كتاب : المقتضب
المؤلف : المبرد

و كذلك قوله عز وجل: " و ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنةٌ فلا تكفر فيتعلمون " لأنه لم يجعل سبب تعليمهم قوله لا تكفر؛ كما تقول: لا تأتني فأضربك؛ لأنه يقول: إنك إن أتيتني ضربتك. وقوله: فلا تكفر حكاية عنهم، وقوله: فيتعلمون ليس متصلاً به. ولو كان كذلك كان لا تكفر فتتعلم يا فتى، ولكن هو محمول على قوله: " يعلمون الناس السحر " فيتعلمون منهم. لا يصح المعنى إلا على هذا أو على القطع أي: منهم يتعلمون.
و أما قول النابغة:
فلا زال قبرٌ بين بصرى وجاسم ... عليه من الوسمي سحٌّ ووابل
فينبت حوذانا وعوفا منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل
فإن الرفع الوجه، لأنه ليس بجواب. إنما هو فذاك ينبت حوذانا.و لو جعله جواباً لقوله: فلا زال كان وجهاً جيداً.
و تقول: لا تمددها فتشققها على العطف، فإن أردت الجواب قلت: فتشقها على ما فسرت لك.
وتقول: أين بيتك فأزورك؟ فإن أردت أن تجعله جواباً نصبت، وإن أردت أن تجعل الزيارة واقعة على حال قلت: أين بيتك فأنا أزورك على حال.
و تقول في الجزاء: من يأتني فيكرمني أعطه، لا يكون إلا ذلك؛ لأن الكلام معطوف على ما قبله.
فإن قلت: من يأتني آته فأكرمه كان الجزم الوجه، والرفع جائز على القطع على قولك: فأنا أكرمه.
و يجوز النصب وإن كان قبيحاً؛ لأن الأول ليس بواجب إلا بوقوع غيره.
و قد قرئ هذا الحرف على ثلاثة أضرب " يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء " بالجزم والرفع والنصب.
و ينشد هذا البيت رفعاً ونصباً؛ لأن الجزم يكسر الشعر وإن كان الوجه، وهو قوله:
و من يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرّاً ومسحبا
و تدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
و الواو والفاء في هذا سواء.
فأما قوله:
فقلت له: قرب ولا تجهدنه ... فيذرك من أخرى القطاة فتزلق
فإنما هو على العطف فدخل كله في النفي. أراد: ولا يدنك، ولا تزلقن.
و تقول: إلا تأتني فتكرمني أقعد عنك.
فالجزم الوجه في فتكرمني، والنصب يجوز من أجل النفي؛ لأن معناه إلا تأتني مكرماً؛ كما قال: ما تأتيني فتحدثني. أي ما تأتني محدثاً. وعلى هذا ينشد هذا البيت:
و من لا يقدم رجله مطمئنةٌ ... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
و اعلم أن الشاعر إذا اضطر جاز له أن ينصب في الواجب والنصب على إضمار أن. يذهب بالأول إلى الاسم على المعنى فيقول: أنت تأتيني فتكرمني. تريد: أنت يكون منك إتيان فإكرام فهذا لا يجوز في الكلام، وإنما يجوز في الشعر للضرورة؛ كما يجوز صرف ما لا ينصرف، وتضعيف ما لا يضعف في الكلام. قال:
سأترك منزلي لبني تميم ... و ألحق بالعراق فأستريحا
و قال الشاعر:
لنا هضبةٌ لا ينزل الذل وسطها ... و يأوي إليها المستجير فيعصما
هذا إنشاد بعضهم، وهو في الرداءة على ما ذكرت لك. وأكثرهم ينشد: ليعصما وهو الوجه الجيد.
هذا باب

الواو
اعلم أن الواو في الخبر بمنزلة الفاء، وكذلك كل موضع يعطف فيه ما بعدها على ما قبلها فيدخل فيما دخل فيه. وذلك قولك: أنت تأتيني وتكرمني، وأنا أزورك، وأعطيك، ولم آتك وأكرمك، وهل يذهب زيد، ويجيء عمرو؟ إذا استفهمت عنهما جميعاً، وكذلك: أين يذهب عمرو، وينطلق عبد الله؟ ولا تضربن زيداً، وتشتم عمراً؛ لأن النهي عنهما جميعاً.
فإن جعلت الثاني جواباً فليس له في جميع الكلام إلا معنى واحد،و هو الجمع بين الشيئين. وذلك قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. أي لا يكون منك جمع بين هذين.
فإن نهاه عن كل واحد منهما على حال: قال لا تأكل السمك وتشرب اللبن؛ لأنه أراد: لا تأكل السمك على حال ولا تشرب اللبن على حال.
فتمثيله في الوجه الأول لا يكن منك أكلٌ للسمك، وأن تشرب اللبن.
و على هذا القول لا يسعني شيءٌ ويعجز عنك لا معنى للرفع في يعجز، لأنه ليس يخبر أن الأشياء كلها لا تسعه، وأن الأشياء كلها لا تعجز عنه؛ كما قال:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
أي لا يجتمع أن تنهي وتأتي مثله. ولو جزم كان المعنى فاسداً.

و لو قلت بالفاء: لا يسعني شيء فيعجز عنك كان جيداً؛ لأن معناه: لا يسعني شيء إلا لم يعجز عنك، ولا يسعني عاجزاً عنك هذا تمثيل هذا؛ كما قلت لك في ما تأتيني فتحدثني أي إلا لم تحدثني، وما تأتيني محدثاً.
فمعنى الواو الجمع بين الشيئين. ونصبها على إضمار أن؛ كما كان في الفاء. وتنصب في كل موضع تنصب فيه الفاء؛ ألا ترى أن قولك: زرني وأزورك، إنما هو لتكن منك زيارة، وزيارة مني.
و لو أراد الأمر في الثاني لقال: زرني ولأزرك. حتى يكون الأمر جارياً عليهما.
و النحويون ينشدون هذا البيت على ضربين، وهو قول الشاعر:
لقد كان في حول ثواءٍ ثويته ... تقضى لباناتٌ ويسأم سائم
فيرفع يسأم لأنه عطفه على فعل وهو تقضى فلا يكون إلا رفعاً.
و من قال: تقضى لبانات قال: ويسأم سائم؛ لأن تقضى اسمٌ، فلم يجز أن تعطف عليه فعلاً. فأضمر أن ليجري المصدر على المصدر، فصار: تقضى لبانات وأن يسأم سائم: أي وسآمة سائم. وعلى هذا ينشد هذا البيت:
للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
أي: وأن تقر عيني.
فأما قوله:
ألم أك جاركم ويكون بيني ... و بينكم المودة والإخاء
فإنه أراد: ألم يجتمع كون هذا منكم، وكون هذا مني؟! و لو أراد الإفراد فيهما لم يكن إلا مجزوماً. كأنه قال: ألم يكن بيني وبينكم.
و الآية تقرأ على وجهين " و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " على ما ذكرت لك.
هذا باب

أو
و هي تكون للعطف فتجري ما بعدها على ما قبلها؛ كما كان ذلك في الاسم إذا قلت: ضربت زيداً أو عمراً.
و يكون مضمراً بعدها أن إذا كان المعنى: إلا أن يكون، وحتى يكون، وذلك قولك: أنت تضرب زيداً، أو تكرم عمراً على العطف. وقال الله عز وجل: " ستدعون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أو يسلمون " أي يكون هذا، أو يكون هذا.
فأما الموضع الذي تنصب فيه بإضمار أن فقولك: لألزمنك أو تقضيني؛ أي؛ إلا أن تقضيني، وحتى تقضيني.
و في مصحف أبي " تقاتلونهم أو يسلموا " على معنى إلا أن يسلموا، وحتى يسلموا.
و قال امرؤ القيس:
فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
أي: إلا أن نموت.
و قال زيادٌ الأعجم:
و كنت إذا غمزت قناة قومٍ ... كسرت كعوبها أو تستقيما
و يقال: أتجلس أو تقوم يا فتى؟ كالمعنى: أيكون منك واحدٌ من الأمرين.
و تقول: هل تكلمنا أو تنبسط إلينا. لا معنى للنصب هاهنا. قال الله عز وجل: " هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون " .
فجملة هذا: أن كل موضع تصلح فيه حتى، وإلا أن فالنصب فيه جائزٌ جيد إذا أردت هذا المعنى، والعطف على ما قبله مستعملٌ في كل موضع.
هذا باب
أن
اعلم أن أن والفعل بمنزلة المصدر. وهي تقع على الأفعال المضارعة فتنصبها، وهي صلاتها. ولا تقع مع الفعل حالاً؛ لأنها لما لم يقع في الحال، ولكن لما يستقبل.
فإن وقعت على الماضي؛ نحو: سرني أن قمت، وساءني أن خرجت كان جيداً. قال الله عز وجل: " و امرأة مؤمنةً أن وهبت نفسها للنبي " :أي لأن كان هذا فيما مضى.
فهذا كله لا يلحق الحال؛ لأن الحال لما أنت فيه.
و اعلم أن هذه لا تلحق بعد كل فعل، إنما تلحق إذا كانت لما لم يقع بعد ما يكون توقعاً لا يقيناً؛ لأن اليقين ثابت. وذلك قولك: أرجو أن تقوم يا فتى، وأخاف أن تذهب يا فتى. كما قال: عز وجل: " نخشى أن تصيبنا دائرةٌ " .
و لو قلت: أعلم أن تقوم يا فتى لم يجز؛ لأن هذا شيء ثابت في علمك،فهذا من مواضع أن الثقيلة؛ نحو: أعلم أنك تقوم يا فتى.
و تقول: أظن أنك ستقوم؛ لأنه شيءٌ قد استقر في ظنك؛ كما استقر الآخر في علمك، كما قال الله تبارك اسمه: " الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم " .
فإن قيل: إن يظنون هاهنا يوقنون. فهكذا هو، ولكنها في الثبات في الظن وفي إعمالها على الوجه الآخر. إلا أنها إذا أرد بها العلم لم تكن إلا مثقلة. فإن أريد بها الشك جاز الأمران جميعاً. والتثقيل في الشك أكثر استعمالاً؛ لثباته في الظن كثبات الأخرى في العلم.
فأما الوجه الذي يجوز فيه الخفيفة فإنه متوقع غير ثابت المعرفة. قال الله عز وجل: " تظن أن يفعل بها فاقرةٌ " .

و أما " إن ظنا أن يقيما حدود الله " وقولهم: معناه: أيقنا فإنما هو شيء متوقع، الأغلب فيه ذا، إلا أنه علم ثابت؛ ألا تراه قال: " فظنوا أنهم مواقعوها " لما كان أيقنوا.
و اعلم أن لا إذا دخلت على أن جاز أن تريد ب أن الثقيلة، وأن تريد الخفيفة.
فإن أردت الثقيلة رفعت ما بعدها؛ لأنه لا يحذف منها التثقيل إلا مع الإضمار. وهذا لك في باب إن وأن. وإنما تقع الخفيفة والثقيلة على ما قبلها من الأفعال ولا يجوز الإضمار إلا أن تأتي بعوض.
و العوض: لا، أو السين، أو سوف، أو نحو ذلك مما يلحق الأفعال.
فأما لا وحدها فإنه يجوز أن تريد ب أن التي قبلها الخفيفة، وتنصب ما بعدها؛ لأن لا لا تفصل بين العامل والمعمول به، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد؛ كما تقول: مررت برجل قائم، وقاعد. وذلك قولك: أخاف ألا تذهب يا فتى، وأظن ألا تقوم يا فتى؛ كما قال: " إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله " .
و في ظننت وبابها تكون الخفيفة والثقيلة كما وصفت لك. قال الله عز وجل: " و حسبوا أن لا تكون فتنةٌ " وأن لا يكون فالرفع على: أنها لا تكون فتنة. وكذلك " أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً " : أي أنه لا يرجع إليهم قولاً. لا يرون في معنى يعلمون، فهو واقع ثابت.
فأما السين وسوف، فلا يكون قبلهما إلا المثقلة. تقول: علمت أن سيقومون، وظننت أن سيذهبون، وأن سوف تقومون؛ كما قال: " علم أن سيكون منكم مرضى " . ولا يجوز أن تلغى من العمل والعمل كما وصفت لك.
و لا يجوز ذلك في السين وسوف؛ لأنهما لا يلحقان على معنى لا، فإنما الكلام بعد لا على قدر الفصل. قال: " لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرن " . ف يعلم منصوبةٌ، ولا يكون إلا ذلك؛ لأن لا زائدة. وإنما هو لأن يعلم. وقوله: " أن لا يقدرون " إنما هو: أنهم لا يقدرون. وهي في بعض المصاحف " أنهم لا يقدرون " .
هذا باب الفعل بعد أن وانقطاع الآخر من الأول اعلم أنك إذا أردت بالثاني ما أردت بالأول من الإجراء على الحرف لم يكن إلا منسوقاً عليه. تقول: أريد أن تقوم فتضرب زيداً، وأريد أن تأتيني وتكرمني، وأريد أن تجلس ثم تتحدث يا فتى.
فإذا كان الثاني خارجاً عن معنى الأول كان مقطوعاً مستأنفاً، وذلك قولك: أريد أن تأتيني فتقعد عني؟ وأريد أن تكرم زيداً فتهينه؟! فالمعنى: أنه لم يرد الإهانة. إنما أراد الإكرام. فكأنه في التمثيل: أريد أن تكرم زيداً فإذا أنت تهينه، وأريد أن تأتيني فإذا أنت تقعد عني، كما قال:
و الشعر لا يضبطه من يظلمه
إذا ارتقى فيه لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
يريد أن يعربه فيعجمه
أي: فإذا هو يعجمه. أي: فإذا هو هذه حاله. فعلى هذا يجري في هذا الباب.
و لو قال قائل: أريد أن تأتيني وأنت تكرمني، أي: أريد أن تأتيني وهذه حالك لجاز.
و تقول: أريد أن تتكلم بخير أو تسكت يا فتى. فالنصب على وجهين: أحدهما: أريد ذا أو ذا.
و الوجه الآخر: أن يكون حتى تسكت، كما تقول: لأجلسن معك أو تنصرف يا فتى. على قولك: حتى تنصرف.
فأما قوله عز وجل: " وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً " فإن النحويين يزعمون أن الكلام ليس محمولاً على أن يكلمه الله، ولو كان يرسل محمولاً على ذلك لبطل المعنى؛ لأنه كان يكون ما كان لبشر أن يكلمه الله أو يرسل، أي ما كان لبشر أن يرسل الله إليه رسولاً. فهذا لا يكون. ولكن المعنى والله أعلم ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً، أي: إلا أن يوحي، أو يرسل، فهو محمول على قوله وحياً، أي: إلا وحياً، أو إرسالاً.
و أهل المدينة يقرؤون أو يرسل رسولاً يريدون: أو هو يرسل رسولاً، أي فهذا كلامه إياهم على ما يؤديه الوحي والرسول.
و أما قوله " لنبين لكم ونقر في الأرحام " . على ما قبله، وتمثيله: ونحن نقر في الأرحام ما نشاء.
و أما قوله " و لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة " فيقرأ رفعاً ونصباً.
فأما النصب فعلى قوله " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس " أي ما كان له أن يقول للناس ولا أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة.
و من قرأ يأمركم فإنما أراد: ولا يأمركم الله، وقطعه من الأول.
فالمعنيان جميعاً جيدان يرجعان إلى شيءٍ واحد إذا حصلا.

و لو قال قائل: أريد أن تأتيني ثم تحسن إلي، لكان معناه: أريد إتيانك ثم قد استقر عندي أنك تحسن إلي. أي فهذا عندك معلوم عندي. والتقدير في العربية: أريد أن تأتيني ثم أنت تحسن إلي.
و تقول: أمرته أن يقوم يا فتى. فالمعنى: أمرته بأن يقوم، إلا أنك حذفت حرف الخفض. وحذفه مع أن جيد.
و إذا كان المصدر على وجهه جاز الحذف، ولم يكن كحسنه مع أن؛ لأنها وصلتها اسمٌ. فقد صار الحرف والفعل والفاعل اسماً. وإن اتصل به شيءٌ صار معه في الصلة. فإذا طال الكلام احتمل الحذف.
فأما المصدر غير أن فنحو: أمرتك الخير يا فتى؛ كما قال الشاعر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال واذا نشب
فهذا يصلح على المجاز. وأما أن فالأحسن فيها الحذف؛ كما قال الله عز وجل: " و قضى ربك أن ألا تعبدوا إلا إياه " ومعنى قضى هاهنا: أمر.
و أما قوله: " و أمرت لأن أكون " فإنما حمل الفعل على المصدر، فالمعنى والله أعلم : أوقع إلي هذا الأمر لذا.
و هذه اللام تدخل على المفعول فلا تغير معناه؛ لأنها لام إضافة، والفعل معها يجري مجرى مصدره كما يجري المصدر مجراه في الرفع والنصب لما بعده؛ لأن المصدر اسم الفعل. قال الله عز وجل: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " .
و قال بعض المفسرين في قوله: " قل عسى أن يكون ردف لكم " معناه: ردفكم.
و تقول: لزيدٍ ضربت، ولعمرو أكرمت إذا قدمت المفعول؛ لتشغل اللام ما وقعت عليه.فإن أخرته فالأحسن ألا تدخلها،إلا أن يكون المعنى ما قال المفسرون فيكون حسناً، وحذفه أحسن؛ لأن جميع القرآن عليه.
هذا باب

حتى
اعلم أن الفعل ينصب بعدها بإضمار أن؛ وذلك لأن حتى من عوامل الأسماء الخافضة لها. تقول: ضربت القوم حتى زيد، ودخلت البلاد حتى الكوفة، وأكلت السمكة حتى رأسها؛ أي لم أبق منها شيئاً. فعملها الخفض. وتدخل الثاني فيما دخل فيه الأول من المعنى؛ لأن معناها إذا خفضت كمعناها إذا نسق بها؛ فلذلك خالفت إلى. قال الله عز وجل: " سلامٌ هي حتى مطلع الفجر " .
فإذا وقعت عوامل الأسماء على الأفعال، لم يستقم وصلها بها إلا على إضمار أن؛ لأن أن والفعل اسم مصدر، فتكون واقعة على الأسماء. وذلك قولك: أنا أسير حتى تمنعني، وأنا أقف حتى تطلع الشمس. فإذا نصبت بها على ما وصفت لك كان ذلك على أحد معنيين على كي، وعلى إلى أن؛ لأن حتى بمنزلة إلى.
فأما التي بمعنى إلى أن فقولك: أنا أسير حتى تطلع الشمس، وأنا أنام حتى يسمع الأذان.
و أما الوجه الذي تكون فيه بمنزلة كي فقولك: أطع الله حتى يدخلك الجنة وأنا أكلم زيداً حتى يأمر لي بشيءٍ.
فكل ما اعتوره واحد من هذين المعنيين، فالنصب له لازمٌ على ما ذكرت لك.
و اعلم أن حتى يرتفع الفعل بعدها. وهي حتى التي تقع في الاسم ناسقةً. نحو: ضربت القوم حتى زيداً ضربته ومررت بالقوم حتى زيدٍ مررت به، وجاءني القوم حتى زيدٌ جاءني. وقد مضى تفسير هذا في باب الأسماء.
فالتي تنسق ثم تنسق هاهنا؛ كما كان ذلك في الواو والفاء وثم، وجميع حروف العطف.
فالرفع يقع بعدها على وجهين يرجعان إلى وجه واحد وإن اختلف موضعاهما: و ذلك قولك: سرت حتى أدخلها، أي: كان مني سيرٌ فدخول. فأنت تخبر أنك في حال دخول اتصل به سيرك؛ كما قال الشاعر:
فإن المندى رحلةٌ فركوب
فليس في معنى هذا كي، ولا إلى أن، إنما خبرت بأن هذا كذا وقع منك.
و الوجه الآخر: أن يكون السبب متقدماً غير متصل بما تخبر عنه، ثم يكون مؤدياً إلى هذا، كقولك: مرض حتى لا يرجونه، أي: هو الآن كذاك، فهو منقطع من الأول، ووجوده إنما هو في الحال كما ذكرت لك فيما قبله.
فذلك قولي: يرجعان إلى شيءٍ واحد. ومثل ذلك مرض حتى يمر به الطائر فيرحمه. أي هو الآن كذلك.
فمثل النصب قوله:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... و حتى الجياد ما يقدن بأرسان
أي: إلى أن. ومثل الرفع تمام البيت، وهو: حتى الجياد.
و نظير الرفع في الأسماء قوله:
فيا عجباً حتى كليبٌ تسبني ... كأن أباها نهشلٌ أو مجاشع
أي: وحتى كليب هذه حالها؛ كما أن نظير النصب: ضربت القوم حتى زيد في الأسماء لأن المعنى: ضربت القوم حتى انتهيت إلى هذا الموضع.
هذا بابمسائل حتى في البابين: النصب، والرفع

تقول: سرت حتى أدخلها، وتطلع الشمس. إذا أردت معنى إلى أن أدخلها.
فإن أردت وجه الرفع لم يجز في قولك: حتى تطلع الشمس، لأن طلوع الشمس لم يؤده فعلك. والصواب أن تقول إذا أردت الرفع: سرت حتى أدخلها، وحتى تطلع الشمس؛ لأن الدخول كان بعملك، وطلوع الشمس لا يكون بعملك. فالمعنى: سرت حتى أنا في حال دخول، وكان ذلك السير إلى أن تطلع الشمس.
و تقول: سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها، وإن شئت أدخلها.
و لو قلت: ما سرت حتى أدخلها لم يجز؛ لأنك لم تخبر بشيءٍ يكون معه الدخول.
فإن قلت: أقول: ما سرت حتى أدخلها: أي ما سرت وأنا الساعة أدخلها. قيل: ليس هذا معنى حتى. إنما معناها أن يتصل ما بعدها بما قبلها؛ كما تقول: أكلت السمكة حتى رأسها. فالرأس قد دخل في الأكل؛ لأن معناها عاملةً ومعناها عاطفةً واحدٌ وإن اختلف اللفظان.
و أما قوله عز وجل: " و زلزلوا حتى يقول الرسول " فإنها تقرأ بالنصب والرفع.
فالرفع على قوله فإذا الرسول في حال قوله.
و النصب على معنى إلى أن يقول الرسول.
و لو قلت: كان سيري حتى أدخلها لم يجز إلا النصب، لأن حتى في موضع خبر. كأنك قلت: كان سيري إلى هذا الفعل.
و لو قلت: كان سيري سيراً متعباً حتى أدخلها جاز الرفع والنصب، لأن الخبر قولك: سيراً متعباً.
و كذلك كان سيري أمس حتى أدخلها. إن جعلت الخبر حتى وما بعدها لم يكن إلا النصب، وإن جعلت الخبر في قولك: أمس، كان النصب والرفع على ما وصفت لك.
هذا باب

الحروف التي تجزم الأفعال
و هي لم ولما، ولا في النهي، واللام في الأمر، وحروف المجازاة وما اتصل بها على معناها. وذلك قولك: لم يقم عبد الله، ولم يذهب أخوك، ولا تذهب يا زيد، ولما يقم عبد الله، وليقم زيد.
و الدعاء يجري مجرى الأمر والنهي. وإنما سمي هذا أمراً ونهياً، وقيل للآخر طلبٌ للمعنى، فأما اللفظ الواحد. وذلك قولك في الطلب: اللهم اغفر لي، ولا يقطع الله يد زيد. وليغفر لخالد. فإنما تقول: سألت الله. ولا تقل: أمرت الله. وكذلك لو قلت للخليفة: انظر في أمري، أنصفني لقلت: سألته، ولم تقل: أمرته.
فأما قولك: اضرب واقتل فمبنيٌّ غير مجزوم لما قد تقدم من شرحنا له، ومن أنه ليس فيه حرف من حروف المضارعة التي يجب بها الإعراب.
فاللام في الأمر للغائب ولكل من كان غير مخاطب، نحو قول القائل: قم ولأقم معك. فاللام جازمة لفعل المتكلم.
و لو كانت للمخاطب لكان جيداً على الأصل، وإن كان في ذلك أكثر،لاستغنائهم بقولهم: افعل عن لتفعل. وروي أن رسول الله قرأ: " فبذلك فلتفرحوا " بالتاء.
هذا باب
المجازاة وحروفها
و هي تدخل للشرط. ومعنى الشرط: وقوع الشيء لوقوع غيره.
فمن عواملها من الظروف: أين، ومتى، وأنى، وحيثما.
و من الأسماء: من، وما، وأي، ومهما.
و من الحروف التي جاءت لمعنى: إن، وإذما.
و إنما اشتركت فيها الحروف والظروف والأسماء لاشتمال هذا المعنى على جميعها.
فحرفها في الأصل إن وهذه كلها دواخل عليها لاجتماعها.
و كل بابٍ فأصله شيءٌ واحدٌ، ثم تدخل عليه دواخل؛ لاجتماعها في المعنى. وسنذكر إن كيف صارت أحق بالجزاء؟ كما أن الألف أحق بالاستفهام، وإلا أحق بالاستثناء، والواو أحق بالعطف مفسراً إن شاء الله في هذا الباب الذي نحن فيه.
فأما إن فقولك: إن تأتني آتك، وجب الإتيان الثاني بالأول، وإن تكرمني أكرمك، وإن تطع الله يغفر لك، كقوله عز وجل: " إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " " وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم " " و إن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم " .
و المجازاة ب إذما قولك: إذما تأتني آتك؛ كما قال الشاعر:
إذ ما أنيت على الرسول فقل له ... حقاً عليك إذا اطمأن المجلس
و لا يكون الجزاء في إذ ولا في حيث بغير ما؛ لأنهما ظرفان يضافان إلى الأفعال. وإذا زدت على كل واحد منهما ما منعتا الإضافة فعملتا. وهذا في آخر الباب يشرح بأكثر من هذا الشرح إن شاء الله.
و أما المجازاة ب من فقوله عز وجل: " و من يتق الله يجعل له مخرجاً " وقوله: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً " .
و ب ما قوله: " ما يفتح الله للناس من رحمةٍ فلا ممسك لها " .
و ب أين قوله عز وجل: " أينما تكونوا يدرككم الموت " . وقال الشاعر:

أين تضرب بنا العداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتلاقي
و ب أنى قوله:
فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها ... كلا مركبيها تحت رجليك شاجر
و من حروف المجازاة مهما. وإنما أخرنا ذكرها؛ لأن الخليل زعم أنها ما مكررة، وأبدلت من الألف الهاء. وما الثانية زائدة على ما الأولى؛ كما تقول: أين وأينما، ومتى ومتى ما، وإن وإما، وكذلك حروف المجازاة إلا ما كان من حيثما وإذما. فإن ما فيهما لازمة. لا يكونان للمجازاة إلا بها، كما تقع رب على الأفعال إلا ب ما في قوله: " ربما يود الذين كفروا " ، ولو حذفت منها ما لم تقع إلا على الأسماء النكرات، نحو: رب رجل يا فتى.
و المجازاة ب أي قوله: " أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى " .
و ب متى قول طرفة:
متى تأتني أصبحك كأساً رويةً ... و إن كنت عنها غانياً فاغن وازدد
و هذه الحروف كلها هذا مجازها.
فأصل الجزاء أن تكون أفعاله مضارعةً؛ لأنه يعربها. ولا يعرب إلا المضارع. فإذا قلت: إن تأتني آتك. ف تأتني مجزومة بإن، وآتك مجزومة بإن وتأتني ونظير ذلك من الأسماء قولك: زيد منطلق. فزيد مرفوع بالابتداء. والخبر رفع بالابتداء والمبتدأ.
و لا تكون المجازاة إلا بفعل؛ لأن الجزاء إنما يقع بالفعل، أو بالفاء لأن معنى الفعل فيها.
فأما الفعل فقولك: إن تأتني أكرمك، وإن تزرني أزرك.
و أما الفاء فقولك: إن تأتني فأنا لك شاكر، وإن تقم فهو خير لك.
و قد يجوز أن تقع الأفعال الماضية في الجزاء على معنى المستقبلة؛ لأن الشرط لا يقع إلا على فعل لم يقع. فتكون مواضعها مجزومة، وإن لم يتبين فيها الإعراب؛ كما أنك إذا قلت: جاءني خمسة عشر رجلاً كان موضعه موضع رفع وإن لم يتبين فيه البناء. وكذلك جاءني من عندك، ومررت بالذي في الدار؛ كل ذلك غير معرب في اللفظ وموضعه موضع الإعراب.
و ذلك قولك: إن أتيتني أكرمتك، وإن جئتني جئتك.
فإن قال قائل: فكيف أزالت الحروف هذه الأفعال عن مواضعها وإنما هي لما مضى في الأصل؟ قيل له: الحروف تفعل ذلك لما تدخل له من المعاني؛ ألا ترى أنك تقول: زيد يذهب يا فتى فيكون لغير الماضي. فإن قلت: لم يذهب زيد كان ب لم نفياً لما مضى، وصار معناه: لم يذهب زيد أمس، واستحال لم يذهب زيد غداّ.
و إنما قلنا: إن إن أصل الجزاء؛ لأنك تجازي بها في كل ضرب منه. تقول: إن تأتني آتك، وإن تركب حماراً أركبه، ثم تصرفها منه في كل شيء. وليس هكذا سائرها. وسنذكر ذلك أجمع.
تقول في من: من يأتني آته، فلا يكون ذلك إلا لما يعقل. فإن أردت بها غير ذلك لم يكن.
فإن قال قائل: فقد قال الله عز وجل: " و الله خلق كل دابةٍ من ماءٍ فمنهم من يمشي على بطنه " فهذا لغير الآدميين، وكذلك " و منهم من يمشي على أربع " .
قيل: إنما جاز هذا؛ لأنه قد خلط مع الآدميين غيرهم بقوله: " والله خلق كل دابةٍ من ماءٍ " ، وإذا اختلط المذكوران جرى على أحدهما ما هو للآخر إذا كان في مثل معناه، لأن المتكلم يبين به ما في الآخر وإن كان لفظه مخالفاً. فمن ذلك قول الشاعر:
شراب ألبانٍ وتمرٍ وإقط
فالتمر والإقط لا يقال فيهما: شربا، ولكن أدخلهما مع ما يشرب فجرى اللفظ واحداً، والمعنى أن ذلك يصير إلى بطونهم. ومثله:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلداً سيفاً ورمحا
لأن معنى المتقلد: حامل، فلما خلط بينهما جرى عليهما لفظٌ واحد. وعلى هذا أنشدوا بيت الحطيئة:
سقوا جارك العيمان لما جفوته ... و قلص عن برد الشراب مشافره
سناماً ومحضاً أنبتا اللحم فاكتست ... عظام امرىءٍ ما كان يشبع طائره
و ليس هذا بشيء. إنما الرواية: قروا. والدليل على ذلك أنه بدأ بالسنام فلا يقع إلى جانب سقوا.
و قال قوم: بلى كان السنام يذاب في المحض فيشرب. فإن كان كذاك فلا حجة في البيت.
و ما تكون لغير الآدميين؛ نحو ما تركب أركب، وما تصنع أصنع. فإن قلت: ما يأتني آته تريد: الناس لم يصلح.
فإن قيل: فقد قال الله عز وجل: " و السماء وما بناها " . ومعناه: ومن بناها، وكذلك " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " .

قيل: قد قيل ذلك. والوجه الذي عليه النحويون غيره، إنما هو والسماء وبنائها، وإلا على أزواجهم أو ملك أيمانهم. فهي مصادر وإن دلت على غيرها ممن يملك. كقولك: هذا ملك يمينك، وهذا الثوب نسج اليمن وهذا الدرهم ضرب الأمير. ولو كان على ما قالوا لكان على وضع النعت في موضع المنعوت لأن ما إنما تكون لذوات غير الآدميين. ولصفات الآدميين. تقول: من عندك؟ فيقول: زيدٌ. فتقول: ما زيدٌ؟ فيقول: جوادٌ أو بخيلٌ أو نحو ذلك، فإنما هو لسؤال عن نعت الآدميين. والسؤال عن كل ما يعقل ب من كما قال عز وجل: " أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض " . ف من لله عز وجل؛ كما قال: " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " وهذا في القرآن أكثر. وقال تبارك اسمه: " و من عنده لا يستكبرون عن عبادته " . يعني الملائكة. وكذلك في الجن في قوله: " فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً " فهذا قولي لك: إنها لما يخاطب ويعقل.
و من هذه الحروف متى ولا تقع إلا للزمان، نحو: متى تأتني آتك، ومتى خرج زيد؟ في الاستفهام. فجواب هذا يوم الجمعة وما أشبهه.
و كذلك أين لا تكون إلا للمكان. وذلك كله مخطور معروف في الجزاء والاستفهام. وحيث وقع حرف من هذه الحروف.
فأما إن فإنها ليست باسم ولا فعل، إنما هي حرف، تقع على كل ما وصلته به ، زماناً كان أو مكاناً أو آدمياً أو غير ذلك. تقول: إن يأتني زيدٌ آته. وإن يقم في مكان كذا وكذا أقم فيه، وإن تأتني يوم الجمعة آتك فيه.
و كذلك الألف في الاستفهام. تدخل على كل ضرب منه، وتتخطى ذلك إلى التقرير والتسوية: فالتقرير: قولك: أما جئتني فأكرمتك. وقوله عز وجل: " أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين " .
و التسوية: ليت شعري أقام زيد أم قعد. وقد علمت أزيد في الدار أم عمرو.
فأما قولنا في إذ وحيث: إن الجزاء لا يكون فيهما إلا بما وما ذكرنا من أنا سنفسره فهذا موضع تفسيره.
أما إذ فتنبىء عن زمان ماض، وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال فإذا أضيفت إليها كانت معها كالشيء الواحد، ومتى جزمتها فصلت منها؛ ألا ترى أنك تقول: جئتك يوم خرج زيدٌ، وهذا يوم يخرج زيد، و " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " فلما وصلتها ب ما جعلتهما شيئاً واحداً فانفصلت من الإضافة فعملت.
و حيث اسم من أسماء المكان مبهمٌ يفسره ما يضاف إليه. فحيث في المكان كحين في الزمان فلما ضارعتها أضيفت إلى الجمل، وهي الابتداء والخبر، أو الفعل والفاعل. فلما وصلتها ب ما امتنعت من الإضافة فصارت ك إذ إذا وصلتها ب ما.
فأما سائر الحروف التي ذكرنا سواهما فأنت في زيادة ما وتركها مخير. تقول: إن تأتني آتك، وإما تأتني آتك، وأين تكن أكن، وأينما تكن أكن، وأياً تكرم يكرمك، و " أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى " .
ف ما تدخل على ضربين: أحدهما: أن تكون زائدة للتوكيد فلا يتغير الكلام بها عن عمل ولا معنى. فالتوكيد ما ذكرته في هذه الحروف سوى حيثما وإذما. واللازم. ما وقع فيهما. ونظيرهما قولك: إنما زيد أخوك. منعت ما إن عملها، وكذلك جئتك بعد ما عبد الله قائم، فهذا خلاف قولك: بعد عبد الله، وكذلك:
أعلاقةً أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس
و كذلك رب، تقول: رب رجلٍ، ولا تقول: رب يقوم زيد. فإذا ألحقت ما هيأتها للأفعال فقلت: ربما يقوم زيد، و " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " .
و كذلك قل تقول: قل رجلٌ يقول ذلك، فإن أدخلت ما امتنعت من الأسماء وصارت للأفعال، فقلت: قلما يقوم زيد. ومثل هذا كثير.
فأما إذا فتحتاج إلى الابتداء والجواب. تقول: إذا جاءني زيد أكرمته. وإذا يجيء زيد أعطيته.
و إنما منع إذا من أن يجازى بها؛ لأنها مؤقتة وحروف الجزاء مبهمة، ألا ترى أنك إذا قلت: إن تأتني آتك فأنت لا تدري أيقع منه إتيان أم لا؟ وكذلك من أتاني أتيته. إنما معناه: إن يأتني واحد من الناس آته.
فإذا قلت: إذا أتيتني وجب أن يكون الإتيان معلوماً؛ ألا ترى إلى قول الله عز وجل: " إذا السماء انفطرت " ، و " إذا الشمس كورت " و " إذا السماء انشقت " أن هذا واقع لا محالة.
و لا يجوز أن يكون في موضع هذا إن، لأن الله عز وجل يعلم، وإن إنما مخرجها الظن والتوقع فيما يخبر به المخبر. وليس هذا مثل قوله: " إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " لأن هذا راجع إليهم.

و تقول: آتيك إذا احمر البسر، ولو قلت: آتيك إن احمر البسر كان محالاً؛ لأنه واقع لا محالة.
فإن اضطر الشاعر جاز أن يجازي بها لمضارعتها حروف الجزاء؛ لأنها داخلة على الفعل وجوابه. ولا بد للفعل الذي يدخل عليه من جواب. فمما جاء ضرورةً قوله:
ترفع لي خندفٌ والله يرفع لي ... ناراً إذا ما خبت نيرانهم تقد
و قال الآخر:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
الجيد ما قال كعب بن زهير:
و إذا ما تشاء تبعث منها ... مغرب الشمس ناشطاً مذعورا
و هذه إذا التي تحتاج إلى الجواب.
ول إذا موضع آخر وهي التي يقال لها: حرف المفاجأة. وذلك قولك: خرجت فإذا زيدٌ، وبينا أسير فإذا الأسد. فهذه لا تكون ابتداء.و تكون جواباً للجزاء كالفاء. قال الله عز وجل: " و إن تصبهم سيئةٌ بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون " ، لأن معناها: قنطوا؛ كما أن قولك: إن تأتني فلك درهم إنما معناه: أعطك درهماً.
هذا باب مسائل المجازاة وما يجوز فيها وما يمتنع منها تقول: إن تأتني آتك، وإن تأتني فلك درهم. هذا وجه الجزاء وموضعه. كما قال عز وجل " إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين " .
فالأصل الفعل، والفاء داخلةٌ عليه؛ لأنها تؤدي معناه؛ لأنها لا تقع إلا ومعنى الجزاء فيها موجود، يقول الرجل: قد أعطيتك درهماً، فتقول: فقد أعطيتك ديناراً. أي من أجل ذاك. ويقول: لم أغث أمس فتقول: فقد أتاك الغوث اليوم. ونقول: إن أتيتني فلك درهمٌ، لأن معناه: إن تأتني. ولو قلت: إن أتيتني آتك لصلح؛ كما قال الله عز وجل: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم " ، لأن معناه: من يكن. وكذلك لو قال: من يأتني أتيته لجاز، والأول أحسن؛ لتباعد هذا عن حرف الجزاء. وهو جائز؛ كما قال الشاعر:
من يكدني بسيىءٍ كنت منه ... كالشجا بين حلقه والوريد
و أعدل الكلام: من أتاني أتيته، كما أن وجه الكلام: من يأتني آته.
و تقول: من أتاني وتبسط إلي أكرمه؛ لأن من أتاني في موضع من يأتي. لا تقع بعد الجزاء إلا ومعناها الاستقبال. والأحسن من أتاني وأكرمني أتيته. كما أن الأحسن: من يأتني ويكرمني آته. فهذه أصولٌ، ثم نذكر بعدها العطف منسقاً، ونكثر في ذلك من المسائل لنوضح أمره إن شاء الله.
فإذا قلت: من يأتني آته. ف من هي لهذا الفعل؛ لأنها اسم فلم يدخل معها اسمٌ آخر.
و لو قلت: إن يأتني آته على غير مذكور قبل كان محالاً؛ لأن الفعل لا فاعل فيه، لأن إن إنما هي حرف جزاء وليست باسم. وكذلك جميع الحروف.
و تقول في الاستفهام: من جاءك وأيهم ضربك؟ وما حبسك؟ لأنها أسماء.
فإن قلت: أحبسك؟ أو هل حبسك؟ لم يكن بدٌ من ذكر الفاعل؛ لأن هذه حروف. فليس في الأفعال فاعلون.
و كذلك الظروف التي لا تكون فاعلةً إذا ذكرتها لم يكن بدٌ من ذكر الفاعل معها. ولو قلت: أين يكن أكن، لم يكن كلاماً حتى تقول: أين يكن زيدٌ أكن.
و كذلك في الاستفهام إذا قلت: أين يكون زيد؟ ومتى يخرج زيد؟ تعني المذكور. فعلى هذا يجري ما ذكرت لك.
و لو قلت: من من يأتني آته. إذا جعلت من الأولى استفهاماً وجعلت الثانية جزاءً كان جيداً. فتكون الهاء في آته ترجع إلى من التي هي استفهام. وتقديرها: أيهم من أتاني من الناس أتيته، أي: من أتاني آتٍ هذا الذي أسأل عنه.
و نظيره: هند من ضربني ضربتها. أي إن ضربني أحد ضربت هندا.
و تقول: ما من يأتني آته؛ لأن ما حرف نفي والحروف لا يرجع إليها شيء ولا إلى الأفعال، إنما نفيت بهذا هذه الجملة.
فإن جعلت ما اسماً وجعلتها استفهاماً أو جزاءً أو في معنى الذي لم يكن بدٌ من راجع إليها.
فأما الجزاء فقولك: ما تركب أركب. والأحسن ما تركب أركبه نصبت ما بتركب وأضمرت هاءً في تركب.
و لو قلت: ما تركب أركب لجاز. ولا يكون ذلك إلا على إرادة الهاء؛ لأنه معلق بما قبله، وذلك في المعنى موجود.
و في الاستفهام ما حبسك؟ والمعنى : أي شيءٍ حبسك؟ و كذلك: ما أكلته؟ أي: أي شيءٍ أكلته؟ فإن حذفت الهاء نصبت ما لأنها مفعول بها كقولك: أيهم ضربت؟ كما تقول: زيداً ضربت.
و في موضع الذي قوله: ما يسرني يسرك.

و تقول: من يأتنا نأته مكرمين له، نصبت مكرمين على الحال والعامل فيها نأته. ولو أردت أن يكون الفعل الأول عاملاً في الحال لقلت: من يأتنا مكرمين له نأته. تريد من من يأتنا في حال إكرامنا إياه نأته. ولو أردت أن يكون مكرمين عاملاً فيها نأته وقد قدمتها جاز؛ كما تقول: مسرعاً جاء زيد.
و نقول في مسائل طوال يمتحن بها المتعلمون " من يأته من إن يأتنا نأته عامدين تأت يكرمك " .
إن رفعت يكرمك فالمسألة جيدة. لأن تقديرها: من يأته زيد يأت في حال إكرامه لك. والأجود أن تقول: تأته يكرمك، لتشغل الفعل بالمفعول إذ كان خبراً. والحذف جائز وليس بجيد. وقولك: من إن يأتنا نأته اسم واحد بمنزلة زيد.
و لو جزمت يكرمك على البدل لم يصلح إن أبدلته من تأت؛ لأن يكرمك لغيرك. فإن جعلته بدلاً من شيء في الصلة لم يصلح، لخروجه عنها. ولكن لو قلت: إن تأتني أعطك أحسن إليك جاز وكان حسناً؛ لأن العطية إحسان. فلذلك أبدلته منه. ومثل ذلك قوله عز وجل: " ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب " ؛ لأن لقي الأثام هو تضعيف العذاب. وكذلك قول الشاعر:
متىتأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا
لأن الإتيان إلمام؛ كما قال:
إن على الله أن تبايعا ... تؤخذ كرهاً أو تجيء طائعا
لأن قوله: تؤخذ أو تجيء بتأويل المبايعة.
و لو قلت: من يأتنا يسألنا نعطه على البدل لم يجز إلا أن يكون بدل الغلط.كأنك أردت: من يسألنا نعطه فقلت: من يأتنا غالطاً أو ناسياً ثم ذكرت فاستدركت فوضعت هذا الفعل في موضع ذلك. ونظيره من الأسماء مررت برجل حمار.
و تقول: من يأتني من إن يأته الذي هندٌ أخته يأته أعطه فالمعنى: إن يأتني زيد أعطه، لأن هذا الكلام كله في صلة من.
و تقول: أي القوم المنطلق آباؤهم إن يأتك الكاسيه ثوباً تكرمه. فتقدير المسألة: أي القوم إن يأتك أبوه تكرمه، وأي هنا استفهام.
و تقول: أيهم يأته الشاتم أخاه المعطيه درهماً ينطلق إليه. فمعناه: أيهم يأته زيدٌ ينطلق إليه. فما ورد عليك من المسائل فقسه على هذا إن شاء الله.
هذا باب ما يرتفع بين المجزومين وما يمتنع عن ذلك تقول: إن تأتنا تسألنا نعطك. تريد: إن تأتنا سائلاً، كما قال:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
أراد: متى تأته عاشياً إلى ضوء ناره تجد. وقال الآخر:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... و لا يغنها يوماً من الدهر يسأم
فقوله: يستحمل الناس نفسه إنما هو خير يزال كأنه قال: من لا يزل مستحملاً. ولو قلت: من يأتنا ويسألنا نعطه على هذا كان محالاً، لأنك لا تقول: متى تأته وعاشياً ولا جاءني زيد وراكباً. ولكن إن أضمرت جاز فقلت: إن تأتنا وتسألنا نعطك. تريد: إن تأتنا وهذه حالك نعطك. والوجه الجيد إن تأتنا وتسألنا نعطك.
و تقول: إن تأتنا ثم تسألنا نعطك. لم يجز إلا جزم تسألنا، لأن ثم من حروف العطف. ولا يستقيم الإضمار هاهنا بعدها. ولو قلت: إن تأتنا ثم تسألنا، تريد: ثم أنت تسألنا تريد الحال لم يصلح؛ لأن ثم لما بعد؛ ألا ترى أنك تقول: لقيت زيداً وعمرو يتكلم أي: لقيت زيداً وعمرو هذه حاله: كما قال الله عز وجل: " يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم " . أي إذ طائفةٌ في هذه الحالة. ولو وضعت ثم هاهنا لم يستقم.
و تقول: من إن يأته زيد يكرمه يعطك في الدار. ف من في موضع الذي، وإن للجزاء ويكرمه حال معناها مكرماً له. ويعطه جواب الجزاء، وفي الدار خبر من.
و لو قلت: من يأتني آته أحسن إليه كان جيداً. يكون أحسن إليه حالاً ويكون منقطعاً من الأول. كأنك لما تم الكلام قلت: أنا أحسن إليه.
و تقول: من يأتني آته. وأكرمه، ومن يأتني آته فأكرمه، ومن يأتني آته أكرمه. وكذلك جميع حروف العطف التي تقع هاهنا، وإن شئت قلت: من يأتني آته وأكرمه، أي وأنا أكرمه، وإن شئت على الحال، وإن شئت فصلته مما قبله، وجعلتها جملة معطوفة معلقة بجملة.
و تقول في الفاء: من يأتني آته فأكرمه على القطع من الأول وعطف جملة على جملة؛ وكذلك ثم.

