كتاب : المقتضب
المؤلف : المبرد

فهذا الجمع في المؤنث نظير ما كان بالواو والنون في المذكر؛ لأنك فيه تسلم بناء الواحد كتسليمك إياه في التثنية. والتاء دليل التأنيث، والضمة علم الرفع، واستوى خفضه ونصبه، كما استوى ذلك في مسلمين. والتنوين في مسلماتٍ عوضٌ من النون في قولك: مسلمين. فإن سميت بمسلمات رجلاً أو امرأة لحقه التنوين؛ لأنه عوض فلذلك كان لازماً. وعلى ذلك قوله عز وجل: " فإذا أفضتم من عرفات " وعرفات معرفة؛ لأنه اسم موضع بعينه. هذا في قول من قال: هؤلاء مسلمون، ومررت بمسلمين يا فتى، وكل ما كان على وزن المسلمين فالوجه فيه أن يجري هذا المجرى وإن لم يكن في الأصل جمعاً؛ كما أن كرسياً وبختياً كالمنسوب وإن لم يكن فيه معنى نسب إلى حيٍّ، ولا إلى أرضٍ، ولا غير ذلك. فمن ذلك عشرون، وثلاثون. قال الله عز وجل: " كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين " . وما أدراك ما عليون. وتقول على هذا: قنسرون، ومررت بقنسرين، وهذه يبرون، ومررت بيبرين. ومن لم يقل هذا، وقال: قنسرين كما ترى، وجعل الإعراب في النون، وقال: هذه سنونٌ فاعلم، فإنه يفعل مثل هذا بالمؤنث إذا كان واحداً، ويجيزه في الجمع؛ كما تقول: هؤلاء مسلمينٌ فاعلم، كما قال الشاعر:
وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
وقال الآخر:
إني أبيَّ أبي ذو محافظةٍ ... وابن أبيٍّ أبي من أبيين
وقال الله عز وجل: " فيما كان واحدا " : " ولا طعامٌ إلا من غسلينٍ " فمن رأى هذا قال: هذه عرفات مباركاً فيها، وعلى هذا ينشد هذا البيت:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالي
وقال الآخر:
تخيرها أخو عانات دهرا
والوجه المختار في الجمع ما بدأت به. وأما الواحد؛ نحو: غسلين، وعليين، فالوجهان مقولان معتدلان.
هذا باب

ما لحقته ألف ونون زائدتان
أما ما كان من ذلك على فعلان الذي له فعلى فقد تقدم قولنا فيه أنه غير مصروف في معرفة ولا نكرة. وإنما امتنع من ذلك؛ لأن النون اللاحقة بعد الألف بمنزلة الألف اللاحقة بعد الألف للتأنيث في قولك: حمراء وصفراء. والدليل على ذلك أن الوزن واحد في السكون، والحركة، وعدد الحروف، والزيادة. وأن النون، والألف تبدل كل واحدة منهما من صاحبتها. فأما بدل النون من الألف فقولك في صنعاء، وبهراء: صنعاني، وبهراني. وأما بدل الألف منها فقولك - إذا أردت ضربت زيداً فوقفت - قلت: ضربت زيدا، وفي قولك: اضربن زيدا ولنسفعاً بالناصية إذا وقفت قلت: اضربا زيدا، ولنسفعا، وزعم الخليل أن الدليل على ذلك: أن كل مؤنث تلحقه علامة التأنيث بعد التذكير فإنما تلحقه على لفظه إلا ما كان مضارعاً لتأنيث أو بدلاً في أن علامة التأنيث لا تلحقه على لفظه؛ لأنه لا يدخل تأنيث على تأنيث، وكذلك لا يدخل على ما كان بمنزلته. ألا ترى أنك لا تقول: حمراءة ولا صفراءة. فكذلك لا تقول: غضبانة، ولا سكرانة، وإنما تقول: غضبى، وسكرى. فإن كان فعلان ليس له فعلى، أو كان على غير هذا الوزن مما الألف والنون فيه زائدتان، انصرف في النكرة، ولم ينصرف في المعرفة؛ نحو: عثمان، وعريان، وسرحان. وإنما امتنع من الصرف في المعرفة للزيادة التي في آخره؛ لأنها كالزيادة التي في آخر سكران وانصرف في النكرة؛ لأنه ليست مؤنثة فعلى؛ لأنك تقول: في مؤنثة: عريانة، وخمصانة، فقد وجبت فيه حقيقة التذكير فمنزلة هذا من باب غضبان كمنزلة أفكل من باب أحمر، وكمنزلة حبنطى من باب حبلى وسكرى. وسنذكرها بعقب هذا الباب إن شاء الله. فأما حسان، وسمان، وتبان، فأنت في هذه الأسماء مخير: إن أخذت ذلك من السمن، والتبن، والحسن، فإنما وزنها فعال. وإن أخذت حسان من الحس، وسمان من السم، وتبان من التب، لم تصرفه في المعرفة لزيادة الألف والنون، وصرفته في النكرة. فأما فينان فالنون فيه أصل بمنزلة الدال من حماد، وذلك منصرف في المعرفة والنكرة؛ لأن معناه: كثير الفنون، كأفنان الشجر، فهو منصرف على كل حال، وتقديره من الفعل فيعال على وزن بيطار. وكذلك مران لأنه فعال، ومعناه: المرانة، أي: اللين. فعلى هذا تصريف ما ينصرف وما لا ينصرف من هذا الباب. فأما ما كانت نونه زائدةً وليست فيها ألف فمنصرف في المعرفة والنكرة؛ لأنه لا يشبه فعلان فعلى المنقلبة نونه من ألفه. فمن ذلك: رعشنٌ إنما هو من الارتعاش قال:

من كل رعشاء وناجٍ رعشن
وكذلك سرحان لو صغرته فقلت سريحين لصرفت سريحيناً في المعرفة والنكرة، وما كان مثله نحو تصغيرك سلطانا، وضبعانا إذا قلت: سليطين، وضبيعين. وكذلك ضيفن النون زائدة؛ لأنه الذي يجيء مع الضيف، فتقدره: فعلن.
هذا بابما كانت آخره ألف مقصورةٌ للتأنيث وللإلحاق
أما ما كانت ألفه للتأنيث؛ نحو: حبلى، وسكرى فقد تقدم قولنا فيه أنه لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. وأما ما كانت الألف فيه زائدة للإلحاق فمصروف في النكرة؛ لأنه ملحق بالأصول، وممنوع من الصرف في المعرفة؛ لأن ألفه زائدة كزيادة ما كان للتأنيث، فموضعه من حبلى وأخواتها كموضع أفكلٍ من أحمر وكموضع عثمان من عطشان. فمن ذلك حبنطًى إنما هو من حبط بطنه، فالنون والألف زائدتان؛ لتبلغ بهما بناء سفرجل، وعلى هذا تقول للمرأة: حبنطاةٌ، ولو كانت الألف للتأنيث لم تدخل عليها الهاء؛ لأنه لا يدخل تأنيثٌ على تأنيثٍ. وكذلك أرطًى ملحق بجعفر، ووزنه فعلًى ملحق بفعلل، وعلى ذلك تقول في الواحدة: أرطاة. ومثله معزًى ملحق بهجرع، ودرهم. فأما ما كان مثل ذفرى، وتترى الذي يكون فيه الأمران: الإلحاق والتأنيث، وما كان من بابه فسنذكره في موضعه إن شاء الله.
هذا بابما كان من أفعل نعتاً يصلح فيه التأويلان جميعاً
فمن ذلك أجدل، وأخيل؛ الأجود فيهما أن يكونا اسمين؛ لأن الأجدل إنما يدل على الصقر بعينه، والأخيل أيضاً: اسم طائر. فإذا قال قائل: إن أجدل إنما هو مأخوذ من الجدل وهي شدة الخلق، وأخيل إنما هو أفعل مأخوذ من الخيلان، وكذلك أفعى إنما هو أفعل مأخوذ من النكادة. قيل له فإنه كذلك، وإلى هذا كان يجب من يراه نعتا: ولا يصرفه في معرفة ولا نكرة، وليس بأجود القولين، أجودهما أن تكون أسماءً منصرفة في النكرة؛ لأنها - وإن كان أصلها ما ذكرنا - فإنما تدل على ذات شيءٍ بعينه. ألا ترى أن أجدل لا يدل إلا على الصقر، تقول: أجدلٌ بمنزلة قولنا: صفر. وكذلك أفعى لا يدل إلا على هذا الضرب من الحيات. ومثل ذلك أخيل؛ لأنه يدل على طائرٍ بعينه. وهو الذي يلزم عندي في أبغث لطائر. فأما الأسود - إذا عنيت الحية، والأدهم - إذا أردت القيد، والأرقم - إذا عنيت الحية - فنعوتٌ غير منصرفة في معرفة ولا نكرة؛ لأنها تحلية لكل ما نعت بها غير دالةً على لونٍ بعينه.
فأما أول فهو يكون على ضربين: يكون اسماً، ويكون نعتاً موصولاً به من كذا. وأما كونه نعتاً فقوله: هذا رجلً أول منك، وجاءني هذا أول من مجيئك، وجئتك أول من أمس.
وأما كونه اسماً فقوله: ما تركت له أولاً ولا آخراً كما تقول: ما تركت له قديماً ولا حديثاً. وعلى أي الوجهين سميت به رجلاً انصرف في النكرة؛ لأنه على باب الأسماء بمنزلة أفكل، وعلى باب النعوت بمنزلة أحمر. فأما أرمل فإنه اسمٌ نعت به. والدليل على ذلك أن مؤنثه على لفظه. تقول للمرأة: أرملة، ولو كان نعتاً في الأصل لكان مؤنثه فعلاء؛ كما تقول: أحمر، وحمراء. فقولهم: أرملة دليل على أنه اسم. وكذلك أربعٌ إنما هو اسمٌ للعدد وإن نعت به في قولك: هؤلاء نسوةٌ أربعٌ. لا اختلاف في ذلك. وإنما جاز أن يقع نعتاً وأصله الاسم؛ لأن معناه: معدودات؛ كما تقول: مررت برجل أسدٍ؛ لأن معناه: شديد. فإن قال قائل: فالرجل ليس بأسد ولكن معناه: مثل أسد، والأربع حقيقة عدد. قيل: إنما يخرج هذا وشبهه على تأويل الفعل وصحته إذا جاز في التمثيل، ومثل الشيء غيره؛ إذا كان المثل مضافاً إليه ولكنه الأول الذي هو نعته. فالشيء الذي يخرج على أنه الأول على غير حذف أجود.
إلا ترى أن قولك: زيد أسد معناه مثل أسد، فقد حذفت المثل وأنت تريده. ولولا تقديرك المثل لم يكن كلاماً. وقولك:جواريك أربعٌ حقيقة على غير حذف، ولكن لما أردت النعت قدرت تقدير الفعل؛ لأن النعت تحلية؛ ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجلٍ مثلك، فإنما أردت مشبه لك، ولولا ذلك لم يكن نعتاً. وكان الأخفش لا يصرف أرمل، ويزعم أنه نعت في الأصل، وله احتجاج نذكره في موضعه إن شاء الله. وليس على هذا القول أحد النحويين علمناه.

فأما أجمع وأكتع، فمعرفة ولا يكون إلا نعتاً. فإن سميت بواحدٍ منهما رجلاً صرفته في النكرة. والفصل بينه وبين أحمر وجميع بابه، أن أحمر كان نعتاً وهو نكرة، فلما سميت به ازداد ثقلاً، وأجمع لم يكن نكرة، إنما هو نكرة ونعت، فإذا سميت به صرفته في النكرة لأنك لست ترده إلى حال كان فيها لا ينصرف.
فأما أولق، وأيصر فإن في كل واحدٍ منهما حرفين من حروف الزيادة، ففي أولق الهمزة والواو، فلا بد من الاشتقاق حتى يعلم أيهما الأصل؟ فنظرت إلى أولق فإذا الفعل منه ألق الرجل فهو مألوق: إذا أصابه لممٌ من الجنون، فعلمنا أن الهمزة أصل، وأن الواو زائدة؛ فتقديره: فوعل مثل كوثر، فهو مصروف في المعرفة والنكرة. وكذلك أيصر يجمع على فعال فيقال في جمعه: إصار، فتثبت الهمزة، وتسقط الياء. كما قال الأعشى:
فهذا يعد لهن الخلى ... وينقل ذا بينهن الإصارا
هذا بابتسمية الواحد مؤنثاً كان أو مذكراً بأسماء الجمع
قد تقدم قولنا في جمع التكسير إنه بمنزلة الواحد. يمنعه من الصرف ما يمنع الواحد، فإذا نقلت منه شيئاً، فسميت به مذكراً فهو على تلك الحال، وذلك أنك إن سميت مذكراً أنمارا، أو كلابا انصرف؛ كما ذكرت لك في أفعال؛ لأن هذا المثال ينصرف في المعرفة والنكرة. فإن سميته أكلب، وأكعب لم ينصرف في المعرفة لزيادة الهمزة في أوله؛ لأنها على مثال أعبد، وأقتل. وينصرف هذا المثال في النكرة؛ لأنه ليس بنعت، وإنما الممتنع من الصرف من هذا المثال في النكرة أفعل الذي يكون نعتاً؛ لأنه لا يقع شيءٌ مما على وزن الأفعال نعتاً إلا ما كان على أفعل. فإن سميته بغلمان لم ينصرف وكان كسرحان الذي هو واحد. فإن سميته بقضبان فحاله كحال عثمان في الامتناع من الصرف في المعرفة، وأنه ينصرف في النكرة لأنه ليس شيءٌ من هذا المثال يكون له فعلى إلا ما كان على فعلان الذي هو في السكون والحركة، والزيادتين على مثال حمراء. فهذا يجمع هذا الضرب من الجمع.
فأما ما كانت فيه هاء التأنيث، جمعاً كان أو واحداً، نحو: طلحة، ونسابة، وأجربة، وصياقلة فقد أجملنا القول فيه أنه لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة، واحداً كان أو جمعاً، قليل العدد كان أو كثيراً، عربياً كان أو أعجمياً. فإن سميت رجلاً بمساجد، وقناديل فإن النحويين أجمعين لا يصرفون ذلك في معرفة ولا نكرة؛ ويجعلون حاله وهو اسمٌ لواحد كحاله في الجمع. وعلى هذا لم يصرفوا سراويل وإن كانت قد أعربت؛ لأنها وقعت في كلام العرب على مثال ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة.
فأما العجمة فقد زالت عنها بأنها قد أعربت، إلا أبا الحسن الأخفش فإنه كان إذا سمى بشيءٍ من هذا رجلاً أو امرأة صرفه في النكرة، فهذا عندي هو القياس، وكان يقول إذا منعه من الصرف أنه مثال لا يقع عليه الواحد، فلما نقلته فسميت به الواحد خرج من ذلك المانع. وكان يقول: الدليل على ذلك ما يقول النحويون في مدائنيّ وبابه أنه مصروف في المعرفة والنكرة. وصياقلة أنه مصروف في النكرة ممتنع بالهاء من الصرف في المعرفة؛ لأنهما قد خرجا إلى مثال الواحد. قيل له: فلم لم تصرف مساجد إذا كان اسم الرجل في المعرفة. فقال: إن بناءه قد بلغ به مثال ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، فهو عنده في هذا المثال بمنزلة الملحق بالألف مما فيه ألف التأنيث، ومنزلة أفكلٍ وبابه. من أحمر وبابه، وبمنزلة عثمان وسرحان، من باب غضبان وسكران. فأما سراويل فكان يقول فيها: العرب يجعلها بعضهم واحداً، فهي عنده مصروفة في النكرة على هذا المذهب. ومن العرب من يراها جمعاً واحدها سروالة: وينشدون:
عليه من اللؤم سروالةٌ
فمن رآها جمعاً يقال له: إنما هي اسمٌ لشيءٍ واحد، فيقول: جعلوه أجزاءً؛ كما تقول: دخاريص القميص والواحد دخرصة فعلى هذا كان يرى أنها بمنزلة قناديل؛ لأنها جمع لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، ولكن إن سمى بها صرفها في النكرة كما وصفت لك في غيرها.

واعلم أن كل جمعٍ ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه جارٍ على سنة الواحد وإن عنيت به جمع الشيء؛ لأنه جنس. من أنثه فليس إلى الاسم يقصد، ولكنه يؤنثها على معناه؛ كما قال عز وجل: " تنزع الناس كأنهم أعجاز نخلٍ منقعرٍ " ؛ لأن النخل جنس. وقال: " فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخلٍ خاويةٍ " ؛ لأنه جمع نخلة فهو على المعنى جماعة. ألا ترى أن القوم اسمٌ مذكر! وقال عز وجل: " كذبت قبلهم قوم نوحٍ " لأن التقدير - والله أعلم - : إنما هو جماعة قوم نوح. وذلك الجمع؛ نحو: حصاة، وحصًى، وقناة وقنًى، وشعيرة وشعير، وكل ما كان مثل هذا فهذا مجازه.
ومن الجمع ما يكون اسماً للجمع، ولا واحد له من لفظه، فمجاز ذلك أن يكون مؤنثاً كالواحد الذي يعنى به الشيء المؤنث، إلا ما كان لجماعة الآدميين، وذلك نحو: غنم، وإبل فإنك تقول في تصغيره: غنيمة، وأبيلة، كما تقول في تصغير دار: دويرة، وتصغير هند: هنيدة. وأما ما كان من الآدميين من ذلك فنحو: رهط، ونفر وقوم، لا تقول في تصغير شيءٍ من ذلك إلا كما تقول في تصغير الواحد المذكر: قويم، ورهيط، ونفير. فإن سميت بشيءٍ من جميع هذا المؤنث الذي ليس فيه علامة تأنيث، ولا مانع مما ذكرت رجلاً فهو مصروف في المعرفة والنكرة، وذلك نحو: عنوق: جمع عناق. وكذلك كل ما كان جمعه لمذكر أو مؤنث، ولم يمنعه من الصرف ما يمنع الواحد فهو مصروف إذا سميت به مذكراً. فإن قال قائل: فكيف انصرف في المعرفة وأصله التأنيث؟ فإنما ذلك لأن تأنيثه ليس بحقيقي، إنما قلت: هي الجمال، وهي الرجال على معنى هي جماعة الرجال، وجماعة الجمال.
ألا ترى أن المؤنث والمذكر يخرجان إلى اسم واحد، فتقول: هي أنيق، كما تقول هي الجمال فمانما تريد بها جميعاً: جماعة. فأما الواحد فتأنيثه وتذكيره واقعان له. والتأنيث، والتذكير في الواحد على ضربين: أحدهما: حقيقة، والآخر: لفظ، فهما في ترك الصرف سواءٌ، لأن الصرف إنما هو للفظ، وليسا في الإخبار عنهما سواءً. فأما الحقيقي فما كان في الرجل والمرأة، وجميع الحيوان؛ لأنك لو سميت رجلاً طلحة لخبرت عنه كما يخبر إذا كان اسمه مذكراً. ولو سميت امرأة، أو غيرها من إناث الحيوان باسمٍ مذكر لخبرت عنها كما تخبر عنها واسمها مؤنث. وذلك نحو امرأةً سميتها جعفرا فتقول: جاءتني جعفر؛ كما تقول: جاءتني حمدة، ولا يجوز أن تقول: جاءني؛ لأن التأنيث حقيقة، كما لا يجوز أن تقول: جاءتني طلحة وأنت تعني رجلاً. والتأنيث الثاني، والتذكير نحو قولك: يوم، وليلة، وبلدة، ودار ومنزل، فليس في هذا أكثر من اللفظ. فلو قلت: قصر ليلتك، وعمر دارك لجاز؛ لأن الدار والمنزل شيءٌ واحد. ليس في الدار حقيقة تصرفها عن ذلك، وكذلك البلد والبلدة. قال الله عز وجل: " من جاءه موعظةٌ من ربه " وقال: " وأخذ الذين ظلموا الصيحة " . وقال في تأنيث الجمع: " وقالت نسوةٌ في المدينة " ؛ لأن الإخبار ليس عن واحد. فإن قال: قام جواريك صلح، ولو قال: قام جاريتك لم يجز، وكذلك لا يجوز: قام مسلماتك، وجاراتك ولكن قامت؛ لأن هذا جمعٌ حقيقيٌّ. لا يغير الواحد عن بنائه إلا أن يضطر شاعر كما قال:
لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ
ولو قال في الشعر: قام جاريتك لصلح، وليس بحسن حتى تذكر بينهما كلاماً، فتقول: قام يوم كذا وكذا جاريتك، ولا يجوز مثل هذا عندنا في الكلام. وهذا الجمع إنما هو على حد التثنية. فالألف والتاء في المؤنث كالواو والنون في المذكر.
هذا باب تسمية المؤنث

اعلم أن كل أنثى سميتها باسمٍ على ثلاثة أحرف فما زاد فغير مصروف، كانت فيه علامة التأنيث أم لم تكن، مذكراً كان الاسم أو مؤنثاً، وذلك نحو امرأة سميتها قدما أو قمرا أو فخذا أو رجلا. فإن سميتها بثلاثة أحرف أوسطها ساكن، فكان ذلك الاسم مؤنثاً أو مستعملاً للتأنيث خاصةً، فإن شئت صرفته، وإن شئت لم تصرفه إذا لم يكن في ذلك الاسم علم التأنيث نحو: شاة، فإن ذلك قد تقدم قولنا فيه. وذلك نحو امرأةً سميتها بشمس أو قدم، فهذه الأسماء المؤنثة. وأما المستعملة للتأنيث فنحو: جمل، ودعد، وهند. فأنت في جميع هذا بالخيار، وترك الصرف أقيس. فأما من صرف فقال: رأيت دعدا، وجاءتني هندٌ، فيقول: خفت هذه الأسماء لأنها على أقل الأصول، فكان ما فيها من الخفة معادلاً ثقل التأنيث. ومن لم يصرف قال: المانع من الصرف لما كثر عدته؛ نحو: عقرب وعناق، موجود فيما قل عدده؛ كما كان فيه علامة تأنيث في الكثير العدد والقليله سواءً.
فإن سميت مؤنثاً باسم على هذا المثال أعجميٍّ، فإنه لا اختلاف فيه أنه لا ينصرف في المعرفة. وذلك نحو امرأةً سميتها بخش، أو بدل، أو بجاز؛ لأنه جمع مع التأنيث عجمة، فاجتمع فيه مانعان.
فإن سميت مؤنثاً بمذكر على هذا الوزن عربيٍّ فإن فيه اختلافاً: فأما سيبويه والخليل والأخفش والمازني، فيرون أن صرفه لا يجوز؛ لأنه أخرج من بابه إلى باب يثقل صرفه، فكان بمنزلة المعدول. وذلك نحو امرأة سميتها زيدا أو عمرا. ويحتجون بأن مصر غير مصروفة في القرآن؛ لأن اسمها مذكر عنيت به البلدة. وذلك قوله عز وجل: " أليس لي ملك مصر " فأما قوله عز وجل: " اهبطوا مصراً " . فليس بحجةٍ عليه؛ لأنه مصرٌ من الأمصار، وليس مصر بعينها، هكذا جاء في التفسير، والله أعلم.
وأما عيسى بن عمر، ويونس بن حبيب، وأبو عمر الجرمي وأحسبه قول أبي عمرو ابن العلاء فإنهم كانوا إذا سموا مؤنثاً بمذكر على ما ذكرنا رأوا صرفه جائزاً، ويقولون: نحن نجيز صرف المؤنث إذا سميناه بمؤنث على ما ذكرنا. وإنما أخرجناه من ثقلٍ إلى ثقل، فالذي إحدى حالتيه حال خفة أحق بالصرف؛ كما أن لو سمينا رجلاً، أو غيره من المذكر باسم مؤنث على ثلاثة أحرف ليس له مانع لم يكن إلا الصرف. وذلك أنك لو سميت رجلاً قدما أو فخذا أو عضدا، لم يكن فيه إلا الصرف، لخفة التذكير. وكذلك لو سميته باسم أعجميٍّ على ثلاثة أحرف متحركات جمع، أو ساكنة الحرف الأوسط لكان مصروفاً. لا يجوز إلا ذلك؛ لأن الثلاثة أقل الأصول، والتذكير أخف الأبواب. فكل مذكر بثلاثة أحرف فمصروف إلا أن تكون فيه هاء التأنيث؛ نحو: شاة، وثبة فقد قلنا في الهاء، أو تكون فيه زيادة فعل نحو: يعد، ويضع، أو يكون من المعدول: كعمر، وقثم، أو يكون على ما لا تكون عليه الأسماء؛ نحو: ضرب، وقتل، وقد تقدم قولنا في هذا. فأما ما كان من المذكر المسمى باسم مؤنث على أربعة أحرف فصاعداً، أو بأعجمي على هذه العدة فغير منصرف في المعرفة؛ وذلك لأنه إنما انصرف فيما كان من المؤنث على ثلاثة أحرف مما ذكرت لك؛ لأنها الغاية في قلة العدد، فلما خرج عن ذلك الحد منعه ثقل المؤنث من الانصراف. والأعجمي المذكر يجري مجرى العربي المؤنث في جميع ما صرف فيه.
ألا ترى أن نوحا ولوطا اسمان أعجميان وهما مصروفان في كتاب الله عز وجل! فأما قوله عز وجل: " وعاداً وثمود وأصحاب الرس " وقوله: " ألا إن ثمود كفروا ربهم " " وإلى ثمود أخاهم صالحاً " فإن ثمود اسم عربيٌّ، وإنما هو فعول من الثمد، فمن جعله اسماً لأب أوحىٍّ صرفه، ومن جعله اسماً لقبيلة أو جماعة لم يصرفه. ومكانهم من العرب معروف؛ فلذل كان لهم هذا الاسم. وعلى ذلك اسم صالح. فأما الأسماء المشتقة غير المغيرة فهي تبين لك عن أنفسها. واعلم أن الشاعر إذا اضطر صرف ما لا ينصرف. جاز له ذلك؛ لأنه إنما يرد الأسماء إلى أصولها. وإن اضطر إلى ترك صرف ما ينصرف لم يجز له ذلك؛ وذلك لأن الضرورة لا تجوز اللحن، وإنما يجوز فيها أن ترد الشيء إلى ما كان له قبل دخول العلة، نحو قولك في رادٍّ إذا اضطررت إليه: هذا رادد؛ لأنه فاعل في وزن ضارب، فلحقه الإدغام، كما قال:
مهلاً أعاذل قد جربت من خلقي ... إني أجود لأقوامٍ وإن ضننوا
لأن ضن إنما هو ضنن، فلحقه الإدغام وذلك قوله:
يشكو الوجى من أظللٍ وأظلل
وعلى هذا قال الشاعر:

فلتأتينك قصائدٌ وليركبن ... جيشٌ إليك قوادم الأكوار
ونحو ذلك. ألا ترى أنه ما كان من ذوات الياء فإن الرفع والخفض لا يدخلانه؛ نحو: هذا قاضٍ فاعلم، ومررت بقاضٍ، فلما احتاج إليه الشاعر رده إلى أصله فقال:
لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب
وقال الشاعر مثله:
فيوماً يجارين الهوى غير ماضيٍ ... ويوماً ترى منهن غولٌ تغول
فعلى هذا إجراء ما لا يجري لما وصفت لك.
هذا باب تسمية السور والبلدان أما قولك: هذه هودٌ، وهذه نوحٌ، فأنت مخير: إن أردت هذه سورة نوح، وهذه سورة هود، فحذفت سورة على مثال ما حذف من قوله عز وجل: " واسأل القرية " فمصروف. تقول: هذه هودٌ، وهذه نوحٌ. وإن جعلت واحداً منهما اسماً للسورة لم تصرفه في قول من رأى ألا يصرف زيدا إذا كان اسماً لامرأة. هذا في هود خاصةً. وأما نوح فإنه اسمٌ أعجميٌّ لا ينصرف إذا كان اسماً لمؤنث، كما ذكرت لك قبل هذا. فأما يونس، وإبراهيم فغير مصروفين، للسورة جعلتهما أو للرجلين؛ للعجمة. ويدلك على ذلك أنك إذا قلت: هذه يونس أنك تريد: هذه سورة يونس، فحذفت؛ كما أنك تقول: هذه الرحمن.
وأما حاميم فإنه اسمٌ اعجميٌّ لا ينصرف، للسورة جعلته أو للحرف؛ ولا يقع مثله في أمثلة العرب. لا يكون اسم على فاعيل. فإنما تقديره تقدير: هابيل. وكذلك طس، ويس فيمن جعلهما اسماً؛ كما قال لما جعله اسماً للسورة:
يذكرني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقال الكميت:
وجدنا لكم في آل حاميم آيةً ... تأولها منا تقيٌّ ومعرب
وأما فواتح السور فعلى الوقف؛ لأنها حروفٌ مقطعة؛ فعلى هذا تقول: آلم ذلك و " حم والكتاب " لأن حق الحروف في التهجي التقطيع؛ كما قال:
أقبلت من عند زيادٍ كالخرف ... تخط رجلاي بخطٍّ مختلف
تكتبان في الطريف لامَ الِف
فهذا مجاز الحروف. فأما نون في قولك: قرأت نوناً يا فتى، فأنت مخير: إن أردت سورة نون، وجعلته اسماً للسورة جاز فيه الصرف فيمن صرف هندا، وتدع ذلك في قول من لم يصرفها. وكذلك صاد، وقاف. وهذه الأسماء التي على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن إنما هي بمنزلة امرأة سميتها دارا.
فأما البلاد فإنما تأنيثها على أسمائها، وتذكيرها على ذلك؛ تقول: هذا بلد، وهذه بلدة، وليس بتأنيث الحقيقة، وتذكيره كالرجل والمرأة. فكل ما عنيت به من هذا بلداً، ولم يمنعه من الصرف ما يمنع الرجل فاصرفه. وكل ما عنيت به من هذا بلدة منعه من الصرف وما يمنع المرأة، وصرفه ما يصرف اسم المؤنث على أن منها ما يغلب عليه أحد المذهبين والوجه الآخر فيه جائزٌ، والأصل ما ذكرت لك. وذلك نحو: فلج، وحجر، وقباء، وحراء. فأما المدينة، والبصرة، والكوفة، ومكة، فحرف التأنيث يمنعها. وأما بغداد ونحوها، فالعجمة تمنعها. وعمان، ودمشق فالأكثر فيهما التأنيث؛ يراد البلدتان والتذكير جائز، يراد: البلدان. كما أن واسطاً الأغلب عليه التذكير؛ لأنه اسم مكان وسط البصرة والكوفة، فإنما هو نعتٌ سمي به، ومن أراد البلدة لم يصرفها؛ وجعلها كامرأة سميت ضارباً. ألا ترى أنه لما جعل حراء اسماً لبقعة لم يصرفه وقال:
ستعلم أينا خيرٌ قديماً ... وأعظمنا ببطن حراء نارا
فأصل هذا ما تقصد به إليه. ألا ترى أنه يقول:
من كان ذا شكٍّ فهذا فلج ... ماءٌ رواءٌ، وطريقٌ نهج
فقال: فهذا، ولم يقل فهذه؛ لأنه أراد بلداً.
هذا باب أسماء الأحياء والقبائل فمجاز هذا مجاز ما ذكرنا قبل في البلدان. تقول: هذه تميمٌ، وهذه أسدٌ، إذا أردت هذه قبيلة تميم، أو جماعة تميم، فتصرف؛ لأنك تقصد قصد تميم نفسه. وكذلك لو قلت: أنا أحب تميما، أو أنت تهجو أسدا. إذا أردت ما ذكرنا، أو جعلت كل واحدٍ منهما اسماً للحي. فإن جعلت شيئاً من ذلك اسماً للقبيلة لم تصرفه على ما ذكرنا قبل. تقول: هذه تميم فاعلم، وهذه عامر قد أقبلت. وعلى هذا تقول: هذه تميم بنة مرٍّ، وإنما تريد القبيلة، كما قال:
لولا فوارس تغلب بنة وائلٍ ... نزل العدو عليك كل مكان

وكما قال الله عز وجل: " كذبت قوم نوحٍ المرسلين " ؛ لأن المعنى: الجماعة، وعلى هذا " كذبت عادٌ " و " كذبت ثمود بالنذر " ؛ لأنه عنى القبيلة والجماعة.
فأما ما كان من هذا اسماً لا يقع عليه بنو كذا، فإن التذكير فيه على وجهين: على أن تقصد قصد الحي، أو تعمد للأب الذي سمي به القبيل، وذلك نحو: قريش، وثقيف. تقول: جاء قريشٌ يا فتى، إنما تريد: حي قريش، وجماعة قريش. فهي بمنزلة ما قبلها إلا فيما ذكرنا من أنك لا تقول: بنو قريش؛ كما تقول: بنو تميم؛ لأنه اسم للجماعة وإن كانوا إنما سموا بذلك لرجلٍ منهم. وقد اختلف الناس في هذه التسمية لأي معنًى وقعت؟ إلا أن الثبت عندنا أنها إنما وقعت لقصي بن كلاب ولذلك قال اللهبي:
وبنا سميت قريشٌ قريشا
وثقيف كذلك إنما هو تلقيب القبيلة أو الحي، المقصود في ذلك أبوها قسي بن منبه ابن بكر بن هوازن. ومن جعل هذه الأسماء واقعة على قبائل أو جماعات، لم يصرفه، كما قال:
غلب المساميح الوليد سماحةً ... وكفى قريشا المعضلات وسادها
جعله اسماً للقبيلة؛ كما قال الأعشى:
ولسنا إذا عد الحصى بأقلة ... وإن معد اليوم مودٍ ذليلها
جعل معد اسماً للقبيلة يدلك على ذلك قوله: مودٍ ذليلها. على أنه قد يجوز أن يقول مودٍ ذليلها، لو أراد أبا القبيلة لأنه يريد: جماعة معدٍّ، ولكن ترك الصرف قد أعلمك أنه يريد القبيلة، وأن ذليلها على ذلك جاء. فإذا قلت: ولد كلابٌ كذا، وولد تميمٌ كذا، فالتذكير والصرف لا غير؛ لأنك الآن إنما تقصد الآباء. وأما قوله:
بكى الخز من عوفٍ وأنكر جلده ... وعجت عجيجاً من جذام المطارف
فإنه جعله اسماً للقبيلة.
وأما قولك: هذه رقاش يا فتى على مذهب بني تميم، وهذه رقاش في قول أهل الحجاز، فلهذا موضع سنبينه في عقب هذا الباب إن شاء الله. ورقاش امرأة، وأبو القبيل عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة. وكذلك سلول، وسدوس فليس من هذا مصروفاً إلا في النكرة، وإنما ذلك بمنزلة باهلة، وخندف وإن كان في باهلة علامة التأنيث.
هذا باب تسمية الرجال والنساء بأسماء السور والأحياء والبلدان اعلم أنك إذا سميت رجلاً باسم شيءٍ من ذلك على ثلاثة أحرف ليس فيه مانع مما قدمنا ذكره فهو مصروف وإن وقع في الأصل مؤنثاً، كما ذكرت لك في رجل يسمى هندا أو قدما أو فخذا. فإن سمي بشيءٍ على أربعة أحرف أو أكثر، وكان عربياً مذكراً، فهو مصروف. وإن كان أعجمياً أو مؤنثاً لم ينصرف. وذلك قولك في رجلٍ يسمى حاميم: هذا حاميم مقبلاً؛ لأنه أعجميٌّ على ما وصفت لك. فإن سميته صالحاً أو شعيباً، وذلك الاسم اسمٌ لسورة، انصرف؛ لأنه في الأصل مذكر، وإن علقته على مؤنث فإنما ذلك بمنزلة غزال وسحاب، سميت بواحدٍ منهما امرأة، ثم سميت بذلك الاسم رجلاً فإنما ترده إلى أصله.
وإنما ذكرنا أن هنداً ودعداً وجملا أسماءٌ مؤنثة؛ لأنها وقعت مشتقة للتأنيث، فكانت بمنزلة ما أصله التأنيث إذ كان المؤنث المختص بها. ومن ثم لا يصرف عند أكثر النحويين أسماء بن خارجة؛ لأن أسماء قد اختص به النساء حتى كأن لم بكن جمعاً قط، والأجود فيه الصرف وإن ترك إلى حالته التي كان فيها جمعاً للاسم، وعلى ذلك صرف هؤلاء النحويون ذراعاً اسم رجل؛ لكثرة تسمية الرجال به، وأنه وصف للمذكر في قولك: هذا حائط ذراعٌ، والأجود ألا يصرف اسم رجل؛ لأن الذراع في الأصل مؤنثة.
فإن سميت السورة أو الرجل أو غير ذلك بفعل، أجريته مجرى الأسماء، وذلك أنك تقول إذا أضفت إلى " اقتربت الساعة وانشق القمر " : قرأت سورة إقتربه؛ لأنك إذا سميت بفعل فيه تاء تأنيث صارت في الوقف هاءً؛ لأنك نقلته إلى اسم، فصار آخره كآخر حمدة؛ لأنه في الأصل مدرج بالتاء، والتاء علامة التأنيث، وإنما تبدل منها في الوقف هاءً، وتقطع ألف الوصل؛ كما أنك لو سميت رجلاً بقولك: اضرب في الأمر قطعت الألف حتى تصير كألفات الأسماء فتقول: هذا إضرب قد جاء، فتصيره بمنزلة إثمد. فعلى هذا قلت: هذه سورة إقتربه فإن وصلت قلت: هذه سورة اقتربت الساعة؛ لأنها الآن فعل رفعت بها الساعة، وسميت بهما جميعاً؛ كما أنك لو سميت رجلاً: قام زيدٌ لقلت: هذا قام زيدٌ؛ لأنك سميت بفعل وفاعل. ولهذا موضع نذكره فيه على حدته إن شاء الله.
هذا باب

ما كان من الأسماء المعدولة على فعال اعلم أن الأسماء التي تكون على هذا الوزن على خمسة أضرب: فأربعة منها معدولة، وضرب على وجهه. فذلك الضرب هو ما كان مذكراً، أو مؤنثاً غير مشتقٍّ، ويجمع ذلك أن تكون مما أصله النكرة فأما المذكر فنحو قولك: رباب، وسحاب، وجمال. وأما المؤنث فنحو قولك: عناق، وأتان، وصناع. فما كان من هذا مذكراً فمصروف إذا سميت به رجلاً، أو غيره من المذكر. وما كان منه مؤنثاً فغير مصروف في المعرفة، ومصروف في النكرة، لمذكرٍ كان أو لمؤنث. وأما ما كان معدولاً فمجراه واحدٌ في العدل وإن اختلفت أنواعه. فمن ذلك ما يقع في معنى الفعل نحو قولك: حذار يا فتى، ونظار يا فتى، ومعناه: احذر، وانظر. فهذا نوع. ومنه ما يقع في موضع المصدر نحو قولك: الخيل تعدو بداد يا فتى ومعناه: بدادا، ومثله: لا مساس يا فتى، أي: لا مماسة. فهذا نوع ثان. وتكون صفة غالبة حالة محل الاسم؛ كتسميتهم المنية حلاق يا فتى فهذا نوعٌ ثالث. والنوع الرابع ما كان معدولاً للنساء؛ نحو: حذام وقطام، إلا أن جملة هذا أنه لا يكون شيء من هذه الأنواع الأربعة إلا مؤنثة معرفة. فأما ما لم يكن كذلك فغير داخل في هذا الباب. ونحن بادئون في تفسيره نوعاً نوعاً. أما ما كان في معنى الأمر فإنما كان حقه أن يكون موقوفاً؛ لأنه معدول عن مصدر فعل موقوف موضوع في موضعه، فإنما مجازه مجاز المصدر، إلا أنها المصادر التي يؤمر بها؛ نحو: ضرباً زيدا؛ كما قال الله عز وجل: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " إلا أن المصدر مقدر مؤنثاً علماً لهذا المعنى وذلك نحو قوله:
تراكها من إبل تراكها
إنما المعنى: اتركها إلا أنه اسم مؤنث موقوف الآخر محرك بالكسر، لالتقاء الساكنين. وحركته الكسر لما أذكره لك إن شاء الله، ومن ذلك قوله:
مناعها من إبل مناعها ... ألا ترى الموت لدى أرباعها
وقال آخر:
حذار من أرماحنا حذار
وقال آخر:
نظار كي أركبه نظار
ويدلك على تأنيثه قول زهير:
ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر
فقال: دعيت. وقال زيد الخليل:
وقد علمت سلامة أن سيفي ... كريهٌ كلما دعيت نزال
وأما ما كان اسماً لمصدر غير مأمور به فنحو قوله:
وذكرت من لبن المحلق شربةً ... والخيل تعدو بالصعيد بداد
وقرأ القراء: فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس. فإن قال قائل: ما بالنا لا نجد أكثر المصادر إلا مذكراً. وهذا إنما هو معدول عما لا نجد التأنيث في لفظه. قيل له: قد وجدتم في المصادر مؤنثاً كثيراً، كقولك: أردت إرادة، واستخرت استخارة؛ وقاتلت مقاتلة. وكل مصدر تريد به المرة الواحدة فلا بد من دخول الهاء فيه، نحو: جلست جلسةً واحدةً وركبت ركبةً، وإنما هذا معدول عن مصدر مؤنث كنحو ما ذكرت لك. والدليل على ذلك أن المذكر من المصادر، وغيرها الذي هو على هذا الوزن مصروف متصرف؛ نحو: ذهبت ذهاباً، ولقيته لقاءً، وأنه لما أراد المكسور قال: دعيت نزال. وأما ما كان نعتاً غالباً فمنه قوله:
لحقت حلاق بهم على أكسائهم ... ضرب الرقاب، ولا يهم المغنم
يريد: المنية؛ كما قال مهلهل:
ما أرجي العيش بعد ندامى ... كلهم قد سقوا بكأس حلاق
وإنما هذا نعت غالب نظير قوله:
ونابغة الجعدي بالرمل بيته ... عليه صفيحٌ من تراب منضد
وإنما النابغة نعت في الأصل، ولكنه غلب حتى صار اسماً.
وأما ما كان اسماً علماً نحو: حذام، وقطام، ورقاش، فإن العرب تختلف فيه: فأما أهل الحجاز فيجرونه مجرى ما ذكرنا قبل؛ لأنه مؤنث معدول. وإنما أصله حاذمة، وراقشة، وقاطمة. ففعال في المؤنث نظير فعل في المذكر.

ألا ترى أنك تقول للرجل: يا فسق، يا لكع، وللمرأة: يا فساق، يا لكاع. فلما كان المذكر معدولاً عما ينصرف عدل إلى ما لا ينصرف ولما كان المؤنث معدولاً عما لا ينصرف عدل إلى ما لا يعرب؛ لأنه ليس بعد ما لا ينصرف إذ كان ناقصاً منه التنوين إلا ما ينزع منه الإعراب؛ لأن الحركة والتنوين حق الأسماء، فإذا أذهب العدل التنوين لعلة أذهب الحركة لعلتين. واختير له الكسر؛ لأنه كان معدولاً عما فيه علامة التأنيث، فعدل إلى مافية تلك العلامة؛ لأن الكسر من علامات التأنيث، ألا ترى أنك تقول للمؤنث: إنك فاعلة، وأنت فعلت، وأنت تفعلين؛ لأن الكسرة من نوع الياء؛ فلذلك ألزمته الكسرة. فإن نكرت شيئاً من هذا أعربته وصرفته، فقلت: رأيت قطام، وقطاماً أخرى. ولو سميت به مذكراً أعربته ولم تصرفه؛ لأنك لا تصرف المذكر إذا سميته بمؤنث على أربعة فصاعداً فإنما هو بمنزلة رجل سميته عقرباً، وعناقاً، تقول: هذا حذام قد جاء، وقطام يا فتى، وهذا حذامٌ آخر. وإنما فعلت ذلك؛ لأنه لم يلزم الكسر للتأنيث، ولو كان للتأنيث لكان هذا في عقرب وعناق، ولكنه للمعنى، فإذا نقلته إلى المذكر زال المانع منه، وجرى مجرى مؤنث سميت به مذكراً مما لم يعدل. وأما بنو تميم فلا يكسرون اسم امرأة، ولكنهم يجرونه مجرى غيره من المؤنث؛ لأنهم لا يذهبون به إلى العدل، والدليل على ذلك أنهم إذا أرادوا العدل قالوا: يا فساق أقبلي ويا خباث أقبلي، لأن هذا لا يكون إلا معدولاً.
وما كان في آخره راءٌ من هذا الباب فإن بني تميم يتبعون فيه لغة أهل الحجاز، وذلك أنهم يريدون إجناح الألف، ولا يكون ذلك إلا والراء مكسورة وهذا مبين في باب الإمالة. فتقول للضبع: هذه جعار فاعلم. وإنما جعار نعت غالب، فصار اسماً للضبع، فمن ذلك قوله:
فقلت لها عيثي جعار وجرري ... بلحم امرئٍ لم يشهد اليوم ناصره
ومنهم من يجري الراء مجرى غيرها، ويمضي على قياسه الأول. فمن ذلك قوله:
ومر دهرٌ على وبار ... فهلكت عنوةً وبار
والقوافي مرفوعة. ومن المعدول: أخر، وسحر، وعدلهما مختلف. فأما أخر فلولا العدل انصرفت؛ لأنها جمع أخرى. فإنما هي بمنزلة الظلم، والنقب، والحفر، ومثلها مما هو على وزنها: الكبرى والكبر، والصغرى والصغر. فباب فعلى في الجمع كباب فعلة نحو: الظلمة والظلم، والغرفة والغرف. وإنما استويا في الجمع؛ لاستواء الوزن، وأن آخر كل واحدٍ منهما علامة التأنيث، فإنما عدلت أخر عن الألف واللام من حيث أذكره لك: وذلك أن أفعل الذي معه من كذا وكذا، لا يكون إلا موصولاً بمن، أو تلحقه الألف واللام، نحو قولك: هذا أفضل منك، وهذا الأفضل، وهذه الفضلى، وهذه الأولى، وهذه الكبرى. فتأنيث الأفعل الفعلى من هذا الباب، فكان حدٌّ آخر أن يكون معه من نحو قولك: جاءني زيدٌ ورجل آخر انما كان اصله آخر منه؛ كما تقول: أكبر منه، وأصغر منه. فلما كان لفظ آخر يغني عن من لما فيه من البيان أنه رجلٌ معه. وكذلك: ضربت رجلاً آخر، قد بينت أنه ليس بالأول استغناءً عن من بمعناه. فكان معدولاً عن الألف واللام خارجاً عن بابه، فكان مؤنثه كذلك فقلت: جاءتني امرأة أخرى، ولا يجوز جاءتني امرأة صغرى ولا كبرى، إلا أن يقول: الصغرى أو الكبرى، أو تقول: أصغر منك أو أكبر، فلما جمعناها فقلنا: أخر كانت معدولة عن الألف واللام؛ فذلك الذي منعها الصرف. قال الله عز وجل: " وأخر متشابهاتٌ " وقال: " فعدةٌ من أيامٍ أخر " . فإن سميت به رجلاً فهي منصرفة في قول الأخفش ومن قال به. لأنه يصرف أحمر إذا كان نكرة اسم رجل؛ لأنه قد زال عنه الوصف، وكان هذا قد زال عنه العدل، وصار بمنزلة أصغر لو يسمى به رجلاً.
وسيبويه يرى أنه على عدله ولكل مذهبٌ قويٌّ يطول الكلام بشرحه، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله.

