كتاب : فاكهة الخلفاء و مفاكهة الظرفاء
المؤلف : ابن عربشاه

فناوشهم الببور البواسر وهاوشهم النمور الجواسر وهارشهم الأسود الكواسر ثم ولوا أمامهم مدبرين وقصدوا الطرق المخفية عابرين فتصور الأفيال أن جيش الأسد فر وجنده انحطم وانكسر وأن عسكرهم غلب وانتصر فحطموا يداً واحدة بهمة متعاضدة ونهمة متعاقدة وصدمة متآكدة ففي الحال ارتدموا وفي الأوحال ارتطموا وقطع دابر القوم الذين ظلموا ثم كرت عليهم الأسود والنمور والفهود وسائر السباع والذئاب والضباع فوقعوا في تلك الفرائس وقوع الجياع على الهرائس وعانقوهم معانقة الأحباب للعرائس وأكلوا وادخروا وحمدوا الله تعالى شكوراً ومن بعد ما ظلموا انتصروا واظهر العدل للحق مناره وظهر سر قوله عليه الصلاة والسلام من آذى جاره ورثه الله داره والله لا يهدي القومالظالمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خير خلقه وآله وصحبه أجمعين.

الباب الثامن
في حكم الأسد الزاهد وأمثال الجمل الشارد
(قال) الشيخ أبو المحاسن من هو لجرعة الفضل أحسن حاسن فلما وعى الملك الجليل والقبل الفضيل ما جرى بين الأسد والفيل من القال والقيل وانجرار ذلك الضرب الوبيل وعلم أن عاقبة الظلم وخيمة وخاتمة التعدي والطمع مشومة أمر رؤساء المملكة وزعماء السلطنة بالكف عن الطمع وتجنب الجبن والهلع ومعاملة الأهل والجار بحسن الخلق والحوار وانتشار ذلك بالإشهار في الولايات والأقطار فالعاقل من اعتبر بغيره وكف كفه عن أذاه وضيره ونشر مهما استطاع من موائد إحسانه وخيره وعدى عن التعدي والعدوان لا سيما إذا كان ذا قدرة وإسكان وتحكم في الفقراء والضعفاء وسلطان فنهض الحكيم حسيب وقيل أرض العبودية بشفاه التأديب وقال وبلغني أيها الملك المفضال مما يطابق هذه الأحوال أنه كان في بعض الأزمان وأنزه الإسكان سلطان الحيوان أسد عظيم الخلقة جسيم الشفقة جليل المكارم سليل الأكارم قد بلغ في الزهد الغاية وفي الورع والعفة النهاية مع حسن الأوصاف والشمائل وكرم الأعطاف والفضائل قد جمع بين الهيبة والشفقة والصدق والصدقة وسورة الملك وسيرة العدل وسيمة الفضل وشمية الفضل هيبته ممزوجة بالرأفة وعاطفته مدموجة في الصوله قد عاهد الرحمن بالكف عن أذى الحيوان وأن لا يريق دماً ولا يتناول دسماً ولا يرتكب محرماً يتقوت بنبات القفار ويقوم الليل ويصوم النهار يرعى في دولته الذئب مع الغنم وينام في كنف ضمانه وكفالة مأمنة الثعلب والأرنب بعد الحرب والحرب في ظل الضال والسلم كما قيل:
ولي البرية عدله فتمازجت ... أضدادها من كثرة الإيناس
تحنو على ابن الماء أم الصقر بل ... يحمي أخو القصباء أخت كناس

وفي جواره دوحة كثيرة الثمار غزيرة الأنهار نضيرة الأزهار رائقة الماء والكلا فائقة النشور والنما شائقة النشر والهوى رياحينها طريه ومروجها بهية ومقاصفها شهية فكان الأسد ذو الزهاده إذا أطال اجتهاده وأراد أن يربح نفسه من مشاق العبادة يتوجه إلى ذلك الروض الأريض والمرج البهي الغريض والمرعى الطويل العريض فيتنزه في نواحيه ويسرح سوائم طرفه فيه ويشغل صادح لسانه بتسبيح خالقه ومنشيه فبينما هو في بعض الأوقات يتمشى في تلك الخضراوات صادف دباً عظيم الجسم مليح الوسم فقبل الأرض بين يديه وذكر أنه أقبل لينتمي إليه وأنه قد سمع بأوصاف عدله ومكارم شميه وفضله فقصده ليتشبث بأذياله وينتظم في سلك خيله ورجاله ويزجى في خدمته باقي عمره ممتثلاً بارز مرسومه ونافذ أمره فتلقاه بالقبول والإقبال وشمله بالفضل والافضال وقال له طب نفساً وقر عيناً لقيت زينا ووقيت شيئاً فانتظم في سلك خدمه وانغمر في بحر كرمه واشترط عليه أن يحتمي عن لحوم الحيوان ولا يتعرض لإيذاء طائر ولا إنسان فامتثل ذلك بالسمع والطاعة وسار على سنن السنة والجماعة ثم بعد مدة يسيرة قصد الأسد مسيرة وخرج يسير على باكر وحوله طائفة من العساكر فلقى جملاً ضل الطريق وتاه عن الصاحب والصديق ونسيه الجمال وتركه الرفيق فبادر إليه جماعة الأسد وهموا بتبضيعه بالناب واليد فانهم كانوا الشدة القرم ألهبت أحشاؤهم بالضرم فناداهم الأسد ويلكم كفوا وعن التعرض إلى إيذائه عفوا لئلا لئلا يصيبه من الكيد ما أصاب صاحب كسرى ذي الأيد من كسرى لما خرج صباحاً إلى الصيد فقبل الجماعة الرغام وسألوا الإمام عن بيان ذلك الكلام (فقال) ذكر أن كسرى أراد يوماً الاصطياد فركب في جماعته وأهل طاعته وسار على الصباح وهو في نشاط ومراح وابنساط وانشراح فصادف رجلاً كريه المنظر مشوه الخلقة أعور فتشاءم بطلعته وتعوذ من رؤيته وتطير من صياحه وتكدرت صفو انشراحه ثمن أمر به فضرب ولولا تداركته الشفاعة لصلب ثم تركه وسار نحو صيد القفار فحاش الصيد واقتنصه من عسكره عمرو وزيد ورجع مسروراً فرحاً محبوراً وأدركه المساء فصادفذلك الرجل ملتفاً بكساء وكان ذا لب صحيح وعقل رجيح ولسان فصيح فأبدى كسرا ونادى كسرى واستوقفه بعدما استلطفه وقال أيها العادل والمالك الفاضل أسألك بالله الذي ملكك رقاب الأمم وحكمك في طوائف العرب والعجم أنعم على برد الجواب وبين لي الخطأ من الصواب فانك عادل حكيم فاضل كريم فوقف بعسكره واستنصت لخبره وقال هات مقالك وقل ما بدا لك فقال يا ملك ذا الأيد كيف كانت أحوالك اليوم في الصيد فقال على أتم ما نريد لقد حصله السادات والعبيد