و إنما جاز الإضمار هاهنا، ولم يجز حيث كانا متوسطين بين الجزاء وجوابه؛ لأن الكلام قد تم فاحتمل الاستئناف، ولا تكون الحال في ثم ولا الفاء؛ لأنهما لا تكونان إلا بعد. إلا أن الفاء، والواو يجوز بعدهما النصب على إضمار أن؛ لأن الجزاء غير واجب آخره إلا بوجوب أوله. وقد تقدم ذكرنا لهذا في باب الفاء والواو.
و قد قرئ هذا الحرف على ثلاثة أوجه: " يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء " بالجزم وهو أجودها، ويليه الرفع، ثم النصب. والأمر فيه على ما ذكرت لك.
و لو قلت: من لا يأتني فيكرمني آته كان النصب جيداً من أجل النفي. وصار كقولك: ما تأتيني فتكرمني: أي كلما أتيتني لم تكرمني. فموضعه لم تأتني مكرماً، وهاهنا أعني في الجزاء إلى ذا يرجع إذا قلت: من لا يأتني فيكرمني آته، لأن معناه: من لا يأتني مكرماً.
و قال:
ومن لا يقدم رجله مطمئنةً ... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
كأنه قال: من لا يقدم رجله مثبتاً.
هذا باب ما يجوز من تقديم جواب الجزاء عليه وما لا يجوز إلا في الشعر اضطراراً أما ما يجوز في الكلام فنحو: آتيك إن أتيتني، وأزورك إن زرتني. ويقول القائل: أتعطيني درهماً؟ فأقول: إن جاء زيد. وتقول: أنت ظالمٌ إن فعلت. فإن قلت: آتي من أتاني، وأصنع ما تصنع لم يكن هاهنا جزاء؛ وذلك أن حروف الجزاء لا يعمل فيها ما قبلها.
و لو قلت: آتي من أتاني، للزمك أن يكون منصوباً بالفعل الذي قبلها. وهذا لا يكون؛ لأن الجزاء منفصل كالاستفهام، ولو قلت: آتيك متى أتيتني، أو أقوم أين قمت على أن تجعل متى وأين ظرفين لما بعدهما كان جيداً، وكانتا منقطعتين من الفعل الأول، إلا أنك لما ذكرته سد مسد جواب الجزاء. فإن أردت أن يكونا ظرفين لما قبلهما استحال؛ لأن الجزاء لا يعمل فيه ما قبله؛ كما لا يعمل هو فيما قبله؛ ألا ترى أنك لا تقول: زيداً إن تأت يكرمك، ولا زيداً متى تأت تحببه. فإذا كان الفعل ماضياً بعد حرف الجزاء جاز أن يتقدم الجواب؛ لأن إن لا تعمل في لفظه شيئاً، وإنما هو في موضع الجزاء، فكذلك جوابه يسد مسد جواب الجزاء.
و يحسن في الكلام: إن أتيتني لأقومن، وإن لم تأتني لأغضبن.
فسيبويه يذهب إلى أنه على التقديم والتأخير، كأنه قال: لأغضبن إن لم تأتني ولأقومن إن أتيتني.
و الذي قال لا يصلح عندي، لأن الجواب في موضعه فلا يجب أن يقدر لغيره، ألا ترى أنك تقول: يضرب غلامه زيدٌ؛ لأن زيد في المعنى مقدم؛ لأن حق الفاعل أن يكون قبل المفعول. ولو قلت: ضرب غلامه زيداً لم يجز، لأن الفاعل في موضعه فلا يجوز أن يقدر لغيره.
و لكن القول عندي أن يكون الكلام إذا لم يجز في موضع الجواب مبتدأ على معنى ما يقع بعد الفاء، فكأنك قدرته وأنت تريد الفاء؛ كما أنك تقول: أعجبني الذي ضرب زيداً، فإن جعلت الألف واللام في موضع الذي كان صلتها على معنى صلة الذي لا على لفظها.
تقول: أعجبني الضارب زيداً، لأن الألف واللام للأسماء، فلا يليان ضرب؛ لامتناع ما يكون للأسماء من الأفعال.
فمن ذلك قول زهير:
و إن أتاه خليلٌ يوم مسألة ... يقول: لا غائبٌ ما لي ولا حرم
فقوله: يقول على إرادة الفاء على ما ذكرت لك.
و من ذلك قول الله عز وجل: " و أما إن كان من أصحاب اليمين. فسلامٌ لك من أصحاب اليمين " الفاء لا بدٌ منها في جواب أما، فقد صارت هاهنا جواباً لها، والفاء وما بعدها يسدان مسد جواب إن.
و لو كان هذا في الكلام: أما إن كان زيد عندك فله درهم، لكان تقديره: مهما يكن من شيءٍ فلزيد درهم إن كان عندك؛ لأن أما فيها معنى الجزاء واقع ولا بد من الفاء. وتقديرها ما ذكرت لك.
ألا ترى أنك تقول: أما زيد فمنطلق، " فأما اليتيم فلا تقهر " فالمعنى: مهما يكن من شيءٍ فلا تقهر اليتيم.
و لو اضطر شاعر فحذف الفاء وهو يريدها لجاز؛ كما قال:
أما القتال لا قتال لديكمو ... و لكن سيراً في عراض المواكب
و أما ما لا يجوز إلا في الشعر فهو: إن تأتني آتيك، وأنت ظالم إن تأتني؛ لأنها قد جزمت، ولأن الجزاء في موضعه، فلا يجوز في قول البصريين في الكلام إلا أن توقع الجواب فعلاً مضارعاً مجزوماً أو فاء، إلا في الشعر.

فأما إن تأتني أتيتك، فإن بعضهم قد يجيزه في غير الشعر؛ كما أجازوا إن أتيتني آتك. وقد مضى قولنا في الفصل بينهما.
قال الشاعر على إرادة الفاء:
و إني متى أشرف على الجانب الذي ... به أنت من بين الجوانب ناظر
و هو عندي على إرادة الفاء. والبصريون يقولون: هو على إرادة الفاء، ويصلح أن يكون على التقديم؛ أي: وإني ناظر متى أشرف.
و كذلك قول الشاعر:
يا أقرع بن حابسٍ يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
و قال آخر:
فقلت: تحمل فوق طوقك، إنها ... مطبعةٌ من يأتها لا يضيرها
يريد: لا يضيرها من يأتها.
و أما قول عبد الرحمن بن حسان:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... و الشر بالشر عند الله مثلان
فلا اختلاف بين النحويين في أنه على إرادة الفاء؛ لأن التقديم فيه لا يصلح.
هذا باب ما تحتمل حرف الجزاء من الفصل بينها وبين ما عملت فيه أما إن إذا لم تجزم فالفصل بينها وبين ما عملت فيه في الظاهر جائز بالاسم. وذلك قوله: إن الله أمكنني من فلان فعلت، وإن زيدٌ أتاني أكرمته؛ كما قال الشاعر:
عاود هراة وإن معمورها خربا
و إنما تفسير هذا: أنك أضمرت الفعل بينها وبين الاسم، فتقديره: إن أمكنني الله من زيد، وإن خرب معمورها. ولكنه أضمر هذا، وجاء بالفعل الظاهر تفسير ما أضمر، ولو لم يضمر لم يجز؛ لأن الجزاء لا يكون إلا بالفعل. وإنما احتملت إن هذا في الكلام، لأنها أصل الجزاء، كما تحتمل الألف في الاستفهام تقديم الاسم في نحو قولك: أزيدٌ قام؟ لأنها أصل الاستفهام. لو وقلت: هل زيد قام؟ لم يصلح إلا في الشعر؛ لأن السؤال إنما هو عن الفعل، وكذلك متى زيدٌ خرج؟ وأين زيدٌ قام؟ وجميع حروف الاستفهام غير ألف الاستفهام لا يصلح فيهن إذا اجتمع اسم وفعل إلا تقديم الفعل، إلا أن يضطر الشاعر.
و الفعل في الجزاء أوجب؛ لأن الجزاء لا يكون إلا بالفعل، والاستفهام قد يكون عن الأسماء بلا فعل، تقول: أزيدٌ أخوك أزيدٌ في الدار؟ ولا يكون مثل هذا في الجزاء وسائر حروف الجزاء سوى إن. لا يجوز فيها هذا في الكلام ولا في إن إذا جزمت. لا تقول: من زيدٌ يأته يكرمه، ولا إن زيدٌ يأتني آته، ولا أين زيدٌ أتاني أتيته، ولا من زيدٌ أتاه أكرمه. فإن اضطر شاعر جاز فيهن الفصل، جزمن أو لم يجزمن.
و جاز ذلك في حروف الجزاء دون سائر عوامل الأفعال؛ لأنه يقع بعدهن المستقبل والماضي. ولا يكون ذلك في غيرهن من العوامل. فلما تمكن هذا التمكن احتملن الإضمار والفصل.
فمما جاء في الشعر قوله:
صعدةٌ نابتةٌ في حائرٍ ... أينما الريح تميلها تمل
و قال الآخر:
فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمنٌ ... ومن لا نجره يمس منا مفزعا
و قال الآخر:
فمتى واغلٌ ينبهم يحيو ... ه وتعطف عليه كأس الساقي
و اعلم أن المفعول إذا وقع في هذا الموضع وقد شغل الفعل عنه انتصب بالفعل المضمر، لأن الذي بعده تفسير له؛ كما كان في الاستفهام في قولك: أزيداً ضربته، " أبشراً منا واحداً نتبعه " . وذلك قولك: إن زيداً تره تكرمه، ومن زيداً يأته يعطه، وإن زيداً لقيته أكرمته، وكذلك إذا لأنها لا تقع إلا على فعل. تقول: إذا زيداً لقيته فأكرمه، قال:
لا تجزعي إن منفساً أهلكته ... و إذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
و قال الآخر:
إذا ابن أبي موسى بلالاً بلغته ... فقام بفاسٍ بين وصليك جازر
و لو رفع هذا رافعٌ على غير الفعل لكان خطأ، لأن هذه الحروف لا تقع إلا على الأفعال. ولكن رفعه يجوز على ما لا ينقض المعنى، وهو أن يضمر بلغ، فيكون إذا بلغ ابن أبي موسى. وقوله: بلغته إظهارٌ للفعل وتفسيرٌ للفاعل.
و كذلك: لا تجزعي إن منفسٌ أهلكته على أن يكون المضمر هلك.
و كذلك هذه الآيات كلها، وهي: " إذا السماء انشقت " و " إذا الشمس كورت " وإنما المعنى والله أعلم إذا كورت الشمس، وإذا انشقت السماء.
و الجواب في جميع هذا موجود، لأن هذه لا تكون إلا بأجوبة. فالجواب في قوله: " إذا الشمس كورت " " علمت نفسٌ ما أحضرت " . والجواب في قوله: " إذا السماء انفطرت " " علمت نفسٌ ما قدمت وأخرت " .
فأما قوله: " إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت " فقد قيل فيه أقاويل:

فقوم يقولون: " فأما من أوتي كتابه بيمينه " هو الجواب، لأن الفاء وما بعدها جواب، كما تكون جواباً في الجزاء؛ لأن إذا في معنى الجزاء. وهو كقولك: إذا جاء زيد فإن كلمك فكلمه. فهذا قول حسن جميل.
و قال قوم: الخبر محذوف؛ لعلم المخاطب. كقول القائل عند تشديد الأمر: إذا جاء زيد، أي إذا جاء زيد علمت؛ وكقوله: إن عشت، ويكل ما بعد هذا إلى ما يعلمه المخاطب. كقول القائل: لو رأيت فلاناً وفي يده السيف.
و قال قوم آخرون: الواو في مثل هذا تكون زائدة. فقوله: " إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت " يجوز أن يكون " إذا الأرض مدت " والواو زائدة. كقولك: حين يقوم زيدٌ حين يأتي عمرو.
و قالوا أيضاً: " إذا السماء انشقت أذنت لربها وحقت " . وهو أبعد الأقاويل. أعني زيادة الواو.
و من قول هؤلاء: إن هذه الآية على ذلك " فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه " قالوا: المعنى: ناديناه أن يا ابراهيم. قالوا: ومثل ذلك في قوله: " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها " . المعنى عندهم: حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، كما كان في الآية التي قبلها. في مواضع من القرآن كثيرة من هذا الضرب قولهم واحد، وينشدون في ذلك:
حتى إذا امتلأت بطونكم ... و رأيتم أبناءكم شبوا
و قلبتم ظهر المجن لنا ... إن الغدور الفاحش الخب
قال: وإنما هو: قلبتم ظهر المجن.
و زيادة الواو غير جائزة عند البصريين، والله أعلم بالتأويل. فأما حذف الخبر فمعروف جيد من ذلك قوله " و لو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً " .
قال الراجز:
لو قد حداهن أبو الجودي
برجزٍ مسحنفر الروي
مستوياتٍ كنوى البرني
لم يأت بخبر لعلم المخاطب. ومثل هذا الكلام كثير ولا يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلوماً بما يدل عليه من متقدم خبر أو مشاهدة حال.
هذا باب

الأفعال التي تنجزم لدخول معنى الجزاء فيها
و تلك الأفعال جواب ما كان أمراً أو نهياً أو استخباراً، وذلك قولك: ائت زيداً يكرمك، ولا تأت زيداً يكن خيراً لك، وأين بيتك أزرك؟.
و إنما انجزمت بمعنى الجزاء؛ لأنك إذا قلت: ائتني أكرمك، فإنما المعنى: ائتني فإن تأتني أكرمك؛ لأن الإكرام إنما يجب بالإتيان. وكذلك: لا تقم يكن خيراً لك؛ لأن المعنى: فإن لم تقم يكن خيراً لك. وأين بيتك أزرك؟ إنما معناه: إن تعلمني أزرك.
و قال الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم " ثم ذكرها فقال: " تؤمنون بالله " فلما انقضى ذكرها قال: " يغفر لكم " ؛ لأنه جواب لهل.
و كذلك أعطني أكرمك. وتقول: ائتني أشكرك، والتفسير واحد. ولو قلت: لا تعص الله يدخلك الجنة كان جيداً؛ لأنك إنما أضمرت مثل ما أظهرت. فكأنك قلت: فإنك إن لا تعصه يدخلك الجنة، واعتبره بالفعل الذي يظهر في معناه؛ ألا ترى أنك لو وضعت فعلاً بغير نهي في موضع لا تعص الله لكان أطع الله.
و لو قلت: لا تعص الله يدخلك النار كان محالاً؛ لأن معناه: أطع الله. وقولك: أطع الله يدخلك النار محال.
و كذلك: لا تدن من الأسد يأكلك لا يجوز؛ لأنك إذا قلت: لا تدن فإنما تريد: تباعد، ولو قلت: تباعد من الأسد يأكلك كان محالاً؛ لأن تباعده منه لا يوجب أكله إياه. ولكن لو رفعت كان جيداً. تريد فإنه مما يأكلك.
و أما قوله: " و قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن " وما أشبهه، فليس يقولوا جواباً لقل. ولكن المعنى والله أعلم : قل لعبادي: قولوا يقولوا.
و كذلك " قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة " وإنما هو: قل لهم يفعلوا يفعلوا.
و تقول: مره يحفرها، ومره يحفرها. فالرفع على ثلاثة أوجه، والجزم على وجه واحد، وهو أجود من الرفع؛ لأنه على الجواب كأنه إن أمرته حفرها.
و أما الرفع فأحد وجوهه: أن يكون يحفرها على قولك: فإنه ممن يحفرها، كما كان لا تدن من الأسد يأكلك.
و يكون على الحال، كأنه قال: مره في حال حفره. فلو كان اسماً لكان مره حافراً لها.
و يكون على شيء هو قليلٌ في الكلام، وذلك أن تريد: مره أن يحفرها، فتحذف أن وترفع الفعل؛ أن عامله لا يضمر.

و بعض النحويين من غير البصريين يجيز النصب على إضمار أن. والبصريون يأبون ذلك إلا أن يكون منها عوض؛ نحو: الفاء والواو وما ذكرناه معهما. ونظير هذا الوجه قول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
و من رأى النصب هناك رأى نصب أحضر.
فأما قول الله عز وجل: " قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون " فتقديره والله أعلم : قل أفغير الله أعبد فيما تأمروني. ف غير منصوب ب أعبد.
و قد يجوز وهو بعيد على قولك: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى، فكأن التقدير: قل أفغير الله تأمروني أعبد. فتنصب غير ب تأمروني. وقد أجازه سيبويه على هذا، وهذا قول آخر وهو حذف الباء، كما قال:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
و أنا أكره هذا الوجه الثاني لبعده. ولا يجوز على هذا القول أن ينصب غيراً بأعبد؛ لأن أعبد على هذا في صلة أن.
و أما قوله عز وجل: " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا " فعلى الجواب.
فإن قال قائل: أفأمر الله بذلك ليخوضوا ويلعبوا؟ قيل: مخرجه من الله عز وجل على الوعيد؛ كما قال عز وجل: " اعملوا ما شئتم " " و من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " .
أما قوله: " ذرهم في خوضهم يلعبون " فإنه ليس بجواب، ولكن المعنى: ذرهم لاعبين، أي ذرهم في حال لعبهم.
هذا باب

ألفات الوصل والقطع
و هن همزات على الحقيقة. فأما ألف القطع فهي التي تكون في أول الاسم أصلاً أو زائدة كالأصل. يبنى عليها الاسم بناء؛ كما يبنى على الميم الزائدة وغيرها من حروف الزوائد. فاستئنافها ووصلها بما قبلها سواء، وذلك نحو: هذا أبٌ فاعلم، وهذا أخٌ يا فتى. فهذه الأصلية. وكذلك الهمزة في إبل، وفي أمر.
فأما الزائدة فنحو أحمر، وأصفر، وهذا أفضل من ذا؛ لأنه من الفضل والحمرة والصفرة.
و أما ألف الوصل فإنما هي همزة. كان الكلام بعدها لا يصلح ابتداؤه؛ لأن أوله ساكن ولا يقدر على ابتداء الساكن. فزيدت هذه الهمزة ليوصل بها إلى الكلام بما بعدها. فإن كان قبلها كلام سقطت؛ لأن الذي قبلها معتمد للساكن مغنٍ، فلا وجه لدخولها.
و كذلك إن تحرك الحرف الذي بعدها لعله توجب ذلك سقطت الألف للاستغناء عنها بتحرك ما بعدها؛ لأن ابتداءه ممكن، فإنما تدخل في الكلام للضرورة إليها. وسنذكر موضعها من الأفعال وما تدخله من الأسماء إن شاء الله.
هذا باب
الأفعال التي تدخلها ألف الوصل
والأفعال الممتنعة من ذلك
أما ما تدخله ألف الوصل فهو كل فعلٍ كانت الياء وسائر حروف المضارعة تنفتح فيه إذا قلت يفعل، قلت حروفه أو كثرت، إلا أن يتحرك ما بعد الفاء فيستغنى عن الألف كما ذكرت لك.
فمن تلك الأفعال: ضرب وعلم وكرم، وتقول إذا أمرت: اضرب زيداً، اعلم ذاك، اكرم يا زيد؛ لأنك تقول: يضرب ويعلم ويكرم، فالياء من جميع هذا مفتوحة.
و تقول: يا زيد اضرب عمراً فتسقط الألف؛ كما قال عز وجل: " قل ادعوا الله " ، وكما قال: " و اعلموا أنما غنمتم من شيءٍ " لأن الواو لحقت فسقطت الألف.
و كذلك تقول: انطلق يا زيد، وقد انطلقت يا زيد؛ لأن الألف موصولة؛ لأنك تقول في المضارع: ينطلق فتنفتح الياء، وكذلك إذا قال: استخرجت مالاً، واستخرج إذا أمرت؛ لأنك تقول: يستخرج. وكل فعلٍ لم نذكره تلحقه هذه العلة فهذا مجراه.
فأما تفاعل يتفاعل، وتفعل يتفعل: نحو: تقاعس الرجل، وتقدم الرجل فإن ألف الوصل لا تلحقه وإن كانت الياء مفتوحة في يتقدم، وفي يتقاعس؛ لأن الحرف الذي بعدها متحرك وإنما تلحق الألف لسكون ما بعدها.
فإن كان يفعل مضموم الياء لك تكن الألف إلا مقطوعة، لأنها تثبت كثبات الأصل إذ كان ضم الياء من يفعل إنما يكون لما وليه حرفٌ من الأصل؛ وذلك ما كان على أفعل؛ نحو: أكرم، وأحسن، وأعطى؛ لأنك تقول: يكرم، ويحسن، ويعطي، فتنضم الياء؛ كما تنضم في يدحرج ويهملج. فإنما تثبت الألف من أكرم؛ كما تثبت الدال من دحرج.
تقول: يا زيد أكرم عمراً، كما تقول: دحرج. قال الله عز وجل: " فاستمعوا له وأنصتوا " وقال: " و أحسن كما أحسن الله إليك " بالقطع.
و كان حق هذا أن يقال في المضارع: يؤكرم مثل يدحرج ويؤحسن. ولكن اطرحت الهمزة لما أذكره لك في موضعه إن شاء الله.

و كل فعل كانت ألفه موصولةً فلحقت الألف مصدره فهي ألف وصل، وإن كان الفعل فيه ألفٌ مقطوعة فهي في مصدره كذلك.
فأما الموصولات فنحو: الانطلاق، والاستخراج، والاقتداء.
و أما المقطوعة فنحو: الإكرام، والإحسان، والإعطاء.
و اعلم أن ألف الوصل تستأنف مكسورةً، إلا أن يكون ثالث الحروف مضموماً في جميع الأفعال والأسماء.
فأما الفعل فقولك: اذهب. استخرج. اقتدر. وما لم نذكره فهذه حالة.
و أما الأسماء فقولك: ابن، اسم، انطلاق، استخراج اقتدار، امرؤ فاعلم.
فأما ما ثالثه مضموم فإن ألف الوصل تبتدأ فيه مضمومةً، والعلة في ذلك أنه لا يوجد ضمٌ بعد كسر. إلا أن يكون ضم إعراب؛ نحو فخذ فاعلم.
و لا يكون اسم على فعلٍ ولا غير اسم. فلما كان الثالث مضموماً، ولم يكن بينه وبين الألف إلا حرفٌ ساكن لم يكن حاجزاً، واستؤنفت مضمومةً، تقول: استضعف زيد، وانطلق بعبد الله، وكذلك في الأمر. تقول: ادخل. اقعد. اركض برجلك.
و للمرأة مثل ذلك: اركضي. ادخلي وتقول: اغزي يا امرأة؛ لأن أصل الزاي الضم وأن يكون بعدها واوٌ. ولكن الواو ذهبت لالتقاء الساكنين، وأبدلت الضمة كسرة من أجل الياء التي للتأنيث؛ ألا ترى أنك تقول للرجل: أنت تضرب زيداً، وللمرأة أنت تضربين. فإنما تزيد الياء والنون بعد انفصال الفعل لتمامه. وتقول للرجل: أنت تغزو، وللمرأة أنت تغزين، فتذهب الواو لالتقاء الساكنين على ما ذكرت لك.
فأما الألف التي تلحق مع اللام للتعريف فمفتوحة؛ نحو: الرجل، الغلام؛ لأنها ليست باسم ولا فعل. وإنما هي بمنزلة قد وإنما ألحقت لام التعريف لسكون اللام. فخولف بحركتها لذلك.
و كذلك ألف ايمن التي تدخل للقسم مفتوحة لأنه اسم غير متمكن، وليس بواقع إلا في القسم، فخولف به. تقول: ايمن الله لأفعلن، ايمن الكعبة لأفعلن.
و يدلك على أنها ألف وصلٍ سقوطها في الإدراج، تقول: وايمن الله لأفعلن؛ كما قال في أخرى:
فقال فريق القوم لما نشدتهم ... نعم وفريقٌ ليمن الله ما ندري
و اعلم أن ألف الوصل إذا لحقتها ألف الاستفهام سقطت؛ لأنه قد صار في الكلام ما يستغنى به عنها، كما ذكرت لك أنه إذا كان ما بعدها موصولاً بما قبلها سقطت؛ لأنه قد استغنى عنها إذ لم يكن لها معنى إلا التوصل إلى الكلام بما بعدها. وذلك قولك: أنطلقت يا رجل؟ بالفتح؛ لأنها ألف الاستفهام، وكذلك أستخرجت شيئاً؟ فهي الألف التي في قولك: أضربت زيداً؟ ومثل ذلك " أتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار " .
إلا ألف ايمن وألف الرجل فإنك إذا استفهمت مددت؛ لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر؛ لأنهما مفتوحتان وألف الاستفهام مفتوحةٌ. تقول: آلرجل قال ذاك؟ آلغلام جاءك؟ آيمن الله لأفعلن؟
هذا باب

دخول ألف الوصل في الأسماء غير المصادر
اعلم أنها تدخل في أسماء معلومة وتلك الأسماء اختلت وأزيلت عن وجهها فسكنت أوائلها فدخلتها ألف الوصل لذلك. فإن اتصل بها شيء قبلها سقطت الألفات؛ لأن ألفات الوصل لاحظ لها في الكلام أكثر من التوصل إلى التكلم بما بعدها. فإذا وصل إلى ذلك بغيرها فلا وجه لذكرها.
و لم يكن حق الألف أن تدخل على الأسماء، كما لم يكن حق الأفعال أن تعرب، ولكن أعرب منها ما ضارع الأسماء. وأدخلت هذه الألف على الأسماء التي اختلت فنقصت عن تمكن غيرها من الأسماء.
فمن ذلك ابن وابنة؛ لأنه اسم منقوص قد سقط منه حرف، وذلك الحرف ياءٌ أو واوٌ فتقول: هذا ابن زيد، وهذه ابنة زيد، فتسقط ألف الوصل. وكذلك إن صغرت سقطت؛ لأن فاء الفعل تتحرك وتبتدأ، وتستغني عن ألف الوصل. تقول: بني وبنية، وكذلك بنون؛ لما حركت الباء سقطت الألف. وبنات بمنزلتها.
و من هذه الأسماء: اسم. تقول: بدأت باسم الله. وإذا صغرت قلت: سمي.
و إثنان كذلك. ولو كان يفرد لكان يجب أن يكون في الواحد إثن، ولكنه لا يفرد في العدد فيبطل معناه.
و من العرب من يجعله اسماً لليوم على غير معنى العدد فيقول: اليوم الاثن كما يقول: الابن، واليوم الثني. وليس ذلك بالجيد؛ لأن معنى التثنية أن الواحد كان عندهم الأول ثم بنوا الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس على ذلك؛ كما تقول: اليوم يومان من الشهر، أي تمام يومين.

و من ذلك استٌ إنما هي على ثلاثة أحرف، فالسين موضع الفاء، والتاء موضع العين، والهاء في موضع اللام. وهي الساقطة، يدلك على ذلك قولك في التصغير: ستيهة وفي الجمع: أستاه فاعلم.
و منها امرؤ فاعلم، واعتلاله اتباع عينه للامه، وهذا لا يوجد في غير ما يعتل من الأسماء.
و من ذلك ابنم. وإنما هو ابن والميم زائدة، فزادت في هذا الاسم المعتل كما ذكرت لك، فاتبعت النون ما وقع في موضع اللام؛ كما أتبعت العين اللام فيما ذكرت لك. ومعناها بزيادة الميم وطرحها واحد. قال المتلمس:
و هل لي امٌ غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنما
و قال الكميت بن زيد الأسدي:
و منا لقيطٌ وابنماه وحاجبٌ ... مؤرث نيران المكارم لا المخبى
أي وابناه. فألف الوصل في هذه الأسماء على ما ذكرت.
و من ألفات الوصل الألف التي تلحق مع اللام للتعريف. وإنما زيدت على اللام؛ لأن اللام منفصلة مما بعدها، فجعلت معها اسماً واحداً بمنزلة قد؛ ألا ترى أن المتذكر يقول: قد فيقف عليها إلى أن يذكر ما بعدها، فإن توهم شيئاً فيه ألف الوصل قال: قدي يقدر قد انطلقت. قد استخرجت، ونحو ذلك.
و كذلك في الألف واللام تقول: جاءني ال وربما قال: إلى يريد الابن، الإنسان، على تخفيف الهمزة فيفصلها كما يفصل البائن من الحروف. قل الراجز:
دع ذا وقدم ذا وألحقنا بذل
فوقف عليها، ثم قال متذكراً لها ولحرف الخفض الذي معها:
بالشحم إنا قد مللناه بجل
هذا باب

مصادر الأفعال إذا جاوزت الثلاثة
صحيحها ومعتلها والاحتجاج لذلك وذكر أبنيتها
أما ما كان من ذوات الأربعة فإن الفعل منه يكون على فعلل ماضياً، ويكون مستقبله على يفعلل.
و مصدره على فعللة وفعلال؛ نحو: دحرجته دحرجةً، وهملج الدابة هملجة وسرهفته سرهفة، وسرعفته سرعفة، وزلزل الله بهم زلزلة.
و المضارع يدحرج ويسرهف ويهملج.
و الفعلال؛ نحو السرهاف والسرعاف والزلزال.
و المصدر اللازم هو الفعللة. والهاء لازمة له لأنها بدلٌ من الألف التي تلحق هذا الضرب من المصادر قبل أواخرها نحو ما ذكرنا من السرهاف والزلزال. قال العجاج:
سرهفته ما شئت من سرهاف
و ما كان من ذوات الثلاثة المزيدة الواقعة على هذا الوزن من الأربعة فحكمه حكم هذه التي وصفناها إذا كانت زيادته للإلحاق، وذلك نحو: حوقلت حوقلة، وبيطرت بيطرة، وجهور بكلامه جهورة. وكذلك: شمللت شمللة، وصعررت صعررة، وسلقيته سلقاة، يا فتى، وجعبيته جعباة يا فتى.
و المضارع على مثال يدحرج؛ نحو: يحعبي ويحوقل ويشملل، وكذلك جميعها. فأما مثل الزلزال والسرهاف فالحيقال والسلقاء؛ كما قال:
يا قوم قد حوقلت أو دنوت
و بعض حيقال الرجال الموت
فإن كان الشيء من ذوات الثلاثة على وزن ذوات الأربعة التي وصفنا من زوائد غير حروف الإلحاق فإن المضارع كمضارع ذوات الأربعة؛ لأن الوزن واحد، ولا يكون المصدر كمصادرها، لأنه غير ملحق بها، وذلك ما كان على فعلت وفاعلت وأفعلت فالوزن على وزن دحرجت، تقول: قطع يقطع، وكسر يكسر على مثال يدحرج. فهذا فعلت.
و أما فاعلت فنحو: قاتل يقاتل، وضارب يضارب.
و أما أفعلت فنحو: أكرم يكرم، وأحسن يحسن. وكان الأصل يؤكرم ويؤحسن حتى يكون على مثال يدحرج؛ لأن همزة أكرم مزيدة بحذاء دال دحرج، وحق المضارع أن ينتظم ما في الماضي من الحروف. ولكن حذفت هذه الهمزة؛ لأنها زائدة، وتلحقها الهمزة التي يعني بها المتكلم نفسه، فتجتمع همزتان، فكرهوا ذلك، وحذفوها إذ كانت زائدة، وصارت حروف المضارعة تابعةً للهمزة التي يعني بها نفسه؛ كما حذفت الواو التي في يعد لوقوعها بين ياءٍ وكسرة وصارت حروف المضارعة تابعة للياء.
و مع هذا فإنهم قد حذفوا الهمزة الأصلية لالتقاء الهمزتين في قولك: كل، وخذ، فراراً من اؤكل ومن اؤخذ، وأمنوا الالتباس.
فإن اضطر شاعر فقال: يؤكرم ويؤحسن جاز ذلك، كما قال:
وصاليات ككما يؤثفين
و كما قال:
كرات غلام في كساءٍ مؤرنب
و كما قال:
فإنه أهلٌ لأن يؤكرما
و قد يجيء في الباب الحرف والحرفان على أصولهما وإن كان الاستعمال على غير ذلك ليدل على أصل الباب.

فمن ذلك " استحوذ عليهم الشيطان " ، وأغيلت المرأة. المستعمل في هذا الإغيال على ما يجده في كتاب التصريف نحو: استجاز وأقام واستقام.
و كذلك لححت عينه. ونحو قولك:
قد علمت ذاك بنات ألببه
فمما جاء على أصله فيما الهمزة فيه قولهم: اومر فهذا كنحو ما وصفت لك في الكلام. ولم يجز في الزائدة مثل هذا في غير الشعر، لأن الأصلية أمكن. فإذا كان إثباتها ممتنعاً فهو من الزيادة أبعد.
فالمصدر في أفعلت على مثال الزلزال. ولم يكن فيه مصدر جاء لزلزلة لأنه نقص في المضارع فجعل هذا عوضاً، وذلك نحو: أكرمت إكراماً، وأعطيته إعطاءً، وأسلمت إسلاماً فهذا غير منكسر ولا ممتنع في أفعلت من الصحيح.
أما فاعلت فمصدره اللازم مفاعلة. ما كان فيه لاثنين أو لواحد، وذلك نحو: قاتلت مقاتلة، وشاتمت مشاتمة، وضاربت مضاربة، فهذا على مثال دحرجت مدحرجة يا فتى. ولم يكن فيه شيءٌ على مثال الدحرجة؛ لأنه ليس بملحق بفعللت. ويجيء فيه الفعال؛ نحو: قاتلته قتالاً، وراميته رماءً. وكان الأصل فيعالاً؛ لأن فاعلت على وزن أفعلت وفعللت، والإكرام، ولكن الياء محذوفةٌ من فيعال استخفافاً، وإن جاء بها جاءٍ فمصيبٌ.
و أما قولنا: ما يكون لاثنين فنحو: شاتمت، وضاربت. لا يكون هذا من واحد، ولكن من اثنين فصاعداً.
و أما ما يكون لواحد من هذا الباب فنحو: عاقبت اللص، وطارقت النعل، وعافاه الله. ولهذا موضع مميز فيه إن شاء الله.
و من هذا الوزن فعلت ومصدره التفعيل؛ لأنه ليس بملحق، فالتاء الزائدة عوض من تثقيل العين، والياء بدلٌ من الألف التي تلحق قبل أواخر المصادر، وذلك قولك: قطعته تقطيعاً، وكسرته تكسيراً، وشمرت تشميراً.
وكان أصل هذا المصدر أن يكون فعالاً كما قلت: أفعلت: إفعالاً وزلزلت زلزالاً ولكنه غير لبيان أنه ليس بملحق.
و لو جاء به جاءٍ على الأصل لكان مصيباً.كما قال الله عز وجل: " و كذبوا بآياتنا كذاباً " . فهذا على وزن واحد. أعني فعللت وفاعلت وأفعلت وفعلت، والملحقات بفعللت.
و يسكن أول الفعل من قبيل غير هذا فتلحقها ألف الوصل وتكون على مثال انفعل وذلك نحو: انطلق، والمصدر على الانفعال. تقول: انطلق انطلاقاً، وانكسر انكساراً، وانفتح انفتاحاً. ولا تلحق النون زائدةً ثانية لألف الوصل إلا هذا المثال.
و في وزنه ما كان على افتعل والفاء تسكن فتلحقها ألف الوصل فيكون المصدر الافتعال وذلك نحو: اقتدر اقتداراً، واقتحم اقتحاماً، واكتسب اكتساباً.
و لا تلحق التاء شيئاً من الأفعال زائدةً بعد حرف أصلي إلا هذا المثال.
و يضاعف آخر الفعل ويسكن أوله فتلحقه ألف الوصل ويكون على هذا الوزن، إلا أن الإدغام يدركه لالتقاء الحرفين من جنس واحد، وذلك نحو: احمررت واسوددت، واخضررت.
فإذا قلت: احمر يا فتى وما أشبهه، لحقه الإدغام. فهذا قبيل آخر.
و من الأفعال ما يقع على مثال استفعلت. وذلك أن السين والتاء زائدتان، إلا أن السين ساكنة تلحقها ألف الوصل، وذلك نحو: استخرجت، واستكرمت، واستعطيت.
فالمصدر من ذا استفعالاً. تقول: استخرجت استخراجاً، واستنطقت استنطاقاً.
و يكون على هذا الوزن إلا أن آخره مضاعف فيدركه الإدغام. وذلك المثال نحو: احماررت، وابياضضت. على معنى احمررت، وابيضضت. إلا أن الأصل افعاللت. وافعللت محذوف منه. والمصدر على وزن مصدر استفعلت، وتقديره: افعيلال وذلك: اشهاب الفرس اشهيباباً، وادهام ادهيماماً، وابياض ابيضاضاً.
و يكون على هذا الوزن ويسكن أوله فتلحقه ألف الوصل، إلا أن الواو فيه مضاعفة. وذلك افعولت ومصدره افعوالاً، وذلك: اجلوذ اجلواذاً، واعلوط اعلواطاً.
و من هذا الوزن ما زيدت فيه الواو بين العينين، فكان على مثال افعوعل وذلك نحو: اغدودن، واعشوشبت الأرض واخلولق للخير. والمصدر افعيعالاً على وزن استخراجاً في السكون والحركة، وكذلك كل شيءٍ وازن شيئاً فهو يجري مجراه: في سكونه وحركته، في المضارع والمصدر، إلا ما ذكرت لك من مخالفة فعل وأفعل في المصدر للأربعة؛ لتفصل بين الملحق وغيره.
و يقع في الوزن افعنلل من الأربعة والثلاثة ملحقة بالأربعة فذلك نذكره بعد هذا الباب.
و قولنا: إن الأفعال إذا وقعت على وزن واحد بغير إلحاق في الثلاثة التي تلحقها الزوائد استوت مصادرها فيه بيان كل ما يرد في هذا الباب.

و اعلم أن التاء تلحق فاعل، وفعل فيكون الفعل على تفاعل وتفعل، كما تلحق فعلل الذي أصله الأربعة، وذلك نحو: دحرج، إذا ذكرت المطاوعة قلت: تدحرج فيكون المصدر تدحرجاً. فكذلك تقول: تقطع تقطعاً، وتكسر تكسراً.
و في فاعل تقول: تغافل تغافلاً، وتناول تناولاً؛ لأنك تقول: ناولته فتناول؛ كما تقول: دحرجته فتدحرج، وكذلك كسرته فتكسر.
هذا باب

أفعال المطاوعة
من الأفعال التي فيها الزوائد من الثلاثة، والأفعال التي لا زوائد فيها
منها
و أفعال المطاوعة أفعال لا تتعدى إلى مفعول؛ لأنها إخبارٌ عما تريده من فاعلها.
فإذا كان الفعل بغير زيادة فمطاوعه يقع على انفعل. وقد يدخل عليه افتعل إلا أن الباب انفعل؛ وذلك قولك: كسرته فانكسر. فإن المعنى: أني أردت كسره فبلغت منه إرادتي. وكذلك قطعته فانقطع، وشويت اللحم فانشوى، ودفعته فاندفع.
وقد يقع اشتوى في معنى انشوى؛ لأن افتعل وانفعل على وزن.
فأما الأجود في قولك: اشتوى، فأن يكون متعدياً على غير معنى الانفعال. تقول اشتوى القوم، أي: اتخذوا شواءً. فتقول على هذا: اشتوى القوم لحماً.
و لا يكون انفعل من هذا ولا من غيره إلا غير متعدٍ إلى مفعول.
و إن كان الفعل على أفعل فبابه أفعلته ففعل. ويكون فعل متعدياً وغير متعدٍّ. وذلك أخرجته فخرج؛ لأنك كنت تقول؛ خرج زيد. فإذا فعل به ذلك غيره قلت: أخرجه عبد الله، أي: جعله يخرج. وكذلك: أدخلته الدار فدخلها؛ أي: جعلته يدخلها.
فإنما أفعلته داخلةٌ على فعل. تقول: عطا يعطو: إذا تناول، وأعطيته أنا: ناولته فالأصل ذا، وما كان من سواه فداخلٌ عليه. تقول: ألبسته فلبس، وأطعمته فطعم.
فأما طرحت البئر وطرحتها، وغاض الماء وغضته، وكسب زيد درهماً وكسبه فهو على هذا بحذف الزوائد. وكذلك إن كان من غير هذا اللفظ؛ نحو: أعطيته فأخذه، إنما أخذ في معنى عطا: أي تناول.
فإن كان الفعل على فاعل مما يقع لواحد فالمفعول الذي يقع فيه على أنه كان فاعلاً يكون على متفاعل، وفعله على تفاعل.
تقول: ناولته فتناول، وقاعسته فتقاعس. هذا إنما يصلح إذا كان فاعل للفاعل وحده؛ نحو: عافاه الله، وناولت زيداً. فأما إذا كان من اثنين فهو خارج من هذا. وذلك نحو شاتمت زيداً، أي: كان منه إلي مثل ما كان مني إليه، وقاتلت زيداً، وضاربت عمراً.
فالغالب من ذا يقع على فعل يفعل من الصحيح. تقول: شاتمني فشتمته وحق لي أن أشتمه، وضاربني فضربته فأنا أضربه. لا يكون الفعل من هذا إلا على مثال قتل يقتل، وليس من باب ضرب يضرب ولا علم يعلم.
فإن كان الفعل على مثال فعلت أو فاعلت فقد قلنا: إنه يكون على تفاعل وتفعل.
و استفعل يكون المطاوع فيه على مثاله قبل أن تلحقه الزيادة إذا كان المطلوب من فعله وذلك: استنطقته فنطق، واستكتمه فكتم، واستخرجته فخرج.
فإن كان من غير فعله جاء على لفظ آخر، نحو: استخبرته فأخبر، لأنك تريد: سألته أن يخبرني وكان فعله أخبر بالألف الثانية. فجاء على مقدار ما كان عليه، وكذلك: استعلمته فأعلمني، فعلى هذا يجري ما ذكرناه من هذه الأفعال.
هذا باب
ما كان من بنات الأربعة
وألحق به من الثلاثة فمثال بنات الأربعة التي لا زيادة فيها فعلل وذلك؛ نحو: دحرج وهملج، وسرهف. وقد مضى قولنا في مصدره.
و تلحق به الثلاثة بالواو ثانيةً فيكون على فوعل؛ وذلك نحو: حوقل؛ كما تلحق اسماً؛ نحو: كوثر وجورب، والمصدر كالمصدر.
و تلحق الواو ثالثةً فيكون على فعول؛ نحو: جهور كلامه جهورةً؛ كما يلحقه اسماً وذلك قولك: جدول، والمصدر كالمصدر.
و تلحقه الياء ثانيةً فيكون الفعل على فيعل؛ وذلك نحو: بيطر. كما يلحقه اسماً إذا قلت: رجل جيدر وصيرف. والمصدر كالمصدر تقول: بيطر بيطرة.
و تلحقه الياء رابعةً؛ نحو: سلقى وجعبى. والمصدر كالمصدر.
و نظيره من الأسماء أرطى، وعلقى. ويدلك على أن الألف ليست للتأنيث أنك تقول في الواحدة: أرطاة وعلقاة، وهذا مبين في باب التصريف. وإنما نذكر هاهنا شيئاً للباب الذي ذكرناه.
و كل ما كان ملحقاً بشيءٍ من الفعل فمصدره كمصدره.
و ليس في الأفعال شيءٌ على فعيل ولكن فعيل ملحق بهجرع وذلك هريع وحيثل.