فأما سحر فإنه معدول - إذا أردت به يومك - عن الألف واللام؛ فإن أردت سحراً من الأسحار صرفته لأنه غير معدول. ألا ترى أنك تقول: جاءني زيد ليلةً سحراً. وقمت مرةً سحراً، وكل سحرٍ طيب، فهذا منصرف فتقول إذا أردت تعريفه: هذا السحر خيرٌ لك من أول الليل، وجئتك في أعلى السحر وعلى هذا قوله عز وجل: " إلا آل لوطٍ نجيناهم بسحرٍ " . فأما في يومك فإنه غلب عليه التعريف بغير إضافة؛ كما غلب ابن الزبير على واحد من بنيه، وكما غلب الوصف في قولك: النابغة فصار كالاسم اللازم، فلما كان ذلك امتنع من الصرف؛ كما امتنع أخر فقلت: سير عليه سحر يا فتى، ولم يكن متمكناً فترفعه، وتجريه مجرى الأسماء؛ كما تقول: سير عليه يوم الجمعة، وسير عليه يومان، فامتنع من التصرف؛ كما امتنع من الصرف. فإن عنيت الذي هو نكرة صرفته وصرفته. وإن صغرت هذا الذي هو معرفة صرفته؛ لأن فعيلا لا يكون معدولاً، وصار كتصغير عمر؛ لأنه قد خرج من باب العدل، ولكنك لا تصرفه في الرفع، فتقول: سير عليه سحير يا فتى إذا عنيت المعرفة. ولم ينصرف إذا كان مكبراً معدولاً. فإن سميت به رجلاً فلا اختلاف في صرفه. فيقال لسيبويه: ما بالك صرفت هذا اسم رجل، ولم تفعل مثل ذلك في باب أخر؟ فمن حجة من يحتج عنه أن يقول: إن أخر على وزن المعدول، وعدل في باب النكرة، فلما امتنع في النكرة كان في المعرفة أولى. وأما أنا فلا أرى الأمر فيهما إلا واحداً، ينصرفان جميعاً إذا كانا لمذكر، وترجع أخر إذا فارقه العدل إلى باب صرد ونغر.
فأما غدوة فليست من هذا الباب؛ لأنها بنيت اسماً للوقت علماً على خلاف بنائها وهي نكرة. تقول: هذه غداةٌ طيبة، وجئتك غداة يوم الأحد. فإن أردت الوقت بعينه قلت: جئتك اليوم غدوة يا فتى، فهي ترفع وتنصب، ولا تصرف لأنها معرفة.
فأما بكرة ففيها قولان: قال قوم: نصرفها. لأنا إذا أردنا بها يوماً بعينه فهي نكرة؛ لأن لفظها في هذا اليوم وفي غيره واحد. وقال قوم: لا نصرفها؛ لأنها في معنى غدوة؛ كما أنك تجري كلهم مجرى أجمعين فتجريه على المضمر وإن كان كلهم قد يكون اسماً وإن لم يكن جيداً نحو قولك: رأيت كلهم، ومررت بكلهم. ولكن لما أشبهتها في العموم، وأجريت مجراها على المضمر، فقلت: إن قومك في الدار كلهم، كما تقول: أجمعون: وكما فتحت يذر وليس فيها حرف من حروف الحلق؛ لأنها في معنى يدع. وكلا القولين مذهب، والقائل فيها مخير، أعني في جعل بكرة إذا أردت يومك، نكرة إن شئت، ومعرفة إن شئت.
ومن المعدول قولهم: مثنى، وثلاث، ورباع، وكذلك ما بعده. وإن شئت جعلت مكان مثنى ثناء يا فتى حتى يكون على وزن رباع وثلاث. وكذلك أحاد، وإن شئت قلت: موحد؛ كما قلت مثنى. قال الله عز وجل: " أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع " وقال عز وجل: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " . قال الشاعر:
منت لك أن تلاقيني المنايا ... أحاد أحاد في شهر حلال
وقال الآخر:
ولكنما أهلي بوادٍ أنيسه ... ذئابٌ تبغى الناس مثنى وموحد
وتأويل العدل في هذا: أنه أراد واحداً واحداً، واثنين اثنين. ألا تراه يقول: " أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع " والعدل يوجب التكثير؛ كما أن يا فسق مبالغة في قولك: يا فاسق وكذلك يا لكع، ويا لكاع.
وأما قولهم: الثلاثاء والأربعاء يريدون: الثالث والرابع، فليس بمعدول؛ لأن المعنى واحد، وليس فيه تكثير، ولكنه مشتق بمعنى اليوم كالعديل والعدل، والعديل: ما كان من الناس، والعدل: ما كان من غير ذلك، والمعنى في المعادلة سواء. ألا ترى أن الخميس مصروف فهذان دليلان، وكذلك لزوم الألف واللام لهذه الأيام؛ كما يلزم النجم، والدبران؛ لأنهما معرفة. وقد أبان ذلك الأحد والاثنان؛ لأنه على وجهه. وقد فسرت لك باب العدل لتتناول القياس من قرب، وتميز بعضه من بعض إن شاء الله. ونظير العدل والعديل قولهم: امرأة ثقال، ورزان. وتقول لما ثقل وزنه: ثقيل، ورزين. إنما تريد في المرأة أنها متوقرة لازمة لموضعها؛ فعلى هذا بناؤه إن شاء الله.
هذا باب

الأمثلة التي يمثل بها أوزان الأسماء والأفعال

تقول: كل أفعلٍ في الكلام يكون نعتاً فغير مصروف، وإن كان اسماً انصرف. فإن قال قائل: لم قلت، كل أفعلٍ يكون وصفاً لا ينصرف، وأنت قد صرفت أفعلا هذه التي ذكرت أنها تكون وصفاً؟ قيل له: أفعل ليس وصفاً في الكلام مستعملاً وإنما هو مثال يمثل به. فإنما قلت: إذا كان هذا المثال وصفاً لم ينصرف، ولو كان هذا شيئاً قد علم وصفاً لم تصرفه، ولم تقل: إذا كان وصفاً، ولكن تقول: لأنه وصف؛ كما تقول: كل آدمٍ في الكلام لا ينصرف؛ لأن آدم نعت مفهوم وعلى هذا تقول: كل أفعل في الكلام تريد به الفعل فهو مفتوح؛ لأن أفعلا مثال، وليس بفعل معروف، وموقعه بعد كل وهو مفرد يدلك على أنه اسم. ولكن لو قلت: كل أفعل زيدٌ مفتوح، لم يكن إلا هكذا؛ لأنك قد رفعت به زيدا، فأخلصته فعلا، ووقعت كل عليه؛ لأنه عامل ومعمول فيه، فهو حكاية. ونظير ذلك قولك: هذا رجل أفعل فاعلم؛ فلا تصرف أفعل؛ لأنك وضعته موضع النعت؛ كما وضعت الأول موضع الفعل. هذا قول الخليل وسيبويه.
وكان المازني يقول: هذا رجلٌ أفعلٌ، فيصرف أفعلاً هذا، ويقول: لأنه ليس بنعت معلوم. وأما أفعل زيدٌ فيجعله فعلا؛ لأنه قد رفع زيداً به، وهو مذهب. وقول الخليل وسيبويه أقوى عندنا. فإذا قلت أفعل إذا كان نعتاً لم ينصرف أفعل لأنه معرفة وإنما بدأت به لذلك. فكأنك قلت: هذا البناء إذا كان نعتاً. وتقول: كل فعلانٍ له فعلى لا ينصرف وإن لم تكن له فعلى فمصروف. وإنما صرفت فعلانا هاهنا؛ لأنه ليس بشيءٍ معروف له فعلى والقول فيه القول في الأول وعلى ذلك تقول: فعلان إذا كانت له فعلى لم ينصرف، فلا تصرف فعلان لأنه معرفة؛ كما قلنا فيما قبله. وتقول: كل فعنلًى في الكلام فاصرفه؛ لأن هذا مثال ما ينصرف في النكرة. وكل لا يقع بعدها إلا نكرة، وإنما هو مثال حبنطًى، وسرندًى، وسبندًى، ونحوه. وتقول: كل فعلى في الكلام، وفعلى فلا ينصرف؛ لأن الألف للتأنيث، وإن شئت قلت: كل فعلًى في الكلام وفعلًى يا فتى، فتصرفه، لأن هذا المثال للإلحاق يكون وللتأنيث. وإنما تمنعه ألفه لا معناه، فإن قدرتهما تقدير الملحق انصرفتا، وكانت كمعزًى، وأرطًى. فإن قدرتهما تقدير التأنيث كانتا كدفلى، وتترى تكون للأمرين جميعاً، والأجود التأنيث وتقول: كل فعلى في الكلام لا ينصرف لأن هذا المثال لا يكون إلا للتأنيث وهو باب حبلى، وبهمى. وكذلك كل فعلاء في الكلام لا ينصرف، هذا المثال لا يكون إلا للتأنيث نحو: حمراء، وصحراء. وتقول: كل فعلاء، وفعلاء فمصروف لأنه مثال لا يكون إلا ملحقاً مصروفاً في المعرفة والنكرة. وذلك نحو علباء، وحرباء. وأما فعلاء فنحو قولك: قوباء فاعلم: لأنه ملحق بفسطاط؛ كما أن علباءً ملحق بسرداح. فهذا يبين لك جميع هذه الأمثلة إن شاء الله.
/الجزء الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا باب

إيضاح الملحقة وتبيين الفصل بينها وبين غيرها
تقول فيما كان على أربعة أحرف كلها أصل، نحو: جعفر، وجلجل، وقمطر، وسبطر، وجرج، ودرهم، وغير ذلك إذا أردت أن تبلغ وزنه ما أصله الثلاثة، فقامت في مثل جعفر: جدول فالواو زائدة ألحقت الثلاثة ببناء الأربعة، فصار جدول في وزن جعفر، وإنما هو من الجدل، فهذه الواو زائدة ألحقته بهذا المثال، فالواو ملحقة.
فإن قلت: عجوز، أو رغيف، أو رسالة فالياء والواو والألف زوائد، ولسن بملحقات؛ لأنهن لم يبلغن بالثلاثة مثالاً من أمثلة الأربعة. فهذا الملحق، وما كان مثله.
وما كان من الزوائد لا يبلغ بالثلاثة مثالاً من أمثلة الأربعة والخمسة، ولا يبلغ الأربعة مثال الخمسة فليس بملحق.
فسرحان ملحق بسرداح، وإنما امتنع من الصرف في المعرفة؛ لأن في آخره الزائدتين اللتين في آخر غضبان، وقد أشبهه من هذه الجهة.
وحبنطىً ملحق بسفرجل بالنون والألف، وإنما منعه من الصرف في المعرفة أن آخره كآخر حبلى في الزيادة، فأشبهها من هذه الجهة، ولكن الزوائد يكن كزوائد حبلى؛ فلذلك لم ينصرف في المعرفة.
فإن قلت: ما بال حرباء، وعلباء، وقوباء ينصرفن في المعرفة والنكرة، والزائدتان في آخر كل واحد منها كالزائدتين في آخر حمراء. هلا ترك صرفهن في المعرفة؛ كما ترك صرف ما ذكرناه من الملحقات؟.

فالفصل بينهما أن الأوائل التي وصفنا، ألفاتها غير منقلبة، وألفات هذه منقلبة من ياءات قد باينت ألفات التأنيث؛ لأن تلك لا تكون إلا منقلبة من شيء. فقد باينتها.
والدليل على ذلك قولهم درحاية، إنما هي فعلاية. فلو ذكرت قلت درحاء كما ترى؛ كقولك: سقاء، وغزاء يا فتى.
ألا ترى أن النحويين لا يجيزون ترخيم رجل في النداء يسمى حبلوىً في قول من قال: يا حار فرفع؛ لأن الذي يقول: يا حار لا يعتد بما ذهب، ويجعله اسماً على حياله.
فإذا رخم حبلوىً لزمه أن يقول: يا حبلى أقبل؛ لأن الواو تنقلب ألفاً لفتحة ما قبلها، ومثال فعلى لا يكون إلا التأنيث، ومحال أن تكون ألف التأنيث منقلبةً، فقد صار مؤنثاً مذكراً في حال؛ فلهذا ذكرت لك أنه محال.
هذا باب

جمع الأسماء المؤنثة بعلامة التأنيث
إذا وقعت لمذكر أو مؤنث، فعلامات التأنيث فيها مقصوراً كان أو ممدوداً فالمقصور؛ نحو سكرى، وغضبى، وحبلى.
والممدود؛ نحو: حمراء، وصفراء، وصحراء.
وما كان بالهاء في الوقف؛ كحمدة، وطلحة.
فما كان من هذا اسماً لامرأة فغير ممتنع من الألف والتاء؛ نحو: حبليات، وسكريات، وحمراوات، وصفراوات؛ تبدل من الألف التي هي طرف واوا؛ كما تفعل في التثنية إذا قلت: حمراوان.
ولو كانت أصلا لكان الأجود أن تبدل منها همزة، كما كان في الواحد قبل أن يثنى، فيكون ما كان منه مبدلا من ياء أو واو، بمنزلة الهمزة الأصلية، فتقول في كساء: كساءان، وفي قراء: قراءان. فالهمزة في قراء أصل، وفي كساء مبدلة، وكذلك سقاء، وما كان مثله يجوز في هذا أجمع بدل الواو.
وأما ما كانت مثل علباء، وحرباء فبدل الواو فيه أجود؛ لأن ألفيه زائدتان، فهما يشبهان ألفى التأنيث من جهة الزيادة.
وأما ما كان مثل غزاء، وسقاء فالإبدال فيه جائز، وليس كجوازه في الأول؛ لأن الهمزتين مبدلتان من ياء أو واو، وهما أصلان.
وأما ما كان مثل قراء، فقد يجوز هذا فيه على قبح؛ لأن الهمزة أصل، وليست بمبدلة من شيء. والأصل في هذا أجمع: انه كل ما كان مذكراً من هذا الباب فالوجه فيه ثبات الهمزة في التثنية. وما كانت ألفاه للتأنيث لم يجز إلا القلب إلى الواو.
وما كانت فيه هاء التأنيث التي وصفنا، فسميت به امرأة، أدخلت عليها في الجمع الألف والتاء، فتقول: حمدات، وطلحات.
أما تحريك وسطه فللفصل بين الاسم والنعت، وهذا يذكر مفسراً في باب التصريف.
وأما حذف التاء التي كانت في الواحد، فلأن الألف والتاء إنما دخلتا في الجمع التأنيث؛ فلا يدخل تأنيث على تأنيث؛ لأن هذه العلامات إنما تدخل في المذكر لتؤنثه، فحذفت التاء التي في حمدة وأخواتها لدخول الألف والتاء اللتين هما علامة الجمع.
فإن سميت رجلاً بشيء فيه ألف التأنيث، فأردت جمعه جمعته بالواو والنون، فقلت في حمراء اسم رجل إذا جمعته: حمراوون، وصفراوون، وفيما كان مثل حبلى: حبلون، وسكرون.
وما كان بالهاء فإنك تجمعه بالألف والتاء، فتقول: طلحاث، وحمدات على ما قلت في المؤنث. وعلى هذا قلت: طلحة الطلحات.
والفصل بينهما أن ما كان فيه ألف التأنيث مقصورةً أو ممدودةً، فهي لازمة له؛ لأنها لم تدخل على بناء مذكر.
فإن قال قائل: كيف يجوز دخول الواو والنون على ما فيه علامة التأنيث، وهما علامتا التذكير، أفيكون مؤنثاً مذكراً في حال؟ قيل له: هذا محال، ولكن الألف لا تثبت، وإنما يثبت ما هو بدل منها.
ألا ترى أنك تقول في جمع حبلى: حبليات. فلو كانت الألف ثابتة لم يدخل عليها علم التأنيث الذي هو للجمع؛ كما لا تقول: حمدتات، ولكنك تبدل من الألف إذا كانت ممدودة واوا، فإنما تدخل علامة التأنيث وعلامة التذكير على شيء لا تأنيث فيه.
فأما طلحة فلو قلت في جمعها طلحتون للزمك أن تكون أنثته وذكرته في حال، وهذا هو المحال.
فإن قلت: أحذف التاء. فإن هذا غير جائز، وإنما جاز في الجمع في المؤنث؛ لأنك لما حذفتها جئت بما قام مقامها في اللفظ. والتأنيث. فعلى هذا يجري جميع ما وصفنا في المذكر والمؤنث.
هذا باب
ما يحكى من الأسماء وما يعرب
فمن الحكاية أن تسمى رجلاً، أو امرأة بشيء قد عمل بعضه في بعض؛ نحو تسميتهم: تأبط شراً، وذرى حباً، وبرق نحره.

فما كان من ذلك فإعرابه في كل موضع أن يسلم على هيئة واحدة؛ لأنه قد عمل بعضه في بعض، فتقول: رأيت تأبط شراً، وجاءني تأبط شراً فمن ذلك قوله:
كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بنى شاب قرناها تصر وتحلب
وقوله أيضاً:
إن لها مركناً إرزبا ... كأنه جبهة ذرى حبا
وقال الآخر:
وجدنا في كتاب بني تميم ... أحق الخيل بالركض المعار
فلم يجز في هذا إلا الحكاية؛ لأنه لا يدخل عامل على عامل.
ف أحق الخيل رفع بالابتداء، والمعار خبره. فهذا بمنزلة الفعل والفاعل. وعلى هذا ينشد هذا البيت لذي الرمة:
سمعت الناس ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح: انتجعي بلالا
لأن التأويل: سمعت من يقول: الناس ينتجعون غيثاً؛ فحكى ما قال ذاك، فقال: سمعت هذا الكلام.
وعلى هذا تقول: قرأت: الحمد لله رب العالمين. لا يجوز إلا ذلك؛ لأنه حكى كيف قرأ وكل عامل، ومعمول فيه هذا سبيلهما. وتقول: قرأت على خاتمه: الحمد لله، وقرأت على فصه: زيد منطلق.
وتقول: رأيت على فصه الأسد رابضاً؛ لأنك لم تر هذا مكتوباً، إنما رأيت صورة؛ فأعملت فيها الفعل؛ كما تقول: رأيت الأسد يا فتى.
فأما قوله عز وجل: " قالوا سلاماً قال سلام " فإن المفسرين يقولون في هذا قولين أعني المنصوب.
أما المرفوع فلا اختلاف في أن معناه والله أعلم ، قولي سلام، وأمري سلام كما قال: " طاعة وقول معروف " وكما قال: " وقالوا مجنون وازدجر " على الحكاية.
وأما المنصوب فبإضمار فعل. كأنهم قالوا: سلمنا سلاماً.
وقال بعضهم: لم يكن هذا هو اللفظ، ولكنه معنى ما قالوا: فإنما هو بمنزلة: قلت حقاً. واعلم أن هذه الحكاية لا يجوز أن تثنى وتجمع، ولا تضاف؛ لأنه تزول معانيها باختلاف ألفاظها.
ألا ترى أنك لو رأيت: أحق الخيل بالركض المعار في مكانين مكتوباً لم يجز أن تثنيه؛ كما تقول: رأيت زيدين. فإنما حق هذه الأسماء التأدية.
فإن سميت رجلاً زيد الطويل والطويل خبر قلت: رأيت زيد الطويل، ومررت يزيد الطويل.
فإن جعلت الطويل نعتاً صرفته، فقلت: مررت بزيد الطويل، ورأيت زيدا الطويل، لأن الطويل تابع، وعلى هذا الشرط وقع في التسمية.
وأما حيث كان خبراً فإنه وقع مرفوعاً بالمبتدأ؛ كما كان المبتدأ رفعاً بالابتداء.
ولو سميت رجلاً عاقلة لبيبة لكان الوجه فيه أن تقول: مررت بعاقلة لبيبة، وجاءتني عاقلة لبيبة، لأنك سميت باسمين كلاهما نكرة، فجعلت الثاني تابعاً للأول كحالهما كانت في النكرة.
ولو سميت ب عاقلة وحدها لكان الأحود أن تقول: هذه عاقلة قد جاءت؛ لأنه معرفة، فيصير بمنزلة حمدة غير منصرف، والحكاية تجوز، وليس بالوجه، لأنه على مثال الأسماء.
وأما تضربان إذا سميت به رجلاً قلت فيه: لقيت تضربان، حكيته. ولك أن تثنيه وتنصبه، فتقول: تضربين. ولك أن تلحقه بعثمان، فتقول: كلمني تضربان، فإذا صغرته قلت: تضيربان لا غير.
وشيطان يكون فيعال من الشطن: وهو الحبل الممتد في صلابة، فتصرفه ويكون من شاط يشيط: إذا ذهب باطلاً؛ فلا ينصرف. وإنسان فعلان من الأنس.
وطحان فعال من الطحن، ويكون فعلان من الطح وهو الطحاء وهو الممتد من الأرض.
و عبدون: إذا فتحته لم تجره، وإذا ضممته أجريته ولم تجره، ولك أن تحكيه، فتجعله جمعاً، فيكون الرفع بالواو، وفي النصب بالياء، وفي الأول بالواو لا غير.
وإذا دعوت رجلاً اسمه زيد منطلق قلت: يا زيد منطلق أقبل لا تعمل فيه النداء؛ كما لم تعمل غيره.
وإن سميته ب زيد الطويل فيمن جعل الطويل نعتاً قلت: يا زيد الطويل أقبل. تنصب لطوله؛ كما تنصب عشرين رجلاً. وهذا مفسر في باب النداء.
فإذا سميت رجلاً وزيد وأنت تريد القسم قلت: رأيت وزيد؛ وجاءني وزيد؛ لأن الواو عاملة في زيد فإنما هي بمنزلة الباء. ألا ترى أنك لو سميته بزيد لقلت: جاءني بزيد.
فإن كانت الواو للنسق فإن حكمها أن تقررها على ما كانت عليه قبل أن تحذف الذي قبلها؛ لأنك لا تقول في النسق وزيد إلا وقبله مرفوع، أو منصوب، أو مخفوض فأي ذلك كان فالواو جارية عليه غير مغيرة.
تقول إن كان منصوباً: جاءني وزيداً، ومررت بوزيداً، وكذلك الرفع، والخفض.
باب

الألقاب

إذا لقبت مفرداً بمفرد أضفته إليه، لا يجوز إلا ذلك، فتقول: هذا قيس قفة يا فتى، وهذا سعيد كرز. فإن لقبته بمضاف جرى اللقب على الاسم كالنعت فقلت: هذا زيد وزن سعة، وهذا زيد حارس الدار.
فإن لقبت مضافاً بمفرد أو مضافاً بمضاف فكذلك. تقول: هذا عبد الله وزن سبعة، وهذا عبد الله كرز يا فتى.
وإنما كان هذا كهذا لأن أصل الألقاب أن تجرى على أصل التسمية، وليس حق الرجل أن يسمى باسمين مفردين، ولكن مفرد ومضاف، نحو قولك: زيد أبو فلان، أو بمضافين نحو: عبد الله أبي فلان، فعلى هذا تجري الألقاب والكنية في المفرد كالاسم واللقب كذلك؛ لأن الأسماء التي هي أعلام؛ نحو: زيد وعبد الله إنما هن ألقاب تفصل الواحد من جميع جنسه.
ولوقوع اللقب الواحد على اثنين احتيج إلى الصفات.
ألا ترى أنك تقول: جاءني زيد. فإذا خفت أن يلتبس عليه بزيد آخر تعرفه قلت: الطويل ونحوه؛ لتفصل بينهما.
هذا باب

ما ينتقل بتصغيره
تقول في رجل سميته ب مساجد إذا صغرته : مسيجد، فتصرفه؛ لأنه قد عاد إلى مثل تصغير جعفر.
وكذلك رجل يسمى قناديل تقول: هذا قنيديل فاعلم؛ لأن المانع قد زال عنه.
ولو سميته أجادل، فصغرته لقلت: أجيدل قد جاء لا تصرفه؛ لأنه تصغير أفعل فالمانع للصرف فيه.
فإن قال قائل: إنما منع أفعل من الصرف؛ لأنه على مثال الفعل؛ نحو: أذهب، وأعلم. فإذا قلت: أحيمر، وأحيمد فقد زال عنه شبه الفعل، فما بالك لا ترده إلى الصرف، كما تصرف تتفلا لأن زوائد الفعل المضارع لا تكون مضمومة، وكما تصرف يربوعا، لأن زيادته لا تبلغ به مثال الأفعال؟ قيل له: إنه قد صرف الفعل مصغراً. فكما أشبه أحمر أذهب، أشبه أحيمر قولهم: ما أميلح زيداً، وما أحيسنه، والمانع قائم بعد معه.
فجملة هذا: أنه كل ما صغر، فخرج تصغيره من المانع فهو مصروف، وما كانت العلة قائمةً فيه فترك الصرف له لازم.
ومن هذا الباب ما كانت فيه هاء التأنيث، أو ألف التأنيث الممدودة؛ لأن الحكم أن تصغر، فتقر فيه ما تقر لو لم تكن هاء ولا ألف ممدودة. وتحذف ما تحذف لو لم تكونا فيه؛ ثم يؤتى بهما.
وكذلك الألف والنون الزائدتان، وذلك قولك في خنفساء: خنيفساء يا فتى. صغرت خنفس؛ كما تصغر جعفر، ثم أتيت بالألفين مسلمتين.
وكذلك سفرجلة، تقول: سفيرجة تحذف منها ما تحذف قبل الهاء، ثم تأتى بالهاء بعد؛ لأنها كاسم ضم إلى اسم.
وتقول في زعفران: زعيفران، فلو كنت معتداً بهذه الزوائد كان التصغير محالاً؛ لأنك لا تصغر اسما على خمسة أحرف إلا ما كان رابعه حرف لين، وهذا مبين في باب التصغير. وإنما ذكرنا منه هاهنا ما يدخل في الباب الذي قصدنا له.
هذا بابالاسمين اللذين يجعلان اسماً واحداً
نحو: حضرموت، وبعلبك، ومعد يكرباعلم أن كل اسمين جعلا اسماً واحداً على غير جهة الإضافة فإن حكمهما أن يكون آخر الاسم الأول منهما مفتوحاً، وأن يكون الإعراب في الثاني، فتقول: هذا حضرموت يا فتى، وبعلبك فاعلم وكذلك رامهرمز.
ولا يصرف؛ لأنهما جعلا بمنزلة الاسم الذي فيه هاء التأنيث؛ لأن الهاء ضمت إلى اسم كان مذكراً قبل لحاقها، فترك آخره مفتوحاً؛ نحو: حمدة، وطلحة.
ألا ترى أنك إذا صغرت واحداً من هذين النوعين قلت: حميدة يا فتى، وحضير موت يا فتى، فسلمت الصدر.
والدليل على ما وصفنا صرفك هذين الاسمين في النكرة وهي أصول الأسماء، وعلى هذا يجري الترخيم.
تقول إذا ناديت : يا حضر أقبل؛ كما تقول: يا حمد أقبل.
فأما ما كان من هذه الأسماء منتهى الاسم الأول منه ياءً كقولك: قالي قلا، وأيادي سبا. وبادي بدا، ومعد يكرب فإن الياءات تسكن؛ لأنهن في حشو الأسماء، ولأن حكمها لو كانت حروف الإعراب أن تسكن في موضع الجر والرفع، تقول: هذا قاض فاعلم ومررت بالقاضي فاعلم.
ويضطر الشاعر إلى إسكانها في النصب، فيكون ذلك جائزاً له؛ إذ كانت تسكن في الموضعين؛ نحو قوله:
ردت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
وكما قال: سوى مساحيهن تقطيط الحقق وكما قال:
كفى بالنأي من أسماء كاف ... وليس لحبها ما عشت شافى
وهذا كثير جداً. فعلى هذا تقول في الحشو بالإسكان.

تقول: هذا معد يكرب فاعلم، ومررت بمعد يكرب، وفعلت هذا بادي بدا يا فتى، ونزلت قالي قلا.
وإن شئت أضفت في جميع هذا الأول إلى الثاني؛ والأجود ما قدمناه، فقلت: هذا حضرموت، وبعلبك فاعلم.
وينشد هذا البيت لامرئ القيس على وجهين:
لقد أنكرتني بعلبك وأهلها
وبعضهم يقول: بعلبك وأهلها.
وكذلك بيت رؤبة ينشده بعضهم:
أحضرت أهل حضرموت موتا
وبعضهم يقول: حضرموت.
وكذلك بيت جرير ينشده بعضهم:
لقيتم بالجزيرة خيل قيس ... فقلتم مارسرجس لا قتالا
فهذا الأجود. وبعضهم ينشده:
مارسرجس لا قتالا
على الإضافة.
وإنما كان غير الإضافة أجود؛ لأن الإضافة إنما حقها التمليك؛ نحو قولك: هذا غلام زيد، ومولى زيد، فيكون موصولاً بزيد ببعض ما ذكرنا، أو تضيف بعضاً إلى كل؛ نحو قولك: هذا ثوب خز، وخاتم حديد، ونحو ذلك. وأنت إذا قلت: حضرموت فليس حضر شيئاً تضيفه إلى موت على شيء من هذه الجهات.
وإنما صلحت فيه الإضافة على بعد؛ لأنه في وزن المضاف؛ لأنك ضممت اسماً إلى اسم؛ كما تفعل ذلك في الإضافة.
فأما ما منتهى أوائله الياءات في الإضافة فإن حكمه أن تسكن ياءاته في الرفع والخفض؛ كما أن ذلك جائز فيه في غير هذا الموضع، وتسكن الياءات في النصب أيضاً؛ لأنه منقول عن موضع كان يجب هذا فيه؛ كما قلت في جمع أرض: أرضون: فحركت؛ لتدل على أنها تجمع بالألف والتاء، فلزمها الحركة؛ لأنها اسم غير نعت بمنزلة تمرات، وحصيات ونحو ذلك، فتقول: رأيت قالي قلا على هذا.
ولو حرك محرك في الشعر مضطراً لجاز فيه فيمن رأى أن يجعلها اسماً واحد.
أنشد هذا البيت:
سيصبح فوقي أقتم الريش واقفاً ... بقالي قلا أو من وراء دبيل
ومن أضاف، فجعل قلا اسماً لمذكر قال: بقالي قلا أو من وراء دبيل وإن جعل قلا اسماً لمؤنث لم يصرفه، وكان موضعه موضع خفض. وكذلك أيادي سبا إلا أن هذه نكرة. وبادي بدا مثله.
وينشد هذا البيت على وجهين، أما من أضاف فيقول:
فيا لك من دار تحمل أهلها ... أيادي سباً بعدي وطال احتيالها
ومن لم يضف وأراد المعرفة لم ينون. وهذا إذا أريد به المعرفة موضوع في غير موضعه؛ لأن الأول لا يكون إلا نكرة؛ لأنه في موضع حال، وليس من باب قيد الأوابد. فالتنوين عندي واجب، أردت الإضافة أو غيرها؛ لأنه لا يكون إلا حالاً.
وكذلك بادي بدا؛ لأنه في موضع قولك أولاً.
ومنهم من يقول: بادي بد في هذا الموضع، قال أبو نخيلة:
وقد علتني ذرأة بادي بدي ... ورثية تنهض في تشددي
ويروى: كبرة.
باب

نقول في خمسة عشر وما أشبهها
وعمرويه وبابه إن شاء الله.
أما ما كان مثل خمسة عشر مما يلزم فيه ألا يكون معرباً فبناؤه على الفتح.
أما فتح أوله فعلى ما ذكرت لك من أنه ليس منتهى الاسم، وأنه كالدال من حمدة، والحاء من طلحة.
وأما فتح آخره فللبناء، واختير له الفتح؛ لأنه أخف الحركات وهو عربي ضممته إلى عربي.
ومن ذلك شغر بغر يا فتى. إنما معناه: الافتراق. تقول: جاء القوم شغر بغر يا فتى.
وتقول: هو جاري بيت بيت، ولقيته كفة كفة.
وتساقطوا أخول أخول، أي: شيئاً بعد شيء.
فأما خمسة عشر فإن حدها أن تكون خمسةً، وعشرةً، فلما جعلت الاسمين اسماً واحداً حذفت واو العطف مغيراً له من جهته، فألزمته البناء لذلك.
وأما هذه الحروف مثل شغر بغر، وأخول أخول فبتلك المنزلة؛ لأنك جعلت الاسمين اسماً واحداً، ولو أفردت أحدهما من صاحبه لم تؤد المعنى.
وأما بيت بيت، وكفة كفة فكأنك إذا قلت: لقيته كفة كفة قلت: لقيته كفاحاً.
وإذا قلت: هو جاري بيت بيت قلت: هو جاري دنواً، وإن شئت أضفته وهو في هذين الاسمين أجود.
وذلك لأنك تضيف بيتاً إلى بيت فمعنى الإضافة فيه صحيح.
وكذلك كفة كفة إنما هو وجهاً لوجه.
ألا تراك تقول في هذا المعنى: لقيته كفة لكفة، وكفة عن كفة. فما صح معناه فبابه الإضافة. وإن كان على جهة اللام لم يجز إلا الإضافة.
ألا ترى أن قولك: هذا أخو زيد، وغلام زيد إنما هو في المعنى أخ لزيد، وغلام لزيد. وخمسة عشر وبابها إذا سميت بشيء منها رجلاً جاز فيه الأمران.
وكان الأخفش يجيز فيه الإضافة وهو عدد، ويعربه..

فأما الإضافة فجيدة، وأما الإعراب فيه فردئ؛ لأن ما أعرب مضافاً أعرب نكرة، فترك الإعراب له نكرة مخرج له من الإعراب مضافاً.
فأما قوله: خمسة عشر درهماً فلأنه عدد فيه معنى التنوين نحو: عشرين، وما أشبهها.
فإذا قلت: هذه خمسة عشركم ذهب منه معنى التنوين، وصار في الوجهين بمنزلة قولك: هذه عشرون درهماً، وهذه عشروك، وعشرو عبد الله. فهو بالنية هكذا؛ كما تقول: هؤلاء ضوارب زيد إذا أردت الماضي، وإسقاط التنوين من المستقبل، وهؤلاء ضوارب زيداً إذا أردت معنى التنوين.
واعلم أن معد يكرب فيه ثلاثة أقاويل: يقول بعضهم: معد يكرب على الإضافة، ويجعل بعضهم كرب اسماً مؤنثاً فلا يجريه. فيقول: هذا معد يكرب يا فتى.
ويجعله بعضهم اسماً واحداً كما ذكرت لك، فيقول: معد يكرب فاعلم.
وأما قولهم: عمرويه وما كان مثله فهو بمنزلة خمسة عشر في البناء، إلا أن آخره مكسور فأما فتحة أوله فكالفتحة هناك.
وأما كسرة آخره فلأنه أعجمي، فبني على الكسرة، وحط عن حال العربي. وكذلك ما كان مثله في هذا المعنى.
وتثنى وتجمع، فتقول فيه اسم رجل: عمرويهان، وعمرويهون، لأن الهاء ليست للتأنيث، ولو كانت كذلك لكانت في الأصل تاء.
هذا بابالشيئين المجعولين اسماً واحداً
وأحدهما حرف أو كلاهمافإذا سميت رجلاً أو شيئاً غيره بحرفين أحدهما مضموم إلى الآخر لم يكن في ذلك إلا الحكاية. تقول في رجل سميته إنما: هذا إنما قد جاء، وكذلك إن سميته لعلما أو لعل وحدها؛ لأن عل ضمت إليها اللام.
وإنما كان هكذا؛ لأن أحد الحرفين ضم إلى الآخر، فإن غيرته ذهب المعنى.
ولو سميته ب إن وحدها أو بعل، أو بحرف غير ذلك واحد لأعربته. وغيرت؛ لأنه بمنزلة الأسماء، إلا أن تريد الحكاية، فإن أردت ذلك جاز، وذلك نحو قولك: هذا إن فاعلم وكذلك عل، وما كان مثله.
فإن سميته إن زيداً فالحكاية، لأن إن بمنزلة الأفعال، فالقول فيها كالقول في تأبط شراً.
ونظير ما قلت لك في الحرف إذا كان مفرداً قوله:
ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتاً وإن لوا عناء
لما جعله اسماً أعربه، ومثله:
ألا يا ليتني والمرء ميت ... وما يغني من الحدثان ليت
فإن سميت رجلاً من زيد وعن زيد فإن أجود ذلك أن تقول: هذا من زيد. وعن زيد، كما تقول: يد زيد.
وإنما كان ذلك هكذا، ولم يكن كالذي قبله؛ لأن هذه الحروف حروف إضافة توصل ما قبلها إلى ما بعدها. تقول: الغلام لزيد؛ كما تقول: غلام زيد، وتقول: مررت بزيد؛ كما تقول: ضربت زيداً، فالباء وما بعدها في موضع نصب.
فأنت لو قلت في من وهي اسم لم تكن إلا معربة، فأضفتها على ذلك، فكان قولك: من زيد بمنزلة قولك في الإفراد: هذا من فاعلم.
وإن أردت الحكاية جاز؛ كما كنت في الأفعال مخيراً. فإن سميته عم في الاستفهام في قولك: عم تسأل؟ ومم أنت؟ فأردت الحكاية جاز. وإن أردت الإعراب قلت: هذا عن ماء، ومن ماء، فأعربت، وأضفت، ومددت ما؛ لأنها اسم متمكن.
ألا ترى أنك لا تسمي بحرفين أحدهما حرف لين؛ لأن التنوين يذهبه؛ فيبقى الاسم على حرف واحد، وقد تقدم قولنا في هذا.
فإن سميت رجلاً أما من قولك: أما زيد فمنطلق كان اسماً بحياله معرباً مقصوراً بمنزلة علقىً، ولا تصرف لأن ألفه للتأنيث. وكذلك إلا بمنزلة دفلى. إذا أردت إلا التي تقع في الاستثناء.
وإن أردت إلا التي تقع في المجازاة، نحو قول الله عز وجل: " إلا تنصروه فقد نصره الله " لم تكن إلا الحكاية لأنها إن ضمت إليها لا.
وكذلك إما التي في الجزاء في مثل قوله عز وجل: " فإما ترين من البشر أحداً " الحكاية لا غير؛ لأنها إن، وما.
ومثل ذلك قولك إما التي في معنى قولك: إما كنت منطلقاً انطلقت. فهذا يفصح لك عن جميع ما يأتي من هذا الباب.
فإن سميت رجلاً بفعل، نحو: ضرب وقتل، ولا فاعل فيه فالإعراب والصرف، وقد تقدم قولنا في هذا.
وإن سميته بهما أو بشيء من الفعل وفيه الفاعل فالحكاية لا غير.
تقول: هذا ضرب قد جاء؛ لأن الفاعل مضمراً بمنزلته مظهراً.

ألا ترى أنك لو سميته قام زيد قلت: هذا قام زيد لا غير. وإن سميته ضرباً والألف ضمير الفاعلين، أو ضربوا على هذا الشرط حكيته. وإن سميته ضرباً، أو ضربوا من قولك: ضربوا إخوتك زيداً، أوضربا أخواك زيداً، فكانت الألف والواو علامةً لا ضميراً قلت: هذا ضربان قد جاء، وهذا ضربون قد جاء، لأن النون في الاثنين والجمع من الأفعال كالضمة في الواحد.
ألا ترى أنك تقول: هذا يضرب يا فتى، وهما يضربان، وهم يضربون. فالنون في مكان الضمة من يضرب.
فإذا قلت: لن تضرب يا فتى قلت: لن تضربا، ولن تضربوا فعلى هذا قلت: ضربا، وضربوا؛ كما قلت في الواحد: ضرب يا فتى.
فلما أدخلت في الواحد الإعراب فقلت: هذا ضرب يا فتى أدخلت في التثنية والجمع النون، إلا أنك تصرفه تصريف رجل سميته رجلين، فيكون نصبه وخفضه بالياء، ورفعه بالألف في التثنية، وبالواو في الجمع، ونفسر هذا في الباب الذي يليه إن شاء الله.
ولو سميته أولو من قوله عز وجل: أولو قوة، أو ذوو من قولك: هؤلاء ذوو مال لقلت: جاءني ألون، وذوون؛ لأن النون نون الجمع، وإنما ذهبت للإضافة.
هذا باب

تسمية الرجال بالتثنية والجمع من الأسماء
إذا سميت رجلاً رجلين فإن أحسن ذلك أن تحكى حاله التي كانت في التثنية فتقول: هذا رجلان قد جاء، ورأيت رجلين. وتقول في هذا البلد: هذا البحران يا فتى، وأتيت البحرين؛ وإنما اخترت ذلك لأن القصد إنما كان في التثنية.
وكذلك إن سميته بقولك مسلمون قلت: هذا مسلمون قد جاء، ومررت بمسلمين. والقول في هذا القول في التثنية.
وكذلك كل ما كان جمعاً بالألف والتاء. تقول: هذا مسلمات، ومررت بمسلمات؛ لأن الألف والتاء في المؤنث، بمنزلة الواو والنون في المذكر.
وإن شئت قلت في التثنية هذا مسلمان قد جاء، فنجعله بمنزلة زعفران. وإنما جاز ذلك؛ لأن التثنية قد زالت عنه، والألف والنون فيه زائدتان، فصار بمنزلة قولك: غضبان، وعطشان، وعريان، وكأن الأول أقيس؛ لأن هذا بني في الأصل على فعلان، وفعلان ونحو ذلك، وهذا نقل عن التثنية.
ومن قال: هذا رجلان فاعلم قال في رجل يسمى بقولك مسلمون: هذا مسلمين فاعلم، فجعل الإعراب في النون؛ كما فعل هناك، ولم يجز أن تقول: هذا رجلين قد جاء، لأن هذا مثال لا تكون الأسماء عليه.
ومثل قولك مسلمين فاعلم غسلين فاعلم، ويبرين، وقنسرين، ونحو ذلك، والأجود ما ذكرت لك. والوجه الآخر يجوز.
ألا ترى أنه يجوز فيه وهو جمع أن تجريه مجرى الواحد، فيصير إعرابه في آخره، فتقول: هذه عشرين فاعلم، وليس بالوجه.
على هذا قال:
وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
وجاز ذلك لاختلاف الجمع وأن إعرابه كإعراب الواحد إلا ما كان على حد التثنية. وهو هذا الذي ذكرنا. ولم يجز أن يكون إعراب المثنى كإعراب الواحد؛ لأن التثنية لا تأتي مختلفة، وقد دللنا على هذا في أول الكتاب.
ومن قال: هذا مسلمين كما ترى قال في مسلمات إذا سمي به رجلاً : هذا مسلمات فاعلم، أجراها مجرى الواحد، فلم يصرف، لأن فيها علامة التأنيث، وتقول: مررت بمسلمات يا فتى فلا تنون لأنها لا تصرف، ولا يجوز فتحها؛ لأن الكسرة ها هنا كالياء في مسلمين. وعلى هذا ينشدون بيت امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالى
لأن أذرعات اسم موضع بعينه، والأجود ما بدأنا به من إثبات التنوين في أذرعات ونحوها؛ لأنها بمنزلة النون في مسلمين إذا قلت: هؤلاء مسلمون، ومررت بمسلمين. ومن ذلك قول الله عز وجل " فإذا أفضتم من عرفات " بالتنوين. ونظير هذا قولهم: هذه قنسرون، ويبرون.
فمن ذهب إلى أنها جمع في الأصل، أو شبهها به، فيصيرها جمعاً. وقد تقدم باب الحكاية، والتسمية بالجمع يعتدل فيه الأمران. قد جاء القرآن بهما جميعاً. قال الله عز وجل: " ولا طعام إلا من غسلين " وقال: " كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين، وما أدراك ما عليون " .
فالقياس في جميع هذا ما ذكرت لك.
ومن قال: هذه قنسرون، وهذا مسلمون، فنسب إلى واحد منهما رجلاً أو غيره، قال: مسلمي، وقنسري بحذف الواو، والنون لأنهما زائدتان لمجئ ياء النسب.
ومن قال: قنسرين، ومسلمين فاعلم، وجعل الإعراب في النون قال: قنسريني، ومسلميني فاعلم.