فقال هل حصل في أمور السلطنة وهن أو خلل أو في الخزائن المعمورة نقص وقلل قال لا بل أحوال السلطنة مستقيمة وديم الخزائن دارة مقيمة قال فهل ورد اليوم من الأطراف خبر يؤذن بتشويش واختلاف قال لا بل الجوانب مطمئنة والثغور من الأعداء والمخالف مستكنة قال فهل أصاب أحداً من الخدم والأصحاب والخول والحشم مصاب قال بل كلهم بخير آمنون من الضرر والضير قال فلم ضربتني وأهنتني وعلام كسرتني وطردتني قال لأن التصبح بك مشوم وهذا أمر مشهور معلوم قال سألتك بالله الذي تتقلب في مواهبه أينا كان أشأم على صاحبه أنا تصبحت بم وأنت تصبحت بي فأنت أصبت الذي ذكرت وقد علمت ما حل بي ومع هذا فإنما عبت وعتبت على الصانع وذهلت عما أودعه في من أسرار وبدائع فانه لا اختيار لي فيما فطرني عليه ولا مدافع ولا حيله فيما قدره علي ولا ممانع واسمع ما قلت بعدما وصلت في إهانتي وجلت:
لقد كان قصدي أن أسود على الورى ... بقد وطرف كامل الخلق بارع
ووجه يفوق البدر والشمس بهجة ... فعاكسني تقدير ربي وصانعي
ثم خطر بالبال هذا المقال قلت:
وددت لو أني أحسن الخلق صورة ... وأكمل من بدر السما وهو طالع
فأبدعني نقش المصور هكذا ... ولا صنع لي فيما بي الله صانع

فتنبه كسرى لكلامه وأمر بإعزازه وأكرمه وتدارك ما فرط منه بإحسانه وإنعامه (وإنما أوردت) هذا المثل لئلا يكون هذا الجمل مثل ذلك الرجل لأنه قد تصبح بي فلا أبدأ مكروهاً بسببي بل يرى الخير ويكفي أذى الغير وكذلك كل من هو عندي ومنسوب إلى من خولي وجندي ثم عاد ذلك البعير وسأله عن جليل أمره والحقير فأخبره أنه تاه عن أصحابه وأنه من بعد يتعلق بغرز ركابه ويلازم خدمة بابه كأصحابه فاكرم مثواه وأحسن متبوأه ومأواه إلى أن صار من أكبر الخدم وذا خول وحشم ورأس الندماء ورئيس الجلساء وأمن النكد والبوس وسمن حتى صار كالعروس فحسده الدب لعدم اللب وعزم بمكره على إلقائه في الجب واشتد بذلك البرم إلى أكل لحم الجمل القرم فأخذ يضرب في ذلك أخماساً لأسداس وأحتوشه في قضيته لسوء طويته القلق والوسواس فلم ير أوفق من إفساد صورته وأظهار سوء سريرته فيهلكه ويكيده ويفتنه ويبيده فيصل منه إلى ما يريده ويثمر بمكره الحسد ويصلح من شرهة ما فسد ويروج منه ما كسد فأدى فكره إلى أن يغري به الأسد فاختلى بالجمل وأبتدأ بالعمل وقال له لي معك كلام على كتمه منك ألام ولكنك لست موضعاً للسر لأنك لا تعرف هرامن بر وأنت ساذج ساكن سليم الفكر والباطن وقد قيل الحماقة في الطويل ولولا وفور شفقتي وحنوي عليك ومودتي ما فهمت لك بكلمة ولتركتك من التيه في ظلمه وقالت الحكماء ذو المعارف لا تفش سرك إلى طوائف منها سليم الفطرة ومنها مد من الخمرة ومنها الكثير الكلام ومنها المرأة والغلام فأنهم ليسوا محل الأسرار وأنهم يغشونها بلا اختيار وقد قيل كم إنسان أهلكه اللسان وكم حرف أدى إلى حتف قال الجمل وقد أثر فيه مكره ودخل يا أخي أتحقق شفقتك وصدقك وصداقتك وأعرف محبتك ونصحك ومودتك وأنت لا تحتاج في تجربتي إلى دليل في صحبتك زمان كقدى طويل وأنا أوكد قولي بالإيمان وأعقد على ما تلقيه إلى الجنان ولا أتفوه به لجماد ولا حيوان والشخص إذا لم يعرف منه ما يراد فلا فرق بينه وبين الجماد واذكر ما قلت لك في درب ابن تلك:ومن كان ذا عين ولا يبصر الذي أمامه فهذا والضرير سواء
وذو الجهل خير من عقول علومه ... سراج ولكن ليس فيه ضياء
ثم أنشأ ايماناً غلاظاً أنه يبالغ فيما يسمع منه احتفاظاً ولا يبدي منه لا ما ولا فاء ولا ظا فلما وقف الدب على جوابه وربطه بزمام تدبيره اختلى به وقال تعلم أيها الصديق المبين أن ملكنا في غاية العفة والدين وأعلى درجات العباد والزاهدين قد فطم نفسه عن الطعوم خصوصاً عن الدماء واللحوم ولكنه في ذلك كله غير معصوم فانه قد تربى بلحم الحيوان وتغذى بافتراس الأقران وتعد رضع الدماء وقطعت سرته على هذا الغذاء وتزهده إنما هو تكلف وتعسف وتصلف وتعففه مكابرة وتورعه مصابره ولا بد للنفس أن تفعل خاصيتها وتجذب شهواتها إليها ناصيتها وتطمح إلى مأزرها وتجمح إلى مركزها وقال الله تعالى فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وإذا كان ذلك كذلك فاحتفظ لنفسك واحفظ نصيحتي وأمسك وتفكر أحوال غدك في أمسك فانك في صحبة الأسد على خطر عظيم وخطب جسيم فلا تغفل عما قلت لك ولا تظن أنه لن يقتلك فداخل الجمل من هذا الكلام الخور ولم يبق له طاقة ولا مصطبر ثم ثبته التوفيق وتخلل في هذا الأمر الجليل فكرة الدقيق واستحضر رأيه في أمره وأجال قداح فكره وقال للدب المشوم يا أخي فأي ضرورة دعت الأسد الغشوم حتى تعفف عن أكل اللحوم قال أنا لا اشك في دينه ولا أرتاب في حسن يقينه ولكن ربما تعود المياه إلى مجاريها وتعطي القوس باريها وتتحرك النفس الأبية والشهوة التي طالما ألقت صاحبها في بلية لأن الإنسان بل سائر الحيوان على ما يقتضيه الكون والمكان دائرة مع اختلاف أخلاق الزمان فان الزمان كالوعاء والشخص فيه كالماء فيعطيه من إخلافه ما يقتضيه من كدره وصفائه ولهذا قيل لون الماء لون إنائه وقد قيل الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وناهيك يا ذا الكرامات ما قيل في المقامات:
ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعاميت حتى قيل أني أخو عمي ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده

والأسد في هذا الأوان ماش على ما يقتضيه الزمان وإن الزمان يتحول وسير جمع الأسد إلى خلقه الأول أما بلغك يا ذا الفطنة الحية قصة الحائك مع الحية قال لا ورب البرية فأخبرني عن كيفية تلك القضية قال الدب الأفك ذكران حائكاً من الحياك كانت له زوجة تخجل شمس الأفلاك صورتها مليحة وسيرتها قبيحة فشم زوجها روائح ما هي عليه من القبائح وخاف أن يؤدي إلى الفضيحة فطلب تحقيق ذلك ليوصلها إلى المهالك فقال لها أريد ضيعه لأجل بيعه فأغيب أياماً يسيره لفائدة كثيرة فارصدي بابك وأسدلي حجابك واحفظي من الشر جنابك فقالت بيت أنت رئيسه ومثلي قعيدته وعروسه أنى يحوم حوله فساد فأدرك سوقك قبل الكساد وجزته أسرع جهاز كالمتوجه إلى الحجاز فسافر من غير مريه ثمن رجع إلى البيت في خفية واختبأ تحت السرير لينظر ما يجري فبادرت إلى النار ونفخت وأسرعت إلى الطعام وطبخت وخرجت تدو مرامها وقد هيأت طعامها فخرج زوجها من المخبأ وأتى على الطعام المهيأ ورجع إلى مكانه ونام بعد أكله الطعام فجاءت المرأة بحريفها وقصدت الطعام لمضيفها فصادفت يدها الحصير فعرفت أن البلاء تحت السرير فأخذت تطلب المخلص من ذلك المنقص واتفق أن الملك رأى مناماً هاله ولكن نسي هيئته وحاله فقصد من يخبره برؤياه ويعبر هاله فنادى في الورى يطلب لمنامه مخبراً ومعبراً وبينما تلك الفاجرة على حيلة الخلاص دائرة وفي بحر الأفكار حائرة سمعت المنادي ينادي في كل نادي من يدل الملك الهمام على معبر المنام فله مزيد الإكرام والإنعام العام فسارعت المرأة إلى باب الأمير وقالت قد سقطت على الخبير أن لي زوجاً حكيماً بتعبير المنامات عليماً لكنه يتعزز وعن تعبيرها يتحرز فلا يفوه بالتعبير إلا بعد ضرب كثير وأنه ليس له في ذلك نظير فأرسل وراءه وأكرم لقاءه ثم قال له بعد إكرام أوصله ووعده بأنعام وصله رأيت مناماً راعني وفي الحيرةوالفكر أضاعني فدع عنك الاحتشام وأخبرني عن ذلك المنام ثم عبره لي فقد أخبرت أنك حبيب لله ولي فقال يا مولانا الملك أنا في الجهل منهمك حائك فقير ليس لي من العلم نقير ولقد كذب علي من نسب العلم إلي والعين تعرف العين أنا من أين وتعبير الرؤيا من أين فما صدقه ولا في كلام استوثقه وصدق قول المرأة فيه بإيصاله ما ينكيه ثم طلب المقارع وشدوا منه الأكارع وضربوه ضرباً أعسفه إلى أن كاد أن يتلفه فنادى الأمان الأمان أمهلني ثلاثة أيام من الزمان فتركوه وأمهلوه وقيده أطلقوه فصاروا بدور في الخرائب ويتضرع تضرع النائب ففي ثالث الأيام وقد أيقن بحلول الحمام دخل إلى مكان خراب وأخذ في البكاء والانتحاب فنادته حية من الشقوق مالك تنتحب يا ذا العقوق فأخبرها بحاله وما جرى عليه من نكاله فقالت ما ذا تجعل لي من الأنعام إذا أخبرتك بما رآه الملك في المنام ثم فضضت عن تعبيره مسك الختام قال أكون لك عبدا وصيفا وأعطيك مما أعطى نصيفا قالت إن الملك رأى في منامه أن الجو يمطر من غمامه أسود ونمور وفهودا وببور وأن السماء في ذلك تمور وتعبير هذا المنام والله أعلم أنه يظهر في هذا العام للملك أعداء كواسر وحساد جواسر يقصدون هلكه ويريدون ملكه وسيطفئ نار كيدهم بمياه سيوفه ويسقيهم من رحيق فتوحه كاسات حتوفه فكشفت غمته ثم أصلح لباسه وعمته وقصد باب الملك ونادى غير مرتبك وذكر المنام وعبره ووعد السلطان بالنصر وبشره فتذكر المنام وحققه واعتمد عليه وصدقه وأمر له بألف دينار وصار له عند الملك بذلك الاعتبار فأخذ الذهب مجبورا وانقلب إلى أهله مسرورا ثم افتكر ما اشترطه مع الحية فأبت عن الوفاء نفسه الشقية وخاف أن تطالبه بحصتها أو تفضحه بقصتها فلم ير أوفق من قتلها وسد ذريعة سلبها فأخذ عصا ورام بذلك مخلصا وقصد مأواها ووق فناداها فخرجت مسرعة إليه وأقبلت بالوداد عليه فرأت العصا بيمينه فعلمت أنه ناكث بيمينه فولت هاربة فضربها ضربة خائبة لكنه جرحها وعمد إلى نفسه ففضحها وتركها وذهب فائزا بالذهب فاتفق أن في العام الثان رأى السلطان مناما أقلقه وعن نومه أرقه ومن شدة أهواله محاه الوهم عن لوح خياله فدعا المعبر المعهود إليه وقص حاله عليه وطلب منه صورة المنام وما يترتب عليه من كلام فاستمهله الأيام المعدودات وقصد رئيسة الحيات وناداها عجلا ووقف في مقام الاعتذار خجلا فقالت أي غدر كيف استحليت ما مضى من فعلك ومر بأي وجه تقابلني

وتخاطب وقد قصدت عطبي بعد ما خلصتك من المعاطب وقابلت إحساني بالسوء ولكن غدرك بك يبوء فقال عفا الله عما سلف والصداقة بيننا من اليوم تؤتنف ثم أنشأ أيمانا أنه يبدل الإساءة إحسانا وأنه لا يخون ولا يمين فيما يقع عليه العهد واليمين بل يعود إلى العهود ومهما وقع عليه الاتفاق لا يمازجه خلف ولا نفاق فقلت أريد جميع الجائزة لأكون بها فائزة ولها حائزة فأجابها إلى ما سألت وعاهدها على ذلك فقبلت وقالت رأي الإمام في هذا المنام أن السماء تمطر قردة وفيرانا وثعالب وجرذانا وتعبير هذه الرؤيا وكلمة الله هي العليا في هذا العام والشهور والأيام يكثر اللصوص والعيارون والمكرة والطرارون ويظهر في العساكر كل حسود ماكر وشيطان داعر ولكن صولة الملك تمحقهم وصواعق سيوفه تصعقهم فأسرع إلى السلطان وخبره بما رآه في منامه وعبره فقال بالحق أتيت هذا الذي كنت