاً أن يسلك طريقة الإيضاح والإشادة بذكره للممدوح، وأن يجعل معانيه جزلة، وألفاظه نقية، غير مبتذلة سوقية، ويجتنب مع ذلك التقصير والتجاوز والتطويل؛ فإن للملك سآمة وضجراً، ربما عاب من أجلها ما لا يعاب، وحرم من لا يريد حرمانه، ورأيت عمل البحتري إذا مدح الخليفة كيف يقل الأبيات، ويبرز وجوه المعاني، فإذا مدح الكتاب عمل طاقته، وبلغ مراده.
وقد حكى عن عمارة أن جده جريراً قال: يا بني، إذا مدحتهم فلا تطيلوا الممادحة؛ فإنه ينسى أولها، ولا يحفظ آخرها، وإذا هجوتم فخالفوا.
قال عبد الكريم: وهذا ضد قول عقيل بن علفة المرادي، وحكى غيره قال: دخل الفرزدق على عبد الرحمن بن أم الحكم، فقال له عبد الرحمن: أبا فراس، دعني من شعرك الذي ليس يأتي آخره حتى ينسى أوله، وقال: قل في بيتين يعلقان بالرواة، وأنا أعطيك عطية لم يعطكها أحد قط قبلي، فغدا عليه وهو يقول:
وأنت ابن بطحاوي قريشٍ، وإن تشأ ... تكن من ثقيف سيل ذي خدر غمر
وأنت ابن سوار اليدين إلى العلى ... تكفت بك الشمس المضيئة للبدر
فقال: أحسنت، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وإذا كان الممدوح ملكاً لم يبال الشاعر كيف قال فيه، ولا كيف أطنب، وذلك محمود، وسواه المذموم، وإن كان سوقة فإياك والتجاوز به خطته؛ فإنه متى تجاوز به خطته؛ كان كمن نقصه منها، وكذلك لا يجب أن يقصر عما يستحق، ولا أن يعطيه صفة غيره؛ فيصف الكاتب بالشجاعة والقاضي بالحمية والمهابة، وكثيراً ما يقع هذا لشعراء وقتنا، وهو خطأ، إلا أن تصحبه قرينة تدل على الصواب الرأي فيه، وكذلك لا يجب أن يمدح الملك ببعض ما يتجه في غيره من الرؤساء، وإن كان فضيلة.
وذلك مثل قول البحتري يمدح المعتز بالله:
لا العذل يردعه ولا الت ... عنيف عن كرم يصده
فإنه مما أنكره عليه أبو العباس أحمد بن عبد الله، وقال: من ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده؟ هذا بالهجاء أولى منه بالمدح.
وعيب على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عاري الخوان ولا جدب
وقالوا: لو مدح بها حرسياًً لعبد الملك لكان قد قصر به.
قلت أنا: وإن كان فلا بد من ذكر الضيافة والقرى، كقول ابن قيس الرقيات لمصعب بن الزبير:
يلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج
لأن هذا وإن لم يعد به ممادحة العرب في سقي اللبن فقد زاده رتبة عرف بها أنه ملك. وأجود منه في معناه قول حسان في آل جفنة:
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
ويروي " مسكا " .
وعابوا على الأحوص قوله للملك:
وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل
فقالوا: إن الملوك لا تمدح بما يلزمها فعله كما تمدح العامة، وإنما تمدح بالإغراق والتفضيل بما لا يتسع غيرهم لبذله.
ومن هذا النوع قول كثير:
رأيت ابن ليلى يعتري صلب ماله ... مسائل شتى من غني ومصرم
مسائل إن توجد لديك تجد بها ... يداك، وإن تظلم بها تتظلم
لأن هذا إنما يقع لمن دون الخليفة والملك، وإنما أخذه من قول زهير في هرم ابن سنان، وليس بملك، ولذلك حسن قوله:
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً، ويظلم أحياناً فيظلم
يريد أنه يسأل ما ليس قبله فيحتمله، هذا، وقد قال الصولي في شرح قول حبيب:
لو يفاجى ركن المديح كثيراً ... بمعانيه خالهن نسيباً
طاب فيه المديح والتذ، حتى ... فاق وصف الديار والتشييبا
سألت عون بن محمد الكندي: لم خص كثيراً؟ فقال: سمعته يقول: أمدح الناس زهير والأعشى، ثم الأخطل وكثير.
وحكى غير الصولي أن مروان بن أبي حفصة كان يقدم كثيراً في المدح على جرير والفرزدق.
ومما قدم به زهير قوله:
لو كان يقعد النجم من كرمٍ ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا، ... مرزأون بها ليل إذا جهدوا

محسدون على ما كان من نعمٍ ... لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا
ويروي غر بها ليل في أعناقهم صيد وقدمه قدامة بن جعفر الكاتب فقال في كتابه نقد الشعر: لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوانات، على ما عليه أهل الألباب من الاتفاق في ذلك؛ إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة؛ كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيباً، وبما سواها مخطئاً.
فقال زهير:
أخي ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
لأنه قد وصفه بالعفة لقلة في اللذات وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسخاء لإهلاكه ماله في النوال وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العقل، ثم قال:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أراد أن فرحة بما يعطي أكثر من فرحه بما يأخذ، فزاد في وصف السخاء منه: بأن يهش، ولا يلحقه مضض، ولا تكره لفعله..
ثم قال:
فمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لخصم يجادله
فأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل، فاستوفى ضروب المدح الأربعة التي هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزادها ما هو وإن كان داخلاً في الأربعة فكثير من الناس من لا يعرف وجه دخوله فيها حيث قال أخي ثقة فوصفه بالوفاء، والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدمنا، وقد تفنن الشعراء فيعدون أنواع الفضائل الأربع وأقامها وكل داخل في جملتها مثل أن يذكروا ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والصدع بالحجة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وهي من أقسام العقل؛ وكذكرهم القناعة، وقلة الشهوة، وطهارة الإزار، وغير ذلك وهي من أقسام العفة؛ وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثأر، والدفع عن الجار، والنكاية في العدو، وقتل الأقران، والمهابة، والسير في المهامه والقفار الموحشة، وما شاكل هذا وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرع بالنائل، والإجابة للسائل، وقرى الأضياف، وما جانس هذه الأشياء، وهي من أقسام العدل.
وأما تركيب بعضها من بعض فيحدث منها سته أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة الصبر على الملمات ونوازل الخطوب، والوفاء بالإيعاد؛ وعن تركيب العقل مع السخاء البر، وإنجاز الوعد وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب العقل مع العفة التنزه، والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع السخاء الإتلاف، والإخلاف وما جانس ذلك؛ وعن تركيب الشجاعة مع العفة إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم؛ وعن تركيب السخاء مع العفة الإسعاف بالوقت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك.
قال: وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع المتقدم ذكرها وسط بين طرفين مذمومين.
مدح أبو العتاهية عمر بن العلاء فأعطاه سبعين ألفاً وخلع عليه حتى لم يستطع أن يقوم، فغار الشعراء لذلك، فجمعهم ثم قال: عجباً لكم معشر الشعراء ما أشد حسد بعضكم لبعض، إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فينسب في قصيدته بصديقته بخمسين بيتنا فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتى أبو العتاهية فنسب في أبيات يسيرة. ثم قال:
إني أمنت الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالاَ
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الخدود نعالاً
إن المطايا تشتكيك؛ لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا
فإذا وردن بنا وردن خفائفاً ... وإذ صدرن بنا صدرن ثقالاً
ومن مليح ما لأبي العتاهية في المدح قوله:
فتى ما استفاد الما إلا أفاده ... سواه كأن الملك في كفه حلم
إذا ابتسم المهدي نادت يمينه ... ألا من أتانا زائرا فله الحكم
وله أيضاً في معنى بيتي الفرزدق اللذين صنعهما لعبد الرحمن بن أم الحكم:
فما مثل بيتيه في العالمين ... أعز بناء ولا أرفع
فبيت بناه له هاشم ... وبيت بناه له تبع
ولو حاول الدهر ما في يديه ... لعاد وعرنينه أجدع
ومن المديح المنصوص عليه قول زهير:

وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا ولم يليموا ولم يألوا
فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه أباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل
وكذلك أيضاً قوله:
من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة منه والندى خلقاً
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنوناً ولا نزقا
هذا وليس كمن يعيا بخطبته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا
لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا
وينبغي أن يكون قصد الشاعر في مدح الكاتب والوزير ما اختاره قدامة وغيره، وكذلك ما ناسب حسن الروية، وسرعة الخاطر بالصواب، وشدة الحزم، وقلة الغفلة، وجود النظر للخليفة، والنيابة عنه في المعضلات بالرأي أو الذات، كما قال أبو نواس:
إذا نابه أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفى تشير
وبأنه محمود السير، حسن السياسة، لطيف الحس، فإن أضاف ذلك إلى البلاغة، والخط، والتفنن في العلم؛ كان غاية.
وأفضل ما مدح به القائد: الجود، والشجاعة، وما تفرغ منهما، نحو التخرق في الهيئات، والإفراط في النجدة، وسرعة البطش، وما شاكل ذلك.
ويمدح القاضي بما ناسب العدل والإنصاف، وتقريب البعيد في الحق، وتبعيد القريب، والأخذ للضعيف من القوي، والمساواة بين الفقير والغني، وانبساط الوجه، ولين الجانب، وقلة المبالاة في إقامة الحدود واستخراج الحقوق، فإن زاد إلى ذلك ذكر الورع، والتحرج، وما شاكلهما، فقد بلغ النهاية.
وصفات القاضي كلها لائقة بصاحب المظالم، ومن دون هذه الثلاث الطبقات سوى طبقة الملك فلا أرى لمدحه وجهاً، فإن دعت إلى ذلك ضرورة مدح كل إنسان بالفضل في صناعته، والمعرفة بطريقته التي هو فيها، وأكثر ما يعول عن الفضائل النفسية التي ذكرها قدامة، فإن أضيف إليها فضائل عرضية أو جسمية: كالجمال، والأبهة، وبسطة الخلق، وسعة الدنيا، وكثرة العشيرة؛ كان ذلك جيداً، إلا أن قدامة قد أبى منه، وأنكره جملة، وليس ذلك صواباً، وإنما الواجب عليه أن يقول: إن المدح بالفضائل النفيسة أشرف وأصح، فأما إنكار ما سواها كرة واحدة فما أظن أحداً يساعده فيه، ولا يوافقه عليه.
وقد كره الحذاق أن تمدح الملوك بما ناسب قول موسى شهوات وروى لغيره:
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنك فاني
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
وذكر عن سليمان بن عبد الملك أنه خرج من الحمام، وهو الخليفة، يريد الصلاة، ونظر في المرآة فأعجبه جماله، وكان حسن الوجه، فقال: أنا الملك الشاب، ويروى " الفتى " فتلقته إحدى حظاياه، فقال لها: كيف ترينني؟ فتمثلت في البيتين المتقدم ذكرهما، فتطير بهما ورجع، فحم فما بات إلا ميتاً تلك الليلة وروى عن بعض الملوك أنه قال: ما لهؤلاء الشعراء قاتلهم الله، ربما ذكرونا شيئاً نحن أكثر ذكراً له منهم فينغصون به علينا أوقات لذتنا!!؟ يعني بذلك الموت.
ومن أشنع ما في ذلك قول أبي تمام:
فليطل عمره فلو مات في طو ... س مقيماً لمات فيها غريبا
فما الذي دعاه إلى ذكر الموت ههنا إلا النكد والنغاصة؟.
أجمع الناس على تقديم قول كعب بن زهير يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:
تحمله الناقة الأدماء معتجراً ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
وفي عطافيه أو أثناء ريطته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم
والجهال يروون البيت الأول لأبي دهبل الجمحي، ويناسبه قول العجاج:

يحملن كل سؤدد وفخر ... يحملن ما ندري وما لا ندري
قال الأصمعي: وأصله قول الحارث بن حلزة:
وفعلنا بهم كما علم الل ... ه وما إن للحائنين دماء
قال: ولم يقل قط شاعر " كما يعلم " أحسن من هذه الثلاثة المعاني قال أبو العباس المبرد: من الشعراء من يحمل المدح، فيكون ذلك وجهاً حسناً؛ لبلوغه الإرادة مع خلوة من الإطالة، وبعده من الإكثار، ودخوله في الاختصار.
وذلك نحو قول الحطيئة:
تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد
تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ويعلم أن المرأ غير مخلد
يرى البخل لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أن المرء غير مخلد
ورواه غيره أن المال غير مخلد.
كسوب متلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... نجد خير نار عندها خير موقد
تصرف في أبياته هذه في أصناف المديح، واتى بجماع الوصف وجملة المدح على سبيل الاقتصار في البيت الأخير.
ومثله قول الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى العلياء منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
انتهى كلامه.
ومن أفضل ما مدح به ملوك وأكثره إصابة للغرض ما ناسب قول أبن هرمة المنصور:
له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل
فأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي أوعدت بالثكل ثاكل
وقول أبي العتاهية في مدح الهادي:
يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكرا
وكذلك قول الحزين الكناني في عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وقد وفد عليه بمصر، ويروي للفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وقيل: بل قالها فيه اللعين المنقري، وقيل: بل الأبيات لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبد الله بن العباس:
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل منصور النميري في أمير المؤمنين الرشيد:
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع
إذا رفعت أمراً فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع
من لم يكن بأمين الله معتصماً ... فليس بالصلوات الخمس بنتفع
إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فليدخل، فقال محمد بن وهب: فينا من يقول خيراً منه، وأنشد:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
يحكى أفاعيله في كل نائلة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر
فأمر بإدخاله وأحسن صلته.
قالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: أبلغوا الأنصار أن أخاهم أمدح الناس حيث يقول:
يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
قال ثعلب: بل قول الأعشى:
فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المفالدا
أمدح منه.
وقال أبو عمرو بن العلاء: بل بيت جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
أسير ما قيل في المدح وأسهله.
وقال غيره: بل قول الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا
وقال دعبل: بل قول أبي الطمحان القيني:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم العقد ثاقبه
قال: وقد تنازع في هذا البيت يعني بيت أبي الطمحان قوم، وفي بيت حسان في آل جفنة، وبيت النابغة:
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وبيت أبي الطمحان أشعرها.
قال الحاتمي: بل بيت زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله

وحكى علي بن هارون عن أبيه أنه قال: أجمع أهل العلم على أن بيتي أبي نواس أجود ما للمولدين في المدح، وهما قوله:
أنت الذي تأخذ الأيدي بحجزته ... إذا الزمان على أبنائه كلحا
وكلت بالدهر عيناً غير غافلة ... من جود كفك تأسو كل ما جرحا
روى الحاتمي عن محمد بن عبد الواحد عن أحمد بن يحيى قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: أمدح بيت قاله مولد قول أبي نواس:
تغطيت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأحداث عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
قال صاحب الكتاب: نحن إلى الإنصاف أحوج منا إلى المكابرة والخلاف، أبو نواس ذهب مذهباً لطيفاً يخرج له فيه العذر والتأويل، وإلا فما في صفة الخمول أشد مما وصف، لا سيما على رواية من روى: فلو تسأل الأيام عني ومن جيد ما سمعته لمحدث وأظنه لابن الرومي في عبيد الله بن سليمان بن وهب، ورأيت من يرويه لأبي الحسين أحمد بن محمد الكاتب :
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
ولو أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل النيران: الشمس والقمر
وإن مضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذراً من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
ينال بالظن ما يعيا العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر
كأنه وزمام الدهر في يده ... يرى عواقب ما يأتي وما يذر
وقال خلف الأحمر: أغلب المدح أكثره ملقاً كقول زهير:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله
يفدينه طوراً، وطوراً يلمنه ... وأعيى فما يدرين أين مخاتله
فأعرضن منه عن كريم مرزإ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله
وقال طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لا قوة منا لملت
وقال الأصمعي: أخلب الشعر قول حمزة بن بيض:
تقول لي والعيون هاجعة: ... أقم علينا يوماً، فلم أقم
أي الوجوه انتجعت؟ قلت لها: ... لا أي وجه إلا إلى الحكم
متى يقل حاجباً سرداقه ... هذا ابن بيضٍ بالباب يبتسم
قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات إذ حل أعطني سلمي
وسأل الرشيد المفضل الضبي: أي بيت قالته العرب أمدح؟ فقال:
أغر أبلج تأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
هكذا روايته فيه.
قال شرحبيل بن معن بن زائدة: كنت أسير تحت قبة يحيى بن خالد، وقد حج مع الرشيد، وعديله أبو يوسف القاضي، إذ أتاه أعرابي من بني أسد كان يلقاه إذا حج فيمدحه، فأنشده شعراً أنكر يحيى منه بيتاً فقال: يا أخا بني أسد، ألم أنهك عن مثل هذا الشعر؟ ألا قلت كما قال الشاعر:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا، وأن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
فقال أبو يوسف: لمن هذا الشعر أصلحك الله فما سمعت أحسن منه؟ فقال يحيى: يقوله ابن أبي حفصة في أبي هذا الفتى، وأوما إلي، فكان قوله أسر إلى من جليل الفوائد، ثم التقت إلي وقال: يا شرحبيل، أنشدني أجود ما قاله ابن أبي حفصة في أبيك، فأنشدته:
نعم المناخ لراغب ولراهب ... ممن تصيب جوائح الأزمان

معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان
إن عد أيام اللقاء فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان
يكسو الأسرة والمنابر بهجة ... ويزينها بجهارة وبيان
تمضي أسنته ويسفر وجهه ... في الحرب عند تغير الألوان
نفسي فداك أبا الوليد إذا بدا ... رهج السنابك والرماح دواني
فقال يحيى: أنت لا تدري جيد ما مدح به أبوك، أجود من هذا قوله:
تشابه يوماه علينا فأشكلاً ... فلا نحن ندري أي يوميه أفضل
أيوم نداه الغمر، أم يوم بأسه؟ ... وما منهما إلا أغر محجل
ومما اخذ الكميت قوله يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:
فاعتتب القول من فؤادي والش ... عر إلى من إليه معتتب
إلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع الن ... اس إلى العيون وارتقبوا
وقيل: أفرطت، بل تقصدت، ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا
إليك يا خير من تضمنت ال ... أرض ولو عاب قولي العيب
لج بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضجاج والصخب
قالوا: من هذا الذي يقول في مدح النبي صلى الله عليه وسلم أفرطت، أو يعنفه، أو يثلبه، أو يعيبه، حتى يكثر الضجاج والصخب؟!! وهذا كله خطأ منه، وجهل بمواقع المدح، وقال من احتج له: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد علياً رضي الله عنه، فورى عنه بذكر النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً من بني أمية.
ومن الشعراء من ينقل المديح عن رجل إلى رجل، وكان ذلك دأب البحتري، وفعله أبو تمام في قصائد معدودة؛ منها: قدك أتئب أربيت في الغلواء نقلها عن يحيى بن ثابت إلى محمد بن حسان، فأما الذي قال: " هن بنياتي أنكحهن من شئت " فهو معذور إن لم يثب، فأما إن أثيب فذلك منه قلة وفاء، وفرط خيانة.

باب الافتخار
والإفتخار هو المدح نفسه، إلا أن الشاعر يخص به نفسه وقومه، وكل ما حسن في المدح حسن في الافتخار، وكل ما قبح فيه قبح في الافتخار؛ فمن أبيات الافتخار قول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
قال أحمد بن يحيى: أفخر بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
ما ينكر الناس منا حين نملكهم ... كانوا عبيداً وكنا نحن أربابا؟
وقال دعبل بن علي: أفخر الشعر قول كعب بن مالك:
وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا، محمد
وقال الحاتمي: قول الفرزدق:
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
قال: ويتلوه قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
وقال آخرون: بل بيت الفرزدق:
ونحن إذا عدت معد قديمها ... مكان النواصي من وجوه السوابق
وقال غيرهم: بل قوله لجرير:
وإذا نظرت رأيت فوقك دارماً ... والشمس حيث تقطع الأبصارا
وقيل: بل قول ابن ميادة واسمه الرماح بن أبرد :
ولو أن قيساً قيس عيلان أقسمت ... على الشمس لم يطلع عليك حجابها
وأفخر بيت صنعه محدث عندهم بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ... ذرا منبر صلى علينا وسلما
ويروى: هتكنا سماء الله أو مطرت دما ومن جيد الافتخار قول بكر بن النطاح الحنفي:
ومن يفتقر منا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
ونحن وصفنا دون كل قبيلة ... ببأس شديد في الكتاب المنزل
وإنا لنلهو بالحروب كما لهت ... فتاة بعقد أو سخاب قرنفل
يعني قول الله عز وجل: " قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد " فدعوا في خلافة أبي بكر إلى قتال أهل الردة من بني حنيفة، وبسبب هذا الشعر وأشباهه طلبه الرشيد طلبٍ، وقال:

كيف يفتخر على مضر ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خير البشر؟ فهذا افتخار بالشجاعة خاصة.
وممن افتخر بالكثرة أوس بن مغراء قال:
ما تطلع الشمس إلا عند أولنا ... ولا تغيب إلا عند أخرانا
وقد أنكر قدامة أن يمدح الإنسان بآبائه دون أن يكون ممدوحاً بنفسه؛ لأن كثيراً من الناس لا يكونون كآبائهم، والذي ذهب إليه حسن.
وأنكر الجرجاني على أبي الطيب قوله:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي
وإنما أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول:
وما سودت عجلاً مآثر غيرهم ... ولكن بهم سادت على غيرهم عجل
قال: وهذا معنى سوء يقصر بالممدوح، ويغض من حسبه، ويحقر من شأن سلفه، وإنما طريفة المدح يشرف بآبائه، والآباء تزداد شرفاً به؛ فجعل لكل واحد منهم حظاً في الفخر وفي المدح نصيباً، وإذا حصلت الحقائق كان النصيبان مقسومين، بل كان الكل خالصاً لكل فريق منهم؛ لأن شرف الوالد جزء من ميراثه، ومنتقل إلى ولده كانتقال ماله، فإن رعى وحرس ثبت وازداد، وإن أهمل وضيع هلك وباد. وكذلك شرف الوالد يعم القبيلة، وللولد منه القسم الأوفر، والحظ الأكبر.
قال صاحب الكتاب: والذي يقع عليه الاختيار عندي ما ناسب قول المتوكل الليثي:
إنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وقول عامر بن الطفيل الجعفري:
فإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ومن أفخر ما قال المولدون قول إبراهيم الموصلي يفتخر بولائه من خزيمة بن حازم النهشلي:
إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بمجدي حازم وابن حازم
عطست بأنفي شامخاً وتناولت ... يداي الثريا قاعداً غير قائم
ومن قول السيد أبي الحسن يفخر بقومه بني شيبان:
يا آل شيبان لا غارت نجومكم ... ولا خبت ناركم من بعد توقيد
لأنتم دعائم هذا الملك مذ ركضت ... قبل الخيول لإبرام وتوكيد
المنعمون إذا ما أزمة أزمت ... والواهبون عتيقات المزاويد
سيوفكم أفقدت كسرى مرازبه ... في يوم ذي قار إذ جاؤا لموعود
وهذا هو الفخر الحلال غير المدعى فيه ولا المنتحل.
ومما عابه الأصمعي وغيره قول عامر بن معشر بن أسحم يصف أسيراً أسروه:
فظل يخالس المذقات فينا ... يقاد كأنه جمل ربيق
وذلك بأنه وصف أسيرهم بأنه جائع يخالس القليل الممذوق من اللبن، وإنما ذلك من الجهد.
ومن أجود قصيدة افتخر فيها شاعر قصيدة السموأل بن عادياء اليهودي فإنها جمعت ضروب الممادح وأنواع المفاخر، وهي مشهورة.