واعلم أن من سمى رجلاً بقولك: رجلان، أو مسلمون، فأجراه مجرى التثنية، والجمع لم يجز أن يثنيه ولا يجمعه، فيقول: هذا مسلمانان، ولا رأيت مسلمينين؛ لأنه يثبت في الاسم رفعان، ونصبان، وخفضان. ولكن من قال: مسلمين فاعلم ومسلمان فاعلم جاز أن يثنيه ويجمعه؛ لأنه الآن بمنزلة زعفران وقنسرين فيمن جعل الإعراب في نونها.
ولكن أذرعات ومسلمات اسم رجل يجوز أن تثنيه، وأن تجمعه؛ لأنه لا يجتمع فيه شيء مما ذكرنا. فتقول: هذان مسلماتان، ورأيت مسلماتين، وهؤلاء مسلمات فاعلم بحذف الألف والتاء اللتين كانتا في الواحد وتثبت مكانها ألفاً، وتاء للجمع، كما فعلت في طلحة حيث قلت: طلحات، فحذفت علم التأنيث من الواحد، وأثبته في الجمع؛ لأنه لا يدخل تأنيث على تأنيث. وهذا محكم في باب الجمع، وليس هذا موضعه، وإنما ذكرنا منه ما احتجنا إليه فيما قصدنا له.
فإذا أردت تثنية قولك مسلمان اسم رجل فيمن حكى، أو مسلمون قلت: هذا ذو مسلمين، وهؤلاء ذوو مسلمين وما أشبهه، مثل أن تقول: كل واحد منهما يسمى مسلمين، أو كل واحد منهما مسلمان حتى تدل عليه بهذا وما أشبهه، كما ذكرت لك من التقاء إعرابين في حرف.
فأما مسلمات فتثنية وتجمعه لأنه لا يلحق شيء مما ذكرنا.
والفعل والفاعل، وجميع الحكايات إذا كانت أسماء لا تثنيها؛ لئلا تنتقض الحكاية، وتزول دلائل المعاني.
هذا باب

تسمية الحروف والكلم
تقول إذا نظرت إلى ميم، أو باء، أو تاء، أو غير ذلك من الحروف، إذا جعلت الميم، وما أشبهها اسماً لحرف قلت: هذا ميم حسن، وهذا باء حسن يا فتى.
وإن جعلتها مؤنثة صلح ذلك فقلت: هذه ميم، وهذه باء. فالذي أومأت إليه مؤنث، والاسم مؤنث قال الشاعر:
كما بينت كاف تلوح وميمها
فأنث، ومن لم يصرف هنداً اسم امرأة لم يصرف شيئاً من هذا إذا جعله اسماً للكلمة معرفةً، وإن أجراه نكرةً على حد مجراه من الكلام صرفه.
ومما جاء في التذكير قوله:
سيناً، وميمين وياءً طاسما
ولم يقل طلسمة.
وإن جعلت الاسم مذكراً، والذي تومئ إليه مؤنثاً على معنى قولك اسم الكلمة قلت: هذه ميم يا فتى، ولا تصرف؛ كما لا تصرف امرأة سميتها زيداً. ومن رأى صرف ذلك صرف هذا. فقد قلنا في ذلك ما يغني عن إعادته.
فأما ما كان من الظروف، والأفعال، والحروف المشبهة بها وغير ذلك من الكلم فنحن ذاكروه إن شاء الله.
وتقول إذا نظرت إلى حذف مكتوبة، فأردت الحرف قلت: هذا حذف فاعلم؛ لأن خلفاً مذكر وتصغيره خليف. ولو كان مؤنثاً لحقته الهاء.
ألا تراها قد لحقت في الظروف ما جاوز الثلاثة للدلالة على التأنيث، فقلت في قدام: قديديمة، وفي وراء: وريئة، وتقديرها: وريعة، كما قال:
قديديمة التجريب والحلم، إنني ... أرى غفلات العيش قبل التجارب
وكما قال:
يوم قديديمة الجوزاء مسموم
فإن أردت بالمكتوبة الكلمة، فجعلت خلفاً اسماً لها لم تصرف إلا في قول من رأى أن يصرف زيداً اسم امرأة.
فإن سميت رجلاً، أو حرفاً كم فالإعراب والصرف، تقول: هذا كم فاعلم، ورأيت كماً.
فأما متى فلا ينصرف اسم كلمة بوجه من الوجوه، وينصرف اسم حرف؛ لأنه مثل جمل وقدم، لا ينصرفان اسمين لامرأتين في قول من الأقاويل البتة.
وحد متى وهذه الظروف كلها أن تكون مذكرات، لأنها أسماء الأمكنة، وأوقات إلا ما دخل عليه منها حرف تأنيث: كالليلة، والساعة، والغداة، والعشية كما قلت لك في قديديمة، ووريئة.
وكذلك ضرب إن رأيته قلت: هذا ضرب مكتوباً فاعلم إذا جعلت المكتوب حرفاً. فإن جعلته اسماً مكتوباً لكلمة لم تصرف.
وضرب لا يكون إلا مذكراً؛ لأن ضرب نعت؛ كما تنعت بضارب. تقول: مررت برجل ضربنا، ويضربنا، كما تقول: مررت برجل ضارب لنا، وضاربنا، وأنت تريد النكرة.
وكذلك ما ضارع الفعل، نحو إن، وليت، ولعل؛ لأنها مضارعة للأفعال التي قد صح تذكيرها. فما جعلته منها اسماً لحرف فمصروف، وما علقته على كلمة فغير مصروف في المعرفة إلا ما كان منها ساكن الوسط، وسميت به مؤنثاً فإنه كزيد سميت به امرأة.
واعلم أن الأفعال والحروف التي جاءت لمعنى، نحو: إن، وليت، ولعل، ولو، ولا حقهن أن يكن معارف لما أذكره لك.
وأما با، وتا، وجميع حروف المعجم فبابهن أن يكن نكرات، وسنفسر ذلك بما يوضح أمره إن شاء الله.

تقول: إن وليت أشياء معروفة. قد عرفت مواضعها، وأثبتت حقائقها، ولهذا امتنعت من دخول حروف التعريف عليها. وذلك أنك إذا رأيت شيئاً منها مكتوباً لم تعبر عنه بالألف واللام وإن كانت أسماء.
وأما حروف المعجم فإنها عبارات تكون نكرة بغير ألف ولام ومعرفة بهما. كقولك: الألف والباء والتاء. وأما في التهجي فقولك: با وتا وقف لا يدخله إعراب؛ لأن التهجي على الوقف. فإن جعلتها أسماء عطفت بعضها على بعض وقلت: ألف، وباء، وتاء تعرب وتمد؛ لأنه لا يكون اسم على حرفين أحدهما حرف لين.
فإن كان شيء من هذا قبل التسمية زدت على الواو واواً وعلى الياء ياءً، وزدت إلى الألف ألفاً، فتحركها، فتصير همزة. تقول إذا سميت رجلاً في: هذا في، ولو: هذا لو فاعلم كما قال:
إن لواً وإن ليتاً عناء
وإن سميته لا قلت: هذا لاء فاعلم، وكذلك باء، وتاء كما قال:
إذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم جدال
وكما قال:
رق تبين فيه اللام والألف
هذا بابما كان معرفةً بجنسه
لا بواحده ولم جاز أن يكون كذلكوذلك قولك للأسد: أبو الحارث، وأسامة يا فتى، وللدويبة: أم حبين. وكذلك للثعلب: أبو الحصين. وللذئب: أبو جعدة يا فتى غير مصروف؛ لأنه معرفة.
ومن ذلك قولهم لضرب من الكمأة: بنات أوبر يا فتى. ولضرب من الحيات: ابن قترة ومن هذا قولهم: حمار قبان، وابن عرس وسام أبرص، وابن آوى.
فهذه كلها معارف. فأما ما كان منها مضافاً فقد تبين لك أنه معرفة بترك صرف ما أضيف إليه مما لا ينصرف في المعرفة.
فأما غير ذلك فيبين لك أنها معارف امتناعها من الألف واللام التي للتعريف. فإن قال قائل: كيف صارت معارف واسم الواحد منها يلحق كل من كان مثله؟ فالجواب فيه: أن هذه أشياء ليست مقيمة مع الناس، ولا مما يتخذون ويقتنون، كالخيل والشاء، ونحو ذلك، فيحتاجوا إلى الفصل بين بعضها وبعض، وإنما يريدون أن يفصلوا بين جنس وجنس. ولو كانت مما يقيم معهم لفصلوا بين بعضها وبعض، وكان مجراها كمجرى الناس.
ألا ترى أن ابن مخاض، وابن لبون، وابن ماء نكرات، وأنك إذا أردت أن تعرف شيئاً منها أدخلت فيما أضفت إليه ألفاً ولاماً، فقلت: هذا ابن اللبون، ونحو ذلك، لتعرف شيئاً من شيء؛ كما تفعل في الخيل، والكلاب، ونحوها.
قال جرير:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وقال أيضاً:
وجدنا نهشلاً فضلت فقيماً ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
وقال:
مفدمةً قزاً كأن رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرعد
وقال:
وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق
فجعل محلق نعتاً له لأنه نكرة.
وهذا يفتح لك ما يرد عليك من هذا الباب، فتقدير قولك للأسد: هذا أسامة يا فتى، أي: هذا الضرب الذي سمعت به أو رأيته من السباع. وكذلك قولك للضبع: أم عامر يا فتى، وهذه حضاجر، وهذه قثام يا فتى، وهذه جعار، وهذه جيأل.
وللذكر: هذا قثم؛ كما تقول: يا فسق، ويا فساق.
واعلم أنك إذا قلت جاءني عثمان، وعثمان آخر، فجعلته نكرة قلت في هذا أجمع مثل ذلك. قلت: هذا قثم، وقثم آخر؛ كما تقول: هذه جيأل، وجيأل أخرى. فأما قوله:
ولقد جنيتك أكمؤا، وعساقلاً ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
فإن دخول الألف واللام على وجهين: أحدهما: أن يكون دخولهما كدخولهما في الفضل والعباس على ما وصفت لك؛ لأن أوبر نعت نكرة في الأصل.
والآخر: على قولك: هذا ابن عرس آخر تجعله نكرة؛ كما تقول: هذا زيد من الزيدين، أي: هذا واحد ممن له هذا الاسم. فأنت وإن كنت لم تذكر قبله شيئاً تقول بعده آخر فإنما أردت ضرباً مما يقع له هذا الاسم، كما قال:
باعد أم العمر من أسيرها
هذا باب

المفعول الذي لا يذكر فاعله
وهو رفع، نحو قولك: ضرب زيد، وظلم عبد الله. وإنما كان رفعا، وحد المفعول أن يكون نصباً؛ لأنك حذفت الفاعل. ولا بد لكل فعل من فاعل؛ لأنه لا يكون فعل ولا فاعل، فقد صار الفعل والفاعل بمنزلة شيء واحد؛ إذ كان لا يستغني كل واحد منهما عن صاحبه؛ كالابتداء والخبر.

والفعل قد يقع مستغنياً عن المفعول البتة حتى لا يكون فيه مضمراً، ولا مظهراً. وذلك نحو قولك: تكلم زيد، وقعد عمرو، وجلس خالد، وما أشبهه من الأفعال غير المتعدية، ولا يكون مثل هذا في الفاعل. فلما لم يكن للفعل من الفاعل بد، وكنت هاهنا قد حذفته أقمت المفعول مقامه، ليصبح الفعل بما قام مقام فاعله.
فإن جئت بمفعول آخر بعد هذا المفعول الذي قام مقام الفاعل فهو منصوب؛ كما يجب في المفعول. وذلك قولك: أعطي زيد درهماً، وكسي أخوك ثوباً، وظن عبد الله أخاك.
وتقول: ظننت زيداً، فالتاء هاهنا في موضعها إذا كانت فاعلة؛ نحو: ضربت زيداً، وكذلك ظنني زيد. إذا كان ضميرك مفعولاً؛ كقولك: ضربني زيد.
وتقول: زيد ظن منطلقاً، فضمير زيد فاعل في ظن؛ كما تقول: زيد ضرب عمراً، فتضمر زيداً في ضرب.
وتقول: رفع إلى زيد درهم، فيرفع درهم، لأنك جررت زيداً، فقام الدرهم مقام الفاعل. فإن أظهرت زيداً غير مجرور قلت: أعطي زيد درهماً، وكسي زيد ثوباً. فهذا الكلام الجيد.
وقد يجوز أن تقول: أعطي زيداً درهم، وكسي زيداً ثوب. لما كان الدرهم والثوب مفعولين كزيد جاز أن تقيمهما مقام الفاعل، وتنصب زيداً؛ لأنه مفعول. فهذا مجاز والأول الوجه. ومن قال هذا قال: أدخل القبر زيداً، وألبست الجبة أخاك.
فإن قال قائل: هل يجوز على هذا ضرب زيداً سوط؟ قيل له: لا يجوز ذلك؛ وذلك أن السوط إذا قلت: ضربت زيداً سوطاً مصدر، ومعناه ضربت زيداً ضربةً بالسوط.
ويدلك على ذلك قولك: ضربت زيداً مائة سوط. لست تعني أنك ضربته بمائة سوط، ولكنك تعني أنك ضربته مائة ضربة بسوط، أو بأكثر من ذلك من هذا الجنس.
وأنت إذا قلت: أعطيت زيداً مائة درهم، أو كسوته ثوبين فإنما أوصلت إليه هذا القدر بعينه من الدراهم، والثياب؛ فلذلك لم يجز أن تقيم المصدر مقام الفاعل إذا كان معه مفعول على الحقيقة، ولكنه قد يجوز أن تقيم المصادر، والظروف من الأمكنة والأزمنة مقام الفاعل إذا دخل المفعول من حروف الجر ما يمنعه أن يقوم مقام الفاعل، وذلك نحو قولك: سير بزيد سير شديد، وضرب بزيد عشرون سوطاً. المعنى: بسبب زيد، ومن أجله، وسير بزيد يوم الجمعة، واختلف به شهران، ومضى به فرسخان، ومشي به ميلان. أقمت هذه الأشياء مقام الفاعل، وقد يجوز نصبها في هذا الموضع وإن كان المفعول مجروراً على ما أصف لك.
فمن ذلك أنك إذا قلت: سير بزبد فرسخاً أضمرت السير؛ لأن سير يدل على السير، فلم تحتج إلى ذكره معه؛ كما تقول: من كذب كان شراً له، تريد: كان الكذب شراً له، فلم تذكر الكذب؛ لأن كذب قد دل عليه.
ونظيره قول الله عز وجل: " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً " فلم يذكر البخل لذكره يبخلون.
وجاز أن يكون المضمر الطريق. فكأنه قال: سير عليه الطريق فرسخاً، فحذف لعلم المخاطب بما يعنى.
وجائز أن تقيم المجرور مع المصدر والظروف مقام الفاعل، فتقول: سير يزيد فرسخاً، فلا يمنعه حرف الجر من أن يكون فاعلاً؛ كما قال: ما من أحد، ف أحد فاعل وإن كان مجروراً بمن. وكذلك قوله: " أن ينزل عليكم من خير من ربكم " إنما هو خير من ربكم. ف من لم تغير المعنى وإن غيرت اللفظ. فهذا الذي ذكرته مشبه بذلك في هذا الموضع إذا نصبت المصادر والظروف على مواضعها، فلم تجعلها مفعولات على السعة. فإن جعلتها مفعولات على السعة فالوجه فيها الرفع، لشغلك الأسماء بحروف الجر.
واعلم أنك إذا قلت: سير يزيد سيراً فالوجه النصب؛ لأنك لم تفد بقولك: سيراً شيئاً لم يكن في سير أكثر من التوكيد.
فإن وصفته فقلت: سيراً شديداً، أو هيناً فالوجه الرفع؛ لأنك لما نعته قربته من الأسماء، وحدثت به فائدة لم تكن في سير.
والظروف بهذه المنزلة. لو قلت: سير يزيد مكاناً أو يوماً لكان الوجه النصب.
فإن قلت: يوم كذا، أو يوماً طيباً، أو مكاناً بعيداً اختير الرفع لما ذكرت لك.
واعلم أن التقديم والتأخير، والإظهار والإضمار في هذا الباب، مثله في الفاعل. يجوز فيه ما جاز في ذلك.
تقول: أعطي زيد درهماً، وأعطي درهماً زيد، ودرهماً أعطي زيد، وزيد أعطي درهماً. تجريه مجرى ذلك الباب.
وتقول: سير بالمعطي درهمين فرسخان. أقمت الضمير الذي في المعطى مقام الفاعل، ونصبت الدرهمين، وجررت المعطى بالباء فارتفع الفرسخان.

وتقول: أعطي المسير به فرسخان درهمين. رفعت الفرسخين لقولك به.
وتقول: أعطي المسير فرسخين درهمين، قام الضمير في المسير مقام الفاعل، فنصبت الفرسخين.
وتقول: دفع المسير به فرسخان درهمان، لأنك أدخلت على كل واحد منهما حرف الجر.
وتقول: ظن المعطي درهمين قائماً.
وتقول: أخذ من المعطي أخوه درهماً دينار لأنك أدخلت من على المعطي فقام الدينار مقام الفاعل.
وتقول: ذهب بالمسلوب ثوبه مرتين يومان، إذا أقمت الثوب مقام الفاعل. فإن جعلت في المسلوب ضميراً يقوم مقام الفاعل نصبت الثوب وسائر الكلام على حاله. فإن ثنيت على المسألة الأولى قلت: ذهب بالمسلوب ثوباهما مرتين يومان.
وعلى المسألة الثانية تقول: ذهب بالمسلوبين ثوبيهما، وبالمسلوبين ثيابهم، وبالمسلوبة ثوبها، والمسلوبات ثيابهن.
وعلى القول الأول بالمسلوب ثوبها. ففي دليل على ما يرد عليك إن شاء الله.
ويجوز منه وجه ثالث، وهو أن تضمر في المسلوب اسماً، وتجعل الثوب بدلاً منه فتقول: مررت بالمسلوب ثوبه، وبالمسلوبين ثوباهما، وبالمسلوبين أثوابهم؛ لأنك لو قلت: سلب زيد ثوبه جاز رفع الثوب على البدل من زيد، وجاز نصبه على أنه مفعول ثان.
وتقول: أدخل المدخل الدار السجن. تقديرها: الذي أدخل الدار أدخل السجن. فإن أردت أن تدخل حرف الجر لم تقل أدخل، ولكن تقول: دخل بالمدخول به الدار السجن، ودخل بالمدخول الدار السجن، وأدخل المدخول به الدار السجن؛ لأن المدخول قام مقام الفاعل.
وتقول: دخل بالمدخول الدار السجن، فهذا على غير ذلك المعنى ولكن ليس هذا موضعه ولكن ذكرنا منه شيئاً لنصله بما قبله، ثم تذكره في موضعه مبيناً إن شاء الله.
فمعنى المدخول الدار: الذي دخلت داره؛ كما تقول المضروب الوجه، أي: الذي ضرب وجهه.
ويجوز نصب الدار في قول من قال: الحسن الوجه، وتفسيره في ذلك الموضع.
وتقول: قيل في زيد خير، وعلم من زيد خير، وسير بزيد فرسخان، وسير به يومان، وسير به سير شديد، على ما فسرت لك من تصيير المصادر والظروف مفعولات.
ويجوز نصب هذا إذا جعلت المصادر والظروف في مواضعها، ولم تحمل شيئاً منها على المفعول به، وقد بينا تفسير هذا فيما مضى.
ولو قلت: ضرب هند، وشتم جاريتك لم يصلح حتى تقول: ضربت هند، وشتمت جاريتك؛ لأن هنداً، والجارية مؤنثات على الحقيقة، فلا بد من علامة التأنيث.
ولو كان مؤنث الاسم، لا معنى لتأنيث، ولا تذكير تحته، كالدار والنار وما كان غير ذلك مما ليست له حقيقة التأنيث لجاز أن تذكر الفعل إن شئت فتقول: أطفئ نارك. وجئ نساؤك؛ لأن هذا إنما هو تأنيث الجمع؛ كما قال الله جل ثناؤه: " وقال نسوة في المدينة " وقال " فمن جاءه موعظة من ربه " ، " أخذ الذين ظلموا الصيحة " .
وتقول في قول من قال: أدخل القبر زيداً، وأعطي درهم عمراً، وما أشبهه: أدخل المدخله السجن الدار. تقيم الدار والسجن مقام الفاعل.
وكذلك تقول: ظن المعطاه درهم زيداً، وحسب المكسوته جبة أخاك.
نقول في مسائل طوال يمتحن بها المتعلمونعلم المدخل المدخله السجن زيد أخوه غلامه المظنون الآخذ دراهمه زيد. نصبت المدخله بالمدخل، ونصبت السجن؛ لأنه مفعول، ورفعت زيداً بأنه أدخله، ورفعت أخاه بالابتداء، وجعلت غلامه خبره، وهما جميعاً في موضع المفعول الثاني لعلم والمظنون صفة للغلام، وفيه ضميره، والآخذ المفعول الثاني لمظنون وهو منصوب، وزيد هو الفاعل الذي أخذ، والدراهم منصوبة بالآخذ.
وتقول: أعطي المأخوذ منه درهمان المعطاة الآخذ من زيد ديناراً درهماً.
رفعت المأخوذ بالمعطى، ورفعت الدرهمان لأنك شغلت الضمير بمن والمعطاه هو المفعول الثاني لأعطى، وهو درهم فكأنك قلت: الدرهم المعطاه الآخذ من زيد، فقام الآخذ من زيد مقام الفاعل؛ لأن المضير مفعول ثان، ودرهماً بدل من المعطاه.
تقول: جعل للمعطى أخوه درهمين لعمرو ديناران. تقديره: جعل لعمرو ديناران الذي أعطى أخوه درهمين.
ولو قلت: الدرهمين ظن المعطى منطلقاً كان محالاً، سواء إذا أردت: ظن المعطى درهمين منطلقاً؛ لأن الدرهمين من صلة المعطى، فإذا قدمتها فقد بدأت بالصلة قبل الموصول، وإنما هو تمام اسمه فكأنك جعلت دال زيد قبل يائه، أو يائه من قبل زايه.

وتقول: جعل الشارب الشاربه ماءك لبنك شرابك؛ لأن المعنى: جعل الشراب الذي شرب الرجل الذي شرب ماءك لبنك؛ أي: جعل هذا الشيء الذي شرب ماءك الشارب لبنك، و شرابك بدل من قولك لبنك؛ لأن اللبن هو المفعول الثاني في جعل.
هذا باب

من إعمال الأول والثاني
وهما الفعلان اللذان يعطف أحدهما على الآخر وذلك قولك: ضربت وضربني زيد، ومررت ومر بي عبد الله، وجلست وجلس إلي أخواك، وقمت وقام إلي قومك.
فهذا اللفظ. هو الذي يختاره البصريون، وهو إعمال الفعل الآخر في اللفظ.
وأما في المعنى فقد يعلم السامع أن الأول قد عمل؛ كما عمل الثاني، فحذف لعلم المخاطب، ونظير ذلك في الحذف قول الله عز وجل: " والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات " ، فقد يعلم المخاطبون أن الذاكرات متعديات في المعنى، وكذلك الحافظات؛ لأن المعنى: والحافظاتها، والذاكراته.
وقال الشاعر: فحذف أكثر من هذا:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
أراد: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، فاجتزأ بخبر الواحد عن الجميع. وإنما اختاروا إعمال الآخر؛ لأنه أقرب من الأول. ألا ترى أن الوجه أن تقول: خشنت بصدرك، وصدر زيد، فتعمل الباء؛ لأنها أقرب.
وقد حملهم قرب العامل على أن قال بعضهم: هذا جحر ضب خرب، وإنما الصفة للجحر. فكيف بما يصح معناه؟ ولو أعملت الأول كان جائزاً حسناً.
فمما جاء من إعمال الآخر في الشعر قول الفرزدق:
وإن حراماً أن أسب مقاعساً ... بآبائي الشم الكرام الخضارم
ولك نصفاًً لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم
وقال الآخر:
ولقد نرى تغنى به سيفانة ... تصبي الحليم ومثلها أصباه
وقال:
وكمتاً مدماةً كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
ومن أعمل الأول قال: ضربت وضربني زيداً، وضربت، وضرباني أخويك، لأنه أراد ضربت زيداً وضربني، وضربت أخويك وضرباني.
وعلى هذا تقول: مررت، ومر بي بزيد، وقصدت. وقصد إلي إلى زيد تريد: قصدت إلى زيد، وقصد إلى، ومررت بزيد، ومر بي.
ومن ذلك قول الشاعر:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
فجعل القليل كافياً لو طلبه أو سعى له، وإنما المطلوب في الحقيقة الملك، وعليه معنى الشعر.
وقال آخر:
فرد على الفؤاد هوىً عميداً ... وسوئل لو يبين لنا السؤالا
وقد نغنى بها ونرى عصوراً ... بها يقتدينا الخرد الخدالا
معناه: ونرى الخرد الخدال يقتدننا. ولو أراد إعمال الآخر لقال: بها يقتادنا الخرد الخدال.
فقد بينت لك أصل هذا الباب، وسنزيد من المسائل ما يزداد به وضوحاً إن شاء الله.
تقول إذا سئلت كيف تقول: قام وقعد أخواك على إعمال الأول؟ فإن الجواب: قام وقعدا أخواك. أردت قام أخواك وقعدا.
فإن أعملت الثاني قلت: قاما، وقعد أخواك.
فإن قيل لك: ما بالك أضمرت في قاما الأخوين من قبل أن تذكرهما، والإضمار لا يكون قبل المذكور؟ فإنما جاز الإضمار هاهنا من قبل أن الأخوين ارتفعا بقعد، فخلا قام من الفاعل، ومحال أن يخلو فعل من فاعل، فأضمرت فيه ليصح الفعل على ما ذكرت لك من اتصال الفعل بالفاعل، وأضمر على شريطة التفسير، وتفسير المضمر أخواك، وما يضمر على شريطة التفسير أكثر من ذلك، وسنذكره في أبوابه إن شاء الله.
إن كان المبدوء به مفعولاً لم تضمره، لأن المفعول يستغني الفعل عنه كما ذكرت لك.
فمن ذلك ضربت فأوجعته زيداً. إذا أعملت الأول، لأنك أردت: ضربت زيداً فأوجعته.
فإن أعملت الثاني قلت: ضربت فأوجعت زيداً؛ لأنك أردت ضربت زيداً، فأوجعت زيداً، فلم تضمر الهاء في ضربت؛ ولولا أن الفعل لا بد له من الفاعل ما أضمرت في المسألة الأولى.
وتقول: ضرباني وضربت أخويك، إذا عملت الآخر على ما شرحت لك، وضربوني وضربت قومك.
فإن أعملت الأول قلت: ضربني، وضربتهما أخواك، وضربني وضربتهم قومك.

وتقول: ظننت زيداً منطلقاً، فتعديه إلى مفعولين، وكذلك جميع بابه، من علمت وحسبت وما أشبهه، فإذا عطفت شيئاً من هذه الأفعال قلت في إعمال الأول: ظن، أو علم إياه زيد منطلقاً؛ لأنك أردت: ظن زيد منطلقاً، أو علم إياه. فإياه ضمير منطلق وفي علم ضمير الذي يقوم مقام الفاعل مرفوع.
وإن شئت قلت: أو علمه. تجعل الهاء مكان إياه في هذا الباب.
وتقول: ظننت، أو قلت: زيد منطلق، إذا أعملت الآخر؛ لأن قلت إنما يقع بعدها الحكاية إذا كانت جملة؛ نحو الابتداء والخبر، وما أشبه ذلك.
فإن أعملت الأول قلت: ظننت، أو قلت هو هو زيداً منطلقاً تجعل هو ابتداء، وخبره هو الثاني، وهما ضمير زيد منطلق، إلا أنك رفعتهما؛ لأنهما بعد قلت، فصارت حكاية.
ألا ترى أنك تقول: قال زيد: عمرو أخوك، وقلت: قام عبد الله. ولو كان فعل لا يقع بعده الحكاية لم يجز أن يكون إلى جانب قام.
لو قلت: ضربت قام زيد، وما أشبهه لم يجز في معنى ولا لفظ.
نحو ذلك قول الله عز وجل: " إلا ما قالوا ساحر أو مجنون " وقال: " أم يقولون شاعر نتربص به و " وقالوا مجنون وازدجر " فهذا كله على الحكاية، والابتداء هو ولكنها محذوفة في القرآن لعلم المخاطب.
أما قوله: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " فإنما انتصب؛ لأنه مصدر عمل فيه فعله لا القول. والمعنى والله أعلم : وقالوا: سلمنا سلاماً، وتفسيره: تسلمنا منكم تسلماً، وبرئنا براءة؛ لأنهم لم يؤمروا أن يسلموا على المشركين إذ ذاك، والآية مكية. ونظيرها: لا تكن من فلان إلا سلاماً بسلام، أي: متاركاً مبارئاً.
ولو قلت: قلت حقاً، أو قال زيد باطلاً لأعملت القول؛ لأنك لم تحك شيئاً. إنما أعملت القول في ترجمة كلامه.
ألا ترى أنه إذا قال: لا إله إلا الله. قيل له: قلت حقاً، وهو لم يلفظ. بالحاء والقاف. إنما هذا معنى ما قال.
ومثل ذلك قول الله " إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً " .
هذا باب

إعراب ما يعرب من الأفعال
وذكر عواملها والإخبار عما بني منها
اعلم أن الأفعال أدوات للأسماء تعمل فيها؛ كما تعمل فيها الحروف الناصبة والجارة، وإن كانت الأفعال أقوى في ذلك.
وكان حدها ألا يعرب شيء منها؛ لأن الإعراب لا يكون إلا بعامل. فإذا جعلت لها عوامل تعمل فيها لزمك أن تجعل لعواملها عوامل، وكذلك لعوامل عواملها إلى ما لا نهاية. فهذا كان حدها في الأصل.
والأفعال ثلاثة أضرب: فضرب منها يعرب لعلة سأذكرها لك أوجبت له الإعراب. وضربان لا يعربان. بل يجريان على ما يجب في الفعل قبل أن تلحق النوع الثالث العلة التي أوجبت له الإعراب.
فأما ما كان ماضياً من الفعل فنحو: ضرب يا فتى، وذهب، وانطلق، وحمد، ومكث وما كان معناه فعل من غير هذه الأبنية فهذا النوع مبني على الفتح.
والضرب الثاني: وهو المعرب: ما لحقته في أوله زائدة من الزوائد الأربع: الهمزة، والياء، والنون، والتاء. وذلك قولك: أفعل أنا، وتفعل أنت أو هي، ونفعل نحن، ويفعل هو.
وإنما أعربت هذه الأفعال بعد أن كان حدها على ما وصفت لك؛ لمضارعتها الأسماء. ومعنى المضارعة: أنها تقع في مواقعها، وتؤدي معانيها. فمن ذلك قولك: زيد يضرب. فيجوز أن تريد أنه يضرب فيما يستقبل، ولم يقع منه ضرب في حال خبرك؛ كما تقول: زيد ضارب الساعة، وضارب غداً. قال الله عز وجل: " وإن ربك ليحكم بينهم " ؛ أي: حاكم، فدخلتها اللام على معنى دخولها في الاسم.
والأسماء تكون معرفة ونكرة. وهذه الأفعال المعربة تقع لا يعرف وقتها ما كان منه في الحال، وما يكون منه لما يستقبل. فإن أدخلت على الأسماء الألف واللام صارت معرفة. وإن أدخلت على هذه الأفعال السين أو سوف صارت لما يستقبل، وخرجت من معنى الحال، وذلك قولك: سأضرب، وسوف أضرب؛ فلما وقعت موقع الأسماء في المعنى، ودخلت عليها الزوائد للفصل؛ كما دخلت الزوائد على الأسماء أعربتها كما تعرب الأسماء. وغيرها من الأفعال لا علة فيه مما يوجب له الإعراب.
والنوع الثالث من الأفعال: ما كان يقع من الأمر للشاهد المخاطب؛ نحو: اضرب، واذهب، وانطلق. فهذا مبني على الوقف. وكذلك كل فعل كان في معنى افعل من غير هذه الأبنية.
فإن قلت: ما بالك بنيت هذا على الوقف، وبنيت ما كان معناه فعل على الفتح، هلا حركت ذاك وأسكنت ذاك؟

فالفصل بينهما: أنك إذا قلت: ضرب وما أشبهها، فقد تصف بها الأسماء؛ كما تصف بالمضارعة، نحو قولك: مررت برجل ضربنا.
وتقع موقع المضارعة في الجزاء، نحو قولك: من أتاني أتيته، وإن أعطيتني أكرمتك. فقد وقع في موقع: من يأتيني آته، وإن تعطني أكرمك.
فلما ضارعت المضارعة بنيت على الحركة، وجعلت لها مزية على ما لم يقع هذا الموقع.
ألا ترى أن كل ما كان معناه افعل لم يوصف به، ولم يقع في موقع المضارعة. فلما لم يجاوز لم يزد على السكون. وسنبين ما يبنى على الحركة لتصرفه، وما يلزمه السكون لامتناعه من التصرف في موضع المبنيات إن شاء الله.
فإعراب المضارع الرفع، والنصب، والجزم: فالرفع بضمة حرف الإعراب، والنصب بفتحته، والجزم يحذف الحركة منه.
وذلك قولك في الرفع: هو يذهب يا فتى، وفي النصب: لن يذهب، وفي الجزم: لم يذهب.
فإذا ثنيت الفاعل في الفعل المضارع ألحقته ألفاً ونوناً في الرفع، ولم تكن هذه الألف كالألف في تثنية الاسم لأنها علامة للإضمار والتثنية، والنون علامة الرفع.
فإذا أردت جزمه حذفت هذه النون، والنصب داخل هنا على الجزم؛ كما دخل في تثنية الاسم على الجر؛ لأن الجزم في الفعل نظير الجر في الاسم. وكانت النون مكسورة كحالها في الاسم، والعلة واحدة فيهما.
وذلك قولك: هما يضربان، وفي الجزم: لم يضربا، والنصب: لن يضربا.
فإن جمعت الاسم في الفعل ألحقته واواً ونوناً في الرفع، وكانت الواو علامة الإضمار والجمع، كالألف في التثنية. وكانت النون مفتوحة كحالها في الاسم.
فإن أردت جزمه حذفت النون، وكان النصب كالجزم؛ كما كان النصب كالجر في جمع الأسماء.
وذلك قولك في الرفع: هم يضربون، وفي الجزم: لم يضربوا، وفي النصب: لن يضربوا.
وكذلك المؤنث الواحدة في المخاطبة. تقول: أنت تضربين، أثبت النون في الرفع، وحذفتها في الجزم والنصب؛ كما وصفت لك من اجتماعهما في المعنى. وفتحت النون لأنها بمنزلة الأسماء المجموعة في النصب، والجر نحو: مسلمين، والعلة واحدة.
فإن جمعت المؤنث ألحقت لعلامة الجزم نوناً فقلت: أنتن تفعلن، وهن يفعلن. فتخت هذه النون؛ لأنها نون جمع، ولم تحذفها في الجزم والنصب؛ لأنها علامة إضمار وجمع.
ألا ترى أنك لو قلت: يفعل في الجزم لزالت علامة الجمع، وصار كالواحد المذكر.
ولو قلت في التثنية، أو جمع المذكر: لم يقوموا، ولم يقوما لعلم بالألف وبالواو المعنى، ولم تحتج إلى النون.
فهذه الأفعال مرفوعة لمضارعتها الأسماء، ووقوعها مواقعها، ولها عوامل تعمل فيها؛ كما كان ذلك للأسماء.
فمن عواملها التي تنصبها أن و لن و كي، واللام المكسورة وحتى و أو و إذن، وما كان من الجواب بالفاء والواو فإنه يذكر في موضعه، وكذلك إذن، وحتى.
فأما أن و لن وكي و إذن فيعملن فيها. وأما سائر ما ذكرنا فإنما ينتصب ما بعدها من الأفعال بإضمار أن، وسنفسر ما وقع فيه الضمير بتمثيله وحججه في موضعه إن شاء الله.
وأما ما يجزمها فلم، ولما، ولام الأمر؛ نحو: ليقم زيد، و لا في النفي، نحو: لا يقم زيد، وحروف المجازاة، وما صار معناه إليها من جواب الأمر، والنهي، والاستفهام، ونحو ذلك. فهذا ما يجزمها وينصبها.
تقول: أردت أن تقوم يا فتى، وأن تقوما، وأن تقوموا، وأن تقومي يا امرأة، ولن تضربا، وجئتك كي تضرب زيداً.
وفي الجزم لم يقم، ولم يقوما، ولم تقومي يا امرأة، وليقم عبد الله، ولا يقعد زيد. إذا أردت الأمر والنهي.
هذا باب

الفعل المتعدي إلى مفعول
واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء واحد
وذلك الفعل: كان، وصار، وأصبح، وأمسى، وظل، وبات، وأضحى، وما دام، وما زال، وليس، وما كان في معناهن.
وهذه أفعال صحيحة كضرب، ولكنا أفردنا لها باباً، إذ كان فاعلها ومفعولها يرجعان إلى معنىً واحد.
وذلك أنك إذا قلت: كان عبد الله أخاك. فالأخ هو عبد الله في المعنى. وإنما مجاز هذه الأفعال، ومجاز الأفعال التي تقع للعلم والشك، وباب إن مجاز الابتداء والخبر.
وذلك أنك تقول: ظننت زيداً أخاك، فإنما أدخلت ظن على قولك. زيد أخوك، وكذلك علمت، وحسبت، وجميع هذا الباب. وكذلك قولك: إن زيداً منطلق، ولكن عبد الله أخوك.

وكان بهذه المنزلة، إنما أدخلت على قولك: زيد منطلق؛ لتوجب أن هذا فيما مضى. والأصل الابتداء والخبر، ثم تلحقها معان بهذه الحروف.
وكان فعل منصرف يتقدم مفعوله ويتأخر، ويكون معرفةً ونكرة. أي ذلك فعلت صلح. وذلك قولك: كان زيد أخاك، وكان أخاك زيد، وأخاك كان زيد، وكذلك جميع بابها في المعرفة والنكرة.
وتقول: كان القائم في الدار عبد الله، وكان الذي ضرب أخاه أخاك، وكذلك: ليس منطلقاً زيد.
فإن قال قائل: أما كان فقد علم أنها فعل بقولك: كان، ويكون وهو كائن، وكذلك أصبح، وأمسى، وليس لا يوجد فيها هذا التصرف، فمن أين قلتم إنها فعل؟ قيل له: ليس كل فعل متصرفاً. وإنما علينا أن نوجدك أنها فعل بالدليل الذي لا يوجد مثله إلا في الأفعال، ثم نوجدك العلة التي منعتها من التصرف.
أما الدليل على أنها فعل فوقوع الضمير الذي لا يكون إلا في الأفعال فيها، نحو: لست منطلقاً، ولست، ولستما، ولستم، ولستن، وليست أمة الله ذاهبة كقولك: ضربوا، وضربا، وضربت. فهذا وجه تصرفها.
وأما امتناعها من التصرف فإنك إذا قلت: ضرب، وكان دللت على ما مضى، فإذا قلت: يضرب ويكون دللت على ما هو فيه، وما لم يقع.
وأنت إذا قلت: ليس زيد قائماً غدا، أو الآن أردت ذلك المعنى الذي في يكون فلما كانت تدل على ما يدل عليه المضارع استغنى عن المضارع فيها، ولذلك لم يبن بناء الأفعال من بنات الياء مثل باع وسنذكر علتها مع أخواتها في الفعل الذي لا يتصرف نحو نعم، وبئس في باب التصريف. وإنما هذا موضع جمل، ثم نذكر بعده المسائل.
اعلم أنه إذا اجتمع في هذا الباب معرفة ونكرة فالذي يجعل اسم كان المعرفة؛ لأن المعنى على ذلك؛ لأنه بمنزلة الابتداء والخبر كما وصفت لك.
ألا ترى أنك لو قلت: كان رجل قائماً، وكان إنسان ظريفاً لم تفد بهذا معنىً، لأن هذا مما يعلم الناس أنه قد كان، وأنه مما يكون، وإنما وضع الخبر للفائدة.
فإذا قلت: كان عبد الله، فقد ألقيت إلى السامع اسماً يعرفه، فهو يتوقع ما تخبره عنه. وكذلك لو قربت النكرة من المعرفة بما تحملها من الأوصاف لجاز أن تخبر عنها، وكان فيها حينئذ فائدة؛ نحو قولك: كان رجل من بني فلان فارساً، وكان رجل من أهل البصرة شجاعاً. وذلك لأن هذا يجوز ألا يكون، أو يكون فلا يعلم. فلذلك ذكرنا أن الاسم المعروف هو الذي له هذا الموضع.
تقول: كان منطلقاً عبد الله، وكان منطلقاً اليوم عبد الله وكان أخاك صاحبنا، وزيد كان قائماً غلامه.
وكذلك أخوات كان فمن ذلك قول الله عز وجل: " وكان حقاً علينا نصر المؤمنين " وقال: " أكان للناس عجباً أن أوحينا " ؛ لأن قوله: " أن أوحينا " إنما هو وحينا.
فإن كان الاسم والخبر معرفتين فأنت فيها بالخيار، تقول: كان أخوك المنطلق، وكان أخاك المنطلق.
وتقول: من كان أخاك؟ إذا كانت من مرفوعة، ومن كان أخوك؟ إذا كانت من منصوبة. وكذلك من ضرب أخاك، ومن ضرب أخوك؟ والآيات كلها تقرأ على هذا " فما كان جواب قومه إلا أن قالوا " و " ما كان حجتهم إلا أن قالوا " كأنه قولهم. وإن شئت رفعت الأول.
وهذا البيت ينشد على وجهين:
فقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم
فإن قلت: فقد تقول في النفي: ما كان أحد مثلك، وما كان أحد مجترئاً عليك، فقد خبرت عن النكرة.
فإنما جاز ذلك لأن أحداً في موضع الناس، فإنما أردت أن تعلمه أنه ليس في الناس واحد فما فوقه يجترئ عليه، فقد صار فيه معنىً بما دخله من هذا العموم.
ومن ذلك قول الله عز وجل: " ولم يكن له كفواً أحد " فلم يكن الخبر إلا نكرة كما وصفت لك.
وقال الراجز:
لتقربن قرباً جلذياً ... ما دام فيهن فصيل حيا
فقد أفادك معنىً بقوله فيهن. ولو حذف فيهن لكان هاهنا معنى آخر، وهو معنى الأبد كقولك: لا أكلمك ما طار طائر.
واعلم أن الشعراء يضطرون، فيجعلون الاسم نكرة، والخبر معرفة. وإنما حملهم على ذلك معرفتهم أن الاسم والخبر يرجعان إلى شيء واحد. فمن ذلك قول حسان بن ثابت:
كأن سلافة من بيت راس ... يكون مزاجها عسل وماء
وكان المازني يروي: يكون مزاجها عسلاً وماء. يريد: وفيه ماء.
قال الفرزدق:
أسكران كان ابن المراغة إذ هجا ... تميماً بجوف الشام أم متساكر
وقال القطامي:

قفي قبل التفرق يا ضباعاً ... ولا يك موقف منك الوداعا
وقال خداش بن زهير:
فإنك لا تبالي بعد حول ... أظبي كان أمك أم حمار
وكان موضع آخر لا يحتاج فيه إلى الخبر. ولك قولك: أنا أعرفه مذ كان زيد، أي: مذ خلق. وتقول: قد كان الأمر، أي وقع. فمن ذلك قول الله عز وجل: " إلا أن تكون تجارة حاضرة " فيمن رقع. قال الشاعر:
فدىً لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
وكذلك أصبح، وأمسى: تكون مرة بمنزلة كان التي لها خبر. ومرة تكون بمنزلة استيقظ، ونام فإنما هي أفعال. وقد يكون لفظ الفعل واحداً وله معنيان أو ثلاثة معان، فمن ذلك: وجدت عليه، من من الموجدة، ووجدت تريد: وجدت الضالة، ويكون من وجدت في معنى علمت. وذلك قولك: وجدت زيداً كريماً.
وكذلك رأيت: تكون من رؤية العين، وتكون من العلم كقوله عز وجل: " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " .
وقال الشاعر:
رأيت الله أكبر كل شيء ... محافظةً وأكثرهم جنودا
وهذا التصرف في الأفعال أكثر من أن يحصى، ولكن يؤتى منه ببعض ما يستدل به على سائره إن شاء الله.
هذا باب

مسائل كان وأخواتها
تقول: كان القائم إليه أخوه أخاك. وإن شئت نصبت الأول ورفعت الثاني. وتقول: كان ثوبك المزينه علمه عبد الله معجباً. وتقول: كان غلامه زيد ضارباً. فهو على وجه خطأ، وعلى وجه صواب: فأما الوجه الفاسد فأن تجعل زيداً مرتفعاً بكان، وتجعل الغلام منتصباً بضارب. فتكون قد فصلت بين كان وبين اسمها وخبرها بالغلام، وليس هو لها باسم ولا خبر، نما هو مفعول مفعولها. وكذلك لو قلت: كانت زيداً الحمى تأخذ.
والوجه الذي يصح فيه أن تضمر في كان الخبر أو الحديث، أو ما أشبهه على شريطة التفسير، ويكون ما بعده تفسيراً له. فيكون مثل الهاء التي تظهر في إن إلا أنه ضمير مرفوع، فلا يظهر، فيصير الذي بعده مرفوعاً بالابتداء والخبر. فتقول على صحة المسألة: كان غلامه زيد ضارب. فما جاء من الضمير في هذا الباب قوله:
فأصبحوا والنوى عالى معرسهم ... وليس كل النوى يلقى المساكين
أضمر في ليس.
وقال الآخر:
هي الشفاء لدائي إن ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول
وقال الفرزدق:
قنافذ هداجون حول بيوتهم ... بما كان إياهم عطية عودا
فهذا وجه ما ذكرت لك.
وتقول: الكائن أخاه غلامك كان زيداً يضرب؛ كما تقول: عمرو كان زيداً يضرب.
ولو قلت: غلامه كان زيد يضرب كان جيداً أن تنصب الغلام بيضرب؛ لأنه كل ما جاز أن يتقدم من الأخبار جاز تقديم مفعوله.
وكذلك لو قلت: غلامه كان زيد ضرب لكان جيداً؛ لأن كان بمنزلة ضرب. ألا ترى أنك تقول: ضارباً أخاك ضربت، ورجلاً قائماً أكرمت. فهذا بمنزلة ذلك، ولو رفعت الغلام لكان غير جائز، لأنه إضمار قبل الذكر.
فإن قال قائل: فأنت إذا نصبت فقد ذكرته قبل الاسم.
قيل له: إذا قدم ومعناه التأخير فإنما تقديره والنية فيه أن يكون مؤخراً. فإذا كان في موضعه لم يجز أن ينوى به غير موضعه.
ألا ترى أنك تقول: ضرب غلامه زيد؛ لأن الغلام في المعنى مؤخر، والفاعل في الحقيقة قبل المفعول.
ولو قلت: ضرب غلامه زيداً كان محالاً؛ لأن الغلام في موضعه. لا يجوز أن ينوى به غير ذلك الموضع.
وعلى هذا المعنى تقول: في بيته يؤتى الحكم، لأن الظرف حده أن يكون بعد الفاعل.
وما لم يسم فاعله بمنزلة الفاعل، وعلى هذا تقول: ضربته زيد، وفي داره عبد الله؛ لأن هذا إخبار، وحد المبتدأ أن يكون قبلهما.
وحد الظرف أن يكون بعد المفعول به، ومن ثمة جاز: لقيت في داره زيد.
قال الشاعر:
إن تلق يوماً على علاته هرماً ... تلق السماحة منه والندى خلقا
ولو قلت: كان الكائن أخواه قائمين منطلقاً أبواه كان جيداً. أفردت الانطلاق بأبويه.
ويجوز في هذه المسألة: كان الكائن أخواه قائمان منطلقاً أبواه. إذا جعلت اسمه مستكناً في الكائن، ف أخواه قائمان وإن كان ابتداء وخبراً فموضعهما خبر، كأنك قلت؛ كان الكائن هو أخواه قائمان منطلقاً أبواه. يكون في الكائن اسمها. ولو قلت: منطلقان أبواه جاز؛ لأنك أردت: كان هذا الرجل أبواه منطلقان، فجعلت المنطلقين خبراً مقدماً.