فالفعل من بنات الأربعة بغير زيادة لا يكون إلا على فعلل فالأسماء تكون على فعللٍ؛ نحو: جعفر. وفعلل نحو الترتم، والجلجل. ويكون على فعلل نحو: زهلق، وخمخم.
و يكون على فعلل نحو: هجرع، ودرهم؛ لتمكن الأسماء وتقدمها الأفعال.
و تكون الأسماء على فعلٍّ؛ نحو: قمطر، وسبطر.
فأما الأفعال فتلحقها الزيادة، فيكون الفعل على تفعلل، وهو الفعل الذي يقع على فعلل، وذلك؛ نحو: تدحرج وتسرهف؛ لأن التقدير: دحرجته فتدحرج. والمصدر التفعلل.
و مصدر تفعل التفعل كقولك: تكسر تكسراً.
و مصدر تفاعل إنما هو التفاعل؛ نحو: تغافل تغافلاً. فاستوت مصادر هذه في السكون والحركة؛ كما استوت أفعالها.
و تلحق النون الأفعال ثالثةً، وتسكن أوائلها، وتلحقها ألف الوصل، فيكون على افعنلل وذلك نحو: احرنجم، واخرنطم.
و الملحق به من بنات الثلاثة يكون على ضربين: أحدهما: أن تضاعف اللام فيكون الوزن افعنلل وإحدى اللامين زائدة، وذلك نحو: اقعنسس.
و الوجه الآخر: أن تزاد ياءٌ بعد اللام فيكون افعنلى وذلك؛ نحو: استلقى ولا يكون الإلحاق به من بنات الثلاثة غير احرنجم، لأن النون إنما تقع بين حرفين من الأصل فلا يكون فيما ألحق به إلا كذلك.
و تلحق بنات الأربعة الزيادة آخراً، ويسكن أولها فتلحقها ألف الوصل، فيكون بناء الفعل على افعللت وافعلل، إلا أن الإدغام يدركه؛ وذلك نحو: اقشعررت، واقشعر. وكان أصله اقشعرر. فنظيره من الثلاثة احماررت، واشهاببت، واشهاب الفرس. ومصدره كمصدره لأن الوزن واحد.
و كذلك استفعلت الذي لا يكون إلا من الثلاثة، وذلك قولك: اشهاب الفرس اشهيباباً؛ كما تقول استخرج استخراجاً، واغدودن اغديداناً، واعلوط اعلواطاً. وقد مضى قولنا في استواء المصادر في السكون والحركة إذا استوت أفعالها.
و لا يكون الفعل من بنات الخمسة البتة، إنما يكون من الثلاثة والأربعة. ومثال الخمسة للأسماء خاصة؛ لقوة الأسماء وتمكنها.
و أكثر ما يبلغ العدد في الأسماء بالزيادة سبعة أحرف، ولا يكون ذلك إلا في المصادر من الثلاثة والأربعة ، وهما: اشهيباب واحرنجام، وما وقع على هذا الوزن من الثلاثة. فأما الخمسة فلا تبلغ بالزيادة إلا ستة أحرف؛ لأنه ليس منها فعلٌ فيكون لها مصدر كهذه المصادر، ولكن تلحقها الزوائد كما تلحق سائر الأسماء، وذلك نحو: عضرفوط، وعندليب، وقبعثرى، وهذا مبين في باب التصريف.
هذا باب

ذوات الثلاثة من الأفعال بغير زيادة
فالأفعال منها تكون على فعل يفعل لما كان متعدياً وغير متعدٍّ.
فأما المتعدي فنحو: ضرب يضرب، وحبس يحبس، وشتم يشتم.
و أما غير المتعدي فنحو: جلس يجلس، وحرص يحرص، وشهق يشهق.
و تكون على فعل يفعل فيكون للمتعدي وغيره.
فأما المتعدي فنحو: قتل يقتل، وسجن يسجن، وعتل يعتل.
و أما غير المتعدي فنحو: قعد يقعد، ونظر ينظر من العين، وعطس يعطس.
و تكون على فعل يفعل لما يتعدى ولما لا يتعدى.
فالمتعدى: شرب يشرب، ولقم يلقم، وحذر يحذر.
و أما غير المتعدي فنحو: بطر يبطر، وفقه يفقه، ولحح يلحح، وشتر يشتر.
و يكون على فعل يفعل ولا يكون إلا لما لا يتعدى. وذلك نحو: كرم يكرم، وشرف، وظرف. فهذه أبنية الثلاثة.
و اعلم أن حروف الحلق إذا وقعت من فعل المفتوح في موضع العين أو اللام جاء فيه يفعل بالفتح؛ وذلك لأن حروف الحلق من حيز الألف، والفتحة منها.
و إن كان حرف الحلق في موضع العين من الفعل انفتحت العين ليكون العمل من وجه واحد.
فأما ما كانت منه في موضع اللام فسنذكره بعد ذكرنا حروف الحلق إن شاء الله.
و هذه الحروف الستة: فأقصاها الهمزة والهاء، والمخرج الثاني العين والحاء، وأدنى مخارج الحلق إلى الفم الغين والخاء.
فما كان من ذلك في موضع اللام فنحو: قرأ يقرأ، وبسأ به يبسأ، وجبه يجبه، وصنع يصنع، ونطح ينطح، وسنح يسنح، ومنح يمنح، وسلخ يسلخ، ونبغ ينبغ، ورقأ يرقأ.
و ما كان في موضع العين فنحو: ذهب يذهب، وفعل يفعل، ونحل ينحل، ونهش ينهش، وجأر يجأر.
و إن كان حرف الحلق في موضع الفاء لم يفتح له شيءٌ؛ وذلك أن الفاء لا تكون إلا ساكنة في يفعل. وإنما تتحرك في المعتل بحركة غيرها، نحو: يقول ويبيع.

و اعلم أن الأصل مستعملٌ فيما كانت حروف الحلق في موضع عينه أو لامه؛ نحو: زأر الأسد يزئر، ونأم ينئم؛لأن هذا هو الأصل، والفتح عارض. لما ذكرت لك هاهنا من أجل مصادره ليجري الفعل عليها. ونحن ذاكروها بعد ذكر أسماء الفاعلين في هذه الأفعال إن شاء الله.
هذا باب

معرفة أسماء الفاعلين في هذه الأفعال
وما يلحقها من الزيادة للمبالغة
اعلم أن الاسم من فعل على فاعل؛ نحو قولك: ضرب فهو ضارب، وشتم فهو شاتم وكذلك فعل نحو: علم فهو عالم، وشرب فهو شارب.
فإن أردت أن تكثر الفعل كان للتكثير أبنية: فمن ذلك فعال تقول: رجل قتال، إذا كان يكثر القتل. فأما قاتلٌ فيكون للقليل والكثير؛ لأنه الأصل. وعلى هذا تقول: رجل ضرابٌ وشتام، كما قال:
أخا الحرب لباساً إليها جلالها ... و ليس بولاج الخوالف أعقلا
فهذا ينصب المفعول كما ينصبه فاعلٌ؛ لأنك إنما تريد به ما تريد بفاعل، إلا أن هذا أكثر مبالغةً؛ ألا تراه يقول: لباساً إليها جلالها. ومن كلام العرب: أما العسل فأنت شراب.
من هذه الأبنية فعول؛ نحو: ضروب، وقتول، وركوب: تقول: هو ضروب زيداً، إذا كان يضربه مرة بعد مرة. كما قال:
ضروبٌ بنصل السيف سوق سمانها ... إذا عدموا زاداً فإنك عاقر
و من كلام العرب: إنه ضروبٌ رؤوس الدارعين.
و من هذه الأبنية مفعال؛ نحو: رجل مضراب، ورجل مقتال. ومن كلام العرب: إنه لمنحار بوائكها.
فأما ما كان على فعيل نحو:رحيم وعليم، فقد أجاز سيبويه النصب فيه، ولا أراه جائزاً.
و ذلك أن فعيلا إنما هو اسم الفاعل من الفعل الذي لا يتعدى. فما خرج إليه من غير ذلك الفعل فمضارع له ملحق به.
و الفعل الذي هو لفعيل في الأصل إنما هو ما كان على فعل: نحو: كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف، وظرف فهو ظريف. فما خرج إليه من باب علم وشهد ورحم فهو ملحق به. فإن قلت: راحم وعالم وشاهد، فهذا اسم الفاعل الذي يراد به الفعل. واحتج سيبويه بقول الشاعر:
حتى شآها كليلٌ موهناً عملٌ ... باتت طراباً وبات الليل لم ينم
فجعل البيت موضوعاً من فعيل وفعل بقوله: عمل، وكليل.
و ليس هذا بحجة في واحد منهما؛ لأن موهناً ظرف وليس بمفعول، والظرف إنما يعمل فيه معنى الفعل كعمل الفعل، كان الفعل متعدياً أو غير متعدٍّ.
و كذلك ما ذكر في فعل. أكثر النحويين على رده، وفعيلٌ في قول النحويين بمنزلته. فما كان على فعل فنحو: فرق، وبطر، وحذر.
و الحجة في أن هذا لا يعمل أنه لما تنتقل إليه الهيئة. تقول: فلان حذر. أي: ذو حذر، وفلان بطرٌ، كقولك: ما كان ذا بطر ولقد بطر، وما كان ذا حذر ولقد حذر. فإنما هو كقولك: ما كان ذا شرف ولقد شرف. وما كان ذا كرم ولقد كرم.
ففعلٌ مضارعة لفعيل. وكذلك يقع فعل وفعيل في معنى، كقولك: رجل طب وطبيب، ومذل ومذيل، وهذا كثير جداً.
و احتج سيبويه بهذا البيت:
حذرٌ أموراً لا تضير، وآمنٌ ... ما ليس منجيه من الأقدر
و هذا بيت موضوع محدث. وإنما القياس الحاكم على ما يجيء من هذا الضرب وغيره.
فإن ذكرت فعولاً من غير فعل لم يجر مجرى الفعل، وذلك نحو قولك: هذا رسول. وليس بمنزلة ضروب؛ لأنك تقول: رجل ضارب وضروب لمن يكثر الضرب منه. فإذا قلت: رسول لم ترد به معنى فعل، إنما تريد أن غيره أرسله. والفعل منه أرسل يرسل. والمفعول مرسل.
و ليس رسولٌ مكثراً من مرسل؛ لأن رسولاً قد يستقيم أن يكون أرسل مرةً واحدة، فليس للمبالغة.
و أما ضروبٌ فمعناه كثرة الضرب.
فإن كانت الأسماء جاريةً على أفعالها في الفاعلين والمفعولين عملت عمل أفعالها. لا اختلاف في ذلك بين أحد. ونحن ذاكروها مع ما ذكرنا إن شاء الله.
و ذلك أنك إذا أردت التكثير من ذا قلت: مضربٌ أعناق القوم؛ لأن الاسم على ضرب مضرب. وإنما ذكرنا النصب في ضراب، لأنه في معنى مضرب؛ ألا ترى أنك لا تقول لمن ضرب ضربةً واحدةً: ضرابٌ، ولا لمن خاط خيطةً واحدةً: خياطٌ، ولا ضروبٌ، ولا خيوطٌ فإنما مضربٌ من ضربت، ومستخرج من استخرجت، ومنطلق من انطلقت.

فاسم الفاعل قلت حروفه أو كثرت بمنزلة الفعل المضارع الذي معناه يفعل. واسم المفعول جار على الفعل المضارع الذي معناه يفعل. تقول: زيدٌ ضاربٌ عمراً؛ كما تقول: زيد يضرب عمراً. وزيد مضروب سوطاً، كما تقول: زيد يضرب سوطاً.
فهذه جملة هذا الباب.
و اعلم أن المصادر تنصب الأفعال التي هي منها، وقد مضى قولنا في هذا وفي مصادر ما جاوز عدده الثلاثة. ونحن ذاكرو المصادر التي تجري على الأفعال من ذوات الثلاثة على كثرتها واختلافها بعد فراغنا من هذا الباب إن شاء الله.
اعلم أن المصادر تلحقها الميم في أولها زائدةً؛ لأن المصدر مفعولٌ. فإذا كان كذلك جرى مجرى المصدر الذي لا ميم فيه في الإعمال وغيره، وذلك قولك: ضربته مضرباً: أي ضرباً، وغزوته غزواً ومغزىً، وشتمته شتماً ومشتماً.
و تقول: يا عمرو مشتماً زيداً.
فإن كان المصدر لفعل على أكثر من ثلاثة كان على مثال المفعول؛ لأن المصدر مفعول. وكذلك إن بنيت من الفعل اسماً لمكان أو زمان، كان كل واحد منهما على مثال المفعول. لأن الزمان والمكان مفعول فيهما. وذلك قولك في المصادر: أدخلته مدخلاً، كما قال عز وجل: " أنزلني منزلاً مباركاً " و " باسم الله مجريها ومرساها " .
و كذلك: سرحته مسرحاً، وهذا مسرحنا؛ أي في موضع تسريحنا، وهذا مقامنا؛ لأنك تريد به المصدر والمكان من أقمت. وعلى ذلك قال الله عز وجل: " إنها ساءت مستقراً ومقاماً " لأنها من أقمت. وقال: " يا أهل يثرب لا مقام لنا " لأنها من قمت. موضع قيام ومن قرأ لا مقام إنما يريد: لا إقامة.
قال الشاعر:
ألم تعلم مسرحي القوافي ... فلا عياً بهن ولا اجتلابا
أي تسريحي. وقال الآخر:
و ما هي إلا في إزار وعلقةٍ ... مغار بن همامٍ على حي خثعما
أي وقت إغارة ابن همام.
و هذا أوضح من أن يكثر فيه الاحتجاج؛ لأن المصدر هو المفعول الصحيح؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ضربت زيداً، أنك لم تفعل زيداً وإنما فعلت الضرب، فأوصلته إلى زيد، وأوقعته به، لأنك إنما أوقعت به فعلك. فأما قول الله عز وجل: " و جعلنا النهار معاشاً " فمعناه: عيشاً، ثم قال: " و يسألونك عن المحيض " أي الحيض. فكان أحد المصدرين على مفعل والآخر على مفعل.
و قوله عز وجل: " سلامٌ هي حتى مطلع الفجر " .
و مطلع الفجر وما أشبه هذا فله باب يذكر فيه إن شاء الله.
هذا باب

مصادر ذوات الثلاثة على اختلافها
وتبيين الأصل فيها
اعلم أن هذا الضرب من المصادر يجيء على أمثلة كثيرة بزوائد وغير زوائد؛ وذلك أن مجازها مجاز الأسماء، والأسماء لا تقع بقياس.
و إنما استوت المصادر التي تجاوزت أفعالها ثلاثة أحرف فجرت على قياس واحد، لأن الفعل منها لا يختلف. والثلاثة مختلفةٌ أفعالها الماضية والمضارعة؛ فلذلك اختلفت مصادرها، وجرت مجرى سائر الأسماء.
فمنها ما يجيء على فعل مفتوح الأول ساكن الثاني وهو الأصل، وسنبين الأصل إن شاء الله.
فما جاء منها على فعل فقولك: ضربت ضرباً، وقتلت قتلاً، وشربت شرباً، ومكثت مكثاً. فهذا قد جاء فيما كان على فعل يفعل؛ نحو: ضرب يضرب، وعلى فعل يفعل نحو: قتل يقتل، وعلى فعل يفعل، نحو: شرب يشرب ولقم يلقم، وعلى فعل يفعل؛ نحو: مكث يمكث.
و يقع على فعلٍ وفعلٍ بإسكان الثاني وكسر الأول أو ضمه.
فأما الكسر فنحو: علم علماً، وحلم حلماً، وفقه فقهاً، وكذلك فقه.
و أما ما كان مضموم الأول فنحو: الشغل تقول: شغلته شغلاً، وشربته شرباً، وسقم الرجل سقماً.
و يكون على فعلٍ؛ نحو جلبته جلباً، وطربت طرباً، وحلب الرجل الشاة حلباً.
و يكون على فعلٍ؛ نحو: سمن سمناً، وعظم عظماً، وكبر كبراً، وصغر صغراً.
و يكون على فعلٍ؛ نحو: ضحك ضحكاً، وحلف حلفاً، وخنقه خنقاً.
هذه المصادر بغير زيادة.
و تكون الزيادة فيكون على فعولٍ وفعال، نحو: جلس جلوساً، وقعد قعوداً، ووقدت النار وقوداً، وشكرته شكوراً، وكفرته كفوراً.
و الفعال، نحو: قمت قياماً، وصمت صياماً، ولقيته لقاءً.
و يكون على فعال؛ نحو: ذهبت ذهاباً، وخفيت خفاءً، وشربت شراباً. يقول بعضهم. هو مصدر. وأما أكثر النحويين فالشراب عنده المشروب. وهذا لا خلاف فيه. وإنما تزعم طائفة أنه يكون للمصدر.
و تقول: جمل جمالاً، وخبل خبالاً، وكمل كمالاً.

و يكون على هذا الوزن بالهاء نحو: سفه سفاهةً، وضل ضلالةً، وجهل جهالةً، وسقم سقامةً.
و يكون في المعتل منه بناءٌ لا يوجد مثله في الصحيح. وذلك أنك لا تجد مصدراً على فيعلولة إلا في المعتل؛ وذلك شاخ شيخوخة، وصار صيرورة، وكان كينونة. إنما كان الأصل كينونة، وصيرورة وشيخوخة. وكان قبل الإدغام كيونونةً. ولكن لما كثر العدد ألزموه التخفيف كراهية للتضعيف.
و مثل ذلك قولهم في هين: هين، وفي سيد: سيد، وكذلك ميت، وميت، ولين ولين.
و جميع ما كان على هذا الوزن. فلما كان التخفيف في العدد الأقل جائزاً كان في العدد الأكثر لازماً.
و لا يوجد مصدر على فيعلولة في غير المعتل؛ لأن من كلامهم اختصاص المعتل بأبنية لا تكون في غيره. والدليل على أنه فيعلول أنه لا يكون اسم على فعلول بفتح أوله، ولم يوجد ذلك إلا في قولهم: صعفوقٌ ويقال: إنه اسم أعجمي أعرب.
و من الدليل على ذلك أن كينونة لو كان فعلولة لكان كونونة، لأنه من الواو، فهذا واضح جداً.
و الدليل على أن أصل المصادر في الثلاثة فعل مسكن الأوسط مفتوح الأول أنك إذا أردت رد جميع هذه المصادر إلى المرة الواحدة فإنما ترجع إلى فعلة على أي بناء كان بزيادة أو غير زيادة. وذلك قولهم: ذهبت ذهاباً ثم تقول: ذهبت ذهبةً واحدة. وتقول في القعود: قعدت قعدة واحدة، وحلفت حلفة واحدة، وحلبته حلبة واحدة. لا يكون في جميع ذلك إلا هكذا.
و الفعل أقل الأصول والفتحة أخف الحركات. ولا يثبت في الكلام بعد هذا حرف زائد ولا حركة إلا بثبت وتصحيح.
و زعم سيبويه أن الأكثر في الفعل الذي لا يتعدى إلى المفعول أن يأتي على فعول وإن كان الفعل هو الأصل. فكأن الواو إنما زيدت وغير للفصل بين المتعدي وغيره؛ وذلك نحو: جلست جلوساً، ووقدت النار وقوداً، وإن كان الأصل ما ذكرنا. وقد يجيء هذا فيما لا يتعدى أكثر.
و جاءت مصادر على فعول مفتوحة الأوائل؛ وذلك قولك: توضأت وضوءً حسناً، وتطهرت طهوراً، وأولعت به ولوعاً، ووقدت النار وقوداً، وإن عليه لقبولاً. على أن الضم في الوقود أكثر إذا كان مصدراً وأحسن.
هذا باب

ما كان من المعتل فيما جاوز فعله الثلاثة
فلزمه الحذف لاعتلاله والإتمام لسلامته
اعلم أن المعتل يقع على ضربين: محذوفاً، ومتمماً.
فما لزمه الحذف لعلة تكون تلك العلة راجعة في مصدره فمصدره معتل كاعتلاله. وما سلم من الحذف فعله كان مصدره تاماً.
فمن ذلك ما يكون من الثلاثة مما فاؤه واو، وذلك نحو: وعد ووجد. فإذا قلت: يعد ويجد وقعت الواو بين ياءٍ وكسرة فحذفت لذلك، فكان يعد ويجد. وكان الأصل: يوعد ويوجد. ولو لم تكن الكسرة بعد الياء لصحت؛ كما تصح في يوجل، أو أبدلت ولم تحذف: كما تقول: ييجل وييحل، وياجل وياحل.
فإذا قلت: وعداً، ووزناً صح المصدر؛ لأنه لم تلحقه علة.
فإن قلت: عدة وزنة أعللت فحذفت؛ لأن الكسرة في الواو.
فالعلة في المصدر من جهتين: إحداهما: علة فعله، والثانية: وقوعها فيه؛ ألا ترى أنها لو كانت علة الفعل وحدها لصح المصدر كما ذكرت لك في الوعد والوزن.
و لو بنيت اسماً على فعلة لا تريد به مصدراً لصحت الواو وذلك مثل الوجهة، فكذلك كل مصدر من المعتل. وهذا الذي قدمت ما اعتلت فاؤه.
و الذي تعتل عينه من باب قال وباع هذا مجراه، تقول: قمت قياماً فإنما حذفت موضع العين من قمت؛ لاجتماع الساكنين. ولم يلتق في المصدر ساكنان، ولكن يلزمك لاعتلال الفعل أن تقلب الواو ياءً، لأن قبلها كسرةً. فقد اجتمع فيها شيئان: الكسرة قبلها، واعتلال الفعل. فلذلك قلت: لذت لياذاً، ونمت نياماً، وقمت قياماً.
و لو كان المصدر ل قاومت لصح فقلت: قاومته قواما، ولاوذته لواذاً.
و كان اسماً غير مصدر نحو: خوان.
فإن كان المصدر لا علة فيه صح على ما ذكرت لك. وذلك قولك: قلت قولاً، وجلت جولاً، وكذلك بعت بيعاً، وكلت كيلاً. لا نقص في شيء من ذلك.
و كذلك إن اعتلت اللام فلحقت المصدر تلك العلة والفعل بزيادة أو غير زيادة.
هذا باب
الأمر والنهي
فما كان منهما مجزوماً فإنما جزمه بعامل مدخلٍ عليه. فاللازم له اللام. وذلك قولك: ليقم زيد. ليذهب عبد الله. وتقول: زرني ولأزرك، فتدخل اللام؛ لأن الأمر لك.
فأما إذا كان المأمور مخاطباً ففعله مبنيٌّ غير مجزوم وذلك قولك: اذهب. وانطلق.

و قد كان قوم من النحويين يزعمون أن هذا مجزوم، وذلك خطأ فاحش؛ وذلك لأن الإعراب لا يدخل من الأفعال إلا فيما كان مضارعاً للأسماء.
و الأفعال المضارعة هي التي في أوائلها الزوائد الأربع: الياء، والتاء، والهمزة، والنون. وذلك قولك: أفعل أنا، وتفعل أنت، ويفعل هو، ونفعل نحن. فإنما تدخل عليها العوامل وهي على هذا اللفظ.
و قولك: اضرب، وقم ليس فيه شيء من حروف المضارعة، ولو كانت فيه لم يجز جزمه إلا بحرف يدخل عليه فيجزمه. فهذا بين جداً.
و يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " فبذلك فلتفرحوا " فهذا مجزوم جزمته اللام وجاءت هذه القراءة على أصل الأمر، فإذا لم يكن الأمر للحاضر المخاطب فلا بد من إدخال اللام، تقول: ليقم زيد، وتقول: زر زيداً وليزرك. إذا كان الأمر لهما؛ لأن زيداً غائب، ولا يكون الأمر له إلا بإدخال اللام.
و كذلك إن قلت: ضرب زيد فأردت الأمر من هذا: ليضرب زيد، لأن المأمور ليس بمواجه.
و اعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي في الجزم والحذف عند المخاطبة، وإنما قيل: دعاء وطلبٌ للمعنى؛ لأنك تأمر من هو دونك، وتطلب إلى من أنت دونه. وذلك قولك: ليغفر الله لزيد وتقول: اللهم اغفر لي؛ كما تقول: اضرب عمراً.
فأما قولك: غفر الله لزيد، ورحم الله زيداً، ونحو ذلك فإن لفظه لفظ الخبر ومعناه الطلب؛ وإنما كان كذلك ليعلم السامع أنك لا تخبر عن الله عز وجل وإنما تسأله. كما أن قولك: علم الله لأقومن. إنما لفظه لفظ رزق الله ومعناه القسم؛ لأنك في قولك: علم مستشهدٌ.
و تقول: يا زيد ليقم إليك عمرو، ويا زيد لتدع بني عمرو.
و النحويون يجيزون إضمار هذه اللام للشاعر إذا اضطر، ويستشهدون على ذلك بقول متمم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حر الوجه أو يبك من بكى
يريد: أو ليبك من بكى. وقول الآخر:
محمد تفد نفسك كل نفسٍ ... إذا ما خفت من شيءٍ تبالا
فلا أرى ذلك على ما قالوا؛ لأن عوامل الأفعال لا تضمر، وأضعفها الجازمة؛ لأن الجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء. ولكن بيت متمم حمل على المعنى؛ لأنه إذا قال: فاخمشي فهو في موضع فلتخمشي، فعطف الثاني على المعنى.
و أما هذا البيت الأخير فليس بمعروف، على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لك.
و تقول: ليقم زيد، ويقعد خالد، وينطلق عبد الله؛ لأنك عطفت على اللام.
و لو قلت: قم ويقعد زيد لم يجز الجزم في الكلام. ولكن لو اضطر شاعر فحمله على موضع الأول لأنه مما كان حقه اللام كان على ما وصفت لك.
و اعلم أن هذه اللام مكسورةٌ إذا ابتدئت فإذا كان قبلها فاء أو واو فهي على حالها في الكسر. وقد يجوز إسكانها، وهو أكثر على الألسن. تقول: قم وليقم زيد " فلتقم طائفةٌ منهم معك " " ولتكن منكم أمةٌ " . وإنما جاز ذلك؛ لأن الواو والفاء لا ينفصلان، لأنه لا يتكلم بحرف واحد. فصارتا بمنزلة ما هو في الكلمة، فأسكنت اللام هرباً من الكسرة. كقولك في علم: علم، وفي فخذ: فخذ.
و أما قراءة من قرأ ثم ليقطع فلينظر. فإن الإسكان في لام فلينظر جيد وفي لام ليقطع لحنٌ؛ لأن ثم منفصلة من الكلمة. وقد قرأ بذلك يعقوب بن إسحاق الحضرمي.
فأما حرف النهي فهو لا. وهو يقع على فعل الشاهد والغائب، وذلك قولك: لا يقم زيد، ولا تقم يا رجل، ولا تقومي يا امرأة. فالفعل بعده مجزوم به.
و تقول: لا يقم زيد ولا يقعد عبد الله، إن عطفت نهياً على نهي. وإن شئت قلت: لا يقم زيد، ويقعد عبد الله. وهو بإعادتك لا أوضح؛ وذلك لأنك إذا قلت: لا يقم زيد، ولا يقعد عبد الله تبين لك أنك قد نهيت كل واحد منهما على حياله.
و إذا قلت: ويقعد عبد الله بغير لا فهذا وجه.
و قد يجوز أن يقع عند السامع أنك أردت: لا يجتمع هذان. فإن قعد عبد الله، ولم يقم زيد لم يكن المأمور مخالفاً. وكذلك إن لم يقم زيد، وقعد عبد الله.
و لا المؤكدة تدخل في النفي لمعنىً. تقول: ما جاءني زيد ولا عمرو إذا أردت أنه لم يأتك واحد منهما، على انفراد ولا مع صاحبه؛ لأنك لو قلت: لم يأتني زيد وعمرو وقد أتاك أحدهما لم تكن كاذباً. ف لا في قولك: لا يقم زيد، ولا يقم عمرو يجوز أن تكون التي للنهي، وتكون المؤكدة التي تقع لما ذكرت لك في كل نفي.

واعلم أن الطلب من النهي بمنزلته من الأمر، يجري على لفظه كما جرى على لفظ الأمر؛ ألا ترى أنك لا تقول: نهيت من فوقي ولكن طلبت إليه. وذلك قولك: لا يقطع الله يد فلان، ولا يصنع الله لعمرو. فالمخرج واحد، والمعنى مختلف.
و اعلم أن جواب الأمر والنهي ينجزم بالأمر والنهي؛ كما ينجزم جواب الجزاء بالجزاء؛ وذلك لأن جواب الأمر والنهي يرجع إلى أن يكون جزاءً صحيحاً. وذلك قولك: ائتني أكرمك، لأن المعنى: فإنك إن تأتني أكرمك؛ ألا ترى أن الإكرام إنما يستحق بالإتيانو كذلك: لا تأت زيداً يكن خيراً لك؛ لأن المعنى: فإنك إلا تأته يكن خيراً لك.
و لو قال على هذا: لا تدن من الأسد يأكلك كان محالاً؛ لأنه إذا قال: لا تدن فإنما هو: تباعد، فتباعده منه لا يكون سبباً لأكله إياه. ولكن إن رفع جاز، فيكون المعنى: لا تدن من الأسد ثم قال: إنه مما يأكلك.
وإنما انجزم جواب الاستفهام؛ لأنه يرجع من الجزاء إلى ما يرجع إليه جواب الأمر والنهي وذلك قولك: أين بيتك أزرك؟ لأن المعنى: بإن أعرفه أزرك وكذلك هل تأتيني أعطك، وأحسن إليك؛لأن المعنى: فإنك إن تفعل أفعل.
فأما قول الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذابٍ أليمٍ " ثم قال: " تؤمنون بالله ورسوله " فإن هذا ليس بجواب، ولكنه شرح ما دعوا إليه، والجواب: " يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم " .
فإن قال قائل: فهلا كان الشرح أن تؤمنوا، لأنه بدل من تجارة؟ فالجواب في ذلك أن الفعل يكون دليلاً على مصدره، فإذا ذكرت ما يدل على الشيء فهو كذكرك إياه؛ ألا ترى أنهم يقولون: من كذب كان شراً، يريدون: كان الكذب وقال الله عز وجل: " و لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم " لأن المعنى: البخل هو خيراً لهم، فدل عليه بقوله يبخلون. وقال الشاعر:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فالمعنى: عن أن أحضر الوغى، كقولك: عن حضور الوغى. فلما ذكر أحضر الوغى دل على الحضور. وقد نصبه قوم على إضمار أن وقدموا الرفع.
و سنذكر ذلك باستقصاء العلة فيه إن شاء الله.
فأما الرفع فلأن الأفعال لا تضمر عواملها، فإذا حذفت رفع الفعل وكان دالاً على مصدره بمنزلة الآية وهي " هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم " ثم قال: تؤمنون.
و كذلك لو قال قائل: ماذا يصنع زيد؟ فقلت:يأكل أو يصلي لأغناك عن أن تقول:الأكل أو الصلاة. ألا ترى أن الفعل إنما مفعوله اللازم له إنما هو المصدر، لأن قولك: قد قام زيد بمنزلة قولك: قد كان منه قيام، والقيام هو النوع الذي تعرفه وتفهمه ولو قلت: ضرب زيد لعلمت أنه قد فعل ضرباً واصلاً إلى مضروب، إلا أنك لا تعرف المضروب بقوله: ضرب وتعرف المصدر.
و أما الذين نصبوا فلم يأبوا الرفع، ولكنهم أجازوا معه النصب؛ لأن المعنى إنما حقه بأن، وقد أبان ذلك فيما بعده بقوله: وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟. فجعله بمنزلة الأسماء التي يجيء بعضها محذوفاً للدلالة عليه.
وفي كتاب الله عز وجل: " يسأله من في السماوات والأرض " فالقول عندنا أن من مشتملة على الجميع؛ لأنها تقع للجميع على لفظ الواحد.
وقد ذهب هؤلاء القوم إلى أن المعنى: ومن في الأرض. وليس المعنى عندي كما قالوا وقالوا في بيت حسان:
فمن يهجوا رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
إنما المعنى: ومن يمدحه وينصره. وليس الأمر عند أهل النظر كذلك؛ ولكنه جعل من نكرةً، وجعل الفعل وصفاً لها، ثم أقام في الثانية الوصف مقام الموصوف. فكأنه قال: وواحد يمدحه وينصره، لأن الوصف يقع في موضع الموصوف، إذ كان دالاً عليه.
و على هذا قول الله عز وجل: " و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به " .
و قال الشاعر:
هل الدهر إلا تارتان فتارةٌ ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد: وتارة أخرى: و قال:
كأنك من جمال بني أقيشٍ ... يقعقع خلف رجليه بشن
يريد: كأنك جمل، وكذلك قال: يقعقع خلف رجليه.
و قال آخر:
و ما منهما إلا يسر بنسبةٍ ... تقربه مني وإن كان ذا نفر
يريد: وما منهما أحد: و قالوا في أشد من ذا:
ما لك عندي غير سهم وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفي كان من أرمى البشر

فهذا ما ذكرت لك من اختلافهم واختيار أحد القولين.
هذا باب

ما وقع من الأفعال للجنس على معناها
وتلك الأفعال: نعم، وبئس وما وقع في معناهما
اعلم أن نعم وبئس كان أصلهما نعم وبئس، إلا أنه ما كان ثانيه حرفا ًمن حروف الحلق مما هو على فعل جازت فيه أربعة أوجه اسماً كان أو فعلاً. وذلك قولك: نعم وبئس على التمام وفخذ، ويجوز أن تكسر الأول لكسرة الثاني فتقول: نعم وبئس وفخذ.و يجوز الإسكان، كما تسكن المضمومات والمكسورات إذ كن غير أول. وقد تقدم قولنا في ذلك. فيقول من قولك فخذ: فخذ، وعلم: علم ومن نعم: نعم ومن قولك: فخذ فخذ، ونعم وبئس.
و حروف الحلق ستة: الهمزة والهاء وهما أقصاه، والعين والحاء وهما من أوسطه، والغين والخاء وهما من أوله مما يلي اللسان. فكان أصل نعم وبئس ما ذكرت لك. إلا أنهما الأصل في المدح والذم. فلما كثر استعمالهما ألزما التخفيف، وجريا فيه وفي الكسرة كالمثل الذي يلزم طريقةً واحدة.
و قد يقول بعضهم نعم. وكل ذلك جائزٌ حسن إذا أثرت استعماله، أعني الوجوه الأربعة.
قال الشاعر:
ففداءٌ لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سوءٍ وضر
ما أقلت قدمي أنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر
و أما ما ذكرت لك أنه يقع في معناهما مقارباً لهما فنحو: فعل نحو: لكرم زيد، ولظرف زيد. وكذلك حبذا. ونحن ذاكرو كل باب من هذا على حياله إن شاء الله.
أما نعم وبئس فلا يقعان إلا على مضمر يفسره ما بعده والتفسير لازم.
أو على معرفة بالألف واللام على معنى الجنس، ثم يذكر بعدها المحمود والمذموم.
فأما ما كان معرفةً بالألف واللام فنحو قولك: نعم الرجل زيدٌ، وبئس الرجل عبد الله، ونعم الدار دارك. وإن شئت قلت: نعمت الدار. لما أذكره لك إن شاء الله، وبئست الدابة دابتك.
و أما قولك: الرجل، والدابة، والدار. فمرتفعات بنعم وبئس؛ لأنهما فعلان يرتفع بهما فاعلاهما.
و أما قولك: زيد، وما أشبهه فإن رفعه على ضربين: أحدهما: أنك لما قلت: نعم الرجل فكأنه معناه محمود في الرجال قلت: زيد على التفسير كأنه قيل: من هذا المحمود؟ فقلت: هو زيد.
و الوجه الآخر: أن تكون أردت بزيد التقديم فأخرته، وكان موضعه أن تقول: زيد نعم الرجل.
فإن زعم زاعم أن قولك: نعم الرجل زيد إنما زيد بدلٌ من الرجل مرتفع بما ارتفع به، كقولك: مررت بأخيك زيدٍ، وجاءني الرجل عبد الله. قيل له: إن قولك: جاءني الرجل عبد الله، إنما تقديره إذا طرحت الرجل : جاءني عبد الله. فقل: نعم زيدٌ؛ لأنك تزعم أنه بنعم مرتفع. وهذا محال؛ لأن الرجل ليس يقصد به إلى واحد بعينه؛ كما تقول: جاءني الرجل، أي: جاءني الرجل الذي تعرف. وإنما هو واحد من الرجال على غير معهود تريد به هذا الجنس. ويؤول نعم الرجل في التقدير إلى أنك تريد معنى محموداً في الرجال، ثم تعرف المخاطب من هذا المحمود؟.
و إذا قلت: بئس الرجل، فمعناه: مذموم في الرجال. ثم تفسر من هذا المذموم؟ بقولك: زيد.
فالرجل وما ذكرت لك مما فيه الألف واللام دالٌّ على الجنس، والمذكور بعد هو المختص بالحمد والذم. وهذا هاهنا بمنزلة قولك: فلان يفرق الأسد، إنما تريد هذا الجنس، ولست تعني أسداً معهوداً وكذلك: فلان يحب الدينار والدرهم، وأهلك الناس الدينار والدرهم، وأهلك الناس الشاة والبعير. وقال الله عز وجل: " و العصر إن الإنسان لفي خسر " فهو واقع على الجنس؛ ألا تراه يقول: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " وقال: " إن الإنسان خلق هلوعاً " . وقال: " إلا المصلين " .
و اعلم أن ما أضيف إلى الألف واللام بمنزلة الألف واللام، وذلك قولك: نعم أخو القوم أنت، وبئس صاحب الرجل عبد الله.
و لو قلت: نعم الذي في الدار أنت لم يجز، لأن الذي بصلته مقصود إليه بعينه. فقد خرج من موضع الاسم الذي لا يكون للجنس وتقول: نعم القائم أنت. ونعم الداخل الدار أنت. والدار بالنصب والخفض، والنصب أجود على ما ذكرت لك. لأن تعريفك يقع كتعريف الغلام وإن كان معناه الذي.
فإن قلت: قد جاء " و الذي جاء بالصدق وصدق به " فمعناه الجنس. فإن الذي إذا كانت على هذا المذهب صلحت بعد نعم وبئس. وإنما يكره بعد هذا تلك المخصوصة.

و كذلك لو قلت: نعم القائم في الدار أنت. وأنت تريد به واحداً على معنى الذي المخصوصة لم يجز؛ لما ذكرت لك من تعريف الجنس. فهذا تفسير ما يقع عليه من المعارف التي بالألف واللام.
و أما وقوعها على المضمر الذي يفسره ما بعده فهو قوله: نعم رجلاً أنت، وبئس في الدار رجلاً أنت، ونعم دابةً دابتك. فالمعنى في ذلك: أن في نعم مضمراً يفسره ما بعده وهو هذا المذكور المنصوب؛ لأن المبهمة من الأعداد وغيرها إنما يفسرها التبيين. كقولك: عندي عشرون رجلاً، وهو خير منك عبداً؛ لأنك لما قلت: عشرون أبهمت فلم يدر على أي شيءٍ هذا العدد وقع؟، فقلت: رجلاً ونحوه، لتبين نوع هذا العدد، وهو خير منك عبداً؛ لأنك إذا قلت: هو خير منك لم يدر فيم فضلته عليه؟، فإذا قلت: أباً، أو عبداً، أو نحوه فإنما تفضله في ذلك النوع. فكذلك نعم.
و الإضافة نحو قولك: هو أفضلهم عبداً، وعلى التمرة مثلها زبداً. فإن قال قائل: فهل يكون المضمر مقدماً؟. قيل: يكون ذاك إذا كان التفسير له لازماً. فمن ذلك قولك: إنه عبد الله منطلقٌ. وكان زيدٌ خيرٌ منك؛ لأن المعنى: إن الحديث أو إن الأمر عبد الله منطلقٌ، وكان الحديث زيد خير منك، ولهذا باب يفرد بتفسيره. قال الله عز وجل: " إنه من يأت ربه مجرماً " أي: إن الخبر.
و منها قولك في إعمال الأول والثاني: ضربوني، وضربت إخوتك؛ لأن الذي بعده من ذكره الأخوة يفسره فكذلك هذا. قال الله عز وجل: " بئس للظالمين بدلاً " وقال: " نعم العبد إنه أواب " ، لأنه ذكر قبل فكذلك جميع هذا.
و أما حبذا فإنما كانت في الأصل: حبذا الشيء؛ لأن ذا اسم مبهم يقع على كل شيءٍ. فإنما هو حب هذا، مثل قولك: كرم هذا. ثم جعلت حب وذا اسماً واحداً، فصار مبتدأ، ولزم طريقة واحدة على ما وصفت لك في نعم فتقول: حبذا عبد الله، وحبذا أمة الله.
و لا يجوز: حبذه؛ لأنهما جعلا اسماً واحداً في معنى المدح، فانتقلا عما كانا عليه قبل التسمية؛ كما يكون ذلك في الأمثال؛ نحو: أطري فإنك ناعلة ونحو الصيف ضيعت اللبن؛ لأن أصل المثل إنما كان لامرأة، فإنما يضرب لكل واحد على ما جرى في الأصل. فإذا قلته للرجل فإنما معناه: أنت عندي بمنزلة التي قيل لها هذا.
فأما قولك: نعمت وبئست إذا عنيت المؤنث؛ فلأنهما فعلان لم يخرجا من باب الأفعال إلى التسمية؛ كما فعل بحب وذا وكأنهما على منهاج الأفعال.
و من قال: نعم المرأة وما أشبهه فلأنهما فعلان قد كثرا، وصارا في المدح والذم أصلاً؛ والحذف موجود في كل ما كثر استعمالهم إياه.
فأما ضرب جاريتك زيداً، وجاء أمتك، وقام هندٌ فغير جائز؛ لأن تأنيث هذا تأنيثٌ حقيقي. ولو كان من غير الحيوان لصلح وكان جيداً؛ نحو: هدم دارك، وعمر بلدتك؛ لأنه تأنيث لفظ لا حقيقة تحته، كما قال عز وجل: " و أخذ الذين ظلموا الصيحة " وقال: " فمن جاءه موعظةٌ من ربه " . وقال الشاعر:
لئيم يحك قفا مقرفٍ ... لئيم مآثره قعدد
و قال الآخر:
بعيد الغزاة فما إن يزا ... ل مضطمراً طرتاه طليحا
و أما:
لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ
فإنما جاز للضرورة في الشعر جوازاً حسناً. ولو كان مثله في الكلام لكان عند النحويين جائزاً على بعدٍ. وجوازه للتفرقة بين الاسم والفعل بكلام. فتقديرهم أن ذلك الكلام صار عوضاً عن علامة التأنيث؛ نحو: حضر القاضي اليوم امرأةٌ، ونزل دارك ودار زيد جاريةٌ. والوجه ما ذكرت لك.
و من أولى الفعل مؤنثاً حقيقياً لم يجز عندي حذف علامة التأنيث فأما قوله:
فكان مجني دونً من كنت أتقي ... ثلاث شخوصٍ كاعبان ومعصر
فإنما أنث الشخوص على المعنى؛ لأنه قصد إلى النساء، وأبان ذلك بقوله: كاعبان ومعصر.
و مثل ذلك:
فإن كلاباً هذه عشر أبطنٍ ... و أنت بريءٌ من قبائلها العشر
و قال الله عز وجل: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " والتقدير والله أعلم : فله عشر حسناتٍ أمثالها.
فيقول على هذا: هذه الدار نعمت البلد؛ لأنك إنما عنيت بالبلد داراً. وكذلك هذا البلد نعم الدار؛ لأنك إنما قصدت إلى البلد.