باب الرثاء
وليس بين الرثاء والمدح فرق؛ إلا أنه يخلط بالرثاء شيء يدل على أن المقصود به ميت مثل " كان " أو " عدمنا به كيت وكيت " وما يشاكل هذا وليعلم أنه ميت.
وسبيل الرثاء أن يكون ظاهر التفجع، بين الحسرة، مخلوطاً بالتلهف والأسف والاستعظام، إن كان الميت ملكاً أو رئيساً كبيراً، كما قال النابغة في حصن بن حذيفة بن بدر:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح
ولم تلفظ الموتى القبور، ولم تزل ... نجوم السماء، والأديم صحيح
فعما قليل ثم جاء نعيه ... فظل ندي الحي وهو ينوح
فهذا وما شاكله رثاء الملوك والرؤساء الجلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو العتاهية حين قال: مات الخليفة أيها الثقلان فرفع الناس رؤوسهم، وفتحوا عيونهم، وقالوا: نعاه إلى الجن والإنس، ثم أدركه اللين والفترة فقال: فكأنني أفطرت في رمضان يريد: إني بمجاهرتي بهذا القول كأنما جاهرت بالإفطار في رمضان نهاراً وكل أحد ينكر ذلك علي، ويستعظمه من فعلي، وهذا معنى جيد غريب في لفظ رديء غير معرب عما في النفس.
ومن أفضل الرثاء قول حسين بن مطير يرثي معن بن زائدة، ويروي لابن أبي حفصة:
فيا قبر معن، كنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا

ويا قبر معن، كيف واريت جوده؟ ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
بلى وقد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حياً ضقت حتى تصدعا
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعاً
وما قصر أبو تمام في رثائه محمد بن حميد بالقصيدة التي يقول فيها:
ألا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الثغر وانثغر الثغر
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دماً ضحكت عنه الأحاديث والنشر
وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر
فتى مات بين الطعن والضرب ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر
وقد كان فوت الموت سهلاً فرده ... إليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تخاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
وقد أجاد أيضاً في القصيدة التي رثى بها إدريس بن بدر السامي يقول فيها:
ولم أنس سعي الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقل ويظلع
وتكبيره خمساً عليه معالناً ... وإن كان تكبير المصلين أربع
وما كنت أدري يعلم الله قبلها ... بأن الندى في أهله يتشيع
وليس في ابتداءات المرائي المولدة مثل قوله:
أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
يرثي بها محمد بن حميد، وجعل خاتمها:
فإن أترم عن عمر تدانى به المدى ... فخانك حتى لم تجد عنه منزعا
فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا
وأبو تمام من المعدودين في إجادة الرثاء، ومثله عبد السلام بن رغبان ديك الجن، وهو أشهر في هذا من حبيب، وله فيه طريق انفرد بها، وذلك أنه قتل جاريته واتهم بها أخاه، ثم قال يرثيها:
يا مهجة جثم الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها
رويت من دمها التراب، وربما ... روى الهوى شفتي من شفتيها
حكمت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها
فوحق نعليها لما وطئ الحصى ... شيء أعز علي من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكن ... أخشى إذا سقط الغبار عليها
لكن بخلت على الأنام بحسنها ... وأنفت من نظر العيون إليها
وقال أيضاً فيها على بعض الروايات:
أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوصال بهجره
فقتلته، وله علي كرامة ... ملء الحشا، وله الفؤاد بأسره
قمر أنا استخرجته من دجنه ... لبليتي وزففته من خدره
عهدي به ميتاً كأحسن نائم ... والحزن ينحر دمعتي في نحره
الذي أعرف " ينحر مقلتي " وهو أصح استعارة.
لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره
غصص تكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره
والرواية الأخرى أن المتهم بالجارية غلام كان يهواه قتله أيضاً، فصنع فيه هذه الأبيات، فصنعت فيه أخت الغلام:
يا ويح ديك الجن، بل تباً له ... ماذا تضمن صدره من غدره
قتل الذي يهوى وعمر بعده ... يا رب لا تمدد له في عمره
ويكون الرثاء مجملاً كالمدح المجمل فيقع حسناً لطيفاً: كقول ابن المعتز في المعتضد:
قضوا ما قضوا من أمره ثم قدموا ... إماماً إمام الخير بين يديه
وصلوا عليه خاشعين كأنهم ... صفوف قيام للسلام عليه
وقال في عبيد الله بن سليمان بن وهب:
قد استوى الناس ومات الكمال ... وصاح صرف الدهر: أين الرجال!
هذا أبو العباس في نعشه ... قوموا انظروا كيف تسير الجبال
يا ناصر الملك بآرائه ... بعدك للملك ليال طوال
وذكر غير واحد أن أراتي بيت قيل:

أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر.
ومن عادة القدماء أن يضربوا الأمثال في المرائي بالملوك الأعزة، والأمم السالفة، والوعول الممتنعة في قلل الجبال، والأسود الخادرة في الغياض، وبحمر الوحش المتصرفة بين القفار، والنسور، والعقبان، والحيات؛ لبأسها وطول أعمارها، وذلك في أشعارهم كثير موجود لا يكاد يخلو منه شعر.
قال أبو علي: فأما المحدثون فهم على غير هذه الطريقة أميل، ومذهبهم في الرثاء أمثل، في هذا وقبله، وربما جروا على سنن من قبلهم إقتداء بهم وأخذاً بسنتهم كالذي صنع أبو أيوب في رثائه أبا البيداء الأعرابي وخلف بن حيان الأحمر ومرائيه فيهما وقافية مشهورات: إحداهن قوله:
لا تئل العصم في الهضاب ولا ... شغواء تغذو فرخين في لجف
والثانية قوله: لو كان حي وائلا من التلف والثالثة قوله في أبي البيداء:
هل مخطئ يومه عفر بشاهقة ... ترعى بأخيافها شثاً وطباقا
وكما صنع ابن المعتز يرثي أباه بالقصيدة اللامية المقيدة في الرمل:
رب حتف بين أثناء الأمل ... وحياة المرء ظل منتقل
وهي أيضاً معروفة، ولولا اشتهار هذه القصائد، ووجودها، وخيفة التطويل بها؛ لأثبتها في هذا الموضع.
وليس من عادة الشعراء أن يقدموا قبل الرثاء نسيباً كما يصنعون ذلك في المدح والهجاء، وقال ابن الكلبي وكان علامة : لا أعلم مرثية أولها نسيب إلا قصيدة دريد بن الصمة:
أرث جديد الحبل من أم معبد ... بعافية وأخلفت كل موعد؟
وعن علي بن سليمان، عن أبي العباس الأحول، وأن القصيدة التي لأبي قحافة أعشى باهلة، إنما هي لابنة المنتشر، واسمها الدعجاء.
قال: وقال علي بن سليمان: حدثني أبي أن أولها.
هاج الفؤاد على عرفانه الذكر ... وذكر خودٍ على الأيام ما يذر
قد كنت أذكرها والدار جامعة ... والدهر فيه هلاك الناس والشجر
هكذا أنشده النحاس والذي أعرف " وذكر ميت " وأعرف أيضاً " والدهر فيه هلاك الناس والغير " كذلك أنشدنيه الموصلي في الأغاني، ثم عطف النحاس فقال: هذان البيتان لا يعرفان في أول هذه القصيدة؛ ومما يزيد الاسترابة بهما أن المتعارف عند أهل اللغة أنه ليس للعرب في الجاهلية مرثية أولها تشبيب إلا قصيدة دريد، وأنا أقول: إنه الواجب في الجاهلية والإسلام، وإلى وقتنا هذا، ومن بعده؛ لأن الآخذ في الرثاء يجب أن يكون مشغولاً عن التشبيب بما هو فيه من الحسرة والاهتمام بالمصيبة؛ وإنما تغزل دريد بعد قتل أخيه بسنة، وحين أخذ ثأره، وأدرك طلبته. وربما قال الشاعر في مقدمة الرثاء " تركت كذا " أو " كبرت عن كذا " وهو في ذلك كله يتغزل ويصف أحوال النساء، وكان الكميت ركاباً لهذه الطريقة في أكثر شعره؛ فأما ابن مقبل فمن جفاء أعرابيته أنه رثى عثمان بن عفان رضي الله عنه بقصيدة حسنة أتى فيها على ما في النفس، ثم عطف وقال:
فدع ذا، ولكن علقت حبل عاشق ... لإحدى شعاب الحين والقتل أريب
ولم تنسني قتلى قريش ظعائناً ... تحملن حتى كادت الشمس تغرب
يطفن بغريد يعلل ذا الصبا ... إذا رام أركوب الغواية أركب
من الهيف مبدان ترى نطفاتها ... بمهلكة أخراصهن تذبذب
والنسيب في أول القصيدة على مذهب دريد خير مما ختم به هذا الجلف، على تقدمه في الصناعة، إلا أن تكون الرواية " ظعائن " بالرفع.
ومما عيب على الكميت في الرثاء قوله في ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وبورك قبر أنت فيه، وبوركت ... به وله أهل بذلك يثرب
لقد غيبوا براً وحزماً ونائلاً ... عشية واراه الضريح المنصب
حكاه الجاحظ وغيره، وأظن أن المراد بما عيب الثاني من هذين البيتين، فأما الأول فجيد.
ومن العجب أن يقول عبدة بن الطيب في تأبين قيس بن عاصم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما

ويقول الكميت في تأبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول، فهلا قال مثل قول فاطمة رضي الله عنها:
اغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبي كئيبة ... أسفاً عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها ... وليبكه مضر وكل يماني
وليبكه الطود المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك صنوه ... صلى عليك منزل القرآن
صلى الله عليه وسلم، ورحم وكرم وعظم.
والنساء أشجى الناس قلوباً عند المصيبة، وأشدهم جزعاً على هالك؛ لما ركب الله عز وجل في طبعهن من الخور وضعف العزيمة.
وعلى شدة الجزع يبنى الرثاء، كما قال أبو تمام:
لولا التفجع لادعى هضب الحمى ... وصفا المشقر أنه محزون
فانظر إلى قول جليلة بنت مرة ترثي زوجها كليباً، حين قتله أخوها جساس، ما أشجى لفظها، وأظهر الفجيعة فيه!! وكيف يثير كوامن الأشجان، ويقدح شرر النيران، وذلك:
يا ابنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت التي ... عندها اللوم فلومي واعذلي
إن تكن أخت امرئ ليمت على ... جزع منها عليه فافعلي
فعل جساس على ضني به ... قاطع ظهري ومدن أجلي
لو بعين فديت عيني سوى ... أختها وانفقأت لم أحفل
تحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأم قذى ما تفتلي
إنني قاتلة مقتولة ... فلعل الله أن يرتاح لي
يا قتيلاً قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعاً من عل
ورماني فقده من كثب ... رمية المصمى به المستأصل
هدم البيت الذي استحدثته ... وسعى في هدم بيتي الأول
مسني فقد كليب بلظى ... من ورائي ولظى مستقبلي
ليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي
درك الثائر شافيه وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل
ليته كان دمى فاحتلبوا ... درراً منه دمى من أكحلي
ومن أشد الرثاء صعوبة على الشاعر أن يرثي طفلاً أو امرأة؛ لضيق الكلام عليه فيهما، وقلة الصفات، ألا ترى ما صنعوا بأبي الطيب وهو فحل مجود إذا ذكر المحدثون في قوله يذكر أم سيف الدولة:
صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
فقالوا: ماله ولهذه العجوز يصف جمالها؟ وقال الصاحب بن عباد: استعارة حداد في عرس، فان كان أراد بالاستعارة الحنوط فقد والله ظلم وتعسف، وإن كان أراد استعارة الكفن بجمال العجوز فقد اعترض في موضع اعتراض إلى مواضع كثيرة في هذه القصيدة، على أن فيهما ما يمحو كل زلة، ويعفى على كل إساءة قال الصاحب بن عباد: ولقد مررت على مرثية له في أم سيف الدولة تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكاً في أمه بقوله:
رواق العز فوقك مسبطر ... وملك علي ابنك في كمال
ولغل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الصفيق الرقيق، وأنا أقول: إن أشد ما هجن هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدة هجاء أنه قرنها بفوقك؛ فجاء عملاً تاماً لم يبق فيه الإفضاء.
ومن صعب الرثاء أيضاً جمع تعزية وتهنئة في موضع، قالوا: لما مات معاوية اجتمع الناس بباب يزيد، فلم يقدر أحد على الجمع بين التهنئة والتعزية، حتى أتى عبيد الله بن همام السلولي فدخل فقال: يا أمير المؤمنين، آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت عظيماً، وأعطيت جسيماً، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزئت، فقد فقدت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، ففارقت جليلا، ووهبت جزبلا؛ إذ قضى معاوية نحبه، ووليت الرياسة، وأعطيت السياسة، فأورده الله موارد السرور، ووفقك لصالح الأمور.
فاصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا

أصبحت والي أمر الناس كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
ففتح للناس باب القول.
وعلى هذا السنن جرى الشعراء بعده؛ فقال أبو نواس يعزي الفضل بن الربيع عن الرشيد، ويهنئه بالأمين:
تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا الملك مغبون ولا الموت غابن
ويروى: فلا أنت مغبون واتبعه أبو تمام بالقصيدة التي أولها: ما للدموع تروم كل مرام يقولها للواثق بعد موت المعتصم، صرف الكلام فيها كيف شاء، وأطنب كما أراد، واحتج فيها فأسهب، وتقدم فيها على كل من سلك هذه الناحية من الشعراء، وأراد ابن الزيات مجاراته فعلم من نفسه التقصير فاقتصر على قوله:
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين
اذهب فنعم المعين كنت على الد ... نيا ونعم الظهير للدين
لن يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
ومن جيد ما رثي به النساء وأشجاه وأشده تأثيراً في القلب وإثارة للحزن قول محمد بن عبد الملك هذا في أم ولده:
ألا من رأى الطفل المفارق أمه ... بعيد الكرى عيناه تبتدران
رأى كل أم وابنها غير أمه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان
وبات وحيداً في الفراش تحثه ... بلابل قلب دائم الخفقان
يقول فيها بعد أبيات:
ألا إن سجلاً واحدا قد أرقته ... من الدمع أو سجلين قد شفياني
فلا تلحياني إن بكيت؛ فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما تريان
وإن مكاناً في الثرى خط لحده ... لمن كان في قلبي بكل مكان
أحق مكان بالزيارة والهوى ... فهل أنتما إن عجت منتظران
ومن أشجى الشعر رثاء قوله في هذه القصيدة:
فهبني عزمت الصبر عنها لأنني ... جليد، فمن بالصبر لابن ثمان؟؟
ضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبة ... ولا يأتسى بالناس في الحدثان
ألا من أمنيه المنى فأعده ... لعثرة أيامي وصرف زماني
ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي ... وإن غبت عنه حاطني ورعاني
فلم أر كالأقدار كيف تصيبني ... ولا مثل هذا الدهر كيف رماني
فهذه الطريق هي الغاية التي يجري حذاق الشعر إليها، ويعتمدون في الرثاء عليها، ما لم تكن المرئية من نساء الملوك، وبنات الأشراف، وغير ذوات محارم الأشعار؛ فإنه يتجافى عن هذه الطريقة إلى أرفع منها، نحو قول أبي الطيب:
ولو أن النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال
وقوله في هذه القصيدة:
مشى الأمراء حوليها حفاة ... كأن المرو من زف الرئال
ونحو قوله لأخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النسب
أجل قدرك أن تدعي مؤنثة ... ومن يصفك فقد سماك للعرب
ورثاء الأطفال أن يذكر مخايلهم، وما كانت الفراسة تعطيه فيهم، مع تحزن لمصابهم، وتفجع بهم، كالذي صنع أبو تمام في ابني عبد الله بن طاهر.

باب الاقتضاء والاستنجاز
حسب الشاعر أن يكون مدحه شريفاً، واقتضاؤه لطيفاً، وهجاؤه إن هجا عفيفاً؛ فإن الاقتضاء الخشن ربما كان سبب المنع والحرمان، وداعية القطيعة والهجران، وقوم يدرجون العتاب في الاقتضاء، والاقتضاء في العتاب، وأنا أرى غير هذا المذهب أصوب؛ فالاقتضاء طلب حاجة، وباب التلطيف فيه أجود؛ فإن بلغ الأمر العتاب فإنما هو طلب الإبقاء على المودة والمراعاة، وفيه توبيخ ومعارضة لا يجوز معها بعد الاقتضاء، إلا أن الناس خلطوا هذين البابين، وساووا بينهما.
فمن أحسن الاقتضاء على ما تخيرته، ونحوت إليه قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء

خليل لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
فأرضك كل مكرمة بنتها ... بنو تيم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
تباري الريح مكرمة وجوداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء
فأنت ترى هذا الاقتضاء كيف يلين الصخر، ويستنزل القطر، ويحط العصم إلى السهل؟؟ ومثله قول الآخر:
لأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
وأما ما ناسب قول محمد بن يزيد الأموي لعيسى بن فرخان شاه؛ إذ يقول له مستبطئاً:
أبا موسى، سقى أرض ... ك دان مسبل القطر
وزاد الله في قدر ... ك ما أخملت من قدري
لقد كنت أرجيك ... لما أخشى من الدهر
فقد أصبحت من أوك ... د أسبابي إلى الفقر
أترضى لي بأن أرضى ... بتقصيرك في أمري؟
وقد أفنيت ما أفني ... ت في شكرك من عمري
مواعيد كما أخبت ... سراب المهمه القفر
فمن يوم إلى يوم ... ومن شهر إلى شهر
فلم أحصل على قيم ... ة ما قلمت من ظفري
لعل الله أن يصن ... ع لي من حيث لا أدري
فألقاك بلا شكر ... وتلقاني بلا عذر
ولا أرجوك في الحالي ... ن لا العسر ولا اليسر
فهذا هو العتاب الممض، والتوبيخ الذي دونه الجلد بالسوط، بل بالسيف!! ومما صنعته في العتاب على هذا الشكل بعد اليأس المستحكم على ما شرطته:
رجوتك للأمر المهم وفي يدي ... بقايا أمني النفس فيها الأمانيا
فساوفت بي الأيام حتى إذا انقضت ... أواخر ما عندي قطعت رجائيا
وكنت كأني نازف البئر طالباً ... لإجمامها أو يرجع الماء طافيا
فلا هو أبقى ما أصاب لنفسه ... ولا هي أعطته الذي كان راجيا
ومن أملح ما رأيته في الاقتضاء والاستبطاء قول أبي العتاهية لعمر بن العلاء وابن المعتز يسمي هذا النوع مزحاً يراد به الجد، وهو:
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر
سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم نفق منها رقيناك بالسور
وكنت أنا صنعت في استبطاء:
أحسنت في تأخيرها منة ... لو لم تؤخر لم تكن كامله
وكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله؟؟
وجنة الفردوس يدعى بها ... آجلة للمرء لا عاجله
لكنما أضعف من همتي ... أيام عمر دونها زائله
والعتاب أوسع حداً من الاقتضاء؛ لأنه يكون مثله بسبب الحاجات، وقد يكون بسبب غيرها كثيراً، والاقتضاء لا يكون إلا في حاجة.