وتقول: كان زيد هو العاقل. تجعل هو ابتداء، والعاقل خبره. وإن شئت قلت: كان زيد هو العاقل يا فتى، فتجعل هو زائدة. فكأنك قلت: كان زيد العاقل.
وإنما يكون هو، وهما، وهم، وما أشبه ذلك زوائد بين المعرفتين، أو بين المعرفة وما قاربها من النكرات؛ نحو: خير منه، وما أشبهه مما لا تدخله الألف واللام.
وإنما زيدت في هذا الموضع؛ لأنها معرفة، فلا يجوز أن تؤكد إلا المعرفة.
ولا تكون زائدة إلا بين اسمين لا يستغني أحدهما عن الآخر؛ نحو اسم كان وخبرها، أو مفعول ظننت وعلمت وما أشبه ذلك، والابتداء والخبر، وباب إن.
فمما جاء من توكيدها في القرآن قوله: " وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين " وقال: " إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين " وقال: " تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً " وقد يجوز أن تكون هذه التي بعد تجدوه صفة للهاء المضمرة، وسنذكرها في موضع صفات المضمر مشروحاً إن شاء الله.
وقرأ بعضهم: " ولكن كانوا هم الظالمون " جعل هم ابتداء والظالمون خبره.
وينشد هذا البيت لقيس بن ذريح:
تبكي على ليلى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
والقوافي مرفوعة.
ولو قلت: كان زيد أنت خير منه، أو: كان زيد أنت صاحبه لم يجز إلا الرفع، لأن أنت لو حذفته فسد الكلام. وفي المسائل الأول يصلح الكلام بحذف هؤلاء الزوائد.
أما قراءة أهل المدينة " هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " فهو لحن فاحش، وإنما هي قراءة ابن مروان، ولم يكن له علم بالعربية.
وإنما فسد؛ لأن الأول غير محتاج إلى الثاني.
ألا ترى أنك تقول: هؤلاء بناتي، فيستغنى الكلام، وفيما تقدم إنما تأتي قبل الاستغناء لتوكيد المعرفتين وتدل على ما يجئ بعدها.
هذا باب

الأحرف الخمسة المشبهة بالأفعال
وهي: إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل.
وإن وأن مجازهما واحد؛ فلذلك عددناهما حرفاً واحداً. والفرق بينهما يقع في باب مفرد لهما إن شاء الله.
ف إن إنما معناها الابتداء؛ لأنك إذا قلت: إن زيداً منطلق كان بمنزلة قولك: زيد منطلق في المعنى، وإن غيرت اللفظ. وكذلك لكن، ولكنهما دخلتا لما أخبرك به.
أما إن فتكون صلة للقسم؛ لأنك لا تقول: والله زيد منطلق؛ لانقطاع المحلوف عليه من القسم. فإن قلت: والله إن زيداً منطلق اتصل بالقسم، وصارت إن بمنزلة اللام التي تدخل في قولك: والله لزيد خير منك.
ولكن للاستدراك وإن كانت ثقيلةً عاملة بمنزلتها، وهي مخففة كما كرت لك في باب العطف. وإنما يستدرك بها بعد النفي، نحو قولك: ما جاءني زيد لكن عمرو. ويقول القائل: ما ذهب زيد، فتقول: لكن عمراً قد ذهب.
ويجوز في الثقيلة والخفيفة أن يستدرك بهما بعد الإيجاب ما كان مستغنياً، نحو قولك: جاء زيد، فأقول: لكن عمراً لم يأت، وتكلم عمرو لكن خالد سكت.
فأما الخفيفة إذا كانت عاطفة اسماً على اسم لم يجز أن يستدرك بها إلا بعد النفي. لا يجوز أن تقول: جاءني عمرو لكن زيد، ولكن: ما جاءني عمرو لكن زيد. فإن عطفت بها جملة وهي الكلام المستغنى جاز أن يكون لك بعد الإيجاب؛ كما ذكرت لك. تقول: قد جاءني زيد لكن عمرو لم يأتني.
وأما كأن فمعناها التشبيه: تقول: كأن زيداً عمرو، وكأن أخاك الأسد.
ولعل معناها التوقع لمرجو أو مخوف، نحو: لعل زيداً يأتني، ولعل العدو يدركنا وليت. معناها: التمني؛ نحو: ليت زيداً أتانا.
فهذه الحروف مشبهة بالأفعال. وإنما أشبهتها؛ لأنها لا تقع إلا على الأسماء، وفيها المعاني من الترجي، والتمني، والتشبيه التي عباراتها الأفعال، وهي في القوة دون الأفعال؛ ولذلك بنيت أواخرها على الفتح كبناء الواجب الماضي.
وهي تنصب الأسماء، وترفع الأخبار، فتشبه من الفعل ما قدم مفعوله؛ نحو: ضرب زيداً عمرو.
ولا يجوز فيها التقديم والتأخير؛ لأنها لا تتصرف. فيكون منها يفعل، ولا ما يكون في الفعل من الأمثلة، والمصادر؛ فلذلك لزمت طريقةً؛ إذ لم تبلغ أن تكون في القوة كما شبهت به. وذلك قولك: إن زيداً منطلق، وإن أخاك قائم، وكأن القائم أخوك، وليت عبد الله صاحبك.
فإن اجتمعت في هذه الحروف معرفة، ونكرة فالذي يختار أن يكون منهما اسمها المعرفة؛ لأنها دخلت على الابتداء والخبر، وقصتها قصة كان في ذلك.

فأما التقديم والتأخير، نحو: إن منطلق زيداً فلا يجوز؛ لأنها حرف جامد. لا تقول فيه: فعل، ولا فاعل؛ كما كنت تقول في كان: يكون، وهو كائن، وغير هذا من الأمثلة. ولكن إن كان الذي يليها ظرفاً فكان خبراً، أو غير خبر جاز. وذلك: إن في الدار زيداً، وإن في الدار زيداً قائم. وإنما جاز ذلك لأن الظروف ليس مما تعمل فيه إن لوقوع غيرها فيه.
ون قال قائل فقل: إن يقوم زيداً؛ لأن يقوم ليس مما تعمل فيه إن فإن هذا محال من وجهين: أحدهما: أن إن مشبهة بالفعل، فلا يجوز أن تلي الفعل؛ كما لا يلي فعل فعلا، وليس فيها ضمير فيكون بمنزلة: كاد يقوم زيد؛ لأن في كاد ضميراً حائلً بينها وبين الفعل.
والجهة الأخرى: أن يقوم في موضع قائم، فلا يجوز أن يفصل بها بين إن واسمها؛ كما لا يجوز أن يفصل بقائم.
فإن قال قائل: فقل: إن قام زيداً. قيل له: هذا أبعد، وذاك أن موضع الإخبار إنما هو للأسماء؛ لأن الخبر إنما هو الابتداء في المعنى.
وإنما دخلت قام هاهنا كما دخلت على الصفات في مثل قولك: مررت برجل قائم، ومررت برجل صالح. فتقول: مررت برجل قام، وبرجل صلح.
وتقول: إن زيداً الظريف عاقل. فإن حذفت عاقلاً رفعت الظريف، وذلك أن الخبر لا بد منه، وله وضع الكلام والصفة تبين، وتركها جائز.
وتقول: إن زيداً منطلق وعمراً، وإن شئت: وعمرو.
فأما الرفع فمن وجهين، والنصب من وجه واحد، وهو أن تعطفه على الاسم المنصوب؛ كما قال:
إن الربيع الجود والخريفا ... يدا أبي العباس والصيوفا
وهذا على وجه الكلام، ومجراه؛ لأنك إذا عطفت شيئاً على شيء كان مثله. وأحد وجهي الرفع وهو الأجود منهما : أن تحمله على موضع إن؛ لأن موضعها الابتداء. فإذا قلت: إن زيداً منطلق، فمعناه: زيد منطلق.
ومثل إن في هذا الباب لكن الثقيلة. ونظير ذلك قولك: ليس زيد بقائم ولا قاعداً، على الموضع. ومثله: خشنت بصدره وصدر زيد.
وعلى هذا قراءة من قرأ " فأصدق وأكن من الصالحين " حمله على موضع الفاء، ولم يحمله على ما عملت فيه.
وقرئت هذه الآية على وجهين: " إن الله برئ من المشركين ورسوله " بالنصب، والرفع في الرسول. ومثل ما يحمل على الموضع قوله:
معاوي إننا بشر فأسجع ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وقال الآخر:
ألا حي ندماني عمير بن عامر ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا
والوجه الآخر في الرفع إن زيداً منطلق، وعمرو: أن يكون محمولاً على المضمر في منطلق. وهذا أبعد الوجهين، إلا أن تؤكده فيكون وجهاً جيداً مختاراً؛ نحو: إن زيدا منطلق هو وعمرو.
وتقول: إن زيداً منطلق الظريف، وإن زيداً يقوم العاقل. الرفع والنصب فيما بعد الخبر جائزان. فالرفع من وجهين: أحدهما: أن تجعله بدلاً من المضمر في الخبر.
والوجه الآخر: أن تحمله على قطع وابتداء.
والنصب من وجهين: أحدهما: أن تتبعه زيداً.
والآخر: أن تنصبه بفعل مضمر على جهة المدح. وهذا الفعل يذكر إضماره في موضعه إن شاء الله.
والآية تقرأ على وجهين: " قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب " بالنصب والرفع.
فأما كأن وليت ولعل إذا قلت: كأن زيداً منطلق وعمرو، وليت زيداً يقوم وعبد الله فكل ما كان جائزاً في إن ولكن من رفع أو نصب فهو جائز في هذه الأحرف إلا الحمل على موضع الابتداء. فإن هذه الحروف خارجة من معنى الابتداء؛ لأنك إذا قلت: ليت، فإنما تتمنى، وكأن للتشبيه، ولعل للتوقع. فقد زال الابتداء، ولم يجز الحمل عليه.
هذا باب

من مسائل كان وإن في الجمع والتفرقة
تقول: إن القائم أبوه منطلقة جاريته. نصبت القائم ب إن، ورفعت الأب بفعله وهو القياس، ورفعت منطلقة لأنها خبر إن، ورفعت الجارية بالانطلاق. ويجوز أن تكون الجارية مرفوعة بالابتداء، وخبرها منطلقة. فيكون التقدير: إن القائم أبوه جاريته منطلقة، إلا أنك قدمت وأخرت.
فإن جعلت المسألة في باب كان قلت على القول الأول: كان القائم أبوه منطلقة جاريته. وعلى القول الثاني: منطلقة جاريته؛ لأنك تريد: كان القائم أبوه جاريته منطلقة.

وتقول: إن القائم وأخوه قاعد. فترفع الأخ بعطفك إياه على المضمر في قائم فهذا جائز. والوجه إذا أردت أن تعطفه على مضمر مرفوع : أن تؤكد ذلك المضمر فتقول: إن القائم هو وأخوه قاعد. وإنما قلت قاعد لأن الأخ لم يدخل في إن. وإنما دخل في صلة القائم فصار بمنزلة قولك: إن الذي قام مع أخيه قاعد.
ونظير هذا ذلك قولك: إن المتروك هو وأخوه مريضين صحيح، وغن المختصم هو وزيد جالس.
ولو أردت أن تدخل في إن الأخ لقلت: إن المتروك مريضاً وأخاه صحيحان. وإن المخاصم عمراً، وأخاه قائمان.
فعلى هذا تلخيص هذه المسائل. وإنما حالها في كان وإن. في الاحتياج والاستغناء، حال الابتداء.
ونقول: إن زيداً كان منطلقاً. نصبت زيداً بإن. وجعلت ضميره في. كان. وكان وما عملت فيه في موضع خبر إن.
وإن شئت رفعت منطلقاً. فيكون رفعه على وجهين: أحدهما: أن تجعل كان زائدة مؤكدة للكلام؛ نحو قول العرب: ولدت فاطمة بنة الخرشب الكملة من بني عبس لم يوجد كان مثلهم، على إلغاء كان. ومثله قول الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام
والقوافي مجرورة. وتأويل هذا سقوط كان على وجيران لنا كرام في قول النحويين أجمعين.
وهو عندي على خلاف ما قالوا من إلغاء كان. وذلك أن خبر كان لنا، فتقديره: وجيران كرام كانوا لنا.
وقوله: " كيف تكلم من كان في المهد صبياً " ، إنما معنى كان هاهنا التوكيد. فكأن التقدير والله أعلم: كيف نكلم من هو في المهد صبيا. ونصب صبياً على الحال. ولولا ذلك لم يكن عيسى بائناً من الناس، ولا دل الكلام على أنه تكلم في المهد؛ لأنك تقول للرجل: كان فلان في المهد صبياً. فهذا ما لا ينفك منه أحد أنه قد كان كذا ثم انتقل، وإنما المعنى: كيف نكلمه وهو الساعة كذا.
والوجه الآخر في جواز الرفع في قولك: إن زيداً كان منطلق على أن تضمر المفعول في كان وهو قبيح كأنك قلت: إن زيداً كأنه منطلق. وقبحه من وجهين: أحدهما: حذف هذه الهاء. كقولك: إن زيداً ضرب عمرو. وليس هذا من مواضع حذفها، وسنذكر ما حذفها فيه أحسن من إثباتها، وما يجوز من الحذف وليس بالوجه، في موضعه إن شاء الله.
وقبحها من الجهة الأخرى: أنك تجعل منطلقاً هو الاسم وهو نكرة، وتجعل الخبر الضمير وهو معرفة، فلو كان: إن زيداً كان أخوك كان أسهل، وهو مع ذلك قبيح لحذف الهاء.
فأما قولهم: كأنني أخوك، وكنت زيداً فمحال إن أردت به، الأنتقال وأنت تعني أخاه في النسب. ولكن لو قلت: كنت أخاك، أي: صديقك، وأنا اليوم عدوك، وكنت زيداً، وأنا الساعة عمرو، أي: غيرت اسمي كان جائزاً.
وجائز أن تقول: كنت أخاك وإن كان أخاه الساعة، تريد أن تعلمه ما كان، ولا تخبر عن وقته الذي هو فيه لعلم المخاطب ذاك، ولأن للقائل إذا كانت الأخبار حقاً أن يخبر عنها بما أراد، ويترك غيره. فمن ذلك قول الله " وكان الله غفوراً رحيماً " و " كان الله سميعاً عليماً " . فقول النحويين والمفسرين في هذا واحد، إن معناه والله أعلم : أنه خبرنا بمثل ما يعرف من فضله، وطوله، ورحمته، وغفرانه، وأنه علام الغيوب قبل أن تكون. فعلمنا ذلك، ودلنا عليه بهذا وغيره.
ومثل ذلك قوله: " والأمر يومئذ لله " ونحن نعلم أن الأمر أبداً لله.
وتقول: كان القائم القاعد أبواه إليه منطلقة جاريته. رفعت القائم ب كان، ورفعت القاعد بالقائم، ورفعت أبويه بالقاعد، ولولا قولك إليه لم تجز المسألة؛ وذلك أن تقديرها: كان الذي قام الرجل الذي قعد إليه أبواه. فلا بد من ضميرين يرجع أحدهما إلى الألف واللام في قاعد، والآخر إلى الألف واللام في القائم.
وتقول: إن الراغب فيه أبواه كان زيداً. وإن زيداً كان الراغب فيه أبواه ضاربه. ولو قلت: كان عبد الله زيد يضربه جعلت أيهما شئت فاعلا.
ولو قلت: كان عبد الله زيد ضاربه، فجعلت الضارب زيداً كان جيداً. فإن جعلت الضارب عبد الله قلت: ضاربه هو؛ لأن ضارباً اسم، فإذا جرى صفة أو حالاً أو خبراً لغير من هو له فلا بد من إظهار الفاعل والخبر فيه.

والفعل يحتمل أن يجري على غير من هو له؛ لما يدخله من الضمير المبين عمن هو له. ألا ترى أنك تقول: زيد تكرمه فيكون جيداً، ولو قلت: زيد مكرمه، فتضعه في موضع تكرمه لم يجز حتى تقول: أنت وكذلك: عبد الله زائره أنا. وتفسير هذا، وإجراء المسائل مستقصى في باب الابتداء إن شاء الله.
وتقول: إن أفضلهم الضارب أخاه كان زيداً. بنصب الضارب، ففي هذا وجوه: إن شئت أجريتها على هذا اللفظ، فجعلت الضارب نصباً صفة، وجعلت كان وما عملت فيه الخبر.
وإن شئت رفعت الضارب، فجعلته خبراً، وجعلت زيداً بدلاً منه فرفعته، وجعلت كان زائدة على ما كنت شرحت لك.
وإن شئت رفعت زيداً على هذه الشريطة، وجعلته هو الضارب للأخ، وكأنك قلت: إن أفضلهم الذي ضرب أخاه زيد.
وإن شئت رفعت الأخ، ونصبت زيداً، وترفع الضارب.
ولو قلت: إن أفضلهم الضارب أخاه كان زيداً. ترفع الضارب على أن تجعل كان صفة للأخ لم يجز؛ لأن الأخ معرفة، والأفعال مع فاعليها جمل، وإنما تكون الجمل صفات للنكرة، وحالات للمعرفة؛ لأن يفعل إنما هو مضارع فاعل، فهو نكرة مثله. ألا ترى أنك تقول: مررت برجل يضرب زيداً؛ كما تقول: مررت برجل ضارب زيدا.
وتقول: مررت بعبد الله يبني داره، فيصير يبني في موضع نصب لأنه حال؛ كما تقول: مررت بعبد الله بانياً داره.
ولكن لو قلت في هذه المسألة: إن أفضلهم الضارب أخا له، كان جيداً أن تصفه ب كان إذا جعلته نكرة.
فإن قلت: فأجر كان بعد المعرفة، وأجعلها حالاً لها فإن ذلك قبيح، وهو على قبحه جائز في قول الأخفش، وإنما قبحه أن الحال لما أنت فيه، وفعل لما مضى، فلا يقع في معنى الحال.
ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل يأكل قلت على هذا: مررت بزيد يأكل، فكان معناه: مررت بزيد آكلاً.
وإذا قلت: أكل فليس يجوز أن تخبر بها عن الحال؛ كما تقول: هو يأكل، أي هو في حال أكل. فلما لم يجز أن يقع وهو على معناه في موضع الحال امتنع في هذا الموضع.
وقد أجاز قوم أن يضعوا فعل في موضعها. كما تقول: إن ضربتني ضربتك، والمعنى: إن تضربني أضربك.
وهذا التشبيه بعيد؛ لأن الحروف إذا دخلت حدثت معها معان تزيل الأفعال عن مواضعها.
ألا ترى أنك تقول: زيد يضرب غدا، فإذا أدخلت لم قلت لم يضرب أمس، فبدخول لم صارت يضرب في معنى الماضي. وتأولوا هذه الآية من القرآن على هذا القول، وهي قوله: " أو جاءوكم حصرت صدورهم " .
وليس الأمر عندنا كما قالوا. ولكن مخرجها والله أعلم إذا قرئت كذا الدعاء؛ كما تقول: لعنوا قطعت أيديهم. وهو من الله إيجاب عليهم.
فأما القراءة الصحيحة فإنما هي " أو جاءوكم حصرةً صدورهم " .
ومثل هذا من الجمل قولك: مررت برجل أبوه منطلق، ولو وضعت في موضع رجل معرفة لكانت الجملة في موضع حال. فعلى هذا تجري الجمل.
وإذا كان في الثانية ما يرجع إلى الأول جاز ألا تعلقه به بحرف عطف، وإن علقته به فجيد.
وإذا كان الثاني لا شيء فيه يرجع إلى الأول فلا بد من حرف العطف وذلك قولك: مررت برجل زيد خير منه، وجاءني عبد الله أبوه يكلمه.
وإن شئت قلت: مررت بزيد عمرو في الدار فهو محال إلا على قطع خبر واستئناف آخر. فإن جعلته كلاماً واحداً قلت: مررت بزيد وعمرو في الدار.
وهذه الواو التي يسميها النحويون واو الابتداء، ومعناها: غذ. ومثل ذلك قوله: " يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " والمعنى والله أعلم : إذ طائفة في هذه الحال، وكذلك قول المفسرين.
هذا باب

المسند والمسند إليه
وهما ما لا يستغني كل واحد من صاحبه
فمن ذلك: قام زيد، والابتداء وخبره، وما دخل عليه نحو كان وإن وأفعال الشك والعلم والمجازاة.
فالابتداء نحو قولك: زيد. فإذا ذكرته فإنما تذكره للسامع؛ ليتوقع ما تخبره به عنه فإذا قلت منطلق أو ما أشبهه صح معنى الكلام، وكانت الفائدة للسامع في الخبر؛ لأنه قد كان يعرف زيدا كما تعرفه، ولولا ذلك لم تقل له زيد، ولكنت قائلاً له: رجل يقال له زيد فلما كان يعرف زيدا، ويجهل ما تخبره به عنه أفدته الخبر، فصح الكلام؛ لأن اللفظة الواحدة من الاسم والفعل لا تفيد شيئاً، وإذا قرنتها بما يصلح حدث معنى، واستغنى الكلام.

فأما رفع المبتدأ فبالابتداء. ومعنى الابتداء: التنبيه والتعرية عن العوامل غيره، وهو أول الكلام وإنما يدخل الجار والناصب والرافع سوى الابتداء على المبتدأ.
والابتداء والمبتدأ يرفعان الخبر وسنبين هذا بالاحتجاج في موضعه إن شاء الله.
فإذا قلت: عبد الله أخوك، وعبد الله صالح لم تبل أكان الخبر معرفةً أو نكرة؟ لكل لفظة منهما معناهما.
فأما المبتدأ فلا يكون إلا معرفة، أو ما قارب المعرفة من النكرات.
ألا ترى أنك لو قلت: رجل قائم، أو رجل ظريف لم تفد السامع شيئاً؛ لأن هذا لا يستنكر أن يكون مثله كثيرا، وقد فسرنا هذا في باب إن وباب كان. ولو قلت: خير منك جاءني، أو صاحب لزيد عندي جاز وإن كانا نكرتين، وصار فيهما فائدة؛ لتقريبك إياهما من المعارف.
وتقول: منطلق زيد، فيجوز إذا أردت بمنطلق التأخير؛ لأن زيدا هو المبتدأ.
وتقول على هذا: غلام لك عبد الله، وظريفان أخواك، وحسان قومك.
واعلم أن خبر المبتدأ لا يكون إلا شيئاً هو الابتداء في المعنى؛ نحو: زيد أخوك، وزيد قائم.
فالخبر هو الابتداء في المعنى، أو يكون الخبر غير الأول، فيكون له فيه ذكر. فإن لم يكن على أحد هذين الوجهين فهو محال.
ونظير ذلك: زيد يذهب غلامه، وزيد أبوه قائم، وزيد قام عمرو إليه، ولو قلت: زيد قام عمرو لم يجز؛ لأنك ذكرت اسماً، ولم تخبر عنه بشيء، وإنما خبرت عن غيره.
فإذا قلت: عبد الله قام، ف عبد الله رفع بالابتداء، وقام في موضع الخبر، وضميره الذي في قام فاعل.
فإن زعم زاعم أنه إنما يرفع عبد الله بفعله فقد أحال من جهات: منها أن قام فعل، ولا يرفع الفعل فاعلين إلا على جهة الإشراك؛ نحو: قام عبد الله وزيد، فكيف يرفع عبد الله، وضميره؟ وأنت إذا أظهرت هذا الضمير بأن تجعل في موضعه غيره بان لك، وذلك قولك: عبد الله قام أخوه فإنما ضميره في موضع أخيه.
ومن فساد قولهم أنك تقول: رأيت عبد الله قام، فيدخل على الابتداء ما يزيله، ويبقى الضمير على حاله.
ومن ذلك أنك تقول: عبد الله هل قام؟ فيقع الفعل بعد حرف الاستفهام، ومحال أن يعمل ما بعد حرف الاستفهام فيما قبله.
ومن ذلك أنك تقول: ذهب أخواك ثم تقول: أخواك ذهبا. فلو كان الفعل عاملاً كعمله مقدماً لكان موحداً، وإنما الفعل في موضع خبر الابتداء رافعاً للضمير كان، أو خافضاً أو ناصباً. فقولك: عبد الله قائم بمنزلة قولك: عبد الله ضربته، وزيدت مررت به.
ولو قلت على كلام متقدم عبد الله، أو منطلق، أو صاحبك، أو ما أشبه هذا لجاز أن تضمر الابتداء إذا تقدم من ذكره ما يفهمه السامع. فمن ذلك أن ترى جماعة يتوقعون الهلال، فقال قائل منهم: الهلال والله، أي: هذا الهلال.
وكذلك لو كنت منتظراً رجلاً فقلت: زيد جاز على ما وصفت لك.
ونظير هذا الفعل الذي يضمر، إذا علمت أن السامع مستغن عن ذكره نحو قولك إذا رأيت رجلاً قد سدد سهماً فسمعت صوتاً : القرطاس والله، أي: أصاب القرطاس، أو رأيت قوماً يتوقعون هلالاً، ثم سمعت تكبيراً قلت: الهلال والله، أي: رأوا الهلال. ومثل هذا مررت برجل زيد، لما قلت: مررت برجل أردت أن تبين من هو؟ فكأنك قلت: هو زيد. وعلى هذا قول الله عز وجل " بشر من ذلكم النار " وتقول: البر بخمسين، والسمن منوان، فتحذف الكر والدرهم لعلم السامع، فإنهما اللذان يسعر عليهما.
ومما يحذف لعلم المخاطب بما يقصد له قولهم: لا عليك إنما يريدون: لا بأس عليك. وقولهم ليس إلا، وليس غير. إنما يريدون ليس إلا ذلك.
ويقول القائل: أما بقي لكم أحد فإن الناس ألب عليكم، فتقول: إن زيداً، وإن عمراً، أي: لنا. قال الأعشى:
إن محلاً وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضى مهلا
ويروى: إذ مضوا.
والمعرفة، والنكرة ها هنا واحد. وإنما تحذف إذا علم المخاطب ما تعني بأن تقدم له خبراً، أو يجري القول على لسانه كما وصفت لك.
فمن المعرفة قول الأخطل:
خلا أن حياً من قريش تفضلوا ... على الناس أو أن الأكارم نهشلا
والبيت آخر القصيدة.
وتقول: النازل في داره أخواك غلامك، والضارب أبواه أخويه عبد الله.

ولو قلت: أنا الذي قمت، وأنت الذي ذهبت لكان جائزاً ولم يكن الوجه . وإنما وجه الكلام: أنا الذي قام، وأنت الذي ذهب؛ ليكون الضمير في الفعل راجعاً إلى الذي. وإنما جاز بالتاء إذا كان قبله أنا وأنت؛ لأنك تحمله على المعنى.
ولو قلت: الذي قمت أنا لم يجز. وهذا قبيح. وإنما امتنع أن تحمل على المعنى؛ لأنه ليس في جملة الذي ما يرجع إليه. فمما جاء من هذا المعنى قول مهلهل:
وأنا الذي قتلت بكراً بالقنا ... وتركت تغلب غير ذات سنام
وقال أبو النجم:
يا أيها الذكر الذي قد سؤتني ... وفضحتني، وطردت أم عياليا
فإنما يصلح هذا بالمقدمات التي وصفت لك.
وتقول: زيد في الدار قائم. إذا جعلت قولك قائم مبنياً على زيد. فإن جعلت في الدار مبنياً على زيد نصبت قائماً على الحال.
وتقول: زيد يوم الجمعة قائم. لا يكون إلا ذلك؛ لأن ظروف الزمان لا تضمن الجثث. ألا ترى أنك تقول: زيد في الدار، فيصلح وتقيد به معنى، ولو قلت: زيد يوم الجمعة لم يصلح؛ لأن الزمان لا يخلو منه زيد ولا غيره، ولكن إن كان اسم فيه معنى الفعل جاز أن تكون أسماء الزمان ظروفاً له، نحو قولك: القتال يم الجمعة، ومقدم الحاج، والمحرم يا فتى؛ لأنك تخبر أنه في هذا الوقت يقع. فها هنا فعل قد كان يجوز أن يخلو منه هذا الوقت. فعلى هذا تجري الظروف من الأزمنة والأمكنة في الإخبار.
وتقول: عبد الله زيد الضاربه. إذا كانت الألف واللام والفعل لزيد. ف عبد الله ابتداء، وزيد ابتداء ثان، والضارب خبر عن زيد، وهما خبر عن عبد الله، والهاء التي في الضاربه راجعة إلى عبد الله.
فإن جعلت الألف واللام والفعل لعبد الله قلت: عبد الله زيد الضاربه هو تجعل الضارب ابتداء ثالثاً؛ لأن لا يكون خبراً عن زيد؛ لأنه غيره، وتجعل هو خبر الضاربه، والهاء المنصوبة ترجع إلى زيد، وهما جميعاً خبر عن زيد، وزيد وما بعده خبر عن عبد الله.
فإن جعلت الألف واللام لزيد والفعل لعبد الله قلت: عبد الله زيد الضاربه هو. ف هو ها هنا إظهار الفاعل؛ لأن الألف واللام لزيد، فقد صار خبراً عنه؛ وصار الفعل جارياً على غير نفسه، فأظهرت الفاعل كإظهارك إياه لو كان غير الأول؛ نحو قولك: عبد الله هند الضاربها أبوه.
ف هو في موضع أبيه هذا، والألف واللام في الضارب في معنى التي؛ لأنها لهند.
فإن كانت الألف واللام لعبد الله والفعل لزيد قلت: عبد الله زيد الضاربه هو هو. وذلك لأن الألف واللام لعبد الله، فقد صار ابتداء ثالثاً، وجرى الفعل على غير من هو له، فجعلت هو الأولى إظهار الفاعل، والثانية خبر الابتداء. وسنأتي على بقية هذا الباب في باب الألف واللام.
هذا باب

الإضافة
وهي في الكلام على ضربين: فمن المضاف إليه ما تضيف إليه حرف جر. ومنها ما تضيف إليه اسماً مثله.
وأما حروف الإضافة التي تضاف بها الأسماء والأفعال إلى ما بعدها فمن، وإلى، ورب، وفي، والكاف الزائدة، والباء الزائدة، واللام الزائدة. فهذه الحروف الصحيحة وما كان مثلها.
فأما ما وضعه النحويون نحو: على، وعن، وقبل، وبعد، وبين، وما كان مثل ذلك. فإنما هي أسماء وسنخبر عن ذلك بما يوضحه إن شاء الله.
أما من فمعناها ابتداء الغاية، وتكون للتبعيض، وتكون زائدة لتدل على أن الذي بعدها واحد في موضع جميع، ويكون دخولها كسقوطها.
فأما ابتداء الغاية فقولك: سرت من البصرة إلى الكوفة، فقد أعلمته أن ابتداء السير كان من البصرة. ومثله ما يجري في الكتب؛ نحو: من عبد الله إلى زيد. إنما المعنى أن ابتداء الكتاب من عبد الله.
وكذلك: أخذت منه درهماً، وسمعت منه حديثاً، أي: هو أول الحديث، وأول مخرج الدرهم.
وأما التي تقع للتبعيض فنحو قولك: أخذت مال زيد، فيقع هذا الكلام على الجميع. فإن قلت: أخذت من ماله، وأكلت من طعامه؛ أو لبست من ثيابه دلت من على البعض.
وأما الزائدة التي دخولها في الكلام كسقوطها فقولك: ما جاءني من أحد، وما كلمت من أحد. وكقول الله عز وجل: " أن ينزل عليكم من خير من ربكم " إنما هو خبر ولكنها توكيد. ومثل ذلك قول الشاعر:
جزيتك ضعف الود لما استثبته ... وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي
فهذا موضع زيادتها. إلا أنك دللت فيه على أنه للنكرات دون المعارف.

ألا ترى أنك تقول: ما جاءني من رجل، ولا تقول: ما جاءني من زيد؛ لأن رجلاً في موضع الجميع، ولا يقع المعروف هذا الموقع؛ لأنه شيء قد عرفته بعينه.
ألا ترى أنك تقول: عشرون درهماً، ولا تقول: عشرون الدرهم؛ لأن درهماً في موضع جميع. إنما تريد به من الدراهم.
وكذلك: هذا أول رجل جاءني، إنما هو أول الرجال إذا عدوا رجلاً رجلاً، وكل رجل يأتيك فله درهم فهذا موضع هذا.
وأما قولهم: أهلك الناس الدينار والدرهم، وذهب الناس بالشاء والبعير فليس من هذا الباب. إنما هو تعريف الجنس. ألا ترى أن الرجل يعطيك ديناراً واحداً فتقول: أنا لا أقبل منك الدنانير. وكذلك لو أعطاك ثوباً قلت: فلان يبرني بالثياب. إنما تريد الواحد من هذا الجنس المعروف.
ونظير قولك: أهلك الناس الدينار والدرهم وأنت تريد الجميع قول الله عز وجل: " إن الإنسان لفي خسر " فإنما معناه والله أعلم : الناس. ألا تراه قال: " إلا الذين آمنوا " ، ولا يستثنى من الشيء إلا بعضه.
وأما إلى فإنما هي للمنتهى ألا ترى أنك تقول: ذهبت إلى زيد، وسرت إلى عبد الله، ووكلتك إلى الله. وحتى مثلها، ولكن تركنا ذكرها ها هنا لنفرد لها باباً.
وأما في فإنما هي للوعاء؛ نحو: زيد في الدار، واللص في الحبس، فهذا أصله.
وقد يتسع القول في هذه الحروف، وإن كان ما بدأنا به الأصل؛ نحو قولك: زيد ينظر في العلم، فصيرت العلم بمنزلة المتضمن. وإنما هذا كقولك: قد دخل عبد الله في العلم، وخرج مما يملك.
ومثل ذلك: في يد زيد الضيعة النفيسة. وإنما قيل ذلك؛ لأن ما كان محيطاً به ملكه بمنزلة ما أحيطت به يده.
ورب معناها الشيء يقع قليلاً، ولا يكون ذلك الشيء إلا منكوراً؛ لأنه واحد يدل على أكثر منه كما وصفت لك، ولا تكون رب إلا في أول الكلام لدخول هذا المعنى فيها. وذلك قولك: رب رجل قد جاءني، ورب إنسان خير منك.
وأما الكاف الزائدة فمعناها التشبيه؛ نحو: عبد الله كزيد، وإنما معناه: مثل زيد، وما أنت كخالد.
فلذلك إذا اضطر الشاعر جعلها بمنزلة مثل، وأدخل عليها الحروف؛ كما تدخل على الأسماء. فمن ذلك قوله:
وصاليات ككما يؤثفين
فدخلت الكاف على الكاف؛ كما تدخل على مثل في قوله عز وجل: " ليس كمثله شيء " . وقال الآخر:
فصيروا مثل كعصف مأكول
ووقعت فاعلة، ومفعولة على هذا المعنى، وذلك قوله:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
فالكاف ها هنا في معنى مثل. إنما أراد: شيء مثل الطعن.
وقال الأخطل:
قليل غرار النوم حتى تقلصوا ... على كالقطا الجوني أفزعها الزجر
أراد مثل القطا.
وأما الباء فمعناه الإلصاق بالشيء، وذلك قولك: مررت بزيد. فالباء ألصقت مرورك بزيد، وكذلك: لصقت به، وأشمت الناس به.
ومنذ في الأيام والليالي لابتداء الغايات بمنزلة من في سائر الأسماء. وذلك قولك لم أره منذ يومين، فالغاية في الرؤية مما يلي أول اليومين.
واللام الزائدة معناها الملك، والتحقيق.
وأما الأسماء المضافة إلى الأسماء بأنفسها فتدخل على معنى اللام، وذلك قولك: المال لزيد. كقولك: مال زيد، وكما تقول: هذا أخ لزيد، وجار لزيد، وصاحب له، فهذا بمنزلة قوله: جاره وصاحبه. فلا فصل بينهما إلا أن اللام إذا حالت بين الاسمين لم يكن الأول معرفة بالثاني من أجل الحائل. فإذا أضفت الاسم إلى الاسم بعده بغير حرف كان الأول نكرة ومعرفة بالذي بعده.
فإذا أضفت اسماً مفرداً إلى اسم مثله مفرد أو مضاف صار الثاني من تمام الأول، وصارا جميعاً اسماً واحداً، وانجر الآخر بإضافة الأول إليه، وذلك قولك: هذا عبد الله، وهذا غلام زيد، وصاحب عمرو. ولا تدخل في الأول ألفاً ولاماً، وتحذف منه التنوين. وذلك أن التنوين زائد في الاسم، وكذلك الإضافة والألف واللام، فلا يحتمل الاسم زيادتين.
ألا ترى أنك تقول: هذا غلام فاعلم. فإن زادت الألف واللام قلت: هذا الغلام يا فتى، وكذلك إن أدخلت الإضافة قلت: هذا غلام زيد، وهذه ثلاثة دراهم.
فإن أردت تعريف الأول عرفت الثاني؛ لأنه إنما يكون الأول معرفة بما أضفته إليه.
ألا ترى أنك تقول: هذا غلام رجل، فيكون نكرة. فإذا أردت تعريفه قلت: هذا غلام الرجل، وهذا صاحب المال.
وكذلك هذه ثلاثة الأثواب، وخمسة الدراهم. ومثل ذلك قول الشاعر:

وهل يرجع التسليم أو يدفع البكا ... ثلاث الأثافي والديار البلاقع
فإذا ثنيت الواحد، ثم أردت إضافته حذفت النون من الاثنين النون والألف واللام فقلت: هذان غلاماً زيد، وصاحبا عمرو، وحذفت الألف والنون؛ كما فعلت في الواحد. وكذلك الجمع؛ نحو: هؤلاء مسلمو زيد وصالحو قومهم.
فإن كان الاسم الذي تضيفه مشتقاً من الفعل عاملاً فيما بعده فإن الثاني يدخل في صلة الأول. وذلك قولك: هذا ضارب زيد، وهذان ضاربا زيد، وهؤلاء ضاربو زيد.
فإن أدخلت الألف واللام في الأول فهو جيد؛ لأن معناها معنى الذي؛ فذلك دخلتا.
فإذا قلت في الواحد: هذا الضارب زيداً، وهو القاتل الرجل فمعناه: الذي ضرب زيداً، والذي قتل الرجل، فتنصب ما بعده؛ لأن فيه معنى الفعل، ولا معنى للأسماء غير المشتقة في ذلك.
ألا ترى أنك لو قلت: هذا الغلام زيداً كان محالاً.
فإن ثنيت الاسم المشتق من الفعل لم تعاقب الإضافة الألف واللام؛ كما لا تعاقبها النون، ولكن تكون الإضافة معاقبة للنون. وذلك قولك: هذان الضاربان، فتثبت النون مع الألف واللام؛ لأنها أقوى من التنوين؛ وذلك أنها بدل من التنوين والحركة في الواحد؛ كما قلت: هذان الغلامان.
وتقول: هذان الضاربان زيداً، والشاتمان عمراً، والمكرمون أخاك والنازلون دارك. ومن ذلك قول الله عز وجل: " والمقيمين الصلاة، والمؤتون الزكاة " وقال القطامي:
الضاربون عميراً عن ديارهم ... بالتل يوم عمير ظالم عادي
فإذا أسقطت النون، أضفت وجررت، فقلت: هم الضاربو زيد، وهما الشاتما عمرو؛ كما قال الشاعر:
الفارجو باب الأمير المبهم
وقال الأنصاري، وأنشد هذا البيت منصوباً عنه، وهو:
الحافظو عورة العشيرة، لا ... يأتيهم من ورائنا نطف
فهذا لم يرد الإضافة، فحذف النون بغير معنى فيه. ولو أراد غير ذلك لكان غير الجر خطأ، ولكنه حذف النون لطول الاسم؛ إذ صار ما بعد الاسم صلة له. والدليل على ذلك حذفهم النون مما لم يشتق من فعل، ولا يجوز فيه الإضافة فيحذفون لطول الصلة. فمن ذلك قول الأخطل:
أبني كليب إن عمي اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
فحذف النون من اللذين. وقال الأشهب بن رميلة:
إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
فإن قال قائل: ما بالك لا تقول في الاسم غير المشتق إذا ثنيته أو جمعته بالإضافة مع الألف واللام فتقول: هما الغلاما زيد؛ كما تقول: هما الضاربا زيد؟ قيل له: إنما يقع الحذف في المشتق؛ لأنه يجوز أن تقول: هما الضاربان زيداً، والضاربون عمراً، ولا يكون هذا في الغلام إذا ثنيته، فلما كففت النون عاقبها ما كان مستعملاً بعدها.
وما لم يشتق من الفعل لا معنى للاسم الثاني بعد النون فيه.
ألا ترى أنك لا تقول: هذان الغلامان زيداً، ولا هؤلاء الصاحبون محمداً.
هذا باب

اسم الفاعل الذي مع الفعل المضارع
وذلك نحو قولك: هذا ضارب زيداً. فهذا الاسم إن أردت به معنى ما مضى فهو بمنزلة قولك: غلام زيد.
تقول: هذا ضار بزيد أمس، وهما ضاربا زيد، وهم ضاربو عبد الله. وهن ضاربات أخيك. كل ذلك إذا أردت به معنى الماضي لم يجز فيه إلا هذا؛ لأنه اسم بمنزلة قولك: غلام زيد. وأخو عبد الله.
ألا ترى أنك لو قلت: هذا غلام زيداً كان محالاً.
فكذلك اسم الفاعل إذا كان ماضياً لا تنونه؛ لأنه اسم. وليست فيه مضارعة الفعل. ولا يجوز أن تدخل عليه الألف واللام وتضيفه؛ كما لم يجز ذلك في الغلام، فهو كالأسماء التي لا معنى للفعل فيها.
وتقول: هؤلاء حواج بيت الله أمس، ومررت برجل ضارباه الزيدان، ومررت بقوم ملازموهم إخوتهم، فتثنى وتجمع؛ لأنه اسم كما تقول: مررت برجل أخواه الزيدان، وأصحابه إخوتك.
فإن جعلت اسم الفاعل في معنى ما أنت فيه ولم ينقطع، أو ما تفعله بعد، ولم يقع جرى مجرى الفعل المضارع في عمله وتقديره؛ لأه في معناه وقد مضى تفسير هذا. وذلك قولك: زيد أكل طعامك الساعة إذا كان في حال أكل، وزيد آكل طعاماً غداً؛ كما تقول: زيد يأكل الساعة إذا كان في حال أكل، وزيد يأكل غداً.