و اعلم أنه لا يجوز أن تقول: قومك نعموا رجالاً، كما تقول: قومك قاموا. ولا قومك بئسوا رجالاً، ولا أخواك بئسا رجلين، كما تقول: أخواك قاما؛ لأن نعم وبئس إنما تقعان مضمراً فيهما فاعلاهما قبل الذكر يفسرهما ما بعدهما من التمييز. ولو كانا مما يضمر فيه لخرجا إلى منهاج سائر الأفعال، ولم يكن فيهما من المعاني ما شرحناه في صدر الباب. فإنما موضعهما أن يقعا على مضمر يفسره ما بعده، أو على مرفوع بالألف واللام تعريف الجنس لما ذكرت لك.
و اعلم أنه لا يجوز أن تقول: زيدٌ نعم الرجل، والرجل غير زيد؛ لأن نعم الرجل خبر عن زيد. وليس بمنزلة قولك: زيد قام الرجل؛ لأن نعم الرجل محمود في الرجال؛ كما أنك إذا قلت: زيد فاره العبد لم يكن الفاره من العبيد إلا ما كان له، لولا ذلك لم يكن فارهٌ خبراً له.
و اعلم أنه ما كان مثل كرم زيدٌ، وشرف عمرو فإنما معناه في المدح معنى ما تعجبت منه نحو: ما أشرفه، ونحو ذلك أشرف به. وكذلك معنى نعم إذا أردت المدح، ومعنى بئس إذا أردت الذم. ومن ذلك قوله عز وجل: " ساء مثلاً القوم " ؛ كما تقول: نعم رجلاً أخوك، وكرم رجلاً عبد الله.
و اعلم أنك إذا قلت: نعم الرجل رجلاً زيد، فقولك: رجلاً توكيد: لأنه مستغنى عنه بذكر الرجل أولاً. وإنما هذا بمنزلة قولك: عندي من الدراهم عشرون درهماً. إنما ذكرت الدرهم توكيداً، ولو لم تذكره لم تحتج إليه. وعلى هذا قول الشاعر:
تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا
فأما قولك: حسبك به رجلاً، وويحه رجلاً، وما أشبهه فإن هذا لا يكون إلا على مذكور قد تقدم. وكذلك: كفى به فارساً، وأبرحت فارساً. قال الشاعر:
و مرة يرميهم إذا ما تبددوا ... و يطعنهم شزراً فأبرحت فارسا
على معنى التعجب: فأما قولهم: ما رأيت كاليوم رجلاً، فالمعنى: ما رأيت مثل رجلٍ أراه اليوم رجلاً، أي: ما رأيت مثله في الرجال. ولكنه. حذف لكثرة استعمالهم له، وأن فيه دليلاً؛ كما قالوا: لا عليك؛ أي: لا بأس عليك، وكما قالوا: افعل هذا إما لا، أي: إن كنت لا تفعل غيره. فما زائدة، والتقدير: إن لا تفعل غير هذا فافعل هذا. وكذلك قولهم: عندي درهم ليس غير وليس إلا.
و أما قوله:
يا صاحبي دنا المسير فسيرا ... لا كالعشية زائراً ومزورا
فعلى إضمار فعلٍ كأنه قال: لا أرى كالعشية أي كواحد أراه العشية؛ لأن الزائر والمزور ليسا بالعشية فيكون بمنزلة: لا كزيد رجلاً.
هذا باب

العدد وتفسير وجوهه
العلة فيما وقع منه مختلفا
ً
اعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان: الأولى منهما: حرف اللين والمد، وهي الألف في الرفع، والياء في الجر والنصب.
و الزائدة الثانية: النون، وحركتها الكسر، وكان حقها أن تكون ساكنة ولكنها حركت لالتقاء الساكنين، وكسرت على حقيقة ما يقع في الساكنين إذا التقيا. وذلك قولك: هما المسلمان. ورأيت المسلمين.
فأما سيبويه فيزعم أن الألف حرف الإعراب، وكذلك الياء في الخفض والنصب.
و كان الجرمي يزعم أن الألف حرف الإعراب؛ كما قال سيبويه، وكان يزعم أن انقلابها هو الإعراب.
و كان غيرهما يزعم أن الألف والياء هما الإعراب. فإذا قيل له: فأين حرف الإعراب؟ قال: إنما يكون الإعراب في الحرف إذا كان حركة. فأما إذا كان حرفاً قام بنفسه.
و القول الذي نختاره، ونزعم أنه لا يجوز غيره قول أبي الحسن الأخفش؛ وذلك أنه يزعم أن الألف إن كانت حرف إعراب فينبغي أن يكون فيها إعراب هو غيرها؛ كما كان في الدال من زيد، ونحوها، ولكنها دليل على الإعراب؛ لأنه لا يكون حرف إعراب ولا إعراب فيه، ولا يكون إعراب إلا في حرف.
و يقال لأبي عمر: إذا زعمت أن الألف حرف إعراب، وأن انقلابها هو الإعراب فقد لزمك في ذلك شيئان: أحدهما: أنك تزعم أن الإعراب معنى، وليس بلفظ، فهذا خلاف ما أعطيته في الواحد.
و الشيء الآخر: أنك تعلم أن أول أحوال الاسم الرفع. فأول ما وقعت التثنية وقعت والألف فيها، فقد وجب ألا يكون فيها في موضع الرفع إعراب؛ لأنه لا انقلاب معها.

و قولنا: دليل على الإعراب، إنما هو أنك تعلم أن الموضع موضع رفع إذا رأيت الألف، وموضع خفض ونصب إذا رأيت الياء، وكذلك الجمع بالواو والنون إذا قلت: مسلمون، ومسلمين. وكذلك ما كان المفهم لموضعه حرفاً نحو قولك: أخوك وأخاك وأخيك، وأبوك وأباك وأبيك، وذو مال وذا مال، وذي مال، وجميع هذه التي يسميها الكوفيون معربةً من مكانين. لا يصلح في القياس إلا ما ذكرنا.
و الزائدة الثانية النون إنما هي بدل مما كان في الواحد من الحركة والتنوين وقد مضى القول في هذا.
و اعلم أنك إذا ذكرت الواحد فقلت: رجل أو فرس أو نحو ذلك، فقد اجتمع لك فيه معرفة العدد ومعرفة النوع.
إذا ثنيت فقلت: رجلان أو فرسان، فقد جمعت العدد والنوع. وإذا قلت: ثلاثة أفراس لم يجتمع لك في ثلاثة العدد والنوع، ولكنك ذكرت العدة ثم أضفتها إلى ما تريد من الأنواع.
و كان قياس هذا أن تقول: واحد رجالٍ، واثنا رجال. ولكنك أمكنك أن تذكر الرجل باسمه فيجتمع لك فيه الأمران. ولما كانت التثنية التي هي لضرب واحد من العدد أمكنك ذلك من لفظ الواحد فقلت: رجلان، وغلامان، ولم يحسن ذلك في الجمع، لأنه غير مخطور، ولا موقوف على عدة، ولا يفصل بعضه من بعض.
و لو أراد مريد في التثنية ما يريده في الجمع لجاز ذلك في الشعر؛ لأنه كان الأصل، لأن التثنية جمع. وإنما معنى قولك: جمع: أنه ضم شيءٍ إلى شيءٍ. فمن ذلك قول الشاعر:
كأن خصييه من التدلدل ... ظرف جراب فيه ثنتا حنظل
فإذا جمعت الواحد فكان مذكراً ذكرت العدة، ثم أضفتها إلى الجمع؛ لتخبر أن هذه العدة مقتطعةٌ لما أردت من الجنس الذي ذكرت.
فإن كان المذكر من ذوات الثلاثة كانت له أبنية تدل على أقل العدد. فمن ذلك ما كان على أفعلٍ؛ نحو: أكلب، وأفرخ، وأكبش. وما كان على أفعال؛ نحو: أجمال، وأقتاب، وأمثال. وما كان على أفعلة نحو: أحمرة، وأقفزة، وأجربة. وما كان على فعلة نحو: صبية، وغلمة، وفتية.
و ما كان من المذكر مجموعاً بالواو والنون، نحو: مسلمون وصالحون، فهو أدنى العدد؛ لأنه على منهاج التثنية.
و نظير ذلك من المؤنث ما كان بالألف والتاء؛ نحو: مسلمات، وصالحات، وكريمات.
و ما كان بعد ما وصفنا فهو لأكثر العدد، وسنفسر هذا أجمع حتى يعلم على حقيقته إن شاء الله.
اعلم أنك إذا صغرت بناءً من العدد يقع في ذلك البناء أدنى العدد فإنك ترده إلى أدنى العدد فتصغره. وذلك أنك إذا صغرت كلاباً فقلت: أكيلب؛ لأنك إنما تخبر أن العدد قليل. فإنما ترده إلى ما هو للقليل.
فلو صغرت ما هو للعدد الأكثر كنت قد أخبرت أنه قليل كثيرٌ في حال. وهذا هو المحال ونذكر هذا في باب التصغير، ولكنا ذكرنا منه هاهنا شيئاً لما يجري في الباب.
فإذا أردت أن تجمع المذكر ألحقته اسماً من العدة فيه علامة التأنيث. وذلك نحو: ثلاثة أثواب، وأربعة رجال. فدخلت هذه الهاء على غير ما دخلت عليه في ضاربة وقائمة، ولكن كدخولها في علامة، ونسابة، ورجل ربعة، وغلام يفعة.
فإذا أوقعت العدة على مؤنث أوقعته بغير هاءٍ فقلت: ثلاث نسوة، وأربع جوار، وخمس بغلات. وكانت هذه الأسماء مؤنثة بالبنية، كتأنيث عقرب، وعناق، وشمس، وقدر.
و إن سميت رجلاً ب ثلاث التي تقع على عدة المؤنث لم تصرفه؛ لأنه اسم مؤنث بمنزلة عناق.
و إن سميته ب ثلاث من قولك: ثلاثة التي تقع على المذكر صرفته.
فكذلك يجري العدد في المؤنث والمذكر بين الثلاثة إلى العشرة في المذكر. وفيما بين الثلاث إلى العشر في المؤنث. قال الله عز وجل: " سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام " وقال: " في أربعة أيامٍ سواءً للسائلين " وقال: " على أن تأجرني ثماني حججٍ فإن أتممت عشراً فمن عندك " ؛ لأن الواحدة حجة. وقال: " فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ " .
فإذا كان في الشيء ما يقع لأدنى العدد أضفت هذه الأسماء إليه فقلت: ثلاثة أغلمة، وأربعة أحمرةٍ، وثلاثة أفلسٍ، وخمسة أعدادٍ.
فإن قلت: ثلاثة حميرٍ، وخمسة كلابٍ جاز ذلك. على أنك أردت: ثلاثة من الكلاب، وخمسة من الحمير؛ كما قال الله عز وجل: " يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ " .
و قال الشاعر:
قد جعلت ميٌّ على الظرار ... خمس بنانٍ قانىء الأظفار
يريد: خمساً من البنان.

و اعلم أنه ما لم يكن فيه أدنى العدد فالعدد الذي يكون للكثير جارٍ عليه ما يكون للقليل؛ كما أنه إذا كان مجموعاً على بعض أبنية العدد ولم يكن له جمع غيره دخل معه الكثير؛ وذلك نحو قولك: يد وأيد، ورجلٌ وأرجلٌ. فهذا من أبنية أدنى العدد ولم يكن له جمع غيره فالكثير من العدد يلقب أيضاً بهذا. وكذلك ثلاثة أرسان. وتقول ذلك للكثير؛ لأنه لا جمع له إلا ذلك.
و أما ما يقع للكثير ولا يجمع على أدنى العدد فنحو قولك: شسوعٌ فتقول: ثلاثة شسوعٍ، فيشترك فيه الأقل والأكثر.
فإذا جاوزت ذوات الثلاثة استوى البناءان. وذلك قولك: عندي ثلاثة دراهم، ورأيت ثلاثة مساجد.
فإن حقرت الدراهم قلت: دريهمات. ترده في التحقير إلى بناءٍ يكون لأدنى العدد وجمعت بالألف والتاء؛ لأن كل جماعة من غير الآدميين ترجع إلى التأنيث. وهذا يبين لك في باب الجمع إن شاء الله.
و تقول: عندي ثلاثة محمدين وخمسة جعفرين؛ لأن هذا مما يجمع بالواو والنون. فإن قلت: محامد وجعافر، على أنك أردت ثلاثة من الجعافر وثلاثة من المحامد، كان جيداً على ما فسرت لك.
فإذا خرجت عن العقد الأول ضممت إليه اسماً مما كان في أصل العدد إلى أن تتسعه. وذلك قولك: عندي أحد عشر رجلاً، وخمسة عشر رجلاً. بنيت أحد مع عشر، وغيرت اللفظ للبناء، وذلك أنك جعلتهما اسماً واحداً. وكان الأصل أحداً وعشرة، وخمسةً وعشرةً، فلما كان أصل العدد أن يكون اسماً واحداً يدل على جميع؛ نحو: ثلاثة، وأربعة، وخمسة بنوا هذين الاسمين فجعلوهما اسماً واحداً، وألزموهما الفتح؛ لأنه أخف الحركات؛ كما قالوا: هو جاري بيت بيت، ولقيته كفة كفة يا فتى، والقوم فيها شغر بغر.
فإن قال قائل: فهلا أعربوه؛ كما قالوا: حضرموت، وبعلبك، وما أشبههما؟ قيل إن حضرموت بنوا الاسمين فجعلا اسماً واحداً، كما فعلوا بما فيه هاء التأنيث، وجعلوا ذلك علماً، ولم يكن له حدٌّ صرف عنه، والعدد الذي ذكرت كان له حد صرف عنه كما ذكرت لك فلما عدل عن وجهه عدل عن الإعراب.
و أما اثنا عشر فليست هذه سبيله؛ لأنه مما فيه دليل الإعراب تقول: جاءني اثنا عشر، ورأيت اثني عشر. فلما كان إعرابه كإعراب رجلين ومسلمين لم يجز أن يجعل مع غيره اسماً واحداً. ولا تجد ذلك في بناء حضرموت، ولا في شيءٍ مما ذكرت لك من: لقيته كفة كفة ونحوه ولكنهم جعلوا عشرة بمنزلة النون من اثنين، إلا أن لها المعنى الذي أبانت عنه من العدد.
و لو سميت رجلاً اثني عشر ثم رخمته لقلت: يا اثن أقبل، تحذف الألف مع عشر؛ كما كنت فاعلاً بالنون لو كانت مكان عشر.
فأما تغييرهم عشر عن قولك: عشرة؛ فإنما ذلك لصرفها عن وجهها، ولكنك أثبت الهاءات للمذكر؛ كما كنت مثبتها في ثلاثة وأربعة، فتقول: ثلاثة عشر رجلاً، وأربعة عشر رجلاً، وخمسة عشر إنساناً، ولم تثبت في عشر هاءً وهي للمذكر؛ لأنك قد أثبت الهاء في الاسم الأول، وهما اسم واحد، فلا تدخل تأنيثاً على تأنيث؛ كما لا تقول: حمراءة ولا صفراءة.
فأما الاسم المنصوب الذي يبين به العدد فنحن ذاكروه في موضعه مشروحاً إن شاء الله.
فإذا أردت المؤنث أثبت الهاء في آخر الاسم؛ لأن عشراً مذكر في هذا الموضع، فأنثته لما قصدت إلى مؤنث فقلت: ثلاث عشرة امرأةً، وخمس عشرة جاريةً؛ لأنك بنيته بناءً على حدة؛ كما فعلت ذلك بالمذكر فسلمت الأسماء الأولى؛ كما سلمت أسماء المذكر وأثبت الهاء في آخره، وبنيت العشرة على غير بنائها في قولك: عشر نسوة فقلت: إحدى عشرة، واثنتا عشرة، وإن شئت قلت: عشرة على غير منهاج عشرة، ولكنك أسكنت الشين؛ كما تسكن فخذاً فتقول: فخذ. وعلم فتقول: علم.
و تنصب الاسم الذي تبين به العدد كما فعلت ذلك في المذكر.
فإن قال قائل: فما بالك قلت؛ إحدى عشرة. وإحدى مؤنثة وعشرة فيها هاء التأنيث وكذلك اثنتا عشرة.
فالجواب في ذلك أن تأنيث إحدى بالألف، وليس بالتأنيث الذي على جهة التذكير، نحو: قائم وقائمة، وجميل وجميلة. فهما اسمان كانا بائنين، فوصلا، ولكل واحد منهما لفظ من التأنيث سوى لفظ الآخر، ولو كان على لفظه لم يجز. فأما اثنان واثنتان، فإنما أنث اثنان على اثنتين ولكنه تأنيث لا يفرد له واحد. فالتاء فيه ثابتة، وإن كان أصلها أن تكون مما وقفه بالهاء.

ألا ترى أنهم قالوا: مذروان؛ لأنه لا يفرد له واحد، ولو كان مما ينفرد له واحد لم يكن إلا مذربان. وكقوله: عقلته بثنايين ولو كان ينفرد منه الواحد لم يكن إلا بثنائين.
فأما نصب الاسم الذي بعد خمسة عشر، وأحد عشر، وبعد إحدى عشرة إلى تسع عشرة؛ فلأنه عدد فيه نية التنوين ولكنه لا ينصرف؛ كما تقول: هؤلاء ضوارب زيداً غداً. إذا أردت التنوين ولم يجز أن يكون هذا مضافاً؛ لأن الإضافة إنما تكون لما وقع فيه أقل العدد، وذلك ما بين الثلاثة إلى العشرة. فإذا خرجت عن ذلك خرجت إلى ما تحتاج إلى تبيين نوعه. فإن كان منوناً انتصب ما بعده من ذكر النوع، وإن كان غير منون أضيف إلى الواحد المفرد الذي يدل على النوع.
فإن قال قائل: فهلا كان هذا مما تجري عليه الإضافة؛ كما تقول: مائة درهم، وألف درهم؟ قيل له: لما كان هذا اسمين ضم أحدهما إلى الآخر، ولم يكن في الأسماء التي هي من اسمين ضم أحدهما إلى الآخر إضافة كان هذا لاحتياجه إلى النوع بمنزلة ما قد لفظ بتنوينه.
فإن قال قائل: فأنت قد تقول: هذا حضرموت زيدٍ. إذا سميت رجلاً حضرموت، ثم أضفته؛ كما تقول: هذا زيد عمرو.
قيل: إن إضافته ليست له لازمةً. وإنما يكون إذا نكرته، ثم عرفته بما تضيفه إليه.
و خمسة عشر عدد مبهم لازمٌ له التفسير، فكانت تكون الإضافة لازمةً، فيكون كأن أصله ثلاثة أسماء قد جعلت اسماً واحداً؛ ومثل هذا لا يوجد.
فإن قال: فهلا جعل ما تبين به النوع جمعاً، فتقول: خمسة عشر رجالاً، كما تقول: زيدٌ أفره الناس عبداً، وأفره الناس عبيداً.
قيل: الفصل بينهما أنك إذا قلت: زيد أفره الناس عبداً جاز أن تكون تعني عبداً واحداً، وأن تكون تعني جماعة. فإذا قلت: عبيداً بينت الجماعة، وأنت إذا قلت: خمسة عشر ونحوه فقد بينت العدد فلم تحتج إلى النوع فجئت بواحد منكور يدل على جنسه؛ لأنك قد استغنيت عن ذكر الجماعة.
فإذا ثنيت أدنى العقود اشتققت له من اسمه ما فيه دليل على أنك قد خرجت عنه إلى تضعيفه والدليل على ذلك ما يلحقه من الزيادة، وهي الواو والنون في الرفع، والياء والنون في الخفض والنصب، ويجري مجرى مسلمين. وذلك قولك: عندي عشرون رجلاً، وعشرون جاريةً، فيستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لأنه مشتقٌ مبهم وليس من العدد الذي هو أصلٌ. والأصل ما بين الواحد إلى العشرة. فكل عدد فمن هذا مشتقٌ في لفظ أو معنى.
فأما قولهم عشرون ولم يفتحوا لعشر العين، فقد قيل فيه أقاويل.
قال قوم: إنما كسرت؛ ليدلوا على الكسرة التي في أول اثنين؛ لأنها تثنية عشرة وليست بجمع، وليس هذا القول بشيءٍ.
و لكن نقول في هذا: إنه اسم قد صرف على وجوه: فمنها أنك تقول في المذكر: عشرة وللمؤنث: عشر بالإسكان وليس على منهاج التذكير، ولو كان على منهاجه لكان حذف الهاء لازماً للمذكر وإثباتها لازماً للمؤنث كسائر الأسماء؛ نحو: ظريف وظريفة، ومتكلم ومتكلمة، وعلى هذا قالوا: خمسة عشر فغيروه، وقالوا: خمس عشرة فبنوه على خلاف بناء التذكير. فلما كان هذا الاسم مغيراً. في جميع حالاته، ولم يكن في العشرين على منهاج سائر العقود غيره كان دليلاً على مجيئه على غير وجهه؛ ألا ترى أنهم لما جمعوا منقوص المؤنث بالواو والنون غيروا أوائله؛ ليكون التغيير دليلاً على خروجه من بابه. وذلك قولك: سنة. ثم تقول: سنون، فتكسر السين، وكذلك قلة وقلون.
و أما قولنا: إنه على خلاف العقود، فإنما هو لأنك اشتققت للثلاثين من الثلاثة؛ لأنها ثلاثة عقود، وكذلك فعلت بالأربعين والخمسين وما بعده إلى التسعين، فكان الواجب إذ اشتققت للثلاثين من الثلاثة أن تنشق للعشرين من الاثنين.
فإن قال قائل: فهلا فعلوا ذلك؟ فالجواب: أن الاثنين مما إعرابه في وسطه، فلو فعل به ما فعل بالثلاثة حيث صيرت إلى الثلاثين لبطل معناه، وصير إلى الإفراد ولم يقع مفرداً قط فالامتناع منه كالضرورة.
فإذا زدت على العشرين واحداً فما فوق إلى العقد الثاني أو واحدة فما فوقها قلت في المذكر: أحدٌ وعشرون رجلاً، واثنان وعشرون رجلاً، وواحدٌ وعشرون؛ كما كنت قائلاً قبل أن تصله بالعشرين.
فإن قال قائل: فهلا بني الأحد مع العشرين وما بعد الأحد من الأعداد؛ كما فعل ذلك بخمسة عشر ونحوه فيجعلان اسماً واحداً، كما كان ذلك في كل عدد قبله.

قيل له: لم يكن لهذا نظيرٌ فيما فرط من الأسماء كحضرموت وبعلبك، لا تجد اسمين جعلا اسماً واحداً مما أحدهما إعرابه كإعراب مسلمين وقد تقدم قولنا في هذا حيث ذكرنا اثني عشر.
فإذا صرت إلى العقد الذي بعد العشرين كان حاله فيما يجمع معه من العدد كحال عشرين وكذلك إعرابه، إلا أن اشتقاقه من الثلاثة؛ لأن التثليث أدنى العقود. وكذلك لما بعده إلى التسعين.
إذا صرت إلى العقد الذي بعدها كان له اسم خارج من هذه الأسماء، لأن محله محل الثلاثين مما قبلها، والأربعين مما قبلها، ونحو ذلك. ولم يشتق له من العشرة اسمٌ لئلا يلتبس بالعشرين، ولأن العقد حقه أن يكون فيما فرط من الأعداد خارجاً من اسم قبله، وأضفته لما بعده معرفةً كان أو نكرةً؛ كما كنت فاعلاً ذلك بالعقد الأول. وذلك قولك: مائة درهم ومائة الدرهم التي قد عرفت.
و لم يجز أن تقول: عشرون الدرهم، لأن درهماً بعد عشرين تمييز منفصل من العشرين، والمائة مضافة، والمضاف يكون معرفةً بما يضاف إليه.
فإذا أردت تعريف عشرين وما كان مثلها قلت: العشرون رجلاً، والثلاثون جاريةً؛ كما تقول: الضاربون زيداً؛ لأن ما بعد التنوين منفصل مما قبله.
و المائة اسم ليس التنوين له لازماً؛ لأن حال التنوين ليست حال النون، لأنك تقف على النون ولا تقف على التنوين؛ ولأن النون تثبت مع الألف واللام ولا يثبت التنوين معهما. تقول: المسلمون والصالحون، ولا تقول: المسلمٌ والصالحٌ، فتقف على التنوين. فكانت مائة في بابها كثلاثة في بابها. إلا أن الذي تضاف إليه مائة واحدٌ في معنى جمع، والذي يضاف إليه ثلاثة وما أشبهها جمع. تقول: ثلاثة دراهم، ومائة درهمٍ، والفصل بينهما ما يقع في الثلاثة إلى العشرة من أدنى العدد، وأن المائة كالعشرين ونحوها وإن كانت مضافة. وكذلك صار لفظها للمذكر والمؤنث على هيئة واحدة. تقول: مائة درهمٍ ومائة جاريةٍ، كما كان ذلك في العشرين ونحوها، ولم يكن هذا في خمسة عشر، وخمس عشرة؛ لأنهما مجموعان مما كان واقعاً لأدنى العدد.
فإن اضطر شاعر فنون، ونصب ما بعده لم يجز أن يقع إلا نكرة، لأنه تمييز، كما أنه إذا اضطر قال: ثلاثةٌ أثواباً. فمن ذلك قول الشاعر:
إذا عاش الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء
فإنما حسن هذا في المائتين وإن كان تثنية المائة؛ لأنه مما يلزمها النون. فقد رجع في اللفظ إلى حال العشرين وما أشبهها. ولكن المعنى يوجب فيه الإضافة.
فأما قولهم: ثلاثمائة وأربعمائة، واختيارهم إياه على مائتين ومئات فإنما ذلك قياسٌ على ما مضى؛ لأن الماضي من العدد هو الأصل، وما بعده فرعٌ. فقياس هذا قياس قولك: عشرون درهماً، وأحد وعشرون درهماً إلى قولك: تسعة وعشرون درهماً. فالدرهم مفرد، لأنك إذا قلت: ثلاثون وما بعدها إلى تسعين ثم جاوزته صرت إلى عقد ليس لفظه من لفظ ما قبله. فكذلك تقول: ثلاثمائة وأربعمائة؛ لأنك إذا جاوزت تسعمائة صرت إلى عقد يخالف لفظه لفظ ما قبله، وهو قولك: ألف، ثم تقول: ثلاثة آلاف؛ لأن العدد الذي بعده غير خارج منه.
تقول: عشرة آلاف؛ كما تقول: عشرة أثواب، وأحد عشر ألفاً؛ كما تقول: أحد عشر ثوباً إلى العقد الآخر. فلو كنت تقول: عشر مئين، وإحدى عشر مائة لوجب جمعها في التثليث وما بعده.
و إنما جاز أن تقول: ثلاث مئين وثلاث مئات من أجل أنه مضاف؛ فشبهته من جهة الإضافة لا غير بقولهم: ثلاثة أثوابٍ وثلاث جوارٍ. قال الشاعر:
ثلاث مئينٍ للملوك وفى بها ... ردائي وجلت عن وجوه الأهاتم
و قال الآخر:
ثلاث مئين قد مررن كواملا ... و ها أنذا أرتجي مر أربع
فأما قولك: مائة درهم، ومائة جارية، وألف غلام، وألف جارية فلا يكون فيه غلا هذا؛ لأنه ليس بمنزلة ثلاثة وما بعدها إلى عشرة ولا ثلاث عشر؛ لأن الثلاث والثلاثة على مئين وقع، أو على ألوف، أو غير ذلك. ففيهن أقل العدد مما وقعن عليه.
و مجاز مائة وألف في أنه لا يكون لأدنى العدد مجاز أحد عشر درهماً فما فوق.
فأما قوله عز وجل: " و لبثوا في كهفهم ثلاث مائةٍ سنين " فإنه على البدل لأنه لما قال: ثلاثمائة ثم ذكر السنين ليعلم ما ذلك العدد؟ و لو قال قائل: أقاموا سنين يا فتى، ثم قال: مئين أو ثلاثمائة لكان على البدل، ليبين: كم مقدار تلك السنين؟

و قد قرأ بعض القراء بالإضافة فقال: ثلاث مائة سنين وهذا خطأ في الكلام غير جائز. وإنما يجوز مثله في الشعر للضرورة، وجوازه في الشعر أنا نحمله على المعنى؛ لأنه في المعنى جماعة وقد جاز في الشعر أن تفرد وأنت تريد الجماعة إذا كان في الكلام دليل على الجمع فمن ذلك قوله:
كلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإن زمانكم زمنٌ خميص
و قال آخر:
إن تقتلوا اليوم فقد سبينا ... في حلقكم عظمٌ وقد شجينا
و ينشد: شربنا.
و قال علقمة بن عبدة:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيضٌ وأما جلدها فصليب
و أما قوله عز وجل: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم " فليس من هذا؛ لأن السمع مصدر، والمصدر يقع للواحد والجمع.
و كذلك قول الشاعر، وهو جرير:
إن العيون التي في طرفها مرضٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
لأن الطرف مصدر. وأما قول الله عز وجل: " ثم يخرجكم طفلاً " وقوله: " فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً " فإنه أفرد هذا، لأن مخرجهما مخرج التمييز؛ كما تقول: زيد أحسن الناس ثوباً، وأفره الناس مركباً. وإنه ليحسن ثوباً، ويكثر أمةً وعبداً. وقد قالوا في قول العباس بن مرداس قولين وهو:
فقلنا: أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور
فقال بعضهم: أراد: إنا إخوتكم، فوضع الواحد موضع الجميع، كما قال: في حلقكم أي في حلوقكم.
و قال آخرون: لفظه لفظ الجمع من قولك: أخ وأخون، ثم تحذف النون وأضاف؛ كما تقول: مسلموكم وصالحوكم. وتقول على ذلك: أب وأبون، وأخ وأخون؛ كما قال الشاعر:
فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا
و قال الآخر:
وكان لنا فزارة عم سوءٍ ... و كنت له كشر بني الأخينا
هذا باب

إضافة العدد واختلاف النحويين فيه
اعلم أن قوماً يقولون: أخذت الثلاثة الدراهم يا فتى، وأخذت الخمسة عشر الدرهم. وبعضهم يقول: أخذت الخمسة العشر الدرهم، وأخذت العشرين الدرهم التي تعرف. وهذا كله خطأ فاحش.
و علة من يقول هذا الاعتلال بالرواية، لا أنه يصيب له في قياس العربية نظيراً.
و مما يبطل هذا القول أن الرواية عن العرب الفصحاء خلافه. فروايةٌ برواية. والقياس حاكمٌ بعد أنه لا يضاف ما فيه الألف واللام من غير الأسماء المشتقة من الأفعال. لا يجوز أن تقول: جاءني الغلام زيدٍ؛ لأن الغلام معرفٌ بالإضافة. وكذلك لا تقول: هذه الدار عبد الله، ولا أخذت الثوب زيدٍ.
و قد اجتمع النحويون على أن هذا لا يجوز، وإجماعهم حجةٌ على من خالفه منهم. فعلى هذا تقول: هذه ثلاثة أبوابٍ؛ كما تقول: هذا صاحب ثوبٍ. فإن أردت التعريف قلت: هذه ثلاثة الأثواب، كما تقول: هذا صاحب الأثواب؛ لأن المضاف إنما يعرفه ما يضاف إليه فيستحيل هذه الثلاثة الأثواب؛ كما يستحيل هذا الصاحب الأثواب. وهذا محال في كل وجه، ألا ترى أن ذا الرمة لما أراد التعريف قال:
أمنزلتي ميٍ سلامٌ عليكما ... هل الأزمن اللائي مضين رواجع
و هل يرجع التسليم أو يدفع البكا ... ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع
و قال الفرزدق:
ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... و دنا فأدرك خمسة الأشبار
فهذا لا يجوز غيره.
و أما قولهم: الخمسة العشر فيستحيل من غير هذا الوجه، لأن خمسة عشر بمنزلة حضرموت وبعلبك وقالي قلا وأيدي سبا، وما أشبه ذلك من الاسمين اللذين يجعلان اسماً واحداً.
فإذا كان شيء من ذلك نكرة فإن تعريفه أن تجعل الألف واللام في أوله. لأن الثاني قد صار في درج الكلام الأول، فهذا أقبح وأشنع.

و أما قولهم: العشرون الدرهم فيستحيل من وجه ثالث، وهو أن العدد قد أحكم وبين بقولك: عشرون. فإنما يحتاج إلى أن يعلم النوع، فإنما درهم وما أشبهه للنوع. فإن كانت العشرون معلومة قلت: أخذت العشرين درهماً، أي: التي قد عرفت، وليس الدرهم بواحد معلوم مقصودٍ إليه. ولو كان كذلك كان لا معنى له بعد العشرين. وكذلك كل رجلٍ جاءني فله درهم. إنما المعنى: كل من جاءني من الرجال إذا كانوا واحداً واحداً فله درهم، ألا تراك تقول: كل اثنين جاءاني أكرمهما؛ لأنك تريد: الذين يجيئونك اثنين اثنين. فلو قلت: كل الاثنين أو كل الرجل على هذا لاستحال.
ففساد هذا بينٌ جداً. وينبغي لمن تبين فساد ما قاله أن يرجع من قبل إلى حقيقة القياس، ولا يمض على التقليد.
هذا باب

ما يضاف من الأعداد المنونة
اعلم أنك إذا أضفت عدداً حذفت منه النون والتنوين، أي ذلك كان فيه. فتقول: هذه عشروك، وثلاثوك، وأربعوك، ورأيت ثلاثيك، وأربعيك.
و هذه مائتك، وألفك.
و تقول: هذه ثلاثةٌ وثلاثوك إذا سميت بها رجلاً. وإن كان عدداً في موضعه قلت: هذه ثلاثتك وثلاثوك، كما تقول: هذا غلامك وجاريتك، وكذا سبيل كل معطوف.
و تقول: هذه ثلاثة أثوابك، وهذه ثلاثة أثواب القوم، لا يكون إلا ذلك، لأن المضاف ينكر حتى يعرفه ما بعده أو ينكره.
و كذلك تقول: هذه مائة درهمك، وألف دينارك، وهذه خمسة عشرك. تقدر حذف ما فيه من التنوين في النية، كما تقول: هن حواج بيت الله إذا نويت التنوين، وهن حواج بيت الله إذا نويت طرحه؛ لأن فواعل لا ينصرف. فإنما يقع التنوين في النية، ويخرج مخرج هذا ضاربٌ زيداً وضارب زيدٍ، كما قال الشاعر:
إذا أم سرباحٍ غدت في ظعائن ... طوالع نجداً فاضت العين تدمع
و قال آخر:
و نأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام
و من لم يرد التنوين خفض في هذين البيتين وما أشبههما.
و اعلم أن القياس وأكثر كلام العرب أن تقول: هذه أربعة عشرك، وخمسة عشرك فتدعه مفتوحاً على قولك: هذه أربعة عشر، وخمسة عشر.
و قوم من العرب يقولون: هذه أربعة عشرك، ومررت بأربعة عشرك. وهم قليل، وله وجيهٌ من القياس: وهو أن ترده بالإضافة إلى الإعراب، كما أنك تقول: ذهب أمس بما فيه، وذهب أمسك بما فيه، وتقول: جئت من قبل يا فتى، فإذا أضفت قلت: من قبلك فهذا مذهبهم.
و إنما كان القياس المذهب الأول؛ لأن خمسة عشر نكرة. وما لم ترده النكرة إلى أصله لم ترده الإضافة.
أما أمس وقبل ونحوهما فمعارف. ولو جعلتهن نكرات لرجعن إلى الإعراب؛ كما رجعن إليه في الإضافة والألف واللام.
و على هذا قرئ: " لله الأمر من قبلٍ ومن بعد " على النكرة، على مثل قولك: أولاً وآخراً؛ ألا ترى أنك تقول في النداء: يا زيد أقبل. فإذا جعلته نكرة قلت: يا رجلاً أقبل، كما تقول: يا عبد الله فترده النكرة إلى الإعراب؛ كما ترده الإضافة؛ ألا تراك تقول: جاءني الخمسة عشر رجلاً، والخمس عشرة امرأة. فلو كانت الإضافة ترده إلى الإعراب لرددته الألف واللام. وإنما أجاز سيبويه الضم على بعدٍ.
فأما قولك: مررت بالقوم خمسة عشرهم، كما تقول: مررت بالقوم خمستهم. فغير جائز عندنا البتة؛ لأن ما بعد خمسة عشر إذا كان عدداً لم يكن إلا مفرداً؛ نحو: خمسة عشر رجلاً، ولم يكن إلا نكرة، وليس بمنزلة خمسة وستة وبابهما إلى العشر؛ وذلك أن الثلاثة إلى العشرة مضاف إلى المعرفة والنكرة. وعلى هذا لا نقول: أخذت عشرين درهماً وثلاثيه لأن الذي تبين به النوع لا يكون معرفةً مضمرةً ولا مظهرةً.
هذا باب
اشتقاقك للعدد اسم الفاعل
كقولك
هذا ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعةاعلم أنك إذا قلت: هذا ثاني اثنين، فمعنى هذا: أحد اثنين؛ كما قال الله عز وجل: " إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين " وقال: عز وجل: " لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة " على هذا: فإن قلت: هذا ثالث اثنين فعلى غير هذا الوجه. إنما معناه: هذا الذي جاء إلى اثنين فثلثهما فمعناه الفعل. وكذلك هذا رابع ثلاثة. ورابعٌ ثلاثةٌ يا فتى، لأن معناه: أنه ربعهم، وثلثهم. وعلى هذا قوله عز وجل: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم " . ومثله قوله عز وجل: " سيقولون ثلاثةٌ رابعهم كلبهم " .

و تلك الأولى لا يجوز أن تنصب بها؛ لأن المعنى: أحد ثلاثة وأحد أربعة.
فتقول على هذا القول: هذا رابع أربعة إذا كان هو وثلاث نسوة؛ لأنه قد دخل معهن فقلت: أربعة بالتذكير؛ لأنه إذا اجتمع مذكر ومؤنث جعل الكلام على التذكير؛ لأنه الأصل.
و تقول على القول الآخر: هذا رابع ثلاث يا فتى؛ لأنه لم يدخل معهن وإنما مثاله: هذا ضارب ثلاث. فعلى هذا فأجر هذا الباب.
فإذا جاوز العقد الأول فإن القياس على المذهب الأول وهو: هذا ثالث ثلاثةٍ ورابع أربعةٍ، أي: أحد ثلاثة وأحد أربعة أن تقول: هذا حادي عشر أحد عشر، وخامس عشر خمسة عشر. ولكن العرب تستثقل إضافته على التمام لطوله فيقولون: هذا حادي أحد عشر، وخامس خمسة عشر. فيرفعون الأول بما يرفعه. وينصبونه بما ينصبه، ويخفضونه بما يخفضه؛ لأنه معرب.
و إنما منعهم من بنائه أن ثلاثة أسماءٍ لا تجعل اسماً واحداً في غير الإضافة. وإنما شبه خمسة عشر بحضرموت، وبني لما ذكرنا من إزالته عن موضعه.
فإن قلت: هذا حادي عشر وخامس عشر، كما تقول: هذا خامس وسادس بنيته على الفتح؛ لأنهما اسمان. فحالهما كحال خمسة عشر ونحوه. فعلى هذا القياس يجري هذا العدد.
فإن قلت على قياس قول من قال: هذا رابعٌ من ثلاثةً وخامسٌ أربعةً. فإن النحويين كانوا يقولون: هذا خامسٌ أربعة عشر، وهذه خامسةٌ أربع عشرة، ويقيسون هذا أجمع، ويقولون: هذا رابعٌ ثلاث عشرة، إذا كن نساءً، فصرن به أربعة عشر، كما تقول: هذا رابع ثلاث،و خامسٌ أربع. فهذا قول النحويين المتقدمين، وكان أبو الحسن الأخفش لا يراه صواباً؛ وذلك لأنك إذا قلت: رابعٌ ثلاثةً فإنما تجريه مجرى ضارب ونحوه، لأنك كنت تقول: كانوا ثلاثة فربعهم، وكانوا خمسة فسدسهم، ولا يجوز أن تبني فاعلاً من خمسة وعشرة جميعاً؛ لأن الأصل: خامس عشر أربعة عشر.
و القياس عندي ما قال، وهو قول المازني.
فإذا بلغت العشرين فما بعدها لم تبن منه فاعلاً؛ لأنه يلتبس بما قبله؛ لأنه يجيء على لفظ العشرين، والثلاثون على لفظ الثلاثة، وهكذا إلى التسعين.
فإذا بلغت المائة قلت: كانوا تسعة وتسعين فأمأيتهم: إذا جعلتهم مائة. وكانوا تسعمائة فألفتهم. إذا أردت: فعلتهم، وآلفتهم. إذا أردت: أفعلتهم. كل ذلك يقال وجاء في الحديث " أول حي آلف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جهينة، وقد آلفت معه بنو سليم بعد " .
قال بجير بن زهير:
صبحناهم بألفٍ من سليمٍ ... و سبعٍ من بني عثمان وافي
و بنو عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر هم مزينة.
هذا باب

ما يضاف إليه من العدة من الأجناس
وما يمتنع من الإضافة
اعلم أنه كل ما كان اسماً غير نعت فإضافة العدد إليه جيدة. وذلك قولك: عندي ثلاثة أجمالٍ، وأربع أينقٍ، وخمسة دراهم، وثلاثة أنفسٍ.
فإن كان نعتاً قبح ذلك فيه، إلا أن يكون مضارعاً للاسم، واقعاً موقعه. وذلك قولك: عندي ثلاثة قرشيين، وأربعة كرامٍ، وخمسة ظرفاء هذا قبيح حتى تقول: ثلاثة رجالٍ قرشيين. وثلاثة رجالٍ كرام، ونحو ذلك. فأما المضارع للأسماء فنحو: جاءني ثلاثة أمثالك، وأربعة أشباه زيد. كما قال الله عز وجل: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " وقد قرئ: " فله عشرٌ أمثالها " . فهذه القراءة المختارة عند أهل اللغة، والتي بدأنا بها حسنةٌ جميلة.
فإن كان الذي يقع عليه العدد اسماً لجنس من غير الآدميين لم يلاقه العدد إلا بحرف الإضافة، وكان مجازه التأنيث، لأن فعله وجمعه على ذلك، إذ كان معناه الجماعة، ألا ترى أنك تقول: الجمال تسير، والجمال يسرن؛ كما قال الله عز وجل عند ذكر الأصنام: " رب إنهن أضللن كثيراً من الناس " . وعلى هذا يجمع؛ كما تقول: حمام وحمامات، وسرادق وسرادقات.
فأما الآدميون فإن المذكر منهم يجري على جمعه التذكير، لأن فعله على ذلك. تقول: هم يضربون زيداً، وينطلقون، فلذلك تقول: مسلمون ومنطلقون، ونحوه، وعلى هذا تقول: هم الرجال، ولا يقع مثل هذا إلا ملا يعقل.
فإن قلت: هي الرجال. صلح على إرادتك هي جماعة الرجال، كما تقول: هي الجمال. فأما هم فلا يكون إلا لما يعقل.