باب العتاب
العتاب وإن كان حياة المودة، وشاهد الوفاء فإنه باب من أبواب الخديعة، يسرع إلى الهجاء، وسبب وكيد من أسباب القطيعة والجفاء، فإذا قل كل داعية الألفة، وقيد الصحبة، وإذا كثر خشن جانبه، وثقل صاحبه.
وللعتاب طرائق كثيرة، وللناس فيه ضروب مختلفة؛ فمنه ما يمازجه الاستعطاف والاستئلاف، ومنه ما يدخله الاحتجاج والانتصاف، وقد يعرض فيه المن والإجحاف، مثل ما يشركه الاعتذار والاعتراف.
وأحسن الناس طريقاً في عتاب الأشراف شيخ الصناعة وسيد الجماعة أبو عبادة البحتري الذي يقول:
يريبني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا
وأكره أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألقى شعوبا
أكذب ظني بأن قد سخطت ... وما كنت أعهد ظني كذوبا
ولو لم تكن ساخطاً لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا
ولا بد من لومة أنتحي ... عليك بها مخطئاً أو مصيبا
أيصبح وردي في ساحتي ... ك طرقاً ومرعاي محلاً جديبا؟!
أبيع الأحبة بيع السوام ... وآسى عليهم حبيبا حبيبا

ففي كل يوم لنا موقف ... يشقق فيه الوداع الجيوبا
وما كان سخطك إلا الفراق ... أفاض الدموع وأشجى القلوبا
ولو كنت أعلم ذنباً لما ... تخالجني الشك في أن أتوبا
سأصبر حتى ألاقي رضا ... ك إما بعيداً وإما قريبا
أراقب رأيك حتى يصح ... وأنظر عطفك حتى يؤوبا
والذي يقول أيضاً:
وأصيد إن نازعته اللحظ رده ... كليلاً، وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدى عني فأصبح معرضاً ... وأوهمه الواشون حتى توهما
وقد كان سهلاً واضحاً فتوعرت ... رباه وطلقا ضاحكا فتجهما
أمتخذ عندي الإساءة محسن ... ومنتقم مني امرؤ كان منعما؟
ومكتسب في الملامة ما جد ... يرى الحمد غنما والملامة مغرما
يخوفني من سوء رأيك معشر ... ولا خوف إلا أن تجوز وتظلما
أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... تبين أو جرم إليك تقدما
ألست الموالي فيك غر قصائد ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء كأن الروض فيه منور ... ضحاً، وكأن الوشى فيه منمنما
ولو أنني وقرت شعري وقاره ... وأجللت مدحي فيك أن يتهضما
لأكبرت أن أومي إليك بأصبع ... تضرع أو أدنى لمعذرة فما
وكان الذي يأتي به الدهر هيناً ... علي ولو كان الحمام المقدما
ولكنني أعلي محلي أن أرى ... مدلاً وأستحييك أن أتعظما
فهذا عتاب كما قال:
عتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر
وقد نحوت أنا هذا النحو في كلمة عاتبت بها القاضي جعفر بن عبد الله الكوفي قلت فيها:
وقد كنت لا آتي إليك مخاتلاً ... لديك، ولا أثني عليك تصنعا
ولكن رأيت المدح فيك فريضة ... علي إذا كان المديح تطوعا
فقمت بما لم يخف عنك مكانه ... من القول حتى ضاق مما توسعا
ولو غيرك الموسوم عني بريبة ... لأعطيت منها مدعي القول ما ادعى
فلا تتخالجك الظنون فإنها ... مآثم، واترك في للصنع موضعا
فوالله ما طولت باللوم فيكم ... لساناً، ولا عرضت للذم مسمعا
ولا مات عنكم بالوداد، ولا انطوت ... حبالي، ولا ولى ثنائي، مودعا
بلى ربما أكرمت نفسي فلم تهن ... وأجللتها عن أن تذل وتخضعا
ولم أرض بالحظ الزهيد، ولم أكن ... ثقيلاً على الإخوان كلا مدفعا
فباينت لا أن العداوة باينت ... وقاطعت لا أن الوفاء تقطعا
ألوذ بأكناف الرجاء، وأتقي ... شمات العدا، إن لم أجد فيك مطمعا
ومن معاتبات أبي تمام قوله لابن عبد الملك الزيات:
لئن هممي أوجدنني في تقلبي ... مآلا لقد أفقدنني منك موئلاً
وإن رمت أمراً مدبر الوجه إنني ... لأترك حظاً في فنائك مقبلا
وإن كنت أخطو ساحة المحل إنني ... لأترك روضا من جداك وجدولا
كذلك لا يلقي المسافر رحله ... إلى منقل حتى يخلف منقلا
ولا صاحب التطواف يعمر منهلا ... وربعاً إذا لم يخل ربعاً ومنهلا
ومن ذا يداني أو ينائي؟ وهل فتى ... يحل عرى الترحال أو يترحلا؟
فمرني بأمر أحوذي فإنني ... أرى الناس قد أثروا وأصبحت مرملاً
فسيان عندي صادفوا لي مطعناً ... أعاب به أو صادفوا لي مقتلاً
ومن قصيدة أخرى لأبي تمام:
تقطعت الأسباب إن لم تغرلها ... قوى أو يصلها من يمينك واصل
سوى مطلب ينضى الرجاء بطوله ... وتخلق إخلاق الجفون الوسائل
وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ... ويرجى شفاء السم والسم قاتل

ولي عدة تمضي العصور وإنها ... كعهدك من أيام مصر لحائل
سنون قطعناهن عشراً كأن ما ... قطعنا لقرب العهد منها مراحل
وإن جزيلات الصنائع لامرئ ... إذا ما لليالي ناكرته معاقل
وإن المعالي يسترم بناؤها ... سريعاً، كما قد تسترم المنازل
ولو حاردت شوال عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدر والضرع حافل
منحتكها تشفي الجوى وهو لاعج ... وتبعث أشجان الفتى وهو ذاهل
ترد قوافيها إذا هي أرسلت ... هوامل مجد القوم وهي هوامل
وكيف إذا حليتها بحليها ... تكون وهذا حسنها وهي عاطل؟؟!
أكابرنا، عطفاً علينا؛ فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل
وقال ابن الرومي لأبي الصقر إسماعيل بن بلبل يعاتبه في قصيدة جيدة مختارة:
عقيل الندى، أطلق مدائح جمة ... خواصي حسرى قد أبت أن تسرحا
وكنت متى تنشد مديحاً ظلمته ... يكن لك أهجى كلما كان أمدحا
عذرتك لو كانت سماء تقشعت ... سحائبها أو كان روض تصوحا
ولكنها سقيا حرمت رويها ... وعارضها ملق كلاكل جنحا
وأكلأ معروف حميت مريعها ... وقد عاد منها الحزن والسهل مسرحا
فيا لك بحراً لم أجد فيه مشرباً ... وإن كان غيري واجداً فيه مسبحا
مديحي عصا موسى، وذاك لأنني ... ضربت به بحر الندى فتضحضحا
فيا ليت شعري إن ضربت به الصفا ... أيحدث لي فيه جداول سيحا
كتلك التي أبدت ثرى البحر يابساً ... وشقت عيوناً في الحجارة سفحا
سأمدح بعض الباخلين لعله ... إذا اطرد المقياس أن يتسمحا
فهذا هو الذي لا يبلغ جودة، ولا يجاري سبقاً، على أن البحتري قد تقدم إلى بعض المعنى في قوله للفتح بن خاقان:
غمام خطاني صوبه وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضع رحلي منه أسود مظلم
وما بخل الفتح بن خاقان بالندى ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم
وأما أبو الطيب المتنبي فكان في طبعه غلظة، وفي عتابه شدة، وكان كثير التحامل، ظاهر الكبر والأنفة، وما ظنك بمن يقول لسيف الدولة:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها ... ويسهر الناس جراها ويختصم
وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم
إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم
فهذا الكلام في ذاته في نهاية الجودة، غير أنه من جهة الواجب والسياسة غاية في القبح والرداءة، وإنما عرض بقوم كانوا ينتقصونه عند سيف الدولة ويعارضونه في أشعاره، والإشارة كلها إلى سيف الدولة، ثم قال بعد أبيات:
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم؟!
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عند صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
أرى النوى يقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخادة الرسم

لئن تركن ضميراً عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعتهم ندم
وإنما قال أولا ليحدثن لسيف الدولة الندم ثم بدله، وليس هذا عتاباً، لكنه سباب، وبسبب هذه القصيدة كاد يقتل عند انصرافه من مجلس إنشادها، وهذا الغرور بعينه.
فأما عتاب الأكفاء، وأهل المودات، والمتعشقين من الظرفاء، فبابة أخرى جارية على طرقاتها.
قال إبراهيم بن العباس الصولي يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات، وقد تغير عليه لما وزر:
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا
وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
وهذا عندي من أشد العتاب وأوجعه.
ومن أكرم العتاب قول السيد أبي الحسن أدام الله سيادته وسعادته:
وإني لأطرى كل خل صحبته ... وأنت ترى شتمي بغير حياء
ستعلم يوماً ما أسأت لصاحب ... تكرم أخلاقي وحسن وقائي
ومن مليح ما سمعت قول سعيد بن حميد يعاتب صديقاً له:
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
فالمنتمون إلى الإخاء عصابة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث المنية والردى ... يوماً ستصدع بيننا وتحول
ولئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت، ولا سبقت، ليمضين ... من لا يشاكله لدي خليل
وليذهبن بهاء كل مروءة ... وليفقدن جمالها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... صاف، عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء جماله ... وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
إلى ههنا أومأ أبو الطيب بقوله:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر
وأشار إليه أيضاً بقوله، وأردت البيت الأخير:
زودينا بحسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال تحول
وصلينا نصلك في هذه الدني ... ا فإن المقام فيها قليل
والجميع من قول الأول:
ولقد علمت فلا تكن متجنياً ... أن الصدود هو الفراق الأول
حسب الأحبة أن يفرق بينهم ... ريب المنون فما لنا نستعجل
إلا أن ابن حميد قد فنن وبين، وشرح ما أجمل غيره بقوله " لئن سبقت أنا " " ولئن سبقت أنت " فله بذلك فضل بين، ورجحان ظاهر.
وما أحسن إيجاز الذي قال:
العمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالعتاب
وقال أبو المحدثين بشار:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه

باب الوعيد والإنذار
كان العقلاء من الشعراء وذوو الحزم يتوعدون بالهجاء، ويحذرون من سوء الأحدوثة، ولا يمضون القول إلا لضرورة ولا يحسن السكوت معها.
قال ابن مقبل:
بني عامر، ما تأمرون بشاعر ... تخير آيات الكتاب هجانيا؟
أأعفو كما يعفو الكريم فإنني ... أرى الشغب فيما بيننا متدانيا
أم اغمض بين الجلد واللحم غمضة ... بمبرد رومي يقط النواصيا
فأما سراقات الهجاء فإنها ... كلام تهاداه اللئام تهاديا
أم اخبط خبط الفيل هامة رأسه ... بحرد فلا يبقى من العظم باقيا
وعندي الدهيم لو أحل عقالها ... فتصبح لم تعدم من الجن حاديا

شبه لسانه بمبرد رومي لمضاته، وشبه القصيدة التي لو شاء هجاهم بها بالدهيم وهي الداهية، وأصل ذلك أن الدهيم ناقة عمرو بن زبان الذهلي التي حملت رءوس بنيه معلقة في عنقها، فجاءت بها الحي، فضرب بها المثل للداهية.
وقال جرير لبني حنيفة، وكان ميلهم مع الفرزدق عليه:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا
أبني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا
" أحكموا " كفوا، ومن حكمة اللجام.
وقال أيضاً لتيم الرباب رهط عمر بن لجأ:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوأة عمر
وكان علي بن سليمان الأخفش في صباه يعبث بابن الرومي لما يعلم من طيرته، فيجعل من يقرع الباب عليه بكرة ويتسمى له بأقبح الأسماء، فيمنعه ذلك من التصرف، فقال يتوعده:
قولوا لنحوينا أبي حسن ... إن حسامي متى ضربت مضى
وإن نبلي متى هممت بأن ... أرمي نصلتها بجمر غضى
لا تحسبن الهجاء يحفل بال ... رفع ولا خفض خافض خفضا
ولا تخل عودتي كبادئتي ... سأسعط السم من عصى الحضضا
أعرف في الأشقياء لي رجلاً ... لا ينتهي أو يصير لي غرضا
يليح لي صفحة السلامة والس ... لم، ويخفي في قلبه الرضا
يضحي مغيظاً علي أن غضب ا ... لله عليه ونلت منه رضا
وليس تجدي عليه موعظتي ... إن قدر الله حينه فقضى
كأنني بالشقي معتذراً ... إذا القوافي أذقنه مضضا
ينشدني العهد يوم ذلك وال ... عهد خفار إذا له قبضا
لا يأمنن السفيه بادرتي ... فإنني عارض لمن عرضا
عندي له السوط إن تلوم في ال ... سير وعندي اللجام إن ركضا
أسمعت أنباء صيتي أبا حسنٍ ... والنصح لا شك نصح من محضا
وهو معافى من السهاد فلا ... يجهل فيشرى فراشه قضضا
أقسمت بالله لا غفرت له ... إن واحد من عروقه نبضا
وكذلك قد فعل، وقد مزقه بالهجاء كل ممزق، وجعله مثلة بين أصحابه، على أن الأخفش كان يتجلد عليه، ويظهر قلة المبالاة به، وهيهات! وقد وسمه سمة الدهر، وسامه سوم الخسف والقهر. ومما قلته في هذا الباب:
يا موجعي شتماً على أنه ... لو فرك البرغوث ما أوجعا
كل له من نفسه آفة ... وآفة النحلة أن تلسعا
وقلت من قصيدة خاطبت بها بعض بني مناد:
من يصحب الناس مطوياً على دخل ... لا يصحبوه؛ فخلوا كل تدخيل
لا تستطيلوا على ضعفي بقوتكم ... إن البعوضة قد تعدو على الفيل
وجانبوا المزح إن الجد يتبعه ... ورب موجعة في إثر تقبيل
ومنها بعد أبيات لا تليق بالموضع خوف الحشو:
يا قوم لا يلقيني منكم أحد ... في المهلكات؛ فإني غير مغلول
لا تدخلوا بالرضا منكم على غرر ... فتخربوا لليث غضباناً من الغيل
إلا تكن حملت خيراً ضمائركم ... أكن تأبط شراً ناكح الغول

باب الهجاء
يروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: خير الهجاء ما تنشده العذراء في خدرها فلا يقبح بمثلها، نحو قول أوس:
إذا ناقة شدت برجل ونمرق ... إلى حيكم بعدي فضل ضلالها
واختار أبو العباس قول جرير:
لو أن تغلب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا
ومثل قوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
وبين الاختيارين تناسب في عفة المذهب، غير أن بيت جرير الثاني أشد هجاء لما فيه من التفضيل، فقد حكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس بن حبيب أنه قال: أشد الهجاء الهجاء بالتفضيل، وهو الإقذاع عندهم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من قال في الإسلام هجاء مقذعاً فلسانه هدر " ولما أطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حبسه إياه بسبب هجائه الزبرقان بن بدر قال له: إياك والهجاء المقذع، قال:

وما المقذع يا أمير المؤمنين؟ قال: المقذع أن تقول هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعراً على مدح لقوم وذم لمن تعاديهم، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني بمذاهب الشعر، ولكن حباني هؤلاء فمدحتهم وحرمني هؤلاء فذكرت حرمانهم ولم أنل من أعراضهم شيئاً، وصرفت مدحي إلى من أراده ورغبت به عمن كرهه وزهد فيه، يريد بذلك قصيدته المهموزة التي يقول فيها:
وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الإناء
وهي أخبث ما صنع. وفيها أو من أجلها قال خلف الأحمر: أشد الهجاء أعفه وأصدقه، وقال مرة أخرى: ما عف لفظه وصدق معناه، ومن كلام صاحب الوساطة: فأما الهجو فأبلغه ما خرج مخرج التهزل والتهافت، وما اعترض بين التصريح والتعريض، وما قربت معانيه، وسهل حفظه، وأسرع علوقه بالقلب ولصوقه بالنفس، فأما القذف والإفحاش فسباب محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن.
ومما يدل على صحة ما قاله صاحب الوساطة وحسن ما ذهب إليه إعجاب الحذاق من العلماء وفرسان الكلام بقول زهير في تشككه وتهزله وتجاهله فيما يعلم:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
فإن تكن النساء مخبئات ... فحق لكل محصنة هداء
وإن هذا عندهم من أشد الهجاء وأمضه.
ولما قدم النابغة بعد وقعة حسي سأل بني ذبيان: ما قلتم لعامر بن الطفيل وما قال لكم؟ فأنشدوه، فقال: أفحشتم على الرجل وهو شريف لا يقال له مثل ذلك، ولكني سأقول، ثم قال:
فإن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مطية الجهل السباب
فكن كأبيك أو كأبي براء ... تصادفك الحكومة والصواب
فلا يذهب بلبك طائشات ... من الخيلاء ليس لهن باب
فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
فإن تكن الفوارس يوم حسي ... أصابوا من لقائك ما أصابوا
فما إن كان من سبب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب
فلما بلغ عامراً ما قال النابغة شق عليه، وقال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة، جعلني القوم رئيساً، وجعلني النابغة سفيهاً جاهلاً وتهكم بي! وروى أن شاعراً مدح الحسين بن علي رضي الله عنهما، فأحسن عطيته، فعوتب على ذلك، فقال: أترون أني خفت أن يقول إني لست ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ابن علي بن أبي طالب؟ ولكن خفت أن يقول: لست كرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولست كعلي، فيصدق ويحمل عنه، ويبقى مخلداً في الكتب، ومحفوظاً على ألسنة الرواة، فقال الشاعر: أنت والله يا ابن رسول الله أعلم بالمدح والذم مني، وقد وقع الحسن بن زيد بن الحسين بن علي في بعض ما قال جده، قال فيه ابن عاصم المديني، واسمه محمد بن حمزة الأسلمي:
له حق، وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاً ... عليه لأهلها وهو الرسول
وجميع الشعراء يرون قصر الهجاء أجود، وترك الفحش فيه أصوب، إلا جريراً فإنه قال لبنيه: إذا مدحتم فلا تطيلوا الممادحة، وإذا هجوتم فخالفوا، وقال أيضاً: إذا هجوت فأضحك. وسلك طريقته في الهجاء سواء علي بن العباس بن الرومي، فإنه كان يطيل ويفحش، وأنا أرى أن التعريض أهجى من التصريح؛ لاتساع الظن في التعريض، وشدة تعلق النفس به، والبحث عن معرفته، وطلب حقيقته، فإذا كان الهجاء تصريحاً أحاطت به النفس علماً، وقبلته يقيناً في أول وهلة، فكان كل يوم في نقصان لنسيان أو ملل يعرض، هذا هو المذهب الصحيح، على أن يكون المهجو ذا قدر في نفسه وحسبه؛ فأما إن كان لا يوقظه التلويح، ولا يؤلمه إلا التصريح؛ فذلك، ولهذه العلة اختلف هجاء أبي نواس، وكذلك هجاء أبي الطيب فيه اختلاف؛ لاختلاف مراتب المهجوين.
فمن التفضيل في الهجاء قول ربيعة بن عبد الرحمن الرقي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
ومن الاستحقار والاستخفاف قول زياد الأعجم:

فقم صاغراً يا شيخ جرم فإنما ... يقال لشيخ الصدق: قم غير صاغر
فمن أنتم؟ إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر؟!!
أأنتم أولى جئتم مع النمل والدبا ... فطار، وهذا شيخكم غير طائر
قضى الله خلق الناس ثم خلقتم ... بقية خلق الله آخر آخر
فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدق الحوافر
وأخذ الطرماح منه هذا المعنى فقال:
وما خلقت تيم وعبد مناتها ... وضبة إلا بعد خلق القبائل
ومن الاحتقار أيضاً قول جرير في التيم:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود
فإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيماً قلت: أيهم العبيد؟
ومن مليح التهكم والاستخفاف قول أبي هفان:
سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنه وقف عليه الهزائم
ألا عوذوه من توالي فتوحه ... عساه ترد العين عنه التمائم
وفيه يقول ابن الرومي:
قرن سليمان قد أضر به ... شوق إلى وجهه سيتلفه
كم يعد القرن باللقاء؟ وكم ... يكذب في وعده ويخلفه؟
لا يعرف القرن وجهه، ويرى ... قفاه من فرسخ فيعرفه
أخذ معنى البيت الأخير من قول الخارجي وقد قال له المنصور: أي أصحابي كان أشد إقداماً في مبارزتكم؟ فقال: ما أعرف وجوههم، ولكن أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا لأعرف.
وأجود ما في الهجاء أن يسلب الإنسان الفضائل النفسية وما تركب من بعضها مع بعض، فأما ما كان في الخلقة الجسمية من المعايب فالهجاء به دون ما تقدم، وقدامة لا يراه هجواً البتة، وكذلك ما جاء من قبل الآباء والأمهات من النقص والفساد لا يراه عيباً، ولا يعد الهجو به صواباً، والناس إلا من لا يعد قلة على خلاف رأيه، وكذلك يوجد في الطباع وقد جاء ما أكد ذلك من أحكام الشريعة.
وقد جمع السيد أبو الحسن أنواع الفضائل وسلبها بعض من رأى ذلك فيه صواباً، فقال:
وخل لا سبيل لصرم حبله ... تعرض لي بحتف فرط جهله
ردي الظن لا يأوي لخلق ... ولا يؤوى إليه لسوء فعله
يصدق هاجساً يغري، ويغرى ... بتكذيب العيان لضعف عقله
ويشنأ كل ذي دين وعلمٍ ... وأصل ثابت لفساد أصله
وكان السيد أبو الحسن في هذا الباب الذي سلكه من الهجاء كما قال ولي إحسانه:
إذا لم تجد بداً من القول فانتصف ... بحد لسان كالحسام المهند
فقد يدفع الإنسان عن نفسه الأذى ... بمقوله، إن لم يدافعه باليد
ويقال: إن أهجى بيت قاله شاعر قول الأخطل في بني يربوع رهط جرير:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار
لأنه قد جمع فيه ضروباً من الهجاء: فنسبهم إلى البخل بوقود النار لئلا يهتدي بها الضيفان، ثم البخل بإيقادها إلى السائرين والسابلة، ورماهم بالبخل بالحطب، وأخبر عن قلتها وأن بولة تطفئها، وجعلها بولة عجوز، وهي أقل من بولة الشابة، ووصفهم بامتهان أمهم وابتذالها في مثل هذه الحال، يدل بذلك على العقوق والاستخفاف، وعلى أن لا خادم لهم، وأخبر في أضعاف ذلك ببخلهم بالماء، وقال محمد بن الحسين بن عبد الله الأنصاري: إنه رماهم في هذا البيت بالمجوسية؛ لأن المجوس لا ترى إطفاء النار بالماء، ولا أدري أنا كيف هذا والبول ماء غير أنه ماء نجس قذر؟ وقيل لبني كليب: ما أشد ما هجيتم به؟ قالوا: قول البعيث:
ألست كليبياً إذا سيم خطة ... أقر كإقرار الحليلة للبعل
وكل كليبي صحيفة وجهه ... أذل لأقدم الرجال من النعل
وكان النابغة الجعدي يقول: إني وأوساً لنبتدر باباً من الهجاء، فمن سبق منا إليه غلب صاحبه، فلما قال أوس بن مغراء:
لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها
قال النابغة: هذا والله البيت الذي كنا نبتدره. والذي أراه أنا على كل حال أن أشد الهجاء ما أصاب الغرض، ووقع على النكتة، وهو الذي قال خلف الأحمر بعينه.