وتقول على هذا: أخواك آكلان طعاماً، وقومك ضاربون زيداً، وأخواتك ضاربات عمر. وتقول: مررت برجل ضارب زيداً، فتصفه به؛ لأنه نكرة مثله؛ كما تقول: مررت برجل يضرب زيداً.
ولو قلت ذلك في اسم الفاعل إذا أردت ما مضى لم يقع ذا الموقع، وذلك أنك لا تقول: مررت برجل ضارب زيد إلا على البدل؛ كما لا تقول: مررت برجل غلام زيد.
وتقول: مررت بزيد ضارباً عمراً. إذا أردت التي تجري مجرى الفعل. فإن أردت الأخرى قلت: مررت بزيد ضارب عمرو؛ كما تقول: مررت بزيد غلام عمرو.
واعلم أنه قد يجوز لك أن تحذف النون والتنوين من التي تجري مجرى الفعل، ولا يكون الاسم إلا نكرة وإن كانا مضافاً إلى معرفة؛ لأنك إنما تحذف النون استخفافاً. فلما ذهب النون عاقبتها الإضافة، والمعنى معنى ثبات النون. فمن ذلك قول الله عز وجل: " هدياً بالغ الكعبة " فلو لم ترد التنوين لم يكن صفة لهدي وهو نكرة. ومن ذلك قوله تعالى: " هذا عارض ممطرنا " و " ثاني عطفه " ؛ لأنه نصب على الحال، ولا تكون الحال إلا نكرة.
ومن ذلك قول الله عز وجل: " إنا مرسلو الناقة " فإنما هذه حكاية قول الله عز وجل قبل إرسالها.
وكذلك " إلا آتي الرحمن عبداً " و " كل نفس ذائقة الموت " ومن نون قال: " آت الرحمن عبداً " ، و " ذائقة الموت " ؛ كما قال عز وجل: " ولا آمين البيت الحرام " . وهذا هو الأصل، وذاك أخف وأكثر، إذ لم يكن ناقضاً لمعنى، وكلاهما في الجودة سواء. قال جرير:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحرمانا
ف رب لا تقع إلا على نكرة، وإنما حذف التنوين استخفافاً وهو يريد: رب غابط لنا. ومثله:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق
أراد: باعث ديناراً؛ لأنه إنما يستفهمه عما سيقع.
ونصب الثاني لأنه أعمل فيه الفعل. كأنه قال: أو باعث عبد رب. ولو جره على ما قبله كان عربياً جيداً مثل النصب.
وذلك لأن من شانهم أن يحملوا المعطوف على ما عطف عليه، نحو: هذا ضارب زيد، وعمرو غداً، وينصبون عمراً، إلا أن الثاني كلنا تباعد من الأول قوي النصب، واختير. نحو قولك: هذا معطي زيد الدراهم، وعمراً الدنانير، والجر جيد بالغ.
ولو قلت: هذا معطي زيد اليوم الدراهم، وغداً عمراً الدنانير لم يصلح في عمرو إلا النصب، لأنك لم تعطف الاسم على ما قبله، وإنما أوقعت العطف على الظرف، فلم يقو الجر.
ألا ترى أنك تقول: مررت بزيد وعمرو، ولا تقول: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. فإذا أعملته عمل الفعل جاز؛ لأن الناصب ينصب ما تباعد منه.
ألا ترى أنك تقول: هذا ضارب اليوم زيداً. وغدا عمراً؛ كما تقول: هذا يضرب اليوم زيداً، وغدا عمراً.
وكذلك تقول: هذا ضاربك وزيداً غدا. لما لم يجز أن تعطف الظاهر على المضمر المجرور حملته على الفعل؛ كقول الله عز وجل: " إنا منجوك وأهلك " كأنه قال: ومنجون أهلك، ولم تعطف على الكاف المجررة.
ومما ينشده العرب نصباً وجراً لاشتمال المعنى عليهما جميعاً قول لبيد:
فإن لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معد، فلتزعك العواذل
ينصبون دون ويجرونها. وقال الفرزدق:
قعود لدى الأبواب طلاب حاجة ... عوان من الحاجات أو حاجةً بكرا
وقال جرير:
جيئوا بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار
يجرون مثل، وينصبونها. فمن جر فعلى الأول، ومن نصب فعلى: أو هاتوا مثل أسرة؛ لأن هذا إذا أضمر لم يخرج من معنى الأول. ومن قال هذا قال: خشنت بصدرك، وصدر زيد، على الموضع.
وعلى نحو من هذا أجازوا: مررت بزيد وعمراً؛ لأن معناه: أتيت، فحمله على المعنى؛ إذ كان قولك بزيد بعد مررت في موضع نصب. وقال الشاعر:
ألا حي ندماني عمير بن عامر ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا
كأنه قال: أو تلاقينا غداً.
واعلم أن اسم الفاعل إذا كان لما مضى فقلت: هذا ضارب زيد أمس وعمرو، وهذا معطي الدراهم أمس وعمرو جاز لك أن تنصب عمراً على المعنى لبعده من الجار. فكأنك قلت: وأعطى عمراً فمن ذلك قول الله عز وجل: " جاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً " على معنى: وجعل، فنصب.
هذا باب

مسائل الفاعل

تقول: مررت برجل قائم أبوه، فترفع الأب بفعله، وتجري قائماً على رجل؛ لأنه نكرة وصفته بنكرة، فصار كقولك: مررت برجل يقوم أبوه.
فإن قال قائل: قد علمنا أن القيام للأب، فكيف يجوز أن يجري على رجل؟ قيل له: لأن قولك: قائم أبوه إنما هو صفة للرجل في الحقيقة.
ألا ترى أنك قد حليت الرجل بقيام أبيه؛ كما تحليه بفعله، وفصلت بهذه الصفة بينه وبين رجل لم يقم أبوه؛ كما أنك إذا قلت: مررت برجل قائم فصلت بينه وبين من لم يقم. ولو قلت: مررت برجل قائم أبوه. تريد بقائم التأخير، كأنك قلت: مررت برجل أبوه قائم، ثم قدمت على هذه الجهة كان جيداً، وكنت تقول على هذا الشرط: مررت برجل قائمان أبواه، لأنك تريد: أبواه قائمان.
وعلى القول الأول وهو الأجود مررت برجل قائم أبواه، وقائم آباؤه؛ لأنه بمنزلة الفعل المقدم.
وتقول: مررت بزيد ضارباً عمراً أخواه، ومررت بجاريتك قائماً إليها أبواك، وهذا رجل ملازمه إخوته. أردت: ملازم له إخوته، فطرحت التنوين استخفافاً على ما وصفت لك في الذي قبله.
وتقول زيداً عمرو ضارب؛ كما تقول: زيداً عمرو يضرب.
ولو قلت: زيداً عمرو الضارب لم يجز؛ لأن الفعل صار في الصلة.
ولو قلت: عبد الله جاريتك أبوها ضارب كان بين النحويين فيها اختلاف. وذلك أن بعضهم يقول: إذا قلت: عبد الله زيد ضارب فإنما نصبت عبد الله بضارب الذي هو خبر زيد. فكأنك قلت: زيد يضرب عبد الله. وزيد ضارب عبد الله.
فإذا قلت: عبد الله جاريتك أبوها ضارب. فالجارية ابتداء. وأبوها ابتداء ثان، وضارب خبر أبيها، وهما جميعاً خبر الجارية، فقد تباعد آخر الكلام من أوله.
وليس ما قالوا في كراهية النصب بشيء. وذاك لأن ضارباً يجري مجرى الفعل في جميع أحواله من العمل. فالتقديم والتأخير في الفعل. وما كان خبراً للأول مفرداً أو مع غيره فمجراهما واحد.
وإنما يكره الفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه. نحو قولك: كانت زيداً الحمى تأخذ. فتنصب زيداً بتأخذ، وتأخذ خبر كان، وتفصل بزيد بين اسم كان وخبرها وليس زيد لها باسم ولا خبر. فهذا الذي لا يجوز.
أو يكون العامل غير متصرف فلا يجري مجرى الفعل، نحو: عندي عشرون اليوم درهماً، وإن منطلق زيداً، وزيداً إن منطلق. فهذا الذي لا يجوز.
فأما إذا كان العامل متصرفاً، ولم تفصل بينه وبين المعمول فيه بشيء ليس منه، ولا بسببه فعمله فيه كعمله إذا وليه. وقد فسرنا مثل هذا فيما مضى.
ومثل ذلك من المصادر: أعجبني اليوم ضرب زيد عمراً. إن جعلت اليوم نصباً بأعجبني فهو جيد.
وإن نصبته بالضرب كان محالاً، وذلك لأن الضرب في معنى أن فعل، وأن يفعل، فمحال أن ينصب ما قبله؛ لأن ما بعده في صلته ولا يعمل إلا فيما كان من تمامه، فيصير بعض الاسم ، ولا يقدم بعض الاسم على أوله.
فإن لم يكن في معنى أن أوصلتها أعملته عمل الفعل إذ كان نكرة مثله، فقدمت فيه وأخرت. وذلك قولك: ضرباً زيدا، وإن شئت قلت: زيدا ضربا؛ لأن ليس في معنى أن، إنما هو أمر.
فقولك: ضرباً زيدا ينتصب بالأمر، كأنك قلت: اضرب، إلا أنه صار بدلاً من الفعل لما حذفته.
ألا ترى أن قولك سقيا بمنزلة سقاك الله، ومرحباً بدل من قولك: رحبت بلادك. فعلى هذا يجري ما وصفت لك في الإعمال، والتقديم، والتأخير.
هذا باب

الصفة المشبهة بالفاعل
فيما يعمل فيه وإنما تعمل فيما كان من سببها وذلك كقولك: هذا حسن الوجه، وكثير المال.
اعلم أن هذه الصفة إنما حدها أن تقول: هذا رجل حسن وجهه، وكثير ماله. فترفع ما بعد حسن وكثير بفعلهما؛ لأن الحسن إنما هو للوجه، والكثرة إنما هي للمال فهذا بمنزلة قولك: هذا رجل قائم أبوه، وقاعد أخوه.
ويجوز أن تقول: هذا رجل حسن الوجه. فالوجه لم يجعل حسناً معرفة، وإن كان مضافاً إليه؛ وذلك لأن التنوين هو الأصل. ومعنى هذه الإضافة الانفصال؛ كما كان ذلك في قوله: " هدياً بالغ الكعبة " " وهذا عارض ممطرنا " لما كان التقدير: إنما هو التنوين ثبت الاسم نكرة، وصار بمنزلة ما لفظوا بتنوينه.
فيجوز في هذا أوجه:

منها الأصل، نحو: حسن وجهه، وحسن الوجه، وحسن وجه، وحسن وجهاً، وحسن الوجه. كل ذلك جائز ومعناه واحد في نكرته وأجود ذلك إذا لم تقل حسن وجهه : حسن الوجه، وذلك لأن وجهه كان معرفة وهو الأصل. فكان الأحسن أن يوضع في موضعه معرفة مثله.
لا تعرف الأول؛ كما كان ذلك في وجهه، وأنه لو عرفه لم يكن الأول معرفة، وإنما صار وجهه معرفة؛ لأنه علم أنه لا يعني من الوجوه إلا وجهه.
وأما حسن وجه فإنه أخف في اللفظ، فحذفوا الألف واللام تخفيفاً، فمن ذلك قولهم: هو حديث عهد بالوجع وأنشد:
لاحق بطن بقراً سمين
الأصل لا حق بطنه. وقال الآخر:
ولا سيئى زي إذا ما تلبسوا ... إلى حاجة يوماً مخيسةً بزلاً
وإنما جاز حذف الألف واللام لعلم السامع أنك لا تعني إلا وجهه، وأن الأول لا يكون به معرفة أبداً.
ومن قال: هو حسن وجها قال: هو الحسن يا فتى، وهما الحسنان الوجوه، فنصب؛ لأنه اضمر الفاعل في الأول، فجعل الثاني بمنزلة المفعول به، فصار كقولك: الضارب الرجل، والقائل الحق. وقال الحرث بن ظالم:
فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعرى رقاباً
ويروى: الشعر الرقابا. فمن قال ذا يشبهه بالضارب الرجل.
ومن قال: الضارب الرجل يقول تشبيهاً بالحسن الوجه، ولا يجوز الضارب زيد؛ كما لا تقول الحسن وجه.
وإنما يجوز إذا كان في الثاني ألف ولام، وذلك لأنك تقول: هذا حسن الوجه، فيكون نكرة. فإذا أردت أن تعرفه أدخلت في الحسن الألف واللام ولم تعاقبا الإضافة؛ إذ كانت الإضافة ها هنا على خلاف المضاف؛ لأن ها هنا نية التنوين، فلذلك لم تعرف الأول وكان كقولك: الحسن وجهه.
فإذا قلت: هو الحسن وجها، والطيب خبرا، والحسان وجوهاً لم يكن إلا النصب؛ لأنك أبهمت الحسن، وأضمرت في الحسن الفاعل، فانتصب ما بعده لأنه تمييز إذا كان نكرة.
ويستقيم أن يكون انتصابه وهو نكرة كانتصابه إذا كانت الألف واللام على التشبيه بالمفعول به، وذلك قولك: هو الحسن الوجه؛ كما تقول: هو الضارب الرجل.
ألا ترى أن الحسن يجري على ما قبله مؤنثاً كان أو مذكراً؛ كما يجري الفاعل. فتقول مررت بامرأة حسنة الوجه، ومررت بأخويك الحسنين الوجوه. فعلى هذا تميز إذا حذفت الألف واللام، فقلت: مررت بأخويك الحسنين وجوها؛ كما قال الله عز وجل: " هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً " .
وقال رؤبة:
الحزن باباً والعقور كلباً
فهذه الأوجه عربية جيدة. وبيت الأعشى ينشد جراً:
الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذاً تزجي خلفها أطفالها
فإن قال قائل: ما بالك جررت عبدها وإنما يضاف في هذا الباب إلى ما فيه الألف واللام تشبيهاً بالحسن الوجه وأنت لا يجوز لك أن تقول: الواهب المائة، والواهب عبدها؟ فإنما جاز هذا في المعطوف على تقدير: واهب عبدها؛ كما جاز: رب رجل وأخيه. وأنت لا تقول: رب أخيه ولكنه على تقدير: وأخ له.
ومثل ذلك كل شاة وسخلتها بدرهم. وأنت لا تقول: كل سخلتها. ولكنه على التقدير الذي خبرتك به، وأخرت الاحتجاج عنه لنذكره في موضعه إن شاء الله.
واعلم أن هذه الصفة لا يجوز أن يتقدمها مفعولها؛ وذلك أنها ليست كالفاعل في الحقيقة.
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد ضارب عمرا، وزيدا ضارب عمرو، وزيدا عمرو ضارب أن الثاني عمل في الأول. وأن ضارباً صار بمنزلة يضرب في المعنى.
ولو قلت: زيد الحسن وجها، أو الحسن الوجه لم يكن الحسن عمل في الوجه شيئاً، وإنما الحسن في المعنى للوجه، فمن ثم لم يجز أن تقول: وجها زيد حسن، ولا زيد وجها حسن.
ولذلك لم يجز لهذه الصفة أن تعمل إلا فيما كان من سببها.
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد حسن وجه، أو حسن الوجه، أو الحسن وجها أنك لا تعني من الوجوه إلا وجهه؛ لأنه في الأصل زيد حسن وجهه، وكذلك كثير المال، وفاره العبد، وجيد الدار يجرين مجرىً واحدا.
لو قلت: عمرا زيد لضارب لم يجز، وليس امتناعه من حيث امتنعت الصفة المشبهة، ولكن معناه: زيد الضارب عمرا، أي: الذي ضرب عمرا. فلما قدمت عمرا على هذه الصفة لم يجز؛ لأنه بعض الاسم إذ كان من صلته. فإنما امتنع من هذا الوجه.
فإن جعلت ضارباً، وقائلا، وما أشبه ذلك بغير ألف ولام جاز التقديم والتأخير، والإظهار والإضمار، وجرى مجرى يضرب لما ذكرت لك من المضارعة.
هذا باب

المفعول
ولكنا عزلناه مما قبله، لأنه مفعول فيه وهو الذي يسميه النحويون الحال اعلم أنك إذا قلت: جاءني عبد الله، وقصد إلي زيد، فحذفت أن يعرف السامع اثنين، أو جماعة اسم كل واحد منهم عبد الله أو زيد قلت: الطويل، أو العاقل، أو الراكب، أو ما أشبه ذلك من الصفات؛ لتفصل بين من تعني، وبين من خفت أن يلتبس به. كأنك قلت: جاءني زيد المعروف بالركوب، أو المعروف بالطول، وكذلك جاءني زيد بن عمرو، وزيد النازل موضع كذا.
فإن لنم ترد هذا، وأردت الإخبار عن الحال التي وقع فيها مجيئه قلت: جاءني زيد راكباً، أو ماشياً، فحذفت بعده بنكرة لا تكون نعتاً له لأنه معرفة. وذلك أنك لم ترد: جاءني زيد المعروف بالركوب، والمشي، فيكون تحلية بما قد عرف وإنما أردت مجيئه وقع في هذه الحال.
وكذلك: رأيت عبد الله جالساً، ومررت بعبد الله ضاحكاً. خبرت أن رؤيتك إياه، ومرورك به وقعا في هذه الحال منه.
وتقول: زيد في الدار قائماً، فتنصب قائماً بمعنى الفعل الذي وقع في الدار؛ لأن المعنى: استقر عبد الله في الدار؛ ولذلك انتصبت الظروف.
ألا ترى أنك تقول: زيد خلفك، وزيد دونك، فتنصب الدون، والخلف بفعل زيد. كأنك تقول: استقر زيد خلفك، وثبت دونك ونفسر هذا في باب الظروف إن شاء الله.
فإن جعلت في الدار للقيام، ولم تجعله لزيد قلت: زيد في الدار قائم؛ لأنك إنما أردت: زيد قائم في الدار، فجعلت قائماً خبرا عن زيد، وجعلت في الدار ظرفاً لقائم.
فمن قال هذا قال: إن زيدا في الدار قائم.
ومن قال الأول قال: إن زيدا في الدار قائماً. فيكون في الدار الخبر، ثم خبر على أية حال وقع استقراره في الدار، فقال قائماً، أي: على هذه الحال ولما قال قائم إنما قال في الدار ليخبر أي موضع وقع قيامه.
فنظير ذلك قوله جل وعلا " إن المتقين في جنات وعيون آخذين " ، وقوله عز وجل: " إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين " .
وذلك أن قوله في جنات خبر إن، فنصب آخذين وفاكهين على الحال.
ولو كان الظرف هو الخبر لرفع الخبر؛ كما قال الله عز وجل " وفي النار هم خالدون " لأن المعنى: وهم خالدون في النار. فإنما في النار ظرف للخلود.
وتقول: هذا زيد راكبا، وذاك عبد الله قائماً.
فإن قال قائل: ما الذي ينصب الحال وأنت لم تذكر فعلا؟ قيل له: هذا إنما هو تنبيه. كأنك قلت: انتبه له راكباً.
وإذا قلت: ذاك عبد الله قائماً. ذاك للإشارة. كأنك قلت: أشير لك إليه راكباً. فلا يجوز أن يعمل في الحال إلا فعل أو شيء في معنى الفعل؛ لأنها مفعول فيها. وفي كتاب الله جل وعلا: " وهذا بعلي شيخاً " .
ولو قلت: زيد أخوك قائماً، وعبد الله أبوك ضاحكاً كان غير جائز؛ وذاك أنه ليس ها هنا فعل، ولا معنى فعل، ولا يستقيم أن يكون أباه في حال، ولا يكون أباه في حال أخرى، ولكنك إن قلت: زيد أخوك قائماً، فأردت أخوة الصداقة جاز؛ لأن فيه معنى فعل. كأنك قلت: زيد يؤاخيك قائماً. فعلى هذا يستقيم ويمتنع.
واعلم أن الحال إذا كان العامل فيها فعلاً صحيحاً جاز فيها كل ما يجوز في المفعول به من التقديم التأخير، إلا أنها لا تكون إلا نكرة.
وإنما جاز ذلك فيها؛ لأنها مفعولة، فكانت كغيرها مما ينتصب بالفعل. تقول: جاء راكباً زيد؛ كما تقول: ضرب زيدا عمرو، وراكباً جاء زيد؛ كما تقول: عمرا ضرب زيد، وقائماً زيدا رأيت؛ كما تقول: الدرهم زيدا أعطيت، وضربت قائماً زيدا.
ومن كلام العرب: رأيت زيدا مصعداً منحدراً، ورأيت زيدا راكباً ماشياً إذا كان أحدكما راكباً والآخر ماشياً، وأحدكما مصعدا والآخر منحدرا.
وقول الله عز وجل عندنا على تقديم الحال والله أعلم وذلك : " خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث " .
وكذلك هذا البيت:
مزبداً يخطر ما لم يرني ... وإذا يخلو له لحمى رتع
ولست تحتاج مع ما عرفتك من حالها، وإجرائها مجرى المفعول، وما لزم من ذلك من الاحتجاج إلى أن نوضح لك بأكثر منه.
وقال الشاعر:
ضاحكاً ما قبلتها حين قالوا ... نقضوا صكها، وردت عليا
وتقول: ضارباً عمرا رأيت زيدا، وأنت تريد رؤية العين، وشاتما أخاه أقبل عبد الله.

فإن كان العامل غير فعل ولكن شيء في معناه ، لم تتقدم الحال على العامل؛ لأن هذا شيء لا يعمل مثله في المفعول. وذلك قوله: زيد في الدار قائماً، ولا تقل: زيد قائماً في الدار. وتقول: هذا قائماً حسن، ولا تقل: قائماً هذا حسن. وتقول: مررت راكبا بزيد إذا كان راكباً لك. فإن أردت أن يكون لزيد لم يجز؛ لأن العامل الباء، فعلى ما ذكرت لك يجري هذا الباب.
فإن قال قائل: فما بالك تقدم الظروف وهي مفعول فيها والعامل معنى الفعل، ولا يجوز أن يعمل فيها التنبيه كما عمل في الحال، وكلاهما مفعول فيه، فمن أين اختلفا؟ قيل له: الفصل بين الحال والظرف أن الحال هي الاسم الأول، فاعلاً كان أو مفعولاً أو غير ذلك من الابتداء وخبره. والظرف متضمن للحال وغيرها. لا يقع شيء إلا في زمان ومكان. فالحال تقع في الظروف، والظروف لا يقال إنها واقعة في الحال.
فإذا قلت: يوم الجمعة زيد في الدار. ف يوم الجمعة غير زيد، وقد عمل فيه استقرار زيد.
وإذا قلت: جاءني زيد راكباً. فالراكب هو زيد، وكذلك ضربت زيداً قائماً، وزيد منطلق راكباً. فالقائم، والراكب، وما أشبه ذلك هو زيد، فلما كان إياه عمل فيه ما يعمل في المفعول به؛ لأه اسم مثله.
ولما كان الظرف متضمناً لهذا وغيره، وكان غيرهما في المعنى إنما هو اسم زمان أو مكان لا يخلو من كون فيها واستقرار كان الناصب لهما المعنى الذي جئ بهما من أجله.
فإن قيل: لم لا تقول: هذا زيد يوم الجمعة، وهذا زيد شهر رمضان فتعمل التنبيه؟ قيل له: إذا كان الظرف من المكان لم يمتنع من شيء من الأسماء؛ لأنها تفيد فيه معنى. وذلك أنك إذا قلت: زيد عندك أو في دارك، أو بالبصرة، فقد أفدت فيه ما قد كان يجوز أن يخلو منه.
وإذا قلت: زيد يوم الجمعة فلا معنى لهذا؛ لأن يوم الجمعة لا يخلو زيد ولا غيره منه، ولا حي ولا ميت، فلما لم تكن فيه فائدة قال النحويون: لا تكون ظروف الزمان المجثث.
وإنما امتنع قولك: هذا زيد يوم الجمعة من الجواز وإن كانت ها للتنبيه، وذا للإشارة ولم يكن مثل قولك: القتال شهر رمضان، ويوم الجمعة؛ لأنك إذا قلت: القتال يوم الجمعة، فقد خبرت بشيء يكون في الجمعة، قد كان يجوز أن يخلو منه.
وأنت إذا قلت: هذا زيد، فقد نبهت، وأعلمت في أي وقت هو؟ فلا معنى لقولك يوم الجمعة، ولا لذكر وقت، لأن السامع في الوقت وأنت سواء.
ألا ترى أنك إذا قلت: أنا آكل يوم الجمعة، وأنت تخبر عن أنك تفعل هذا إذا كان يوم الجمعة كان جيداً.
ولو قلت: أنا آكل يوم الجمعة تخبر عما أنت فيه لم يكن له معنى، فإن أردت أن تفيد السامع أن اليوم يوم الجمعة قلت: أنا آكل، وهذا يوم الجمعة؛ ليصير خبراً بعد خبر. فتفهم هذا فإن معرفة الأصول إحكا الباب، وإذا صحت جرت عليه المسائل على الاستقامة إن شاء الله.
هذا باب

الفعل الذي يتعدى إلى مفعول وفاعله مبهم
ولا يتصرف تصرف غيره من الأفعال ويلزم طريقة واحدة؛ لأن المعنى لزمه على ذلك وهو باب التعجب وذلك قولك: ما أحسن زيداً، وما أكرم عبد الله.
ف ما اسم مرتفع بالابتداء، وأحسن خبره، وهو فعل، وزيداً مفعول به، فتقديره: شيء أحسن زيداً إلا أن معنى التعجب دخله مع ما، ولا يكون ذلك في شيء غير ما.
فإن قال قائل: هل رأيت ما تكون اسماً بغير صلة إلا في الجزاء والاستفهام؟ قيل له: إنما كانت في الجزاء والاستفهام بغير صلة إذا قلت مجازياً: ما تصنع أصنع، أو مستفهماً: ما تصنع يا فتى؟ لأنك إنما تستفهم عما تنكر، ولو كنت تعرف كنت مخبراً لا مستخبراً، والصلة تعرفه.
وكذلك الجزاء إذا قلت: ما تصنع أصنع؛ لأنك أبهمته، ولم تقصد إلى شيء واحد بعينه، فالمعنى من الإبهام الذي يكون في الجزاء والاستفهام كذلك هو التعجب، لأنك إذا قلت: ما أحسن زيداً، فقد أبهمت ذاك فيه، ولم تخصص.
ومما جاء من ما بغير صلة في غير الجزاء والاستفهام، لمشاركتها إياهما في الإبهام: إني مما أن أفعل. فالمعنى: إني من الأمر أن أفعل.
وتقول: إني مما أفعل على معنى: ربما أفعل. كما قال:
وإنا لمما نضرب الكبش ضربةً ... على رأسه تلقى اللسان من الفم
وقال الآخر:
ألا غنياً بالزاهرية إنني ... على النأي مما أن ألم بها ذكر
ومن ذلك قولهم: دققته دقاً نعما، أي نعم الدق.

فإن قال قائل: فإذا قلت: ما أحسن زيدا فكان بمنزلة: شيء حسن زيدا، فكيف دخله معنى التعجب، وليس ذلك في قولك: شيء أحسن زيدا؟ قيل له: قد يدخل المعنى في اللفظ، ولا يدخل في نظيره. فمن ذلك قولهم: علم الله لأفعلن. لفظه لفظ: رزق الله، ومعناه القسم.
ومن ذلك قولهم: غفر الله لزيد، لفظه لفظ الخبر، ومعناه الدعاء.
ومن ذلك أنك تقول: تالله لأفعلن. فتقسم على معنى التعجب، ولا تدخل التاء على شيء من أسماء الله غير هذا الاسم؛ لأن المعنى الذي يوجب التعجب إنما وقع ها هنا.
وكل ما لزمه شيء على معنى لم يتصرف؛ لأنه إن تصرف بطل ذلك المعنى، وصار بمنزلة الأفعال التي تجري على أصولها، ولم يدخلها من المعنى أكثر من ذلك.
فإن قال قائل: أرأيت قولك: ما أحسن زيدا، أليس في التقدير والإعمال لا في التعجب بمنزلة قولك: شيء حسن زيدا، فكيف تقول في هذا في قولك: ما أعظم الله يا فتى، وما أكبر الله؟ قيل له: التقدير على ما وصفت لك. والمعنى: شيء عظم الله يا فتى، وذلك الشيء الناس الذين يصفونه بالعظمة، كقولك: كبرت كبيراً، وعظمت عظيماً. فإن قال قائل: فينتصب هذا من حيث انتصب زيد. قيل له: لا شيء من الأفعال ينتصب على معنى الآخر بأكثر من الفاعل والمفعول به.
ألا ترى أنك تقول: شتمت زيداً، وأكرمت عمراً فالفعل الناسب جنس واحد، والمعنى مختلف، وليس شيء يخبر به عن الله عز وجل إلا على خلاف ما تخبر به عن غيره في المعنى، وجنس الفعل واحد في الإعمال. فمن ذلك ما أذكره لك ليدل على سائره إن شاء الله.
وهو نحو قولك: رحم الله الناس، ورحم زيد عمرا، فالرحمة من زيد رقة وتحنن، والله عز وجل يجل عنها.
وكذلك علم الله، وهو العالم بنفسه. وتقول: علم زيد علماً، وإنما ذلك علم جعل فيه، وأدب اكتسبه. وكذلك جميع ما تخبر به.
وإذا كان زيد مفعولا قلت: لقيت زيداً، ورأيت عمرا، وتقول: ذكرت الله. فإنما تعني أن ذكرك كان لهذا الاسم، وكذلك دعوت الله. فمخارج الأفعال واحدة في الإعمال، والمعاني تختلف. فعلى هذا يجري التقدير فيما ذكرت لك.
وقد قال قوم: إن أحسن صلة ل ما، والخبر محذوف. وليس كما قالوا؛ وذلك أن الأخبار إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها.
وإنما هربوا من أن تكون ما وحدها اسماً، فتقديرهم: الذي حسن زيداً شيء، والقول فيها ما بدأنا به من أنها تجري بغير صلة، لمضارعتها الاستفهام والجزاء في الإبهام.
فإذا قلت: ما أحسن زيداً لم يجز أن تضع الفعل المضارع ها هنا فتقول: ما يحسن زيداً، وما محسن زيدا؛ لأن معنى التعجب إنما دخله على هيئة إن زال لفظها زال المعنى.
ألا ترى أنك تقول: العمر، والعمر، ولا يقع في القسم إلا مفتوحاً؛ لدخول المعنى على هذه الهيئة. ولو قلت: ما أحسن عندك زيدا، وما أجمل اليوم عبد الله، لم يجز، وكذلك لو قلت: ما أحسن اليوم وجه زيد، وما أحسن أمس ثوب زيد؛ لأن هذا الفعل لما لم يتصرف لزم طريقة واحدة، وصار حكمه كحكم الأسماء.
والدليل على ذلك أنك تقوم: أقام عبد الله زيدا، فتنقلب الواو ألفاً، لأنه فعل، وتقول في الاسم: هذا أقوم من ذا. فلا يعل. وتقول في التعجب: ما أقوم زيداً، وما أبيعه. فيكون هذا الفعل لاحقاً بالأسماء لما أخبرتك به من قلة تصرفه.
واعلم أن بناء فعل التعجب إنما يكون من بنات الثلاثة، نحو: ضرب، وعلم، ومكث، وذلك أنك تقول: دخل زيد، وأدخلته، وخرج، وأخرجته، فتلحقه الهمزة، إذا جعلته محمولاً على فعل.
وكذلك تقول: حسن زيد، ثم تقول: ما أحسنه: لأنك تريد: شيء أحسنه.
فإن قيل: فقد قلت : ما أعطاه للدراهم، وأولاه بالمعروف، وإنما هو من أعطى، وأولى. فهذا وإن كان قد خرج إلى الأربعة فإنما أصله الثلاثة والهمزة في أوله زائدة.
وعلى هذا جاء: " وأرسلنا الرياح لواقح " ولو كان على لفظه لكان ملاقح، لأنه يقال: ألفح فهي ملفحة، ولكنه على حذف الزوائد. ومن ذلك قوله:
يخرجن من أجواز ليل غاضي
وإنما هو مغض، واستعمل بحذف زيادته، ومثل ذلك:
تكشف عن جماته دلو الدال
يريد: المدلي.
ومن ذلك حذفك جميع الزوائد إذا احتجت إلى حذفها في تصغير، أو جمع، أو اضطر إليه شاعر؛ كما قال العجاج:
ومهمه هالك من تعرجا
إنما هو مهلك في بعض الأقاويل.

واعلم أن ما جاوز الثلاثة بغير زيادة لم يجز أن يقال فيه: ما أفعله. وذلك لأنك إن بنيته هذا البناء حذفت من الأصل حرفاً. وهذا مما لا يجوز؛ لأن معناه إنما كمل بحروفه؛ إذ كن كلهن أصولا، وإنما يستعمل فيما كان من هذا القبيل ما يدل عليه من فعل غيره وذلك انك إذا قلت: دحرج، واحرنجم، وما أشبه ذلك من الأفعال من غير هذا الجنس قلت: ما أشد دحرجته، وما أشد احرنجامه. لأنك لو أدخلت على هذا الهمزة لخرج من بناء الأفعال، ولا يجوز الحذف لما وصفت لك.
وكذلك ما كان من الألوان والعيوب، نحو: الأعور والأحمر، لا يقال: ما أحمره، ولا ما أعوره. وإنما امتنع هذا لشيئين: أحدهما: أن أصل فعله أن يكون أفعل، وافعال. نحو: احمر واحمار. ودخول الهمزة على هذا محال.
والقول الآخر قول الخليل: وهو أن هذا شيء قد ثبت واستقر، فليس يجوز فيه الزيادة والنقصان. فهو وإن كان مشتقاً من الفعل بمنزلة اليد، والرجل لا تقوله؛ كما لا تقول: ما أيداه، ولا ما أرجله. وإنما أقول: ما أشد يده. فعلى هذا: ما أشد حمرته، وما أشد عوره، وكذلك جميع بابها.
ومثل هذا قوله: هذا أحسن من هذا، وهذا أضرب من ذا، وهذا أشد عوراً من ذا، وأشد حولاً من ذا؛ لأن هذا والتعجب من باب واحد.
فإن قال قائل: فقد جاء في القرآن: " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً " .
قيل له: في هذا جوابان، كلاهما مقنع: أحدهما: أن يكون من عمى القلب، وإليه ينسب أكثر الضلال؛ لأنه حقيقته كما قال: " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " . فعلى هذا تقول: ما أعماه؛ كما تقول: ما أحمقه.
والوجه الآخر: أن يكون من عمى العين، فيكون " فهو في الآخرة أعمى " لا تريد به أعمى من كذا، ولكنه في الآخرة أعمى، كما كان في الدنيا، وهو في الآخرة أضل سبيلا.
وتقول: يا هند أحسن بزيد، ويا رجلان أحسن بزيد؛ لأنك لست تأمرهم أن يصنعوا شيئاً، وإنما المعنى: ما أحسنه فإذا كان من الألوان، والعيوب قلت يا هند، أشدد بحمرة زيد، ويا رجال، أشدد بحمرة زيد. ومن هذا الباب قول الله عز وجل " أسمع بهم وأبصر " .
ولا يقال لله عز وجل تعجب. ولكنه خرج على كلام العباد. أي هؤلاء ممن يجب أن يقال لهم: ما أسمعهم، وأبصرهم في ذلك الوقت.
ومثل هذا قوله: " فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى " ولعل إنما هي للترجي. ولا يقال ذلك لله ولكن المعنى والله أعلم ، إذهبا أنتما على رجائكما، وقولا القول الذي ترجوان به. ويرجو به المخلوقون تذكر من طالبوه.
وأما قوله: " فما أصبرهم على النار " فليس من هذا. ولكنه والله أعلم التقرير والتوبيخ. وتقديره: أي شيء أصبرهم على النار؟ . أي دعاهم إليها، واضطرهم إليها؛ كما تقول: صبرت زيداً على القتل. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر الروح. ومثل ذلك قوله:
قلت له: أصبرها دائناً ... أمثال بسطام بن قيس قليل
فهذا مجازه، ولا يقال لله عز وجل؛ لأنه إنما يعجب من يرد عليه ما لا يعلمه، ولا يقدره، فيتعجب كيف وقع مثله؟ وعلام الغيوب يجل عن هذا.
نقول في شيء من مسائل هذا البابما أحسن، وأجمل زيداً. إذا نصبت بأجمل. فإن نصبته بأحسن قلت: ما أحسن، وأجمله زيداً؛ لأنك تريد: ما أحسن زيداً، وأجمله.
وتقول: ما أحسن ما كان زيد. فترفع زيد بكان، وتجعل ما مع الفعل في معنى المصدر، وتوقع التعجب على ما، وما بعدها صلة لها. فالتقدير: ما أحسن كون زيد.
وقد يجوز وهو بعيد ما أحسن ما كان زيداً. تجعل ما بمنزلة الذي، فيصير ما أحسن الذي كان زيداً. كأنه كان اسمه زيداً، ثم انتقل عنه. وإنما قبح هذا لجعلهم ما للآدميين. وإنما هذا من مواضع من، لأن ما إنما هي لذات غير الآدميين، وصفات الآدميين.
ألا ترى أنك تقول: ما عندك.؟ فتقول: فرس، أو حمار، ولو قلت: من عندك لقال: زيد، أو عمرو. والصفات للآدميين التي تقع عليها ما فهي نحو قولك: عندي زيد، فأقول: وما زيد؟ فيكون جوابه: طويل، أو قصير، أو شريف، أو وضيع.
وإنما أجزناه على بعد؛ لأن الصفة قد تحل محل الموصوف، تقول: مررت بالعاقل، وجاءني الظريف.
وقال بعض المفسرين في قوله عز وجل: " والسماء وما بناها " قال: ومن بناها.
وكان أبو زيد يروي عن العرب أنها تقول: سبحان ما سبح الرعد بحمده. فعلى هذا أجزناه.

وتقول: ما أحسن ما كان زيد وأجمله، وما أحسن ما كانت هند وأجمله؛ لأنك ترد إلى ما. ولو قلت: وأجملها جاز على أن تجعل ذلك لها.
وإذا قلت: ما أحسن زيداً. فرددت ذلك إلى نفسك قلت: ما أحسنني؛ لأن أحسن فعل فظهر المفعول بعده، كما يظهر بعد ضرب، ولو كان اسماً لظهرت بعده ياء واحدة إذا أراد المتكلم نفسه نحو قولك: هذا غلامي.
وتقول في الاستفهام: ما أحسن زيد؟ إذا أردت: أي أحسن من زيد؟.
فإذا جعلت المسألة منك قلت: ما أحسني؛ كما تقول: من غلامي؟ فإنما يجري المضمر مجرى الظاهر.
ألا ترى أن إذا قلت: ما أحسن زيد، فرددت ذلك إلى نفسك قلت: ما أحسنت.
وتقول: ما أحسن زيداً، ولولا قولك معه لم يكن للكلام معنى. وذلك أنك إذا قلت: ما أحسن رجلاً. فليس هذا مما يفيد به السامع شيئاً؛ لأنه لا يستنكر أن يكون في الناس من هو كذا كثير.
ولو قلت: ما أحسن رجلاً من بني فلان. أو رجلاً رأيته عندك حتى تقويه بشيء يوجد فيه. معنى يخرج من باب الإشاعة لصلح.
وهذا بمنزلة قولك: كان رجل عاقلاً، وإن رجلاً عاقل يجوز فيه ما جاز فيهما، ويمتنع فيه ما امتنع فيهما.
وتقول: ما أحسن إنساناً قام إليه زيد، وما أقبح بالرجل أن يفعل كذا فالرجل الآن شائع، وليس التعجب منه، وإنما التعجب من قولك: أن يفعل كذا، كنحو: ما أقبح بالرجل أن يشتم الناس، تقديره: ما أقبح شتم الناس بمن فعله من الرجال.
ولو قلت: ما أحسن رجلاً إذا طلب ما عنده أعطاه كان هذا الكلام جائزاً، ولم يكن أحسن وإن نصب رجلاً واقعاً عليه إنما هو واقع على فعله. وإنما جاز أن يوقع التعجب عليه وهو يريد فعله؛ لأن فعله به كان وهو المحمود عليه في الحقيقة والمذموم، كقولك: رأيت زيداً يضرب عمراً؛ ثم تقول: رأيت ضرب زيد عمراً. فالضرب لا يرى، وإنما رأيت الفاعل والمفعول به، ورأيت الفاعل يتحرك وذلك المتحرك يدل على نوع الحركة، فأما الحركة نفسها فلا ترى، لأن المرئي لا يكون إلا حسبما ملونا.
ولو قلت: ما أكثر هبتك الدنانير، وإطعامك المساكين كنت قد أوقعت التعجب بالفعل، واتصل به التعجب من كثرة المفعول، وهو الطعام والدنانير التي يهبها. فكأنك قلت: ما أكثر الدنانير التي تهبها، والطعام الذي تطعمه. إن أردت هذا التقدير.
وإن أردت أن هبته أو طعامه يفعلها كثيراً، إلا أن ذلك يكون نزراً في كل مرة جاز، وكان وجه الكلام ألا يقع التعجب على هذا؛ لأن هذا شبيه بالإلغاز؛ لأن قصد التعجب الكثرة فإذا تؤول على القلة فقد زال معنى التعجب. ولكن بعض الأشياء يدل على بعض.
ألا ترى أنك تقول: ما جاءني غير زيد، وتريد: ما جاءني إلا زيد.
وقد يجوز ألا يكون زيد جاءك، ويكون الكلام مستوياً. ولك أنك إذا قلت: ما جاءني غير زيد فإنما زعمت أن غيره لم يأتك، فجائز أن يكون أيضاً ما جاءك إلا أنك أمسكت عن الخبر فيه. ولهذا مسائل غامضة تأتي في موضعها إن شاء الله.
هذا باب

ما جرى في بعض اللغات مجرى الفعل
لوقوعه في معناه وهو حرف جاء لمعنى، ويجري في غير تلك اللغة مجرى الحروف غير العوامل وذلك الحرف ما النافية.
تقول: ما زيد قائماً، وما هذا أخاك. كذلك يفعل أهل الحجاز. وذلك أنهم رأوها في معنى ليس، تقع مبتدأة، وتنفي ما يكون في الحال، وما لم يقع. فلما خلصت في معنى ليس ودلت على ما تدل عليه، ولم يكن بين نفييهما فصل البتة حتى صارت كل واحدة تغني عن الأخرى أجروها مجراها.
فمن ذلك قول الله عز وجل: " ما هذا بشراً " و " ما هن أمهاتهم " .
وأما بنو تميم فيقولون: ما زيد منطلق، يدعونها حرفاً على حالها بمنزلة إنما إذا قلت: إنما زيد منطلق.
وأهل الحجاز إذا أدخلوا عليها ما يوجبها، أو قدموا خبرها على اسمها ردوها إلى أصلها فقالوا: ما زيد إلا منطلق، وما منطلق زيد؛ لأنها حرف لا يتصرف تصرف الأفعال، فلم يقو على نقض النفي، كما لم يقو على تقديم الخبر، وذلك لما خبرتك به في الأفعال والحروف، وأن الشيء إنما يتصرف عمله كما يتصرف هو في نفسه. فإذا لزم طريقة واحدة لزم ما يعمل فيه طريقة واحدة.
وتقول في قول أهل الحجاز: ما زيد منطلقاً أبوه، ولا خارجاً أبوه، وما زيد قائماً إليه عبد الله؛ لأنك تجري عليه ما كان لشيء من سببه؛ كما يجري عليه ما كان له خاصةً.
ألا ترى أنك تقول: مررت برجل قائم أبوه؛ كما تقول: مررت برجل قائم.