رأيت ثم أمر له بجائزة سنية وخلعة بهية فصار في عيشة مرضة وحياة هنية وسلك طريقته الدنية فلم يلتفت إلى عهوده القوية ونبذ عهد الحية الحبية وقال يكفيها مني كفي عنها فلا تطالب مني ولا أطلب منها ثم أن السلطان رأى في المنام في ثالث الأعوام مناما آخر ونسيه فأرسل إلى المعبرة فغشيه من يم الهم ما غشيه وسأله عما رآه وطلب منها تعبير رؤياه فطلب كما كان وأحاط به موج الهم من كل مكان ولم ير بدا من معاودة الحية فأتاها وبه من الحياء كية وناداها بصوت خاشع ووقف في مقام الذليل الخاضع فخرجت فرأته وزأرته وقالت يا خائن يا كذاب يا ناقص العهد يا مرتاب يا قليل الحياء يا كثير البذاء يا صفيق الوجه يا حقيق النجه ترى بأي لسان تخاطبنيوبأي وجه تقابلني وقد ختلت وفتلت وفعلت فعلتك التي فعلت فقال لم يبق للاعتذار مجال ولا للاستقالة مقال وما ثم طريق إلا معاملتك بالأفضل فأن أفضلت أتممت الإحسان وإن رددت فعذرك واضح البيان وهذه المرة الثالثة لا تكون يمينها حانثة ولا عهودها ناكثة وأشهد الله وكفى به شهيدا أني بعد لا أنقض لك عهوداً ولا أجل مما بيننا عقوداً لا أخبرك بشيء أن لا تعهد إلى أن تعطيني جميع ما تعطي وتكف هما وقع منك من الخطأ فسمع مقالها وأجاب سؤالها فقالت رأى الملك في منامه كان الجو أمطر من غمامه ما ملأ الفضاء من خرافه وأغنامه وتعبير هذا المنام أنه يكون في هذا العام من الخيرات والأنعام ما يشمل الخاص والعام فتطيب الأوداء وتصالح الأعداء وتطيع العصاه وتذعن البغاة ويوافق المخالف ويكثر المحب والموالف فاحفظ ما قلت لك فقد حللت مشكلك فتوجه بصدر منشرح وخاطر مطمئن فرح وقص المنام وعبر ما فيه من الأحلام فطار الملك بالفرح وتم سروره وانشرح وأمر بالجوائز فصبت عليه وبالأموال فانهالت إليه فنعم بتلك العطبه والخلع السنية وقصد وكر الحية ثم وقف وناداها وقدم إليها كل ذلك وأعطاها وشكر لها إحسانها وتحمل جيلها وامتناعها فقالت له الحية أعلم يا أبلم أنه لا عتب عليك ولا ملام فيما جنيته أولا من الآثام ولا ما ارتكبته من العداوة والمين في العاملين الأولين ولا فضل لك في هذه السنة على ما فعلته من الحسنه فان ذينك العامين كانا مشتملين على قران النحسين فكان مقتضى حالهما فساد الزمان والعداوة بين الأصدقاء والأخوان ووقوع البغضاء والشرور والحنث والخلف وقول الزور فجريت على مقتضاهما حسب مرتضاها والناس في طباعهم وأيامهم أشبه بزمانهم منهم بآبائهم وهذا الأوان قد انصلح الزمان واستقام الطالع وزال الحسد والتقاطع واقتضى الزمان الصلح والصلاح والموافقة والفلاح فمشيت على موجبة وتشبثت بذيل مذهبه فخذ مالك وانصرف بارك الله لك فيه فلا حاجة لي به ولا يد لي لتقلبه (وإنما) أوردت هذا المثل أيها الجمل لتعلم أن الزمان لتقلبه في الدوران يوقع بين الأصحاب والأخوان ويباين بين الأصدقاء والخلان والأسد المجتهد وإن كان قد زهد وترك من أخلاقه ما عهد فيمكن عوده إلى حاله الأولى فالاحتراز منه في كل حال أولى وها أنا قد أخبرتك ومن سوء العاقبة حذرتك وعلى ما وصل إليه فكري أطلعتك وفرط محبتي وشفقتي عليك اقتضى إفشاء السر إليك ومن أنذر فقد أعذر ومن بصر فما قصر قال الجمل يا أخي فنترك هذا المقام ونروح ونخدم من في خدمته نستريح قال الدب الجاحد إذا كان هذا العابد الزاهد الراكع الساجد الذي قد تعفف عن أكل اللحوم وليس له دأب إلا إغاثة المظلوم قد عف عن

الدماء وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن غائلته ولا تعتمد خاتلته فإلى اين نتحول وعلى من يكون المعول وأنى نذهب وفيمن نرغب قال الجمل فكيف يكون العمل فلقد ضاقت بنا الحيل وتقطعت بنا السبل لا طريق للمفر ولا قرار للمستقر فأفكر الدب طويلاً ثم رأى رأياً وبيلاً وقال أرى الرأي السديد والفكر المفيد أن نبادر الأسد قبل وقوع النكد فنقصده بما يقصده ولا نوصله إلى ما يعتمده فالعاقل يفتكر في عواقب الأمور ويقيس بفكره السرور والشرور ويستعمل الحزم وإذا قصد أمراً يصمم العزم وناهيك قضية الثعبان مع ذلك الإنسان قال الجمل أخبرني عن تلك القضية ومن ذلك الإنسان وما تلك الحية (قال) أبو حميد الخبيث بلغني من رواة الحديث أن شخصاً من الصيادين كان مغرماً بصيد الثعابين يتسبب بصيدها ولا يبالي بكيدها فبينما هو يسعى إذ صادف أفعى شرها ناجز كما قال الراجز:
أرقش ظمآن متى غص لفظ ... أمر من صبر ومقر وحظظ

وقد أثر فيه الحر بالحرق وهو نائم في مكان منطبق فاستبشر الحواء برؤيته وقبضه من عقصته فلم يفق الثعبان من رقدته إلا وهو من الحاوي في قبضته فتماوت وامتد وارتخى فأسبل بعد ما كان اشتد فظن الصياد أنه مات وإن مراده منه فات فتحرق لذلك وتألم عليه وتضرم وحرق عليه الأرم ورماهمن يده ثم دار في خلده أن في بطنه خرزة بهية مشرقة مضيه فاخرج الشفرة وقصده ومد لتبضيعه يده فلما تحقق الأرقم ما عزم عليه وصمم خدعه وختله وضربه فقتله (وإنما ذكرت) يا أبا أيوب هذا المثل المضروب لتتحقق أن المبادرة إلى اهلاك العدو أقر للعين وأجلب للهدو ومن فوت الفرصة وقع في غصة وأي غصة وهذا الأسد غفلنا عن أنفسنا أبادها وقصد دمارها وفسادها ولا يفيدنا إذ ذاك الندم بعد ما زلت القدم وتحكم في وجودنا من مخالبه العدم فقال الجمل أعلم أيها الرفيق الصديق