باب الاعتذار

وينبغي للشاعر أن لا يقول شيئاً يحتاج أن يعتذر منه، فإن اضطره المقدار إلى ذلك، وأوقعه فيه القضاء؛ فليذهب مذهباً لطيفاً، وليقصد مقصداً عجيباً، وليعرف كيف يأخذ بقلب المعتذر إليه، وكيف يمسح أعطافه، ويستجلب رضاه، فإن إتيان المعتذر من باب الاحتجاج وإقامة الدليل خطأ، لا سيما مع الملوك وذوي السلطان، وحقه أن يلطف برهانه مدمجاً في التضرع والدخول تحت عفو الملك، وإعادة النظر في الكشف عن كذب الناقل، ولا يعترف بما لم يجنه خوف تكذيب سلطانه أو رئيسه، ويحيل الكذب على الناقل والحاسد، فأما مع الإخوان فتلك طريقة أخرى.
وقد أحسن محمد بن علي الأصبهاني حيث يقول:
العذر يلحقه التحريف والكذب ... وليس في غير ما يرضيك لي أرب
وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت ... إلا مننت بعفو ما له سبب
وقال إبراهيم بن المهدي للمأمون في أبيات يعتذر إليه:
الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من مقر خاضع
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع
وقد سلك أبو علي البصير مذهب الحجة وإقامة الدليل بعد إنكار الجناية، فقال:
لم أجن ذنباً فإن زعمت بأن ... جنيت ذنباً فغير معتمد
قد تطرف الكف عين صاحبها ... ولا يرى قطعها من الرشد
ونحوت أنا هذا النحو فقلت:
لا يبعد الله أبا جعفر ... دعابة بت على نارها
وإن تأذيت فيا ربما ... تأذت العين بأشفارها
وأجل ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث: إحداهن: يا دار مية بالعلياء فالسند يقول فيها:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند
ما قلت من سيء مما أتيت به ... إذاً فلا رفعت سوطي إلي يدي
إذاً فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد
إلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعاً على الكبد
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
والثانية: أرسماً جديداً من سعاد تجنب يقول فيها معتذراً من مدح آل جفنة ومحتجاً بإحسانهم إليه:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومهرب
ملوك وإخوان إذا ما لقيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكرهم لك أذنبوا
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
وذلك أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
والثالثة: عفا ذو حسي من فرتنا فالفوارع يقول فيها بعد قسم قدمه على عاداته:
لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع
فإن كنت لا ذو الضغنين عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بقول أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقد تعلق بهذا المعنى جماعة من الشعراء: قال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدي:
إني أعوذ بخير الناس كلهم ... وأنت ذاك بما نأتي ونجتنب
وأنت كالدهر مبثوثاً حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب
فليس إلا انتظاري منك عارفة ... فيها من الخوف منجاة ومنقلب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وإني وإن حدثت نفسي بأنني ... أفوتك إن الرأي مني لعازب
لأنك لي مثل المكان المحيط بي ... من الأرض أني استنهضتني المذاهب

وإلى هذه الناحية أشار أبو الطيب بقوله:
ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب
إلا أنه حرف الكلم عن مواضعه.
واختار العلماء لهذا الشأن قول علي بن جبلة:
وما لامرئ حاولته عنك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع
بلى هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
لأنه قد أجاد مع معارضته النابغة، وزاد عليه ذكر الصبح، وأظنه اقتدى بقول الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار وفي هذه الاعتراض كلام يأتي في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.
وأفضل من هذا كله قول الله تعالى: " يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " .
ووجد الفضل بن يحيى على أبي الهول الحميري فدخل إليه فأنشده:
كساني وعبد الفضل ثوباً من البلى ... وإيعاده الموت الذي ما له رد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... من الجرم ما يخشى على مثله الحقد
فجد بالرضا لا أبتغي منك غيره ... ورأيك فيما كنت عودتني بعد
فقال له الفضل على مذهب الكتاب في تحرير الخطاب: لا أحتمل والله قولك: " ورأيك فيما كنت دعوتني " فقال أبو الهول: لا تنظر أعزك الله إلى قصر باعي، وقلة تمييزي، وافعل بي ما أنت أهله، فأمر له بمال جسيم، ورضي عنه، وقربه.
وفي اشتقاق الأعذار ثلاثة أقوال: أحدهما أن يكون من المحو، كأنك محوت آثار الموجدة، ومن قولهم: اعتذرت المنازل، إذا درست، وأنشدوا قول ابن أحمر:
أم كنت تعرف آيات فقد جعلت ... أطلال إلفك بالودكاء تعتذر
والثاني: أن يكون من الانقطاع، كأنك قطعت الرجل عما أمسك في قلبه من الموجدة، ويقولون: " اعتذرت المياه " إذا انقطعت. وأنشدوا للبيد:
شهور الصيف واعتذرت إليه ... نطاق الشيطين من السماء
والقول الثالث: أن يكون من الحجر والمنع... قال أبو جعفر: يقال " عذرت الدابة " أي جعلت لها عذراً يحجزها من الشراد، فمعنى اعتذر الرجل احتجز، وعذرته: جعلت له بقبول ذلك حاجزاً بينه وبين العقوبة والعتب عليه، ومنه تعذر الأمر احتجز أن يقضى، ومنه جارية عذراء.

باب سيرورة الشعر والحظوة في المدح
كان الأعشى أسير الناس شعراً، وأعظمهم فيه حظاً، حتى كاد ينسى الناس أصحابه المذكورين معه؛ ومثله زهير، والنابغة، وامرؤ القيس؛ وكان جرير نابغة الشعر مظفراً، قال الأخطل للفرزدق: أنا والله أشعر من جرير، غير أنه رزق من سيرورة الشعر ما لم أرزقه، وقد قلت بيتاً لا أحسب أن أحداً قال أهجى منه، وهو:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار
وقال هو:
والتغلبي إذا ننحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا
فلم يبق سقاء ولا أمة حتى روته. قال الأصمعي: فحكما له بسيرورة الشعر قال الحسين بن الضحاك الخليع: أنشدت أبا نواس قولي:
وشاطري اللسان مختلق الت ... كريه شاب المجون بالنسك
إلى أن بلغت إلى قولي:
كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك
فنفر نفرة منكرة، فقلت: مالك فقد أفزعتني؟!! فقال: هذا معنى مليح وأنا أحق به، وسترى لمن يروى، ثم أنشدني بعد أيام:
إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا
فقلت: هذه مصالته يا أبا علي، فقال: أتظن أنه يروى لك معنى مليح وأنا في الحياة؟!! وأنت ترى سيرورة بيت أبي نواس كيف نسي معها بيت الخليع، على أن له فضل السبق، وفيه زيادة ذكر القمر، وقد أربى ابن الرومي عليهما جميعاً بقوله:
أبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس
وكأنها وكأن شاربها ... قمر يقبل عارض الشمس
ولكن بيت أبي نواس أملأ للفم والسمع، وأعظم هيبة في النفس والصدر ولذلك كان أسير.
وفي زماننا هذا قوم يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.

وليس في العرب قبيلة إلا وقد نيل منها، وهجيت، وعيرت؛ فحط الشعر بعضاً منهم بموافقة الحقيقة، ومضى صفحاً عن الآخرين لما لم يوافق الحقيقة، ولا صادف موضع الرمية.
فمن الذي لم يحك فيهم هجاء إلا قليلاً على كثرة ما قيل فيهم: تميم بن مرة، وبكر بن وائل، وأسد بن خزيمة، ونظراؤهم من قبائل اليمن.
ومن الذين شقوا بالهجاء، ومزقوا كل ممزق على تقدمهم في الشجاعة والفضل أحياء من قيس: نحو غنى وباهلة ابني أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان، واسم غنى عمرة، وكانوا موالي عامر ابن صعصعة: يحملون عنهم الديات والنوائب، ونحو محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان، وجسر بن محارب حالفوا بني عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة على لوم الحلف، ومن ولد طابخة بن إلياس بن مضر: تيم وعكل ابنا عبد مناة بن أد، صادف الشعر سباء كان وقع عليهم في الجاهلية، فاستهانت العرب بهم، وانطبع الهجاء فيهم، وعدى بن عبد مناة، كانوا قطيناً لحاجب بن زرارة، وأراد أن يستملكهم ملك رق بسجل من قبل المنذر، والحبطات، وهم ولد الحارث بن عمرو بن تيم، وسمى الحارث الحبط لعظم بطنه، شبهوه بالجمل الحبط، وهو الذي انتفخ بطنه مما رعى الخلا؛ فأما سلول فقد قال فيهم أبو زياد الكلابي: كرام من كرام من صعصعة، لم يحالفوا، ولم يدخلوا في صغار، وإنما كلمة عامر بن الطفيل التي حدثت هي التي شأمتهم يريد قوله: " أغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية " قلت: أما عامر فقد قال هذه الكلمة حين دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فما يصنع بقول السموأل ابن عادياء:
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
والسموأل في زمان امرئ القيس، وبين امرئ القيس ومبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وأربع وخمسون سنة.
قال الجاحظ: لم تمدح قبيلة قط في الجاهلية من قريش كما مدحت مخزوم قال: وكان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم، قال: ولم يكن من أصحابنا وخلفائنا أحظى في الشعر من الرشيد، وقد كان يزيد بن مزيد وعمه معن بن زائدة ممن أحظاه الشعر، ولا أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية الله تعالى أعظم من أن يكون الرجل ممدوحاً.
قلت أنا: أما هذه النعمة فقد أحلها الله مضاعفة عند السيد أبي الحسن، وقرنها منه بالاستحقاق، فقرت مقرها، ونزلت منزلها المختار لها، وأحيا الله لبني شيبان حمداً لم يشبه ذم، وجوداً لم يعقبه فدم، مما زاد على يزيد، ولم يدع لمعن معنى في الجود.
وقال غيره: كان عمر بن العلاء ممدحاً، وفيه يقول بشار بن برد:
قل للخليفة إن جئته ... نصيحاً ولا خير في المتهم
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمراً ثم نم
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم
دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم
ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم
وله يقول أبو العتاهية:
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا
وقد مرت هذه الأبيات فيما مضى من هذا الكتاب.
قال أبو عبيدة: لم يمدح أحد قط بني كليب غير الحطيئة بقوله:
لعمرك ما المجاور في كليب ... بمقصي الجوار ولا مضاع
هم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصناع
ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع
وكانت قيس تفتخر على تميم؛ لأن شعراءهم تضرب المثل بقبائل قيس ورجالها فأقامت تميم دهراً لا ترفع رءوسها حتى قال لبيد:
أبني كليب كيف تنفي جعفر ... وبنو ضبينة حاضرو الأجباب
قتلوا ابن عروة ثم لطوا دونه ... حتى يحاكمهم إلى جواب
يرعون منخرق اللديد كأنهم ... في العز أسرة حاجب وشهاب
متظاهري حلق الحديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتاب
قوم لهم عرفت معد فضلها ... والفضل يعرفه ذوو الألباب
وقال زبان بن منصور الفزاري:
فجاءوا بجمع محزئل كأنهم ... بنو دارم إذ كان في الناس دارم

فتكلمت تميم وافتخرت؛ لمكان هذين الشاعرين العظيمي القدر في قيس، فدل هذا على أن قيساً أحظى بالمدح من تميم.
والأوابد من الشعر الأبيات السائرة كالأمثال، وأكثر ما تستعمل الأوابد في الهجاء، يقال: رماها بآبدة، فتكون الآبدة هنا الداهية، قال الجاحظ: الأوابد الدواهي، ومنه أوابد الشعر، حكاه عن أبي زيد، وحكى: الأوابد الإبل التي تتوحش فلا يقدر عليها إلا بالعفر، والأوابد الطير التي تقيم صيفاً وشتاء، والأوابد الوحش؛ فإذا حملت أبيات الشعر على ما قال الجاحظ كانت المعاني السائرة كالإبل الشاردة المتوحشة، وإن شئت المقيمة على من قيلت فيه لا تفارقه كإقامة الطير التي ليست بقواطع، وإن شئت قلت: إنها في بعدها من الشعراء وامتناعها عليهم كالوحش في نفارها من الناس.
وأما المجدودون في التكسب بالشعر والحظوة عند الملوك فمنهم: سلم الخاسر مات عن مائة ألف دينار، ولم يترك وارثاً، وأبو العتاهية صنع:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال
وكان صديقه جداً، فقال سلم: ويلي من ابن الفاعلة، جمع القناطير من الذهب ونسبني إلى ما ترون من الحرص، ولم يرد ذلك أبو العتاهية، لكن دعاه يعجبه كما يفعل الصديق مع صديقه، ومروان بن أبي حفصة: أعطى مائة ألف دينار غير مرات، وكان لا يقابل إلا بالكثير، وهو لعمري من ذوي البيوتات، والمعوقين في التكسب بالشعر، وكان أبو نواس محظوظاً لا يدري ما وصل إليه، لكنه كان متلافاً سمحاً، وكان يتساجل في الإنفاق هو وعباس بن الأحنف وصريع الغواني، وكان البحتري ملياً قد فاض كسبه من الشعر، وكان يركب في موكب من عبيده، وأبو تمام فما وفى حقه مع كثرة ما صار إليه من الأموال؛ لأنه تبذل، وجاب الأرض، وكذلك أبو الطيب.

باب ما أشكل من المدح والهجاء
أنشدنا أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي، عن أبي علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، لرجل من بني عبد شمس بن سعد بن تميم:
تضيفني وهنا، فقلت: أسابقي ... إلى الزاد؟ شلت من يدي الأصابع
ولم تلق للسعدي ضيفاً بقفرة ... من الأرض إلا وهو عريان جائع
لم يرد أنه يسبق ضيفه إلى الزاد فيكون قد هجا نفسه، ولكنه وصف ذئباً لقيه ليلاً، فقال: أتسبقني أنت إلى الأكل؟ أي: تأكلني، شلت إذاً أصابعي إن لم أرمك فأقتلك فآكل من لحمك!! ثم قال على جهة المثل: لم تلق للسعدي يعني نفسه ضيفاً بقفزة لا مستعتب فيها يعني الذئب إلا وهو جائع، يقول: فهو لا يبقي علي لأني بغيته.
ومن أناشيدهم:
أبوك الذي نبئت يحبس خيله ... غداة الندى حتى يجف لها البقل
قالوا: إذا أخذ مطر الصيف الأرض أنبتت بقلاً في أصول بقل قد يبس فذلك الأخضر هو النشر، وهو الغمير، فتأكله الإبل، فيأخذها السهام، ولا سهام في الخيل؛ فعابه بالجهل بالخيل.
وقال الأصمعي: هذا القول خطأ، بل مدحه بمعرفة الخيل؛ لأن النشر مؤذٍ لكل من يأكله وإن لم يكن ثم سهام.
وقال سليمان بن قنة في رثاء الحسين بن علي رضي الله عنهما، وذكر آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروي للفرزدق:
أولئك قوم لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أراد لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ولم تجن علي إلا بعد أن جنيت علي؛ وقال آخرون: أراد لم يسلوا سيوفهم إلا وقد كثرت بها القتلى، كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك إلا وقد أحسنت إليك، والقولان جميعاً صحيحان؛ لأنه من الأضداد.
وينشدون قول الآخر:
هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح
ويروى:
دفعت إليه وهو يخنق كلبه ... ألا كل كلب لا أبا لك نابح
قالوا: فالمدح أن يكون إنما يكعمه لئلا يعقر الضيوف، والذم أن يكون ذلك لئلا ينبح فيدل عليه الضيف، وأنا أعرف هذا البيت في هجاء محض للراعي هجا به الحطيئة، وهو:
ألا قبح الله الحطيئة؛ إنه ... على كل من وافى من الناس سالح
ويروى: على كل ضيف ضافه فهو سالح
هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح
بكيت على مذق خبيث قريته ... ألا كل عبسي على الزاد نائح

وأنشدنا أبو عبد الله:
تجنبك الجيوش أبا خبيب ... وجاد على منازلك السحاب
ويروى: أبا ربيب قال: إن دعا له فإنما أراد أن يعافي من الجيوش، وأن يجوده السحاب فتخصب أرضه، وإن دعا عليه قال: لا بقي لك خير تطمع فيه الجيوش، فهي تتجنب ديارك لعلمهم بقلة الخير عندك، ويدعو على محلته بأن تدرسها الأمطار.
وقال غيره: معناه جاد على محلتك السحاب فأخصبت ولا ماشية لك، فذلك أشد لهمك وغمك، ويكون المعنى حينئذ كقول الآخر:
وخيفاء ألقى الغيث فيها ذراعه ... فسرت وساءت كل ماش ومصرم
أي: فسرت كل ماشية، وساءت كل فقير.
وأنشد أبو عبد الله أيضاً:
إني على كل إيسار ومعسرة ... أدعو حبيشاً كما تدعى ابنة الجبل
وروى المبرد: أدعو حنيفاً يريد أنه يجيب بسرعة كالصدى، وهو ابنة الجبل، وقيل: ابنة الجبل الصخرة المنحدرة من أعلاه، وزاد أبو زيد في روايته بيتاً، وهو:
إن تدعه موهناً يعجل بجابته ... عاري الأشاجع يسعى غير مشتمل
فهذا مدح لا محالة، ومنهم من حمله على قول الآخر:
كأني إذ دعوت بني حنيف ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا
ورواه قوم: بني سليم فمن مدح جعله كالأول في سرعة الإجابة، ومن ذم نسبهم إلى الثقل عن إجابته مثل الجبال.
ومن الدعاء الذي يدخل في هذا الباب قول الآخر:
تفرقت غنمي يوماً فقلت لها: ... يا رب سلط عليها الذئب والضبعا
قيل: إنهما إذا اجتمعا لم يؤذيا، وشغل كل واحد منهما الآخر، وإذا تفرقا آذيا، وقيل: إن معناه في الدعاء عليها قتل الذئب الأحياء عيثاً، وأكل الضبع الأموات، فلم يبق منها بقية.
ومن لطيف ما وقع في هذا الباب قول النابغة الذبياني:
يصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان
لم يرد أنه يغلب الثنيان ولا يغلب الفحل، لكن أراد التصغير بالذي هجاه، فجعله ثانياً، وقال الآخر:
ومن يفخر بمثل أبي وجدي ... يجئ قبل السوابق وهو ثاني
أراد وهو ثان من عنانه؛ لأنه يسبق متمهلاً.
وقال ابن مقبل:
إن الرفاق أناخوا حول منزله ... حلوا بذي فجرات زنده واري
قال ابن السكيت " بذي فجرات " أي: يتفجر بالسخاء والعطاء، ويدل على ما قال ابن السكيت أن لصيق هذا البيت:
جم المخارج، أخلاق الكريم له، ... صلت الجبين، كريم الخال مغوار
ومما يمدح به ويذم قولهم " هو بيضة البلد " فمن مدح أراد بها أصل الطائر، ومن ذم أراد أنها لا أصل لها، قالت أخت عمرو بن عبدود في علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قتل أخاها:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لقد بكيت عليه آخر الأبد
لكن قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديماً بيضة البلد
فهذا مدح كما تراه.
وقال الراعي النميري يهجو عدي بن الرقاع العاملي:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرقاع، ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة ن ترضى لكم نسباً ... وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد
وأنشد بعض العلماء:
وإني لظلام لأشعث بائس ... عرانا، ومقرور بري ماله الدهر
وجار قريب الدار، أو ذي جناية ... غريب بعيد الدار ليس له وفر
يظنه السامع هجا نفسه بظلم هؤلاء الذين ذكر، إنما مدحها بأنه يظلم الناقة فينحر فصيلها من غير علة ولا داء، إلا لضيافة هذا الأشعث، والجار وأشباههما.
84 - باب في أصول النسب وبيوتات العرب

أول النسب بعد آدم صلى الله عليه وسلم من نوح عليه السلام؛ لأن جميع من كان قبله قد هلك، وإنما بقي من ولده سام، وحام، ويافث، فولد يافث الصقالبة وبرجان والأشبال، وكانت منازلهم أرض الروم، من قبل أن تكون الروم، ومن ولده الترك، والخزر، ويأجوج ومأجوج؛ وولد حام كوش وكنعان وقوط؛ فأما قوط فنزل أرض الهند والسند فأهلها من ولده، وأما كوش وكنعان فأجناس السودان، والنوبة، والزنج، والزعارة، والحبشة، والقبط، وبربر من أولادهما؛ وولد سام إرم، وإر فخشذ، فعاد بن عوص بن إرم، وطسم وجديس ابنا لاوذ بن إرم، ومنهم العماليق، ومنهم فراعنة مصر، والجبابرة، ومنهم ملوك فارس، وأجناس الفرس كلها ولده، وثمود بن عابر بن سام، وماش بن إرم نزل ببابل، ومن ولده نمرود الذي فرق الله الألسنة في زماته، وهو الذي بنى الصرح ببابل، ويقال: إن النبط من ولد ماش؛ ويقال أيضاً: إنهم من ولد شاروخ بن فالغ بن إرفخشذ، والأنبياء كلها عربيها وعجميها، والعرب كلها يمنيها ونزاريها من ولد سام بن نوح، حكى جميع ذلك ابن قتيبة، ومن ولد إرفخشذ قحطان بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ، وكان مسكن قحطان اليمن، فكل يمان من ولده، فهم من العرب العاربة. ويقطن بن عابر، وهو أبو جرهم، وكانت مساكن جرهم اليمن، ثم نزلوا مكة فسكنوا بها، وتزوج إسماعيل صلى الله عليه وسلم امرأة منهم؛ فهم أخوال العرب المستعربة.
قال الزبير بن بكار: العرب ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة: فمضر شعب، وربيعة شعب، ومذحج شعب، وحمير شعب، وأشباههم، وإنما سميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها، وسميت القبائل لأن العمائر تقابلت عليها: أسد قبيلة، ودودان بن أسد عمارة، والشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل: كنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
وزعم أبو أسامة فيما رأيت بخطه، وقد عاصرته، وكان علامة باللغة أن تأليف هذه الطبقات على تأليف خلق الإنسان الأرفع فالأرفع؛ فالشعب أعظمها، مشتق من شعب الرأس، ثم القبيلة من فبلته، ثم العمارة، قال: والعمارة الصدر، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قال: وهي الساق، أو قال: المفصل، الشك مني أنا، قال: والحي أعظم من الجميع؛ لاشتمال هذا الاسم على جملة الإنسان.
وأما أبو عبيدة فجعل بعد الفخذ العشيرة، قال: وهم رهط الرجل دنيا ثم الفصيلة، قال: دون ذلك بمنزلة المفصل من الجسد، وهم أهل بيت الرجل، فأما البيوتات فكل يدعي لنفسه سابقة، ويمت بفضيلة، غير أن الصحيح ما اتفق عليه العلماء، وتداوله الرواة.
قال ابن الكلبي: كان أبي يقول: العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر والبيت والفرسان في شيبان.
قال ابن سلام الجمحي: كان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر بسعد، وحارب بعمرو، وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان.
قال أبو عبيدة: ليس في العرب أربعة إخوة أنجب ولا أعد ولا أكثر فرساناً من بني ثعلبة بن عكابة، وكان يقال له: الأغر والحصن، وبنوه شيبان، وذهل، وقيس، وتيم الله. قال: ففارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، وفاتكها الحارث بن ظالم، وحاكمهما هرم بن قطبة، وجوادها هرم بن سنان المري، وشاعرها النابغة الذبياني، وفارس بني تميم عتيب بن الحارث بن شهاب أحد بني يربوع، وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري، وفارس دارم عمرو ابن عمرو بن عدس، وفارس سعد فدكي بن أعبد المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس بن حصن الضبي، وفارس قيس عامر بن طفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس.
قال أبو عبيدة: بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة ومركزه بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله بن دارم، ومركزه بنو زرارة.
وقال أبو عمرو بن العلاء:

بيت بني سعد اليوم إلى الزبرقان بن بدر من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمرو الرديم، وبيت بني عدي بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل النعمان بن جساس.
قال: وليس في العرب جساس غيره.
قال الجمحي: فارس اليمن في بني زبيد عمرو بن معدي كرب، وشاعرها امرؤ القيس، وبيتها في كندة الأشعث بن قيس، لا يختلف في هذا، وإنما اختلف في نزار.
قال: وأما الشرف فما كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد النبي واتصل في الإسلام.
قال أبو إياس البصري: كان بيت قيس في آل عمرو بن ظرب العدواني، ثم في غني في آل عمرو بن يربوع؛ ثم تحول إلى بني بدر، فجاء الإسلام وهو فيهم.
وقال الأخفش علي بن سليمان: فرعا قريش هاشم وعبد شمس، وفرعا غطفان بدر بن عمرو بن لوذان وسيار بن عمرو بن جابر، وفرعا حنظلة رياح وثعلبة ابنا يربوع، وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وبكر ابنا كلاب، وفرعا قضاعة عذرة والحارث بن سعد.