وتقول إن شئت ما زيد قائماً، ولا خارج أبوه. جعلت أباه بمنزلة الأجنبي، فصار خارج خبراً مقدماً. كأنك قلت: ما زيد منطلقاً، ولا أبوه خارج.
وتقول: ما زيد خارجاً غلامه، ولا منطلقه جاريته. يكون في العطف على حاله.
فأما قول بني تميم فعلى أنهم أدخلوا ما على المبتدأ، وقد عمل في خبره؛ كما يعمل الفعل في فاعله، فكأن قولهم: ما زيد عاقل، بمنزلة: ما قام زيد؛ لأنهم أدخلوها على كلام قد عمل بعضه في بعض، فلم يغير؛ لأنه لا يدخل عامل على عامل.
وأما أهل الحجاز فإنهم لما رأوها في معنى ليس في جميع مواقعها: تغني كل واحدة منهما عن صاحبتها أجروها مجراها في العمل ما دام الكلام على وجهه فقالوا: ما زيد منطلقاً؛ كما يقولون: ليس زيد منطلقاً. فإن أدخلوا عليها ما يوجبها أو قدموا خبرها رجعت إلى أنها حرف، فقالوا: ما منطلق زيد؛ لأنها ترجع إلى أن الكلام ابتداء وخبر، فصار بمنزلة قولك: قائم زيد، وأنت تريد: زيد قائم. لا يكون التقديم إلا على ذلك؛ لأن ليس فعل، وهذه ليست بفعل. تقول: لست، ولسنا، وليسوا، ولسن، ولا يكون شيء من هذه الإضمار في ما، ولكن لما أشبهت الفعل جرت مجراه ما كان على مجراه وفي موضعه، فلما فارقت ذلك لم يجز النقض فيها والتصرف؛ لأنها في نفسها غير متصرفة، ولا محتملة ضميراً.
ألا ترى أنك تقول: إن زيداً منطلق، ولو قدمت الخبر لم تقل: إن منطلق زيداً، لأنك لا تجعل الحروف غير المتصرفة كالأفعال المتصرفة، ولو فعلت ذلك للزمك أن تصرفها في أنفسها، وهذا محال.
فأما تقديم الخبر فقولك: ما منطلق زيد، وما مسئ من أعتب.
فإنما قدمت على حد قولك: ما زيد منطلق، ولو أردت التقديم على قولك: ما زيد منطلقاً لم يجز؛ كما لا يجوز: إن منطلق زيداً.
وهذا قول مغن في جميع العربية: كل ما كان متصرفاً عمل في المقدم والمؤخر، وإن لم يكن متصرفاً لم يفارق موضعه، لأنه مدخل على غيره.
وأما نقض الخبر فقولك: ما زيد إلا منطلق؛ لأنك نفيت عنه كل شيء إلا الانطلاق. فلم تصلح ما أن تكون عاملة في نقض النفي؛ كما لم تعمل في تقديم الخبر.
قال الله عز وجل: " وما أمرنا إلا واحدة كلمح " و " ما هذا إلا بشر مثلكم " وقال حيث كانت في موضعها " ما هذا بشراً " و " ما هن أمهاتهم " .
فهذا أصلها الذي شرحنا، وسنفرد باباً للمسائل؛ إذ كانت لا تصح إلا بعد الفراغ من الأصول.
فأما قول الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
فالرفع الوجه، وقد نصبه بعض النحويين، وذهب إلى أنه خبر مقدم، وهذا خطأ فاحش. وغلط بين. ولكن نصبه يجوز على أن تجعله نعتاً مقدماً، وتضمر الخبر. فتنصبه على الحال. مثل قولك: فيها قائماًً رجل، وذلك أن النعت لا يكون قبل المنعوت، والحال مفعول فيها، والمفعول يكون مقدماً ومؤخراً، وقد فسرنا الحال بالعامل إذا كان فعلاً، وإذا كان على معنى الفعل بما يستغنى عن إعادة القول فيه.
هذا باب

من مسائل ما
تقول: ما زيد منطلقاً، ولا قائم عمرو. رفعت قائماً لأنه خبر مقدم، فكأنك قلت: وما قائم عمرو.
وتقول: ما زيد منطلقاً، ولا قائماً أبوه، وإن شئت قلت: ولا قائم أبوه.
أما النصب فلأنك أجريت على زيد الخبر، لأنه لما هو من سببه فهو بمنزلة ما كان له.
ألا ترى أنك تقول: ما زيد قائماً أبوه، كما تقول: ما زيد قائماً، ولو قلت: ما زيد قائماً عمرو كان محالاً.
وأما الرفع فعلى أنك جعلته خبراً للأب، ثم قدمته على ذلك. فكأنك قلت: ما زيد أبوه قائم، فكان بمنزلة الأجنبي في الانقطاع من الأول، ومبايناً للأجنبي في وقوعه خبر الأول، رفعت أو نصبت.
أما قولنا: بمنزلة الأجنبي، فإنك إذا قلت: ما زيد منطلقاً، ولا قائم أبوه فهو كقولك: ولا قائم عمرو؛ لأنك عطفت جملة على جملة، فاستوى ما له سبب وما لا سبب له.
وأما قولنا: إذا كان حبراً بان من الأجنبي، رفعت أو نصبت فذلك قولك: ما زيد منطلقاً أبوه، وما زيد أبوه منطلق، لا يجوز أن يكون الأجنبي في هذا الموضع لو. قلت: ما زيد منطلقاً عمرو، أو ما زيد عمرو منطلق كان خطأ ولم يكن للكلام معنى؛ لأنك ذكرت زيداً ولم تصل له خبراً.
فإن قلت: ما زيد منطلقاً عمرو إليه، أو ما زيد منطلقاً رجل يحبه، أو نحو ذلك من الرواجع إليه صح الكلام، وصح معناه، وهذا بين جداً.

وتقول: ما أبو هند قائماً، ولا منطلقةً أمه، على ما وصفت لك. ولو قلت: ما أبو هند قائماً، ولا منطلقة أمها كان خطأ؛ لأنك لم ترد إلى الأب شيئاً، وهو الذي عنه تخبر وإنما جئت بالهاء لغيره.
ألا ترى أنك لا تقول: ما أبو هند منطلقة أمها.
فأما قول الشاعر:
فليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحاً ولا مستنكر أن تعقرا
فإن هذا البيت إنما جاء في ليس، وليس تقديم الخبر وتأخيره فيها سواء. ولكنا نشرحه على ما يصلح مثله في ما وما يمتنع: إنما كان في ذكر الخيل فقال: فليس بمعروف لنا أن نردها، أي فليس بمعروف لنا ردها. ف ردها اسم ليس، وبمعروف لنا الخبر. ثم قال: ولا مستنكر أن تعقرا، وتأويله: ولا مستنكر عقرها. فهذا لا يكون إلا منقطعاً عن الأول؛ لأن العقر مضاف إلى ضمير الخيل، وليس يرجع إلى الرد، والرد غير الخيل. فهذا بمنزلة قولك: ما أبو زينب قائماً، ولا ذاهبة أمها؛ لأن الأم ترجع إلى زينب لا إلى من خبر عنه وهو الأب.
ولو قلت في ليس خاصة: ولا مستنكراً أن تعقرا، على الموضع كان حشناً؛ لأن ليس يقدم فيها الخبر، فكأنك قلت: ليس بمنطلق عمرو، ولا قائماً بكر، على قولك وليس قائماً بكر.
وأما الخفض فيمتنع؛ لأنك تعطف بحرف واحد على عاملين، وهما الباء وليس. فكأنك قلت: زيد في الدار، والحجرة عمرو. فتعطف على في والمبتدأ.
وكان أبو الحسن الأخفش يجيزه. وقد قرأ بعض القراء: " واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون " فعطف على إن وعلى في. وهذا عندنا غير جائز.
ومثل البيت المتقدم قوله:
هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
لأن المأمور راجع إلى الأمور. ومنهيها بعضها.
فالرفع على مثل قولك: ليس زيد قامتاً، ولا عمرو منطلق، قطعته من الأول، وعطفت جملة على جملة. والنصب قد فسرناه على الموضع.
وكان سيبويه يجيز الجر في هذا وفي الذي قبله، فيقول: ولا قاصر، ولا مستنكر ويذهب إلى أن الرد متصل بالخيل، وأن المنهي متصل بالأمور، فإذا رد إلى المنهي، فكأنه قد رد إلى الأمور، ويحتج بهذه الأبيات التي أذكرها، وهي قول الشاعر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
فأنث؛ لأن الصدر من القناة. وكذلك قوله:
لما أتى خير الزيبر تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع
ومثله:
مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم
ومثله:
إذا مر السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبى اليتيم
وفي كتاب الله عز وجل: " فظلت أعناقهم لها خاضعين " ومثل هذا كثير جداً.
وليس القول عندي كما ذهب إليه، وسنفصل بين هذا وبين ما ذكر إن شاء الله.
أما قوله: " فظلت أعناقهم لها خاضعين " ففيه قولان: أحدهما: أنه أراد بأعناقهم جماعاتهم. من قولك: أتاني عنق من الناس، أي جماعة وإلى هذا كان يذهب بعض المفسرين، وهو رأي أبي زيد الأنصاري.
وأما ما عليه جماعة أهل النحو، وأكثر أهل التفسير فيما أعلم فإنه أضاف الأعناق إليهم، يريد الرقاب، ثم جعل الخبر عنهم؛ لأن خضوعهم بخضوع الأعناق. ومن ذلك قول الناس: ذلت عنقي لفلان، وذلت رقبتي لك. قال عمارة:
فإني امرؤ من عصبة خندقية ... أبت للأعادي أن تذيخ رقابها
جعل للأعادي تبييناً، ولم يدخله في صلة أن.
وأما قوله: كما شرقت صدر القناة من الدم: فإن صدر القناة قناة، وكذلك سور المدينة؛ لأنها إنما مدنت بسورها.
وأما قوله:
طول الليالي أسرعت في نقضي
فإن الطول غير منفكة الليالي منه. فتقديره: الليالي أسرعت في نقضي.
وقريب منه قوله:
رأت مر السنين أخذن مني
لأن السنين إنما تعقل. بمرورها وتصرفها.
والذي قال خارج من هذا؛ لأنه إنما يجوز أن تخبر عن المضاف إذا ذكرت المضاف إليه إذا كان الأول بعضه، أو كان المعنى مشتملاً عليه. فأما قوله:
فليس بمعروف لنا أن نردها
فإن الرد غير الخيل، والعقر راجع إلى الخيل في قوله:
ولا مستنكر أن تعقرا
فليس بمتصل بشيء من الرد، ولا داخل في المعنى. فأما قوله:
فليس بآتيك منهيها

فهو أقرب قليلاً، وليس منه؛ لأن المأمور بعضها، والمنهي بعضها، وقربه أنهما قد أحاطا بالأمور. وليس يجوز الخفض عندنا إلا على عاملين فيمن أجازه، وقد ذكرنا ذلك.
وتقول: ما زيد قائماً إلا أبوه، أردت: ما زيد قائماً أحد إلا أبوه، فجاز ذلك؛ لأن أحداً منفي عنه القيام، وكذلك: ما زيد آكلاً إلا الخبز، أردت: ما زيد آكلاً شيئاً إلا الخبز، وما زيد إلا طعامك آكل. رفعت آكلاً؛ لأنه وقع موجباً. فعلى هذا يجري أصول هذا الباب ومسائله.
هذا باب

النداء
اعلم أنك إذا دعوت مضافاً نصبته، وانتصابه على الفعل المتروك إظهاره. وذلك قولك: يا عبد الله؛ لأن يا بدل من قولك: أدعو عبد الله، وأريد، لا أنك تخبر أنك تفعل، ولكن بها وقع أنك قد أوقعت فعلاً. فإذا قلت: يا عبد الله، فقد وقع دعاؤك بعبد الله، فانتصب على أنه مفعول تعدى إليه فعلك.
وكذلك كل ما كان نكرة؛ نحو: يا رجلاً صالحاً، ويا قوماً منطلقين، والمعنى واحد. وعلى هذا يا حسرةً على العباد.
وقال الشاعر:
أداراً بحزوى هجت للعين عبرةً ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقال الشاعر:
لعلك يا تيسا نزا في مريرة ... تعذب ليلى أن تراني أزورها
وقال الآخر:
فيا راكباً إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا
وأما المضاف فكقوله: " يا قومنا أجيبوا داعي الله " ، وما أشبهه.
فإن كان المنادى واحداً مفرداً معرفة بني على الضم، ولم يلحقه تنوين؛ وإنما فعل ذلك به؛ لخروجه عن الباب، ومضارعته ما لا يكون معرباً. وذلك أنك إذا قلت: يا زيد، ويا عمرو، فقد أخرجته من بابه؛ لأن حد الأسماء الظاهرة أن تخبر بها واحد عن واحد غائب، والمخبر عنه غيرها فتقول: قال زيد، فزيد غيرك وغير المخاطب، ولا تقول: قال زيد وأنت تعنيه، أعني المخاطب. فلما قلت: يا زيد خاطبته بهذا الاسم، فأدخلته في باب ما لا يكون إلا مبنياً نحو: أنت، وإياك، والتاء في قمت، والكاف في ضربتك، ومررت بك. فلما أخرج من باب المعرفة، وأدخل في باب المبنية لزمه مثل حكمها، وبنيته على الضم؛ لتخالف به جهة ما كان عليه معرباً؛ لأنه دخل في باب الغايات.
ألا ترى أنك تقول: جئت قبلك، ومن قبلك. فلما صار غاية لما أذكره في موضعه قلت: جئت قبل يا فتى، وجئت من قبل قال الله عز وجل: " لله الأمر من قبل ومن بعد " .
وكذلك تقول: جئت في أول الناس. وتقول: ابدأ بهذا أول يا فتى. لما خرج من باب الإعراب، فصار غايةً خولف به عن جهته، ولهذا موضع يذكر فيه مستقصى بحججه إن شاء الله.
فن قال قائل: فالمضاف والنكرة مخاطبان، كما كان في المفرد المعرفة، وقد كان حقهما أن يخبر عنهما، ولا يخاطبا.
قيل له: قد علمنا أن المضاف معرفة بالمضاف إليه، كما كان قبل النداء والنكرة في حال النداء؛ كما كان قبل ذلك.
وزيد وما أشبهه في حال النداء معرفة بالإشارة منتقل عنه ما كان قبل ذلك فيه من التعريف.
ألا ترى أنك تقول إذا أردت المعرفة : يا رجل أقبل. فإنما تقديره: يا أيها الرجل أقبل، وليس على معنى معهود، ولكن حدثت فيه إشارة النداء، فلذلك لم تدخل فيه الألف واللام، وصار معرفة بما صارت به المبهمة معارف.
والمبهمة مثل: هذا، وذاك، وهذه، وتلك، وأولئك وذاك، وذاكن، وذلكن. إلا أنك إذا ناديته فهو معرفة بالإشارة؛ كما كانت هذه الأسماء، غير أنه مخاطب، وهي مخبر عنها. فهذا يوضح لك أمر الواحد المفرد.
ومع ذلك أن المضاف تمنعه الإضافة من البناء: كما كان ذلك في قبل، وبعد، وأمس، وما أشبههن.
تقول: ذهب أمس بما فيه، وقد ذهب أمسنا، وكذلك تقول: جئت من قبل، ومن بعد يا فتى. كما قال الله عز وجل: " ومن قبل ما فرطتم في يوسف " فلما أضاف قال: " من بعد أن أظفركم عليهم " و " من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي " .
والفصل بين قولك: يا رجل أقبل إن أردت به المعرفة، وبين قولك: يا رجلاً أقبل إذا أردت النكرة أنك إذا ضممت فإنما تريد رجلاً بعينه تشير إليه دون سائر أمته.
وإذا نصبت ونونت فإنما تقديره يا واحداً ممن له هذا الاسم، فكل من أجابك من الرجال فهو الذي عنيت، كقولك: لأضربن رجلاً. فمن كان له هذا الاسم بر به قسمك.

ولو قلت: لأضربن الرجل لم يكن إلا واحداً معلوماً بعينه، إلا أن هذا لا يكون إلا على معهود. فأعربت النكرة؛ لأنها في بابها لم تخرجها منه. ومع هذا أن التنوين الذي فيه مانع من البناء، كما كان ذلك في المضاف.
ومن جعل قبل وبعد نكرتين نون، وأجراهما على وجوه الإعراب. وقد قرأ بعض القراء " لله الأمر من قبل ومن بعد " .
فمن جعلهما نكرتين فتقديره والله أعلم لله الأمر أولاً وآخراً.
ومن جعلهما معرفتين فتقدير ذلك: قبل ما نعلم وبعجه، وقبل كل شيء وبعده. تقول: يا زيد وعمرو أقبلا، ويا هند وزيد أقبلا. تجري كل مفرد معرفة وإن اختلفت أجناسه مجرى واحداً؛ لأن النداء يخرجه إلى طريقة واحدة.
فإن نعت مفرداً بمفرد فأنت في النعت بالخيار: إن شئت رفعته، وإن شئت نصبته.
تقول: يا زيد العاقل أقبل، ويا عمرو الظريف هلم. وإن شئت قلت: العاقل، والظريف. أما الرفع فلأنك أتبعته مرفوعاً.
فإن قال: فهذا المرفوع في موضع منصوب فلم لا يكون بمنزلة قولك: مررت بعثمان الظريف؟ لم تتبعه الاسم لأن الاسم في موضع مخفوض وأنه منعه أنه لا ينصرف، فجرت صفته على ما كان ينبغي أن يكون عليه؟ فالفصل بينهما اطراد البناء في كل منادى مفرد حتى يصير البناء علة لرفعه. وإن كان ذلك الرفع غير إعراب، وليس كل اسم ممنوعاً من الصرف.
فمن ذلك قوله:
يا حكم الوارث عن عبد الملك
فهو الأكثر في الكلام. وأما النصب فعلى الموضع؛ لأن موضع زيد منصوب.
فتقدير هذا إذا رفعت تقدير قولك: ليس زيد بقائم، ولا قاعد على اللفظ وإن كانت الباء زائدة. وتقدير المنصوب تقدير قولك: ليس زيد بقائم، ولا قاعداً حملت قاعداً على الموضع إلا أن هذا معرب في موضعه وزيد مبني في النداء، ولكني مثلت لك بما اختلف وجهاه كاختلاف نعت زيد المفرد ومما جاء من نعت المنادى المفرد منصوباً قول جرير:
فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
وإذا نعت مفرداً بمضاف لم يكن المضاف إلا منصوباً تقول: يا زيد ذا الجمة، ويا زيد غلام عمرو.
والفصل بين هذا وبين المفرد أنك إذا نعت شيئاً بشيء فهو بمنزلته لو كان في موضعه. فقولك: مررن بزيد الظريف كقولك: مررت بالظريف، وكذلك مررت بعمرو العاقل.
فأنت إذا قلت: يا زيد الظريف فتقديره: يا ظريف على ما حددت لك.
وقولك: يا زيد ذا الجمة، بمنزلة: يا ذا الجمة. فلذلك لم يكن المضاف إذا كان نعتاً إلا نصباً.
أما المضاف المنادى فنعته لا يكون إلا نصباً، مفرداً كان أو مضافاً، وذلك قولك: يا عبد الله العاقل؛ لأنك إن حملته على اللفظ. فهو منصوب، والموضع موضع نصب. فأما قوله:
إني وأسطار سطرن سطرا ... لقائل: يا نصر نصر نصرا
فإن هذا البيت ينشد على ضروب: فمن قال: يا نصر نصراً نصراً فإنه جعل المنصوبين تبييناً لمضموم، وهو الذي يسميه النحويون عطف البيان، ومجراه مجرى الصفة، فأجراه على قولك: يا زيد الظريف وتقديره تقدير قولك: يا رجل زيداً أقبل. جعلت زيداً بياناً للرجل على قول من نصب الصفة.
وينشد: يا نصر نصر نصراً. جعلهما تبييناً، فأجرى أحدهما على اللفظ، والآخر على الموضع؛ كما تقول: يا زيد الظريف العاقل، ولو حمل العاقل على أعني كان جيداً.
ومنهم من ينشد: يا نصر نصر نصراً. يجعل الثاني بدلاً من الأول، وينصب الثاني على التبيين. فكأنه قال: يا نصر نصراً.
وأما الأصمعي فزعم أن هذا الشعر: " يا نصر نصراً نصراً " وأنه إنما يريد: المصدر؛ أي: انصرني نصراً.
وقال أبو عبيدة: هذا تصحيف إنما قاله لنصرين سيار: يا نصر نصراً نصراً إغراء، أي: عليك نصرا، يغريه به.
اعلم أن البدل في جميع العربية يحل محل المبدل منه، وذلك قولك: مررت برجل زيد، وبأخيك أبي عبد الله. فكأنك قلت: مررت بزيد، ومررت بأبي عبد الله. فعلى هذا تقول: يا زيد أبا عبد الله، فتنصب أبا عبد الله نعتاً كان أو بدلاً؛ لأنك إذا أبدلته منه فكأنك قلت: يا أبا عبد الله. وتقول: يا أخانا زيداً أقبل؛ لأن البيان يجري مجرى النعت. فكأنك قلت: يا أخانا الظريف أقبل. لا يكون في الظريف إلا النصب، ولا في زيد إذا كان تبييناً.
واعلم أن المعطوف على الشيء يحل محله؛ لأنه شريكه في العامل. نحو: مررت بزيد وعمرو، وجاءني زيد وعمرو.

فعلى هذا تقول: يا زيد وعمرو أقبلا، ويا زيد وعبد الله أقبلا؛ لأن عبد الله إذا حل محل زيد في النداء لم يكن إلا نصباً. تقول: مررت بعمرو ومحمد يا فتى؛ لأن محمداً إذا حل هذا المحل لم يكن إلا مخفوضاً منوناً.
وتقول: يا عبد الله وزيد أقبلا، لا يكون إلا ذلك لما ذكرت لك. فإن عطفت اسماً فيه ألف ولام على مضاف أو منفرد فإن فيه اختلافاً: أما الخليل، وسيبويه، والمازني فيختارون الرفع، فيقولون: يا زيد، والحارث أقبلا. وقرأ الأعرج: " يا جبال أوبي معه والطير " .
وأما أبو عمرو، وعيسى بن عمر، ويونس، وأبو عمر الجرمي فيختارون النصب، وهي قراءة العامة. وحجة من اختار الرفع أن يقول إذا قلت: يا زيد والحارث: فإنما أريد: يا زيد، ويا حارث.
فيقال لهم: فقولوا: يا الحارث. فيقولون: هذا لا يلزمنا؛ لأن الألف واللام لا تقع إلى جانب حرف النداء. وأنتم إذا نصبتموه لم توقعوه أيضاً ذلك الموقع. فكلانا في هذا سواء.
وإنما جوزت لمفارقتها حرف الإشارة؛ كما تقول: كل شاة وسخلتها بدرهم، ورب رجل وأخيه، ولا تقول: كل سخلتها، ولا رب أخيه حتى تقدم النكرة.
وحجة الذين نصبوا أنهم قالوا: نرد الاسم بالألف واللام إلى الأصل؛ كما نرده بالإضافة والتنوين إلى الأصل. فيحتج عليهم بالنعت الذي فيه الألف واللام. وكلا القولين حسن. والنصب عندي حسن على قراءة الناس.
مثل ذلك اختلافهم في الاسم المنادى إذا لحقه التنوين اضطراراً في الشعر. فإن الأولين يرون رفعه، ويقولون: هو بمنزلة مرفوع لا ينصرف، فلحقه التنوين على لفظه.
وأبو عمرو بن العلاء وأصحابه يلزمونه النصب، وحجتهم في ذلك ما ذكرت لك، ويقولون: هو بمنزلة قولك: مررت بعثمان يا فتى، فمتى لحقه التنوين رجع إلى الخفض.
فمما جاء على ذلك قول مهلهل:
رفعت رأسها إلي وقالت ... يا عدياً لقد وقتك الأواقي
والأحسن عندي النصب، وأن يرده التنوين إلى أصله؛ كما كان ذلك في النكرة والمضاف. وكذلك بيت الأحوص:
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
وقال الآخر:
يا عدياً لقلبك المهتاج
وأما قول الصلتان:
أيا شاعراً لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب تواضع
فكان الخليل يزعم أن هذا ليس نداء من أجل المعنى. وذلك أنه لو ناداه كان قد نادى منكوراً، وكان كل من أجابه ممن له هذا الاسم فهو الذي نادى، كقولك: إذا جاء رجل فأعلمني. فإنما أخبرته بأن يعلمك إذا جاء واحد ممن له هذه البنية. قال: فكيف يكون نكرة وهو يقصد إلى واحد بعينه، فيفضله. ولكن مجازاه أنه قال: يا، فنبه، ثم قال: عليكم شاعراً لا شاعر اليوم مثله وفيه معنى التعجب. كأنه قال: حسبك به شاعراً؛ لما فيه من المعنى، واللفظ على ما شرحت لك.
وإذا كانت الصفة لازمة تحل محل الصلة في أنه لا يستغنى عنها لإبهام الموصوف لم يكن إلا رفعاً، لأنها وما قبلها بمنزلة الشيء الواحد؛ لأنك إنما ذكرت ما قبلها لتصل به إلى ندائها. فهي المدعو في المعنى. وذلك قولك: يا أيها الرجل أقبل: أي مدعو، والرجل نعت لها، وها للتنبيه؛ لأن الأسماء التي فيها الألف واللام صفات للمبهمة، مبينة عنها، ونفسر ذلك مستقصىً، ثم نعود إلى موضعه من النداء إن شاء الله.
تقول: جاءني هذا الرجل. فالرجل في غير هذا الموضع لا يذكر إلا على معهود. نحو قولك: جاءني الرجل. فمعناه الذي عرفته، والذي كان بيني وبينك فيه ذكر.
فإذا قلت: جاءني هذا الرجل لم يكن على معهود، ولكن معناه الذي ترى. فإنما هذا اسم مبهم بقع على كل ما أومأت إليه بقربك، وإنما توضحه بما تنعته به، ونعته الأسماء التي فيها الألف واللام، ويجوز أن تنعته بالصفات التي فيها الألف، واللام إذا أقمت الصفة مقام الموصوف، فتقول: مررت بهذا الطويل إذا أشرت إليه، فعلم ما تعني بالطويل.
وأصل النعت بهذه الأسماء كما وصفت لك.
فإذا قلت: يا أيها الرجل لم يصلح في الرجل إلا الرفع؛ لأنه المنادى في الحقيقة، وأي مبهم متوصل به إليه.
وكذلك: يا هذا الرجل. إذا جعلت هذا سبباً إلى نداء الرجل، فإذا أردت أن تقف على هذا؛ كما تقف على زيد، فتنادى تقول: يا هذا، ثم تنعته كنت في النعت مخيراً؛ كما كنت في نعت زيد.

والفصل بين أي، وبين هذا أن هذا اسم للإشارة فهو يكتفي بما فيه من الإيماء.
وأي مجازها مجاز ما ومن، تكون اسماً في الخبر بصلة، وتكون استفهاماً ومجازاة، فتقول: أيهم في الدار؟ كما تقول: من في الدار؟ وما عندك؟. إلا أن أياً يسأل بها عن شيء من شيء تقول: أي القوم زيد؟ فزيد واحد منهم. وأي بنيك أحب إليك.
ومن لا تكون إلا لما يعقل. تقول: من في الدار؟ فالجواب: زيد، أو عمرو، وما أشبه ذلك، وليس جوابه أن تقول: فرس أو حمار، أو طعام، أو شراب.
ولو قلت: أي الآلة عندك؟ أو أي الظهر عندك؟ أجبت عن هذا على مقدار المسألة.
وما تقع على كل شيء، وحقيقتها أن يسأل بها عن ذوات غير الآدميين، وعن صفات الآدميين. تقول: ما عندك؟ فتجيب عن كل شيء ما خلا من يعقل.
فأما وقوعها على صفات الآدميين فأن تقول: ما زيد؟ فيقول لك: طويل، أو شريف، أو نحو ذلك. فإذا أقمت الصفة مقام الموصوف أوقعتها على من يعقل، وإقامة الصفة مقام الموصوف كقولك: مررت بظريف، ومررت بعاقل، فإنما حد هذا أن يكون تابعاً للاسم، وأقمته مقامه.
فمما وقعت ما فيه على الآدميين قول الله: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين " .
وقال قوم: ما وصلتها مصدر، فمعناه: أو ملك أيمانهم، وهذا أقيس في العربية. وقال الله عز وجل: " والسماء وما بناها " ، فقال قوم: إنما هو: والسماء وبنائها، وقال قوم: معناه: ومن بناها على ما قيل فيما قبله.
فأما وقوع هذه الأسماء في الجزاء، وفي معنى الذي فبين واضح، نحو: من يأتني آته وما " يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " و " أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " فلذلك أخرنا شرحه حتى نذكره في موضعه إن شاء الله.
فأما قوله:
يا أيها الجاهل ذو التنزي
ويا أيها الرجل ذو المال فإن الذي يختار الرفع. وذلك لأن الرجل مرفوع غير مبني، و ذو التنزي نعت له فهو بمنزلة قولك: جاءني الرجل ذو المال.
والنصب يجوز على أن تجعله بدلاً من أي. فكأنك قلت: يا أيها الرجل يا ذا التنزي.
وتقول: يا زيد العاقل ذو المال، إن جعلت ذا المال من نعت العاقل.
فإن جعلته من نعت زيد، أو بدلاً من زيد فالنصب.
وتقديره إذا كان نعتاً : يا زيد ذا المال، وإذا كان بدلاً فتقديره، يا ذا المال. وأما قوله: يا أيها الرجل ذو الجمة، فلا يجوز أن يكون ذو الجمة من نعت أي لا تقول: يا أيها ذا الجمة، وذلك لأن المبهمة معارف بأنفسها، فلا تكون نعوتها معارف بغيرها، لأن النعت هو المنعوت في الحقيقة. لا تقول: مررت بهذا ذي المال على النعت؛ كما تقول: بهذا الرجل، ورأيت غلام هذا الرجل.
ونظير ما ذكرت لك قوله:
ألا أيهذا المنزل الدارس الذي ... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد
تجعل هذا نعتاً لأي لأنه مبهم مثله. فهذا ما ذكرت لك من أن نعت الشيء على منهاجه. وتقول: يا هذا الطويل أقبل، في قول من قال: يا زيد الطويل.
ومن قال: يا زيد الطويل قال: يا هذا الطويل وليس بنعت لهذا ولكنه عطف عليه، وهو الذي يسمى عطف البيان.
ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني زيد، فخفت أن يلتبس الزيدان على السامع، أو الزيود قلت: الطويل، وما أشبهه؛ لتفصل بينه وبين غيره، ولا تذكر إلا ما يخصه ممن له مثل اسمه.
وإذا قلت: جاءني هذا فقد أومأت له إلى واحد بحضرتك، وبحضرتك أشياء كثيرة فإنما ينبغي أن تبين له عن الجنس الذي أومأت إليه؛ ليفصل ذلك من جميع ما بحضرتك مما يراه. فأنت هناك إنما تخص له شيئاً من شيء مما يعرفه بقلبه، وأنت هاهنا إنما تبين له واحداً من جماعة تلحقها عينه.
فأما الطويل وما أشبهه، فإنما حده أن يكون تابعاً لما يلحق المبهمة من الجواهر. تقول: جاءني هذا الرجل الطويل، واشتريت هذا الحمار الفاره يا هذا.
واعلم أن كل موضع يقع فيه المضاف منصوباً في النداء فهو الموضع الذي يقع فيه المفرد مضموماً غير منون.
وكل موضع يرتفع فيه المضاف فهو الموضع الذي يقع فيه المفرد منوناً. تقول: يا أيها الرجل زيد على قولك: يا أيها الرجل ذو المال، لأن زيداً تبيين للرجل؛ كما كان ذو المال نعتاً للرجل.
وإنما منعنا أن نقول: زيد نعت، لأن النعت تحلية، وليست الأسماء الأعلام مما يحلى بها ولكنه تبيين لأي وشرح.

وتقول: يا أيها الرجل زيد أقبل على البدل من أي؛ كما تقول: يا أيها الرجل ذا الجمة. فالبدل من الشيء يحل محله. فكأنك قلت: يا زيد، ويا ذا الجمة.
وتقول: يا أيها الرجل الضارب زيداً؛ كما تقول: يا أيها الرجل الظريف، وكذلك يا أيها الرجل الحسن الوجه، ويا زيد الحسن الوجه. ترفع لأنه مفرد، وإن كنت قد خفضت الوجه لأن تقديره: يا زيد الحسن وجهه، ويا زيد الحسن. لأنك نعته بالحسن، ثم بلغت به موضعاً منه أو بسببه فهو يجري في كل ذلك مجرى الظريف.
فإن قال قائل: فنحن نجده في اللفظ مضافاً. تقول: هذا الحسن الوجه، كما تقول: هذا صاحب الدار يا فتى.
قيل له: الفصل بين هذا وذاك أنك تقول: هذا حسن وجهه، فترفع الوجه بأن الفعل له. فإذا أدخلت الألف واللام قلت: هذا الحسن وجهه، فتقديره: هذا الذي حسن وجهه؛ كما تقول: هذا القائم أبوه. فلا معنى للإضافة ها هنا.
فإذا قلت: هذا الحسن الوجه فإنما هو منقول من هذا؛ كما ينقل النصب من قولك: الحسن وجهاً، فليس بخارج من معنى الذي.
وعلى هذا ينشد هذا البيت:
يا صاح يا ذا الضامر العنس ... والرحل والأقتاب والحلس
يريد الذي ضمرت عنسه. وسنذكر حال هذه الأسماء إذا كانت مناداة، وما يصلح أن يعرف منها وينكر إن شاء الله.
هذا باب

الأسماء التي يلحقها ما يلحق الأسماء المضافة
من النصب لما يضم إليه
تقول: يا خيراً من زيد أقبل، ويا حسناً وجهه، ويا عشرين رجلاً، ويا ضارباً زيداً، ويا قائماً في الدار، ويا ضارباً رجلاً.
أما كون هذه الأسماء نكرات فقد قلنا في النكرات، وكيف يجب فيها النصب. وإنما نذكر هذه الأسماء إذا كانت معارف، وإنما تكون معارف على ضربين: إما سميت به رجلاً، وإما دعوتها في مواضعها على حد قولك: يا رجل أقبل. تريد: يا أيها الوجل أقبل. وأي ذلك كان فلفظها واحد منصوب.
أما قولك: يا ضارباً زيداً فإنما أردت: يا أيها الضارب. فلما حذفت الألف واللام لحق التنوين للمعاقبة، فرده إلى الأصل، لأنك لم تنون مضطراً كما قال:
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
فيكون دخول التنوين ها هنا كدخوله على اسم مرفوع لا ينصرف، ولكنه دخل لأن ما بعده من تمام الاسم الذي قبله، فصار التنوين كحرف في وسط الاسم. فلم يكن إلا النصب بما دخل الاسم من التنوين والتمام.
وكذلك إن سميت رجلاً ثلاثةً وثلاثين لقت: يا ثلاثةً وثلاثين أقبل وليس بمنزلة قولك للجماعة: يا ثلاثة وثلاثون أقبلوا؛ لأنك أردت: يا أيها الثلاثة، ويا أيها الثلاثون.
ولو قلت: يا ثلاثة والثلاثين لجاز الرفع والنصب، مثل: يا زيد والحارث، والحارث ولكنك أردت: يا من يقال له ثلاثة وثلاثون. فكل ما لحق هذه الأسماء من تنوين، أو اسم يضم إليها فهو بمنزلة الإضافة.
وكذلك لو سميت رجلاً بقولك: زيد وعمرو لقلت: يا زيداً، وعمراً، أقبل. ولو سميته طلحة وزيداً قلت: يا طلحة وزيداً، أقبل. فإن أردت بطلحة الواحدة من الطلح قلت: يا طلحة وزيداً، أقبل؛ لأنك سميته بهما منكورة، ولم تكن جميع الاسم، فيصير معرفة. إنما هي من حشو الاسم؛ كما كانت فيما نقلتها عنه.
فأما قولك: يا زيد منطلق إذا سميته بقولك: زيد منطلق فلا يجوز غيره؛ لأن زيداً مبتدأ، ومنطلق خبره. فقد عمل زيد في منطلق عمل الفعل، ولا يجوز أن يدخل عامل على عامل، ولكنك تحكيه، كما أنك لو سميت رجلاً قام زيد لقلت: يا قام زيد، وجاءني قام زيد كما قال:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... بنى شاب قرناها تصر وتحلب
والفصل بين هذا وبين ما قبله أن قولك: زيد منطلق كلام تام، وقولك: طلحة وزيد، وضارب رجلاً، وخير منك بمنزلة قولك زيد يحتاج إلى خبر أو فعل حتى يتم.
وقولك: يا خيراً من زيد إذا أردت المعرفة على معنى: يا رجل يكون على ضربين: إن شئت قلت: يا خيراً من زيد فنونت وأنت تريد الألف واللام، كما كان ذلك فيما قبله. وإن شئت قلت: يا خير أقبل، وذلك لأن قولك: زيد أفضل من عمرو، من وما بعدها تعاقبان الألف واللام؛ كما تفعل الإضافة. فمن لم يقل: هذا خير من زيد قال: هذا الأخير قد جاء، وهذا الأفضل، وما أشبهه. ومن لم يقل: يا أفضل من زيد قال: يا أفضل أقبل على معنى: يا أيها الأفضل. فعلى هذا يجري أفعل الذي معه من كذا.

وقولك: يا حسن الوجه إذا لم ترد النكرة إنما معناه: يا أيها الحسن. فهو وإن كان مضافاً في تقدير: يا حسناً وجهه إذا أردت: يا أيها الحسن وجهه كما وصفت لك في بابه في أول الكتاب.
هذا باب

الاسمين اللذين لفظهما واحد والآخر منهما مضاف
وذلك قولك: يا زيد زيد عمرو، ويا تيم تيم عدي.
فالأجود في هذا أن نقول: يا تيم تيم عدي، ويا زيد زيد عمرو.
وذلك لأنك أردت بالأول: يا زيد عمرو فإما أقحمت الثاني تأكيداً للأول، وإما حذفت من الأول المضاف استغناءً بإضافة الثاني. فكأنه في التقدير: يا تيم عدي يا تيم عدي؛ كما قال:
إلا علالة أو بدا هة قارح نهد الجزارة
أراد: إلا علالة قارح، أو بداهة قارح فحذف الأول لبيان ذلك في الثاني، فيكون الكلام على هذا: مررت بخير وأفضل من ثم. وقال الفرزدق:
يا من رأى عارضاً أكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد
أراد: بين ذراعي الأسد، وجبهة الأسد. وينشدون هذا البيت لجرير على الوجهين، وهو قوله:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوأة عمر
والأجود: يا تيم تيم عدي، لأنه لا ضرورة فيه، ولا حذف. ولا إزالة شيء عن موضعه.
وكذلك:
يا زيد زيد اليعملات الذبل ... تطاول الليل عليك فانزل
هذا باب
الاسمين اللذين يجعلان بمنزلة اسم واحد
وإنما الثاني في الحقيقة نعت للأول، ولكنهما جعلا بمنزلة الأسماء التي يتبع آخر حرف منها ما قبله.
وتلك الأسماء نحو قولك: أخوك، فتضم الخاء من أجل الواو في الرفع، وتفتح في النصب، وتكسر في الخفض إتباعاً لما بعدها، وكذلك ذو مال.
وامرؤ يا فتى. تقول: هذا امرؤ، ومررت بامرئ، ورأيت امرأ فتكون الراء تابعة للهمزة. وذلك قولك: يا زيد بن عمرو، فجعلت زيداً وابناً بمنزلة اسم واحد، وأضفته إلى ما بعده.
والأجود أن تقول: يا زيد بن عمرو على النعت، والبدل.
وإنما يجوز أن تقول: يا زيد بن عمرو إذا ذكرت اسمه الغالب، وأضفته إلى اسم أبيه، أو كنيته؛ لأنه لا ينفك من ذلك، فهو بمنزلة اسمه الذي هو له.
فإن قلت: ابن أخينا، ويا زيد ابن ذي المال لم يكن إلا كقولك: يا زيد ذا الجمة، وكذلك يا رجل ابن عبد الله. كأنك قلت: يا رجل يا ابن عبد الله. وعلى هذا ينشد هذا البيت:
يا حكم بن المنذر بن الجارود
ولو أنشد: يا حكم بن المنذر كان أجود على ما وصفنا في صدر الباب.
هذا باب
الحروف التي تنبه بها المدعو
وهي: يا، وأيا، وهيا، وأي، وألف الاستفهام.
فهذه الحروف سوى الألف تكون لمد الصوت.
وتقع وا في الندبة، وفيما مددت به صوتك؛ كما تمده بالندبة وإنما أصلها للندبة. وقد تبتدئ الاسم منادى بغير حرف من هذه الحروف. وذلك قوله:
حار بن عمرو ألا أحلام تزجركم ... عنا وأنتم من الجوف الجماخير
وقال الله عز وجل: " رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض " . فأما الألف فكقوله:
أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر
وكقول الآخر:
أحار أرى برقاً أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
وهذه الحروف فاشية في النداء. فإذا كان صاحبها قريباً منك، أو بعيداً ناديته ب يا. تقول: يا زيد، ويا أبا فلان.
وأما أيا، وهيا فلا يكونان إلا للنائم، والمستثقل، والمتراخي عنك؛ لأنهما لمد الصوت.
واعلم أن للنداء أسماءً يخص بها، فمنها قولهم: يا هناه أقبل، ولا يكون ذلك في غير النداء؛ لأنه كناية للنداء. وكذلك يا نومان، ويا فسق، ويا لكاع. وهذه كلها معارف.
وزعم سيبويه أنه لا يجيز نعت شيء منها لا تقول: يا لكاع الخبيثة أقبلي؛ لأنها علامات بمنزلة الأصوات.
ومنها قولهم: يا فل أقبل، وليس بترخيم فلان، ولو كان كذلك لقلت: يا فلا أقبل.
ومما يزيده إيضاحاً أنك تقول: يا فلة أقبلي.
وقد يضطر الشاعر، فيستعمل هذا في غير النداء؛ لأنها في النداء معارف، فينقلها على ذلك. وذلك قوله:
في لجة أمسك فلاناً عن فل
وقال الآخر:
أجول ما أجول ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع
وزعم أن مثله اللهم إنما الميم المشددة في آخره عوض عن يا التي للتنبيه، والهاء مضمومة لأنه نداء.