الشفيق إن هذا الملك آوانا وأكرم مثوانا ولم نشاهد منه سوأ ولا من ظلمة باطنة أنسناضوأ ولو قصد أذانا ما وجد دافعاً ولا ممانعاً وقد علمنا أنه ترك الأذى وكف عن الشر والبذا تعففاً لا تخونا وتكرما لا تكلفاً واختيار الاضطرار وجبر الكسر نالا إجباراً وأما أنا على الخصوص فلم أر منه إلا الجميل والفضل الجزيل والإحسان العريض الطويل فلأي شيء أشرع في أذى نفسي وأكدر في حدسي ولم يظهر لي منه أماره لا بمقتضى ولا بدلالة ولا بإشارة فضلاً عن سباق أو سياق بعبارة وأنا لو مت كمدا ما قصدته بأذى ولا رديته برداء ردى والصوفي ابن الوقت لا يتقيد بنكد ولا مقت فان قصدني بعد ذلك بشر أو تعرض لي بهلاك وضر لا يسعني معه إلا التفويض والتسليم والتوكل على العزيز العليم مع أني لا أقدر على مقاومته ولا قوة لي في دفع مصادمته ولا طاقة لكسر أنيابه ومخاليبه ولا خلاص من إشراك أساليبه غير أني وإن كنت منسوباً إلى التغفل لا أدع من يدي ذيل التوكل فبالتفويض يحصل النجاح وبالتوكل يظفر بالفلاح كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب والشجاع حال التوكل على الله تعالى والانقطاع فسأل أبو سلمه إيضاح هذه الكلمة (قال) أبو صابر بلغني من أحد الأكابر أن شخصاً فلاحاً توجه إلى ضرورة صباحاً من غير رقيق ولا حامل سلاحاً فبينما هو في البيداء سائر صادفه ذئب داعر خاتل خاتر فقصده ليكسره ففر وصعد إلى شجره فترصد نزوله وانتظره تحتها ليغوله فانعصر وعن ضرورته انحصر وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حية رديه ذات قرون صاعدة وهي على بعض الفروع راقدة فازداد همه وأحاط به لوهمه غمه فاستمر بين بليتين وانحصر في ديوان داهيتين دهيتين فلم يرأ وفق من التوكل على الله والإعراض عما سواه فاعتمد متوكلا عليه وفوض أموره إليه وبينما هو في تلك الشدة وقد بلغ ضره حده وإذا برجل مقبل من الفلا وعلى عاتقه عصا فقصده الذيب من قريب فلما رأى السلاح فروله كلاح فنزل الفلاح من الشجرة وأزال الله تعالى همه وضرره (وإنما أوردت) هذا المثل لتعلم أن الله نعم المتكل فأخرج هذا الوسواس من القلب والراس ولا تبك سلفا ولا تعجل تلفا ولا تخلع الحذاء يا ذا الرياضة قبل أن تصل إلى المخاضة ولا تهتم لأمر ما وقع فإن ذلك من شر البدع فإن قصدنا بسوء فالله يكافيه ويكفينا بحوله وقوته فيه قال الدب ذو الضرر هذا رأي القاصر في النظر العاجز في الفكر فأما ذو الفكر الثاقب فلا يغفل عن العواقب فكل من قصر عن العواقب نظره ولم يسدد في الأمور فكره فهو كمن تعلقت النار بأهدابه والتهبت لإحراق ثيابه وهو مشغول عن إطفائها متساهل في كشف أنبائها فلم يفق إلا وقد نشبت وأعضاؤه بالنار التهبت فما تفيده الإفاقة وقد صار حراقة قال الجمل يا أخي أفق من محالك وعالج فساد تصورك وخيالك وانظر قوة جلدك وكيفية حالك أنا لحمي من صداقات الأسد وحبه في دمي وعظمي ثبت كيف أجحد نعمه أو أريق دمه وأنا غرس صدقاته وبنيان نفقاته ورفيق حضرته وعتيق منته مع إني لو نبذت عهده فقطعت ما قطعت وعزمت على مناوشته ما استطعت أما وعيت في معاني ما رويت:
هي العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا

تريد صيد العقاب بفرخ الغراب أن تقتنص الذئاب بجرو الكلاب وتبغي بالقرود كسر الفهود أم بالسنانير تصيد الأسود ولا والله لا أقصده بأذى ولا يطاوعني قلبي على ذلك أبدا ولو فعلت ذلك لسعيت في دماري وخراب دياري وجدعت أنفي بكفي وبحثت عن حتفي بظلفي وجززت بيدي رأسي وقطعتقدمي بفأسي وقلعت بإصبعي مقلتي واستحفظت ملك الموت مهجتي ولصرت من أكبر المعتدين وأفسدت ديني ودنياي والله لا يحب المفسدين قاطعوني هذا الكلام وارجع عن مفاوضتي بسلام ولا تشكك به جنانك ولا تحرك به لسانك وكان بالقرب منهما وكر فارة وقد سمعت ما جرى بينهما من عبارة ووعت كلامهما وما دار بينهما من كل منهما فلما رأى الدب المريد أن كلامه للجمل لا يفيد أمسك واحتشم وأخذه في ذلك الندم ولكن حال من الجمل الحال وأثر فيه هذا المقال واستولى عليه من الأوجال ما أداه إلى الهزل وصيره من الانتحال كالخلال وذهب ما كان عليه من النشاط وداخله الهم والاختباط وصار كل يوم في انحطاط ولم يزل بين نضو ورزاح ورازم ونازح فتعجب الأسد من حاله ولم يقف على سبب هزاله وكان عند السد غراب مقدم على الأصحاب هو وزيره ومعتمده وصاحب أخباره وعضده فعرض عليه حال الجمل وما شاهده منه من وجل وقال أنا عففت عن أكل اللحوم ورضيت من العيش بأدنى الطعوم وهذا أمر قد عرف واستقر فما بال هذا الجمل لا يأخذه مقر فأريد أن تعرف حاله وتخبرني صدقه ومحاله فتوجه الغراب إلى منزل الجمل وقد اخلص في القول والعمل وسأله عن حاله وموجب هزاله وانتحاله وما سبب هذا الرزوح والرزوم المؤدي إلى النزوح فما أحار جوابا ولا ذكر خطأ ولا صوابا فصار الغراب يرتقبه وحيثما توجه يعتقبه ففي بعض الأيام كان الغراب على بعض الآكام رأى الجمل قد أقبل إلى الماء ليطفئ بشربه سورة الظمأ فتخفى الغراب واقتفى ظهره إلى أن قاربه وكمن خلف صخرة فسمعه يقول بعد ما شرب وقد رأى السميكات في اللعب لك الحمد يا رب ما أرحمك وطوبى لكن يا سمك لا من رئيسكن تخفن ولا من هيبته ترجفن لا ملك يهولكن ولا سلطان يغولكن ولكن البكاء على الجمل الذي ضاقت