باب مما يتعلق بالأنساب
قال أبو عبيدة: قريش البطاح قبائل: كعب بن لؤي بن عبد مناف وبنو عبد الدار وعبد العزى ابنا قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة وبنو تيم بن مرة، وبنو جمح وسهم ابنا هصيص بن كعب، وبعض بني عامر بن لؤي.
وقريش الظواهر: بنو محارب والحارث ابنا فهر، وبنو الدرم بن غالب ابن فهر، وعامة بني عامر ابن لؤي، وغيره.
كان يقال: مازن غسان أرباب الملوك، وحمير أرباب العرب، وكندة كندة الملك، ومذحج مذحج الطعان، وهمدان أحلاس الخيل، والأزد أسد البأس، والذهلان: أحدهما ذهل بن شيبان بن ثعلبة ويشكر، والآخر ضبيعة وذهل بن ثعلبة، واللهزمتان: إحداهما عجل وتيم اللات، والأخرى قيس بن ثعلبة وعنزة، وكلهم من بكر بن وائل، إلا عنزة بن أسد بن ربيعة.
الأحابيش: حلفاء قريش.
قال ابن قتيبة: هم بنو المصطلق، والحياء بن سعد بن عمرو وبنو الهون بن خزيمة: اجتمعوا بذنب حبشي وهو جبل بأسفل مكة فتحالفوا بالله إنا ليد على غيرنا ما سجى ليل وأوضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه.
وقال حماد الراوية: إنما سموا بذلك لاجتماعهم، والتحابش: هو التجمع في كلام العرب.
المطيبون: عبد مناف، وزهرة، وأسد بن عبد العزى، وتيم، والحارث بن فهر، وعبد قصي.
الأحلاف: مخزوم، وعدي، وسهم، وجمح، وعبد الدار.
سموا أولئك المطيبين لخلوق صنعته لهم أم حكيم فغمسوا أيديهم فيه، وسموا الآخرين أحلافاً لجزور نحروه، فدافوا دمه في جفنة فمسوه بأيديهم ولعقوا منه، وسموا " الأحلاف " و " لعقة الدم " .
والأراقم: جشم، ومالك، وعمر بن ثعلبة، ومعاوية، والحارث، بنو بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب بن وائل، قال أبو علي: ليس في العرب نصراني غيره.
البراجم: خمسة بطون من بني حنظلة: قيس، وغالب، وعمرو، وكلفة، والظليم، وهو مرة؛ تبرجموا على إخواتهم يربوع وربيعة ومالك، وكلهم أبوهم حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة.
الثعلبات: ثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وثعلبة بن عدي بن فزارة، وأضاف إليهم قوم ثعلبة بن يربوع.
والرباب: هم ضبة بن أدبن طابخة، وتيم، وعدي، وعوف وهو عكل وثور، وكل هؤلاء بنو عبد مناة بن أدبن طابخة.
الأجارب: خمس قبائل من بني سعد: وهم ربيعة، ومالك، والحارث وهو الأعرج وعبد العزى، وبنو حمار.
والحرام: بنو كعب بن سعد بن زيد مناة.
الضباب: هم أربعة بطون من بني كلاب: ضب، وضبيب، وحسل، وحسيل، بنو معاوية بن كلاب، كذا زعم ابن قتيبة وغيره.
وقال أبو زيد الكلابي، وهو أعلم بقومه: هم بنو عمرو بن معاوية بن كلاب، وإنما سموا ضباباً لأنه سمى فيهم ضباً وحسلاً وحسيلاً، فقال له الرجل وسمعه يهتف بهم: والله ما بنوك هؤلاء إلا الضباب، فسموا الضباب إلى اليوم؛ قال: ومن ولد عمرو بن معاوية بن كلاب: ضب، وحسل، وحسيل، وحصن، وحصين، وخالد، وعبد الله، وقاسط، والأعرف، وتولب، وشقيق، وخزيم، والوليد، وزهير؛ فهؤلاء أربعة عشر لم تدرج منهم قبيلة، وهم الضباب جميعاً.
الأكابر: شيبان، وعامر، وجليحة، والحارث بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
بنو أم البنين: عامر، والطفيل، وربيعة، وعبيدة، ومعاوية، بنو مالك بن جعفر بن كلاب، هكذا عند أكثر الناس، قالوا:

وإنما اضطرت القافية لبيداً فجعلهم أربعة وهم خمسة.
وقال أبو زيد الكلابي، وهو أعلم بقومه: إن بني أم البنين أربعة، كما قال لبيد: ابتكرت عامراً ملاعب الأسنة، وثنت بالطفيل، ثم تزوج عليها مالك سلامة السلمية، فغارت أم البنين وأسقطت له ثلاثة ذكوراً، وجاءت السلمية بثلاثة، وهم: سلمى، وعبيدة، وعتبة، فأدار مالك الحيلة على أم البنين وأخيها زهير بن خداش بن زهير، حتى أخذ عليها حكماً بأن لا تسقط ولداً وكانت حاملاً فولدت معاوية معوذ الحكماء، ثم ثنت بربيعة أبي لبيد، وزعم بعض شيوخه الذين أخذ عنهم أنه سمي معوذ الحكماء من أجل أنه تولى حكماً عن زهير بن عمرو على أخيه، وروى أبيات معاوية التي من أجلها سمي معوذ الحكماء لزيد الخيل، غير أنه لم ينشد البيت، وزعم أنه ناقض بها طفيلاً الغنوي.
قال: وأم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء.
الكملة: بنو زياد العبسيون، وهم: أنس الحفاظ، ويقال له أيضاً: أنس الفوارس، وعمارة الوهاب، وربيع الكامل، وقيس الجواد، هكذا رويناه عن النحاس.
قال المبرد وغيره: ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، أمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية.
الحمس: هم قريش، وكنانة، ومن دان بدينهم من بني عامر بن صعصعة.
قال أبو عمرو بن العلاء: الحمس من بني عامر: كلاب، وكعب، وعامر، بنو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمهم مجد بنت التيم الأدرم بن غالب بن فهر بن مالك، وكانوا في الجاهلية يتحمسون في أديانهم، أي: يتشددون، لا يستظلون أيام منى، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، وقيل: سموا حمساً لشدة بأسهم، ويعدون في الحمس خزاعة.
العنابس: حرب، وأبو حرب، وسفيان، وأبو سفيان، وعمرو، وأبو عمرو، بنو أمية بن عبد شمس.
والأعياص: العاص، وأبو العاص، والعيص، وأبو العيص، وبنوه أيضاً.
أم القبائل: هند بنت تميم بن مر، ولدت لعمرو بن قاسط تيم الله، وأوس الله، وعائذ الله؛ وولدت لوائل بن قاسط بكراً، وتغلب، وعنزاً، وقيل: هو عنز بن وائل؛ وولدت لعبد القيس بن قصي اللبوك بن عبد القيس، وبعضهم يقول: اللبوء بالهمز وبضم الباء وفيه اختلاف بين العلماء.
الجمرات: جمرات العرب: ضبة، وعبس، والحارث بن كعب؛ سموا بذلك لأن أمهم الخشناء بنت برة فيما يقال رأت في المنام كأن ثلاث جمرات خرجت منها، قال أبو عبيدة: فطفئت من الجمرات اثنتان: الحارث بن كعب حالفت في غطفان، وضبة حالفت الرباب وسعداً، وبقيت عبس لم تطفأ؛ لأنها لم تحالف، وأما الجاحظ فجعلها عبساً وضبة ونميراً. وأشار إلى أن في تميم جماراً أيضاً، وصرح بذلك المفضل، فقال: هم بنو يربوع، وزعم الفرزدق أنهم بنو العدوية، نسبو إلى أمهم، وهم زيد، وصدى، وجشيش، بنو مالك بن حنظلة، وزعم آخرون أنهم بنو مالك بن خزيمة بن تميم بن جل بن عبد مناة بن أد، غير أنهم جعلوا مكان جشيش يربوعاً، ومن الجمرات التي لم تطفأ عند بعضهم نمير بن عامر بن صعصعة؛ لأنهم لم يحالفوا أحداً من العرب.
قال الجاحظ: إنما قيل لكل واحد منها جمرة؛ لأنهم تجمعوا حتى قووا على عدوهم واشتدوا، قال: ويجوز أن يكون اشتقاقه من تجمير المرأة شعرها، وإذا ضفرته قيل: قد جمرته؛ وقال غيره: ومنه " خف مجمر " إذا كان مجتمعاً شديداً.
طهية بنت عبشمس بن سعد ولدت لمالك بن حنظلة عوفاً، وأبا سود، وربيعة، وآخر لم يعرفه ابن الكلبي، فعرف أولادها بها.
والموالي ثلاثة: مولى اليمين المحالف، ومولى الدار المجاور، ومولى النسب ابن العم والقرابة. قال الشاعر:
نبئت حياً على نعمان أفردهم ... مولى اليمين ومولى الدار والنسب

باب ذكر الوقائع والأيام

قد أثبت في هذا الباب ما تأدى إلى من أيام العرب ووقائعهم، مستخرجة من النقائض وغيرها، ولم أشرط استقضاء وغيرها، ولم أشرط استقضاءها، ولا ترتيبها؛ إذ كان في أقل مما جئت به غني ومقنع، ولأن أبا عبيدة ونظراءه قد فرغوا مما ذكرت؛ فإنما هذه القطعة تذكرة للعالم، وذريعة للمتعلم، وزينة لهذا الكتاب، ووفاء لشرطه، وزيادة لحسنه؛ إذ كان الشاعر كثيراً ما يؤتى عليه في هذا الباب، وأنا أذكر ما علمته من ذلك في أقرب ما أقدر عليه من الاختصار إن شاء الله تعالى، بعد أن أقدم في صدره أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقائعه مع المشركين؛ لأنه أولى بالتقديم، وأحق بالتعظيم، ولما أرجوه من بركة اسمه، وافتتاح القصص بذكره.
غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ودان على رأس الحول من الهجرة، ثم غزا عيرا لقريش بعد شهر وثلاثة أيام، ثم غزا في طلب كرز بن حفص حتى بلغ بدراً بعد عشرين يوماً، ووجهت القبلة إلى الكعبة، تم غزا بدراً فكان يوم بدر لستة عشرة يوماً خلت من شهر رمضان من سنة اثنتين، وكان المشركون يومئذ تسعمائة وخمسين رجلاً، والمسملون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فقتل من المشركين خمسون رجلاً، وأسر أربعة وأربعون، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً.
يوم أحد: كان في شوال من سنة ثلاث. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة، وقريش في ثلاثة آلاف، وفي هذه الغزوة استشهد حمزة رضي الله عنه.
يوم الخندق: كان في سنة أربع يوم بني المصطلق وبني لحيان: في شعبان سنة خمس يوم خبير: في سنة ست وكان يوم مؤتة في سنة ثمان، واستشهد فيه زيد بن حارثة أمير الجيش، وجعفر بن أبي طالب أمير الجيش أيضاً بعده، وعبد الله بن رواحة أمير الجيش بعدها، وقام بأمر الناس خالد بن الوليد، وكانوا في ثلاثة آلاف.
وكان فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان، وبعده بخمس عشرة ليلة سار إلى حنين في شوال، ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع هوزان في شوال للنصف منه، فانهزم المسلمون، وكان الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، وأيمن بن عبد الله، وهو ابن أم أيمن، واستشهد ذلك اليوم، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة، وفي رواية أخرى أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وابنه، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن، وأسامة، ثم رجع الناس من وقتهم، وانهزم المشركون، وكانت الكرة عليهم لله ولرسوله.
ثم سار بعد حنين إلى " الطائف " فحاصرها شهراً، ولم يفتتحها، وغزا بلدة الروم في رجب من سنة تسع؛ فبلغ تبوك وبنى بها مسجداً، وهو بها اليوم وفتح الله عليه في سفره ذاك دومة الجندل على يدي خالد بن الوليد، وكل هذا مختصر من كتاب ابن قتيبة، وإياه قلدت فيما رأيت من هذه الطريقة، والله المستعان، وعليه توكلت وهذه أيام العرب: يوم " إراب " لبني ثعلبة بن بكر: رئيسهم الهذيل بن حسان، على بني رياح بن يربوع، وكان الهذيل سبي نساء بني رياح، والتقى بهم على إراب، وقد سبقه بنو رياح إليه ليمنعوهم الماء، حتى يرد السبي، فأقسم الهذيل: لأن رددتم إلينا ماء فارغاً لنأتيهم فيه برأس إنسان تعرفونه فاشتروا منه بعض السبي، واطلق البعض.
يوم " نعف فشاوة " لبسطام بن قيس رئيس بني شيبان، على بني يربوع، قتل فيه بجيراً، وأسر أباه أبا مليل، ثم من عليه من وقته، وترك له مليلاً ولده، وكان أسيراً عنده بعد أن كساه وحمله: يوم " نجران " للأقرع بن حابس في قومه بني تميم، على اليمن، هزمهم وكانوا أخلاطاً، وفيهم الأشعث بن قيس، وأخوه، وفيهم ابن باكور الكلاعي الذي أعتق في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أربعة آلاف أهل بيت في الجاهلية أسروا.
يوم " الصمد " هو يوم " طلح " ويوم " بلقا " ويوم " أود " ويوم " ذي طلوح " كلها يوم واحد، لبنى يربوع على بني شيبان ورئيسهم الحوفزان، ورئيس اللهازم أبجر بن بجير العجلي.
يوم طخفة وهو أيضاً يوم " ذات كهف " ويوم " خزار " في قول بعضهم لبني يربوع والبراجم على المنذر بن ماء السماء، أسروا فيه أخاه حسان، وابنه قابوس، وجزت ناصية قابوس، وكان ذلك بسبب إزالة الردافة عن عوف بن عتاب الرياحي.

يوم " المروت " : وهو يوم " إرم الكلبة " نقاً قريب من النباج، لبني حنظلة وبني عمرو بن تميم، على بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان الذكر فيه لبني يربوع، وإنما أغارت قشير على بني العنبر فاستنقذ بنو يربوع أموال بني العنبر وسبيهم من بني عامر.
يوم مليحة: لبني شيبان على بن يربوع، رئيسهم بسطام بن قيس، وقتل ذلك اليوم عصمة بن النجار، فلما رآه بسطام قال: ما قتل هذا إلا لتثكل رجلاً أمه، فقتل به يوم العظالي قاتله الهبش بن المقعاس يوم اللوي: لفزارة على هوزان، وفيه قتل عبد الله بن الصمة، وأثخن أخوه دريد يوم الصليفاء: لهوازان على فزارة وعبس وأشجع، وفيه قتل دريد بأخيه ذؤاب بن أسماء.
يوم الهباءة: وهو يوم الجفر لعبس على ذبيان، وفيه قتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل سيدا بني فزارة، وكان يقال لحذيفة رب معد.
يوم عراعر: لعبس على كلب وذبيان، وفيه قتل مسعود بن مصاد الكلبي، وكان شريفاً.
يوم الفروق: بين عبس وبني سعد بن زيد مناة، قاتلوهم فمنعت عبس أنفسها وحريمها، وخابت غارة بني سعد، وقيل لقيس بن زهير ويقال عنترة : كم كنتم يوم الفروق؟ قال: مائة فارس كالذهب، لم نكثر فنفشل ولم نقل فنذل.
يوم شعب جبلة: قال أبو عبيدة: كانت عظام أيام العرب ثلاثة: يوم كلاب ربيعة، ويوم شعب جبلة، ويوم ذي قار، وكان يوم الشعب لبني عامر بن صعصعة وعبس حلفائهم على الحليفين أسد وذبيان، ورئيسهم حصن بن حذيفة يطلب عبساً بدم أبيه، وتطلب عبس بن بغيض بدم أبيهم، ومعهم معاوية بن الجون الكندي في جمع من كندة، وعلى بني حنظلة بن مالك والرباب رئيسهم لقيط بن زرارة يطلب بدم معبد أخيه، ويثربي بن عدس ومعهم حسان بن الجون أخو معاوية وقيل: بل عمرو بن الجون وحسان بن مرة الكلبي أخو النعمان ابن المنذر لأمه.
وقال غير أبي عبيدة: كان مع أسد وذبيان معاوية بن شرحبيل بن الحارث بن عمرو بن آكل المرار، ومع بني حنظلة والرباب حسان بن عمرو بن الجون في جموع من كندة وغيرهم، فأقبلوا إليهم بوضائع كانت تكون مع الملوك بالحيرة وغيرها، وهم الرابطة، وجاءت بنو تميم فيهم لقيط وحاجب وعمرو بن عمرو، ولم يتخلف منهم إلا بنو سعد؛ لزعمهم أن صعصعة هو ابن سعد، ولم يتخلف من بني عامر إلا هلال بن عامر بن ربيعة بن عامر، وشهدت غني وباهلة وناس من بني سعد بن بكر وقبائل بجيلة إلا قشيراً، وشهدت بنو عبس بن رفاعة ابن بهثة بن سليم مرداس بن أبي عامر أبو العباس بن مرداس صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معهم نفر من عكل، فانتهى جميع أهل الشعب يومئذ ثلاثين ألفاً.
وجاء الآخرون عدد لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولم يجتمع قط في الجاهلية جمع مثله، فانهزمت تميم وذبيان وأسد وكندة ومن لف لفهم، وقتل لقيط بن زرارة، طعنه شريح بن الأحوص، فحمل مرتثا فمات بعد يوم أو يومين، وأسر حسان بن الجون أسره طفيل بن مالك، وأسر معاوية بن الحارث بن الجون، أسره عوف بن الأحوص، وجر ناصيته وأطلقه على الثواب، ولقيه قيس بن زهير فقتله، وأسر حاجب بن زرارة، أسره ذو الرقيبة مالك بن سلمة بن قشير، وأسر عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق، فجز ناصيته وأطلقه على الثواب، وكان يوم جبلة قبل الإسلام بسبع وخمسين سنة، وقبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسبع عشرة سنة، وفي يوم الشعب ولد عامر ابن الطفيل، هكذا روى محمد بن حبيب عن أبي عبيدة، وروى عنه غيره خلاف ذلك.
يوم أقرن: لبني عبس على بن تميم، وبخاصة بني مالك بن مالك بن حنظلة، وفي هذا اليوم قتل عمرو بن عمرو بن عدس، وابنه شريح، وأخوه ربعي، وكان عمرو بن عمرو خرج مراغماً للنعمان بن المنذر، فسبي سبياً من عبس، وغنم مالاً، وابتنى بجارية من السبي، فأدركته عبس فكان من أمره ما كان.
يوم زبالة: لبني بكر بن وائل، وبخاصة بني شيبان وبني تميم الله، رئيسهم بسطام، علي بني تميم ورئيسهم الأقرع بن حابس، أسر فيه الأقرع وأخوه فراس، واستنقذهما بسطام بعد أن حكم عليه عمران بن مرة بمائة ناقة.
يوم جدود: لبني سعد بن زيد مناة علي بن شيبان، وكانت بنو شيبان أغارت مع الحوفزان على سعد، فأدركهم قيس بن عاصم المنقري فقتلهم واستنقذ ما كان في أيديهم، وفاته الحوفزان لصلابة فرسه، فلما يئس من أسره حفزه بالرمح في خزانة وركه فانتقضت عليه بعد حول فمات منها