ولا يجوز عنده وصفه. ولا أراه كما قال؛ لأنها إذا كانت بدلاً من يا فكأنك قلت: يا الله، ثم تصفه؛ كما تصفه في هذا الموضع.
فمن ذلك قوله: " قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة " .
وكان سيبويه يزعم أنه نداء آخر كأنه قال: يا فاطر السموات والأرض.
واعلم أن الاسم لا ينادى وفيه الألف واللام، لأنك إذا ناديته فقد صار معرفة بالإشارة بمنزلة هذا، وذاك، ولا يدخل تعريف على تعريف؛ فمن ثم لا تقول: يا الرجل، تعال.
وأما قولهم يا ألله اغفر فإنما دعى وفيه الألف واللام؛ لأنهما كأحد حروفه. ألا ترى أنهما غير بائنتين منه. وليستا فيه بمنزلتهما في الرجل؛ لأنك في الرجل تثبتهما وتحذفهما، وهما في اسم الله ثابتتان. وهو اسم علم.
وزعم سيبويه أن أصل هذا: إلاه. وأن الألف واللام بدل من همزة إله، فقد صارا بمنزلة ما هو من نفس الحرف إذ كانا بدلاً منه وإنما إثباتهم الألف في قولهم: يا ألله فكما ثبت من ألف الاستفهام في قولك: آلرجل قال ذاك؟. وهذا يبين في موضع ألفات القطع والوصل إن شاء الله.
وليس هذا الاسم بمنزلة الذي والتي، لأنهما نعت بائن من الاسم.
وقد اضطر الشاعر فنادى بالتي؛ إذ كانت الألف واللام لا تنفصلان منها، وشبه ذلك بقولك: يا ألله اغفر لي فقال:
من اجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالود عني
كما اضطر فأدخل يا في اللهم لما كان العوض في آخر الاسم فقال:
إني إذا ما حدث ألما ... دعوت يا اللهم يا اللهما
وأما هذا البيت الذي ينشده بعض النحويين:
فيا الغلامان اللذان فرا ... إياكما أن تكسبانا شرا
فإن إنشاده على هذا غير جائز، وإنما صوابه: فيا غلامان اللذان فرا؛ كما تقول: يا رجل العاقل، أقبل.
وأما قولهم: يا صاح أقبل، فإنما رخموه لكثرته في الكلام؛ كما رخموا ما فيه هاء التأنيث إذ قالوا: يا نخل ما أحسنك، يريد: يا نخلة، فرخم قال الشاعر:
صاح هل أبصرت بالخيتين من أسماء نارا
يريد: صاحب، فأسقط النداء، ورخم النكرة.
هذا باب

المضاف إلى المضمر في النداء
اعلم أن إضافة المنادى إلى الكاف التي تقع على المخاطب محال. وذلك لأنك إذا قلت: يا غلامك أقبل، فقد نقضت مخاطبة المنادى بمخاطبتك الكاف.
فإن أضفت إلى الهاء صلح على معهود؛ كقول القائل إذ ذكر زيداً: يا أخاه أقبل، ويا أباه، ونحو ذلك، وكذلك: يا أخانا، ويا أبانا.
فأما في الندبة فيجوز يا غلامك، ويا أخاك؛ لأن المندوب غير مخاطب، وإنما هو متفجع عليه، وهذا يحكم في باب الندبة إن شاء الله.
فإن أضفت المنادى إلى نفسك ففي ذلك أقاويل: أجودها حذف الياء، وذلك كقولك: يا غلام أقبل، ويا قوم لا تفعلوا، ويا جاريت أقبلي. قال الله عز وجل: " يا قوم لا أسألكم عليه أجراً " ، وقال: " يا عباد فاتقون " .
وكذلك كل ما كان في القرآن من ذا. كقوله: " رب لا تذر على الأرض " و " رب إني أسكنت من ذريتي " . وإنما كان حذفها الوجه؛ لأنها زيادة في الاسم غير منفصلة منه معاقبة للتنوين حالة في محله، فكان حذفها ها هنا كحذف التنوين من قولك: يا زيد، ويا عمرو، وكانت أحرى بذلك؛ إذ كانت تذهب في الموضع الذي يثبت فيه التنوين. وذلك إذا التقى ساكنان وهي أحدهما. تقول جاءني غلامي العاقل، وجاءني زيد العاقل، فتحرك التنوين لالتقاء الساكنين، وتحذف الياء لالتقاء الساكنين، ومع ذا فإن الياء والكسرة تستثقلان، والكسرة تدل على الياء، فإذا حذفتها دلت عليها كسرتها، وأوضحت لك المعنى. فهذا القول المختار.
والقول الثاني أن تثبتها فتقول: يا غلامي أقبل، ويا صاحبي هلم، وقد قرئ: " يا عبادي فاتقون " .
وحجة من أثبتها أنها اسم بمنزلة زيد. فقولك: يا غلامي بمنزلة: يا غلام زيد، فلما كانت اسماً، والمنادى غيرها ثبتت. ومع هذا أنه من قال: يا غلام في الوصل فإنما يقف على الميم ساكنة، فيلتبس المفرد بالمضاف، وإن رام الحركة فإن ذلك دليل غير بين؛ لأنه عمل كالإيماء. فمن ذلك قوله:
فكنت إذ كنت إلهي وحدكا ... لم يك شيء يا إلهي قبلكا
والوجه الثالث أن تثبت الياء متحركة. تقول: يا غلامي أقبل، ويا صاحبي هلم، فتثبت الياء على أصلها، وأصلها الحركة.

والدليل على ذلك أنها اسم على حرف، ولا يكون اسم على حرف إلا وذلك الحرف متحرك لئلا يسكن وهو على أقل ما يكون عليه الكلم فيختل. ألا ترى أن الكاف متحركة من ضربتك، ومررت بك، وقمت، وقمت يا فتى، وقمت يا امرأة، التاء متحركة لأنها اسم.
فأما الألف في ضربا، ويضربان، والواو في ضربوا، ويضربون، والياء في تضربين فتلك في درج الكلام، وليست في موضع هذه التي تقع موقع الظاهرة؛ لأنها جعلت بحذاء الحركات التي يعرب بها كالضمة والفتحة والكسرة.
ألا ترى أن قولك: قمت التاء في موضع زيد إذا قلت: قام زيد، وكذلك ضربتك الكاف في موضع زيداً إذا قلت: ضربت زيداً، وكذلك هذه الياء.
وإنما كانت حركتها الفتحة؛ لأن هذه الياء تكسر ما قبلها. تقول: هذا غلامي، ورأيت غلامي، فتكسر المرفوع والمنصوب. والياء المكسور ما قبلها لا يدخلها خفض ولا رفع لثقل ذلك، نحو ياء القاضي، ويدخلها الفتح في قولك: رأيت القاضي؛ فلذلك بنيت هذه الياء على الفتح.
وإنما جاز إسكانها في قولك: هذا غلامي، وزيد ضربني؛ لأن ما قبلها معها بمنزلة شيء واحد، فكان عوضاً مما يحذف منها، والحركات مستثقلة في حروف المد واللين؛ فلذلك أسكنت استخفافاً.
فمما حركت فيه على الأصل قول الله عز وجل: " يا ليتني لم أوت كتابه، ولم أدر ما حسابيه " حركت الياء على الأصل، وألحقت الهاء لبيان الحركة في الوقف.
فإن وصلت حذفتها؛ لأن حركة الياء تظهر في ماليه وسلطانيه، وما كان مثل هذا إنما هو بمنزلة قولك " فبهداهم اقتده " فإن وصلت حذفت. وكذلك يقرأ: " لكم دينكم ولي دين " على الإسكان والحركة.
فإن كان ما قبل هذه الياء ساكناً فالحركة فيها لا غير لئلا يلتقي ساكنان، وذلك قولك: هذه عشري يا فتى، وهذه رحاي فاعلم. و " يا بني لا تدخلوا من باب واحد " حذفت النون للإضافة، وأدغمت الياء التي كانت في ياء الإضافة. فحركت ياء الإضافة لئلا يلتقي ساكنان على أصلها، وكذلك قولك: " هي عصاي أتوكأ عليها " لا يكون إلا ذلك لما ذكرت لك من سكون ما قبلها.
وأما قوله: " يا بني إنها إن تك " فإنما أضاف قوله بني فاعلم، الياء ثقيلة فتصرف في الكلام؛ لأن الواو والياء إذا سكن ما قبل كل واحد منهما جريا مجرى غير المعتل. نحو: دلو، وظبي، ومغزو، ومرمي. لا يكون ذلك إلا معرباً.
هذا باب

ما لا يجوز فيه إلا إثبات الياء
وذلك إذا أضفت اسماً إلى اسم مضاف إليك. نحو قولك: يا غلام غلامي، ويا صاحب صاحبي، ويا ضارب أخي، وإنما كان ذلك كذلك؛ لأنك إنما حذفت الأول كحذفك التنوين من زيد، فكان يا غلام بمنزلة يا زيد. فإذا قلت: يا غلام زيد لم يكن في زيد إلا إثبات النون؛ لأنه ليس بمنادى، فكذلك يا غلام غلامي.
قال الشاعر:
يا ابن أمي، ويا شقيق نفسي ... أنت خليتني لدهر شديد
وقال آخر:
يا ابن أمي ولو شهدتك إذ تد عو تميماً وأنت غير مجاب
فهذا حكم جميع هذا الباب، ومجراه أن تثبت الياء في كل موضع يثبت فيه التنوين في زيد، ونحوه.
وأما قولهم: يا ابن أم، ويا ابن عم فإنهم جعلوهما اسماً واحداً بمنزلة خمسة عشر، وإنما فعلوا ذلك لكثرة الاستعمال.
ألا ترى أن الرجل منهم يقول لمن لا يعرف، ولمن لا رحم بينه وبينه: يا ابن عم، ويا ابن أم حتى صار كلاماً شائعاً مخرجاً عمن هو له فلما كان كذلك خفف، فجعل اسماً واحداً. قال الله عز وجل: " يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي " ولم يكن ذلك في غير هذا؛ إذ لم يكن فيه من الاستعمال ما في هذا.
وقد قالوا: يا ابن أم لا تفعل. وذلك أنه لما جعلهما اسماً واحداً صارت بمنزلة زيد، ثم أضافه كما تضيف زيداً فتقول: يا زيد لا تفعل.
ومن أثبت الياء في زيد أثبتها ها هنا، إلا أن الأجود إذا أثبتت الياء أن يكون إثباتها كإثبات الياء في قولك: يا غلام غلامي، فتجعل ابناً مضافاً إلى مضاف إلى الياء.
والوجه الآخر جائز على ما وصفت لك. وأما قول رؤبة:
إما تريني اليوم أم حمز ... قاربت بعد عنقي وجمزى
فليس من هذا، ولكنه قدر حمزة أولاً مرخماً على قولك: يا جار، فجعله اسماً على حياله، فأضاف إليه؛ كما تضيف إلى زيد. وجملة هذا الباب على ما صدرنا به.

وهذان الاسمان أعني يا ابن أم، ويا ابن عم دخلتهما العلة التي دخلت في قولك: هو جاري بيت بيت، ولقيته كفة كفة. وهذا يشرح في باب ما يجري وما لا يجري. وإجراؤهما على أصل الباب في الجودة على ما ذكرت لك، قال الشاعر:
يا ابنة عمي لا تلومي واهجعي
وبعضهم ينشد: يا ابنة عما. فيبدل من الكسرة فتح، ومن الياء ألفاً؛ لأن الياء والكسرة مستثقلتان، وليس هذا موضع لبس.
وكل مضاف إلى يائك في النداء يجوز فيه قلب الياء ألفاً؛ لأنه لا لبس فيه وهو أخف، وباب النداء باب تغيير.
ألا ترى أنهم يحذفون فيه تنوين زيد، ويدخل فيه مثل يا تيم تيم عدي، ومثل يا بؤس للحرب، ويصلح فيه الترخيم.
ونظير قلبهم هذه الياء ألفاً ما قالوا في مدارى وعذارى وبابه، إذا لم يخافوا التباساً، ولم يقولوا مثل ذلك في قاض، لأن الكلام مثل فاعل، فكرهوا الالتباس.
هذا باب

لام المدعو المستغاث به ولام المدعو إليه
فإذا دعوت شيئاً على جهة الاستغاثة فاللام معه مفتوحة. تقول: يا للناس، ويا لله، وفي الحديث: لما طعن العلج، أو العبد عمر رحمه الله صاح: يا لله للمسلمين.
فإن دعوت إلى شيء فاللام معه مكسورة، تقول: يا للعجب. ومعناه: يا قوم تعالوا إلى العجب. فالتقدير: يا قوم للعجب أدعو، ونحن مفسرو هاتين لم اختلفتا؟ أما قولهم: يا للعجب، ويا للماء. فإنما كسروا اللام، كما كسروا مع كل ظاهر نحو قولك: للماء أدعو، ولزيد الدار، ولعبد الله الثوب.
وأما المفتوحة التي للمستغاث فإنما فتحت على الأصل ليفرق بينها وبين هذه التي وصفنا، وكان التغيير لها ألزم؛ لأن هذه الأخرى في موضعها الذي تلحق هذه اللام له. وتلك إنما هي بدل من قولك: يا زيداه إذا مددت الصوت تستغيث به، فيا لزيد بمنزلة يا زيداه إذا كان غير مندوب.
فأما قولنا: فتحت على الأصل فلأن أصل هذه اللام الفتح، تقول: هذا له، وهذا لك. وإنما كسرت مع الظاهر فراراً من اللبس؛ لأنك لو قلت: إنك لهذا وأنت تريد: لهذا لم يدر السامع أتريد لام الملك أم اللام التي للتوكيد؟ وكذلك يلزمك في الوقف في جميع الأسماء إذا قلت في موضع إن هذا لزيد: إن هذا لزيد. لم يدر السامع أتريد: أن هذا زيد أم هذا له؟ فلذلك كسرت اللام.
فأما في المكنى فهي على أصلها. تقول: إن هذا لك. فإن أردت لام التوكيد قلت: إن هذا لأنت: لأن الاسم الذي وضع للرفع ليس في لفظ الاسم الذي وضع للخفض.
وتقول: يا للرجال وللنساء. تكسر اللام في النساء. لأنك إنما فتحتها في الأول فراراً من اللبس، فلما عطفت عليه الثاني علم أنه يراد به ما أريد بما قبله، فأجريتها مجراها في الظاهر.
ألا ترى أن من يقول إذا قلت له: رأيت زيد : من زيدا؟ إنما أراد أن يحكي ما قلت ليعلم أنه إنما يسأل عن زيد الذي ذكرته. فإن قال: ومن زيد رفع، لأنه لما أدخل الواو أعلمك أنه يعطف على كلامك، فاستغنى عن الحكاية.
فمما قيل في ذلك قوله:
يبكيك ناء بعيد الدار مغترب ... يا للكهول وللشبان للعجب
فهذا نظير ما وصفت لك في العطف.
فأما ما جاء في فتح لام المستغاث به، وكسر لام المدعو له فأكثر من أن يحصى. منه ما أّكره: قال الحارث بن خالد:
يا للرجال ليوم الأربعاء، أما ... ينفك يبعث لي بعد النهي طرباً
وقال آخر:
يا لقوم من للنهى والمساعي ... يا لقومي من للندى والسماح؟
يا لعطافنا ويا لرياح ... وأبى الحشرج الفتى الوضاح
هذا باب
ما يجوز أن تحذف منه علامة النداء
وما لا يجوز ذلك فيه
تقول: زيد أقبل، وتقول: من لا يزال محسناً، تعال، وغلام زيد، هلم، رب اغفر لنا كما قال جل وعز: " رب قد آتيتني من الملك " وقال عز وجل: " فاطر السموات والأرض " .

فجملة هذا: أن كل شيء من المعرفة يجوز أن يكون نعتاً لشيء، فدعوته أن حذف يا منه غير جائز؛ لأنه لا يجمع عليه أن يحذف منه الموصوف وعلامة النداء، وذلك أنه لا يجوز أن تقول: رجل أقبل، ولا: غلام، تعال، ولا: هذا، هلم، وأنت تريد النداء، وذلك أنه لا يجوز أن تقول: رجل أقبل؛ لأن هذه نعوت أي. تقول: يا أيها الرجل، ويا أيها الغلام، ويا أيهذا؛ لأن أيا مبهم، والمبهمة إنما تنعت بما كان فيه الألف واللام، أو بما كان مبهماً مثلها، وهذا يفسر في باب المعرفة والنكرة إن شاء الله.
قال الشاعر:
ألا أيها المنزل الدارس الذي ... كأنك لم يعهد بك الحي عاهد
وقال:
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر
وقال الأعشى:
ألا أيهذا السائلي أين يممت؟ ... فإن لها في أهل يثرب موعدا
فهذا تقدير يا أيها إلا أن يضطر شاعر، فإن اضطر كان له أن يحذف منها علامة النداء، وأحسن ذلك ما كانت فيه هاء التأنيث؛ لما يلزمها من التغيير، على أن جوازه في الجميع لا يكون إلا ضرورة.
وقال الشاعر، وهو العجاج:
جاري لا تستنكري عذيري
وقالوا في مثل من الأمثال والأمثال يستجاز فيها ما يستجاز في الشعر لكثرة الاستعمال لها: اقتد مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرا. يريدون ترخيم الكروان فيمن قال: يا حار، وكذلك قوله:
صاح هل أبصرت بالخبتتين من أسماء نارا
وتقول: حافر زمزم أقبل، لأن هذا لا يكون من نعت أي. وكذلك أمير المؤمنين أعطني، كما قال:
أمير المؤمنين جمعت ديناً ... وحلماً فاضلاً لذوي الحلوم
والنكرة أصلها لا يجوز هذا فيها، ولا يجوز أن تقول: رجلاً أقبل، ولا رجلاً من أهل البصرة أقبل؛ لأنها شائعة، فتحتاج إلى أن يلزمها الدليل على النداء وإلا فالكلام ملتبس.
هذا باب

ما يلزمه التغيير في النداء
وهو في الكلام على غير ذلك
فمن ذلك قولهم: يا أبت لا تفعل، ويا أمت لا تفعلي. فهذه الهاء إنما دخلت بدلاً من ياء الإضافة، والدليل على ذلك أنك إن جئت بالياء حذفتها فقلت: يا أبي لا تفعل، ويا أمي لا تفعلي.
فأما الكسرة التي فيها فدلالة على الإضافة. وكانت الهاء داخلة على الأم؛ لأنها مؤنثة، وعلى الأب: كما دخلت في راوية وعلامة للمبالغة، ولأن الشيئين إذا جريا مجرىً واحداً سوي بين لفظهما.
ألا ترى أنك تقول: فعل أبواي، وهذان أبواك تعني الأب والأم، وإنما أخرجته مخرج قولك: أب وأبة، كما تقول: صاحب وصاحبة، لأن كل جار على الفعل من الأسماء فتأنيثه جار على تذكيره. وما كان من غير فعل، أو كان على غير بناء الفعل نحو: أحمر، وعطشان، وما أشبه ذلك اختلف تأنيثه وتذكيره؛ لأن الفعل تلحقه الزيادة للتأنيث، فيكون الاسم عليه كذلك. تقول: ضرب، فإن عنيت المؤنث قلت: ضربت. فعلى هذا تقول: ضارب وضاربة.
وما كان من قولك: أحمر فالاسم منه محمر. فأما قولك: أحمر فمشتق وليس بجار على الفعل. فهذا الذي وصفت لك.
وتقول: يا أم لا تفعلي، ويا أب لا تفعل إذا لم ترد قول من يثبت الياء، أو يعوض منها الهاء التي هي تاء في الوصل، فإن جئت بالتاء، ووقفت عليها كانت بمنزلة قولك: يا عمى، ويا خالة، ويجوز الترخيم فيها؛ كما جاز في حمدة ونحوها؛ لأنها وإن كانت بدلاً فإنما هي علامة تأنيث في وصلها ووقفها سواء.
وقد قرئ " رب احكم بالحق " . فتقول إذا رخمت : يا أم لا تفعلي، فيمن قال: يا حار، وترفع فيمن قال: يا حار.
والعلم بأنها بدل من ياء الإضافة كالعلم بذلك إذا أثبتها، لأن قولك: يا أم غير مستعمل إلا مضافاً؛ لأنها من الأسماء المضمنة. فإذا لم تكن موصولة بظاهر ولا مضمر له علامة الغائب فهي للمتكلم.
فأما المخاطب فمحال أن تكون له في الدعاء. لا تقول: يا أمك أقبلي؛ لأن المخاطبة لا تجمع اثنين إلا على جهة الإشراك.
والترخيم داخل على المعارف؛ لأنها مثبتة مقصود إليها مبينة من غيرها، والنكرات شائعة غير معلوم واحدها.
هذا باب
المبهمة وصفاتها

اعلم أنك إذا قلت: يا هذا الرجل فإنما أبنت المنادى بذكرك الرجل، وليس الرجل على معهود. فإن قلت: يا هذا ذا الجمة لم يصلح أن يكون ذا الجمة نعتاً؛ لأن المبهمة لا تنعت بالمضاف، لأن المضاف إنما هو معرفة بما بعده، والمبهمة لا يجوز أن تضاف إلى شيء؛ لأنها لا تكون إلا معارف بالإشارة التي فيها، فلم تكن نعوتها إلا مثلها، ولكن يجوز هذا على وجهين: على أن يكون ذا الجمة نداء ثانياً، فيكون التقدير: يا هذا يا ذا الجمة. وعلى أن يكون منصوباً بأعني. فإن قلت: يا هذا الطويل جاز أن يكون الطويل عطفاً على هذا مبيناً له، ويجوز أن يكون نعتاً وليس بوجه الكلام، وإنما ينبغي أن يوضح هذا باسم فيه ألف ولام لا بنعت؛ لأن هذا مبهم، فإنما ينبغي أن يفسر بما يقصد إليه.
وتقول: يا هذان زيد وعمرو، وإن شئت قلت: زيداً وعمراً، وإن شئت قلت: زيد وعمرو.
أما الرفع بغير تنوين فعلى البدل. كأنك قلت: يا زيد، ويا عمرو.
وأما الرفع بتنوين فعلى عطف البيان على اللفظ.
وأما قولك: زيداً وعمراً، فعلى عطف البيان على الموضع.
ولو قلت: يا هذا، وهذا الطويل والقصير لم يجز أن يكون الطويل والقصير نعتاً؛ لأن المبهمة وما بعدها كالشيء الواحد.
ألا ترى أنك إذا قلت: يا هذا الرجل أنك إنما توسلت بهذا إلى دعاء الرجل، فصار المعنى أنك تريد به الرجل الذي أرى، فالرجل على غير معهود. فإذا قلت: يا هذا وهذا خرج الطويل والقصير من الاتصال بهذا وهذا ولكنه يصلح على عطف البيان، وعلى أعني إذا نصبت، وفي العطف تنصب إن شئت وترفع إن شئت. ولكن إن قلت: يا هذان الرجلان، ويا هذان الطويلان كان نعتاً بمنزلة يا هذا الرجل.
فأما أي في قولك: يا أيها الرجل فلا يجوز الوقف على أي كما وقفت على هذا فأنت في هذا مخير: إن شئت أن تقول: يا هذا الرجل جاز، وذلك لأنك تقول: يا هذا، وتقف فإذا وقفت عليه كنت في النعت مخيراً كما كان ذلك في قولك: يا زيد.
فإن كنت تقدر هذا تقدير أي في أنها توسل إلى نداء الرجل لم يجز إلا الرفع، لأنك قدرتها تقدير أي وإنما حلت هذا المحل؛ لأنها إذا لم تكن استفهاماً أو جزاءً لم تكن اسماً إلا بصلة، فإنما حذفت منها الصلة في النداء، لأن النعت قام مقامها.
فإذا قلت: يا أيها الرجل كانت أي والرجل بمنزلة شيء واحد.
ألا ترى أنك لا تقول: يا أي وتسكت؛ كما تقول: يا هذا وتقف؛ لأن هذا مجراها في الكلام أن تتكلم بها وحدها وأي ليس كذلك.
فعلى هذا تقول: يا هذا ذا الجمة، فتبدل منها لأنها تامة، أو تستأنف نداء بعدها. فأما يا أيها ذا الجمة فلا يصلح، لأن أيا لا يوقف عليها فتبدل منها، ولذلك امتنع يا أيها الرجل، لأنها وأي بمنزلة الشيء الواحد.
فإن قلت: يا أيها الرجل ذو المال، فجعلت ذا المال من نعت الرجل لم يكن فيه إلا الرفع على ما وصفت لك. وإن جعلته من نعت أي فخطأ، لأنك لا تقول: يا أيها ذا المال، وإن جعلته بدلاً من أي نصبت.
هذا باب

الندبة
وهو يجري في الكلام على ضربين: أما من أراد أن يفصلها من النداء، وألحق في آخرها ألفاً، وألحق الألف في الوقف هاءً لخفاء الألف. فتبينها بالهاء؛ كما تبين بها الحركة، فإن وصل حذفها.
والوجه الآخر: أن تجري مجرى النداء البتة، وعلامته يا و وا ولا يجوز أن تحذف منها العلامة؛ لأن الندبة لإظهار التفجع ومد الصوت.
واعلم أنك لا تندب نكرة ولا مبهماً ولا نعتاً. لا تقول: يا هذاه، ولا: يا رجلاه إذا جعلت رجلاً نكرة، ولا يا زيد الظريفاه؛ لأن الندبة عذر للتفجع، وبها يخبر المتكلم أنه قد ناله أمر عظيم، ووقع في خطب جسيم.
ألا ترى أنك لا تقول: وامن لا يعنيني أمره، ولا: وامن لا أعرفه وذلك قولك: وازيداه. فإن أتبعته النعت قلت: وازيد الظريف. سقطت الهاء؛ لأنك قد اتبعته كلاماً. وأنت في الظريف مخير: إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت؛ لأنه نعت للمنادى.
وتقول: واغلام زيداه، واعبد اللهاه؛ لأن ما قبل الألف لا يكون إلا مفتوحاً، وسقط التنوين من زيد؛ لأن ألف الندبة زيادة في الاسم، والتنوين زيادة، فعاقبت التنوين.
فأما من أجرى المندوب مجرى المنادى فإنه يقول: واغلام زيد؛ لأنه إذا لم يكن أحدهما كان الآخر. وكذلك كل متعاقبين. وتقول: وازيدا واعمراه، تلحق الهاء بعد الذي تقف عليه لما ذكرت لك.
هذا باب

ما كان من المندوب مضافاً إليك
ففي ذلك أقاويل: أما من قال في النداء: يا غلام أقبل، فإنه يقول في الندبة: يا غلاماه، وذلك لأن الألف لحقت هذه الميم المكسورة، فأبدلت من كسرتها فتحة للألف؛ كما أنك أبدلت من ضمة زيد فتحة في قولك: يا زيداه.
ومن رأى أن يثبت الياء ساكنة فيقول: يا غلامي أقبل، فهو فيها بالخيار: إن شاء قال: واغلاماه، فحرك لالتقاء الساكنين، وأثبت الياء لأنها علامة، وكانت فتحتها هاهنا مستخفة، كفتحة الياء في القاضي ونحوه للنصب.
وإن شاء حذفها لالتقاء الساكنين؛ كما تقول: جاء غلام العاقل ومن رأى أن يثبتها متحركة قال: واغلامياه ليس غير.
فإن أضفته إلى مضاف إليك وندبت قلت في قول من جعل الندبة علامة: واغلام غلامياه، لا يكون إلا ذلك، وكذلك: وانقطاع ظهرياه لا بد من إثبات الياء كما ذكرت لك في النداء؛ لأنه الموضع الذي ثبت فيه التنوين في زيد.
وإنما حذفت الياء في النداء؛ لأنها شبهت بالتنوين في زيد وهي مع ذلك يجوز ثباتها. فإذا كان موضع يثبت فيه التنوين لم يكن إلا إثباتها.
ومن لم ير أن يجعل للندبة علامة قال: يا غلام غلامي، ويا غلامي وإن شاء قال: يا غلام وهو الوجه؛ لأنه من لم يجعل للندبة علامة جعلها بمنزلة النداء الصحيح.
وهذا البيت ينشد على وجهين:
بكاء ثكلى فقدت حميما ... فهي ترثى بأبي وابنيما
فلم يجعل للندبة علامة. وبعضهم ينشد: فهي ترثي بأبا وابنيما. وأما قوله:
تبكيهم دهماء معولةً ... وتقول سعدى: وارزيتيه
فإنه لم يجعل للندبة علامة، وأجري مجرى قول من دعا وحرك الياء، فقال: واغلامى، أقبل، فأثبت الهاء لبيان الحركة.
فإن كان ما قبل ياء الإضافة ساكناً فلا بد من حركة الياء، ولا يجوز حذفها كما قلت: يا غلام أقبل؛ لأن هذا يدل على ذهاب يائه الكسرة، ولو حذفت الياء وقبلها ساكن لم يكن عليها دليل، وذلك إذا لم تجعل للندبة علامة، وأضفت قاضياً إلى نفسك قلت: يا قاضي، ويا غلامي، ويا مسلمي. فإن جعلت للندبة علامة قلت: يا قاضياه، ويا مسلمياه، ويا عشرياه.
هذا باب

ما تكون ألف الندبة تابعة فيه
لغيرها فراراً من اللبس بين المذكر والمؤنث، وبين الاثنين والجمع وذلك قولك إذا ندبت غلاماً لامرأة، وأنت تخاطب المرأة : واغلا مكيه، واذهاب غلامكيه؛ لأنك تقول للمذكر: واغلامكاه، وواذهاب غلامكاه، وانقطاع ظهرهيه فيمن قال: مررت بظهرهي يا فتى.
ومن قال: مررت بظهرهو يا فتى قال: وانقطاع ظهرهوه؛ لأنه يقول في المؤنث: وانقطاع ظهرهاه. وتقول في التثنية والجمع كذلك.
فإن ندبت غلاماً لجماعة قلت: واغلامكموه، وواذهاب غلامكموه؛ لأنك تقول للاثنين: واذهاب غلامكماه وفي كل هذا قد حذفت من الاثنين والجمع، الألف والواو لالتقاء الساكنين.
وتقول: واذهاب غلامهموه في قول من قال: مررت بغلامهمو. ومن قال: مررت بغلامهمي يا فتى قال: واذهاب غلامهميه وهذه الهاء والميم والهاء لعلامة المضمر الذي يقع في رأيته، ومررت به تبين في مواضعهن إن شاء الله.
وكان يونس يجيز أن يلقي علامة الندبة على النعت فيقول: وازيد الظريفاه، وازيداه أنت الفارس البطلاه.
وهذا عند جميع النحويين خطأ؛ لأن العلامة إنما تلحق ما لحقه تنبيه النداء لمد الصوت والنعت خارج من ذا.
ولو قلت: وامن حفر زمزماه، و أمير المؤمنيناه كان جيداً؛ لأنك قد ندبت معروفين، ولو قلت: وا أميراه لم يجز؛ لأنك لم تدل على المندوب. وكذلك لو قلت: واهذاه لم يجز؛ لأنك إنما ندبت اسماً معروفاً بالإشارة إليه، ولن تدل عليه بإضافة، وإنما تتفجع له باسم أو إضافة تجمع عليه، أو بشيء من أسمائه يعرف به يكون عذراً للتفجع، كقولك: واسيد العرباه. إذا كان المندوب معروفاً بذلك.
هذا باب
المعرفة والنكرة
وأصل الأسماء النكرة وذلك لأن الاسم المنكر هو الواقع على كل شيء من أمته. لا يخص واحداً من الجنس دون سائره، وذلك نحو: رجل، وفرس، وحائط، وأرض. وكل ما كان داخلاً بالبنية في اسم صاحبه فغير مميز منه؛ إذ كان الاسم قد جمعهما. والمعرفة تدخل على أضرب. جماعها خمسة اشياء.

فمن المعرفة الاسم الخاص؛ نحو: زيد، وعمرو؛ لأنك إنما سميته بهذه العلامة؛ ليعرف بها من غيره. فإذا قلت: جاءني زيد علم أنك لقيت به واحداً ممن كان داخلاً في الجنس لبيان من سائر ذلك الجنس.
فإن عرف السامع رجلين، أو رجالاً كل واحد منهم يقال له زيد فصلت بين بعضهم وبعض بالنعت فقلت: الطويل، والقصير؛ لتميز واحداً ممن تعرفه، فتعلمه أنه المقصود إليه منهم.
فإن كان هناك طويلان أبنت أحدهما من صاحبه بما لا يشاركه صاحبه فيه. وهذا نوع من التعريف.
ونوع آخر وهو ما أدخلت عليه ألفاً ولاماً من هذه الأسماء المشتركة؟ وذلك قولك: جاءني الرجل، ولقيت الغلام؛ لأن معناه: الرجل الذي تعلم، والغلام الذي قد عرفت.
وما أضفته إلى معرفة فهو معرفة. نحو قولك: غلام زيد، وصاحب الرجل. وإنما صار معرفة بإضافتك إليه إلى معروف.
ومن المعرفة الأسماء المبهمة، وإنما كانت كذلك لأنها لا تخلو من أحد أمرين: إما كانت للإشارة نحو: هذا، وذاك، وتلك، وأولئك، وهؤلاء.
أما ما كان مما يدنو منك من المذكر فإنك تقول فيه هذا، والأصل ذا، وها للتنبيه. وتقول للأنثى: ذه، وته، وتا. فإن ألحقت التنبيه قلت: هذه، وهاتا، وهاته، كما قال:
ونبأتماني أنما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب
وكما قال الآخر:
وليس لعيشنا هذ مهاه ... وليست دارنا ها تا بدار
وما كان من هذا متراخياً عنك من المذكر فهو ذاك وذلك، والكاف لا موضع لها، وهذا يذكر في بابه. وما كان من المؤنث فهو تلك، وتيك، وهاتيك، وهاتاك.
فإن ثنيت، أو جمعت قلت: هذان، وفي المؤنث: هاتان.
ومن قال في الواحدة هذه لم يجز أن يثنى إلا على قولك هاتا؛ لئلا يلتبس المذكر بالمؤنث.
وتقول في الجمع الحاضر: هؤلاء، وأولاء، وهؤلاء، وأولا يمد جميعاً ويقصر، والمد أجود، نحو قوله عز وجل: " ها أنتم هؤلاء تدعون " ، وكقوله: " هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه " . والقصر يجوز، وليس هذا موضع تفسيره.
قال الأعشى:
هاؤلا ثم هؤلا كلً أعطيت نعالا محذوةً بمثال
وها في جميع هذا زائدة. والمتراخي تقول فيه: أولئك، ومن قصر هؤلاء قال: أولاك؛ لأن الكاف إنما تلحق للمخاطبة على ما كان للحاضر؛ لتكون فصلاً بينهما. وإنما صارت هذه معارف بما فيها من الإشارة.
ومن المعرفة المضمر، نحو: الهاء في ضربته ومررت به، والكاف في ضربتك ومررت بك، والتاء في قمت، وقمت، وقمت يا امرأة.
والمضمر المنفصل نحو: هو، وأنت، وإياه، وإياك. وما لحقته التثنية من جميع ما وصفنا، نحو: مررت بكما، ومررت بهما، ومررت بها، وضربتها، وضربتهما، وكذلك مررت بهم، وضربتهم.
والمنفصل في قولهم: هو، وهما، وإياك، وإياكما، وإياكم، وإياه، وإياهما، وإياها، وإياهم، وإياها، وإياهن.
ومررت بها، ومررت بهما، وبهن.
والمضمر الذي لا علامة له نحو قولك: زيد قام، وهند قامت وهو الذي يظهر الألف في تثنيته فتقول: قاما، وقامتا والواو في قاموا الرجال والنون في قمن النساء والياء في قولك: أنت تقومين، وما أشبه هذا.
وإنما صار الضمير معرفة لأنك لا تضمره إلا بعد ما يعرفه السامع؛ وذلك أنك لا تقول: مررت به، ولا ضربته، ولا ذهب، ولا شيئاً من ذلك حتى تعرفه وتدري إلى من يرجع هذا الضمير؟ وهذه المعارف بعضها أعرف من بعض، ونحن مميزو ذلك إن شاء الله؛ كما أن النكرة بعضها أنكر من بعض.
فالشيء أعم ما تكلمت به، والجسم أخص منه، والحيوان أخص من الجسم، والإنسان أخص من الحيوان، والرجل أخص من الإنسان، ورجل ظريف أخص من رجل.
واعتبر هذا بواحدة: بأنك تقول: كل رجل إنسان، ولا تقول: كل إنسان رجل. وتقول: كل إنسان حيوان، ولا تقول: كل حيوان إنسان.
وما كان من النكرات لا تدخله الألف واللام فهو أقرب إلى المعارف، نحو قولك: هذا خير منك، وأفضل من زيد، وسنذكر هذا مبيناً إن شاء الله.
فعلى قدر هذا المعارف، وكلما كان الشيء أخص فهو أعرف. فأخص المعارف بعد ما لا يقع عليه القول إضمار المتكلم؛ نحو أنا، والتاء في فعلت، والياء في غلامي، وضربتني؛ لأنه لا يشركه في هذا أحد، فيكون لبساً، وقد يكون بحضرته اثنان، أو أكثر فلا يدري أيهما المخاطب؟.
فالمضمرة لا تنعت؛ لأنها لا تكون إلا بعد لا يشوبها لبس.
وما كان من الأسماء علماً فهو ينعت بثلاثة أشياء:

ينعت بما فيه الألف واللام، نحو: الظريف، والعاقل. تقول: مررت بزيد العاقل، ورأيت زيداً الكريم. وبما كان مضافاً، نحو قولك: مررت بزيد أخيك، وبعبد الله ذي المال. وبالأسماء المبهمة، نحو: رأيت زيداً هذا، ومررت بعمرو ذاك.
وما كان مضافاً إلى غير ما فيه الألف واللام فكذلك نعته. تقول: مررت بأخيك الطويل، وجاءني غلام زيد العاقل، ومررت بأخيك ذي المال، ورأيت أخاك ذا الجمة، وجاءني أخوك هذا.
وما كان من المبهمة فبابه أن ينعت بالأسماء التي فيها الألف واللام، ثم بالنعوت التي فيها الألف واللام إذا جعلتها كالأسماء، ولا يجوز أن تنعت بالمضاف لعلة نذكرها.
وذلك قولك مررت بهذا الرجل، ورأيت هذا الفرس يا هذا، فالفرس وما قبله بمنزلة اسم واحد وإن كان نعتاً له؛ لأنك إذا أومأت وجب أن تبين، فالبيان كاللازم له.
وتقول: مررت بهذا الظريف. إذا جعلت الظريف كالاسم له؛ لأنه إنما ينبغي أن تبين عن النوع الذي تقصده؛ لأن هذا يقع على كل ما أومأت إليه.
ولا يجوز أن تنعتها بما أضيف إلى الألف واللام، لأن النعت فيها بمنزلة شيء واحد معها. فلما كانت هي لا تضاف؛ لأنها معرفة بالإشارة لا يفارقها التعريف لم يجز أن تضاف. لأن المضاف إنما يقدر نكرة حتى يعرفه أو ينكره ما بعده.
فلذلك لا تقول: جاءني هذا ذو المال، ورأيت ذاك غلام الرجل إلا على البدل، أو تجعل رأيت من رؤية القلب فتعديها إلى مفعولين.
وأما الأسماء التي فيها الألف واللام فتنعت بما كان فيه الألف واللام، وبما أضيف إلى ما فيه الألف واللام، وذلك قولك: مررت بالرجل النبيل، وبالرجل ذي المال.
والمضمر لا يوصف به؛ لأنه ليس بتحلية ولا نسب. ولا يوصف لأنه لا يضمر حتى يعرف، ولأن الظاهر لا يكون نعتاً؛ كما لا ينعت به، ولكنه يؤكد، ويبدل منه.
وزعم سيبويه أن الشيء لا يوصف إلا بما هو دونه في التعريف، فإذا قلت هذا فقد عرفته المخاطب بعينه وقلبه. وإذا قلت: الرجل، أو الظريف فإنما تعرفه شيئاً بقلبه دون عينه.
وأما الأسماء التي هي أعلام؛ نحو: زيد، وعمرو فلا ينعت بها؛ لأنها ليست بتحلية ولا نسب، ولا يكون النعت إلا بواحد منهما، أو بما كان في معناه. ونحن مفسرون ذلك حرفاً حرفاً في هذا الباب إن شاء الله.
إذا قلت: مررت برجل عاقل، أو طويل فمن الفعل أخذته فحليته به.
فإذا قلت: مررت برجل مثلك؛ أو حسبك من رجل، أو مررت برجل أيما رجل فمعنى مثلك إنما هو يشبهك. وأيما رجل معناه: كامل، وقولك: حسبك إنما معناه: يكفيك. يقال: أحسبني الأمر، أي كفاني، وقوله عز وجل: " عطاءً حساباً " أي كافياً.
فهذا ما كان من التحلية التي لا تكون إلا عن فعل، وما ضارع ذلك فراجع إلى معناه. وأما النسب فقولك: مررت برجل تميمي، وقيسي، وكذلك نسب القرابة، نحو: مررت بزيد أخيك، وبزيد بن عبد الله.
هذا باب

مجرى نعت النكرة عليها
وذلك قولك: مررت برجل ظريف. فوجه هذا الخفض، لأنك جعلته وصفاً لما قبله؛ كما أجريت نعت المعرفة عليها.
وإن نصبت على الحال جاز، وهذا يفسر في باب الحال إن شاء الله.
وتقول: مررت برجل ذي مال، فقولك ذي مال نكرة؛ لأن ذا مضافة إلى مال، ومال نكرة. ومررت برجل مثلك. فإن قال قائل: كيف يكون المثل نكرة وهو مضاف إلى معرفة. هلا كان كقولك: مررت بعبد الله أخيك؟ فالجواب في ذلك: أن الأخوة مخطورة، وقولك مثلك مبهم مطلق. يجوز أن يكون مثلك في أنكما رجلان، أو في أنكما أسمران، وكذلك كل ما تشابهتما به، فالتقدير في ذلك التنوين. كأنه يقول: مررت برجل شبيه بك، وبرجل مثل لك.
فإن أردت بمثلك الإجراء على أمر متقدم حتى يصير معناه: المعروف بشبهك لم يكن إلا معرفة، فتقول على هذا: مررت بزيد مثلك؛ كما تقول: مررت بزيد أخيك، ومررت بزيد المعروف بشبهك.
ومثل ذلك في الوجهين مررت برجل شبهك، ومررت برجل نحوك. فأما مررت برجل غيرك فلا يكون إلا نكرة؛ لأنه مبهم في الناس أجمعين، فإنما يصح هذا ويفسد بمعناه.
فأما شبيهك فلا يكون إلا معرفة لأنه مأخوذ من شابهك، فمعناه ما مضى، كقولك: مررت بزيد جليسك. فإن أردت النكرة قلت: مررت برجل شبيه بك؛ كما تقول: مررت برجل جليس لك.
فأما حسبك، وهدك، وشرعك، وكفيك فكلها نكرات، لأن معناها: يكفي.

وقد يجوز أن تقول: مررت برجل هدك من رجل تجعله فعلاً، ومررت بامرأة هدتك من امرأة، وتقول على هذا: مررت برجل كفاك من رجل، ومررت بامرأة كفتك من امرأة.
واعلم أن كل مضاف تريد به معنى التنوين، وتحذف التنوين للمعاقبة منه فهو باق على نكرته؛ لأن المعنى معنى التنوين؛ فلذلك تقول: مررت برجل حسن الوجه؛ لأن معناه حسن وجهه، وكذلك مررت برجل ضارب زيد إذا أردت به ما أنت فيه، أو ما لم يقع؛ لأن معناه: ضارب زيداً.
وكذلك هذه المضافات التي لا تخص، نحو مثلك وشبهك، وغيرك؛ لأنك تريد: هو مثل لك، ونحو لك، ونحو منك.
فأما غيرك إذا قلت: مررت برجل غيرك فإنما هو: مررت برجل ليس بك، فهذا شائع في كل من عدا المخاطب.
ف رب تدخل على كل نكرة؛ لأنها لا تخص شيئاً، فإنما معناه أن الشيء يقع ولكنه قليل. فمن ذلك قوله:
يا رب مثلك في النساء غريرة ... بيضاء قد متعتها بطلاق
وقوله:
يا رب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا
يريد: غابط لنا؛ لأنه لو عنى واحداً بعينه لم يكن للكلام معنى؛ كما لا تقول: رب عبد الله، ولا رب غلام أخيك.
وتقول: مررت برجلين صالحين، فتجري النعت على المنعوت. وقد بينت لك جواز الحال، ونستقصيه في بابه إن شاء الله.
وتقول: مررت برجلين: مسلم وكافر، ومسلم وكافر، كلاهما جيد بالغ.
وكذلك مررت برجلين: رجل مسلم، ورجل كافر، وإن شئت قلت: رجل مسلم ورجل كافر.
أما الخفض فعلى النعت، ورددت الاسم توكيداً.
وأما الرفع فعلى التبعيض، وتقديره: أحدهما مسلم، والآخر كافر. والآية تقرأ على وجهين، وهو قول الله عز وجل: " قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة " بالرفع والخفض.
وكذلك قول الشاعر:
فكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
ينشد رفعاً وخفضاً. وقال آخر:
وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ... ورجل رماها صائب الحدثان
وقال آخر:
بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين: مسلوب وبالى
وتقول: مررت بثلاثة رجال قيام يا فتى، لا يكون إلا الخفض، إلا على ما يجوز من الحال.
فإن قلت: مررت بثلاثة رجال: صريع، وجريح يا فتى لم يجز إلا الرفع؛ لأنك لم تأت على علتهم. فإنما االتقدير: منهم كذا، ومنهم كذا، لا يكون إلا كذلك.
ولو قلت: مررت بثلاثة: قائم، وقاعد، ونائم لكان جيداً؛ لأنك أحطت بعدتهم، والرفع جيد بالغ؛ لأنك إذا أتيت على العدة صلح التبعيض والنعت، وإن لم تأت عليها لم يكن إلا التبعيض.
وتقول: مررت برجل وامرأة، وحمار قيام. فرقت الاسم وجمعت النعت؛ كما فرقت هناك النعت، والاسم مجموع، ولو أردت ها هنا التبعيض لم يجز؛ لأن قياما لفظة واحدة فليس فيه إلا الخفض، إلا جواز الحال.
وتقول: مررت برجل مثلك غيرك. ف غير ها هنا توكيد. لأن غيرا يتكلم بها على وجهين: أحدهما للفائدة، والآخر للتوكيد.
فإذا قلت: مررت برجل غير زيد فقد أفادك أن الرجل الذي مررت به سوى زيد، وكذلك: مررت برجل غيرك: كأنه قال: مررت برجل آخر. لئلا يتوهم السامع أنه بعينه.
فإذا قال: مررت برجل مثلك فقد أعلمه أنه غيره، فإن أتبعه غيرا فإنما هو توكيد وتشديد للكلام. وهذه النكرات كلها تقع حالات وتبييناً، وتجري في جميع مجاري النكرة. تقول: عندي عشرون مثلك، ومائة مثلك، وعشرون غيرك.
فأما عشرون أيما رجل فلا يجوز. وإنما امتنع من أنك لا تقيم الصفة مقام الموصوف حتى تتمكن في بابها، نحو: مررت بظريف، ومررت بعاقل؛ لأنها أسماء جارية على الفعل.
وأيما رجل إنما معناه: كامل فليس بمأخوذ من فعل. وما زائدة. فإنما معناه: مرت برجل أي رجل. فعلى هذا تقع الصفات موقع الموصوف وتمتنع، والمرفوع والمنصوب كالمخفوض.
والمعرفة يجري نعتها كمجرى نعت النكرة. تقول: مررت بعبد الله العاقل، وبأخويك الكريمين، وبأخويك: الكريم واللئيم، على أنك تريد: أحدهما الكريم، وأحدهما اللئيم. وإن شئت خفضت على النعت.
وكذلك كان إخوتك: كريم ولئيم، أي منهم كذا ومنهم كذا إذا لم ترد الجنس. وكان إخوتك قائماً، وقاعداً، ونائماً، وترفع إن شئت.