به الحيل قد وقع في دردور البلاء ولا يهتدي إلى طريق النجاء بل ولا يدري عاقبة أمره المهول ماذا تؤول إلى الغرق والندامة أم إلى النجاة والسلامة ثم أخذ في الانتحاب إلى أن أبكى الغراب فلما رأى أبو القعقاع هذه الأوضاع قضى من الأمر العجاب ما يستشيب منه الغراب ثم توجه إلى أسد الشمري وعرض عليه ما جرى بتخيير المشتري فتشوش فكره وتشور أمره وضاق بالهم صدره وقال أنا كففت عن الشر والشره وعففت عن ذاك كان يرني ولم أره وتركت القرم والأذى وفطمت نفسي عن لذيذ الغذا ليأمنني أصحابي ويأنس بي أحبابي فإذا لم يستقر خاطرهم ولم تطمئن على محبتي سرائرهم أي فائدة لي في الحياة وكيف أخلص في حرم المودة من كدر العيش إلى صفاه وكل ملك لا تصفو له رعيته ولا ترسخ في قلوب جنده محبته كيف يثبت سلطانه أو يساعده عند الشدائد أعوانه أنا بذلت جهدي وطاقتي وتشبثت بأذيال الصلاح على قدر استطاعتي ولم يبق إلا التضرع والاستكانة والتخشع إلى مقلب القلوب وعلام الغيوب ليكشف هذه الغمة ويصلح هذه الأمة ويجلو عن جبين الحق بهيم هذه الظلمة ثم تضرع إلى عالم الأسرار ليطلعه على حقيقة هذه الأخبار ثم أمر باجتماع جماعته المقيمين على محبته وطاعته وعرض عليهم هذه الأحوال وطلب منهم استكشاف ما فيها من الأهوال وقال اعلموا أني أمنتكم من مخافتي وبذلت لكم بدل عنفي لطافتي وقد حققتكم مرامي وصدقتم كلامي وعرفتم أخلاقي وشدى أعلاقي كل ذلك لتطيب خواطركم وتصفو لي سرائركم ولم أفعل ذلك عجزا ولا خورا ولا تهاونا ولا ضجرا وأنا الآن آمركم بواحدة هي أجلى فائدة أن لا تكتموا عني شيئا تكرهونه مني بل أوقفوني عليه وأرشدوني إليه ثم اجهدوا إني أمنعه عني فإن فيكم أجل محبوبي من أهدى إلى عيوبي وقد قال سيد الأنام عليه افضل الصلاة والسلام اللهم أبلغه أفضل التحيات عنا من غشنا فليس منا وإنما أوردت هذا الكلام في هذا المقام بحضور الخواص والعوام على سبيل التحذير والإعلام والتنذير وأقسم بالله العلي الكبير اللطيف الخبير الذي منه المبدأ وإليه المصير لم يكن في خاطري من أحد حقد ولا حسد ولا هجس بخاطري له إيذاء ولا نكد وهاأنا قد أخبرتكم وبإطلاعي أمرتكم فلم يبق لي ذنب يستغفر منه ولا لكم في

الإخفاء ما يعتذر عنه وإن الله تعالى لا يعذب بضلال الأسافل بل يهب للأعالي الأراذل فإذا فسد الرأس تغيرت الناس فحل البأس ولقد قال خالق البرية وباريهاوإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فقام الحاضرون في مقام العبودية والولاء وبسطوا ألسنتهم بأنواع الثناء والدعاء ونادوا بكلمة واحدة متفقة متأكدة حاشا الله ما علمنا عليك من سو ولم تزل تطيب علل تقصير ناوتاسو وتستر بذيل عفوك كل عارمنا وتكسوو كان هذا الكلام للأكابر وقد اجتمع المبادي والحاضر وأبو حميد المفتن فيما بينهم حاضر فأدرك بهذا العمل أن الأسد شعر بشيء من جهة الجمل فاستدرك فارطه وسلك المغالطة ثم اختلى بالأسد ولم يكن معهما أحد وقال كان مولانا الملك وقاه الله شر المنهمك أحس بشيء أوجب تقرير كلامه لطائفة جنده وخدامه وأنا عندي كلام لم يطلع عليه أحد من الأنام ولم أبده للملك بحضرة الجماعة لأنه ربما لا يقصد الملك به الإذاعة ولا يمكنني إخفاؤه وقد كان إبداؤه فاعلم أيها الملك الهمام كفاك الله شر اللئام أنه كما يستحقر العالم الجاهل كذلك يزدري الجاهل العاقل وذلك لقصور فهمه وعدم علمه ومهما أحاط الخادم بمرتبة مخدومه وزاد علو قدره في معلومه ازداد في قلبه وجوارحه مقدار تعظيمه واستقرت هيبته في قلبه وروحه وصارت كوش خشيته تنادمه في عبوقه وصبوحه وقد قال رب الأرض والسماء إنما يخشى الله من عباده العلماء وقول النبي عليه الصلاة والسلام أنا أعرفكم بالله وأخساكم لله إشارة إلى هذا المقام وكلما ضعفت معرفة الخادم بالمخدوم قلت قيمته عنده وهذا أمر معلوم ثم اعلم يا ملكا أعظم أن الجمل الطويل الأمل قد اغتر بالملك حين كان في ذرى أمنه سلك وأحسن إليه غاية الإحسان وصار في عدم الوفاء كالإنسان وحصل له من سورة غضبه الأمان فجهل قدره وتعدى طوره وقد قيل:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فوضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى

وقال الله تعالى إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى وكل نفس لا تحتمل الجميل وحوصلة العصفور لا تسع لقمة الفيل وناهيك ما قد قيل في الأقاويل عن حماقة كل طويل فلا حرم فسد دماغه حين حصل فراغه وتطاولت نفسه في مسارها إلى أشياء لا يمكن أفشاها ولا يتفوه بها مسلم ولا يرضاها لأن ذكرها قبيح والكناية أبلغ من التصريح فلما سمع الأسد هذا المقال علم ببديهة العقل أنه زور ومحال ثم أرسل إلى الغراب وذكر له هذا الخطاب ليميز خطأه من الصواب ويبين القشر من اللباب فلما أتى الغراب إلى حضرته وجلا صورة هذا القول على مرآه فكرته قال له ضميرك المبارك في حل هذا المشكل لا يشارك فانه حلال المشكلات موضح المعضلات وأما أنا فلا أسمع هذا الكلام ولا أقبل في الجمل الملام فأني أعرف تواضعه ومسكنته وصبره وطاعته وإخلاصه وقناعته وأنه صادق في محبته مخلص في عبوديته وأعرف أن خوفه من الملك غالب على رجائه وأنه مع ذلك مقيم على سنن وفائه وعقود عهوده وصفائه ولو أراد الذهاب لذهب بسلام ولا