فإذا أضفت إلى اسم جنس من غير الآدميين قلت: عندي ثلاثٌ من الإبل، وثلاثٌ من الغنم. وتقول: عندي ثلاثٌ من الغنم ذكور وثلاثٌ من الشاء ذكور، وكذلك ما أشبه هذا، لأنك إنما قلت: ذكور بعد أن أجريت في اسمه التأنيث. ألا ترى أنك إذا حقرت الإبل والغنم قلت: أبيلة وغنيمة. وتقول: عندي ثلاثة ذكور من الشاء، وثلاثة ذكور من الإبل لأنك إنما قلت: من الإبل، ومن الشاء، بعد أن جرى فيه التذكير؛ كما تقول: عندي ثلاثة أشخص، ثم تقول: من النساء؛ لأنك أجريت عليه التذكير أولاً على لفظه، ثم بينت بعد ما تعني.
و تقول: عندي ثلاثة أنفس، وإن شئت قلت: ثلاث أنفسٍ. أما التذكير فإذا عنيت بالنفس المذكر. وعلى هذا تقول: عندي نفس واحد، وإن أردت لفظها قلت: عندي ثلاث أنفسٍ؛ لأنها على اللفظ تصغر نفيسة. وعلى هذا قوله عز وجل: " يا أيتها النفس المطمئنة " وقال عز وجل: " أن تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرطت " ، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت " على مخاطبة النفس، وقال: " كل نفسٍ ذائقة الموت " .
و تقول: ثلاثة أفراسٍ وثلاث أفراسٍ، لأن الفرس يقع على الذكر والأنثى.
فأما قولك: هذه عين القوم وأنت تعني الرجل بعينه، فلأنك وضعته موضع العين بعينها، فأقمته ذلك المقام. ولو سميت رجلاً عيناً لقلت في تصغيره: عيين. فإنما هذا بمنزلة قولك للمرأة: ما أنت إلا رجيل، وللرجل: ما أنت إلا مريئة؛ لأنك تقصد قصد الشيء بعينه. فقس ما ورد عليك من هذا تصب إن شاء الله.
فأما تسميتهم الرجل عيينة أذينة فإنما سموا بهما بعد أن صغرتا في موضعهما، ولو سميت الرجل أذناً، ثم صغرت لقلت: أذين فاعلم.
هذا باب

الجمع لما يكون من الأجناس على فعلة
اعلم أنه ما كان من ذلك اسماً فإنك إذا جمعته بالألف والتاء حركت أوسطه، لتكون الحركة عوضاً من الهاء المحذوفة، وتكون فرقاً بين الاسم والنعت؛ وذلك قولك في طلحة: طلحات، وفي جفنة: جفنات، وفي صفحة: صفحات، وكذلك جميع هذا الباب.
قال الشاعر:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... و أسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما
و قال الآخر:
نضر الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات
فهذا إنما يكون في المفتوح على هذه الهيئة الواحدة، لأن الفتح أخف الحركات.
فإن كان الاسم على فعلة ففيه ثلاثة أوجه: إن شئت قلت: فعلات، وأتبعت الضمة الضمة؛ كما أتبعت الفتحة الفتحة.
و إن شئت جمعته على فعلات، فأبدلت من الضمة الفتحة لخفتها.
و إن شئت أسكنت فقلت: فعلات؛ كما تقول في عضد: عضد؛ وفي رسل: رسل. قال الله عز وجل: " و لا تتبعوا خطوات الشيطان " . وواحدها خطوة. وقال الشاعر:
و لما رأونا بادياً ركباتنا ... على موطنٍ لا نخلط الجد بالهزل
ينشدون: ركباتنا وركباتنا. وهذه الآية تقرأ على الأوجه الثلاثة. وذلك قوله: " في الظلمات، والظلمات، والظلمات " .
و ما كان على فعلة ففيه ثلاثة أوجه.
أحدها: فعلات تتبع الكسرة الكسرة.
و إن شئت قلت: فعلات. فتبدل الفتحة من الكسرة، كما أبدلتها من الضمة.
و إن شئت قلت: فعلات، وأسكنت؛ كما قلت في إبلٍ: إبل، وفي فخذ: فخذ؛ لاستثقال الكسرة، وذلك قولك سدرة وسدرات، وقربة وقربات. فإن استثقلت قلت: سدرات وقربات، وفي الإسكان: سدرات، وقربات.
و أما النعوت فإنها لا تكون إلا ساكنة، للفصل بين الاسم والنعت؛ وذلك قولك: ضخمة، وضخمات، وعبلة وعبلات، وخدلة وخدلات.
و أما قولهم في بني أمية الأصغر: العبلات فإنما قصدوا إلى عبلة وهو اسم.
و أما قولهم في جمع ربعة: ربعات في قولهم: امرأة ربعة، ورجل ربعة فلأنه يجري عندهم مجرى الاسم. إذ صار يقع للمؤنث والمذكر على لفظ واحد. بمنزلة قولك: فرس للذكر والأنثى كذلك إنسان وبعير، يقع على المذكر والمؤنث وإن كان في اللفظ مذكراً. كما أن ربعة في اللفظ مؤنث وهو يقع على المذكر والمؤنث. فبعير يقع عليهما ومجازه في الإبل مجاز قولك: إنسان. وجمل يجري مجرى رجل. وناقة يجري مجرى امرأة.
و أنشدني الزيادي عن الأصمعي لأعرابي:
لا تشتري لبن البعير وعندنا ... عرق الزجاجة واكف المعصار
و أما قولهم: شاة لجبة، وشاءٌ لجبات فزعم سيبويه. أنهم يقولون: لجبة ولجبة، وإنما قالوا: لجبات على قولهم لجبة.

و قال قوم: بل حرك، لأنه لا يلتبس بالمذكر؛ لأنه لا يكون إلا في الإناث. ولو أسكنه مسكن على أنه صفة كان مصيباً.
و قد جاء في الأسماء بالإسكان في فعلة. أنشدوا لذي الرمة:
و رفضات الهوى في المفاصل
و هو جمع رفضة.
هذا باب

ما جاء من هذا في ذوات الياء والواو
التي ياءتهن وواوتهن لامات
و ذلك قولك في رمية: رميات، وفي غزوة: غزوات، وفي قشوة: قشوات، كما تقول في فعلة؛ نحو: حصاة وقتاة. حصيات وقنوات؛ لأنك لو حذفت لالتقاء الساكنين لالتبس بفعال من غير المعتل. فجرى هاهنا مجرى غزواً ورمياً؛ لأنك لو ألحقت ألف غزا وألف رمى ألف التثنية للزمك الحذف لالتقاء الساكنين فالتبس الاثنان بالواحد، فكنت تقول للاثنين: غزا ورمى. فلما كان هذا على ما ذكرت لك لم يحذف.
فأما ما كانت الياء والواو منه في موضع العين فإن فيه اختلافاً.
أما الأقيس والأكثر في لغات جميع العرب فأن تقول في بيضة: بيضات، وفي جوزة: جوزاتٍ، وفي لوزة: لوزات.
و أما هذيل بن مدركة خاصةً فيقولون: جوزات، وبيضات، ولوزات على منهاج غير المعتل، ولا يقلبون واحدةً منهما ألفاً.
فيقال: أليس حق الواو والياء إذا كانت كل واحدة منهما في موضع حركة أن تقلب ألفاً إذا كان ما قبلها مفتوحاً؟.
فيقول من يحتج عنهم: إنما حركت هذه الياء وهذه الواو، لأن الباب وقع اسماً متحركاً ألحق المعتل بالصحيح؛ لئلا يلتبس النعت بالمنعوت أجري هذا الباب في ترك القلب مجرى خونة وحوكة. لئلا يلتبس بما أصله فعلة، نحو: دارة، وقارة إذا قلت: دارات، وقارات. فصح هذا لأن أصله السكون؛ كما صح العور، والصيد، وعور، وصيد؛ لأن أصل الفعل افعل.
و اعلم أنه ما كان من هذا مضموم الأول مما واوه أو ياؤه لام أو مكسور الأول فله أحكام نذكرها مفسرةً إن شاء الله.
أما ما كان من الواو مضموم الأول: نحو: غدوة ورشوة فإنك تقول فيه: رشوات، وغدوات. ومن قال: ظلمات قال: رشوات وغدوات. ومن قال: ظلمات قال: رشوات، وغدوات.
و من كان يقول: رشوة فيكسر أوله ويقول: غدوة فإنه لا يجوز له أن يقول فيه ما قال في سدرات، وكسرات؛ لأنه يلزمه قلب الواو ياءً، فتلتبس بنات الواو ببنات الياء. ولكنه يسكن إن شاء، ويفتح إن شاء، فيقول: رشوات، ورشوات.
و كذلك عدوة وما أشبهها. ومن قال: مدية فإنه لا يجوز له جمعها على منهاج قوله: ظلمات؛ لأنه يلزمه قلب الياء واواً. ولكن يسكن إن شاء فيقول: مديات، وإن شاء فتح.
فهذا العارض الذي يدخل في بنات الواو والياء.
و مجرى الباب وأصله ما ذكرت لك.
هذا باب
الجمع لما كان على ثلاثة أحرف
أما ما كان من غير المعتل على فعلٍ فإن بابه في أدنى العدد أن يجمع على أفعل؛ وذلك قولك: كلب وأكلب وفلس وأفلس. فإن جاوزت إلى الكثير خرج إلى فعال، أو فعول: وذلك قولك: كلاب، وكعاب، وفراخ، وفروخ، وفلوس. فهذا هو الباب.
فأما ما جاء على أفعال فنحو: فرد وأفراد، وفرخ وأفراخ؛ كما قال الشاعر:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي طلحٍ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
و زند وأزناد؛ كما قال الشاعر:
وجدت إذا اصطلحوا خيرهم ... و زندك أثقب أزنادها
فمشبه بغيره، خارجٌ عن بابه.
و كذلك ما كان على فعلة؛ نحو: فقع وفقعة، وجبءٍ وجبأة.
و كذلك ما كان على فعلان؛ نحو: حجل وحجلان، ورأل ورئلان.
و ما كان على فعلان؛ نحو: ظهر وظهران، وبطن وبطنان.
و سنذكر لم جاز أن يجيء على هذه الأبنية الخارجة عن الأصل عند ذكرنا النعوت إن شاء الله؟ و ما كان على فعلٍ فإن أدنى العدد فيه أفعال؛ نحو: جذع وأجذاع، وعدل وأعدال، وبئر وأبآر.
فإذا جاوزت أدنى العدد فبابه فعول؛ نحو: لص ولصوص، وجذع وجذوع، وحمل وحمول. وقد تجيء على فعال، لأنها أخت فعول؛ نحو: بئار، وذئاب.
و أما ما يجيء على أفعل؛ نحو: ذئب وأذؤب، فداخل على باب فعلٍ. وهو نظير ما جاء من فعل على أفعال.
و كذلك ذؤبان. إنما هو بمنزلة ظهران.
و قولك: حسل وحسلة. إنما هو بمنزلة فقعة. كل ذلك خارج عن بابه.
و ما كان من هذا على فعلٍ فأدنى العدد فيه أفعال، وذلك نحو: قفل وأقفال، وجند وأجناد، وجحر وأجحار؛ كما قال:
كرامٌ حين تنكفت الأفاعي ... إلى أجحارهن من الصقيع

فإذا جاوزت أدنى العدد فبابه فعول، نحو: جنود، وخروج.
و المضعف يجيء على فعال؛ لأنهم يكرهون التضعيف والضم، وذلك قولك: خفٌّ وخفاف، وقفٌّ وقفاف. وأما ما جاء منه مثل جحر وجحرة، وحب وحببة فبمنزلة فقعة في بابه، وحسلة في بابه. وسنذكر كل ما خرج من شيءٍ من هذه الأبواب عن أصله إن شاء الله.
أما ما كان من فعل من بنات الياء والواو، فإنه إذا أريد أدنى العدد جمع على أفعال كراهيةً للضم في الواو والياء لو قلت أفعل وذلك قولك: ثوب وأثواب، وسوط وأسواط والياء نحو: بيت وأبيات، وشيخ وأشياخ، وقيد وأقياد.
فإذا جاوزت أدنى العدد كانت بنات الواو على فعال كراهيةً ل فعول من أجل الضمة والواو؛ وذلك قولك: سوط وسياط وحوض وحياض، وثوب وثياب.
و كانت بنات الياء على فعول؛ لئلا تلتبس إحداهما بالأخرى، وكانت الضمة مع الياء أخف؛ وذلك قولك: بيت وبيوت، وشيخ وشيوخ، وقيد وقيود.
فأما قولهم في عين: أعين فإنه جاء على الأصل مثل كلب وأكلب وأعيانٌ على الباب كما قال الشاعر:
و لكنما أغدو علي مفاضةٌ ... دلاصٌ كأعيان الجراد المنظم
و قال الآخر:
فقد أروع قلوب الغانيات به ... حتى يملن بأجياد وأعيان
و إذا اضطر شاعر جاز أن يقول في جميع هذا أفعل لأنه الأصل، كما قال الشاعر:
لكل عيش قد لبست أثوباً
و ما كان من الصحيح على فعلٍ فإن باب جمعه أفعالٌ؛ نحو: جمل وأجمال وقتب وأقتاب، وصنم وأصنام، وأسد وآساد، قال الشاعر:
آساد غيلٍ حين لا مناص
فهذا باب جمعه؛ وقد يجيء على فعول؛ نحو: أسود، وكذلك فعال؛ نحو: جمال، ويجيء على فعلان؛ نحو: خرب وخربان؛ وعلى أفعل؛ نحو: أجبل وأزمن. قال الشاعر:
إني لأكني بأجبالٍ عن اجبلها ... و باسم أوديةٍ عن ذكر واديها
و قال الآخر:
أمنزلتي ميٍّ سلامٌ عليكما ... هل الأزمن اللائي مضين، رواجع
فيخرج إلى ضروب من الجمع منها فعلان كقولك: حمل وحملان. وكذلك فعلان كقولك: ورل وورلان.
فأما الباب والأصل فما صدرنا به.
و كذلك فعلٌ بابه أفعال. لأنه كفعل في الوزن وإن خالفه في حركة الثاني؛ نحو: كتف وأكتاف، وفخذ وأفخاذ وكبد وأكباد.
و تخرج إلى فعول؛ نحو: كبود، وكروش. وهو أقل من فعل فالأصل ألزم.
و يكون كذلك فعلٌ؛ نحو: عضد وأعضاد، وعجز وأعجاز، ويخرج إلى فعال؛ نحو رجل ورجال وسبع وسباع؛ كما قالوا: جمال، ونحوه.
و لم يقولوا: أرجال. لقولهم في أدنى العدد: رجلة.
و من كلامهم الاستغناء عن الشيء بالشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطاً.
و لو احتاج شاعر لجاز أن يقول في رجل: أرجال، وفي سبع: أسباع لأنه الأصل.
و قد يكون البناء في الأصل للأقل فيشركه فيه الأكثر؛ كما تقول: أرسان، وأقتاب. فلا يكون جمع غيره.
و قد يكون البناء للأكثر فيشركه للأقل؛ كما تقول: شسوع، وسباع، فيكون لكل الأعداد.
و إنما اختلف الجمع لأنها أسماء، فيقع الاختلاف في جمعها كالاختلاف في أفرادها، إلا أنا ذكرنا الباب لندل على ما يلزم طريقةً واحدة والسبب في اختلاف ما فارقها.
و يكون على فعلٍ فيلزمه أفعال، لأنه في الوزن بمنزلة ما قبله وإن اختلفت الحركات؛ وذلك قوله: ضلع وأضلاع، وعنب وأعناب. وهذا قليل جداً.
و قد خرج إلى فعول، كما قالوا: أسود، ونمور؛ وذلك قولك: ضلع وضلوع.
و يكون على أفعل، كما جاء: أزمن، وأجبلٌ، وذلك قولك: أضلع.
فأما ما كان على فعلٍ فإنه مما يلزمه أفعال، ولا يكاد يجاوزها؛ وذلك قولك: عنق وأعناق، وطنب وأطناب، وأذن وآذان.
و قد يجيء من الأبنية المتحركة والساكنة من الثلاثة جمعٌ على فعل، وذلك قولك: فرس ورد، وخيل ورد، ورجل ثط وقوم ثط وتقول: سقف وسقف وإن شئت حركت؛ كما قال الله عز وجل: " لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً " . وقالوا: رهن ورهن وكان أبو عمرو يقرؤها " فرهنٌ مقبوضةٌ " ويقول: لا أعرف الرهان إلا في الخيل، وقد قرأ غيره " فرهانٌ مقبوضةٌ " . ومن كلام العرب المأثور: غلقت الرهان بما فيها.
و قالوا: أسد ونمر، قال الشاعر:
فيها عيائيل أسود ونمر
فأما فعلٌ فلم يأت منه إلا القليل. قالوا: إبل وآبال، وإطل وآطال.

فهذا حكم المتحركة من الثلاثة إلا فعلا فإن له نحواً آخر لخروجه عن جميع المتحركات وأنه ما عدل عن فاعل فإليه يعدل، فله نحو آخر.
فأما غير هذا من الأبنية، نحو: فعل فإنه ليس في شيء من الكلام. وكذلك فعل لا يكون في الأسماء، إنما هو بناء مختصٌّ به الفعل الذي لم يسم فاعله نحو: ضرب وقتل. إلا أن تكون ساكن الوسط؛ نحو: رد، وقيل. فهو بمنزلة كرٍّ، وفيل، وما أشبه ذلك.
فأما فعلٌ فإن جمعه اللازم له فعلان؛ وذلك قولك: صرد، وصردان، ونغر ونغران، وجعل وجعلان. هذا بابه.
و قد جاء منه شيء على أفعال. شبه بسائر المتحركات من الثلاثة، وذلك ربع وأرباع، وهبع وأهباع. فهذا الذي ذكرت لك من اختلاف الجمع بعد لزوم الشيء لبابه إذ كان مجازه مجاز الأسماء، وكانت الأسماء على ضروب من الأبنية.
و أما ما كان من المعتل متحركاً، نحو: باب، ودار، وقاع، وتاج فإن أدنى العدد في ذلك أن تقول فيه: أفعال نحو: باب وأبواب، وتاج وأتواج، وجار وأجوار، وقاع وأقواع. فأما دار فإنهم استغنوا بقولهم: أدور عن أن يقولوا: أفعال لأنهما لأدنى العدد. والمؤنث يقع على هذا الوزن في الجمع، ألا تراهم قالوا: ذراع وأذرع، وكراع وأكرع، وشمال وأشمل، ولسان وألسن. ومن ذكر اللسان قال: ألسنة، ومن أنثها قال: ألسن وكذلك نار وأنور، قال الشاعر:
فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبت بالعشاء وأنور
فإذا جاوزت أدنى العدد فإن بابه فعلان؛ وذلك قولك: نار ونيران، وقاع وقيعان، وتاج وتيجان. فهذا الأصل، وما دخل بعد فعلى جهة التشبيه الذي وصفت لك.
و أما قولهم: الفلك للواحد والفلك للجميع فإنه ليس من قولهم: شكاعى واحدة وشكاعى كثير، وبهمى واحدة وبهمى كثير. ولكنهم يجمعون ما كان على فعل كما يجمعون ما كان على فعل لكثرة اشتراكهما ألا تراهم يقولون: قلفة، وقلفة، وصلعة وصلعة. ويلتقيان في أمور كثيرة.
فمن قال: في أسد: آساد، قال في فلك: أفلاك؛ كما تقول في قفل: أقفال.
و من قال في أسد: أسد، لزمه أن يقول في جمع فلك: فلك. ونظير هذا مما عدده أربعة أحرف قولك: دلاص للواحد ودلاص للجمع، وهجان للواحد وهجان للجمع وذاك لأنه إذا قال في جمع فعيل: أفعلة قال في جمع فعال أفعلة، نحو: رغيف وأرغفة، وجريب وأجربة. فيقول على هذا: مداد وأمدة، وزمام وأزمة، وعقال وأعقلة.
فإذا قال في فعيل: فعال نحو: كريم وكرام، وظريف وظراف لزمه أن يقول في دلاص: دلاص، وفي هجان، هجان، إذا أراد الجمع. ويدلك على أنه ليس كمثل شكاعى واحدة وشكاعى جمع قولهم: دلاصان، وهجانان. قال الشاعر:
ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليلٌ وما لومي أخي من شماليا
يريد: من شمائلي. فجمع فعالاً على فعال. وقال الآخر:
أبى الشتم أني قد أصابوا كريمتي ... و أن ليس إهداء الخنا من شماليا
فهذا ما ذكرت لك من لواحق الجمع. وإنما الباب ما صدرنا به في جميع ذلك.
و اعلم أن هذه المخلوقات أجناسٌ، وبابها ألا يكون بين واحدها وجمعها إلا الهاء؛ وذلك قولك: برة وبر، وشعيرة شعير وحصاة وحصىً، وكذلك سمكة وسمك، وبقرة وبقر، وطلحة وطلح، وشجرة وشجر، ونخلة ونخل.
فإن كان مما يعمله الناس لم يجر هذا المجرى، لا يقع مثل هذا في جفنة، وصحفة، وقصعة.
و قد يقولون في مثل سدرة وسدر، ودرة ودر: سدر ودرر. فالباب ما ذكرت لك. ولكن شبه للوزن بظلمة وظلم، وكسرة وكسر. قال الشاعر:
كأنها درةٌ منعمةٌ ... في نسوة كن قبلها دررا
و كذلك تومة وتوم، وإن لم يكن مرئياً محدوداً بالبصر،قال الشاعر:
و كنا كالحريق أصاب غاباً ... فيخبو ساعةً ويهب ساعا
و الأربعة في هذا بمنزلة الثلاثة، زوائد كانت أو بغير زوائد. تقول فيما كان بغير زوائد: جعثنةٌ وجعثن، وخمخمة وخمخم، وقلقلة وقلقل.
و في الزوائد؛ نحو: شعيرة وشعير، وقبيلة وقبيل، وما ذكرت لك من قليل هذا يدل على كثير.
هذا باب

ما يجمع مما عدة حروفه أربعة
أما ما كان من ذلك على فعيل فإن أدنى العدد أفعلة وذلك قولك: قفيز وأقفزة. وجريب وأجربة، ورغيف وأرغفة. فإذا جاوزت أدنى العدد فإنه يجيء على فعل وعلى فعلان نحو: قضيب وقضب. ورغيف ورغف، وكثيب وكثب ويقال أيضاً: رغفان وكثبان وقضبان فهذا بابه.

و قد تكون الأسماء من هذا على أفعلاء؛ نحو: نصيب وأنصباء، وصديق وأصدقاء؛ لأنه يجري مجرى الأسماء،وخميس وأخمساء.
فإن كان مضاعفاً أو معتلاً فهو يجري على أفعلاء أيضاً؛ كراهية أن تعتور الحركات حروف اللين، أو يذهب التشديد فيها فيضاعف الحرف وإنما وقع الإدغام تخفيفاً.
فالمضاعف نحو: شديد وأشداء، وعزيز وأعزاء، وحديد وأحداء، من قولك: هذا رجل حديد.
و يكون الوصف في ذلك كالاسم.
و أما ذوات الواو والياء فنحو: نبي وأنبياء، وشقي وأشقياء، وغني وأغنياء، وتقي وأتقياء.
و من قال: نبىء فاعلم قال: نبئاء؛ لأن فعيلاً إذا كان نعتاً فمن أبواب جمعه فعلاء؛ نحو: كريم كرماء، وظريف وظرفاء، وجليس وجلساء. قال الشاعر:
يا خاتم النبئاء إنك مرسلٌ ... بالحق كل هدى السبيل هداكا
و يكون من جمعه فعال، نحو: كريم وكرام، وظريف وظراف، وطويل وطوال.
فأما ما جمع في الأسماء على فعلان فنحو: ظليم وظلمان وقضيب وقضبان. فليس من أصل الباب. ولكنه على ما ذكرت لك وأخرجهم إلى ذلك أنه في معنى فعال، لأنهما يقعان لشيءٍ واحد. تقول: طويل وطوال، وخفيف وخفاف، وسريع وسراع. قال الشاعر:
أين دريدٌ وهو ذو براعه ... تعدو به سلهبةٌ سراعه
و ثوب رقيق ورقاق، وهذا أكثر من أن يحصى.
و جمع فعالٍ في أدنى العدد كجمع فعيل. وكذلك كل ما كان على أربعة أحرف وثالثه حرف لينٍ. غراب وأغربة، وذباب وأذبة. فإذا أردت الكثير قلت: غربان، وعقبان.
فأما غلام فيستغنى أن يقال فيه: أغلمة بقولهم: غلمة؛ لأنهما لأدنى العدد، ومجازهما واحدٌ إلا أنك حذفت الزيادة، فإذا حقرت غلمة فالأجود أن ترده إلى بنائه فتقول: أغيلمة، وكذلك صبية. ولو قلت: صبية، وغليمة على اللفظ كان جيداً حسناً. كما قال الشاعر:
صبيةٌ على الدخان رمكا ... ما إن عدا أكبرهم أن زكا
يقال: زك زكيكا: إذا درج.
و قد قيل: زقاق وزقاق. ولكن باب جمع فعال في العدد لكثير فعلان، كما أن باب جمع فعيلٍ فعلان: نحو: ظليم وظلمان، وقضيب وقضبان، فأدخل كل واحد منهما على صاحبه. فباب فعيل في الأسماء على ما وصفت لك.
و قد يجيء على فعل؛ كما ذكرت لك قضب، ورغف، وكثب. فأما قولهم: جدد وسرر، في جمع جديد وسرير فإن الأصل والباب جدد، وسرر. وإنما فتح لكراهة التضعيف مع الضمة.
و اعلم أن فعالاً، وفعالاً، وفعالاً، وفعيلاً، وفعولاً ترجع في الجمع في أدنى العدد إلى شيءٍ واحد، لأنها مستويةٌ في أنها من الثلاثة، وأن ثالثها حرف لين، ألا ترى أنك تقول: قذال وأقذلة، وغزال، وأغزلة. وتقول:غزلان؛ كما تقول في غراب: غربان وتقول: قذل، كما تقول جرب، وكثب. وتقول في عمود: أعمدة، وعمد، وفي رسول: رسل. فمجرى هذا كله واحدٌ. فإن ترك منه شيء ما فللاستغناء عنه بغيره. فإن جاء منه شيء على غير المنهاج الذي وصفت لك فعلى تسمية الجمع الذي ذكرنا.
فمن ذلك قولهم: عمود وعمد، وأديم وأدم، وأفيق وأفق.
و اعلم أنه ما كان من الجمع على مثال فعل أو كان واحداً فإن الإسكان جائز؛ كما جاز إسكان الحركة في عضد هرباً من الضمة؛ وذلك قولك: رسل، ورغف، وما أشبه ذلك.
و اعلم أن قولهم: فصيل وفصال، وقلوص وقلاص إنما جاء على وزن فعال. وفعال إنما يكون جمع ما كان وصفاً؛ نحو: كريم وكرام، وظريف وظراف، ونبيل ونبال؛ لأن ذلك في الأصل كان نعتاً، وإن جرى مجرى الأسماء؛ لأن الفصيل هو حدث المفصول من أمه، والقلوص ما حدث ولم يسنن.
و اعلم أن قولهم: ظريف وظروف إنما جمع على حذف الزائدة وهي الياء، فجاء على مثال فلوسٍ وأسود، وكذلك فلو وأفلاء، وعدو وأعداء. إنما جاز على حذف الزيادة؛ كقولهم؛ عضد وأعضاد.
فهذا ما ذكرت لك من دخول الجمع بعضه على بعض.
هذا باب

جمع ما لحقته الهمزة في أوله من الثلاثة
و ذلك نحو: أفكلٍ وأيدعٍ، وإصبعٍ وإثمدٍ وأبلمٍ. فهذه الأسماء كلها تجمع على أفاعل؛ نحو: أفاكل، وأصابع، وأبالم.
و كذلك أفعل الذي لا يتم نعتاً إلا بقولك: من كذا يجري مجرى الأسماء. تقول: الأصاغر والأكابر.

و كل أفعلٍ مما يكون نعتاً سميت به فإلى هذا يخرج. تقول: الأحامر، والأحامس، وما كان من هذا للآدميين لم يمتنع من الواو والنون، كما قال الله عز وجل: " قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون " و " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً " فهذا كله على هذا.
و مؤنث أفعل الذي يلزمه من يكون على فعلى؛ نحو: الأصغر والصغرى والأكبر والكبرى، والأمجد والمجدى.
و جمعه بالألف والتاء. تقول: الصغريات، والكبريات، وتكسره على فعل؛ لأن الألف في آخره للتأنيث فتكسر على فعل. فتقول: الصغرى والصغر، والكبرى والكبر، كما تقول: ظلمة وظلم، وغرفة وغرف.
فإن كان أفعل نعتاً مكتفياً فإن جمعه على فعل ساكن الأوسط. وذلك قولك: أحمر وحمرٌ، و أخضر وخضر، وأبيض وبيض، فانكسرت الباء لتصح الياء؛ ولو كان من الواو لثبت على لفظه نحو: أسود وسود، وأحوى وحوٍّ.
و كذلك مؤنثه. تقول: حمراء وحمر، وصفراء وصفر.
فإن جعلت أحمر اسماً جمعته بالواو والنون فقلت: الأحمرون، والأصفرون. وقلت في المؤنث: حمروات، وصفروات، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس في الخضروات صدقةٌ " لأنه ذهب مذهب الاسم. والخضروات في هذا الموضع: ما أكل رطباً، ولم يصلح أن يدخر فيؤكل يابساً.
و لو سميت رجلاً أحمر لم يجز في جمعه حمر؛ لأن هذا إنما يكون جمعاً لما كان نعتاً، ولكن أحامر. فهذا جملة هذا الباب.
و ما كان من الأسماء على فاعل فكان نعتاً فإن جمعه فاعلون؛ لأن مؤنثه تلحقه الهاء، فيكون جمعه فاعلات؛ وذلك قولك: ضارب وضاربون، وقائم وقائمون. والمؤنث: قائمة وقائمات، وصائمة وصائمات. فهكذا أمر هذا الباب.
فإن أردت أن تكسر المذكر فإن تكسيره يكون على فعل، وعلى فعالٍ.
فأما فعلٌ فنحو: شاهد وشهد، وصائم وصوم. وفعالٌ: نحو: ضارب وضراب، وكاتب وكتاب.
و لا يجوز أن يجمع على فواعل، وإن كان ذلك هو الأصل؛ لأن فاعلة تجمع على فواعل. فكرهوا التباس البناءين؛ وذلك نحو: ضاربة وضوارب، وجالسة وجوالس، وكذلك جميع هذا الباب.
و قد قالوا: فارسٌ وفوارس؛ لأن هذا لا يكون من نعوت النساء. فأمنوا الالتباس فجاءوا به على الأصل.
و قد قالوا: هالك في الهوالك؛ لأنه مثل مستعمل، والأمثال تجري على لفظ واحد، فلذلك وقع هذا على أصله: و إذا اضطر شاعر جاز أن يجمع فاعلاً على فواعل؛ لأنه الأصل.
قال الشاعر:
و إذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
فأما قولهم: عائذٌ وعوذ، وحائل وحول، وهالك وهلكى، وشاعر وشعراء فمجموع على غير بابه.
فأما ما كان من هذا على فعل فإنه جاء على حذف الزيادة كما تقول: ورد وورد، وأسد وأسد.
و أما هلكى فإنما جاء على مثال فعيل الذي معناه معنى المفعول؛ لأن جمع ذلك يكون على فعلى؛ نحو: جريح وجرحى، وصريع وصرعى، وكذلك جميع هذا الباب. فلما كان هالك إنما هو بلاءٌ أصابه كان في مثل هذا المعنى فجمع على فعلى، لأن معناه معنى فعيل الذي هو مفعول. وعلى هذا قالوا: مريض ومرضى؛ لأنه شيء أصابه، وأنت لا تقول مرض ولا ممروض.
فأما قولهم: شاعر وشعراء فإنما جاء على المعنى؛ لأنه بمنزلة فعيل الذي هو في معنى الفاعل؛ نحو: كريم وكرماء، وظريف وظرفاء، وإنما يقال ذلك لمن قد استكمل الظرف وعرف به. فكذلك جميع هذا الباب. فلما كان شاعر لا يقع إلا لمن هذه صناعته، وكان من ذوات الأربعة بالزيادة، وأصله الثلاثة كان بمنزلة فعيل الذي ذكرنا.
ف فاعل وفعيل من الثلاثة وفي صنف من هذا زائدة وهي حرف اللين، كما هي في الباب الذي هو مثله. فلذلك حمل أحدهما على الآخر.
و قد قالوا في فعيلٍ: شريف وأشراف، ويتيم وأيتام على حذف الزيادة، كما قالوا: أقمار وأصنام.
و أما قولهم: خادم وخدم، وغائب وغيبٌ فإن هذا ليس يجمع فاعلٍ على صحة إنما هي أسماء للجمع، ولكنه في بابه كقولك: عمود وعمد، وأفيق وأفق، وإهاب وأهب.
و لو قالوا: فعل لكان من أبواب جمع فاعل؛ كما أنك لو قلت في فعيل وفعول وجميع بابهما: فعل لكان الباب، نحو: كتاب وكتب، وإهاب وأهب، وعمود وعمد، وكذلك كاتب وكتبة، وعالم وعلمة، وفاسق وفسقة.
فإن كان فاعل من ذوات الواو والياء التي هما لامان كان جمعه على فعلة؛ لأن فيه معاقبةً لفعلة في الصحيح. وذلك قولك: قاضٍ وقضاة، وغازٍ وغزاة، ورامٍ ورماة.

و المعتل قد يختص بالنبأ الذي لا يكون في الصحيح مثله.
من ذلك أن المعتل يكون على مثل فيعل، ولا يكون مثل ذلك في الصحيح، وذلك نحو: كينونة، وقيدودة، وصيرورة. فهذا ما ذكرت لك من أن المعتل يختص بالبناء الذي لا يكون مثله في الصحيح.
هذا باب

جمع الأسماء التي هي أعلام من الثلاثة
اعلم أنك لو سميت رجلاً عمراً أو سعداً فإن أدنى العدد فيه أعمر، وأسعد.
و تقول في الكثير:عمور، وسعود، كما كنت قائلاً: فلس وأفلس وفلوس، وكعب وأكعب وكعوب. قال الشاعر:
و شيد لي زرارة باذخات ... و عمرو الخير إذ ذكر العمور
و قال آخر:
رأيت سعوداً من شعوبٍ كثيرةٍ ... فلم أر سعداً مثل سعد بن مالك
فأما الجمع بالواو والنون فهو لكل اسم معروف ليس فيه هاء التأنيث.
قال الشاعر:
أنا ابن سعدٍ أكرم السعدينا
فأما ما كان مثل هند فإن جمعه هندات، وهندات، وهندات؛ كما قلت لك في مثل كسرة في هذه اللغات، لأن هند، اسم مؤنث فجمعتها بالتاء ولم تكن فيها هاء، وكذلك قدر ولو سميت بها مؤنثاُ. فأردت تكسيره قلت: أهناد، وهنود: كما تقول: جذع وأجذاع وجذوع. وفي جمل: أجمال وجمول. قال الشاعر:
أخالدٌ قد علقتك بعد هندٍ ... فشيبني الخوالد والهنود
فإن سميتها جملاً وحسناً قلت: جملات وحسنات كما تقول: ظلمات وعرفات. وتقول: جملات وحسنات؛ كما تقول: ظلمات وغرفات.
فإن قيل في هند: هند مثل كسر فكذلك جمل وحسن؛ مثل ظلم وغرف فجيد بالغ.
و لو سميت امرأة أو رجلاً قدما لقلت: أقدام؛ كما تقول: أصنام وأجمال؛ لأن التكسير يجري في المذكر والمؤنث مجرىً واحداً.
فإن أردت الجمع المسلم، وعنيت مذكراً قلت: قدمون: كما تقول: في حسن اسم رجل: حسنون. وعلى ما بينت لك يجري الجمع في المسلم المؤنث فكل ما كان يقع على شيءٍ قبل التسمية فإن تكسيره باقٍ عليه إذا سميت به. فأما الجمع المسلم فمنتقل بالتأنيث وللتذكير.
و لو سميت امرأة عبلة أو طلحة لقلت: عبال وطلاح. ولم يجز أن تقول في طلحة: طلح؛ لأن الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء إنما يكون للأنواع؛ كقولك: تمرة وتمر، وسدرة، وسدر، وشعيرة وشعير.
و لو سميت رجلاً بفخذ لقلت في التكسير: أفخاذ؛ كما كنت قائلاً قبل التسمية به. فأما الجمع المسلم ففخذون. فقس جميع ما يرد عليك بهذا تصب إن شاء الله.
هذا بابما كان اسماً على فاعلٍ غير نعت
معرفةً أو نكرةً
اعلم أن ما كان من ذلك لآدميين فغير ممتنع من الواو والنون. لو سميت رجلاً حاتماً أو عاصماً لقلت: حاتمون، وعاصمون. وإن شئت قلت: حواتم وعواصم؛ لأنه ليس بنعت فتريد أن تفصل بينه وبين مؤنثه، ولكنه اسم. فحكمه حكم الأسماء التي على أربعة أحرف.
و إن كان لغير الآدميين لم تلحقه الواو والنون. ولكنك تقول: قوادم في قادم الناقة، وتقول: سواعد في جمع ساعد. هكذا جميع هذا الباب.
فإن قال قائل: فقد قال الله عز وجل في غير الآدميين: " إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " .
فالجواب عن ذلك: أنه لما أخبر عنها بالسجود وليس من أفعالها وإنما هو من أفعال الآدميين أجراها مجراهم؛ لأن الآدميين إنما جمعوا بالواو والنون، لأن أفعالهم على ذلك. فإذا ذكر غيرهم بذلك الفعل صار في قياسهم؛ألا ترى أنك تقول: القوم ينطلقون، ولا تقول: الجمال يسيرون.
و كذلك قوله عز وجل: " كلٌّ في فلكٍ يسبحون " . لما أخبر عنها أنها تفعل وإنما حقيقتها أن يفعل بها فتجري كانت كما ذكرت لك.
و من ذلك قوله: " بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " ، إنما ذلك لدعواهم أنها فعالة، وأنها تعبد باستحقاق، وكذلك " لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " ومثله: " قالت نملةٌ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم " لما جعلها مخاطبة ومخاطبة. وكل ما جاء من هذا فهذا قياسه. قال الشاعر:
تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنوا نعشٍ دنوا فتصوبوا
لما ذكرت من أنه جعل الفعل لهذه الكواكب، وعلى هذا قال الشاعر:
حتى يقيدك من بنيه رهينةً ... نعشٌ ويرهنك السماك الفرقدا
فقال:من بنيه لما خبر عنه بهذا الفعل.
هذا باب
ما كان على أربعة أحرف أصلية
أو فيها حرف زائد

اعلم أن جميعها كلها يكون على مثال مفاعل في الوزن، وإن اختلفت مواضعها وحركاتها تقول في جعفر: جعافر، وفي سلهب: سلاهب، وفي جدول: جداول، وفي عجوز: عجائز، وفي أسود إذا جعلته اسماً: أساود؛ كما قال الشاعر:
أسود شرىً لاقت أسود خفيةٍ ... تساقت على لوحٍ دماء الأساود
و قالوا: الأباطح والأبارق في جمع الأبطح والأبرق، لأنهما وإن كانا نعتين قد أجريا مجرى الأسماء في معناها.
و كذلك الأدهم إذا عنيت الحية فهو غير مصروف. ولكنه يجري مجرى الأسماء في معناه.
و كذلك الأدهم إذا عنيت القيد، قال الشاعر:
هو القين وابن القبن لاقين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الأداهم
و كذلك ما ذكرت لك في التصغير جاء على مثال واحد أصلياً كان أو زائداً، اتفقت حركاته أو اختلفت، إلا في تصغير الترخيم فإنه يحذف منه الزوائد، ولا تحذف الأصول. وسنذكره لك في باب التصغير إن شاء الله.
هذا باب

ما كان على خمسة أحرف كلهن أصل
اعلم أنك إذا أردت جمعه لم يكن لك بدٌّ من حذف حرف ليكون على مثال الجمع. والحرف الذي تحذفه هو الحرف الأخير؛ وذلك لأن الجمع يسلم حتى ينتهي إليه فلا يكون له موضع؛ وذلك قولك في سفرجل: سفارج، وفي فرزدق: فرازد، وفي شمردل: شمارد وكذلك جميع هذا.
و قد يقال في فرزدق: فرازق، وليس ذلك بالجيد؛ وذلك لأن الدال من مخرج التاء. والتاء من حروف الزيادة. فلما كانت كذلك، وقربت من الطرف حذفوها. فمن قال ذلك لم يقل في جحمرش: جحارش؛ لتباعد الميم من الطرف. فهذا يجري مجرى الغلط. والباب ما ذكرت لك أولاً.
و اعلم أنهم يتنكبون. جمع بنات الخمسة؛ لكراهيتهم أن يحذفوا من الأصول شيئاً. فإذا قالوه قالوه على ما ذكرت لك.
هذا باب
ما عدته خمسة أحرف أو أكثر بزيادة تلحقه
فمن ذلك قولهم: صحراء يا فتى، فإذا جمعت قلت: صحارٍ؛ وكان الأصل صحاري. وإن شئت أن تقوله قلته، وإن شئت أن تحذفه استخفافاً فعلت. وإنما جاز الإثبات؛ لأن الألف إذا وقعت رابعةً فيما عدته خمسة أحرف ثبتت في التصغير والتكسير. وإنما تحذف إذا لم يوجد من الحذف بدٌّ. فتقول في مفتاح: مفاتيح، وفي سرداح: سراديح، وفي جرموق: جراميق، وفي قنديل: قناديل. فلا تحذف شيئاً.
هذا باب
ما كانت عدته أربعة أحرف وفيه علامة التأنيث
أما ما كان من ذلك على فعلة فجماعه فعال إذا كان من غير الأنواع التي ذكرنا وذلك قولك: صحفة وصحاف. وقصعة وقصاع، وجفنة وجفان.
و أما قولهم: جفنة، وجفن، وضيعة وضيع فليس الباب، إنما هي أسماء للجمع. وإنما الكلام جفنات وجفان، وصحفات وصحاف، وضيعات وضياع.
فإن كان على أربعة أحرف، والعلامة التي فيه ألف التأنيث؛ نحو: حبلى، وذفرى، ودنيا فإن جمعه أن تقول في حبلى: حبليات، وفي دنيا: دنيياتٌ، وفي ذفرى: ذفريات. وكذلك هذا الباب أجمع.
و أما ما كان منه مؤنثاً من أفعل الذي تصف به: نحو: هذا أفضل من زيد، وهذا أكبر من عمرو فإن تكسيره على فعل. تقول: الدنيا والدنى. والقصيا والقصى. وكذلك إن قلت: القصوى، والكبرى والكبر، والصغرى والصغر.
و إن لم يكن مؤنثاً لأفعل فإنه يجمع على فعالى في وزن فعالل، كما قلت في جعفر: جعافر، وفي جندب: جنادب. وذلك قولك في حبلى: حبالى.
و كذلك فعلى. تقول في ذفرى: ذفارى.
و كذلك فعلى. تقول في أرطى: أراطى.
هذا باب
ما كان على خمسة أحرف وفيه زيادتان
ملحقتان أو غير ملحقتين
اعلم أنه ما كان كذلك مما استوت فيه زيادتان فإنك في حذف ما تشاء منهما مخير إذا كانتا متساويتين، إما ملحقتان وإما غير ملحقتين؛ وذلك قولك: حبنطىً ودلنظىً وسرندىً.
فالنون زائدة وكذلك الألف وهما ملحقتان بباب سفرجل.
فإن شئت قلت: حباطٍ، ودلاظٍ. وسرادٍ. وإن شئت قلت: حبانط، ودلائظ، وسراند، لأن الألف في الزيادة كالنون. وكذلك يكون هذا في التصغير.
و من ذلك قلنسوة؛ لأن الواو والنون زائدتان وهي على مثال قمحدوة. فإن شئت قلت: قلانس فحذفت الواو، وإن شئت: قلت: قلاسٍ فحذفت النون.
و كذلك فعلهما، يقال تقلنس وتقلسى. والتصغير على هذا جرى.
فأما جحنفل فليس فيه إلا جحافل. وكذلك قرنفل لا يجوز فيه إلا قرافل:؛ لأنه ليس هاهنا زيادة إلا النون.