وسالمت في هذا اليوم بنو يربوع الجيش على تمر أخذوه منهم وفضل ثياب، فعيرتهم بذلك منقر.
يوم الكلاب الأول لسلمة بن الحارث بن عمرو المقصور، ومعه بنو تغلب والنمر بن قاسط وسعد بن زيد مناة والصنائع، على أخيه شرحبيل ابن الحارث بن عمرو ومعه بكر بن وائل بن حنظلة بن مالك وبنو أسد وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، ولم يكونوا ذلك الوقت يدعون رباباً، وإنما ترببوا بعد ذلك، حكاه أبو عبيد، فقتل شرحبيل: قتله أبو حنش عاصم بن النعمان الجشمي، ويقال: بل قتله ذو الثنية حبيب بن عتبة الجشمي، وكانت له سن زائدة، وهو أخو أبي حنش لأمه، وهي سلمى بنت عدي بن ربيعة أخي مهلهل، هكذا أثبتوا في هذا الموضع أن عديا أخو مهلهل، ويسمى الكلاب الأول أيضاً.
يوم الشعيبة وهو يوم الكلاب الثاني لبني تميم وبني سعد والرباب رئيسهم قيس بن عاصم، على قبائل مذحج في نحو اثني عشر ألفاً رئيسهم زيد بن المأمور؛ وهو مذحج وهمدان وكندة، وفي هذا اليوم أسر عبد يغوث بن وقاص الحارثي وهتم فم سمي بن سنان، بعد أن أسر رئيس كندة: هتمه قيس بن عاصم بقوسه، وانتزع عبد يغوث من يدي الأهتم بعد أن شرط المأسور لموصله إليه مائة ناقة من الإبل، انتزعه التيم فقتلوه برئيسهم النعمان بن جساس، وكان قد قتل ذلك اليوم، وسمي الكلاب الثاني أيضاً.
يوم حر الدوابر قال أبو عبيدة: لم يشهد من تيم إلا الرباب وسعد خاصة، وكان الغناء من الرباب لتيم، ومن سعد لمقاعس يوم ذي بيض أغار الحوفزان على بني يربوع فسبى نسوة منهم، فأصرختهم بنو مالك بن حنظلة، واستنقذوا النسوة، وأسروا الحوافزان: أسره حنظلة بن بشر بن عمرو، وزعم قوم أن هذا اليوم يوم الصمد.
يوم عاقل: لبنى حنظلة على هوازن، وفيه أصر الصمة بن الحارث ابن جشم، وهزم جيشه، وكان الذي أسره الجعد بن الشماخ أحد بني عدي بن مالك بن حنظلة، ثم أطلقه بعد سنة، وجز ناصيته على أن يثيبه، فأتاه على الثواب فضرب الصمة عنقه، ثم غزا بني حنظلة ثانية فأسره الحارث ابن نبيه المجاشعي، وأسر رجل من بني أسد وكان نزيلاً عند ابن أخت له في بني يربوع ابناً للصمة، فافتدى الصمة نفسه، ومضى مع ابن نبيه في فداء ابنه إلى الأسدي النازل في بني يربوع، فطعنه أبو مرحب بالسيف فقتله؛ لشيء كان بينهما عند حرب بن أمية، فبنو مجاشع تعير بذلك.
يوم عينين: لبني نهشل على عبد القيس، منعوا فيه بني منقر وقد خرجوا ممتارين من البحرين، فعرضت لهم عبد القيس، واستغاثوا ببني نهشل فحموهم واستنقذوهم.
يوم قلهي: منعت بنو ثعلبة بن سعد بن ذبيان بني عبس الماء وغلبتهم عليه بعد إصلاح فزارة ومرة، حتى أخذوا دية عبد العزى بن حذار ومالك بن سبيع.
يوم بزاخة: لبني ضبة على محرق الغساني وأخيه فارس مودود، أغارو على بني ضبة ببزاخة في طوائف من العرب من إياد وتغلب وغيرهما، فأدركتهم بنو ضبة، فأسر زيد الفوارس محرقاً، وأسر أخاه حنش بن الدلف ثم قتلاهما بعد أن هزم من كان معهما، وقتل معهما عدة.
يوم إضم: لبني عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة على الحارث ابن مزيقيا الملك الغساني، وهو عمرو بن عامر، وفيهم كان ملك عسان بالشام في آل جفنة... علثة بن عمرو قتل بني عائذة قتلاً ذريعاً، وفي ذلك اليوم قتل الرديم وحمل رجل من بني عائذة بن قيس يدعى عامر. بن ضامر فقال: والله لأطعنن طعنة كمنخز الثور النعر، ثم قصد ابن مزيقيا فطعنة فقتله وانهزم أصحابه هزيمة فاحشة، وزعم قوم أن هذا اليوم هو يوم بزاخة.
وقال آخرون: بل كانت الواقعة مع عبد الحارث من ولد مزيقيا، وزعم غيرهم أيضاً أنها مع مزيقيا نفسه لا مع ولده، والله أعلم.
يوم نقا الحسن: الحسن شجر، سمي بذلك لحسنه، وقيل: هو جبل، وهذا اليوم لبني ثعلبة بن سعد بن ضبة على بكر بن وائل، وفيه قتل بسطام بن قيس: قتله عاصم بن خليفة أخو بني صباح، وكان رجلاً أعسر فأصاب صدغه الأيسر حتى نجم السنان من الصدغ الأيمن.
يوم أعيار: وهو أيضاً يوم النقيعة لبني ضبة على بني عبس، وفيه قتل عمارة الوهاب: قتله شرحاف بن المثلم بابن عم له يدعى مفاضلاً كان عمارة قد قتله وانطوى خبره، ثم سمع شرحاف ذكره على شراب، وكان حينئذ غلاماً، فحين شب أخذ بثأر عمه يوم النقيعة، واستنقذت بنو ضبة إبلها من عبس، وقد كانوا أدركوهم في المراعي.

يوم رحرحان الأول: غزا يثربي بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بني عامر بن صعصعة، وعلى بني عامر قريط بن عبيد بن أبي بكر، وقتل يثربي.
يوم رحرحان الثاني: لبني عامر بن صعصعة، ورئيسهم الأحوص، على بني دارم، وفي ذلك اليوم أسر معبد بن زرارة: أسره عامر بن مالك وأخوه طفيل وشاركهما في أسره رجل من غنى يقال له: أبو عميرة عصمة بن وهب وكان أخا طفيل من الرضاعة، وفي أسرهم مات معبد، شدوا عليه القد وبعثوا به إلى الطائف خوفاً من بني تميم أن يستنقذوه، كان هذا كله بسبب قتل الحارث بن ظالم المري من مرة بن سعد ذبيان خالد بن جعفر غدراً عند الأسود بن المنذر وقيل: عند النعمان والتجائه إلى زرارة بن عدس، فلما انقضت وقعة رحرحان جمع لقيط بن زرارة لبني عامر وألب عليهم، وكان بين يوم رحرحان وغزوة جبلة سنة واحدة.
يوم ضرية: اختلفت سعد والرباب على بني حنظلة، وكان بنو عمرو ابن تميم حالفوا بكر بن وائل، فضاقت حنظلة بسعد والرباب، فساروا إلى عمرو بن تميم فردوهم وحالفوهم، ثم جمعوا لسعد والرباب ورئيسهم يومئذ ناجية بن عقال، ورئيس سعد والرباب قيس بن عاصم، فقال ابن خفاف لسعد والرباب: من لعيال عمرو وحنظلة إن قتلتم مقاتلتهم؟ قالوا: نحن، قال: فمن لعيالكم إن قتلوا مقاتلتكم؟ قالوا: هم، قال: فدعوهم لعيالهم وليدعوكم لعيالكم، وتكلم الأهتم بمثل ذلك ورجال من أشراف سعد، وساروا إلى عمرو وحنظلة إلى النسار من حمى ضرية، ناجية بن عقال والقعقاع بن معبد بن زرارة وسنان بن علقمة بن زرارة إلى الصلح، وأبى ذلك مالك بن نويرة يوم النسار: وذلك أن عامر بن صعصعة ومن معهم من هوازن انتجعوا بلاد سعد والرباب، وهم يمتون إليهم برحم؛ لأنهم يزعمون أن صعصعة أبا عامر هو ولد سعد بن زيد بن مناة بن تميم.
وقال آخرون: إنما غضبوا على سعد لما أنهب المعزى بعكاظ، فلحق ببني أمه ولد معاوية بن بكر وهوازن، وكان سعد قد فارقها بعد أن ولدت له صعصعة وتزوجها معاوية بن بكر فضمن سعد والرباب الأهتم، واسمه سنان بن سمي بن سنان، وقيل: سمي بن سنان، وضمن هوازن مرة بن هبيرة، فسرقت خيل لذي الرقيبة، ثم اعترفت بعد ذلك بيسير عند الحنيف المنتجف، اعترفها بعض القشيريين، فضربه القشيري على ساعده، وضربه الحنيف فقتله، فأرادت هوازن القود من الرباب، فطلبهم بذلك ضامن سعد، فأبت الرباب إلا الدية، ففارقتهم سعد، وضافرت هوازن، فاستمدت بنو ضبة أسداً وطيئاً والتقوا بالنسار، فعبأت أسد لسعد والرباب لهوازن، فانهزمت هوازن وسعد، وكان حامي أدبار بني عامر يومئذ قدامة بن عبد الله القشيري، فرماه ربيعة بن أبي وكان أرمى الناس فقتله، فلما رأت ذلك بنو عامر منه وسائر هوازن سألوا أن يؤخذ منهم شطور أموالهم وسلاحهم، وقبل ذلك منهم، وهذا يوم المشاطرة ويوم النسار وهو من مذكورات أيام العرب في الجاهلية، وبنو ضبة تزعم أن هذا اليوم قبل يوم جبلة، وأبو عبيدة لا يشك أنه بعده.
يوم " الصرائم " وهو أيضاً يوم الجرف لبني رياح بن يربوع على بني عبس، وفي هذا اليوم أسر الحكم بن مروان بن زنباع العبسي، أسره أسيد بن حياة السليطي، وأسر بنو حميري بن رياح زنباعاً وفروة ابني مروان بن زنباع، واستنقذوا جميع ما أصابته عبس لربيعة بن مالك بن حنظلة وأسرفوا ذلك اليوم في قتل بني عبس.
يوم " الغبيط " : لبني يربوع علي بن شيبان، وكان الشيبانيون قد غزوهم متساندين على ثلاثة ألوية: الحوفزان بن شريك، والأسود أخوه، وبسطام بن قيس، وفي هذا اليوم أسر الأسود بن الحوفزان وزيد بن الأسود بن شريك، وحمى بسطام آخر القوم حتى حسبوه قتل وأسر، ورثاه بعضهم بمرات عدة، وزعم سعد عن أبي عبيدة أن يوم الغبيط هو يوم الأياد ويوم العظالي سمي بذلك لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومقرون بن عمرو الحوفزان بن شريك تعاظلوا على الرياسة.
وقال مرة أخرى: لم يشهد الحوفزان يوم العظالى، وهو أيضاً يوم الإناقة ويوم أعشاش، ويوم مليحة.
يوم ذي نجب لبني يربوع على بني عامر، وفيه قتل حسان بن معاوية بن آكل المرار الملك، قتله حشيش بن نمران من بني رياح بن يربوع، وقيل:

بل هو عمرو بن معاوية أعني المقتول وأما حسان فأسر، أسره دريد بن المنذر، وكانت بنو عامر أتت به تغزو بني حنظلة بن مالك بعد يوم جبلة بعام، فتنحى لهم بنو مالك بن عمرو بن عدس، وتركوا في صدورهم بني يربوع، فهزمت بنو عامر هزيمة عظيمة، وأسر يومئذ يزيد بن الصعق، وقتلت بنو نهشل خليف بن عبيد الله النميري، وأسر زيد بن ثعلبة الهصان، وهو عامر بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، وقتل خالد بن ربعي النهشلي عمرو بن الأحوص، وكان رئيس بني عامر يومئذ.
يوم خزازي: ويقال: خزاز واختلف فيه: فقال قوم: كان رئيس نزار فيه كليب بن ربيعة. وقال آخرون: رئيسهم زرارة بن عدس، وقال آخرون: بل ربيعة بن الأحوص، وقد أنكروا عمرو بن العلاء جميع ذلك والذي ثبت عنده أنه قال: هو يوم لنزار على ملك من ملوك اليمن قديم لا يعرف من هو منهم، وأما ربيعة فيقول: لا شك أنه يوم خزار لكليب بن ربيعة على مذحج وغيرهم من اليمن، وكان بعقب يوم السلان، فجمع كليب جموع ربيعة، فاقتتلوا، فانهزمت مذحج والذين معهم من اليمن.
يوم ملزق وهو أيضاً يوم السوبان كان لبني تميم على عبس وعامر بعد أن قاتلت تميم جميع من أتى بلادها من القبائل، وهم إياد، وبلحارث بن كعب، وكلب وطيئ، وبكر، وتغلب، وأسد، كانوا يأتونهم حياً حياً فتقتلهم تميم وتنفيهم عن البلد، وآخر من أتاهم بنو عبس وبنو عامر.
يوم الوندة وهي بالدهناء، أغارت بنو هلال على نعم بني نهشل. فأنزلتهم بنو نهشل بالوندة وهي بالدهناء فما أفلت من بني هلال إلا رجل واحد يقال له: فراس طواف؛ وقيل أواب.
يوم فيف الريح ورأيته بخط البصري فيفا مقصوراً في مواضع من كتاب نوادر أبي زياد الكلابي.
وأنشد أبو زياد لعامر بن الطفيل:
ويا لفيفا من اليمن استثارت ... قبائل كان ألبهم فخاروا
الفيفا: جبل طويل من جبال خثعم يقال له: فيفا الريح، وكان الصبر فيه والشرف لبني عامر، وقد اجتمعت كلها إلى عامر بن الطفيل على قبائل مذحج، وقد غزتهم مذحج في عدد عظيم من بني الحارث بن كلب وجعفي وزبيد وقبائل سعد العشيرة ومراد وصدى ونهد، ورئيسهم الحصين بن يزيد الحارثي، واستغاثوا بخثعم، فجاءت شهران وناهس وأكلب عليهم أنس بن مدرك، وأسرع القتل في الفريقين، فافترقوا، ولم تغنم طائفة منهم طائفة، وفي هذا اليوم أصيبت عين عامر، وزعم عبد الكريم وغيره أن يوم فيفا الريح هو يوم طلح.
يوم ذي بهدى: لبني يربوع على تغلب، أسروا فيه الهذيل، قال جرير للأخطل يعيره بذلك:
هل تعرفون بذي بهدى فوارسنا ... يوم الهذيل بأيدي القوم مقتسر
يوم البشر لبني كلاب على الأراقم، ورئيس قيس يومئذ الجحاف بن حكيم الكلابي، وكان سبب ذلك تعيير الأخطل إياه.
يوم الرغام لبني ثعلب بن يربوع، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، أغار فيه على بني كلاب فأطرد إبلهم، وقتل يومئذ أخوه حنظلة، قتله الحوثرة، وأسر الحوثرة ذلك اليوم، فدفع إلى عتيبة فقتله صبراً بأخيه، وانهزم الكلابيون بعد أن أسرع فيهم القتل والأسر.
يوم الهراميت للضباب، وهم معاوية بن كلاب، على أخوته بني جعفر بن كلاب، وكان هذا اليوم في زمن عبد الملك بن مروان، وكذلك يوم البشر.
يوم الوقيظ كان في فتنة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو للهازم، رئيسهم أبجر بن بجير، على بني مالك بن حنظلة، فأما بنو عمرو بن تميم فأنذرهم ناشب بن بشامة العنبري، فدخلوا الدهناء فنجوا، وفي هذا اليوم أسر ضرار بن القعقاع بن معبد، أسره الفزر الشيباني ورجل من تيم اللات، فجزت تيم اللات ناصيته، وخلته تحت الليل مضارة للفزر، ويسمى هذا اليوم يوم الحنو.

يوم جزع طلال لفزارة ورئيسهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، على التيم وعدي وعكل وثور أطحل بني عبد مناة، وأخذ يومئذ شريك بن مالك بن حذيفة من التيم وعكل أربعين امرأة ثم أطلقهن، وأخذ خارجة بن حصن نفراً من التيم فأطلقهم بغير فداء، ثم أغارت فزارة بعد ذلك عليهم ورئيسهم عيينة، فقتلوا التيم قتلاً ذريعاً وأخذوا منهم مائة امرأة فقسمهن عيينة في بدر، وجعلهن مع أزواجهن الأسارى ينقلن الخرى هوناً لهم، ثم أطلق الجميع بعد ذلك بغير فداء، وأغارت عليهم بعد ذلك بنو غيظ بن مرة، ورئيسهم زيد بن شيبان بن أبي حارثة، فقتلوا التيم وعدياً وسبوا سبياً كثيراً لم يردوا منه شيئاً، فنعى هذا كله عليهم جرير.
يوم أوارة الأول: لتغلب والنمر بن قاسط مع المنذر بن ماء السماء، على بكر بن وائل مع سلمة بن الحارث، واسم سلمة معدي كرب، وهو أيضاً الغلفاء، بعد قتل أخيه شرحبيل، والذي قتل سلمة الغلفاء بن عمرو بن كلثوم، عرفه فحمل عليه حتى قنعه السيف، وكان سبب هزيمة بكر بن وائل، وحلف المنذر يومئذ ليقتلن بدر على رأس أوارة حتى يلحق الدم بالحضيض، فشفع لهم مالك بن كعب العجلي، وقال للمنذر: أنا أخرجك من يمينك، فصب الماء على الدم فلحق الأرض، وبر يمين المنذر، فكف عن القتل، وكان مالك هذا رضيع المنذر.
يوم أوارة الأخير: كان لعمرو بن هند على بني دارم، وذلك أن ابناً له كان مسترضعاً عند زرارة بن عدس اسمه أسعد، وكان قد تبناه فعبث بناقة لأحد بني دارم يقال له سويد، فخرق ضرعها، فشد عليه فقتله، وأتى الخبر زرارة، وهو عند عمرو، وكان كالوزير له، فلحق بقومه وأدركه الموت على عقب ذلك، فغزا عمرو بني دارم، وحلف ليقتلن منهم مائة، فقتل منهم تسعة وتسعين، وأتم المائة برجل من البراجم، وفي حكاية أخرى أنه أحرقهم، وبذلك تشهد مقصورة ابن دريد وشعر الطرماح، وزعم أبو عبيدة أن من زعم أنه أحرقهم فقد أخطأ، وذكر له شعر الطرماح، فقال: لا علم له بهذا، واستشهد بقول جرير:
أين الذين بسيف عمرو قتلوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع
يوم زرود الأول: لشيبان مع الحوفزان، على بني عبس، وأثخن ذلك اليوم عمارة الوهاب جراحاً، غير أنه سلم فلم يمت منها.
يوم زرود الآخر: أغار حزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع، فاستاق النعم، فأدركوه، فأسره أسيد بن حناءة السليطي وأنيف بن جبلة الضبي وكان ثقيلاً في بني يربوع، وردوا الغنيمة من أيدي التغلبيين.
يوم تثليث غزت سليم مع العباس بن مرداس مرادا، فجمع لهم عمرو بن معدي كرب، فالتقوا بتثليث، فصبر الفريقان ولم تظفر طائفة منهم بالأخرى، وفي ذلك اليوم صنع العباس قصيدته السينية، وهي إحدى المنصفات.
يوم ذي علق كان بين بني عامر وبين بني أسد، وفي هذا اليوم قتل ربيعة أبو لبيد.
يوم العذيب: كان لبني سعد بن زيد مناة وعنزة، على مذحج وحمير، وكان رأس اليمن الأصهب الجعفي، بعث إليه النعمان ينكر عليه بلوغ سعد وعنزة العذيب، فحشد لهم ولقيهم، فقتلوه، قتله الأحمر بن جندل، وانهزمت اليمانية هزيمة شديدة، وأخذ منهم مال كثير وسبي.
يوم الصفقة: وهو أيضاً يوم المشقر كان على بني تميم بسبب غير كسرى التي كان يجيزها هوذة بن علي السحيمي، فلما سارت ببلاد بني حنظلة اقتطعوها برأي صعصعة بن ناجية جد الفرزدق، فكتب كسرى إلى المكعبر عامله على هجر فاغتالهم، وأراهم أنه يعرضهم للعطاء ويصطنعهم، فكان أحدهم يدخل من باب المشقر فينزع سلاحه ويخرج من الباب الآخر فيقتل، إلى أن فطنوا، وأصفق الباب على من حصل منهم؛ فلذلك سميت الصفقة، وشفع هوذة في مائة من أساراهم فتركوا له، فكساهم وأطلقهم يوم الفصح وكان نصرانياً.