في وظيفته قيد ولا في تبرته خطام ثم قال الغراب والغالب على ظن ذوي اللب إن هذه الفتن أصلها وأصلاها الدب لأنه قد تقرر وتحقق واتفق كل حكيم موفق أنه إذا نقل ناقل محمق عن عاقل ابتدأ بالإحسان إساءة فلا يصدق فالملك لا يبادر في هذه القضية حتى يتبصر الأمر عن جليه وحاشاه أن يفرط في خدمة المخلصين من غير أن يتدبر أمورهم بيقين ويختلي بعبده الجمل ويتحقق منه أصل هذا العمل بعد استجلاب خاطره وتطييب سرائره وضمائره فاستصوب الأسد هذا الفصل واختلى بالجمل ليقف منه على هذا الأصل وسكن حاشه وأزال بلطيف الكلام استيحاشه وشكر في خدمته مساعيه وطلب بملاطفته مراضية ثم طلب من الجمل تفصيل ما بلغه من جمل وأكد قوله بالأيمان أنه لو صدر منه تقصير ونقصان ولو كان مهما كان فانه قد عفا عما هفا ولا يكدر من عيشه ما صفا ولا يمزق رقيق حاشية وفائه بالجفا ولا يتقيد بهفواته ولا يطالبه أبداً بزلاته فليطلعه على جلية الحال وليذكر ما وقع منه من أقوال وأفعال فافتكر الجمل في معاهدته مع الدب وأنه لا يفشي سر ذلك العديم اللب وكيف ينقذه من غضبي جمرشب وقضاء عمرة صب فقال إن أضعت صاحبي وإنسكت قصرت في جانبي ثم اختار كتم الأسرار وسلك طريق الأحرار والوفاء بالعقود وعدم نكث العهود وقال اسعد الله مولانا الذي بوجوده أحبانا أنى أتفكر في عواقب الأمور وأنظر في تقلبات الدهور وأخشى سطوات السلطان وأخاف من حوادث الزمان فلا أزال من هذا الخيال في انتحال وهزال إلى أن صرت إلى هذا الحال فان كان هذا ذنباً يوجب العقوبة فإن إزالته عن خاطري فيها صعوبة وهذه أوهام لا يمكن دفعها ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها قال الأسد فهل اطلعت على ما يوجب ذلك أو يدل على الإلقاء في المهالك وتضييق المسالك من حركات أفعالي أو من فلتات أقوالي أو تقلبات أحوالي أو نقل إليك ناقل من جاهل أو عاقل فأفحم الجمل الجواب وأطرق فلم ينطق بخطأ أو صواب فقال الغراب لا ينجيك إلا الصدق وكشف أستار الريب عن جبين الحق وكان حاضر هذه الفحوى خلد أعمى وهم عنه غافلون وعن استماعه ذاهلون ففي الحال توجه إلى الدب وقال صورة ما جرى بتخيير المشترى فعلم الدب إنه افتضح وأمره اتضح فنهض وما قعد ودخل على الأسد فرأى الجمل مطرقا لا يلوك منطقا فمد صولجان اللسان وخطف كرة البيان وسابق بالكلام خوفا من الملام وقال بلسان طلق كلام فاجر مختلق اعلم أيها الطويل الأبلم أنك لو أمسكت عن كلامك القبيح في وقتك الفسيح لكان أصوب وأحسن وأعجب لكن لما فهت بالعبر وأتيت بإحدى الكبر وصادمت القضاء والقدر وخنت ولي نعمتك وقصدت إهلاك الملك بقبح شيمتك أزال الله سترك وأبدى أمرك وفضحك وقبحك وبلجام الخزي كبحك لا جرم جرمك حسبك وإثمك العظيم أخرسك فأبهت الضرغام من هذا الكلام وشاب الغراب من هذا الأمر المشاب ووقعوا في الاضطراب والشك والارتياب واشتبه الخطأ بالصواب وقالوا إن هذا الشيء عجاب فقال الجمل للدب يا فقيد اللب يا قليل النصفة وعديم المعرفة وأنحس أفاك وأنجس سفاك وأبخس بتاك أتظنني خائفا من كلامك وخطابك عاجزا عن ملامك وجوابك أما كفى أني قصدت ستر عوارك وإطفاء نارك ومفتكر في تلافي قضيتك وإخماد لهيب فتنتك وإهماد شرار مصيبتك وعلي تقدير التسليم وإني فهت بالكبر والأمر العظيم أكنت معك منفردا أم

رأيت بيننا أحدا فغن كان بيننا أحد فأحضره إلى حضرة الأسد فإني أرضى به وبما بين ولا أدافع فيما يشهد ولا مطعن وإن كنت أنت وحدك فما منعك عن نصح الملك وصدك فأنت إذا أما خائن وإما مائن وهذا أمر محقق بائن ولولا أيماني التي ربطت بها لساني لكنت أظهرت البريء والجاني ولكن تحليفي إلى الكتم والسكوت ألجأني وسيظهر الله الحق ويفصل وللباطل صولة ثم يضمحل ووالله ما لك مثل مع المسكين الجمل إلا امرأة النجار لما أغلقت باب الدار قال أبو الحرث الغضوب أخبرنا يا أبا أيوب كيف كان هذا الحديث لنطلع على هذا الفعل الخبيث (قال) ذكر رواة الأخبار أنه كان هناك رجل نجار له زوجة تخجل الأقمار وتكسف شمس النهار كأنها الدنيا تخدع بملامح صورتها وتصرع بروائح سيرتها فكانت كلما رقد زوجها وهو تعبان انسابت إلى الأخدان انسياب الثعبان فتقضي الليل بانشراح في عناق وشرب راح إلى أن ينفجر الصباح ثم تنثني عائدة فلا يستيقظ الزوج إلا وهي عنده راقدة ففطن في بعض الأوقات لفعلها وراقب ليلة خيال خلتها فتراقد في الفراش وذهبت لطلب المعاش فنهض وراءها البحار وأوصد لما خرجت باب الدار واستمرت هي وصاحبها وزوجها مستيقظ يراقبها فلما عادت راجعة وجدت الأبواب مانعة فطرقت الباب من غير اكتراث واكتئاب فناداها يا خائنة اذهبي حيث كنت كامنة فقالت استر هذه الذنوب فإني من بعد أتوب فقال لها لا والله الرحمن حتى تفضحي بين الجيران فقالت الموت أهون من الفضيحة فاغفر لي هذه القبيحة وأنا أحلف ياودود بالله الرب المعبود أني أتوب ولا أعود ثم ألحت عليه وتضرعت لديه فلم يفتح لها بابا ولا رد عليها جوابا فقالت والله اللطيف الخبير لئن لم تفتح الباب لألقين نفسي في هذا البير ولأرمينك بقتيل بين الحقير والجليل ثم عمدت إلى حجر كبير وطرحته في تلك البير ثماختفت عند الباب لتنظر ما يبرزه القضاء من الحجاب فلما سمع زوجها خبطة الحجر تصور أنها تلك البغي فابتدر وفتح الباب وإلى نحو