و اعلم أن كل شيءٍ حذفت منه فالعوض فيه جائز. وهي ياءٌ تلحق قبل آخره. وكذلك قولك في سفرجل سفاريج. وإن شئت قلت في حبنطى: حباطي إن حذفت النون وعوضت. وإن حذفت الألف وعوضت قلت: حبانيط. والتصغير على هذا يجري.
هذا باب

ما تلحقه زائدتان
إحداهما ملحقة والأخرى غير ملحقة
اعلم أنك تجري الملحق مجرى الأصلي في الجمع والتصغير: وذلك أن الملحق إنما وضع بإزاء الأصلي لتلحق الثلاثة بالأربعة والأربعة بالخمسة. وذلك قولك في مثل مسحنكك سحاكك، وفي مقعنسس: قعاسس؛ لأن الميم والنون لم تزادا لتلحقا بناء ببناء.
و كان سيبويه يقول في مقنعسس: مقاعس. وهذا غلط شديد؛ لأنه يقول في محرنجم: حراجم. فالسين الثانية في مقنعسس بحذاء الميم في محرنجم.
فإن قال قائل: إنها زائدة. قيل له: فالميم زائدة أيضاً، إلا أن السين ملحقة بالأصول وليست الميم كذلك. إنما هي الميم التي تلحق الأسماء من أفعالها، ألا ترى أن من قال في أسود: أسيود قال في جدول: جديول، فأجرى الملحق مجرى الأصلي.
هذا باب
التصغير وشرح أبوابه ومذاهبه
زعم المازني عن الأصمعي أنه قال قال الخليل بن أحمد: وضعت التصغير على ثلاثة أبنية: على فلس، ودرهم، ودينار.
و ذلك أن كل تصغير لا يخرج من مثال فليس، ودريهم، ودنينير فإن كانت في آخره زائدة لم يعتد بها، وصغر على أحد هذه الأمثلة ثم جيء بالزوائد مسلمةً بعد الفراغ من هذا التصغير.
هذا باب
ما كان من المذكر على ثلاثة أحرف
اعلم أن تصغيره على مثال فعيل متحركاً كان حرفه الثاني أو ساكناً: وذلك قولك في فلس: فليس، وفي عمرو: عمير، وكذلك تقول في عمر، وفي خدر: خدير، وفي رطب: رطيب، وفي جمل: جميل. لا تبالي ما كانت حركته؟، لأن التصغير يخرجه إلى بنائه. وحكم التصغير: أن يضم أوله، ويفتح الحرف الثاني، ويلحق بعده ياء التصغير ثالثةً.
فإن كان الاسم على أربعة أحرف انكسر الحرف الذي بعد ياء التصغير، كما ينكسر في التكسير؛ لأن التكسير والتصغير من وادٍ واحد. إلا أن أول التصغير مضموم، وأول الجمع مفتوح، وعلامة التصغير ياء ثالثة ساكنة، وعلامة الجمع ألفٌ ثالثة. وهما في تغيير الاسم عن بنائه سواء؛ وذلك قولك في جعفر: جعيفر وجعافر.
و اعلم أنه لا يكون اسم على حرفين إلا وأصله الثلاثة، فإذا صغر فلا بد من رد ما ذهب منه؛ لأن التصغير لا يكون في أقل من ثلاثة أحرف؛ وذلك قولك في دم: دميٌّ؛ لأن الذاهب منه ياء؛ يدلك على ذلك أنك إذا أخرجته إلى الفعل قلت: دميت. كما تقول: خشيت. وتقول في الجمع: دماءٍ فاعلم فتهمز الياء؛ لأنها طرفٌ بعد ألف زائدة، كما تقول: رداء وسقاء.
فإذا فارقت الألف رجعت إلى أصلها فقلت: أردية، وأسقية. ولما اضطر الشاعر رده إلى أصله فقال:
فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين
و تقول في تصغير غد: غديٌّ، لأن أصله غدو، فكان تصغيره غديو يا فتى. ولكن الواو إذا كانت قبلها ياء ساكنة قلبت ياءً وأدغمت الياء فيها؛ كما تقول: أيام، وأصلها: أيوام لأنها جمع يوم. وكذلك سيد وميت، إنما هو سيود وميوت؛ لأنه من يسود ويموت، وكذلك قيام وقيوم، إنما هو قيوام، وقيووم بواوين. وهذا يحكم في باب التصريف.
و الدليل على أن الذاهب من غد الواو أنهم يقولون فيه: غدو كما يقولون: غد قال الشاعر:
لا تقلواها وادلواها دلواً ... إن مع اليوم أخاه غدوا
و قال لبيد بن ربيعة:
و ما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا يلاقع
و كل ما لم نذكره من هذا الباب فهو مجازه.
هذا باب
ما كان من المؤنث على ثلاثة أحرف
اعلم أنه ما كان من ذلك لا علامة فيه فإنك إذا صغرته ألحقته هاء التأنيث التي هي في الوصل تاء.
و إن كان بهاء التأنيث ثلاثة أحرف فقد ذهب منه حرف؛ لأن الهاء لا يعتد بها. فيلزمك في التصغير رد ذلك الحرف.
أما ما كان من ذلك لا هاء فيه فنحو قولك في دار: دويرة، وفي نعل: نعيلة، وفي هند: هنيدة. لا يكون إلا على ذلك.
فأما قولهم في الناب من الإبل: نييب. فإنما صغروه بغير هاءٍ لأنها به سميت؛ كما تقول للمرأة: ما أنت إلا رجيل؛ لأنك لست تقصد إلى تصغير الرجل.

و كذا قولهم في تصغير الحرب: حريب إنما المقصود المصدر من قولك: حربته حرباً. فلو سمينا امرأة حرباً أو ناباً، لم يجز في تصغيرها إلا حريبة. ونييبة.
و الفرس يقع للمذكر والأنثى. فإن قصدت إلى الذكر قلت: فريس، وإن قصدت إلى الأنثى قلت: فريسة.
و أما ما جاء على ثلاثة أحرف أحدها هاء التأنيث فنحو: شاة تقول في تصغيرها: شويهة فترد الهاء الساقطة.
و الدليل على أن الذاهب منه هاء قولك في الجمع: شياهٌ فاعلم. وتقول في تحقير شفةٍ: شفيهة؛ لأن الذاهب كان هاء. يدلك على ذلك قولك: شافهت الرجل، وشفة وشفاةٌ فاعلم.
ومن ذلك سنة فتقول في تصغيرها: سنية وسنيهة، لأنه يجتذبها أصلان: الواو، والهاء. فمن قال: سنوات، واكتريته مساناة، وقرأ: " فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسن وانظر " فوصل بغير هاء فهو على قول من أذهب الواو. فهذا يقول سنية. والأصل سنوة. لا يجوز غيره في قوله. ومن قال: " لم يتسنه وانظر " وقال: اكتريته مسانهةً، فهذا يزعم أن الذاهب الهاء. ولا يجوز على قوله إلا سنيهة، والأصل عنده سنهة.
و كذلك ما لم يكن فيه من ذوات الحرفين هاء وكان مؤنثاً فأمره مثل ما ذكرت لك؛ لأنك ترد الحرف الذاهب، ثم تجريه مجرى هند، ودعد، وقدر، وشمس، لأنه ما كان على حرفين فلا بد من رد الثالث فيه. فإذا رد صار بمنزلة ما كان على ثلاثة أحرف مما لم ينقص منه شيء؛ وذلك قولك في يد: يدية؛ لأن الذاهب كان ياءً. يدلك على ذلك قولهم: يديت إليه يداً، وكذلك أياد، وكل ما لم نذكره مما كان على هذا المثال فهذا قياسه.
و اعلم أنك إذا سميت مذكراً بمؤنث لا علامة فيه أنك لا تلحقه هاء التأنيث إذا صغرته؛ لأنك قد نقلته إلى المذكر؛ وذلك قولك في رجل سميته هنداً أو شمساً أو عيناً: عيين، وشميس، وهنيد.
فإن قيل: فقد جاء في الأسماء مثل عيينة، وأذينة.
قيل: إنما سمي بهما الرجلان بعد أن صغرتا وهما مؤنثتان. والدليل على ذلك أنك لم تسم الرجل عيناً ولا أذناً، ثم تأتي بهذا إذا صغرته. إنما أول ما سميت به عيينة وأذينة. فهذا بين جداً. وكذلك إن سميت امرأة أو مؤنثاً غيرها باسم على ثلاثة أحرف مما يكون للمذكر فلا بد من إلحاق الهاء إذا صغرتها. وذلك أنك لو سميت امرأة حجراً أو عمراً أو عمر، لم تقل في تصغيرها: إلا عميرة، وحجيرة. لا يكون إلا ذلك؛ كما لم يكن في المذكر إلا ما وصفت لك إذا سميته بمؤنث.
هذا باب

تصغير ما كان من المذكر على أربعة أحرف
اعلم أن تصغير ذلك على وزن واحد، كانت فيه زوائد أو كانت الحروف كلها أصليةً اختلفت حركاته أو اتفقت، كانت الزوائد ملحقة أو للمد واللين؛ وذلك قولك في جعفر: جعيفر، وفي قمطر: قميطر، وفي درهم: دريهم، وفي علبط: عليبط وفي جلجل: جليجل، وفي زهلق: زهيلق، وفي عجوز: عجيز، وفي رغيف: رغيف، وفي كتاب: كتيب.
و اعلم أن ما كانت فيه الواو متحركةً في التكبير زائدةً ملحقةً أو أصلية فأنت في تصغيره بالخيار: إن شئت أبدلت من الواو في التصغير ياءً للياء التي قبلها، وهو أجود وأقيس.
و إن شئت أظهرت الواو؛ كما كانت في التكبير متحركة؛ وذلك قولك في أسود: أسيد، وفي أحول: أحيل، فهذا الأصلي. والزائدة تقول في قسور: قسير، وفي جدول: جديل.
و إن شئت قلت فيه كله: أسيود، وقسيور، وجديول، وإنما استجازوا ذلك لما رأوا التصغير والجمع على منهاج واحد وكان جمع هذا إنما يكون: قساور، وجداول.
فأما الأولون فعلموا أن الواو إنما تنقلب للياء التي قبلها، وأن الألف لا يوجد فيها مثل ذلك. والوزن واحد. والقلب لعلةٍ توجبه. وكلٌّ قد ذهب مذهباً، إلا أن القلب أقيس لما ذكرت لك.
فإن كانت الواو ساكنةً في التكبير لم يكن إلا القلب؛ وذلك لأن ما تحركت واوه الوجه فيه القلب. ويجوز الإظهار لتحرك الواو. فلما كانت المتحركة الوجه فيها القلب لم يكن في الساكنة غيره؛ وذلك قولك في عجوز: عجيز، وفي عمود: عميد.
و اعلم أنه إذا كانت في ذوات الأربعة زائدة يبلغ بها الخمسة في العدد بإلحاق أو غير إلحاق فإن تلك الزائدة تحذف في التصغير، إلا أن تكون واواً رابعةً أو ياءً أو ألفاً في ذلك الموضع فإنها لا تحذف، لأنها تصير على مثال دنينير.

فإن لم يكن ذلك فالحذف لازم؛ لأنه يكون على مثال دريهم. وذلك قولك في سرادق: سريدق؛ لأن الألف زائدة، وفي جحنفل جحيفل؛ لأن النون زائدة، وكذلك ما كان مثل ذلك.
و أما معاوية فمن بنات الثلاثة وسنشرح لك أحكامها لتقف عليها إن شاء الله.
اعلم أن ذوات الثلاثة إذا لحقتها زائدتان مستويتان، فأنت في الحذف بالخيار، أيهما شئت حذفت.
فإن كانت إحداهما ملحقة لم يجز حذفها، وحذفت الأخرى؛ لأن الملحق كالأصلي. فإن كانتا ملحقتين فأنت في حذف أيهما شئت مخير.
و إن كانتا غير ملحقتين وإحداهما للمعنى، حذفت التي ليست للمعنى، وأبقيت التي المعنى من أجلها يعلم.
فأما ما استوت فيه الزيادتان فقولك في حبنطى: حبيطٍ فاعلم، وإن شئت حبينطٌ؛ وذلك؛ لأنه من الثلاثة، والنون والألف فيه زائدتان ملحقتان بسفرجل. فإن حذفت النون قلت: حبيطٍ، وإن حذفت الألف قلت: حبينطٌ، وإن عوضت فيمن حذف النون قلت: حبيطيٌّ فاعلم، وفيمن حذف الألف حبينيطٌ.
و كذلك جمعه: تقول: حبانط فاعلم، وإن عوضت قلت: حبانيط.
فإن حذفت النون قلت: حباطٍ وإن عوضت قلت: حباطي، فعلى هذا يجري.
و لو حقرت مثل مغتسل لقلت: مغيسلٌ. وإن عوضت قلت: مغيسيلٌ. لا يكون إلا ذلك؛ لأن الميم والتاء زائدتان، والميم للمعنى؛ ألا ترى أنك لو قلت: مغتسل كان مؤدياً للمعنى. فالميم لا تحذف.
فإذا حقرت معاوية فيمن قال: أسيد قلت: معية. وكان الأصل معيية. ولكنهم إذا اجتمعت ثلاث ياءات في بناء التصغير حذفت الياء المعتلة لاجتماع الياءات.
و من قال في أسود: أسيود قال في تصغير معاوية: معيوية؛ لأنه يحذف الألف فيصير معيوية، ولا تجتمع الياءات فيلزمك الحذف.
فأما ما ذكرت لك مما يحذف لاجتماع الياءات فقولك في تصغير عطاء: عطيٌّ فاعلم؛ لأنك حذفت ياء والأصل: عطييٌ فصار تصغيره كتصغير ما كان على ثلاثة أحرف.
فعلى هذا تقول في تصغير أحوى: أحيّ فاعلم على قولك: أسيد، ومن قال: أسيود قال: أحيوٍ فاعلم.
و تقول في تصغير عثولٍّ: عثيلٌّ فاعلم؛ لأن فيه زائدتين: الواو وإحدى اللامين. والواو أحق عندنا بالطرح؛ لأنها من الحروف التي تزاد. واللام مضاعفة من الأصول. وهما جميعاً للإلحاق بمثل جردحل.
و كان سيبويه يختار عثيلٌ، وعثيول فيمن قال: أسيود، ويقول: هي ملحقة، وهي أبعد من الطرف. وقد يجوز ما قال. ولكن المختار ما ذكرنا، للعلة التي شرحنا.
و من عوض على قول سيبويه قال: عثييل وعثيويل، وعلى قولنا: عثيليل فهذا وجه هذا.
و لو حقرت مثال مفتاح، وقنديل، وشملان لم تحذف شيئاً، وكنت قائلاً: قنيديل، ومفيتيح، وشميليل؛ وذلك لأنك كنت قائلاً لو عوضت في مثل سفرجل: سفيريج. فأنت إذا أتيت بها فيما لم تكن فيه أحرى ألا تحذفها فيما هي فيه أو ما تكون بدلاً منه. وإنما تثبت في هذا الموضع، لأنه موضع تلزمه الكسرة، والياء إنما هي حرف لين، فدخلت بدخول ما هو منها وهو الكسرة، وكذلك الجمع لذوات الأربعة إنما يجري مجرى تصغيره في كل شيءٍ، فيجريان فيه على قياس واحد فيما جاوز الثلاثة.
هذا باب

تحقير بنات الخمسة
اعلم أنك إذا صغرت شيئاً على خمسة أحرف كلها أصلٌ فإنك لا تحذف من ذلك إلا الحرف الأخير؛ لأنه يجري على مثال التحقير، ثم ترتدع عنده. فإنما حذفت الذي يخرج من مثال التحقير؛ وذلك قولك في سفرجل: سفيرج، وفي شمردل: شميرد، وفي جحمرش: جحيمر، وفي جردحل: جريدح. وكذلك إن كانت في ذوات الخمسة زائدة حذفتها، ثم حذفت الحرف الأخير من الأصول حتى يصير على هذا المثال؛ وذلك قولك في عضرفوط: عضيرف، وفي عندليب: عنيدل، وفي قبعثرى: قبيعث. والعوض في هذا كله جائز؛ وذلك قولك: قبيعيث، وعضيريف. وكذلك كل ما حذف منه. فهذا قياس هذا الباب.
و من العرب من يقول في الفرزدق: فريزق. وليس ذلك بالقياس، إنما هو شبيه بالغلط وذلك لأن التاء من حروف الزيادة، والدال من موضعها. فلما كانت طرفاً، وكانت أشبه ما في الحرف بحروف الزيادة حذفتها.
و من قال هذا قال في جمعه: فرازق. والجيد: فرازد وفريزد؛ لأن ما كان من حروف الزيادة وما أشبهها إذا وقع أصلياً فهو بمنزلة غيره من الحروف.
و من قال: فريزق لم يقل في جحمرش: جحيرش، وإن كانت الميم من حروف الزيادة لبعدها من الطرف. ولكنه يقول في مثل شمردل: شميرد. وإن كان هذا أبعد؛ لأن اللام من حروف الزيادة.

هذا باب
تصغير الأسماء المبنية من أفعالها
اعلم أنك إذا حقرت مضروباً قلت: مضيريب. لا تحذف منه شيئاً؛ لأن الواو رابعة. وقد تقدم القول في هذا وأنك لست تحذف إلا مضطراً.
فإن حقرت مدحرجاً أو مدحرجاً قلت: دحيرج؛ لأن الميم زائدة، وليس هاهنا من حروف الزيادة غيرها.
فإن حقرت مثل منطلق قلت: مطيلق. تحذف النون ولا تحذف الميم، وإن كانتا زائدتين، لأن الميم للمعنى؛ ألا ترى أنك إذا جاوزت الثلاثة أدخلت الميم على كل فاعل ومفعول، وتدخل علة المفعول من الثلاثة واسم الزمان، والمكان، والمصدر، كقولك: سرت مسيراً، وأدخلته مدخلاً كريماً، وهذا مضرب زيد، ومدخل زيد.
فإن حقرت مثل مقتدر قلت: مقيدر. تحذف التاء من مفتعل؛ كما حذفت النون من منفعل؛ لأن العدة قد خرجت على مثال التصغير. فلا بد من حذف الزيادة.
و العوض في جميع هذا جائز، لأنك قد حذفت منه. تقول في منطلق إذا عوضت: مطيليق، وفي مقتدر: مقيدير.
فإن حقرت مثل مقاتل قلت: مقيتل، تحذف الألف، وإن عوضت قلت: مقيتيل.
فإن حقرت مثل مستضرب قلت: مضيرب، ومضيريب، تحذف التاء والسين، ولا تحذف الميم؛ لما ذكرت لك.
و كذلك ما كان من مفعوعل مثل مغدودن. تحذف الواو وإحدى الدالين، فتقول: مغيدن، ومغيدين. ولا تحذف الميم؛ لأنها للمعنى.
و كل ما كان على شيءٍ من الأبنية فهذا قياسه.
و تقول في مثل محمر: محيمر. تحذف إحدى الراءين.
و كذلك تقول في تصغير محمار: محيمير. تحذف إحدى الراءين، ولا تحذف الألف لأنها رابعة، ولو حذفتها لم يكن بدٌّ من حذف إحدى الراءين ليكون على مثل التصغير والجمع على ذلك. تقول: محامر في محمر، ومحامير في محمار.
و تقول في مثل مقشعر: قشيعر، وقشيعير إن عوضت تحذف الميم وإحدى الراءين، لأن الحرف يبقى على أربعة، فلو حذفت غير الميم كنت حاذفاً من الأصل تاركاً الزيادة، فنخرج إلى مثال تصغير مدحرج.
و كذلك مطمئنٌّ. تقول: طميئن، وطميئين إن عوضت. وتقول في مثال محرنجم حريجم، وحريجيم إن عوضت. فتحذف الميم والنون لأنهما زائدتان، ولا تجد من ذلك بداً؛ لأنه يبقى على أربعة أحرف.
و كان سيبويه يقول في تصغير مقعنسس: مقيعس ومقيعيس. وليس القياس عندي ما قال؛ لأن السين في مقعنسس ملحقة، والملحق كالأصلي. والميم غير ملحقة. فالقياس: قعيسس وقعيسيس، حتى يكون مثل حريجم وحريجيم.
هذا باب
ما لحقته زائدتان
إحداهما ملحقةٌ والأخرى غير ملحقة
وذلك قولك: ثمانٍ ويمانٍ اعلم أنك إذا حقرت ثمانية وعلانية، فإن أقيس ذلك وأجوده أن تقول: ثمينية، وعلينية؛ وذلك لأن الياء فيهما ملحقة واقعةٌ في موقع المتحرك. والألف غير ملحقة ولا يقع في موضعها إلا حرف مد، فإنما هي بمنزلة ألف عذافرة، والياء بمنزلة الراء. فلما، لم يجز في عذافرة إلا عذيفرة، فكذلك يجب فيما ذكرت لك.
و قد أجازوا ثمينة، وعلينة، واحتجوا بأنهما زائدتان، وقالوا: الأولى وإن لم تكن ملحقة فهي بعيدة من الطرف. وهو وجه رديءٌ. كما أن قلنسوة لما كانت في وزن قمحدوة كانت النون بحذاء الأصلي والواو بحذاء الواو الزائدة، فكان قلينسة أقيس من قليسية. فهذا مجرى هذا.
و اعلم أنه كل ما كانت فيه زائدتان إذا حذفت إحداهما ثبتت الأخرى، لم تحذف غيرها؛ وذلك نحو: عيضمور، وعيطموس. تقول: إذا حقرت: عضيميز، وعطيميس؛ لأنك لو حذفت الواو لاحتجت أن تحذف الياء ليكون على مثال التصغير. وأنت إذا حذفت الياء وحدها لم تحتج إلى حذف الواو؛ لأنها تقع رابعةً، فيصير تحقيره مثل تحقير سرحوب، وقنديل. فكلما قل من الحذف لم يصلح غيره؛ ألا ترى أنك لو جمعت لم تقل إلا عطاميس، وعضاميز، وسراحيب؟ فعلى هذا فأجر هذا الباب.
هذا باب
ما يحقر على مثال جمعه
على القياس لا على المستعمل
و ذلك قولك في تحقير دانق: دوينق، وطابق: وطويبق، وخاتم: وخويتم. ولا تلتفت إلى قولهم: خواتيم، ودوانيق، وطوابيق؛ لأن الجمع على الحقيقة إنما هو دوانق، وخواتم، وطوابق؛ كما تقول في تابل: توابل، وفي فارس: فوارس. وعلى هذا قال الشاعر:
و تترك أموالٌ عليها الخواتم
فأما دوانيق فإن الياء زيدت للمد في تكسيره؛ كما تزاد حروف المد في الواحد. وكذلك طوابيق.
فأما خواتيم فإنه على قياس من قال: خاتام؛ كما قال الشاعر:

أعز ذات المئزر المنشق ... أخذت خاتامي بغير حق
فإذا احتاج شاعر إلى زيادة حرف المد في هذا الضرب من الجمع جاز له؛ للزوم الكسرة ذلك الموضع. وإنما الكسرة من الياء. قال الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
هذا بابما كان على أربعة أحرفٍ مما آخره حرف تأنيث
اعلم أنه ما كان من ذلك فإن ثالثه يترك مفتوحاً؛ لئلا تنقلب ألف التأنيث. وذلك قولك في حبلى: حبيلى؛ لأنه لو قيل فيها كما قيل في جعفر: جعيفر لصارت الألف ياء فذهبت علامة التأنيث.
و كذلك تقول في دفلى: دفيلى، وفي دنيا: دنيا.
فإن كانت الألف زائدة لغير التأنيث انكسر ما قبلها وانقلبت ياءً. وذلك قولك في أرطىً: أريطٍ؛ لأن أرطىً ملحق بجعفر، وليست ألفه للتأنيث. ألا ترى أنك تقول في الواحدة: أرطاة؟ فلو كانت الألف للتأنيث لم تدخل عليها هاء التأنيث؛ لأنه لا يدخل تأنيث على تأنيث.
و تقول في معزى: معيزٍ فاعلم، وهكذا كل ما كانت ألفه للتأنيث.
فأما الهاء فإنها بمنزلة اسم ضم إلى اسم؛ ألا ترى أنها تدخل على المذكر، فلا تغير بناءه؟. فإنما الباب فيها أن يصغر الاسم من أي باب كان على ما يجب في مثله، ثم تأتي بها؛ وذلك قولك في حمدة: حميدة، وفي نخلة: نخيلة، وفي قسورة: قسيرة. ومن قال في أسود: أسيود قال: قسيورة، وفي هلباجة: هليبيجة؛ لأنك لو صغرت هلباجاً لقلت: هليبيج فلم تحذف منه شيئاً.
فإنما يجري على الصدر ما يجري عليه، ثم تأتي بالهاء.
و تقول في تصغير سفرجلة: سفيرجة؛ لأنك كنت قائلاً في سفرجل: سفيرج. فهذا حكم الألف والهاء.
فأما ما لحقته ألفان للتأنيث فإنك قائل فيه ما قلت في الهاء، لا ما قلت في الألف المقصورة وسنبين ذلك إن شاء الله.
تقول في حمراء: حميراء يا فتى؛ لأن الآخر متحرك، فهو كالهاء. وتقول في خنفساء: خنيفساء يا فتى؛ لأنك كنت تقول في خنفس: خنيفس. فإنما تسلم الصدر، ثم تأتي بالألفين. وتقول في معيوراء: معييراء. تسلم الصدر على ما ذكرت لك؛ لأن الألفين يجريان مجرى الهاء.
فأما الألف المقصورة فإنها في الاسم كبعضه. وقد ذكرتها لك رابعةً بحيث لا يحذف من التصغير شيءٍ. وسأذكرها خامسةً وسادسةً.
اعلم أنك إذا صغرت شيئاً فيه الألف المقصورة وهو على خمسة أحرف بها أو أكثر ذلك فإنك تحذفها، كما تحذف الحرف الخامس وما بعده من الأصل والزوائد.
تقول في قرقرى: قريقر لأنك حقرت قرقراً، فانتهى التحقير، وهذه الألف زائدة. ولم تكن لتكون بأقوى من لام سفرجل وما أشبهها من الأصول، ولم تكن متحركة، فتصير كاسمٍ ضم إلى اسم بمنزلة الهاء والألف الممدودة. فألف قرقرى للتأنيث وهي محذوفة لما ذكرت لك.
فإن قلت في مثل حبركىً وألفه ملحقة بسفرجل قلت: حبيرك لما ذكرت لك. وإن عوضت قلت: حبيريك، وقريقير.
و إن كانت مع الألف زائدة غيرها حذفت أيتهما شئت؛ وذلك قولك في مثل حبارى: حبيرى، وهو أقيس؛ لأن الألف الأولى من حبارى زائدة لغير معنى إلا للمد. وألف حبارى الأخيرة للتأنيث. فلأن تبقى التي للمعنى أقيس.
و قد قالوا: حبير، فحذفوا الأخيرة؛ لأنهما زائدتان. وما دون الطرف أقوى مما كان طرفاً.
و كان أبو عمرو بن العلاء يقول في تصغيرها: حبيرة، فيحذفها، ويبدل منها هاء التأنيث؛ لتكون في الاسم علامة تأنيث، ويفعل ذلك بكل ما فيه ألف التأنيث خامسةً فصاعداً. ويقول: لم يجز إثباتها لأنها ساكنة. فإذا حذفتها لم أخل الاسم من علامة تأنيث ثابتة.
و من قال في حبارى: حبيرة قال في تحقير لغيزى: لغيغيزة على مذهب أبي عمرو.
و قول جميع النحويين يثبتون الياء في لغيزى؛ لأنهم لو حذفوها لاحتاجوا معها إلى حذف الألف. وقد مضى تفسير هذا.
و اعلم أن ياء لغيزى ليست بياء التحقير؛ لأن ياء التحقير لا تكون إلا ثالثةً، وهذه رابعةً؛ كما أن الألف في حبارى لا تكون للجمع؛ لأن الجمع من هذا الحيز لا يكون إلا مفتوح الأول، ولا تكون ألفه إلا ثالثةً في موضع ياء التصغير.

و اعم أن سيبويه يقول في تحقير بروكاء، وبراكاء، وخراسان: بريكاء، وخريسان، فيحذف ألف خراسان الأولى، وواو بروكاء؛ كما يحذف ألف مبارك. وليس هذا بصواب ولا قياس. إنما القياس ألا يحذف شيئاً؛ لأنك لست تجعل ألفي التأنيث، ولا الألف والنون بمنزلة ما هو في الاسم. ونحن ذاكرون احتجاجه، والاحتجاج عليه إن شاء الله.
حجته أنه يقول: إذا وقعت الألف ثالثةً في موضع ألف مبارك حذفت لكثرة العدد؛ وذلك أن الألف والنون ليستا مما يجوز حذفه، وهما كهاء التأنيث في اللزوم، وليستا بمنزلتهما في أنها كاسم ضم إلى اسم. فتحقر الصدر وتترك ما بعده ولكنهما بمنزلة، هو من الاسم.
فيقال له: إن كانتا بمنزلة ما هو بالاسم وجب عليك ألا تحقر ما هما فيه؛ إذا كان على ستة أحرف بهما.
و إن كانتا بمنزلة شيءٍ ضم إلى الصدر وجب أن يحقر ما قبلهما؛ كما تفعل ذلك بما قبل الهاء، ثم تأتي بهما؛ كما تأتي بالاسم الأخير بعد الأول في مثل حضرموت ومعديكرب. وكذلك حكم ألف التأنيث، وياء النسب كهاء التأنيث. ألا ترى أنك تقول في زعفران: زعيفران؟ فلو كانت الألف والنون كاللام في سفرجل لكان هذا التحقير محالاً، ولكنك تقول في خنفساء: خنيفساء، وفي مدائني: مديئني. فإنما حق هذا ما ذكرت لك؛ ألا ترى أن ما قبل الألف والنون في التحقير إذا لم يكن ملحق الجمع مفتوحٌ، وما قبل ألفي التأنيث لا يكون إلا مفتوحاً؛ كما يكون ما قبل الهاء. فهذا بين جداً.
و كان سيبويه يقول في تحقير جدارين إذا أردت التثنية: جديران، فيحقر جداراً، ثم يلحق الألف والنون.
فإذا سمي بهما رجل لم يقل: إلا جديران على ما ذكرت لك وهذا نقض لجميع أصوله.
و يقول في تصغير دجاجتين اسم رجل: دجيجتان، فلا يحذف من أجل هاء التأنيث. ويقول: دجاجة بمنزلة درابجرد في أنه اسم ضم إلى اسم، ودجاجتان بمنزلة درابجردين.
و القياس في هذا كله واحد.
هذا باب

ما لحقته الألف والنون زائدتين
اعلم أنك إذا حقرت غضبان، وسكران، ونحوهما قلت: غضيبان، وسكيران.
و كذلك إذا حقرت عثمان، أو عريان قلت: عثيمان، وعريان؛ لأن حق الألف والنون أن يسلما على هيئتهما بعد تحقير الصدر، إلا أن يكون الجمع ملحقاً بالأصول. فتفعل ذلك بتصغير الواحد، فيجري الواحد في التصغير مجرى الجمع.
فأما الملحق فمثل قولك:سرحان تقول في تصغيره: سريحين، لأنك تقول في الجمع: سراحين. وتقول في سلطان: سليطين. كقولك في الجمع: سلاطين، وتقول في ضبعان: ضبيعين. كقولك: ضباعين. وكذلك قربان.
و لو كنت تقول في عثمان: عثامين في الجمع لقلت في التصغير: عثيمين؛ ألا ترى أن فعلان الذي له فعلى؛ نحو: عطشان، وسكران، وغضبان، وظمآن لا يكون في جمع شيءٍ منه فعالين؛ لأنه لا يكون ملحقاً؟ فكذلك جميع هذا الباب. ما كان ملحق الجمع وجب في تصغير واحده الإلحاق. وما كان غير ملحق الجمع لم يكن تصغيره إلا كتصغير فعلان الذي له فعلى.
هذا باب
ما كانت في آخره ألفان زائدتان لغير التأنيث
وذلك نحو: علباء، وحرباءٍ، وزيزاءٍ ونحوه اعلم أنك لا تقول في تحقيره: إلا عليبيٌّ، وحريبيٌّ؛ لأن الألفين ليستا للتأنيث. إنما هما ملحقتان بمثل سرداح، لأنك لا تقول فيه: إلا سريديح، كما لا تقول في شملال: إلا شميليل.
و كذلك قوباء فاعلم؛ لأن من قال كذا إنما ألحقه بطومارٍ. فلا تقول في تصغيره: إلا قويبي؛ كما تقول في تصغير طومار: طويمير. ولا يجوز فيه إلا التذكير والصرف لما ذكرت لك. ومن قال: هي القوباء فأنث كان بمنزلة قولك: عشراء، ورحضاء. فلا يكون تصغيرها على هذا إلا قويباء. ولا ينصرف في معرفة ولا نكرة. وقد مضى القول في ذلك في باب ما لا يجري وما لا يجري.
و كذلك غوغاء. من ذكر صرف وهو عنده بمنزلة القضقاض والخضخاض. وكان حده أن يقول: غوغاو. ولكنك همزت الواو لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة. فمن قال هذا قال في التصغير: غويغي، وصرف. ومن أنث وجعلها كعوراء لم يصرف، وقال في التصغير: غويغاء فاعلم.
هذا باب
ما كان على ثلاثة أحرف
مما حذف منه حرف وجعل مكانه حرف
اعلم أن تصغير ما كان من ذلك بحذف ما زيد فيه ورد ما ذهب منه.
فأما ما كان في أوله ألف الوصل من هذا الباب فإنها تسقط منه لعلتين: إحداهما: لتحرك ما بعدها؛ لأنها إنما دخلت لسكونه.

و العلة الأخرى: أنها زائدة على ما ذكرت لك في أصل الباب.
و ذلك: ابن، واسم، واست، واثنان، واثنتان، وابنة تأنيث ابن. تقول في تصغير ابن: بني؛ لأن الذاهب منه ياء أو واو، يدلك على ذلك قولهم: أبناء فاعلم. وكذلك اسم وأسماء، تقول في تصغيره: سمي.
و اثنان بهذه المنزلة: تقول في تصغيره: ثنيان، لأن الألف والنون زائدتان للتثنية.
و تقول في تصغير ابنة: بنية. وفي تصغير است: ستيهة؛ لأن الذاهب منه هاء. يدلك على ذلك قولهم: أستاه فاعلم. فهذا مجرى هذا؛ كما قال في سنة: سنية، وسنيهة. فسنية فيمن قال: سنوات، وسنيهة فيمن قال: سنهات. وقد مضى تفسير هذا.
و أما ما لم تكن فيه ألف الوصل فنحو قولك: أخت. تقول في تصغيرها: أخيه، فتحذف التاء، وترد الواو التي كانت في قولك: أخوات، وإخوة، وأخوان.
و كذلك بنت، وهنت. تقول: هنية، وبنية؛ لأن المحذوف من هذه الواو؛ لأنه يقال: هنواتٌ قال الشاعر:
أرى ابن نزارٍ قد جفاني وملني ... على هنواتٍ كلها متتابع
و كذلك تقول في تصغير هنٍ: هني.
و قد قال قوم: المحذوف منه هاء، فقالوا في تصغير هنٍ: هنية وفي تصغير هنة: هنيهة، وهنية. إلا أن جملة هذا الباب أنه لا يكون المحذوف من الثلاثة إلا حرف لين ياء أو واو أو حرفاً خفياً وهو الهاء أو يكون مضاعفاً، فتحذف منه استثقالاً؛ كما حذف هذا لخفائه.
هذا باب

ما يصغر من الأماكن وما يمتنع
من التصغير منها
اعلم أن أسماء الأماكن كسائر الأسماء خاصها وعامها. تقول في دار: دويرة، كما تقول في هند: هنيدة. وكذلك مكان. تقول فيه: مكين، وفي بيت: بييت وبييت.
فأما الأسماء المبهمة فنحو: خلف، ودون، وفوق. تقول: خليف ذاك، ودوين ذاك، وفويق ذاك؛ لأنك أردت أن تقرب ما بينهما وتقلله.
فإن قلت: هو عند زيد لم يجز أن تصغر عند؛ وذلك أنه قد يكون خلفه بكثير وبقليل، وكذلك دونه، وفوقه. فإذا صغرتهما قللت المسافة بينهما. وإذا قلت: عندي فقد بلغت إلى غاية التقريب. فلا معنى للتصغير.
و جملة باب الأماكن التذكير إلا ما خصه التأنيث منها نحو قولك: غرفة. وعلية. ومشرقة، ومشربة.
و كذلك تأنيث البناء نحو: دار، إنما هي في بابها بمنزلة نار، وقدر، وشمس. وكذلك تقول في تصغيرها: دويرة وقد بينت لك في باب الظروف أن هذه المخصوصة لا يتعدى الفعل إليها، لأنه لا دليل فيه عليها. فإنما يتصل بها؛ كما تتصل بسائر الأسماء، وذلك قولك: قمت في دار زيد، وذهبت إلى زيد، ووضعته في يد زيد، ورأيت أثراً في رجل زيد. ولا يصلح أن تقول: قمت دار زيد، ولا قمت المسجد الجامع يا فتى؛ لأن قمت لا يدل على مكانٍ مخصوص. وإنما يتعدى إلى ما يعتور الأسماء. فلا يخلو منه شيءٌ أو من بعضه. نحو قمت خلف زيد، وسرت أمام عبد الله، وقمت مكاناً. وقد مضى تفسير هذا في بابه.
فالظروف إنما هي هذه على الحقيقة. فما جاء منها مؤنثاً بغير علامة: قدام ووراء، وتصغيرهما: قديديمة ووريئة.
فإن قلت: فما لهاتين لحقت كل واحدة منهما الهاء، وليستا من الثلاثة؟ قيل: لأن الباب على التذكير. فلو لم يلحقوهما الهاء لم يكن على تأنيث واحد منهما دليل. قال القطامي:
قديديمة التجريب والحلم، إنني ... أرى غفلات العيش قبل التجارب
و قال الآخر: يومٌ قديديمة الجوزاء مسموم فكل ما ورد عليك من هذه الظروف ليست فيه علامة التأنيث فهو على التذكير. تقول في تصغير خلف: خليف، وأمام: أميم؛ كما تقول في قذال: قذيل.
و كل شيء يجري مجرى عند فغير مصغر لما ذكرت لك من امتناعه في المعنى. فكذلك سوى وسواء يا فتى، إذا أردت بهما معنى المكان؛ لأن قولك: عندي رجل سواك، إنما هو: عندي رجل مكانك يحل محلك، ويغني غناءك. لا يصغران لقلة تمكنهما.
فإن أردت بقولك سواء: الوسط من قوله عز وجل: " فرآه في سواء الجحيم " وكما قال الشاعر:
يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد
صغرته، فقلت: سوي فاعلم. تحذف الياء لاجتماع الياءات. وكذلك إن أردت بسواء معنى الاستواء كقولك هذا درهم سواء، أي تمام صغرته؛ كما يلزمك في كل متمكن.
فإن قال قائل: ما معنى قولك: لقلة تمكنها؟

فإنما قلة تمكنها: أنهما داخلتان في معنى غير. تقول: عندي رجل سوى زيد، أي: غير زيد. وغير ليس مما يصغر؛ لأنك إذا قلت: جاءني غيرك لم تخصص واحداً من الناس، إنما زعمت أنه ليس به، وليس يجب فيمن كان غير المذكور أن يكون حقيراً.
و لو قلت: عندي مثلك فحقرت المثل كان جيداً؛ لأنك إذا حقرت الذي هو مثله زعمت أنه هو حقير؛ لأنك حقرت الآخر من حيث زعمت أنه مثله.
و كذلك تحقير شبه، ونحوٍ، وشبيهٍ؛ لأن الشيء لا يشبه الشيء في جميع حالاته، وإنما يشبهه من حيث تشبهه به، ولا يكون إلا على مقدمة: تقول: كان خالد القسري مثل حاتم الطائي. لم ترد الزمان والقدم، ولم ترد الجاهلية والإسلام، ولم ترد أن القبيلة تجتمع عليهما، ولكنك ذكرت جود خالد، فقرنته بحاتم لما سبق له.
و كذلك لو قلت: كان جرير كامرئ القيس بعد أن تذكر الشعر والمرتبة فيه، فهذا دليل التشبيه. فإن قلت: هذا مثيل هذا، وقد قدمت نحواً مما ذكرنا علم أنك حقرته من حيث حقرت المشبه به. فبالمعنى يصلح اللفظ ويفسد.
هذا باب

تحقير الظروف من الأزمنة
و الزمان خاصه وعامه يتصل به الفعل. وذلك أن الفعل إنما بني لما مضى من الزمان ولما لم يمض.
فإذا قلت: ذهب علم أن هذا فيما مضى من الزمان.
و إذا قلت: سيذهب علم أنه لما لم يأت من الزمان.
و إذا قلت: هو يأكل جاز أن تعني ما هو فيه، وجاز أن تريد هو يأكل غداً.
و المكان لا يكون فيه مثل ذلك. فالفعل ينقضي كالزمان، لأن الزمان مرور الأيام والليالي، فالفعل على سننه يمضي بمضيه. وليست الأمكنة كذلك، إنما هي جثث ثابتة، تفصل بينها بالعين، وتعرف بعضها من بعضٍ، كما تعرف زيداً من عمرو.
فكل متمكن من الزمان يصغر. تقول: يويم في تصغير يوم، وعويم في تصغير عام. وإنما صغرته بالواو دون الياء؛ لأن ألفه منقلبة من واو. يدلك على ذلك أعوام، وقولك: عاومت النخلة. وهذا يشرح في باب على حياله بجميع علله إن شاء الله.
و كذلك كل ما كان مثله يرد في التصغير إلى أصله؛ تقول في ليل: لييل، فأما لييلية فلها علة نذكرها في بابها إن شاء الله.
و تقول فيما كان علماً في الأيام كذلك، في تصغير سبت: سبيتٌ، وفي تصغير أحد: أحيد، في الاثنين: ثنيان؛ لأن الألف ألف وصل فهي بمنزلة قولك في ابن: بني، وفي اسم: سمي، وفي الثلاثاء: ثليثاء في قول سيبويه، وفي قولنا: ثليثاء؛ لأنك إنما صغرت ثلاثاً فتسلم الصدر، ثم تأتي بعده بألفي التأنيث، وفي الأربعاء: الأريبعاء، وفي الخميس: الخميس، وفي الجمعة: جميعة.
و كذلك الشهور. تقول في المحرم: محيرم. تحذف إحدى الراءين حتى تصير على مثال جعفر. فإن عوضت قلت: محيريم، وفي صفر: صفير، وفي ربيع: ربيع.
و في جمادى أنت مخير: إن شئت قلت: جميدى وهي أجود، وإن شئت قلت: جميد وتفسيره كتفسير حبارى، وفي رجب: رجيب، وفي شعبان: شعيبان. وكذلك رمضان: رميضان، وفي شوال، شويويل، لأنه فعال مثل حماد، وفي ذي القعدة: ذوي القعدة؛ لأن التصغير إنما يقع على الاسم الأول؛ ألا ترى أنك لو صغرت غلام زيد لقلت: غليم زيد؟ فكذلك هذا وما أشبهه.
و تقول في أسماء الأوقات من الليل والنهار كذلك. تقول في تصغير ساعة: سويعة، وفي غدوة: غدية، وفي بكرة بكيرة وفي ضحوة: ضحية: وفي ضحى ضحي. وكذلك تصغير الضحاء، لأنك تحذف الياء. فيصير مثل تصغير ضحى؛ كما تقول في تحقير عطاء عطيّ. وقد مضى القول في هذا.
و تقول في عشية: عشية. فأما قولهم: عشيشية، وعشيانات. ومغيربان. وأصيلال، وأصيلان، وأصيلانات، ومغيربانات فنذكره في موضعه مع ذكرنا اللييلية، والأنيسيان وما أشبه ذلك مما يخالف تصغيره مكبرة إن شاء الله.
و كل متمكن من أسماء الدهر فتصغيره كتصغير نظائره من سائر الأسماء. فعلى هذا فأجره؛ ألا ترى أنهم قالوا: آتيك بعيدات بينٍ، وأجروه مصغراً على تصغير مثله.
هذا باب
تصغير ما كان من الجمع
اعلم أنك إذا صغرت جمعاً على بناء من أبنية أدنى العدد أقررت اللفظ على حاله. فإن صغرته وهو بناء للكثير رددته إلى أدنى العدد إن كان ذلك فيه. فإن لم يكن فيه أدنى العدد رددته إلى الواحد، وصغرته إن كان مذكراً آدمياً وجمعته بالواو والنون. وإن كان من غيرهم أو مؤنثاً منهم فبالألف والتاء. وقد مضى تفسير هذا. وإنما أعدناه لما بعده.