وكذلك بالألف واللام إلا أن ما كان من هذا بالألف واللام فهو شيء معروف. تقول: كان زيد القائم، أي كان زيد ذلك الذي رأيته قائماً. وإن قلت: كان زيد قائماً لم تقصد إلى واحد رأيته قبل قائماً.
واعلم أن البدل في الكلام يكون على أربعة أضرب: فضرب من ذلك أن تبدل الاسم من الاسم إذا كانا لشيء واحد، معرفتين كانا، أو معرفة ونكرة، أو مضمراً ومظهراً أو مضمرين أو مظهرين، وذلك نحو قولك: مررت بأخيك زيد. أبدلت زيداً من الأخ. نحيت الأخ، وجعلته في موضعه في العامل، فصار مثل قولك: مررت بزيد. وإنما هو في الحقيقة تبيين. ولكن قيل بدل؛ لأن الذي عمل في الذي قبله قد صار يعمل فيه بأن فرغ له.
ولم يجز أن يكون نعتاً؛ لأن زيداً ليس مما ينعت به. فإن قلت: مررت بزيد أخيك جاز في الأخ أن يكون بدلاً، وأن يكون نعتاً، والنعت أحسن؛ لأنه مما ينعت به، والبدل جيد بالغ؛ لأنه هو الأول. فهذا شأن المعرفتين.
فأما المعرفة والنكرة. فإن أبدلت معرفة من نكرة قلت: مررت برجل زيد ومررت بذي مال أخيك. قال الله عز وجل: " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله " . فهذا بدل المعرفة من النكرة.
وفي المعرفتين قوله: " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم " .
وفي بدل النكرة من المعرفة قوله: مررت بزيد صاحب مال، ومررت بالرجل رجل صالح. قال الله عز وجل: " كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية ناصية " .
فأما المضمر والمظهر فكقولك: زيد مررت به أخيك. وتقول: رأيت زيداً إياه، وأخوك رأيته زيداً، والمضمران: رأيتك إياه. فهذا ضرب من البدل.
والضرب الآخر أن تبدل بعض الشيء منه؛ لتعلم ما قصدت له، وتبينه للسامع. وذلك قولهم: ضربت زيداً رأسه. أردت أن تبين موضع الضرب منه، فصار كقولك: ضربت رأس زيد.
ومنه: جاءني قومك أكثرهم. بينت من جاءك منهم. قال الله عز وجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً " من في موضع خفض؛ لأنه على من استطاع إليه سبيلاً.
ومن ذلك إلا أنه أعيد معه حرف الخفض: " قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم " . كان أيضاً جيداً كالآية التي ذكرنا قبل. فهذان ضربان.
والضرب الثالث أن يكون المعنى محيطاً بغير الأول الذي سبق له الذكر لالتباسه بما بعده، فتبدل منه الثاني المقصود في الحقيقة. وذلك قولك: مالي بهم علم أمرهم، فأمرهم غيرهم. وإنما أراد : مالي بأمرهم علم. فقال: مالي بهم علم وهو يريد أمرهم. ومثل ذلك: أسألك عن عبد الله متصرفه في تجارته؛ لأن المسألة عن ذلك. قال الله عز وجل: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " لأن المسألة عن القتال، ولم يسألوا أي الشهر الحرام؟ وقال: " قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود " لأنهم أصحاب النار التي أوقدوها في الأخدود. قال الأعشى:
لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم
لأنه أراد ثواءه حولاً.
فهذه ثلاثة أوجه تكون في القرآن وفي الشعر وفي كل كلام مستقيم.
ووجه رابع لا يكون مثله في قرآن، ولا شعر، ولا كلام مستقيم وإنما يأتي في لفظ الناسي أو الغالط. وذلك قولك: رأيت زيداً داره، وكلمت زيداً عمراً، ومررت برجل حمار. أراد أن يقول: مررت بحمار فنسي ثم ذكر، فنحى الرجل، وأوصل المرور إلى ما قصد إليه، أو غلط، ثم استدرك. فهذه أربعة أوجه في البدل.
ولو قال في هذا الموضع: مررت برجل بل حمار، ولقيت زيداً بل عمراً كان كذلك إلا أن بل، ولا بل من حروف الإشراك، وقد ذكرنا أحوالها فيما تقدم.
واعلم أن المعارف توصف بالمعارف. فإن وقع بعدها شيء نكرة، والعامل فعل أو شيء في معناه انتصبت النكرة على الحال، ونحن واصفو ذلك في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله.
هذا باب

الحالات والتبيين وتفسير معناهما
اعلم أنه لا ينتصب شيء إلا على أنه مفعول، أو مشبه بالمفعول في لفظ أو معنى. والمفعول على ضروب: فمن ذلك المصدر، وهو اسم الفعل، وهو مفعول صحيح؛ لأن الإنسان يفعل، واسم فعله ذلك المصدر. تقول: ضربت ضرباً، وقمت قياماً. فأنت فعلت الضرب والقيام. ولو قلت: ضربت وقمت لدللت على أنك فعلت الضرب والقيام، وكذلك كل فعل تعدى أو لم يتعد.

فإذا قلت: ضربت زيداً، أو كلمت عمراً فأنت لم تفعل زيداً ولا عمراً، إنما فعلت الضرب والكلام، فأوقعت الضرب بزيد، وأوصلت الكلام إلى عمرو. فزيد وعمرو مفعول بهما؛ لأنك فعلت فعلاً أوقعته بهما، وأوصلته إليهما.
فإن قلت: سرت يوم الجمعة، وجلست مكان زيد فإنما فعلت السير والجلوس في هذا الزمان وهذا المكان. فالزمان والمكان مفعول فيهما. والفصل بينهما وبين زيد أنك أوصلت إلى زيد شيئاً. ولم تعمل في الزمان شيئاً، إنما عملت عملاً احتوى عليه الزمان والمكان.
تقول: ضربت زيداً يوم الجمعة في الدار. فأنت لم تصنع بالدار واليوم شيئاً. ولكن لو قلت: هدمت الدار، وبنيت الدار لكانت مفعولة بمنزلة زيد؛ لأنك فعلت فعلاً أوصلته إليها.
وكذلك الحال هي مفعول فيها. تقول: جاءني زيد الطويل. فالطويل نعت، وكذلك مررت بأخيك الكريم. إنما معناه بأخيك الموصوف بالكرم المعروف به.
فإذا قلت: جاءني زيد ماشياً لم يكن نعتاً؛ لأنك لو قلت: جاءني زيد الماشي لكان معناه المعروف بالمشي، وكان جارياً على زيد؛ لأنه تحلية له وتبيين أنه زيد المعروف بهذه السمة؛ ليفصل ممن اسمه مثل اسمه بهذا الوصف.
فإذا قلت: جاءني زيد ماشياً لم ترد أنه يعرف بأنه ماش، ولكن خبرت بأن مجيئه وقع في هذه الحال، ولم يدلل كلامك على ما هو فيه قبل هذه الحالة أو بعدها.
فالحال مفعول فيها. إنما خبرت أن مجيئه وقع في حال مشى، وكذلك مررت بزيد ضاحكاً، وصادفت أخاك راكباً.
فالحال لا يعمل فيها إلا الفعل، أو شيء يكون بدلاً منه، دالاً عليه. وسنبين جميع ذلك إن شاء الله. فإذا كان العامل في الحال فعلً صلح تقديمها وتأخيرها؛ لتصرف العامل فيها، فقلت: جاء زيد راكباً، وراكباً جاء زيد، وجاء راكباً زيد. قال الله عز وجل: " خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث " . وكذلك قائماً لقيت زيداً، وقائماً أعطيت زيداً درهماً، وذاهباً إليك رأيت زيداً.
وإن كان العامل غير فعل لم تكن الحال إلا بعده، وذلك قولك: زيد في الدار قائماً، وفي الدار قائماً زيد، وفي الدار زيد قائماً. إذا كان قائماً بعد قولك في الدار انتصب. ولا يصلح قائماً في الدار زيد، ولا زيد قائماً في الدار، ولا قائماً زيد في الدار. لما أخرت العامل، ولم يكن فعلاً لم يتصرف الفعل، فينصب ما قبله. وهذا إذا جعلت في الدار خبراً فقلت: زيد في الدار، وفي الدار زيد، فاستغنى زيد بخبره قلت: قائماً ونحوه، لتدل على أية حال استقر.
فإن جعلت قائماً هو الخبر رفعته، وكان قولك في الدار فضلةً مستغنىً عنها؛ لأنك إنما قلت: زيد قائم، فاستغنى زيد بخبره، ثم خبرت أين محل قيامه؟، فقلت في الدار، ونحوه. وكل ما كان في الابتداء من هذا فكذلك مجراه في باب إن وأخواتها، وظننت وأخواتها، وكان وأخواتها.
إلا أنه ما كان من ذلك فعلاً، أو دخله معنى تصلح عليه الحال، وتنصبه عليه إذا أردت ذلك، نحو: ظننت زيداً قائماً أخاك، لأنك إنما ظننته في حال قيامه وكأن زيداً قائماً أخوك، أنه أشبهه في حال قيامه. ولو قلت: إن زيداً قائماً في الدار لم يجز؛ لأنك لا تنصبه بقولك في الدار، وهو قبله، ولم يحدث معنى مع إن يجب به نصب الحال لأن هذه العوامل كلها داخلة على الابتداء. قال الله عز وجل: " إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون " ، فجعل قوله " فاكهون " ، فجعل قوله فاكهون الخبر، وفي شغل تبيين كقولك في الدار، وقال: " إن المتقين في جنات وعيون آخذين " وقال: " إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين " على ما وصفنا.
وتقول: زيد بك مأخوذ، وزيد عليك نازل، وزيد فيك راغب، وزيد بك كفيل، وزيد إليك مائل، وزيد عنك محدث، ولا يكون في جميع ذلك إلا الرفع؛ لأنه لا يكون شيء مما ذكرنا ظرفاً لزيد. لو قلت: زيد فيك، أو زيد عنك أو زيد بك لم يصلح؛ لأن بك إنما هي ظرف لمأخوذ، وعليك ظرف لنازل. فاعتبر ما ورد عليك من هذا وشبهه بما ذكرت لك.
وتقول: زيد علينا أمير وأميراً لأنك لو قلت: زيد علينا وأنت تريد الإمارة كان مستقيماً. وتقول: زيد في الدار أبوه قائماً، على أن تجعل قائماً حالاً لأبيه وإن شئت رفعت. فإن جعلته حالاً لزيد لم يستقم؛ لأن زيداً ليس له في الظرف ضمير، ولا يستقيم زيد قائماً في الدار أبوه بوجه من الوجوه لأن الحال قبل العامل، وليس بفعل.

وتقول: مررت راكباً بزيد إذا جعلت الحال لك. فإن جعلتها لزيد لم يستقم؛ لأن العامل في زيد الباء، ولكن لو قلت: ضربت قائماً زيداً كان جيداً لأيكما جعلت الحال، وكذلك رأيت راكبةً هنداً.
فإن قلت: هذا ابن عمي دنيا، وهذه الدراهم وزن سبعة، وهذا الثوب نسج اليمن، وهذا الدرهم ضرب الأمير نصبت ذلك كله، وليس نصبه على الحال. لو كان كذلك لامتنع قولك: نسج اليمن، وضرب الأمير؛ لأن المعرفة لا تكون حالاً. ولكنها مصادر على قولك: ضرب ضرباً، ونسج نسجاً. وكذلك إن كان الذي قبله نكرة قلت: هذا درهم وزن سبعة، وهذا ثوب نسج اليمن، وهذا درهم ضرب الأمير.
وإن شئت رفعت فقلت: هذا درهم وزن سبعة، وهذا درهم ضرب الأمير، فنعته بالمصدر؛ لأن المصدر مفعول، فكأنك قلت: هذا درهم مضروب للأمير؛ وهذا ثوب منسوج باليمن.
فإن قلت: هذا درهم ضرب الأمير لم يجز أن يكون نعتاً، لأن النكرة لا تنعت بالمعرفة ولكن بينت. كأنك جعلته جواباً. لما قلت: هذا ثوب، وهذا درهم قيل: ما هو؟ فقلت: ضرب الأمير على الابتداء والخبر.
وعلى هذا تقول: مررت برجل زيد. وقال: " بشر من ذلكم النار " وقرئت الآية على وجهين " في أربعة أيام سواءً للسائلين " على المصدر فكأنه قال: استواءً. وقرأ بعضهم " أربعة أيام سواء " على معنى مستويات، وقال جل وعز: " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً " فالمعنى والله أعلم غائراً، فوضع المصدر موضع الاسم. وقالت الخنساء:
ترتع ما عقلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
فالمصدر في كل هذا في موضع الاسم. وقال لقيط بن زرارة:
شتان هذا، والعناق والنوم ... والمشرب البارد، والظل الدوم
يريد: الدائم.
فأما قولهم: هو عربي محضاً، وهو صميم قلباً، وهو عربي حسبةً، وهو شريف جداً فإنها مصادر مؤكدة لما قبلها. والأجود: هو عربي محض، وعربي قلب؛ لأن هذه أسماء وإن كانت تكون على هذا اللفظ مصادر، لأن المصدر ينعت به، والاسم لا يكون إلا نعتاً من هذا الضرب، إلا أن تجعله حالاً للنكرة. وأما هو أعرابي قح فلا يكون إلا رفعاً؛ لأنه ليس بمصدر.
فإذا قلت: هو عربي حسبةً فمعناه: اكتفاءً. يقال: أعطاني فأحسبني، أي كفاني. قال الله عز وجل: " عطاءً حساباً " ، أي كافياً.
هذا باب

تبيين الحال في العوامل
التي في معنى الأفعال، وليست بأفعال، وما يمتنع من أن تجري معه الحال
تقول: هذا لك كافياً، فتنصب الحال، لما في الكلام من معنى الفعل لأن معنى لك معنى تملكه.
فإن أردت أن تلغى لك قلت: هذا لك كاف يا فتى، تريد: هذا كاف لك، فتجعل كافياً خبر الابتداء، وتجعل لك ظرفاً للكفاية.
والآية تقرأ على وجهين: " قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " وخالصة على ما ذكرنا. وتقول: هذا عبد الله قائماً، فتنصب قائماً لأن قولك ها للتنبيه فالمعنى: انتبه له قائماً. وقال الله عز وجل " هذه ناقة الله لكم آية " و " وهذا بعلي شيخاً " فإن قلت: هذا زيد قائم صلح من أربعة أوجه: منها أنك لما قلت: هذا زيد استغنى الكلام بالابتداء وخبره، فجعلت قولك قائم خبر ابتداء محذوف. كأنك قلت: هو قائم، أو هذا قائم. فهذا وجه.
ويجوز أن تجعل زيداً بدلاً من هذا، أو تبييناً له، فيصير المعنى: زيد قائم. ويجوز أن تجعل زيداً، وقائماً كليهما الخبر، فتخبر بأنه قد جمع ذا وذا، كما تقول: هذا حلو حامض. تخبر أنه قد جمع الطعمين، ولا تريد أن تنقض الحلاوة بالحموضة. فهذه أربعة أوجه في الرفع.
تقول: زيد في الدار قائماً. إذا جعلت في الدار الخبر فمعناه استقر.
فإن قلت: زيد أبوك قائم. فلا معنى لنصب قائم إذا أردت بأبيك النسب، لأنه ليس ها هنا فعل، ولا معنى فعل، فلست تخبر أنه أبوك في حال دون حال.
فإن أردت معنى التبني جاز النصب فقلت: زيد أبوك قائماً، أي يتبناك في هذه الحال، ولا تبال بأيهما كان القيام.
والمسألة الأولى تقول فيها: زيد أبوك قائم. تجعل الأب نعتاً لزيد، أو بدلاً منه. وكذلك أخوك إذا أردت النسب كان كالأب. وإن أردت الصداقة دخل معنى الفعل، وصلح النصب.
وإن جعلت الأخ نعتاً، أو بدلاً كان الرفع في قائم لا غير. فعلى هذا وما أشبهه تصلح الحال، وتمتنع.
هذا باب
ما كانت الحال فيه مؤكدة لما قبلها

وذلك ما لم يكن مأخوذاً من الفعل.
تقول: زيد أبوك حقاً، وهو زيد معروفاً، وأنا عبد الله أمراً واضحاً. وذاك لأن هذه الحالات إنما تؤكد ما قبلها؛ لأنك إذا قلت: هو زيد، وأنا عبد الله فإنما تخبر بخبرين، فإذا قلت معروفاً، أو بيناً فإنما المعنى أني قد بينت لك هذا وأوضحته، وفيه الإخبار لأنه عليه يدل.
ولو قلت: أنا عبد الله منطلقاً لم يجز؛ لأن المنطلق لا يؤكدني.
ألا ترى أنك لو قلت: أنا عبد الله منطلقاً لكان المعنى فاسداً؛ لأن هذا الاسم لا يكون لي في حال الانطلاق ويفارقني في غيره، ولكن يجوز أن تقول: أنا عبد الله مصغراً نفسك لربك، ثم تقول: آكلاً كما يأكل العبيد، وشارباً كما يشرب العبيد؛ لأن هذا يؤكد ما صدرت به.
وكذلك لو قلت مفتخراً، أو موعداً: أنا عبد الله شجاعاً بطلاً، وهو زيد كريماً حليماً، أي فاعرفه بما كنت تعرفه به كان جيداً.
وهذا باب إنما يصلحه ويفسده معناه، فكل ما صلح به المعنى فهو جيد، وكل ما فسد به المعنى فمردود.
هذا بابما يكون من المصادر حالاً لموافقته الحال
وذلك قولك: جاء زيد مشياً. إنما معناه: ماشياً، لأن تقديره: جاء زيد يمشي مشياً، وكذلك جاء زيد عدواً، وركضاً، وقتلته صبراً لما دخله من المعنى؛ كما أن الحال قد تكون في معنى المصدر، فتحمل عليه. وذلك قولك: قم قائماً. إنما المعنى قم قياماً.
وتقول: هنيئاً مريئاً وإنما معناه: هنأك هناءً، ومرأك مراءً، ولكنه لما كان حالاً كان تقديره: وجب ذلك لك هنيئاً، وثبت لك هنيئاً.
ومثله قول الفرزدق:
ألم ترني عاهدت ربي وإنني ... لبين رتاج قائماً، ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلماً ... ولا خارجاً من في زور كلام
وإنما التقدير: لا أشتم شتماً، ولا أخرج خروجاً؛ لأنه على ذلك أقسم. فهذا وجه صحيح يصح عليه معنى هذا الشعر.
وأما عيسى بن عمر فإنه كان يجعل خارجاً حالاً، ولا يذكر ما عاهد عليه، ولكنه يقول: عاهدت ربي وأنا غير خارج من في زور كلام.
هذا باب

اشتراك المعرفة والنكرة
تقول: هذا رجل وعبد الله منطلق، إذا جعلت المنطلق صفة لرجل فإن جعلته صفة لعبد الله قلت: هذا رجل وعبد الله منطلقاً. كأنك قلت: هذا رجل، وهذا عبد الله منطلقاً.
فإن جعلت الشيء لهما جميعاً قلت: هذا رجل وعبد الله منطلقين، لا يكون إلا ذلك؛ لأنك لو قلت: منطلقاً لم يجز؛ لأنك لا تقول على معنى الحال: هذا عبد الله منطلق، ويجوز أن تقول: هذا رجل منطلقاً، فالحال يجوز لهما، والنعت لا يصلح من أجل عبد الله.
وتقول: هذان رجلان وعبد الله منطلقان، وهذان رجلان وعبد الله منطلقاً.
فإن جمعتهم قلت: هذا رجلان وعبد الله منطلقين على ما ذكرت لك.
وتقول: عندي عبد الله، ومررت برجل قائمين، فتنصب، وليس النصب ها هنا على الحال لاختلاف المعنيين، وكذلك لو كانا معرفتين، أو نكرتين.
تقول: هذا عبد الله، وجاءني زيد فارسين. إنما تنصب على أعني. ولو قلت: فارسان جاز على قولك هما لاختلاف العاملين.
وكان سيبويه يجيز: جاء عبد الله، وذهب زيد العاقلان على النعت؛ لأنهما ارتفعا بالفعل، فيقول: رفعهما من جهة واحدة. وكذلك هذا زيد، وذاك عبد الله العاقلان؛ لأنهما خبر ابتداء.
وليس القول عندي كما قال؛ لأن النعت إنما يرتفع بما يرتفع به المنعوت. فإذا قلت: جاء زيد، وذهب عمرو العاقلان لم يجز أن يرتفع بفعلين فإن رفعتهما بجاء وحدها فهو محال؛ لأن عبد الله إنما يرتفع بذهب، وكذلك لو رفعتهما بذهب لم يكن لزيد فيها نصيب.
وإذا قلت: هذا زيد فإنما يرتفع ومعناه الإشارة إلى ما قرب منك وذاك لما بعد، فقد اختلفا في المعنى.
وكذلك لو قلت: مررت بغلام زيد العاقلين. تريد أن تنعت الغلام، وزيداً لم يجز؛ لأن زيداً من تمام اسم الغلام وهذا قول الخليل، ولا يجوز غيره.
وكل ما كان في النعت فكذلك مجراه في الحال، فالنصب فيما كان كذلك على أعني، والرفع على هما، أو هم، والمعرفة والنكرة في ذلك سواء. فأما قوله:
إن بها أكتل أو رزاما ... خويربين ينقفان الهاما
فإنه إنما ذكر واحداً لقوله أو. فلو أراد الحال لقال خويربا ولكنه على أعني، ولو رفعه على هما لكان جيداً.

وتقول هذا رجل مع عبد الله قائمين على الحال؛ لأنك إذا قلت مع فقد أشركتهما في شيء واحد؛ كما تقول: هذا عبد الله وزيد. وتقول: هذا رجل مع رجل قائمين على الحال؛ لأن الوصف لا يصلح، لاختلاف إعرابهما، فصار الحال لا يجوز ها هنا غيره. وهذا مما إذا وقفت على معناه جرت لك ألفاظه على حقيقتها إن شاء الله.
هذا باب

دخول الحال فيما عملت فيه كان وأخواتها
وما أشبهها من باب العوامل
اعلم أن باب كان، وباب علمت وظننت داخلة كلها على الابتداء وخبره. فكل ما صلح في الابتداء صلح في هذه الأبواب، وما امتنع هناك امتنع هنا.
تقول: كان زيد في الدار قائماً. فإن شئت نصبت، وإن شئت جعلت في الدار الخبر، ونصبت قائماً على الحال.
وتقول: إن زيداً في الدار قائماً على الحال، وعلى القول الآخر: إن زيداً في الدار قائم. وكذلك ظننت زيداً في الدار قائماً. وإن كررت الظرف فكذلك تقول: إن زيداً في الدار قائم فيها، وكان زيد في الدار قائماً فيها.
وإن شئت قلت: إن زيداً في الدار قائماً فيها. يجري مجراه قبل التثنية. قال الله جل وعز: " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها " وقال " وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها " فكان ذلك بمنزلة هذا في الابتداء.
هذا باب
المعرفة الداخلة على الأجناس
اعلم أن الأشياء التي لا نستصحب فتحتاج إلى الفصل بين بعضها وبعض، تلحقها ألقاب تميز جنسها من جنس غيرها. وذلك قولك: هذه أم حبين، وهذا سام أبرص، وأبو بريص، وهذا أبو جخادب لضرب من الجنادب.
وكذلك: هذا أبو الحارث للأسد، وهذا أسامة، وهذا ثعالة للثعلب.
وهذه بنات أوبر لضرب من الكمأة، وهذا ابن قترة لضرب من الحيات، وهذه أم عامر، وحضاجر، وجيأل ونحو ذلك للضبع، وهذا حمار قبان، وهذا ابن عرس، وابن آوى. فهذه الأشياء معارف، وهذه الأسماء موضوعة عليها كزيد وعمرو، وليس معناها معنى زيد وعمرو؛ لأنك إذا قلت زيد فقد فصلت بهذا الاسم الرجل ممن هو مثله. فإذا قلت: هذا سام أبرص، وابن عرس فلست تفصل به واحداً من هذا النوع من صاحبه؛ لأنه ليس مما يتخذ فتقصد إلى تعريف بعضه من بعض؛ كما تفعل بالخيل والشاء والكلاب، ولكنما معناه: هذا الضرب من السباع، وهذا الضرب من الأجناس التي رأيتها وسمعت بها.
وزعم سيبويه أن قولك أسد، ثم تقول الأسد بمنزلة رجل، والرجل وأسامة، وأبو الحارث بمنزلة زيد، وأبي عمرو. وأن ابن عرس بمنزلة رجل كان اسمه كنيته لا أسماء له غيرها، وكذلك تقدير هذا، ومعناه ما ذكرت لك. يدلك على أنه معرفة أن آوى غير مصروف، وأنك لا تدخل في عرس ألفاً ولاماً، ولا تصرف قترة، وأسامة، وقبان، ولو كن نكرات لا نصرفن.
فأما ابن لبون، وابن مخاض فنكرة؛ لأنه مما يتخذ الناس، فهو نكرة إذا لم تعرف ما تضيف إليه. فإن أردت تعريفه عرفت ما تضيفه إليه؛ كما قال:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وقال:
وجدنا نهشلاً فضلت فقيماً ... كفضل ابن المخاض على الفصيل
وكذلك ابن ماء. إن أردت أن تعرفه عرفت الماء فقلت: هذا ابن الماء يا فتى: كما قال:
مفدمةً قزاً كأن عيونها ... عيون بنات الماء أفزعها الرعد
وقال آخر:
وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق
فنعته بالنكرة لأنه نكرة. فأخبار هذا كأخبار رجل ونحوه، وأخبار الأوائل كأخبار زيد وعمرو ونحوهما.
تقول: هذا ابن عرس مقبلاً، وهذا سام أبرص مقبلاً، ويجوز فيه الرفع من حيث جاز في زيد. ويجوز أن تقول: هذا ابن عرس مقبل؛ كما تقول: هذا زيد مقبل، إذا أردت زيداً من الزيدين، نحو: جاءني زيد وزيد آخر، وجاءني عثمان وعثمان آخر.
فإذا أردت أن تنكر ابن عرس جعلت عرساً نكرة، وكذلك نظراؤه تقول: هذا حمار قبان آخر، وهذا أسامة آخر.
هذا بابما كان من الأسماء نعتاً للمبهمة
وذلك ما كان من الأسماء فيه الألف واللام. نقول: هذا الرجل مقبل من خمسة أوجه: فأربعة مثل الذي ذكرنا في زيد ونحوه.
والوجه الخامس أن تجعل الاسم نعتاً للمبهم فنقول: هذا الرجل زيد. تجعل الرجل نعتاً: فيكون بمنزلة هذا زيد؛ كما تقول: زيد الطويل قائم، قال الشاعر:

توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام، وذا العام سابع
وإن جعلت الاسم خبراً فالنصب. تقول: هذا الرجل قائماً كقولك: هذا زيد قائماً.
هذا باب

تثنية الأسماء التي هي أعلام خاصة
ً
اعلم أنك إذا ثنيت منها شيئاً أو جمعته صار نكرة، وذلك قولك: هذان زيدان، وهؤلاء زيدون. وإنما صار نكرة وإن كان الواحد معرفة لأنك حيث قلت: هذان زيدان أخرجته مخرج اثنين من جماعة كلهم زيد. كأنك قلت: هذان زيدان من الزيدين.
ألا ترى أنك لم تسم واحداً منهما زيدين، ولا سميتهم جميعاً بزيدين، ولكنك ثنيت زيداً وزيداً. فجعلتهما بمنزلة رجلين.
فإن أردت تعريفهما قلت: هذان الزيدان؛ لأنك جعلتهما من أمة كل واحد منهم زيد نكرة، فصار بمنزلة قولك رجلين والرجلين. وكذلك قولك العمران، ومضت سنة العمرين، إنما جعلتهما من أمة كل واحد منهم عمر، فعرفتهما بالألف واللام.
وليس هذا بمنزلة قولك أبانان للجبلين؛ لأنك سمتهما جميعاً بهذا الاسم؛ كما تسمي الواحد بالاسم العلم. وجاز هذا في الأماكن لأنك تومئ إليها إيماءًً واحداً. ولأن كل واحد منهما لا يفارق صاحبه. ولا يكون مثل هذا الأناسي؛ لأن الواحد يفارق صاحبه، فتخبر عنه على حياله، ويزول ويتصرف.
ومثل أبانين عرفات. تقول: هؤلاء عرفات مباركاً فيها؛ لأن عرفات اسم مواضع، وليست مما يزول، أو يفارق منه شيء شيئاً.
فأما قولهم النجم إذا أردت الثريا فإنه معرفة بالألف واللام مجعول بهما علماً. فإن فارقتاه رجع إلى أنه نجم من النجوم.
والدليل على أنه علم، وأنه على غير مجاز قولك: الرجل أنك تأتي به على غير معهود، فتعلم أنك تعني الثريا، ولو قلت لغيره: رأيت النجم الذي تعلم في أول وهلة على هذا الوجه لكان على معهود كالرجل.
وكذلك الدبران لأنه مشتق من أنه يدبر النجم الذي يليه فإنما هو بمنزلة الغريين اللذين بالكوفة. كل واحد من هذين الاسمين معرفة بالألف واللام. فإن فارقتاه رجع نكرةً.
فإن قال قائل: فلم لا يكون الدبران معرفة بهذا الاشتقاق الذي هو له، وليس يقال لغيره؛ لأنه لا يقال لكل شيء دبر شيئاً دبران؟ قيل: هذا مشتق كالعدل والعديل. فالعدل للمتاع، والعديل لا يكون إلا للناس وكلاهما نكرة.
ويقال: أصابه دبران الشوق، ودبران المرض لما يأتي بعد. وكذلك الثريا إنما هو تصغير ثروى، وهي فعلى من الكثرة، فهذا يتهيأ في كل شيء. يقال: رجل ثروان وامرأة ثروى، فأما قوله:
لنا قمراها والنجوم الطوالع
يريد الشمس والقمر، فإنه جعل ذلك نكرة، وعرفه بالألف واللام، كما جاز أن يسميها قمرين. وهذا على التمثيل، كشيء يسمى به الرجل لجماله وبهائه.
وكذلك قول الشاعر:
جزاني الزهدمان جزاء سوء ... وكنت المرء أجزى بالكرامه
لأنه جعلهما من أمة كل واحد منهما زهدم على ما وصفت لك في زيد. وإنما هما زهدم وكردم. فجمعهما على اسم كما جمع الشمس والقمر على القمر.
وكذلك العمران، إنما هما أبو بكر وعمر. إلا أنه رد ذلك إلى مثل حكم الزيدين إذا جمعهما على اسم واحد.
وأنت إذا قلت: هذا زيد مقبل تريد: هذا واحد ممن له هذا الاسم، ولا تقصد إلى علم بعينه كان ذلك على منهاج ما ذكرنا في التثنية. فأما المضاف من الأسماء الأعلام فإنه لا يكون في التثنية والجمع إلا معرفة. تقول: هذا عبد الله، وهذان عبدا الله، وهؤلاء عبدو الله، وعبيد الله، وعباد الله، ولأدنى العدد أعبد الله؛ لأن هذا تعرفه بأنه مضاف إلى معرفة. فالذي يعرفه معه.
كذلك هذا غلام زيد، وهذان غلاما زيد. وكذلك ما كان منه كنية. تقول: هذا أبو زيد؛ لأنك تريد: هذان المعروفان بهذا الاسم، وصاحبا هذه الكنية، وهؤلاء أبو زيد، وآباء زيد. لا يكون إلا ذلك.
ومثله: هذان ابنا عم. وهذان ابنا خالة: أي كل واحد منهما مضاف إلى هذه القرابة. فإن أردت ألا تخبر عن الكنية نفسها، ولكن تخبر أن كل واحد منهما أو منهم له ابن يقال له زيد قلت: هذان أبوا الزيدين وهؤلاء آباء الزيدين. تخبر أنهم آباء هؤلاء القوم. كقولك: هاتان دارا الرجلين، ومنزلا أخويك.

والفصل بين هذا والأول، أنك تومئ في هذا الموضع إلى شخصين أو إلى شخوص تضيف إليها. وأنت في الأول إنما تقصد إلى كنية يعرف بها واحد أو اثنان أو ثلاثة، ولا تومئ إلى شخص هذا الاسم له. فعلى هذين المعنيين مجرى هذا.
هذا باب

الظروف من الأمكنة والأزمنة ومعرفة قسمها
وتمكنها، وامتناع ما يمتنع منها من التصرف، ويقال من الصرف
اعلم أن الظروف متضمنة للأشياء. فما كان منها معه فعل أو شيء في معنى الفعل فمجراه مجرى المفعول. فإن أطلقت الفعل عليه نصبته، وإن جعلته له أو شغلته عنه رفعته، ونصبه إذا انتصب على أنه مفعول فيه.
وذلك قولك: سرت يوم الجمعة، وجلست خلف زيد، ودون عبد الله، وقدام أخيك. فهذه كلها مفعول فيها بأنك جلست في هذا الموضع، وسرت في هذا الحين.
فإن شغلت الفعل قلت: يوم الجمعة سرت فيه، ومكانكم قمت فيه؛ كما تقول: عبد الله تكلمت فيه، وزيد شفعت فيه، وأخوك مررت به.
من رأى نصب هذا نصب الظروف بما سنذكره بعد هذا الباب إن شاء الله.
وذلك أن قولك: زيد مررت به ابتداء وخبر، ومررت به في موضع قولك منطلق إذا قلت: زيد منطلق. وكذلك: مكانكم قمت فيه، ويوم الجمعة سرت فيه بمنزلة قولك: يوم الجمعة مبارك ومكانكم حسن.
وإذا كان الفعل له فكذلك. تقول: مضى يوم الجمعة، وحسن مكانكم؛ لأنها أسماء كزيد وعمرو، وإن كانت مواضع للأشياء.
فأما ما يكون في معنى الفعل. فينتصب به فنحو قولك: المال لك يوم الجمعة؛ لأن معناه: تملك، وزيد في الدار يومنا هذا؛ لأن معناه الاستقرار، وزيد صديق عبد الله اليوم؛ لأن معناه أنه يؤاخيه في هذا اليوم.
واعلم أن الظروف من المكان تقع للأسماء والأفعال فأما وقوعها للأسماء فلأن فيها معنى الاستقرار. تقول: زيد خلفك، وزيد أمامك، وعبد الله عندكم؛ لأن فيه معنى استقر عبد الله عندك.
فأما الظروف من الزمان فإنها لا تتضمن الجثث؛ لأن الاستقرار فيها لا معنى له.
ألا ترى أنك تقول: زيد عندك يوم الجمعة لأن معناه زيد استقر عندك في هذا اليوم. ولو قلت: زيد يوم الجمعة لم يستقم، لأن يوم الجمعة لا يخلو منه زيد ولا غيره فلا فائدة فيه، ولكن القتال يوم الجمعة، واجتماعكم يوم الجمعة، واجتماعكم يوم كذا، وموعدكم اليوم يا فتى؛ لأنها أشياء تكون في هذه الأوقات، وقد كان يجوز أن تخلو منها.
ولو قلت: زيد أخوك يوم الجمعة، وأنت تريد االنسب لم يجز؛ لأنه ليس فيه معنى فعل، فلا يكون له وجه فائدة، ولكن إن قلت: زيد أخوك يوم الجمعة، تريد به الصداقة كان جيداً؛ لأنك قلت: يؤاخيك في هذا اليوم، فعلى هذا تجري هذه الأشياء.
واعلم أن هذه الظروف المتمكنة يجوز أن تجعلها أسماء فتقول: يوم الجمعة قمته، في موضع قمت به، والفرسخ سرته، ومكانكم جلسته، وإنما هذا اتساع، والأصل ما بدأنا به لأنها مفعول فيها، وليست مفعولاً بها. وإنما هذا على حذف حرف الإضافة.
ألا ترى أن قولك: مررت بزيد لو حذفت الباء قلت: مررت زيداً، إلا أنه فعل لا يصل إلا بحرف إضافة. وعلى هذا قول الله عز وجل: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً " إنما هو والله أعلم من قومه. فلما حذف حرف الإضافة، وصل الفعل فعمل. وقال الشاعر:
منا الذي اختير الرجال سماحةً ... وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
يريد: من الرجال، وقال الآخر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
يريد: بالخير. وقال:
أستغفر الله ذنباً لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل
يريد من ذنب. فهذا على هذا. فمما جاء مثل ما وصفت لك في الظروف قوله:
ويوم شهدناه سليماً وعامراً ... قليلاً سوى الطعن النهال نوافله
يريد: شهدنا فيه.
فأما قول الله عز وجل: " بل مكر الليل والنهار " فإن تأويله والله أعلم بل مكركم في الليل والنهار، فأضيف المصدر إلى المفعول؛ كما تقول: رأيت بناء دارك جيداً، فأضفت البناء إلى الدار، وإنما البناء فعل الباني.
وكذلك: ما أحسن خياطة ثوبك، والفعل إنما هو للفاعل، وجازت إضافته إلى المفعول، لأنه فيه يحل، والمفعول فيه كالمفعول به، قال الشاعر:
لقد لمتني يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
والمعنى: بنائم المطي فيه. ومثله:

فنام ليلى وتقضى همي
ويروى: وتجلى وقال:
أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في جوف منحوت من الساج
فهذه الظروف من الزمان والمكان، ما كان يقع منها معرفة ونكرة، ويتصرف فهو كزيد وعمرو، يجوز أن تجعله فاعلاً ومفعولاً مصححاً، وعلى السعة.
فأما المصحح فنحو قولك: شهدت يوم الجمعة، ووافيت يوم السبت ويوم الأحد، وقاسيت يوماً طويلاً. وأما على السعة فقولك: يوم الجمعة ضربته زيداً، تريد: ضربت فيه زيداً، فأوصلت الفعل إليه. فإن أجريته إذا جعلته مفعولاً مجرى ما لم يسم فاعله قلت: سير بزيد يومان، وسير على فرسك ليلتان. أقمت ذلك مقام الفاعل؛ كما تقول: دخل بزيد الدار.
وما أجريته من هذه الأسماء ظرفاً انتصب في هذا الموضع بأنه مفعول فيه، فقلت: سير بزيد يومين، لأنك أردت أن السير وقع في يومين، وأقمت بزيد مقام الفاعل وإن كان معه حرف خفض؛ لأن قولك: سير بزيد، بمنزلة قولك: ضرب زيد. ولهذا موضع نذكره فيه سوى هذا إن شاء الله.
وما كان من هذا من أسماء المكان فذلك مجراه. تقول: سير بزيد فرسخان، وسير زيد خلفك، وسير بزيد أمامك، وسير بزيد المكان الذي تعلم.
واعلم أن من هذه الظروف ظروفاً لا يجوز أن يكون العمل إلا في جميعها، وإنما ذلك على مقدار القصد إليها.
فمما لا يكون العمل في بعضه دون بعض قولك: صمت يوماً. لا يكون الصوم إلا منتظماً لليوم؛ لأنه حكم الصوم، وإنما معناه: أمسكت عن الطعام والشراب يوماً.
وكذلك: سرت فرسخاً، وميلاً لأنك موقت، وإنما تريد أن تخبر بمبلغ سيرك.
وتقول: لقيت زيداً يوم الجمعة فيكون اللقاء في بعض اليوم؛ لأنك لست بموقت، إنما أنت مؤرخ.
ولو قيل لك: كم يوماً لقيت زيداً؟ فقلت: شهراً لجرى جواباً ل كم؛ لأن معناه ثلاثون يوماً. وإنما كما سؤال عن عدد.
وإن قيل: متى لقيت زيداً؟ فقلت شهراً لم يجز؛ لأن اللقاء لا يكون إلا في بعض شهر. وإنما قال لك: متى لتوقت له فتعرفه. فإنما جواب ذلك يوم الجمعة، أو شهر رمضان، أو ما أشبه ذلك. وأين في المكان بمنزلة متى في الزمان، وكم داخلة على كل عدد؛ كما أن كيف مسألة عن كل حال.
فأما الظروف التي لا تتمكن فنحو: ذات مرة، وبعيدات بين، وسحر إذا أردت سحر يومك، وبكراً، وكذلك عشية، وعتمة، وذا صباح، وكل ما كان من معنى عشية، وضحوة، وكذلك أمس.
ومن المكان نحو: عند، وحيث وكل ما كان في معناهما مما لا يخص موضعاً. وهذه جمل يؤتى على تفصيلها إن شاء الله.
فمثل خلف، وأمام، وقدام يجوز أن تقع أسماء غير ظروف وذلك فيها قليل لما أذكره. ومثل اليوم، والليلة، والفرسخ، والميل، والنحو والناحية.
وما كان اسماً ليوم نحو: الثلاثاء، والأربعاء فأكثر تصرفاً في الأسماء لما أذكره لك إن شاء الله.
اعلم أن كل فعل تعدى، أو لم يتعد فإنه متعد إلى ثلاثة أشياء: إلى المصدر؛ لأنه منه مشتق وعليه يدل، وذلك قولك: قمت قياماً، وقعدت قعوداً؛ لأنك إذا قلت: قمت قياماً فإنما ذكرت أنك قد فعلت القيام فهو لازم للفعل.
وإذا قلت: قمت لم تدل على مفعول؛ فلذلك لم يتعد.
ألا ترى أنك تقول: ضربت، فتدل على أن لفعلك من قد وقع به؛ فلذلك تعدى إلى مفعول. فالفعل لا يتعدى إلا بما فيه من الدلالة عليه. فكل فعل لا يخلو من مصدره.
ويلي المصدر الزمان. فكل فعل يتعدى إلى الزمان، وذلك أنك إذا قلت: قمت دللت على أن فعلك فيما مضى من الدهر.
وإذا قلت: أقوم، وسأقوم دللت على انك ستفعل فيما يستقبل من الدهر. فالفعل إنما هو مبني للدهر بأمثلته، ف فعل لما مضى منه. ويفعل يكون لما أنت فيه ولما لم يقع من الدهر؛ فلذلك تقول: سرت يوماً، وسأسير يوم الجمعة لأنه لا ينفك منه.
والمكان لا يخلو فعل منه، وهو أبعد الثلاثة، لأن الفعل ليس بمبني من لفظه، ولا للمكان ماض ومستقبل فيكون الفعل لما مضى منه ولما لم يمض. ولكنك إذا قلت: فعلت، أو أفعل علم أن للحدث مكاناً؛ كما علم أنه في زمان.
فإن كان المكان مما لا يخلو الحدث منه حصره حصر الزمان، وتعدى الفعل إليه وإن كان المكان مخصوصاً، لم يتعد إلا كما يتعدى إلى زيد وعمرو.
فأما المكان الذي لا ينفك الحدث منه فنحو جلست مجلساً، وقمت مكاناً صالحاً؛ لأنه لا يقوم إلا في مكان، وإنما نعته بعد أن أعمل فيه الفعل، ولا يجلس إلا في مجلس.

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5