يوم ذي قار: كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لبني بكر بن وائل وقادمة بني شيبان وبعدهم بنو عجل، على الأعاجم جنود كسرى ومن معهم من العرب رئيسهم إياس بن قبيصة الطائي، وكان مكان النعمان بن المنذر بعد قتل كسرى إياه، وتحت يديه طيئ وإياد وبهرا، وقضاعة والعباد وتغلب والنمر بن قاسط، قد رأس عليهم النعمان بن زرعة أعني النمر وتغلب وكان سبب يوم ذي قار طلب كسرى تركة النعمان بن المنذر، وكان النعمان قد تركها وترك ابناً له وبنتاً عند هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني، فمنع رسول كسرى من الوصول إلى ما طلب؛ وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد، وكان عاملاً له على الطف، بأن يعين إياساً، فأنفذ إلى قومه ليلاً، وحرضهم على القتال، وتوطأت العرب على العجم، فطارت إياد عن العجم حين تشاجرت الرماح كأنهم مهزومون، وقتل الهامرز بن خلا يزر عامل كسرى، وأسر النعمان بن زرعة التغلبي، وبسبب ما صنع قيس بن مسعود استدرجه كسرى حتى أتاه فقتله.
يوم الفجار الأول: كان بين كنانة بن خزيمة وبين عجز هوازن، بسوق عكاظ أول يوم من ذي القعدة، وبذلك سمي فجارا؛ لأنهم فجروا في الشهر الحرام، وكان سبب ذلك أن بدر بن معسر الكناني كان يستطيل على من ورد عكاظ فيمد رجله ويقول: أنا أعز العرب؛ فمن كان أعز منها فليضربها بالسيف فضربها الأحمر بن هوازن من بني نصر بن معاوية، وكان بين القبيلتين تشاجر دون أن يقع بينهما دماء، وليس هذا الفجار عند ابن قتيبة، وقد ذكره أبو عبيدة.
يوم الفجار الثاني: كان بسبب فتيان من غزية قريش وكنانة رأو امرأة وضيئة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ، فسألوها أن تسفر لهم، فأبت، فحل أحدهم ذيلها إلى ظهر درعها بشوكة، فلما قامت انكشفت، فقالوا: منعتنا رؤية وجهك وأريتنا دبرك!! فصاحت: يال عامر فتهايجوا وجرت بين الفريقين دماء يسيرة، حملها الحارث بن أمية، وليس هذا الفجار أيضاً عند ابن قتيبة وقد ذكره أبو عبيدة.
يوم الفجار الثالت: كان بسبب دين كان لأحد بني نصر على أحد بني كنانة، فأتى النصرى بقرد فقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان؟ فمر أحد بني كنانة فقتل القرد، فتصايح الفريقان، ثم سكنوا، وكان هذا سبب الأمر العظيم من قتل البراض الكناني عروة الرحال بن عيينة بن جعفر بن كلاب واتبعت هوازن قريشاً، وكانوا قد أدركوهم بنخلة، حتى دخلوا الحرم، وجنهم الليل، ثم التقوا بعد حول فكانت الوقعة أيضاً عليهم، وهو يوم شمطة ثم التقوا أيضاً بعد حول، فكانت الكرة على هوازن وفي ذلك اليوم سموا بني أمية العنابس لما فعل حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان من تقييدهم أنفسهم حتى يظفروا أو يقتلوا، هذه رواية أبي عبيدة، وأما ابن قتيبة فجعل ما جرى بين النصري والكناني هو الفجار الأول، وقال في آخره: ولم يكن بينهم قتال، إنما كان ذلك القتال في الفجار الثاني، وجعل سبب الفجار الثاني أن عيينة بن حصن بن حذيفة أتى سوق عكاظ فرأى الناس يتبايعون، فقال: أرى هؤلاء مجتمعين بلا عهد ولا عقد، ولئن بقيت إلى قابل ليعلمن، فغزاهم من قابل، وأغار عليهم، قال: فهذا الفجار الثاني، والحرب فيه كناية وقيس، والدائرة على قيس عيلان.
يوم الجفار: للأحاليف في ضبة وأخوتها الرباب وأسد وطيئ، على بني تميم، واستحر القتل يومئذ في بني عمرو بن تميم فقتلوا قتلاً ذريعاً.
يوم الصريف: كانت هذه الوقعة في أيام الرشيد، وهي لبني ضبة على بني حنظلة، وفي ذلك يقول شاعرهم، وأظنه من ولد جرير:
صبرت كليب للطعان ومالك ... يوم الصريف وفرت الأحمال
والأحمال: بطون من بني حنظلة.
وقد أوفيت بما عقدت به في صدر هذا الكتاب من إثبات ما انتهى إلي من أيام العرب، مجتهداً في اختصارها، بريئاً مما وقع فيها من الاختلاف، وإنما عهدة ذلك على الرواة.
وسأذكر من مفاخر بني شيبان لمعاً أختم بها هذا الكتاب كما بدأته؛ لأني لو تقصيت ذلك لأفنيت العمر دون تقضي الجزء الذي لا يتجزأ منه قلة، لكني ذهبت فيهم وفي سيدهم أبي الحسن مذهب أبي الطيب في أخوتهم بني تغلب وفي سيدهم علي بن حمدان حيث يقول:
ليت المدائح تستوفي مدائحه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل

قال أبو عبيدة: قدم على النعمان بن المنذر وفود ربيعة ومضر بن نزار، وكان فيمن قدم عليه من وفود ربيعة بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك البكريان، وفيمن قدم عليه من وفد مضر من قيس عيلان عامر بن مالك وعامر بن الطفيل، ومن تميم قيس بن عاصم والأقرع بن حابس، فلما انتهوا إلى النعمان أكرمهم وحباهم، وكان يتخذ للوفود عند انصرافهم مجلساً: يطعمون فيه معه، ويشربون، وكان إذا وضع الشراب سقي النعمان، فمن بدأ به على أثره فهو أفضل الوفد، فلما شرب النعمان قامت القينة تنظر إلى النعمان من الذي يأمرها أن تسقيه وتفضله من الوفد، فنظر في وجهها ساعة ثم أطرق ثم رفع رأسه وهو يقول:
اسقي وفودك مما أنت ساقيتي ... فابدي بكأس ابن ذي الجدين بسطام
أغر ينميه من شيبان ذو أنف ... حامي الذمار وعن أعراضها رامي
قد كان قيس بن مسعود ووالده ... تبدا الملوك بهم أيام أيامي
فارضوا بما فعل النعمان في مضر ... وفي ربيعة من تعظيم أقوام
هم الجماجم والأذناب غيرهم ... فارضوا بذلك أو بوءوا بإرغام
فقال عامر بن الطفيل:
كان التبايع في دهر لهم سلف ... وابن المرار وأملاك على الشام
حتى انتهى من لخم إلى ملك ... بادي السنان لمن لم يرمه رامي
أنحى علينا بأظفار فطوقنا ... طوق الحمام بإتعاس وإرغام
إن يمكن الله من دهر نساء به ... نتركك وحدك تدعو رهط بسطام
فانظر إلى الصيد لم يحموك من مضر ... هل في ربيعة إن لم تدعنا حامي؟؟
فأجابه بسطام بن قيس فقال:
لعمري لئن ضجت تميم وعامر ... لقد كنت يوماً في حلوقهم شجى
أروني كمسعود وقيس وخالد ... وعمرو وعبد الله ذي الباع والندى
وكانوا على أفناء بكر بن وائل ... ربيعا إذا ما سال سائلهم جدى
فسرت على آثارهم غير تارك ... وصيتهم حتى انتهيت إلىمدى
قال: وافتخر رجلان بباب معاوية بن أبي سفيان: أحدهما من بني شيبان، والآخر من بني عامر بن صعصعة، فقال العامري: أنا أعد عليك عشرة من بني عامر، فعد علي عشرة من بني شيبان، فقال الشيباني: هات إذا شئت، فقال العامري: خذ عامر بن مالك ملاعب الأسنة، والطفيل بن مالك قائد هوازن وفارس قرزل، ومعاوية بن مالك معوذ الحكماء، وربيعة بن مالك فارس ذي علق، وعامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة، وعتبة بن سنان، ويزيد بن الصعق، وأربد بن قيس، وهو أربد الحتوف، فقال الشيباني: خذ قيس بن مسعود رهينة بكر بن وائل، وبسطام بن قيس سيد فتيان ربيعة، والحوفزان ابن شريك فارس بكر بن وائل، وهانىء بن قبيصة أمين النعمان بن المنذر، وقبيصة بن مسعود وافد المنذر، ومفروق بن عمرو حاضن الأيتام، وسنان بن مفروق ضامن الدمن، والأصم عمرو بن قيس صاحب رءوس بني تميم، وعمران بن مرة الذي أسر يزيد بن الصعق مرتين، وعمرو بن النعمان، فتلاحيا، فخرج حاجب معاوية فصادفهما على تلك الحال، فدخل على معاوية فأخبره بالقضية، فدعا بهما، فلما دخلا عليه نسبهما، فانتسبا له، فقال معاوية: عامر أفخر هوازن، وشيبان أفخر بكر بن وائل، وقد كفاكما الله المؤنة، هذان رجلان من غير قومكما عندي يحكمان بينكما: عدي بن حاتم، وشريك بن الأعور الحارثي، احكما بينهما، ثم قال معاوية للشيباني: من يعبى لعامر بن مالك؟ قال الأصم بن أبي ربيعة الذي قتل من تميم مائة رجل على دم، فقال معاوية للرجلين: ما تقولان؟ قالا: رجح الأصم على عامر بن مالك، قال معاوية: فمن يعبى لعامر بن الطفيل؟ قال الشيباني: الحوفزان بن شريك، قال الحكمان: رجح الحوفزان، قال: فمن يعبى لعلقمة بن علاثة؟ قال الشيباني: بسطام بن قيس، فقالا: رجح بسطام، قال معاوية: فمن يعبى لعتبة بن سنان؟ قال الشيباني: مفروق بن عمرو، فقالا: رجح مفروق، قال نعاوية: فمن يعبى للطفيل بن مالك؟ فقال الشيباني: عمران بن مرة، فقالا: رجح عمران بن مرة، فقال معاوية: فمن يعبى لمعاوية بن مالك؟ قال الشيباني: عوف بن النعمان، فقالا: رجح عوف بن النعمان، قال معاوية:

فمن يعبى لعوف بن الأحوص؟ قال الشيباني: قبيصة بن مسعود، فقالا: رجح قبيصة، قال: فمن يعبى لربيعة بن مالك؟ قال: هانئ بن قبيصة، فقالا: رجح هانئ بن قبيصة، قال معاوية: فمن يعبى ليزيد بن الصعق؟ قال: سنان بن مفروق، فقالا: رجح سنان بن مفروق، قال: فمن يعبى لأربد بن قيس؟ قال: الأسود بن شريك، فقال معاوية للشيباني: فأين نسيت قيس بن مسعود؟ قال: أصلحك الله! قيس ليس من هذه الطائفة فاتهم قيس مجداً طويلاً، فقال العامري في ذلك:
أعد إذا عددت أبا براء ... فكان علا على الأقوام فضلا
وكان الجعفري أبو علي ... إذا هاجت الهيجاء علا
ووالده الذي حدثت عنه ... طفيل خيرنا يفعاً وطفلا
وكان معود الحكم المباري ... رياح الصيف أعلى القوم فعلا
وقد أوردت زناد أبي لبيد ... ربيعة يوم ذي علق فأبلى
وعلقمة بن أحوص كان كهفاً ... كلابياً رحيب الباع سهلا
وعتبة والأغر يزيد، إني ... رأيتهما لكل الفخر أهلا
وعوفاً ثم أربد ذا المعالي ... كفى بهما عليك ندى وبذلا
أولئك من كلاب في ذراها ... وخير قرومها حسباً ونبلا
فقال الشيباني مجيباً له:
أعد إذا عددت أبا خفاف ... وعمران بن مرة والأصما
وهانئاً الذي حدثت عنه ... وكان قبيصة الأنف والأشما
ومفروقاً وذا النجدات عوفاً ... وبسطاماً ووالده الخضما
وأسود كان خير بني شريك ... ولم يك قرنه كبشاً أجما
أولئك من عكابة خير بكر ... واكرم من يليك أباً وأماً
وأفضل من ينص إلى المعالي ... إذا ما حصلوا خالاً وعماً
وأكثر قومهم بالشر طوفاً ... وأبعد قومهم في الخير هما
فقال معاوية للحكمين: ما تقولان؟ قالا: شيبان أكرم الحيين، فقال معاوية: وذلك قولي، فأكرمهما وحباهما، وفضل الشيباني على العامري.
قال: وكان من حديث ذي الجدين أن الملك النعمان قال: لأعطين أفضل العرب مائة من الإبل، فلما أصبح الناس اجتمعوا لذلك، فلم يكن قيس بن مسعود فيهم، وأراده قومه على أن ينطلق، فقال: لئن كان يريد بها غيري لا أشهد ذلك وإن كان يريدني بها لأعطينها، فلما رأى النعمان اجتماع الناس قال لهم: ليس صاحبها شاهداً، فلما كان من الغداة قال له قومه: انطلق، فانطلق، فدفعها إليه الملك، فقال حاجب بن زرارة: أبيت اللعين، ما هو أحق بها مني، فقال قيس ابن مسعود: أنافره عن أكرمنا قعيدة، وأحسننا أدب ناقة، وأكرمنا لئيم قوم، فبعث معهما النعمان من ينظر ذلك، فلما انتهوا إلى بادية حاجب بن زرارة مروا على رجل من قومه، فقال حاجب: هذا ألأم قومي، وهو فلان بن فلان، والرجل عند حوضه ومورد إبله، فأقبلوا إليه، فقالوا: يا عبد الله؛ دعنا نستقي؛ فإنا قد هلكنا عطشاً وأهلكنا ظهورنا، فتجهم وأبى عليهم، فلما أعياهم قالوا لحاجب: أسفر، فسفر فقال: أنا حاجب بن زرارة، فدعنا فلنشرب، قال: أنت؟ فلا مرحباً بك ولا أهلا، فأتوا بيته، فقالوا لامرأته: هل من منزل يا أمة الله؟ قالت: والله ما رب المنزل شاهد، وما عندنا من منزل، وراودوها على ذلك فأبت، ثم أتوا رجلاً من بكر بن وائل على ماء يورد، قال قيس: هذا والله ألأم قومي، فلما وقفوا عليه قالوا له مثل ما قالوا للآخر فأبى عليهم، وهم أن يضربهم، فقال له قيس بن مسعود: ويلك أنا قيس بن مسعود، فقال له: مرحباً وأهلاً، أورد، ثم أتوا بيته، فوجدوا فيه امرأته وقدرها يئط، فلما رأت الركب من بعيد أنزلت القدر وبردت، فلما انتهوا إليها قالوا: هل عندك يا أمة الله من منزل؟ قالت: نعم أنزلوا في الرحب والسعة، فلما نزلوا طعموا وارتحلوا، فأخذوا ناقتيهما، فأناخوهما على قريتين للنمل؛ فأما ناقة قيس بن مسعود فتضورت وتقلبت ثم لم تنز، وأما ناقة حاجب فمكثت وثبتت، حتى إذا قالوا قد اطمأنت طفقت هاربة، فأتوا الملك فأخبروه بذلك، فقال له: قد كنت يا قيس ذا جد، فأنت اليوم ذو جدين فسمي بذلك ذا الجدين، وقيل:

إنما سمي بذلك لأسيرين أسرهما مرتين، وقيل: بل سبق سبقين، هكذا جاءت الرواية.
والذي أعرف أنا أن ذا الجدين إنما هو عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام سمي بذلك لأنه اشترى كعب بن مامة من أيدي قوم من عنزة أسروه، فكتم نفسه، وعرفه عبد الله وأظهر أنه لم يشتره عن معرفة، فوهبه كل ما لقي في طريقه من إبل أبيه بعبدانها، وكانت سوداً وحمراً وصهباً، وبلغ به إلى أبيه فأجاز له ذلك، وأعطاه قبته بما فيها، فلما أتى الحيرة قال بعض من رآه لصاحبه: إنه لذو جد، قال الآخر: بل هو ذو جدين، فسمي بذلك.

باب في معرفة ملوك العرب
وأنا أذكر في هذا الباب من ملوك النواحي من أخذه حفظي، وبلغته روايتي، على شريطة الاختصار والتخليص، بحسب الطاقة والاجتهاد، إن شاء الله تعالى.
ملوك اليمن: قال ابن قتيبة وغيره: أول من حيي بتحية الملوك أبيت اللعن و أنعم صباحاً يعرب بن قحطان، فولد له يشجب، وولد ليشجب سبأ، وقيل: إنه أول من سبى السبي من ولد قحطان، واسمه عبد الشمس، وقيل: عامر، وأول الملوك المتوجين من ولده حمير بن سبأ ملك حتى مات هرماً، ولم يزل الملك في ولد حمير لا يعدوا ملكهم اليمن، حتى مضت قرون، وصار الملك إلى الحارث الرائش، وبينه وبين حمير خمسة عشر أباً، فخرج من اليمن، وغزا وجلب الأموال، فراش الناس، وبذلك سمي الرائش، وفي عصره مات لقمان صاحب النسور، وهو لقمان الذي بعثته عاد ليستسقي لها بمكة، وكان ملك الرائش مائة وخمسة وعشرين سنة، وذكر نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنشد ابن قتيبة:
وأحمد إسمه، يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام
ثم أبرهة ذو المنار بن الرائش، وكان ملكه مائة وثلاثاً وثمانين سنة، ثم أفريقس بن أبرهة، وهو الذي بنى أفريقية، وبه سميت وكان ملكه مائة وستين سنة؛ ثم العبد بن أبرهة، وهو ذو الأذعار، سمي بذلك لقوم سباهم منكري الوجوه تزعم العرب أنهم النسناس، وكان ملكه خمساً وعشرين سنة، ثم هدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وهو أبو بلقيس، ملك سنة واحدة ثم بلقيس إلى أن أسلمت على يدي سليمان صلى الله عليه وسلم، ثم ناشر بن عمرو بن يعفر بن شرحبيل، وكان ملكه خمساً وثمانين سنة، ثم شمر بن أفريقس، وهو الذي أخرب مدينة سمرقند، وبه سميت سمركند، ومعنى كند أخربها، وهو الذي يسمى شمر يرعش؛ لارتعاش كان به، وكان ملكه مائة وسبعاً وثلاثين سنة، ثم ابنه الأقرن بن شمر يرعش، وكان ملكه ثلاثاً وخمسين سنة، ثم تبع الأكبر بن الأقرن، وكان ملكه مائة وثلاثاً وستين سنة، ثم ابنه كليكرب؛ ولم يغز حتى مات، وكان ملكه خمساً وثلاثين سنة، ثم تبع بن كليكيرب وهو أبو كرب تبع الأوسط، كان يغزو بالنجوم ويعمل أعماله كلها بأحكامها، ويقال: إنه آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القائل فيه:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيراً له وابن عم
ثم حسان بن تبع الأوسط، وهو الذي غزا جديسا وقتل اليمامة التي سميت بها جو اليمامة، ثم عمرو بن تبع أخو حسان، وكان ملكه ثلاثاً وستين سنة، ثم عبد كلال بن مثوب، وكان على دين عيسى يستر إيمانه، وكان ملكه أربعاً وسبعين سنة؛ ثم تبع بن حسان وهو الأصغر، وكان الحارث بن عمرو بن حجر جد امرئ القيس ابن أخيه، وتبع هو الذي عقد الحلف بين ربيعة واليمن، وهو الذي أدخل في اليمن دين اليهود ثمانية وسبعين سنة، ثم أخوه لأمه مرثد بن عبد كلال، وقيل:

مزيد، وكان ملكه إحدى وأربعين سنة، ثم ابنه ربيعة بن مرثد، ملك سبعاً وثلاثين سنة، ثم أبرهة بن الصباح، ملك ثلاثاً وسبعين سنة، وكان يكرم معداً ويعلم أن الملك كائن في بني النضر بن كنانة، ثم حسان بن عمرو بن تبع بن كليكرب، ملك سبعاً وثلاثين سنة، ومدحه خالد بن جعفر بن كلاب لما شفعه في أسارى من قومه، ثم ذو الشناتر، واسمه نجيعة ينوف، ولم يكن من أهل بيت الملكة، لكنه من أبناء المقاول، قتله ذو نواس وكان غلاماً من أبناء الملوك حسن الوجه له ذؤابتان، أراده ذو الشناتر على نفسه فوجأه بخنجر كان قد أعده له فقتله، ورضيته حمير لنفسها لما أراحها من ذي الشناتر، وذو نواس صاحب الأخدود الذي ذكره الله عز وجل، وكان يهودياً، فخد الأخدود لقوم من أهل نجران تنصروا على يد قيل آل جفنة، وعلى أيام ذي نواس دخلت الحبشة اليمن، واقتحم البحر منهزماً فغرق، وكان ملكه ثمانيا وستين سنة، وقام بعده ذو جدن فهزمته الحبشة، فاقتحم البحر فهلك، وملك اليمن أبرهة الأشرم، وهو الذي زحف إلى مكة بالفيل فهلك جيشه، وابتلي بالأكلة، فحمل إلى اليمن فهلك بها، وملك بعده ابنه يكسوم فساءت سيرته باليمن، فاستجاش سيف بن ذي يزن كسرى، فجيش له جيشاً عظيماً، وقد مات يكسوم، وولي بعده مسروق أخوه، وهو أيضاً أخو سيف لأمه، فقتلته الحبشة، وسبيت نساؤهم، فقام سيف ملكاً من قبل كسرى حتى غدره خدامة من الحبشة ولم يجتمع ملك اليمن لأحد بعده، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكشفت به الظلمة، واهتدت بهديه الأمة، واستقر الملك في نصابه، بعد الخلفاء الأربعة من أصحابه، ممن وجبت طاعته، وصحت بيعته، وأنا واقف عند الشبهة، قائل في هذا بما قالت به الجماعة، فقد تنازع اسم أمير المؤمنين من لا يصلح له، ولا يسلم إليه؛ فلذلك أعرضت عن ذكر من لم أذكره، ولولا ذلك لذكرت كل واحد وزمانه، ومنتهى عمره، إلى وقتنا هذا، وما توفيقي إلا بالله.
ملوك الشام: كانت بالشام سليح وهم من غسان، ويقال: من قضاعة وأول ملوكهم النعمان بن عمرو بن مالك، ثم من بعده ابنه مالك، ثم من بعد مالك ابنه عمرو؛ إلى خروج مزيقيا وهو عمرو بن عامر من اليمن في قومه من الأزد، وسمي مزيقيا لأنه كان يمزق كل يوم حلة لا يعود إلى لباسها ثم يهبها، ويسمى عامر ماء السماء؛ لأنه كان يجيء في المحل فينوب عن الغيث بالرفد والعطاء وهو ابن حارثة الغطريف، ابن امرئ القيس البطريق، بن ثعلبة البهلول، بن مازن قاتل الجوع، بن الأزد، ومعه رجل يقال له جذع بن سنان، فنزلوا بلاد عك، فقتل جذع ملك بلاد عك، فافترقت الأزد والملك فيهم حينئذ ثعلبة بن عمرو بن عامر، فانصرف عامله فحارب جرهم فأجلاهم عن مكة، واستولوا عليها زماناً ثم أحدثوا الأحداث، وجاء قصي بن كلاب فجمع معداً وبذلك سمى مجمعاً واستعان ملك الروم فأعانه، وحارب الأزد فغلبهم، واستولى على مكة دونهم، فلما رأت الأزد ضيق العيش بمكة ارتحلت، وانخزعت خزاعة لولاية البيت وبذلك سميت فصار بعض الأزد إلى السواد فملكوا عليهم مالك بن فهم أبا جذيمة الأبرش، وصار قوم إلى يثرب، وهم الأوس والخزرج، وصار قوم إلى عمان، وصار قوم إلى الشام، وفيهم جذع بن سنان، فأتاه عامل الملك في خرج وجب عليه فدفع إليه سيفه رهناً، فقال الرومي: أدخله في كذا من أم الآخر، فغضب جذع وقنعه فقتله، فقيل: خذ من جذع ما أعطاك، وسارت مثلاً، وولوا الشأم، فكان أولهم الحارث بن عمرو محرق، سمي بذلك لأنه أول من حرق العرب في ديارها، وهو الحارث الأكبر، ويكنى أبا شمر، ثم ابنه الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأعرج، وأمه مارية ذات القرطين، وهي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الكندي، وأختها هند الهنود امرأة حجر آكل المرار الكندي، وإلى الحارث الأعرج زحف المنذر الأكبر فانهزم جيشه، وقتل، ثم الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر، وهو ولد الحارث الأعرج ثم عمرو بن الحارث، وكان يقال له: أبو شمر الأصغر، وله يقول نابغة بني ذبيان:
علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
والنعمان بن الحارث هو أخو الحارث الأصغر، وله يقول النابغة:
هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التمام

وللنعمان هذا ثلاثة بنين: عمرو، وحجر، والنعمان، ومن ولد الأعرج أيضاً المنذر، والأيهم أبو جبلة، وجبلة آخر ملوك غسان، كان طوله اثني عشر شبراً، وهو الذي تنصر في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ملوك الحيرة: أولهم مالك بن فهم بن عمرو بن دوس بن الأزد، ملك العرب بالعراق عشرين سنة، ثم ابنه جذيمة بن مالك، وهو الأبرش، وهو الوضاح، كان ملكه ستين سنة، ثم عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة اللخمي، ويقال: إن نصراً هو الساطرون صاحب الحضر، وهو جرمقاني من أهل الموصل، وقيل: بل هو من أشلاء قنص بن معد بن عدنان، وعمرو هذا هو ابن أخت جذيمة الأبرش وفيه قيل: " شب عمرو عن الطوق " ثم امرؤ القيس بن عمرو بن عدي، ويقال: بل الحارث بن عمرو، وإنه الذي يدعى محرقاً، ثم النعمان بن امرئ القيس، وهو النعمان الأكبر الذي بني الخورنق، ثم المنذر بن امرئ القيس، وهو المنذر الأكبر بن ماء السماء أخو النعمان الأكبر، ثم المنذر بن المنذر، وهو الأصغر، ثم أخوه عمرو بن المنذر، وهو عمرو بن هند، ويسمى محرقاً؛ لأنه حرق بني تميم، وقيل: بل حرق نخل اليمامة، ثم النعمان بن المنذر صاحب النابغة الذبياني، وهو أخو ملوك لخم، ثم ولى بعده إياس بن قبيصة الطائي، ثم ابنه أشهر، واضطرب ملك فارس وضعفوا، وكانت ملوك الحيرة من تحت أيديهم، وأتى الله عز وجل بالإسلام فعز أهله بالنبي صلى اله عليه وسلم.