اعلم أنك إذا سميت رجلاً بجماعة فإنك تصغر ذلك الاسم كما تصغر الواحد. تقول في رجل اسمه أكلب: أكيلب، وكذلك أحمرة تقول فيها: أحيمرة، وفي غلمة: أغيلمة. لا يكون إلا كذلك.
فإن سميته بغلمان أو غربان أو قضبان أو رغفان كان تصغيره كتصغير غلمان ونحوه. تقول: غليمان، وغريبان، وقضيبان ولا تقول: غريبين، كما تقول في سرحان: سريحين؛ لأنك إنما قلت: سريحين لقولك: سراحين؛ لأن سرحاناً واحد في الأصل.
فإن قلت: فأنا أقول: مصير ومصران للجميع ثم أقول في جمع الجمع: مصارين، فكيف أصغر مصراناً؟ فإن مصراناً تصغيره لا يكون إلا مصيراناً، لأنه إنما ألحقته الألف والنون للجمع، فلا تغير علامة الجمع؛ ألا ترى أنه ما كان على أفعال نحو: أبيات: وأجمال، وأقتاب لم تقل فيه إلا أجيمال، وأقيتاب، وأبيات، فإن كان جمعاً لجمع قلت: أبيات وأبابيت؛ كما تقول: أظفار وأظافير ولكن العلة فيما ذكرت لك.
هذا بابما كان على فعلٍ من ذوات الياء والواو
نحو باب وناب ودار وما أشبههاعلم أن هذا الجمع ينقلب ياؤه وواوه ألفاً، لانفتاح ما قبل كل واحدة منهما؛ نحو: دار، وغار، وباب، إلا أن يجيء حرف على أصله لعلة مذكورة في باب التصريف؛ نحو: القود، والصيد، والخونة، والحوكة. فأما مجرى الباب فعلى ما ذكرت لك.
فإن صغرت شيئاً من ذلك أظهرت فيه حرف الأصل، وذلك أن ياء التصغير تقع بعده ساكنة، فلا يجوز أن تسكنه، فتجمع بين ساكنين. فإذا حركته عاد إلى أصله، وذلك قولك في تحقير نار: نويرة، وباب: بويب. يدلك على أن الواو الأصل قولك: أنوار؛ لأنها من النور، وقولك: بوبت له باباً. وكذلك غار. تقول: غوير؛ لأنه من غار يغور.
فأما ناب فتصغيره نييبٌ. فإن قلت: نييب فإن ذلك يجوز في كل ما كان ثانيه ياء في التصغير لأنه من نيبت.
و كذلك غار: تقول فيه: غيير، وغيير؛ لأنه من غيرت ونيبت.
و تقول في تصغير تاج: تويج؛ لأنه من توجت. وكل ما لم أذكره لك فهذا مجراه، وكذلك سائر ما كان على ثلاثة أحرف، تقول في عين: عيينة وعيينة، وفي شيءٍ: شييء، وشيىء، وكذلك كل ما علم أصله من هذا الباب، فإن لم يعلم أصله رد إلى واحده في التكبير أو إلى فعله فإن دليله يظهر، فإن لم يكن مشتقاً نظر هل تقع فيه الإمالة؟ فإن كانت ألفه ممالة فهو من الياء. وإن كانت منتصبة لا يجوز فيها الإمالة فهو من الواو.
و اعلم أن كل حرف كان مكسوراً أو مضموماً بعده ياءٌ أو واو فليس بدليل، لأن الواو الساكنة تقلبها الكسرة ياءً، والياء الساكنة تقلبها الضمة واواً. فمن ذلك قولك: ميزان وميعاد، وميقات. تقول في تحقيره: مويزين، ومويقيت، ومويعيد؛ لأنه من الوقت، والوعد والوزن. فإنما قلبت الواو الكسرة.
و ما كان منقلباً لعلة، ففارقته العلة فارقه ما أحدثته؛ ألا ترى أنك تقول في الجمع: موازين، ومواعيد، ومواقيت؛ كما تقول: وزنت، ووعدت، ووقت؟ و مثل ذلك في الياء موسر، وموقن. لا يكون في التحقير إلا بالياء؛ لأن الواو إنما جاءت بها الضمة؛ لأنها من أيقنت، وأيسرت، وكذلك: مياسير، ومياقين. فإن حقرت قلت: مييسر، ومييقن، تردها الحركة إلى أصلها.
و كذلك ريح. لو حقرتها لقلت: رويحة؛ لأنها من روحت، وإنما انقلبت الواو ياءً للكسرة قبلها، وأنها ساكنة، ألا ترى أنك تقول في الجمع: أرواح. وكذلك ثياب، وحياض تقول في تصغيرهما: أثياب، وأحياض؛ لأنك تردها إلى أقل العدد. وإنما تنقلب الواو ياءً لياء التصغير قبلها. ولولا ياء التصغير لظهرت لمفارقة الكسرة إياها، فكنت قائلاً: أثواب، وأحواض، وأسواط. كما تقول: ثوب.
و حوض، وسوط. وكذلك ديمة تحقيرها دويمة؛ لأنها من دام يدوم. فهذا وجه هذا.
هذا بابما كانت الواو فيه ثالثةً في موضع العين
اعلم أنها إذا كانت ظاهرةً في موضع العين فأنت فيها بالخيار: إن شئت قلبتها لياء التصغير التي تقع قبلها وهو الوجه الجيد فقلت في أسود: أسيد، وفي أحول: أحيل وفي مقود: مقيد. فهذا الأصل.

و أما الملحق فنحو: قسور وجدول، تقول فيهما: قسير، وجديل؛ وذلك أن الياء الساكنة إذا وقعت قبل الواو المتحركة قلبت الواو لها ياء، ثم أدغمت فيها. وقد مضى تفسير هذا. وذلك قولك: ميت، وسيد، وهين. إنما كن في الأصل: ميوتاً، وسيوداً، وهيوناً؛ وكذلك قيام وقيوم، إنما هو قيوام وقيووم، وكذلك أيام، وفيما ذكرنا دليل على ما يرد منه. فإن شئت قلت في هذا أجمع بإظهار الواو، أي في باب أسود، وجدول، وقسور، فقلت: أسيود، وجديول، وقسيور. وإنما جاز ذلك لأن الواو ظاهرة حية، أي متحركة. وهي تظهر في التكسير في قولك: جداول، وقساور. فشبهوا هذا التصغير به والوجه ما ذكرت لك أولاً.
فإن كانت الواو ساكنة، أو كانت مبدلة، لم تظهر في التصغير. فأما الساكنة فنحو واو عجوز، وعمود. لا تقول إلا عجيز وعميد؛ لأن الواو مدة، وليست بأصلية، ولا ملحقة. ألا ترى أنك لو جئت بالفعل من جدول، وقسور لقلت: قسورت، وجدولت، فكانت كالأصل. ولو قلت: ذلك في عجوز لم يجز؛ لأنها ليست بملحقة.
و أما الأصلية المنقلبة فهو مقام، ومقال. لا تقول فيهما إلا مقيم، ومقيل؛ لأنك كنت تختار في الظاهرة المتحركة القلب للياء التي قبلها. فلم يكن في الساكنة والمبدلة إلا ما ذكرت لك.
و اعلم أنه من قال في أسود: أسيود قال في معاوية: معيوية؛ لأن الواو في موضع العين. ومن قال: أسيد على اختيار الوجه الجيد قال: معية فيحذف الياء التي حذفها في تصغير عطاء ونحوه، لاجتماع الياءات.
و من كانت أروى عنده أفعل قال في تصغيره: أرية مثل قولك: أسيد. ومن قال: أسيود قال: أريوية. ومن كانت عنده فعلى لم يقل في أروية: إلا أرية؛ لأن الواو في موضع اللام على هذا القول، وإليه كان يذهب الأخفش، والأول قول سيبويه.
هذا باب

ما كانت الواو منه في موضع اللام
اعلم أنها إذا كانت في موضع اللام فلا سبيل إلى إقرارها على لفظها؛ لأنه كان يختار فيها القلب وهي في موضع العين. فلما صارت في الموضع الذي يعتل فيه ما يصح في موضع العين لم يكن فيها إلا القلب. وذلك قولك في غزو: غزي، وفي جرو: جري، وفي عروة عرية، وفي تقوى: تقيا، وفي عرواء: عرياء يا فتى. لا يكون إلا ذلك.
و من قال في أروية: إنها فعلية قال في أروى: أريا. ليس غير؛ لأن أروى عنده على هذا القول فعلى.
و من جعل أروى أفعل لم يقل إلا أريٌّ فاعلم؛ فيحذف ياء لاجتماع الياءات. ومن قال في أسود: أسيود على المجاز قال: أريو فاعلم. فهذا مجرى هذا الباب.
هذا باب
ما يسمى به من الجماعة
اعلم أنك إذا سميت رجلاً بمساجد، ثم أردت تحقيره قلت: مسيجد، فحذفت الألف الزائدة؛ لأنك لا تصغر شيئاً على خمسة أحرف. فإن عوضت قلت: مسيجيد.
فإن سميت بمفاتيح قلت: مفيتيح، فتحذف الزائدة الثالثة، وتقر الياء؛ لأنها رابعة في الاسم.
فإن سميت قبائل أو رسائل قلت: قبيئل، ورسيئل في قول جميع النحويين إلا يونس ابن حبيب، فإنه كان يقول: قبيل، ورسيل. وذلك رديء في القياس.
أما النحويون فأقروا الهمزة، وحذفوا الألف، لأن الهمزة متحركة والألف ساكنة. والمتحرك حرف حي، وهو في مواضع الملحقة بالأصول؛ ألا ترى أن الهمزة من قبائل في موضع الفاء من عذافر، والألف لا تقع من هذا البناء في موضعها إلا زائدةً. فكانت أحق بالحذف.
و أما يونس فكان يقول: لما كانتا زائدتين كانت التي هي أقرب إلى الطرف أولى بالحذف وليس هذا القول بشيءٍ لما ذكرت لك.
فأما تحقير هذا الضرب وهو الجمع فلا يجوز فيه إلا قبيلات، ورسيلات؛ لأنك إنما حقرت الواحد نحو: قبيلة ورسالة، ثم جمعته جمع أدنى العدد. وقد مضى القول في هذا.
هذا باب
تحقير الأسماء المبهمة
اعلم أن هذه الأسماء مخالفةٌ لغيرها في معناها، وكثيرٍ من لفظها، وقد تقدم قولنا فيها. وإنما نذكر منه بعضاً استغناء بما مضى.
فمن مخالفتها في المعنى وقوعها على كل ما أومأت إليه، وأما مخالفتها في اللفظ فأن يكون الاسم منها على حرفين أحدهما حرف لين: نحو: ذا، وتا.

فإذا صغرت هذه الأسماء خولف بها جهة التصغير، فتركت أوائلها على حالها، وألحقت ياء التصغير لأنها علامة، فلا يعرى لمصغر منها. ولو عري منها لم يكن على التصغير دليل. وألحقت ألفٌ في آخرها تدل على ما كانت تدل عليه الضمة في غير المبهمة؛ ألا ترى أن كل اسم تصغره من غير المبهمة تضم أوله؛ نحو: فليس، ودريهم، ودنينير؟ و ذلك قولك في تصغير ذا: ذيا، فإن ألحقت التنبيه قلت: هاذيا. وفي تصغير ذاك: ذياك، فإن ألحقت التنبيه فقلت: هاذاك قلت: هاذياك.
فإن قال قائل: ما بال ياء التصغير لحقت ثانيةً، وإنما حقها أن تلحق ثالثةً؟ قيل: إنما لحقت ثالثةً، ولكنك حذفت ياء لاجتماع الياءات، فصارت ياء التصغير ثانيةً.
و كان الأصل: ذييا إذا قلت ذا، فالألف بدل من ياء، ولا يكون اسم على حرفين في الأصل فقد ذهبت ياء أخرى.
فإن حقرت ذه أو ذي قلت: تيا. وإنما منعك أن تقول: ذيا كراهة التباس المذكر بالمؤنث، فقلت: تيا؛ لأنك تقول: تا في معنى ذه، وتي. كما تقول: ذي. فصغرت تا لئلا يقع لبسٌ، فاستغنيت به عن تصغير ذه أو ذي على لفظها. قال الشاعر:
و حبرتماني أنما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا هضبةٌ وقليب
و يروى: روضة وكثيب، أي وهذه. وقال عمران بن حطان:
و ليس لعيشنا هذا مهاهٌ ... و ليست دارنا هاتا بدار
فإن حقرت ذاك قلت: ذياك. فإن حقرت ذلك قلت: ذيالك.
و إن حقرت أولئك قلت: أوليائك.
و إن حقرت أولى المقصور قلت: أوليا يا فتى.
و إن حقرت هؤلاء الممدود قلت: هاؤليائك.
و إن حقرت هؤلاء المقصور قلت: هاؤليا يا فتى.
و إنما زدت الألف قبل آخرها لئلا يتحول الممدود عن لفظه فقلبوا لذلك. وكان حقيقتها هؤلييا؛ لأن ألاء في وزن غراب. وتحقير غراب غرنب. وتحقير أولى لو كان غير مبهم أوليٌّ فاعلم. فإن زدت الألف أولياء.
و تقول في تحقير الذي: اللذيا، وفي تحقير التي: التيا. قال الشاعر:
بعد اللتيا واللتيا والتي ... إذا علتها أنفسٌ تردت
و لو حقرت اللاتي لقلت في قول سيبويه: اللتيات. تصغر التي، وتجمعها؛ كما تفعل بالجمع من غير المبهم الذي يحقر واحده.
و كان الأخفش يقول: اللويا؛ لأنه ليس جمع التي على لفظها، فإنما هو اسم للجمع؛ كقولك: قوم ونفرٌ، وهذا هو القياس.
و اعلم أنك إذا ثنيت أو جمعت شيئاً من هذه الأسماء لم تلحقه ألفاً في آخره؛ من أجل الزيادة التي لحقته، وذلك قولك في تصغير اللذان: اللذيان، وفي الذين: اللذيين. ومن قال: اللذون قال: اللذيون.
و كان الأخفش يقول: اللذيين. يذهب إلى أن الزيادة كانت في الواحد، ثم ذهبت لما جاءت ياء الجمع لالتقاء الساكنين، فيجعله بمنزلة مصطفين. وليس هذا القول بمرضي؛ لأن زيادة التثنية والجمع ملحقة.
و اعلم أن من وما، وأيا لا يحقرن؛ كما لا تحقر الحروف التي دخلن عليها. وكذلك كم، وكيف، وأين لا يحقرن لما ذكرت لك، وكذلك متى، وهن كلهن أسماء.
و كلٌّ لا يحقر؛ لأنه عموم فليس للتحقير فيه معنى؛ لأن كلاًّ إنما أكثر به. وكذلك كلا. وكل ما كان من هذا النحو مما لم نذكره فهذه سبيله، فأجره على هذا الباب.
هذا باب

أسماء الجمع التي ليس لها واحد من لفظها
اعلم أن مجراها في التحقير مجرى الواحد؛ لأنها وضعت أسماء، كل اسم منها لجماعة، كما أنك إذا قلت: جماعة فإنما هو اسم مفرد وإن كان المسمى به جمعاً.
و كذلك لو سميت رجلاً بمسلمين لكان اسماً مجموعاً وإن وقع على واحد. كما قالوا: كلاب بن ربيعة، والضباب بن كلاب، وكذلك أنمار، وكذلك يحابر: إنما هو جمع اليحبور وهو طائر.
و تلك الأسماء: نفر، وقوم، ورهط، وبشر. تقول: بشير، وقويم، ورهيط.
فإن كان اسماً لجمع غير الآدميين لم يكن إلا مؤنثاً؛ وقد مضت العلة في ذلك. وذلك قولك: غنم، وإبل. تقول: غنيمة، وأبيلة، وكذلك نسوة، تقول: نسية؛ لأن نسوة من امرأة بمنزلة نفر من رجل. فعلى هذا فأجر هذا الباب.
هذا باب
التصغير الذي يسميه النحويون
تصغير الترخيم

و هو أن تصغر الاسم على حذف الزوائد التي فيه. فإن لم تكن فيه زائدة صغرته بكماله؛ وذلك قولك في حارث: حريث، وفي محمد: حميد، وكذلك أحمد، وفي تصغير سرحوب. سريحب؛ لأن الواو فيه زائدة. وكذلك لو حقرت عجوزاً لقلت: عجيزة؛ لأنك إذا حذفت الواو بقيت على ثلاثة أحرف فسميت بها المؤنث، والمؤنث إذا كان اسماً علماً على ثلاثة أحرف لحقته الهاء في التصغير كما ذكرت لك. وذلك قولك في هند: هنيدة، وفي شمس: شميسة.
فإن لم تسم بعجوز، وتركتها نعتاً قلت: عجيز. كما تقول في خلق إذا نعت به المؤنث: خليق.
تم التصغير
هذا بابالحروف التي تكون استفهاماً وخبراً
وسنذكرها مفسرةً في أبوابها إن شاء الله
هذا بابأي مضافةً ومفردةً في الاستفهام
اعلم أن أيّاً تقع على شيء هي بعضه، لا تكون إلا على ذلك في الاستفهام. وذلك قولك: أي إخوتك زيدٌ؟ فقد علمت أن زيداً أحدها، ولم تدر أيهما هو. وتقول: أي زيدٍ أحسن؟ فيكون الجواب: رأسه أم رجله أم يده، وما أشبه ذلك.
و اعلم أن كل ما وقعت عليه أي فتفسيره بألف الاستفهام وأم، لا تكون إلا على ذلك؛ لأنك إذا قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ فعبارته: أيهما في الدار؟ ولو قلت: هل زيد منطلق؟ أو: من زيدٌ؟ أو: ما زيدٌ؟ لم يكن لأي هاهنا مدخل؛ ف أيٌّ واقعة على كل جماعة مما كانت إذا كانت أيٌّ بعضاً لها.
و اعلم أن حروف الاستفهام مختلفة المعاني، مستوية في المسألة. وسنذكر من مسائل أي ما يوضح لك جملته إن شاء الله.
تقول: أي أصحابك زيدٌ ضربه؟، فالتقدير: أي أصحابك واحد ضربه زيد؟؛ لأن قولك: زيد ضربه في موضع النعت. وإن شئت كان قولك: زيد ضربه خبراً لأي، وهو أوضح وأحسن في العربية.
و لو قلت: أي الرجلين هندٌ ضاربها أبوها، لم يكن كلاماً؛ لأن أيّاً ابتداءٌ ولم تأت له بخبر.
فإن قلت: هند ضاربها أبوها في موضع خبره لم يجز؛ لأن الخبر إذا كان غير الابتداء فلا بد من راجع إليه.
و لو قلت: أي من في الدار إن يأتيا نأته، كان جيد. كأنك قلت: أي القوم إن يأتنا نأته؛ لأن من تكون جمعاً على لفظ الواحد وكذلك الاثنان. قال الله عز وجل: " و منهم من يستمع إليك " وقال: " و منهم من يستمعون إليك " وقال: " و منهم من يؤمن به " فحمل على اللفظ. وقال: " بلى من أسلم وجهه لله وهو محسنٌ فله أجره عند ربه ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون " فحمل مرة على اللفظ، ومرة على المعنى. وقال الشاعر، فحمل على المعنى:
تعش، فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
فهذا مجاز هذه الحروف.
فأما من فإنه لا يعنى بها في خبرٍ ولا استفهام ولا جزاءٍ إلا ما يعقل. لا تقول في جواب من عندك؟: فرسٌ ولا متاع، إنما تقول: زيدٌ أو هند. قال الله عز وجل: " فمن كان يرجو لقاء ربه " وقال عز وجل يعني الملائكة: " و من عنده لا يستكبرون عن عبادته " وقال جل اسمه: " أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض " .
فأما ما فتكون لذوات غير الآدميين، ولنعوت الآدميين. إذا قال: ما عندك؟ قلت: فرسٌ، أو بعيرٌ، أو متاع أو نحو ذلك. ولا يكون جوابه زيدٌ ولا عمرو. ولكن يجوز أن يقول: ما زيدٌ؟ فتقول: طويلٌ أو قصير أو عاقل أو جاهل.
فإن جعلت الصفة في موضع الموصوف على العموم جاز أن تقع على ما يعقل.
و من كلام العرب: سبحان ما سبح الرعد بحمده، وسبحان ما سخركن لنا.
و قال عز وجل: " و السماء وما بناها " . فقال قوم: معناه: ومن بناها. وقال آخرون: إنما هو: والسماء وبنائها. كما تقول: بلغني ما صنعت، أي صنيعك؛ لأن ما إذا وصلت بالفعل كانت مصدراً.
و كذلك قوله عز وجل: " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " قال قوم: معناه: أو ملك أيمانهم. وقال آخرون: بل هو: أو من.
فأما أي والذي فعامتان، تقعان على كل شيءٍ على ما شرحته لك في أي خاصةً.
هذا باب مسائل أي في الاستفهام تقول: أي من إن يأتنا يأته عبد الله. فالتقدير: أي الذين إن يأتونا يأتهم عبد الله.

و لو قلت: أي من إن يأت زيداً قائماً يوم الجمعة أخوك لم يجز؛ لأنك لم تأت للجزاء بجواب. ولكن لو قلت: أي من إن يأته من إن يأتنا نعطه يأت صاحبك كان الكلام جيداً، وكانت أي مرفوعةً بالابتداء. وتأويل هذا: أي الذين إن يأتهم من يأتنا نعطه يأت صاحبك. فقولك: يأت جواب الجزاء الأول، وصاحبك؛ خبر الابتداء. وتقدير هذا بلا صلة: أي الذين إن يأتهم زيد يأت صاحبك؛ لأن من الثانية وصلتها في موضع زيد.
و لو قلت: أي من إن يأته من إن يأتك تأته تكرمه نأتي كان إعراب أي النصب، وكان التقدير: أيهم نأتي.
و اعلم أن أيا مضافةً ومفردةً في الاستغناء والاحتياج إلى الصلة سواء؛ لأن المعنى واحد؛ كما أن زيداً وزيد مناةٍ سواء في الاحتياج والاستغناء؛ لأن المعنى التسمية والإبانة عن الشخوص.
و لو قلت: أي الثلاثة صاحباك كان جيداً؛ لأن المعنى: أزيد وعمرو؟ أم عمر وخالد. أم زيد وخالد؟.
و لو قلت: أي الثلاثة ضرباها كان فاسداً، لأنك إذا قلت: ضرباً لم يصلح أن يوصل فعلهما إلا إلى واحد، وإلا زدت في العدد.
و لو قلت: أي الثلاثة ضربا عمراً؟ وعمرو غير الثلاثة لم يكن في إجازته شكٍّ. فإن كان عمرو أحد الثلاثة لم يجز. وذاك إن كنت تعرف عمراً؛ لأنه قد خرج من المسألة. فإنما ينبغي أن تقول: أي الرجلين؟ فإن كنت لا تعرف عمراً، إلا أنك تعلم أنه من الثلاثة فالقصة فيه كالقصة فيما قبله؛ لأنك إنما تسأل عن أحد اثنين، وتحتاج إلى أن تعرف عمراً.
و لو قلت: أي الثلاثة أحدهما عمرو؟ كان عند بعض النحويين جائزاً، وليس يجوز عندي لما أشرحه لك؛ وذلك أنك إذا قلت: أي الرجال أحدهما عمرو، والرجال زيدٌ وعمرو وخالد فكأنك قلت: أهذا وهذا؟ تعني زيداً وخالداً، أم هذا وهذا؟ تعني عمراً وخالداً. فليس في هذا بيان لتخليص خالدٍ إذا كان مع عمرو من زيدٍ؛ لأن قصتهما فيه واحدة، ولا فيه دليل على عمرو بعينه. وليس معنى أي إلا التبيين، ولا تبيين في هذا.
و من أجازه قال: قد وقع فيه ضربٌ من التبيين؛ لأنا نعلم أن الثالث المخلف ليس بعمرو. فيقال له: أي إنما خبرها هو المطلوب تفسيره، والذي بينت أنه ليس بعمرو ليس منهما.
و تقول: أي إخوانك زيدٌ عمرو خالدٌ يكلمه فيه عنده؟ كما تقول: أخوك زيد عمرو خالد يكلمه فيه عنده، لأنه ابتداءٌ بعد ابتداءٍ.
و لو قلت: أي الذين في الدار هندٌ ضاربتهم؟ جاز أن تكون اقتطعت بأي جماعة من جماعة والوجه ضاربته. وليس الحمل على المعنى ببعيد، بل هو وجهٌ جيد. قال الله عز وجل: " و كلٌّ أتوه داخرين " وقال: " و كلهم آتيه يوم القيامة فرداً " فهذا على اللفظ، والأول على المعنى.
و لو قلت: أي من في الدار يكرمك؟ كان جيداً؛ لأن المعنى: أي القوم يكرمك؟ و لو قلت: أي من في الدار يكرمك تكرمه، فإن شئت جعلت يكرمك الأولى من الصلة، فكان المعنى: أي من يكرمك في الدار، فيكون الإكرام وقع لك في الدار. وإن شئت كان في الصلة، وإن شئت أخرجته من الصلة، وجعلته خبراً، وجعلت تكرمه حالاً. هذا في الرفع وإن شئت جزمتهما، وإن شئت جعلت أي جزاء، وإن شئت رفعت الأول، وجزمت الثاني، وجعلت أياً استفهاماً. فأما من في هذا الموضع فهي بمنزلة الذي، وفي الدار صلتها. فكأنك قلت: أي القوم تكرمه يكرمك إذا كان جزاءً، وتكرمه يكرمك إذا كانت استفهاماً.
و تقول: أياً تضرب؟ وتقول: أيٌّ تضربه؟، كما تقول: زيدٌ تضربه.
فإن قال قائل: فما بال النصب لا يختار هاهنا كقولك: أزيداً تضربه؟ لأنه استفهام.
فإن الجواب في ذلك: أن أياً هي الاسم، وهي حرف الاستفهام، فلا يكون قبلها ضمير. وذلك قولك: أزيداً ضربته، إنما أوقعت الضمير بعد ألف الاستفهام، فنصبت زيداً.
و لكن لو اجتمع بعدها اسم وفعل كان المختار فيها تقديم الفعل. فإن قدمت الاسم كان على فعل مضمر. وذلك قولك: أيهم أخاه تضربه. ولو قلت: أيهم يضرب أخاه كان على قولك: زيداً تضربه.
و لو قلت: أيهم زيداً ضاربه إذا كان زيد مفعولاً كان النصب في زيد الوجه إذا لم يكن ضارب في معنى الماضي.
فإن رفعت على قول من قال: أزيدٌ أنت ضاربه قلت: أيهم زيد ضاربه هو. وإن شئت جعلته ضاربه خبراً لزيد فكان هو إظهار الفاعل، لأن الفعل جرى على غير صاحبه. وإن شئت جعلت هو مقدماً ومؤخراً على قولك: هو ضاربه أو ضاربه هو كان حسناً جميلاً.

و تقول: أيهم أمة الله المتكلم فيها هو. لا يكون في أمة الله إلا الرفع، لأن الفعل في الصلة، فلا يجوز أن تضمر إلا على جهة ما ظهر.
و تقول: أي يومٍ سار زيدٌ إلى عمرو؟ كأنك قلت: أيوم الجمعة سار زيد إلى عمرو؟ فإن قلت: أي يوم سار فيه زيد إلى عمرو رفعت، إلا في قول من قال: يوم الجمعة سرت فيه.
و تقول: أي أصحابك من إن يأتنا من يضربه أخوه يكرمه؛ لأنك جعلت الجزاء خبراً عن أي.
و لو قلت: أي من يأتني آته كان محالاً؛ لأنك إذا أضفت أياً إلى من لم تكن من إلا بمنزلة الذي. فإن قلت: أجعل أياً استفهاماً، وأجعل من جزاءً فقد أحلت؛ لأنك إذا أضفت إلى الجزاء اسماً دخله الجزاء؛ ألا ترى أنك تقول: غلام من يأتك تأته، فيصير الجزاء للغلام صلة.
فإن قلت: فأجعل أياً بمنزلة غلام. قيل: لا يكون كذلك إلا أن توصل؛ لأنها إذا لم تكن جزاءً أو استفهاماً لم تكن إلا موصولة.
فإن قلت: أجعلها استفهاماً. قيل: قد أحلت؛ لأنك قد جعلتها جزاءً واستفهاماً في حال، ومتى كانت في أحدهما بطل الآخر.
فإن قلت: أرفع فأقول: أي من يأتني آتيه؟ فذلك جيد؛ لأنك جعلت يأتيني صلةً، وآتيه خبراً، وأياً استفهاماً. فكأنك قلت: أي القوم آتيه. ولو فصلت أيا من من لجاز فقلت: أيٌّ من يأتيني آته؛ فكانت أي استفهاماً، ومن للجزاء.
و كذلك لو قلت: من من يأتنا نكرمه؟ لكان جيداً. تجعل الهاء في نكرمه راجعة إلى من الأولى، فيكون التقدير: من الرجل الذي من أتانا من الناس أتيناه؟ هذا باب
أي إذا كنت مستفهماً مستثبتاً
إذا قال لك رجل: رأيت رجلاً قلت أياً؟ وذلك أنك أردت أن تحكي كلامه.
فإن قال: جاءني رجل. قلت: أي؟ موقوفة. فإن وصلت قلت: أي يا فتى؟ لأنها مرفوعة كالذي استفهمت عنه.
فإن قال: مررت برجل. قلت في الوقف: أي؟ موقوف. كما تقول في المخفوض: مررت بزيد. فإن وصلت قلت: أيٍّ؟ يا فتى؟ فإن قال: جاءتني امرأة قلت: أية؟ فإن وصلت قلت: أيةٌ يا فتى؟ و كذلك النصب والخفض. تنصب إذا نصب، وتخفض إذا خفض حكايةً لقوله، وتقف بلا حركة ولا تنوين.
فإن ثنى فقال: جاءني رجلان قلت: أيان؟.
فإن قال: رأيت رجلين أو مررت برجلين قلت: أيين؟ على حكاية كلامه.
و إن قال: جاءتني امرأتان قلت: أيتان؟. وفي النصب والخفض: أيتين؟ وتكسر النون في الوصل، لأنها نون الاثنين.
فإن قال: جاءني رجال قلت: أيون؟. فإن وصلت فتحت النون.
و إن قال: مررت برجال أو رأيت رجالاً قلت أيين؟.
و إن قال: جاءني نساء قلت: أيات؟. فإن وصلت قلت: أياتٌ يا فتى؟ و إن قال: مررت بنساءٍ أو رأيت نساءً قلت: أياتٍ يا فتى؟ إذا وصلت، فإن وقفت فبغير حركة ولا تنوين. على ما وصفت لك.
و إن شئت قلت في جميع هذا، ذكراً كان أو أنثى، جمعاً كان أو واحداً، أيٌّ يا فتى إذا كان مرفوعاً، وأياً، وأيٍّ، إذا كان منصوباً أو مخفوضاً؛ لأن أياً يجوز أن تقع للجماعة على لفظ واحد، وللمؤنث على لفظ المذكر، وكذلك التثنية؛ لأنها بمنزلة من وما؛ لأنهما في جميع ما وقعتا عليه على لفظ واحد.
و إنما جاز في أي التثنية والجمع دون أخواتها؛ لأنها تضاف، وتفرد، ويلحقها التنوين بدلاً من الإضافة؛ فلذلك خالفت أخواتها.
و إن شئت تركت الحكاية في جميع هذا، واستأنفت. فرفعت على الابتداء والخبر، فقلت: أيٌّ يا فتى؟ لأنك لو أظهرت الخبر لم تكن أي إلا مرفوعة؛ نحو قولك: أي من ذكرت، وأي هؤلاء؟.
هذا باب أي إذا كنت مستثبتاً بها عن معرفة إذا قال رجل: رأيت عبد الله. فإن الاستفهام أيٌّ عبد الله؟ لا يكون إلا ذلك؛ لأن أياً ابتداء، وعبد الله خبره.
و لو قلت: أيٌّ يا فتى لم يكن إلا للنكرة؛ لأنك جعلتها شائعة، إذا لم تخصص بها اسماً.
و لو قال قائل: أيٌّ يا فتى؟ على أنه أراد أن عبد الله هذا ممن ينكره فهو عنده شائع بمنزلة رجل لجاز. وليس بالوجه. فأما من عبد الله ونحوه، فبابه ظاهر.
و إذا قلت: رأيت أخويك فإن الوجه أن يقول: أيٌّ أخواك؟ على اللفظ أو المعنى؛ والحمل على المعنى حسنٌ. وهو الذي يختاره من بعد سيبويه أن يقول: من أخواي؟ لأنه قد فهم القصة فعنها يجيب، وكذلك رأيت الرجل، ومررت بالرجل.
فإن قال: رأيت الرجلين أو أخويك فقلت: أيان الرجلان، وأيان أخواي؟ فهذا الذي يختاره النحويون.

و الإفراد في أي الذي بدأنا به حسن؛ لما ذكرنا في الباب الذي قبله.
و لو قلت: رأيت الرجال، أو مررت بالرجال، أو جاءني الرجال لقلت: أيون الرجال؟ وأي الرجال؟ على ما وصفت لك.
و اعلم أنه إذا ذكر شيء من غير الآدميين وقعت عليه أي كما تقع على الآدميين؛ لأنها عامة، وليست ك من.
و ذلك أنه لو قال: ركبت حماراً لكان الجواب: أياً؟ أو قال: مررت بحمار لقلت: أيٍّ يا فتى؟. فإن وقفت قلت: أي، على ما شرحت لك.
و إن قال: هذا الحمار قلت: أيٌّ الحمار؟ كما كنت قائلاً في الآدميين.
هذا بابمن إذا كنت مستفهماً بها عن نكرة
إذا قال لك رجل: رأيت رجلاً، فإن الجواب أن تقول: منا؟. أو قال: جاءني رجل، فإنك تقول: منو؟. أو قال: مررت برجل، قلت: مني؟ وليست هذه الواو والياء والألف اللواحق في من إعراباً، ولكنهن لحقن في الوقف للحكاية. فهن دليل، ولسن بإعراب.
فإن قال: جاءني رجلان، قلت: منان؟. وإن قال: مررت برجلين أو رأيت رجلين، قلت: منين؟ وإن قال: رأيت امرأةً أو هذه امرأةٌ أو مررت بامرأةٍ قلت: منه؟.
فإن قال: جاءتني امرأتان. قلت: منتان؟. تسكن النون، كما كانت في من ساكنة. وإنما حركتها فيما قبل من أجل ما بعدها؛ لأن هاء التأنيث لا تقع إلا بعد حرف متحرك، وكذلك حروف التثنية، أعني: الياء، والألف لسكونهما.
فأما قولك: منو، ومني فإنما حركت معها النون لعلتين.
إحداهما: قولك في النصب، منا؛ لأن الألف لا تقع إلا بعد مفتوح. فلما حركت في النصب حركت في الخفض والرفع؛ ليكون المجرى واحداً.
و العلة الأخرى: أن الياء والواو خفيتان. فإن جعلت قبل كل واحدة منهما الحركة التي هي منها ظهرتا، وتبينتا.
فإن قال لك: جاءني رجال قلت: منون؟.
و إن قال: مررت برجال، أو رأيت رجالاً قلت: منين؟.
و إن قال: رأيت نساءً، أو مررت بنساءٍ، أو جاءتني نساء قلت: منات؟.
فإن وصلت قلت في جميع هذا: من يا فتى؟ لأنها الأصل، وإنما ألحقت تلك الدلائل في الوقف، فصرن بمنزلة ما يلحق في الوقف مما لا يثبت في الوصل.
فأما الوصل فليس فيه إلا ما ذكرت لك؟ لأن من في النصب والرفع، والخفض، والمؤنث، والمذكر والتثنية، والجمع على لفظٍ واحد. تقول: رأيت من في الدار، وجاءني من في الدار. وقد شرحنا العلة في ذلك.
فإن اضطر شاعر جاز أن يصل بالعلامة. وليس ذلك بحسن. قال الشاعر:
أتوا ناري فقلت: منون أنتم؟ ... فقالوا: الجن. قلت: عموا ظلاما
و لو قال قائل إذا قيل له: جاءني رجال منو؟ وإن قيل له: رأيت رجالاً قال: منا؟ أو مررت برجال فقال: مني؟ يلحق العلامة، ولا يثنى؟ من ولا يجمعها كان جائزاً. والأكثر ما بدأنا به. وقياس من فيها ما ذكرت لك ما تقدم شرحه من أنها مفردة تقع للجميع وللإثنين وغير ذلك، ولا تظهر فيها علامة.
هذا باب من إذا كنت مسترشداً بها عن إثبات معرفة إذا قال لك رجل: جاءني عبد الله فإن السؤال إذا كنت تعرف جماعة كلهم عبد الله: من عبد الله؟.
و إذا قال: رأيت عبد الله قلت: من عبد الله؟ و إن قال: مررت بعبد الله قلت: من عبد الله؟ فهذا سبيل كل اسم علمٍ مستفهم عنه أن تحكيه كما قال المخبر.
و لو قلت: في جميع هذا: من عبد الله؟. كان حسناً جيداً. وإنما حكيت، ليعلم السامع أنك تسأله عن هذا الذي ذكر بعينه، ولم تبتدئ السؤال عن آخر له مثل اسمه. والدليل على ذلك أنك لو قلت: ومن أو فمن لم يكن ما بعدهما إلا رفعاً؛ لأنك عطفت على كلامه، فاستغنيت عن الحكاية؛ لأن العطف لا يكون مبتدءً.
فإن قال: رأيت أخاك، أو مررت بأخيك كان الاستفهام: من أخوك، أو: من أخي؟ ولا تحكى؛ لأن الحكاية إنما تصلح في الأسماء الأعلام خاصةً، لما أذكره لك من أنها على غير منهاج سائر الأسماء.
و كذلك إن قال: رأيت الرجل يا فتى فقلت: من الرجل؟ و كان يونس يجري الحكاية في جميع المعارف. ويرى بابها وباب الأعلام واحداً.
و قد يجوز ما قال، وليس بالوجه. وإنما هو على قول من قيل له: عندي تمرتان فقال: دعني من تمرتان. وقيل له: رأيت قرشياً فقال: ليس بقرشياً.
فهذا جائز وليس هو على الباب. إنما تحكى الجمل؛ نحو: قلت: زيدٌ منطلقٌ؛ لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض. وكذلك قرأت: الحمد لله رب العالمين، ورأيت على خاتمه: الله أكبر.

و لا يصلح أن تقول إذا قلت: رأيت زيداً، ولقيت أخاك:؟ لأن ذلك إنما هو سؤال شائع في النكرة.
و الكنى التي هي أعلام بمنزلة الأسماء. فهذا جملة هذا الباب.
و تثنية الأعلام وجمعها يردها إلى النكرة، فتعرف بالألف واللام. فتصير بمنزلة رجل، والرجل؛ نحو: رأيت زيدين، ورأيت الزيدين إلا ما كان مضافاً إلى معرفة، فإن تعريفه بالإضافة؛ فتعريفه باق؛ لأن الذي أضيف إليه باقٍ، وقد ذكرنا هذا في باب المعرفة والنكرة.
و لو قال رجل في جميع الجواب عن من رفعاً تكلم به المتكلم أو نصباً أو خفضاً فقال المجيب: من عبد الله؟ على الابتداء والخبر، كان جيداً بالغاً، وهو الذي يختاره سيبويه. كما كان ذلك في أي وهو قول بني تميم، وهو أقيس.
هذا باب من إذا أردت أن يضاف لك الذي تسأل عنه اعلم أن رجلاً لو قال: رأيت زيداً، فلم تدر أي الزيود هو؟ لكان الجواب على كلامه أن تبتدئ فتقول: القرشي أم الثقفي أم الطويل أم القصير؟.
و كذلك يرد عليك الجواب فيقول: القصير يا فتى ونحو ذلك. لأن الكلام يرجع إلى أوله. ألا ترى لو أن قائلاً قال: كيف أصبحت، أو كيف كنت؟ لكان الجواب أن تقول: صالحاً؛ لأن كيف في موضع الخبر. كأنه قال: أصالحاً أصبحت أم طالحاً؟ فأجبته على مقدار ذلك.
و لو قلت: صالحٌ ونحوه لجاز، تدع كلامه، وتبتدئ كأنك قلت: أنا صالح. وكذلك يجوز: القرشي أم الثقفي؟ تركت كلامه، وابتدأت فقلت: أهذا الذي ذكرت زيد القرشي أم زيد الثقفي.
و كذلك لو قال لك: القرشي على هو لكان جائزاً حسناً، لأنه غير خارج من المعنى.
هذا باب

الصفة التي تجعل وما قبلها بمنزلة شيء واحد
فيحذف التنوين من الموصوف
و ذلك قولك: هذا زيد بن عبد الله، وهذا عمرو بن زيد. والكنية كالاسم. تقول: هذا أبو عمرو بن العلاء يا فتى، وهذا زيد بن أبي زيد. فهذا الباب والوجه.
فأما أكثر النحويين فيذهبون إلى أن التنوين إنما حذف لالتقاء الساكنين، وكان في هذا لازماً؛ لأنهما بمنزلة شيءٍ واحد.
فإن كان في غير هذا الموضع فالمختار والوجه في التنوين التحريك لالتقاء الساكنين؛ لأن الحذف إنما يكون في حروف المد واللين خاصةً. وإنما جاز في التنوين لمضارعته إياها. وأنه يقع كثيراً بدلاً منها، وتزاد في الموضع الذي تزاد فيه. لا تنفك من ذلك. فلما أشبهها وجرى معها أجري مجراها معها في اضطرار الشاعر وفيما ذكرت من هذا الاسم والصفة.
فأما ما جاء من هذا في الشعر فقوله:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... و رجال مكة مسنتون عجاف
و قال الآخر:
حميد الذي أمجٌ داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
و ينشد بيت أبي الأسود:
فألفيته غير مستعتبٍ ... و لا ذاكر الله إلا قليلا
على أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين.
و قرأ بعض القراء " قل هو الله أحد الله الصمد " وأما الوجه فإثبات التنوين وإنما هذا مجاز.
فمن ذهب إلى أن حذف التنوين لالتقاء الساكنين قال: هذه هندٌ بنت عبد الله فيمن صرف هنداً؛ لأنه لم يلتق ساكنان فكان أبو عمرو بن العلاء يذهب إلى أن الحذف جائز، لأنهما بمنزلة اسم واحد لالتقاء الساكنين، ويحتج بما ذكرته لك في النداء من قولهم: يا زيد بن عبد الله، وقال: هذا هو بمنزلة قولك: هذا امرؤ، ومررت بامرئ، ورأيت امرأ. تكون زيد بن عبد الله، ومررت بزيد بن عبد الله، ورأيت بن عبد الله. فيقول: هذه هند بنت عبد الله فيمن صرف هنداً.
و اعلم أن الشاعر إذا اضطر رده إلى حكم النعت والمنعوت فقال: هذا زيدٌ بن عبد الله؛ لأنه وقف على زيدٍ، ثم نعته. وهذا في الكلام عندنا جائز حسن. فمن ذلك قوله:
جاريةٌ من قيسٍ ابن ثعلبه
فإن كان الثاني غير نعت لم يكن في الأول إلا التنوين. تقول: رأيت زيداً ابن عمرو؛ لأنك وقفت على زيد، ثم أبدلت منه ما بعده.
و لو قلت: هذا زيدٌ ابن أخيك لم يكن في زيد إلا التنوين؛ لأن قولك: ابن أخيك ليس بعلم، ولأنك إنما تحذف التنوين من العلم إذا كان منسوباً إلى علم مثله. وكذلك: هذا رجلٌ ابن رجلٍ نعرفه، وهذا زيدٌ ابن زيدك؛ لأنك جعلت زيداً الثاني نكرة، ثم عرفته بالإضافة.
و لو قلت: هذا زيدٌ بني عمرو لم يكن إلا التنوين؛ لأنه ليس مما كثر، فحذف، ولا التقى ساكنان.

و لو قلت: هذا زيدٌ ابن أبي عمرو، وأبو عمرو غير كنية، ولكنك أردت أن أباه أبو آخر يقال له عمرو لم يكن في زيد إلا التنوين، إلا في قول من قرأ " قل هو الله أحد الله الصمد " وقد مضى تفسيره. ومن قال بالبدل قال: يا زيد ابن عبد الله؛ لأنه دعا زيداً، ثم أبدل منه. فهذا كقوله: يا زيد أخا عبد الله. فعلى هذا يجري هذا الباب.
فأما القراءة فعلى ضربين: قرأ قوم وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله؛ لأنه ابتداء وخبر، فلا يكون في عزير إلا التنوين.
و من قرأ عزير ابن الله فإنما أراد خبر ابتداء كأنهم قالوا: هو عزير بن الله، ونحو هذا مما يضمر. ويكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين وهو يريد الابتداء والخبر. فيصير كقولك: زيد الذي في الدار. فهذا وجه ضعيف جداً؛ لأن حق التنوين أن يحرك لالتقاء الساكنين إلا أن يضطر شاعر على ما ذكرت لك فيكون كقوله:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... و رجال مكة مسنتون عجاف
هذا باب

ما يلحق الاسم والفعل وغيرهما
مما يكون آخر الكلام في الاستفهام
إذا أردت علامة الإنكار لأن يكون الأمر على ما ذكر أو على خلاف ما ذكر.
و هي واو تلحق المرفوع والمضموم، وياء تلحق المخفوض والمكسور، وألفٌ تلحق المفتوح والمنصوب، وتلحقها بعد كل حرف من هذه الحروف؛ لأن حروف اللين خفية. فإنما تلحق الهاء لتوضح الحرف، كما تلحق في الندبة ونحوها.
وجد هذا الباب هكذا وهو ترجمة باب لم نذكر شرحه والباب معروف في كتاب سيبويه وكذا وقع هذا.
هذا باب
القسم
اعلم أن للقسم أدواتٍ توصل الحلف إلى المقسم به؛ لأن الحلف مضمر مطرحٌ لعلم السامع به؛ كما كان قولك: يا عبد الله محذوفاً منه الفعل لما ذكرت لك.
و كذلك كل مستغنىً عنه فإن شئت أظهرت الفعل؛ كما أنك تقول: يا زيد عمراً، أي: عليك عمراً: وتقول: الطريق يا فتى، أي ظل الطريق، وترى الرامي قد رمى، فنسمع صوتاً فتقول: القرطاس والله، أي: أصبت.
و إن شئت قلت: خل الطريق، ويا زيد عليك عمراً، وأصبت القرطاس يا فتى.
و كذلك قوله عز وجل: " بل ملة إبراهيم " إنما هو: اتبعوا؛ وذلك لأنه جواب قوله: " كونوا هوداً أو نصارى " .
فهكذا القسم في إضمار الفعل وإظهاره. وذلك قوله: أحلف بالله لأفعلن. وإن شئت قلت: بالله لأفعلن. والباء موصلة؛ كما كانت موصلة في قولك: مررت بزيد. فهي والواو تدخلان على كل مقسم به؛ لأن الواو في معنى الباء؛ وإنما جعلت مكان الباء، والباء هي الأصل؛ كما كان في مررت بزيد، وضربت بالسيف يا فتى؛ لأن الواو من مخرج الباء، ومخرجهما جميعاً من الشفة، فلذلك أبدلت منها؛ كما أبدلت من رب في قوله:
و بلدٍ ليس به أنيس
لأنها لما أبدلت من الباء دخلت على رب لما أشرحه لك في بابها؛ كما تدخل الإضافة بعضها على بعض. فمن ذلك قوله عز وجل: " يحفظونه من أمر الله " أي: بأمر الله. وقال: " و لأصلبنكم في جذوع النخل " أي: على. وقال: " أم لهم سلمٌ يستمعون فيه " أي: يستمعون عليه. وقال الشاعر:
هم صلبوا العبدي في جذع نخلةٍ ... فلا عطست شيبان إلا بأجذعا
و قال الآخر:
إذا رضيت على بنو قشيرٍ ... لعمر الله أعجبني رضاها
أي عني. وقال الآخر:
غدت من عليه تنفض الطل بعد ما ... رأت حاجب الشمس استوى فترفعا
و سنفرد باباً لما يصلح فيه الإبدال وما يمتنع عنه إن شاء الله.
تقول والله لأفعلن، وتالله لأفعلن وتبدل التاء من الواو، ولا تدخل من المقسم به إلا في الله وحده. وذلك قوله " و تالله لأكيدن أصنامكم " ؛ وإنما امتنعت من الدخول في جميع ما دخلت فيه الباء، والواو؛ لأنها لم تدخل على الباء التي هي الأصل، وإنما دخلت على الواو الداخلة على الباء؛ فلذلك لم تتصرف.
فأما إبدالها من الواو فنحن نذكره مفسراً في التصريف. ألا ترى أنك تقول: هذا أتقى من هذا، والأصل أوقى، لأنه من وقيت. وكذلك تراث. إنما هو وراث، لأنه من ورثت. وتجاهٌ فعال من الوجه. وكذلك تخمة من الوخامة. وهذا أكثر من أن يحصى أو يؤتى بجميعه، ونحن نستقصي شرحه في باب التصريف إن شاء الله.

و اعلم أنك إذا حذفت حروف الإضافة من المقسم به نصبته؛ لأن الفعل يصل فيعمل، فتقول: الله لأفعلن؛ لأنك أردت أحلف الله لأفعلن. وكذلك كل خافض في موضع نصب إذا حذفته وصل الفعل، فعمل فيما بعده؛ كما قال الله عز وجل: " و اختار موسى قومه سبعين رجلاً " أي من قومه. وقل الشاعر:
أستغفر الله ذنباً لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل
أي من ذنب. وقال الشاعر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مالٍ وذا نشب
فتقول: الله لأفعلن. وكذلك كل مقسم به.
و اعلم أن للقسم تعويضاتٍ من أدواته تحل محلها، فيكون فيها ما يكون في أدوات القسم وتعتبر ذلك بأنك لا تجمع بينها وبين ما هي عوضٌ منه. فإن جاز الجمع بين شيئين فليس أحدهما عوضاً عن الآخر؛ ألا ترى أنك تقول: عليك زيداً، وإنما المعنى: خذ زيداً، وما أشبهه من الفعل. فإن قلت: عليك لم تجمع بينها وبين فعل آخر لأنها بدل من ذلك الفعل.
فمن هذه الحروف الهاء التي تكون للتنبيه. تقول: لاها الله ذا، وإن شئت قلت: لاهلله ذا. فتكون في موضع الواو إذا قلت: لا والله.
فأما قولك: ذا فهو الشيء الذي تقسم به، فالتقدير: لا والله هذا ما أقسم به. فحذفت الخبر لعلم السامع به.
فأما مدتها وإجراء المدغم بعدها في قولك: لا هالله ذا فإنك أتيت ب ها التي للتنبيه، وثبتت الألف؛ لأن حروف المد يقع وبعدها الساكن المدغم. وتكون المدة عوضاً من الحركة؛ لأنك ترفع لسانك عن المدغم رفعةً واحدة. وقد مضى تفسير هذا. فيكون كقولك: دابة، وشابة، وراد وما أشبهه.
و أما قولك: لاهلله ذا فإنك حذفت الألف من هاء التنبيه لما وصلتها، وجعلتها عوضاً من الواو؛ كما فعلت ذلك بها في هلم. وها هذه.
هي التي تلحق في قولك: هذا. قلنا المعنى: لا والله هذا ما أقسم به لأنها للتنبيه، فالتنبيه يقع قبل كل ما نبهت عليه، كما قال الشاعر:
تعلمن ها لعمر الله ذا قسماً ... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك
أراد: تعلمن لعمر الله هذا قسماً، فقدم ها. وقال الآخر:
و نحن اقتسمنا المال نصفين بيننا ... فقلت لهم هذا لها ها وذا ليا
يريد: وهذا ليا.
و من هذه الحروف ألف الاستفهام إذا وقعت على الله وحدها؛ لأنه الاسم الواقع على الذات. وسائر أسماء الله عز وجل إنما تجري في العربية مجرى النعوت. وذلك قولك: آلله لتفعلن.
و كذلك ألف أيم إذا ألحقتها ألف الاستفهام لم تحذف، وثبتت؛ كما تثبت مع الألف واللام اللتين للتعريف في قولك: آلرجل قال ذاك؟ و كذلك ألف الوصل إذا لحقتها الفاء جعلت عوضاً، فثبتت، ولم تحذف؛ كما ثبتت مع ألف الاستفهام. وذلك قولك: أفألله لتفعلن.
و من حروف القسم إلا أنها تقع على معنى التعجب اللام. وذلك قولك: لله ما رأيت كاليوم قط، كما قال:
لله يبقى على الأيام ذو حيدٍ ... بمشمخرٍ به الظيان والآس
و قد تقع التاء في معنى التعجب، ولم نذكرها هاهنا لأن ذكرها قد تقدم. فهذا جملة لهذه الحروف.
و سنبين لم دخل بعضها على بعض؟؛ كما شرحنا دخول الواو على التاء إن شاء الله.
هذا باب

الأسماء التي يعمل بعضها في بعض
وفيها معنى القسم
اعلم أن هذه الأسماء التي نذكرها لك، إنما دخلها معنى القسم لمعانٍ تشتمل عليها؛ كما أنك تقول: علم الله لأفعلن. ف علم فعل ماضٍ، والله عز وجل فاعله، فإعرابه كإعراب رزق الله إلا أنك إذا قلت: علم الله فقد استشهدت. فلذلك صار فيه معنى القسم، ألا ترى أنك تقول: غفر الله لزيد، فلفظه لفظ ما قد وقع، ومعناه: أسأل الله أن يغفر له. فلما علم السامع أنك غير مخبر عن الله بأنه فعل جاز أن يقع على ما ذكرناه، ولم يفهم عن قائله إلا على ذلك. فإن أخبر عن خبر صادق كان مجازه مجاز سائر الأخبار فقال: " لقد رضي الله عن المؤمنين " ، وغفر الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فهذا مجازه. وكذلك: شهد الله لأفعلن؛ لأنه بمنزلة: علم الله.

فمن تلك الأسماء قولك: لعمرك لأفعلن، وعلي عهد الله لأفعلن، وعلي يمين الله لأفعلن. فهذا مثل قولك: على زيدٍ درهمان، ولزيد أفضل من عمرو؛ لأنه إنما وقع قسماً لقوله. لعمر الله ما أقسم به. وإذا قلت: علي عهد الله فقد أعطيته عهدك بما ضمنته له. وبعض العرب ينشد هذا البيت، فيرفع القسم، فيقول:
فقلت يمين الله أبرح قاعداً ... و لو ضربوا رأسي لديك وأوصالي
يريد: يمين الله علي.
و اعلم أن المصادر وما يجري مجراها إنما تقع في القسم منصوبةً بأفعالها؛ لأن فيها المعاني التي وصفنا. وذلك قولك: عمرك الله لا تقم، وقعدك الله لا تقم. وإن شئت قلت: قعيدك الله، وكذلك: يمين الله وعهده.
و إن شئت كان على قولك: بيمين الله وما أشبهه، فلما حذفت حرف الإضافة وصل الفعل، فعمل على ما وصفناه في أول الباب وكذلك ويمين الله.
و إن شئت كان على قولك: عمرتك الله تعميراً، ونشدتك الله نشداً، ثم وضعت عمرك في موضع التعمير. وكذلك أخواته. قال الشاعر:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذي سلم
يريد: ذكرتك الله. وقال الآخر:
عمرتك الله العلي فإنني ... ألوي عليك لوان لبك يهتدي
و لذلك جعل المصدر في موضعه فقال:
أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان؟
و قال الآخر:
قعيدك أن لا تسمعيني ملامةً ... و لا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
فكل ما كان من ابتداء أو خبر أو فعل وفاعل فيه معنى القسم فهذا مجازه.
و اعلم أن من هذه الحروف ايم، وايمن وألفها ألف وصل، وتمام الاسم النون تقول ايم الله لأفعلن. ايمن الله لأفعلن.
و ليس بجمع يمين. ولكنه اسم موضوع للقسم. ولو كان جمع يمين لكانت ألفه ألف قطع. فوصلهم إياها يدلك على أنها زائدة، وأنه ليست من هذا الاشتقاق. وقال الشاعر:
فقال فريق القوم لما نشدتهم: ... نعم، وفريقٌ: ليمن الله ما ندري
فمن قال: ايم الله قال: ليم الله لأفعلن. فإن وقع عليها ألف الاستفهام مددت، ولم تحذف ألف الوصل فيلتبس الاستفهام بالخبر؛ كما كنت فاعلاً بالألف التي مع اللام في قولك: آلرجل قال ذاك؟. فيقول: آيم الله لقد كان ذاك.
و زعم يونس أن من العرب من يقول: ايم الله في موضع ايم الله فهي عند هؤلاء بمنزلة ابن واسم. تقول في الاستفهام: أيم الله لقد كان ذاك؟ لأنها تسقط للوصل، وتحدث ألف الاستفهام ومنهم من يحذف ألف الاسم حتى يصير على حرف علماً بأنه لا ينفصل بنفسه فيقول: م الله لأفعلن.
و يقال: من الله لأفعلن، ومن ربي لأفعلن. أبدل من من الباء التي في قولك: بالله لأفعلن، وبربي لأفعلن؛ كما تقول: فلان في الموضع وبالموضع فيدخل الباء على في، وكذلك دخلت من على الباء، والاحتجاج يأتيك في موضعه إن شاء الله.
و اعلم أنك إذا دللت على القسم بما تضعه في موضعه، فما بعد ذلك الدليل بمنزلة ما بعد القسم.تقول: أقسمت لأقومن، واستحلفته ليخرجن، أي قال له: والله لتخرجن، فدل هذا على القسم.
و لا يلحق هذه اللام ما النون في آخره خفيفةً أو ثقيلةً إلا والمعنى معنى القسم . لا تقول: زيد يقومن، ولا زيد ليقومن إلا أن تريد القسم في هذه الأخيرة خاصةً، فكأنك قلت: زيد والله ليقومن.و تفسير هذا في إثر هذا الباب إن شاء الله.
و تقول: إي والله لأفعلن. وإن شئت قلت: إي الله لأفعلن، إنما تريد: إي التي في معنى نعم؛ كما قال: " قل إي وربي إنه لحقٌ وما أنتم بمعجزين " . فتصل المقسم به؛ لأن إي جواب، والقسم بعدها مستأنف. ولو كانت بدلاً من حروف القسم لم تجتمع هي وهو؛ ألا ترى أنك تقول: إي والله لأفعلن.
و إنما الفصل بين بلى ونعم أن نعم تكون جواباً لكل كلام لا نفي فيه، وبلى لا تكون جواباً إلا لكلام فيه نفي.
لو قال لك قائل: أنت زيد؟ لكان الجواب نعم. وكذلك هل جاءك زيد؟ وكذلك من يأتك تأته فتقول: نعم، ولا يصح هاهنا بلى.
فإن نفى فقال: أما لقيت زيداً؟ كان الجواب: بلى. وكذلك:ألست قد ذهبت إلى زيد؟ وما أخذت منه درهماً؟ وأنت لا تعطي شيئاً.فجواب هذا كله بلى.
هذا باب

ما يقسم عليه من الأفعال
وما بال النون في كل ما دخلت فيه يجوز حذفها واستعمالها
لا في هذا الموضع الذي أذكره لك فإنه لا يجوز حذفها؟

اعلم أنك إذا أقسمت على فعل لم يقع لزمته اللام ولزم اللام النون، ولم يجز إلا ذلك.و ذلك قولك: والله لأقومن، وبالله لأضربن، ووالله لتنطلقن.
فإن قال قائل: فما بال هذا لا يكون كقولك في الأمر والنهي إذا قال: اضربن زيداً، ولا تشتمن عمراً. وإن شئت قلت: اضرب زيداً، ولا تشتم عمراً. وكذلك: هل تنطلقن؟ وإن شئت قلت: هل تنطلق؟ فإنما ذلك لأن القسم لا يقع إلا على ما لم يقع من الأفعال، فكرهوا أن يلتبس بما يقع في الحال.
فأما الأمر والنهي فيفصل بينه وبينهما باللام؛ لأن اللام لا تكون في الأمر والنهي. وكذلك لا تكون في الاستفهام.
وإنما تفصل بالنون بين القسم وبين هذه الأخبار التي قد تقع في الحال؛ نحو قولك: إن زيداً لمنطلق، لأن حد هذا أن يكون في حال انطلاق. وكذلك إن زيداً ليأكل. فإذا قلت: والله ليأكلن، علم أن الفعل لم يقع.
فإن قلت: قد جاء: " إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم " أي لحاكم.
قيل: قد يكون هذا، ولكن ليس فيه دليلٌ على ما يقع في الحال أو يقع بعد، على أن أكثر الاستعمال أن يكون للحال. فإذا دخلت النون علم أن الفعل لا يكون في الحال البتة. فلذلك لزمت اللام؛ لأنك قد تذكر الأفعال، ولا تذكر المقسم به فتقول: لأنطلقن، فيعلم أن هذا على تقدير اليمين وأنه ليس للحال. فلهذا أجري ما ذكرت لك.
فأما اللام فهي وصلة للقسم؛ لأن للقسم أدواتٍ تصله بالمقسم به، ولا يتصل إلا ببعضها. فمن ذلك: اللام، تقول: والله لأقومن، والله لزيد أفضل من عمرو. ولولا اللام لم تتصل.
و كذلك إن. تقول: والله إن زيداً لمنطلق. وإن شئت قلت: والله إن زيداً منطلق.
و كذلك لا في النفي، وما. تقول: والله لا أضربك، والله ما أكرمك، ولا تحتاج إلى النون لأن ما يدل على الحال؛ كما تدل إن إذا قلت: والله إني لأكرمك.
أمرٌ قد وقع، ولا يقال هذا إلا على شيءٍ متقدم، فالأمر فيهما واحد، إلا أن هذا على الحذف والتعجب، والذي ب قد على استقصاء الكلام. فعلى هذا فأجرهما.
و اعلم أن من العرب من يقول: الله لأفعلن، يريد الواو، فيحذفها. وليس هذا بجيد في القياس، ولا معروف في اللغة، ولا جائزٍ عند كثير من النحويين. وإنما ذكرناه لأنه شيءٌ قد قيل، وليس بجائزٍ عندي؛ لأن حرف الجر لا يحذف ويعمل إلا بعوض لما تقدم من الشرح.
و اعلم أن القسم لا يقع إلا على مقسم به،و مقسم عليه، وأن قوله عز وجل: " و الليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. وما خلق الذكر والأنثى " . أن الواو الأولى واو قسم، وما بعدها من الواوات للعطف لا للقسم. ولو كانت للقسم لكان بعض هذا الكلام منقطعاً من بعض، و تدل لا على ما لم يقع؛ كما تدل النون عليه إذا قلت: والله لأفعلن، ثم نفيت، فقلت: والله لا أفعل. فهذا مبين بأنفس الحروف مستغنٍ فيه عن غيرها؛ لأن النون إنما دخلت لتفصل بين معنيين، فإذا كان الفصل بغيرها لم تحتج إليها.
و اعلم أن قولك: أقسمت لأفعلن وأقسمت لا تفعل بمنزلة قولك: قلت: والله لا تفعل، وقلت: والله لتفعلن.
و اعلم أنك إذا أقسمت على فعل ماضٍ، فأدخلت عليه اللام لم تجمع بين اللام والنون؛ لأن الفعل الماضي مبني على الفتح غير متغيرة لامه، وإنما تدخل النون على ما لم يقع كما ذكرت. فلما كانت لا تقع لما يكون في الحال كانت من الماضي أبعد. وذلك قولك: والله لرأيت زيداً يضرب عمراً، فأنكرت ذلك.
و إن وصلت اللام ب قد فجيد بالغ. تقول: والله لقد رأيت زيداً، والله لقد انطلق في حاجتك. وسنفسر الفصل بين الفعل ب قد وبين الفعل إذا لم تدخله.
أما قد فأصلها أن تكون مخاطبة لقوم يتوقعون الخبر. فإذا قلت: قد جاء زيد لم تضع هذا الكلام ابتداء على غير أمرٍ كان بينك وبينه، أو أمرٍ تعلم أنه لا يتوقعه. فإن أدخلت اللام على قد فإنما تدخلها على هذا الوجه.
فأما قولك: والله لكذب زيد كذباً ما أحسب الله يغفره له فإنما تقديره: لقد؛ لأنه الأول إلى آخر القسم على غير محلوف عليه، فكان التقدير: " و الليل إذا يغشى " ، ثم ترك هذا، وابتدأ " و النهار إذا تجلى " . ولكنه بمنزلة قولك: والله ثم الله لأفعلن، وإنما مثلت لك بثم؛ لأنها ليست من حروف القسم.

و اعلم أن القسم قد يؤكد بما يصدق الخبر قبل ذكر المقسم عليه، ثم يذكر ما يقع عليه القسم. فمن ذلك قوله عز وجل: " و السماء ذات البروج، واليوم الموعود. وشاهدٍ ومشهود " ثم ذكر قصة أصحاب الأخدود توكيداً.
و إنما وقع القسم على قوله: " إن بطش ربك لشديدٌ " وقد قال قوم: إنما وقع على " قتل أصحاب الأخدود " ، وحذفت اللام لطول الكلام. وليس القول عندنا إلا الأول؛ لأن هذه الاعتراضات توكيد.
فأما قوله: " والشمس وضحاها " فإنما وقع القسم على قوله: " قد أفلح من زكاها " وحذفت اللام لطول القصة، لأن الكلام إذا طال كان الحذف أجمل.
ألا ترى أن النحويين لا يقولون: قام هند، وذهب جاريتك، ويجيزون: حضر القاضي اليوم امرأةٌ يا فتى، فيجيزون الحذف مع طول الكلام؛ لأنهم يرون ما زاد عوضاً مما حذف.
وتقول: وحق الله ثم حقك لأفعلن ثم حقك تحمله على الموضع، كان جائزاً كما قال:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
و على هذا قرئ " فأصدق وأكن من الصالحين " ؛ لأنه حمله على موضع الفاء.
و تقول: والله لأضربنك، ثم والله لأحبسنك؛ لأنك عطفت قسماً على قسم.
و لو قلت: والله لأضربنك ثم لأحبسنك الله، لم يكن في الثاني إلا النصب؛ لأنك عطفت فعلاً على فعل، ثم جئت بالقسم بعد غير معطوف. كأنك قلت: الله لأفعلن، فأوصلت إليه الفعل.
فهذه جملة هذا الباب.
هذا باب

الفرق بين إن وأن
اعلم أن إن مكسورةً مشبهةٌ بالفعل بلفظها، فعملها عمل الفعل المتعدي إلى مفعول وقد مضى تفسيرها في بابها.
فإذا قلت: أن مفتوحةً فهي وصلتها في موضع المصدر.و لا تكون إلا في موضع الأسماء دون الأفعال؛ لأنها مصدر، والمصدر إنما هو اسم. وذلك قولك: بلغني انطلاقك، وتقول: علمت أنك منطلق، أي: علمت انطلاقك. وكذلك أشهد أنك منطلق، وأشهد بأنك قائم، أي: أشهد على انطلاقك وبقيامك. فهذا جملة هذا.
واعلم أنك إذا قلت: ظننت زيداً أخاك، أو علمت زيداً ذا مال أنه لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول لأن الشك والعلم إنما وقعا في الثاني، ولم يكن بد من ذكر الأول ليعلم من الذي علم هذا منه أو شك فيه من أمره؟.
فإذا قلت: ظننت زيداً فأنت لم تشك في ذاته، فإذا قلت: منطلقاً ففيه وقع الشك، فذكرت زيداً؛ لتعلم أنك إنما شككت في انطلاقه لا في انطلاق غيره.
فإذا قلت: ظننت أن زيداً منطلق. لم تحتج إلى مفعول ثانٍ؛ لأنك قد أتيت بذكر زيد في الصلة؛ لأن المعنى: ظننت انطلاقاً من زيد؛ فلذلك استغنيت.
هذا باب
من أبواب أن المفتوحة
تقول: قصة زيد: أنه منطلق، وخبر زيد: أنه يحب عبد الله؛ لأن هذا موضع ابتداء وخبر، فالتقدير: خبر زيد محبته عبد الله، وبلغنني أمرك أنك تحب الخير، فالمعنى معنى البدل كأنك قلت: بلغني أمرك، ثم قلت: محبتك الخير؛ لأن المحبة هي الأمر، كما تقول: جاءني أخوك زيد؛ لأن الأخ هو زيد.
و تقول: أشهد أن محمداً رسول الله. فكأن التقدير: أشهد على أن محمداً رسول الله؛ أي: أشهد على ذلك، أو أشهد بأن محمداً رسول الله، أي: أشهد بذلك.
فإذا حذفت حروف الجر وصل الفعل فعمل، وكان حذفها حسناً لطول الصلة؛ كما قال عز وجل: " و اختار موسى قومه " أي: من قومه، فهو مع الصلة والموصول حسنٌ جداً.و إن شئت جئت به؛ كما تقول: الذي ضربت زيدٌ، فتحذف الهاء من الصلة. ويحسن إثباتها؛ لأنها الأصل.
و اعلم أنه لا يحسن أن يلي إن أن؛ لأن المعنى واحد؛ كما لا تقول لئن زيداً منطلق؛ لأن اللام في معنى إن، فإن فصلت بينهما بشيءٍ حسن واستقام، فقلت: إن في الدار لزيداً.
و لا تقول: إن لزيداً في الدار بل تقول كما قال عز وجل: " إن في ذلك لآيةٌ " . وعلى هذا لا تقول: إن أن زيداً منطلق بلغني. ولكن لو قلت: إن في الدار أنك منطلق، وإن في الدار أن لك ثوباً حسن؛ كما قال الله عز وجل: " إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " ويجوز " و إنك لا تظمأ فيها " على القطع، والابتداء.
فالأولى على قولك: ضربت زيداً وعمراً قائماً. والقطع على قولك: ضربت زيداً وعمرو قائم.
هذا باب إن إذا دخلت اللام في خبرها

اعلم أن هذه اللام تقطع ما دخلت عليه عما قبلها. وكان حدها أن تكون أول الكلام؛ كما تكون في غير هذا الموضع. وذلك قولك: قد علمت زيداً منطلقاً. فإذا أدخلت اللام قلت: علمت لزيدٌ منطلقٌ، فتقطع بها ما بعدها مما قبلها، فيصير ابتداء مستأنفاً. فكان حدها في قولك: إن زيداً لمنطلق أن تكون قبل إن؛ كما تكون في قولك: لزيدٌ خيرٌ منك. فلما كان معناها في التوكيد ووصل القسم معنى إن لم يجز الجمع بينهما؛ فجعلت اللام في الخبر، وحدها: أن تكون مقدمة؛ لأن الخبر هو الأول في الحقيقة، أو فيه ما يتصل بالأول، فيصير هو وما فيه الأول. فلذلك قلت: إن زيداً لمنطلق؛ لأن المنطلق هو زيد.
و كذلك لو قلت: إن زيداً لفي داره عمرو، أو: لعمرو يضربه؛ لأن الذي عمروٌ يضربه هو زيدٌ. فهذا عبرة هذا.
ألا ترى أنك إذا فصلت بين إن وبين اسمها بشيءٍ جاز إدخال اللام فقلت: إن في الدار لزيداً، وإن من القوم لأخاك. فهذا يبين لك ما ذكرت.
و ذلك قولك: أشهد أن زيداً منطلق، وأعلم أن زيداً خيرٌ منك. فإذا أدخلت اللام قلت أشهد إن زيداً لخيرٌ منك، وأعلم أن زيداً لمنطلق. قال الله عز وجل: " و الله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " . فلولا اللام لم يكن إلا أن؛ كما تقول: أعلم زيداً خيراً منك. فإذا أدخلت اللام قلت: أعلم لزيدٌ خيرٌ منك. وقال: " أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما في الصدور. إن ربهم بهم يومئذٍ لخبير " . فهذا مجاز اللام.
و لو قال قائل: أشهد بأنك منطلق لم يكن إلا الفتح، لأنها اسم مخفوض، وعبرتها أبداً ب ذاك فيكون ذاك في أنها اسم تامٌ في موضع أن وصلتها. فإذا قلت: علمت أن زيداً منطلق فهو كقولك: علمت ذاك. وإذا قلت: بلغني أن زيداً منطلق فهو في موضع: بلغني ذاك. وإذا قلت: أشهد بأنك منطلق فمعناه: أشهد بذاك.
فإن قال قائل: فكيف أقول: أشهد بأنك لمنطلق؟ قيل له: هذا محال كسرت أو فتحت؛ لأن حد الكلام التقديم، فلو أدخلت حرف الخفض على اللام كان محالاً؛ لأن عوامل الأسماء لا تدخل على غيرها. لو قلت هذا لقلت أشهد يذاك.
و كذلك بلغني أنك منطلق، لا يجوز أن تدخل اللام فتقول: بلغني أنك لمنطلق: لأن إن وصلتها الفاعل، واللام تقطع ما بعدها. فلو جاز هذا لقلت: بلغني لذاك. فهذا واضح بين جداً.
فأما قوله عز وجل: " و ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام " فمعناه: إلا وهذا شأنهم. وهو والله أعلم جواب لقولهم: " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق " .
و أما قوله عز وجل: " و ما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا " . ف أنهم وصلتها في موضع الفاعل. والتقدير والله أعلم : وما منعهم إلا كفرهم.
و نظير التفسير الأول قول الشاعر:
ما أعطياني ولا سألتهما ... إلا وإني لحاجزي كرمي
يقول: إلا وهذه حالي. فعلى هذا وضعه سيبويه. وغيره ينشده:
ألا وإني لحاجزي كرمي
فهذه الرواية خارجة من ذلك التفسير، ومعناه: أن ألا تنبيه، وأراد: أنا حاجزي كرمي من أن أسأل، أو أقبل.
هذا باب

إن المكسورة ومواقعها
اعلم أن مكانها في الكلام في أحد ثلاثة مواضع ترجع إلى موضع واحد وهو الابتداء؛ لأنه موضع لا يخلص للاسم دون الفعل.
و إنما تكون المفتوحة في الموضع الذي لا يجوز أن يقع فيه الاسم. وذلك قولك: إن زيداً منطلق، وإن عمراً قائم، لا يكون في هذا الموضع إلا الكسر. فأما قوله: " و أن هذه أمتكم أمةً واحدةً " فإنما المعنى معنى اللام، والتقدير: ولأن هذه أمتكم أمةً واحدة، وأنا ربكم فاعبدون.
و كذلك قوله عند الخليل: " و أن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً " أي: ولأن.
و أما المفسرون فقالوا: هو على أوحي. وهذا وجهٌ حسن جميل وزعم قوم من النحويين موضع أن خفض في هاتين الآيتين وما أشبههما، وأن اللام مضمره وليس هذا بشيء. واحتجوا بإضمار رب في قوله:
و بلدٍ ليس به أنيس
و ليس كما قالوا؛ لأن الواو بدل من رب كما ذكرت لك، والواو في قوله تبارك وتعالى: " و أن المساجد لله " واو عطف. ومحالٌ أن يحذف حرف الخفض ولا يأتي منه بدلٌ.
و احتج هؤلاء بأنك لا تقول: أنك منطلق بلغني أو علمت.

فقيل لهم: هي لا تتقدم إلا مكسورةٌ، وإنما كانت هاهنا بعد الواو منصوبة لأن المعنى معنى اللام؛ كما تقول: جئتك ابتغاء الخير، فتنصب والمعنى معنى اللام، وكذلك قال الشاعر:
و أغفر عوراء الكريم ادخاره ... و أعرض عن شتم اللئيم تكرما
فإذا قلت: جئتك أنك تحب المعروف فالمعنى معنى اللام، فعلى هذا قدمت، وهذا قد مر. فهذا قول الخليل.
و الموضع الآخر للمكسورة: أن تدخل اللام في الخبر. وقد مضى قولنا في هذا، لأن اللام تقطعها مما قبلها، فتكون مبتدأة. فهذا مما ذكرت لك أنها ترجع إلى الابتداء.
و الموضع الثالث: أن تقع بعد القول حكايةً فتكون مبتدأة. كما تقول: قال زيد: عمروٌ منطلقٌ، وقلت: الله أكبر. وقد مضى هذا في باب الحكاية.
فعلى هذا تقول: قال زيد: إن عمراً منطلق، وقال عبد الله: إنك خير منه. من ذلك قوله عز وجل: " قال الله إني منزلها عليكم " . وقال: " و إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك " وقال: " قال يا قوم إني لكم نذيرٌ مبين " .
فأما أتقول التي في معنى الظن فإنها تعمل في إن عملها في الاسم، كما قال:
أجهالاً تقول بني لؤيٍّ ... لعمر أبيك أم متجاهلينا
و كما قال:
أما الرحيل فدون بعد غدٍ ... فمتى تقول الدار تجمعنا
لأنه يريد الظن. فعلى هذا تقول: متى تقول أن زيداً منطلق، وأتقول أن عمراً خارج.
فإن لم ترد بها معنى تظن وأردت بها الحكاية كسرت؛ كما أنك تقول: زيد منطلق، تريد اللفظ، ولا تريد الظن.
هذا بابمن أبواب إن المكسورة تقول: قد قاله القوم حتى إن زيداً يقوله، وقد شربوا حتى إن أحدهم يجر بطنه، لأنه موضع ابتداء. ألا ترى أنك تقول: قد قاله القوم حتى زيدٌ يقوله: و لو قلت في هذا الموضع: أن كان محالاً؛ لأن أن مصدر ينبئ عن قصة، فلو كان: قد قاله القوم حتى قول زيد كان محالاً.
و لكن لو قلت: بلغني حديثك حتى أنك تظلم الناس كان من مواضع أن المفتوحة؛ لأن المعنى: بلغني أمرك حتى ظلمك الناس وإنما يصلح هذا ويفسد بالمعنى.
و تقول: ظننت زيداً إنه منطلق لا تكون إلا المكسورة؛ لأن المعنى: ظننت زيداً هو منطلق؛ كما تقول: ظننت زيداً أبوه منطلق. ولو قلت: ظننت زيداً أنه منطلق، ففتحت لكان المعنى: ظننت زيداً الانطلاق، وهذا محال.
و لكن لو قلت: ظننت أمرك أنك تظلم الناس كان جيداً، لأن المعنى: ظننت أمرك ظلمك الناس.
وكذلك ظننت زيداً عاقلاً فإذا إنه أحمق، إنما تريد: فإذا هو أحمق، كما قال:
و كنت أرى زيدا كما قيل سيدا ... إذا أنه عبد القفا واللهازم
و تقول: عهدي به شاباً وإنه يومئذ يفخر، أي: وهذه حاله. ولو قلت: أنه جاز على بعد. كأنك قلت: عهدي به شاباً وبفخره. وكذلك لو قلت: رأيت زيداً عاقلاً فإذا إنه أحمق، وكنت أراه حراً فإذا إنه عبد، ولو قلت: أنه جاز. كأنك قلت: ظننته حراً فإذا العبودية أمره.
فأما قوله: " لا جرم أن لهم النار " . ف أن مرتفعة بجرم، ومعناها: والله أعلم - حق أن لهم النار؛ كما قال عز وجل: " و لا يجرمنكم شنآن قوم " أي: لا يحقنكم.
قال الشاعر:
و لقد طعنت أبا عيينة طعنةً ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
و تقول: ألا إنه منطلق. ف ألا تنبيه، وإنه مبتدأه. وتقول: أما إنه منطلق على ذلك المذهب.
و لو قلت: أما أنه منطلق، جاز على معنى: حقاً أنه منطلق. إذا أردت بها من التحقيق والتوكيد ما أردت بقولك: حقاً؛ لأنهم يضعونها في موضعها، فهذا قياس مطرد فيما ذكرت لك.
هذا بابالظروف وأما إذا اتصلت بشيءٍ منهن أن
نقول: يوم الجمعة أنك خارج، واليوم أنك راحل، ولك علي أنك لا تؤذي؛ لأنه أراد: يوم الجمعة خروجك، وفي يوم الجمعة رحلتك، ولك علي ترك الأذى؛ ألا ترى أنك لو وضعت ذاك في هذا الموضع لصلح فكنت تقول: في يوم الجمعة ذاك، ولك علي ذاك.
فإن قال قائل: هل يجوز: اليوم إنك منطلق، ولك علي إنك لا تؤذي؟

فإن ذلك غير جائز؛ لأنك تريد التقديم والتأخير، فيكون على قولك: إنك منطلق اليوم وإنك لا تؤذي لك على. وإن رحلتك يوم الجمعة. وإنما فسد لأن إن لا يصلح فيها التقديم والتأخير، كما لم يصلح ذلك فيما تعمل فيه من الأسماء إذا كانت مكسورة. فإذا كانت مفتوحة جاز فيها التقديم والتأخير، أعني تقديم الخبر وتأخيره، لأنها موضوعة موضع المصدر.
و تقول: أما يوم الجمعة فإنك مرتحل؛ لأن معنى أما: مهما يكن من شيءٍ فإنك مرتحل يوم الجمعة. فما بعد الفاء يقع مبتدأ، ألا ترى أنك تقول: أما زيداً فضربت، فإنما هو على التقديم والتأخير. لا يكون إلا ذلك، لأن المعنى: مهما يكن من شيء فزيداً ضربت، أو فضربت زيداً.
و لو قال قائل: أما يوم الجمعة فإنك مرتحل لجاز، فيكون التقدير: مهما يكن من شيء ففي يوم الجمعة رحلتك. فهذا تقدير ما يقع في أما.
و الدليل على أنها في معنى الجزاء لزوم الفاء لجوابها، نحو: أما زيد فمنطلق، " فأما اليتيم فلا تقهر " ، " و أما ثمود فهديناهم " و " أما من استغنى. فأنت له تصدى " فالمعنى: مهما يكن من شيء فهذا الأمر فيه. فإنما تقديرها في الكلام كله التقديم والتأخير، لا يكون إلا على ذلك.
هذا باب

من أبواب أن مكررة
ً
و ذلك قولك: قد علمت أن زيداً إذا أتاك أنه سيكرمك، وذلك أنك قد أردت: قد علمت أن زيداً إذا أتاك سيكرمك، فكررت الثانية توكيداً، ولست تريد بها إلا ما أردت بالأولى. فمن ذلك قوله عز وجل: " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون " فهذا أحسن الأقاويل عندي في هذه الآية، وقد قيل فيها غير هذا. ونحن ذاكروه في آخر الباب إن شاء الله.
و نظير تكرير أن هاهنا قوله تبارك وتعالى: " و هم بالآخرة هم كافرون " وقوله عز وجل: " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها " . وكذلك قوله عز وجل: " و أما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها " .
و من هذا الباب عندنا وهو قول أبي عمر الجرمي " ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم " . فالتقدير: والله أعلم فله نار جهنم، وردت أن توكيداً. وإن كسرها كاسر جعلها مبتدأة بعد الفاء؛ لأن ما بعد فاء المجازاة ابتداء، كقوله عز وجل: " قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم " ف إن في هذا الموضع يجوز أن تكون الأولى التي وقعت بعد الحكاية كررت، ويجوز أن تكون وقعت مبتدأة بعد الفاء، كقولك: من يأتني فإني سأكرمه.
و أما أبو الحسن الأخفش فقال في قوله تبارك وتعالى: " ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم " قال: المعنى: فوجوب النار له، ثم وضع أن في موضع المصدر.
فهذا قول ليس بالقوي، لأنه يفتحها مبتدأة، ويضمر الخبر.
و كذلك قال في قوله: " كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفورٌ رحيمٌ " ، أي فوجوب الرحمة له.
و القول فيه عندنا التكرير على ما ذكرت لك.
فأما ما قيل في الآية التي ذكرنا قبل سوى القول الذي اخترناه وهي " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون " فأن يكون " أنكم مخرجون " مرتفعاً بالظرف. كأنه في التقدير: أيعدكم أنكم إذا متم إخراجكم. فهذا قول حسن جميل.
و أما سيبويه فكان يقول: المعنى: أن يعد وقعت على أن الثانية وذكر أن الأولى ليعلم بعد أي شيءٍ يكون الإخراج؟.
و هذا قول ليس بالقوي.
هذا باب
أن وإن الخفيفتين
اعلم أن أن تكون في الكلام على أربعة أوجه: فوجه: أن تكون هي والفعل الذي تنصبه مصدراً؛ نحو قولك: أريد أن تقوم يا فتى؛ أي: أريد قيامك، وأرجو أن تذهب يا فتى، أي: أرجو ذهابك. فمن ذلك قول الله: " و أن تصوموا خيرٌ لكم " أي والصيام خير لكم. ومثله: " و أن يستعففن خيرٌ لهن " .
و وجه آخر: أن تكون مخففة من الثقيلة. وذلك قوله عز وجل: " و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " . لو نصبت بها وهي مخففة لجاز. فإذا رفعت ما بعدها فعلى حذف التثقيل والمضمر في النية، فكأنه قال: إنه الحمد لله رب العالمين. وقد مضى تفسير هذا في موضع عملها خفيفةً.
و الوجه الثالث أن تكون في معنى أي التي تقع للعبارة والتفسير، وذلك قوله عز وجل: " و انطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم " . ومثله: بينت له الحديث أن قد كان كذا وكذا. تريد: أي امشوا، وأي قد كان كذا وكذا.

و وجه رابع: أن تكون زائدة مؤكدة؛ وذلك قولك: لما أن جاء زيد قمت، ووالله أن لو فعلت لأكرمتك.
و أما إن المكسورة فإن لها أربعة أوجه مخالفةً لهذه الوجوه.
فمن ذلك إن الجزاء؛ وذلك قولك: إن تأتني آتك، وهي أصل الجزاء؛ كما أن الألف أصل الاستفهام.
و تكون في معنى ما. تقول: إن زيد منطلق، أي: ما زيد منطلق.
و كان سيبويه لا يرى فيها إلا رفع الخبر؛ لأنها حرف نفي دخل على ابتداء وخبره؛ كما تدخل ألف الاستفهام فلا تغيره. وذلك كمذهب بني تميم في ما.
و غيره يجيز نصب الخبر على التشبيه بليس؛ كما فعل ذلك في ما. وهذا هو القول، لأنه لا فصل بينها وبين ما في المعنى، وذلك قوله عز وجل: " إن الكافرون إلا في غرورٍ " وقال: " إن يقولون إلا كذباً " . فهذان موضعان.
و الموضع الثالث: أن تكون إن المكسورة المخففة من الثقيلة، فإذا رفعت ما بعدها لزمك أن تدخل اللام على الخبر، ولم يجز غير ذلك؛ لأن لفظها كلفظ التي في معنى ما، وإذا دخلت اللام علم أنها الموجبة لا النافية، وذلك قولك: إن زيداً لمنطلق. وعلى هذا قوله عز وجل: " إن كل نفسٍ لما عليها حافظ " " و إن كانوا ليقولون " .
و إن نصبت بها لم تحتج إلى اللام إلا أن تدخلها توكيداً؛ كما تقول: إن زيداً لمنطلق.
و الموضع الرابع: أن تدخل زائدةً مع ما، فتردها إلى الابتداء، كما تدخل ما على إن الثقيلة، فتمنعها عملها، وتردها إلى الابتداء في قولك: إنما زيد أخوك، و " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وذلك قولك: ما إن يقوم زيد، وما إن زيدٌ منطلق. لا يكون الخبر إلا مرفوعاً لما ذكرت لك. قال زهير:
ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم ... تخالج الأمر إن الأمر مشترك
و قال الآخر:
و ما إن طبنا جبنٌ ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
فإن قال قائل: فما بالها لما خففت من الثقيلة المكسورة اختير بعدها الرفع، ولم يصلح ذلك في المخففة من المفتوحة إلا أن ترفع على أن يضمر فيها؟ قيل: لأن المفتوحة وما بعدها مصدرٌ، فلا معنى لها للابتداء، والمكسورة، إنما دخلت على الابتداء وخبره، فلما نقصت عن وزن الفعل رجع الكلام إلى أصله.
و من رأى النصب بها أو بالمفتوحة مع التخفيف قال: هما بمنزلة الفعل، فإذا خففتا كانتا بمنزلة فعل محذوف منه، فالفعل يعمل محذوفاً عمله تاماً. فذلك قولك: لم يك زيداً منطلقاً، فعمل عمله والنون فيه. والأقيس الرفع فيما بعدها، لأن إن إنما أشبهت الفعل باللفظ لا بالمعنى، فإذا نقص اللفظ ذهب الشبه. ولذلك الوجه الآخر وجهٌ من القياس كما ذكرت لك.
و كان الخليل يقرأ إن هذان لساحران، فيؤدي خط المصحف ومعنى إن الثقيلة في قراءة ابن مسعود إن ذان لساحران.
تم الجزء الثاني والحمد لله رب العالمين يتلوه في الجزء الثالث: هذا باب أن المفتوحة وتصرفها كتب مهلهل بن أحمد ببغداد سنة سبع وأربعين وثلاثمائة و هو يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة له ولأصحابه قابلت هذا الجزء إلى آخره وصححته في سنة سبع وأربعين وثلاثمائة و كتب الحسن بن عبد الله السيرافي مسألة ميراث والجواب عنها أضيفت إلى النسخة، و أخذت رقم 625 /الجزء الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
تمام القول في إن وأن الخفيفتين

هذا باب
أن المفتوحة وتصرفها
اعلم أنها إذا كانت مع الفعل مصدراً جاز تقديمها وتأخيرها، ووقعت في كل موضع تقع فيه الأسماء إلا أن معناها - إذا وقعت على فعل مستقبل - أنها تنصبه، وذلك الفعل لما لم يقع، ولا يكون للحال. وذلك قولك: أن تأتيني خيرٌ لك، ويسرني أن تقوم يا فتى، وأكره أن تذهب إلى زيد. فهذا هكذا. وإن وقعت على فعلٍ ماضٍ كانت مصدراً لما مضى. تقول: سرني أن قمت، وساءني أن كلمك زيد وأنت غضبان، على: أن كلمت زيدا، أي: لهذه العلة.

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5