باب من النسبة
قال ابن دريد: الإبل الأرحبية منسوبة إلى أرحب بن همدان.
أسد خفية وأسد خفان وهما أجمتان من العذيب على ليلة.
الرماح اليزنية: منسوبة إلى ذي يزن الملك، ويقال الأيزنية، قال ذو الرمة:
أرين الذي استودعن سوداء قلبه ... هوى مثل شك الأيزني النواجم
هكذا جاءت الرواية في هذا البيت.
الدروع تنسب إلى فرعون. قال راشد بن كثير:
بكل فرعونية لونها ... مثل بصيص البغشة الغادية
وتنسب إلى داود، وسليمان، وتبع، ومحرق، يريدون بذلك القدم وجودة الصنعة.
الكنائن الزغرية: منسوبة إلى زغر وهو موضع بالشام تعمل فيه كنائن حمر مذهبة.
قال أبو دؤاد يصف فرساً:
ككنانة الزغري زي ... نها من الذهب الدلاص
السمهري: الرمح الشديد، يقال: اسمهر الأمر، إذا اشتد.
الأتحمية: برود منسوبة إلى أتحم باليمن.
القعضبية: ضرب من الأسنة، تنسب إلى قعضب، رجل قشيري كان يعملها، وكذلك الشرعبية أيضاً. قال الأعشى:
ولدن من الخطى فيها أسنة ... ذخائر مما سن أبزى وشرعب
والشرعبية أيضاً من الثياب الحارية في قول امرئ القيس:
فلما دخلناها أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب
قال الأصمعي: احتبوا بحمائل سيوفهم قال أبو عبيدة: ما نسبت إلى الحيرة سيوف قط، وإنما يريد الرحال كما قال الآخر: مشددة برحال الحيرة الجدد قال ابن الكلبي: أول من اتخذ الرحال علاف، وهو زبان بن جرم؛ فلذلك قيل للرحال علافية وأول من عمل الحديد من العرب الهالك بن مراد بن أسد بن خزيمة؛ فلذلك قيل لبني أسد القيون، وقيل لكل حداد: هالكي.
قال أبو عبيدة: أجود السهام التي صنعتها العرب في الجاهلية سهام بلام، وسهام يثرب، وهما بلدان قريبان من حجر اليمامة، وأنشد الأعشى: بسهام يثرب أم سهام بلام سلوق: قرية باليمن، وإليها تنسب الكلاب والدروع.
سيف مشرفي: منسوب إلى مشرف، وهي قرية باليمن كانت السيوف تعمل بها، وليس قول من قال أنها منسوبة إلى مشارف الشام أو مشارف الريف بشيء عند العلماء، وإن قاله بعضهم.
والسيوف السريجية: منسوبة إلى سريج رجل من بني أسد، قال محمد بن حبيب: هو أحد بني معرض بن عمرو بن أسد بن خزيمة، وكانوا قيودنا.
الدروع الحطمية: منسوبة إلى حطمة بن محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن عبد القيس بن أفصى.
وقال ابن الكلبي: هي منسوبة إلى حطم، وهو أحد بني عمرو بن مرثد من بني قيس بن ثعلبة، وقال الأصمعي: لا أعلم ما تنسب إليه.
الخط: جزيرة بالبحرين تنسب إليها الرماح، قال الأصمعي: ليست تنبت الرماح لكن سفن الرماح ترفأ إلى هذا الموضع فقيل للرماح خطية.

والمسك الدارئ: منسوب إلى دارين، يعني عطاراً بالبحرية، زعم ذلك أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي، والأكثر المشهور عند العلماء أن دارين وغزة موضعان بالشام.
عصفور، وداعر وشاعر، وذا الكلبتين: فحول إبل النعمان بن المنذر.
عصافير النعمان: أولاد عصفور الفحل، وهو أكرم فحل للعرب فيما يزعمون.
والقسي العصفورية: منسوبة إلى رجل يسمى عصفوراً، حكاه الجاحظ. وأنشد لابن بشير:
عطف السيات بواقع في بذلها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور
يعني قسي البندق، ودعا بها على حمام جاره.
ويقال للقسي أيضاً الماسخية منسوبة إلى رجل من الأزد، واسمه ماسخة هو أول من عملها.
والإبل العسجدية والعبدية والعمانية: إبل ضربت فيها الوحوش.
والإبل الشذقمية والجديلية عن غيره منسوبة إلى شذقم وجديل، وهما فحلان مشهوران.
الحمر الأخدرية: منسوبة إلى حمار يسمى أخدر، وقيل: هو فرس كان لبعض الملوك، أظنه أزدشير بن بابك، توحش فضرب في عانة فنسبت أولاده إليه، وهو أفره الحمر، هكذا تزعم العرب، والعادة أن يكون ما تناتج منه بغالاً. فأما الكداد فحمار معروف من الوحشية نتج. قال الفرزدق:
حمار لهم من بنات الكداد ... يدهمج بالوطب والمزود
والبغال يزعمون أن قارون أول من أنتجها؛ فهي تنسب إليه، وقيل: بل أنتجها قبله أفريدون.

باب العتاق من الخيل ومذكوراتها
وأول ما أذكر منها خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراكبه، جرياً على العادة في التبرك باسمه: فمنها السكب وهو فرسه يوم أحد، حكاه ابن قتيبة، ومنها المرتجز وكان له فرس يقال: اللزاز وفرس يقال له الضرب وفرس يقال له اللجيف وفرس يقال له الورد وزاد غير ابن قتيبة فرساً يقال له سحة وكانت بغلته يقال لها دلدل وكان حماره يقال له يعفور وكانت ركائبه القصوى والجدعاء والعضباء.
وهذه خيل العرب: قال ابن قتيبة عن أبي عبيدة: الغراب والوجيه ولاحق ومذهب ومكتوم كانت كلها لغنى.
وقال أحمد بن سعد الكاتب: كان أعوج أولاً لكندة، ثم أخذته سليم، ثم صار لبني عامر، ثم لبني هلال، قال ابن حبيب: ركب رطباً فاعوجت قوائمه وكان من أجود خيل العرب، وأمه سبل كانت لغنى، وأم سبل البشامة، كانت لجعدة، ولهم أيضاً الفياض.
قال ابن سعد: والوجيه ولاحق لبني سعد، قيل: وحلاب لبني تغلب، والصريح لبني نهشل، وزعم غيره أنه كان لآل المنذر، وجلوى لبني ثعلب ابن يربوع، وذو العقال لبني رياح بن يربوع، وهو أبو داحس، وكان داحس والغبراء لبني زهير، وهي خالة داحس، وأخته من أبيه ذي العقال، وقرزل والخطار والحنفاء لحذيفة بن بدر، وهي أخت داحس من أبيه وأمه، وقرزل آخر للطفيل بن مالك، وحذفة لخالد بن جعفر بن كلاب، وحذفة أيضاً لصخر بن عمرو بن الشريد، والشقراء لزهير بن جذيمة العيسى، والزعفران لبسطام ابن قيس، والوديقة ونصاب وذو الحمار لمالك بن نويرة، والشقراء أخرى لأسيد بن حناءة السليطي، والشيط لأنيف بن جبلة الضبي، والوجيف لعامر بن الطفيل والكلب والمزنوق والورد له أيضاً، والخنثى فرس لعمرو بن عمرو بن عدس، والهداج فرس الريب بن شريق السعدي، وجزة فرس يزيد بن سنان المري فارس غطفان، والنعامة للحارث بن عباد، وابن النعامة لعنترة، والنحام فرس السليك بن السلكة السعدي، والعصا فرس جذيمة بن مالك الأزدي، والهراوة لعبد القيس بن أفصى، واليحموم فرس النعمان بن المنذر، وكامل فرس زيد الخيل، والربد فرس الحوفزان، وأبو الزعفران فرس بسطام، والعرادة فرس الكحلبة اليربوعي، انتهى كلام أحمد بن سعد.
وعن ابن دريد: القطيب فرس كان للعرب، وكذلك البطين واللعاب والعباءة فرس حري بن ضمرة النهشلي، والمدعاس فرس النواس بن عامر المجاشعي، وصهباء فرس النمر بن تولب، وحافل فرس مشهور ذكره حرب بن ضرار في قوله:
كميت عبناة السراة نمى بها ... إلى نسب الخيل الصريح وحافل
والعسجدي لبني أسد، والشموس فرس زيد بن حذاق العبدي، والضيف لبني تغلب، وهراوة الغراب فرس الريان بن حويص العنبري، يقال:

إنها جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة فتصدق بها على العزاب يتكسبون عليها في السباق والغارات، والحرون فرس تنسب إليه الخيل، وكان لمسلم بن عمرو بن أسيد الباهلي والزليف فرس مشهور، وهو من نسل الحرون، ومناهب فرس تنسب إليه الخيل أيضاً، قال الشمردل:
لأفحل ثلاثة سمينا ... مناهبا والضيف والحرونا
والعلهان: فرس أبي مليك عبد الله بن الحارث اليربوعي.
ومن أقدم الخيل زاد الراكب، وهبه سليمان عليه السلام لقوم من الأزد كانوا أصهاره.
وكان إسماعيل عليه السلام أول من ذلل الخيل وركبها، وكانت قبل من سائر الوحوش.

باب من المعاني المحدثة
قال أبو الفتح عثمان بن جني: المولدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ، والذي ذكره أبو الفتح صحيح بين؛ لأن المعاني إنما اتسعت لاتساع الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض، فمصروا الأمصار، وحضروا الحواضر، وتأنقوا في المطاعم والملابس، وعرفوا بالعيان عاقبة ما دلتهم عليه بداهة العقول من فضل التشبيه وغيره، وإنما خصصت التشبيه لأنه أصعب أنواع الشعر، وأبعدها و متعاطى، وكل يصف الشيء بمقدار ما في نفسه من ضعف أو قوة، وعجز أو قدرة، وصفة الإنسان ما رأى يكون لا شك أصوب من صفته ما لم ير، وتشبيهه ما عاين بما عاين أفضل من تشبيه ما أبصر بما لم يبصر، ومن هنا يحكى عن ابن الرومي أن لائماً لامه فقال: لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ قال: أنشدني شيئاً من قوله الذي استعجزتني في مثله، فأنشده في صفة الهلال:
فانظر إليه كزورق من فضةٍ ... قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال: زدني، فأنشده:
كأن آذريونها ... والشمس فيه كاليه
مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه
فصاح: وا غوثاه، يا لله، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ذلك إنما يصف ماعون بيته؛ لأنه ابن الخلفاء، وأنا أي شيء أصف؟ ولكن انظروا إذا وصفت ما أعرف أين يقع الناس كلهم مني؟ هل قال أحد قط أملح من قولي في قوس الغمام:
وقد نشرت أيدي السحاب مطارفاً ... على الأرض دكناً وهي خضر على الأرض
يطرزها قوس الغمام بأصفر ... على أحمر في أخضر وسط مبيض
كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض
وقولي في قصيدة في صفة الرقاقة:
ما أنس لا أنس خبازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفة كرة ... وبين رؤيتها زهراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر
وهذا كلام إن صح عن ابن الرومي فلا أظن ذلك أمراً لزمه في الدرك؛ لأن جميع ما أراه ابن المعتز أبوه وجده في ديارهم كما ذكر أن ذلك علة للإجادة وعذر فقد رآه ابن الرومي هنالك أيضاً، اللهم إلا أن يريد أن ابن المعتز ملك قد شغل نفسه بالتشبيه فهو ينظر ماعون بيته وأثاثه فيشبه به ما أراد، وأنا مشغول بالتصرف في الشعر طالباً به الرزق: أمدح هذا مرة، وأهجو هذا كرة، وأعاتب هذا تارة، وأستعطف هذا طوراً، ولا يمكن أن يقع أيضاً عندي تحت هذا، وفي شعره أيضاً من مليح التشبيه ما دونه النهايات التي لا تبلغ، وإن لم يكن التشبيه غالباً عليه كابن المعتز.
ولم أدل بهذا البسط كله على أن العرب خلت من المعاني جملة، ولا أنها أفسدتها، لكن دللت على أنها قليلة في أشعارها، تكاد تحصر لو حاول ذلك محاول، وهي كثيرة في أشعار هؤلاء، وإن كان الأولون قد نهجو الطريق، ونصبوا الأعلام للمتأخرين، وإن قال قائل: ما بالكم معشر المتأخرين كلما تمادى بكم الزمان قلت في أيديكم المعاني، وضاق بكم المضطرب؟ قلنا: أما المعاني فما قلت غير أن العلوم والآلات ضعفت، وليس يدفع أحد أن الزمان كل يوم في نقص، وأن الدنيا على آخرها، ولم يبق من العلم إلا رمقه معلقاً بالقدرة، ما يمسكه إلا الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.

وإذا تأملت هذا تبين لك ما في أشعار الصدر الأول الإسلاميين من الزيادات على معاني القدماء والمخضرمين، ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابهما من التوليدات والإبداعات العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء، إلا في الندرة القليلة والفلتة المفردة، ثم أتى بشار بن برد وأصحابه فزادوا معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، والمعاني أبداً تتردد وتتولد، والكلام يفتح بعضه بعضاً وكان ابن الرومي ضنيناً بالمعاني، حريصاً عليها، يأخذ المعنى الواحد ويولده، فلا يزال يقلبه ظهراً لبطن، ويصرفه في كل وجه، وإلى كل ناحية، حتى يميته ويعلم أنه لا مطمع فيه لأحد، ثم نجد من بعده من لا ينتهيه في الشعر، بل لا يعشره، قد أخذ المعنى بعينه فولد فيه زيادة، ووجه له وجهة حسنة، لا يشك البصير بالصناعة أن ابن الرومي مع شرهه لم يتركها عن قدرة، ولكن الإنسان مبني على النقصان.
وسأورد عليك من معاني المعاني المتقدمين، وأنظرها بأمثالها من أقوال المولدين لا أعدوها ليتبين البرهان، هذا، على أنني ذممت إلى المحدثين أنفسهم في أماكن من هذا الكتاب، وكشفت لهم عوارهم، ونعيت لهم أشعارهم، ليس هذا جهلاً بالحق، ولا ميلاً إلى بنيات الطرق، لكن غضاً من الجاهل المتعاطي، والمتحامل الجافي، الذي إذا أعطي حقه تعاطى فوقه، وادعى على الناس الحسد، وقال: أنا ولا أحد، وإلى كم أعيش لكم؟ وأي علم بين جنبي لو وجدت له مستودعاً؟ فإذا عورض في شعره بسؤال عن معنى فاسد أو متهم، أو طولب بحجة في لحنة أو شاذ، أو نواظر في كلمة من ألفاظ العرب مصحفة أو نادرة، قال: هكذا أعرف، وكأنما أعطي جوامع الكلم، حاش لله! وأستغفر الله، بل هو العمى الأكبر، والموت الأصغر، وبأي إمام يرضى، وإلى أي كتاب يرجع، وعنده أن الناس أجمعين بضعة منه، بل فضلة عنه، فهو كما قال حماد عجرد في يونس بن فروة:
أما ابن فروة يونس فكأنه ... من كبره أير الحمار القائم
ما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما خلاك بهائم
وأين من ذكر بشار بن برد حين قيل له: بم فقت أهل عمرك وسبقت أبناء عصرك: في حسن معاني الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ قال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي، ويناجيني به طبعي، ويبعثه فكري، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفكر جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت عن متكلفها، ولا والله ما ملك قيادي الإعجاب بشيء مما آتي به.
وكم في بلدنا هذا من الحفاث قد صاروا ثعابين، ومن البغاث قد صاروا شواهين، إن البغاث في أرضنا يستنسر، ولولا أن يعرفوا بعد اليوم بتخليد ذكرهم في هذا الكتاي، ويدخلوا في جملة من يعد خطله، ويحصى زلله؛ لذكرت من لحن كل واحد منهم وتصحيفه وفساد معانيه وركاكة لفظه ما يدلك على مرتبته من هذه الصناعة التي ادعوها باطلاً، وانتسبوا إليها انتحالاً، وقد بلغني أن بعض من لا يتورع عن كذب، ولا يستحيي من فضيحة، زعم أني أخذت عنه مسائل في هذا الكتاب لو سئل عنها الآن ما علمها، والامتحان يقطع الدعوى، كما قال بعض الشعراء:
من تحلى بغير ما هو فيه ... فضح الإمتحان ما يدعيه
وكنت غنياً عن تهجين هذا الكتاب بالإشارة إلى من أشرت إليه آنفاً من ذكره، وعزوفاً بهمتي عن الانحطاط إلى مساواته، ولكن رأيت السكوت عنه عجزاً وتقصيراً، كما قال أبو تمام:
ترك اللئيم ولم يمزق عرضه ... نقص على الرجل الكريم وعار
وكما قال أبو الطيب، وقد استحق المعنى عليه:
إذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟

ثم أعود إلى التسطير فأطرح عن المحدث المولد ما كان من جنس تشبيه النعامة للطرماح، وصفة الثور الوحشي له أيضاً، وصفة مغارز ريش النعامة إذا أمرط للشماخ، ومثل بيت العنكبوت فيما يمتد من لغام الناقة تحت لحييها في شعر الحطيئة؛ وتشبيه الذباب بالأجذم، ولحيى الغراب بالجلم لعنترة، وأشباه هذا مما انفردت به الأعراب والبادية كعادتها، كانفرادها بصفات النيران، والفلوات الموحشة، وورود مياهها الآجنة، وتعسف طرقاتها المجهولة، إلى غير ذلك مما لا يعرف عياناً؛ إذ كان المحدث غير مأخوذ به، ولا محمول عليه، ألا ترى إلى أبي نواس وهو متقدم في المحدثين لما وصف الأسد وليس من معارفه، ولعله ما شاهده قط إلا مرة في العمر إن كان شاهده؛ دخل عليه الوهم فجعل عينيه بارزة وشبههما بعيون المخنوق، وقام عنده أن هذا أشنع وأشبه بشتامة وجه الأسد، وذهب عنه من صفة أبي زبيد وغيره لغؤور عينيه مما هو أعلم به ممن أخذ عليه، وأكثر ظني والله أعلم أن أبا نواس إنما رجع بالصفة الرجل المشبه بالأسد، وجعل أزورار عينيه وبروز جفنيه من علامات الغيظ والحنق على أقرانه في الحرب.
وكذلك لما تعاطى الأعرابي أبو نخيلة ما لا يعرف قال: ولم تذق من البقول الفستقا فجعله بقلاً على ما في نفسه من لعاع البقل.
على أن المحدثين قد شاركوا القدماء في كل ما ذكرته أيضاً، إلا أولئك أولى به، وأحق بالتقدمة فيه، كما خالطوهم في صفات النجوم ومواقعها، والسحب وما فيها من البروق والرعود، والغيث وما ينبت عنه، وبكاء الحمام، وكثير مما لا يتسع له هذا الباب، ولكني أفرد كتاباً قائماً بنفسه أذكر فيه ما انفرد به المحدثون، وما شاركهم فيه المتقدمون، وآتي ها هنا من هذين النوعين بما يسد خلة المفتقر إلى سماعه من المبتدئين.
قال النابغة يذكر طول ليله:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب
وقال أبو الطيب في وزنه ورويه:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب ... وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
فإن نهاري ليلة مدلهمة ... على مقلة من فقدكم في غياهب
فأنت ترى ما فيه من الزيادة وحسن المقصد، على أن بيتي النابغة عندهم في غاية الجودة.
وقال يزيد بن الطثرية حين حلق أخوه ثور جمته:
فأصبح رأسي كالصخيرة أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عقابها
وهذا البيت من أفضل الأوصاف وأحسنها بياناً عند قدامة وغيره.
وقال بعض المتأخرين، وأحسبه الزيادي، في غلام حلقت وفرته:
حلقوا رأسه ليكسوه قبحاً ... غيرة منهم عليه وشحاً
كان صبحاً عليه ليل بهيم ... فمحوا ليله وأبقوه صبحاً
وقال رؤبة بن العجاج:
أمست شواتي كالصفاة صفصفا ... فصار رأسي جبهة إلى القفا
فقال ابن الرومي وأحسن ما شاء:
يجذب من نقرته طرة ... إلى مدى يقصر عن نيله
فوجهه يأخذ من رأسه ... أخذ النهار الصيف من ليله
ولو تتبعت هذا لأطلت في غير موضع الإطالة.
فأما ما انفرد به المحدثون فمثل قول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحياناً
قالوا: بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لهم: ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا
وكرره فقال:
قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها ... قلبي وأمسى به من حبها أثر:
أنى ولم ترها تهذي؟ فقلت لهم: ... إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر
وقوله أيضاً:
وكيف تناسى من كأن حديثه ... بأذني وإن غيبت قرط معلق
واختراعاته كثيرة، واشتهاره بذلك يغني عن الإنشاد له.
وكقول أبي نواس، وقد ذكر المبرد أنه لم يسبق إليه، وهو:
أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المنام إلا شميما
نالني بالملام فيها إمام ... لا أرى لي خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما
كبر حظى منها إذا هي دارت ... أن أراها أو ان أشم النسيما

أقسام الكتاب
1 2 3 4