البئر طفر ولم يشك أن تلك البغي ألقت نفسها في الطوى فما وصل إلى البير ذلك الرجل الغرير إلا وقد دخلت في وسط الدار ثم أوصدت الباب واستغاثت بالجيران والأصحاب وأحكمت الرتاج وأوقدت السراج وملأت الدنيا بالعياط وأخذت في الهياط والمياط فاجتمع الجيران لينظروا ما هذا الشان فقالت هذا الرجل الظلام يتركني كل ليلة حتى أنام ثم يتوجه إلى الزواني ويدعني أقاسي القلق وأعاني وأتقلب في أرقي وأشجاني فأخذ الرجل يحلف بالله ذي الجلال ويذكر للحاضرين حقيقة الحال فتارة يصدق وأخرى يكذب وهو بين مصدق منهم ومذبذب فلم يزالا في عويل وصياح إلى أن ظهر تباشير الصباح فحضرا إلى القاضي واختصما وشهد بعفة الرجل الصلحاء والعلماء وأظهر الله الحث وثبت على المرأة الخيانة والفسق ولولا ذلك لذهب البريء غلطا وانقلب صواب المحق الصادق خطأ (وإنما أوردت) هذا المثل لتعلم أيها الملك البطل خيانة الدب وبراءة الجمل والرجل إذا عن فعل الشجعان يتشبث بحبائل الشيطان ويستعمل مكر النسوان ونظير هذا الكياد ما وقع بين صادق دمشق وفاسق بغداد وهي قضايا جليلة الأبواب طويلة الذيول والأذناب قد دونت في مجلدة لا يسعها هذا الكتاب ففكر الريبال في هذه الأحوال ثم أمر بهما إلى الاعتقال وكان للملك سجان ذكي كنيته أبو الحصين واسمه ذكي فتسلمهما واحتفظ بهما فلما استقرا في قبضة الحبس واستمر أمرهما تحت أذيال اللبس توجهت الفارة التي كانت سمعت سر مناجاتهما واطلعت من أول الأمر على حكاياتهما إلى السجان وهما في أضيق مكان وسألته عم ماذا آل إليه أمرهما من شأن فأخبرها بحالهما وجهل عاقبة مآلهما وأنه ليس بعالم من المظلوم منهما والظالم فقالت الفارة أسألك يا ذا الشطارة والذكاء والمهارة إذا ترجح لأحدهما الجانب وتبين الصادق والكاذب وتعين المرضي عنه والغضوب عليه تطلعني على ذلك لأنظر إليه قال السجان للفارة لقد فهمت عنك بالإشارة وأدركت من فحوى العبارة أن لك اطلاعا على هذا الأمر وفرقا جليا بين تمرة والجمر فإن كنت شممت من ذلك روائح فبادري بأداء تلك النصائح فإن قولك مقبول ولك الفضل لا الفضول ولا تقصدي بهذا الإرشاد إلا مصلحة العباد وكشف الغمة وبراءة الذمة وردع الظالم وخلاص ذمة الحاكم قالت الفارة وأنا لا أقصد إلا إصلاح ذات البين وشمولهما بعاطفة الملك بحيث يصيران كالمحبين ويرتفع

النكد ويحصل رضا الأسد ويحسم الضرر والضير وتختم عاقبتها بخير وأيضا فإني سمعت من العلماء وضبطت من نصائح الحكماء ومقالات ذوي الآراء أنهم قالوا إياك والتكلم في أمور الملك ببيضاء أو سوداء وأين بنت الجرد من ملك الوحوش الأسد قال السجان لا تقولي ذاك ولا تستحقري جدواك وما ترين في فتواك ودونك القول الصادر من نظم الشاعر الماهر وهو:
لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص
فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط قيمته هو إن الغائص
وإن النصيحة كالعسل والحق يصدع كالأسل فالعسل يعطي حلاوة ذوقه سواء كان في صحاف الذهب أو في زفة وقاصد الصواب والنصيحة ومن أغراضه لدفع الفساد صحيحة يخاطر بنفسه وماله ويراقب ما فيه حسن مآله وأفضل المعروف إغاثة الملهوف سمعت في المثل السائر أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وهذا هو الطور عند ملوك الجور وملكنا أعد ل الحكام وناصر دين الإسلام متصف بمكارم الأخلاق والشيم ومعاملة الكبير والصغير بالمراحم والكرم فإن كنت تدرين بجهة الانتفاع أو لك على قضايا الدب والجمل اطلاع فقومي وانصحي وقولي تفلحي كما فعل الوزير المنتخب مع كسرى في حالة الغضب فسألت الفارة هذا المثل وأخباره (قال) أبو الحصين السجان ذكر أنه كان لانوشروان زوجة فاقت النسوان يخجل قدها الأغصان وخدها البدر حيث لا نقصان كان أبوها منالسلاطين وملوك الأساطين وكان أنوشروان قتل أباها وأخاها واتخذها لنفسه واصطفاها وكان مشغوفاً بحبها متخوفاً من قربها لئلا تتذكر قتيليها فيستولي طلب الثار عليها فلم يزل متحرزاً من أفعالها مراقباً تقلب أحوالها فاتفق أنه كان جالساً معها على السرير وحولهما من الجواري الحسان بدر منير وظبي غرير فتاقت نفسه إليها فمد يده ووضعها عليها فنظرت إلى الجواري فرأت أعينهن إليها ناظره فصارت بين طرفي الانقياد والامتناع حائرة وكانت قد سمعت من أبيها ما رأته من أقاربها وذويها معنى ما قيل:
وأني لأستحي من النرجس الذي ... يراقبنا أني أقبل من أهوى
فخطر ببالها أنه إذا استحيا من عيون النرجس وهي جامدة فكيف لا أستحي منت عيون إنسان في مراقبتنا غير راقدة فغلبت عليها الحيرة وإن جدع الحلال أنف الغيرة فانكمشت من كسرى وزادها الحياء والهيبة انقباضاً وكسراً فجذبها بقوته إليه فانفلتت منه لما استعصت عليه فوقع عن سريره العالي وعلا حلقه التمر الغالي وتبسم بعض تلك الجواري من غير اختيار فاضطرب لما اضطرم فيه النار وتذكر ما كان توهمه من أخذ الثار وفار دم قلبه لما غار فدعا وزيره الكبير ودفع إليه ربة السرير وأمره بإزهاق نفسها وإسكانها في رمسها من غير مراجعة ولا شفاعة ولا مدافعه فحملها إلى منزله صعب الأمر ومشكله ولم ير بداً من إمضاء مرسومة وامتثال أوامر مخدومه ثم تدبر في المآكل ونادته ربة الحجال مهلاً أيها الوزير الناصح المشير ذو الرأي والتدبير هبني أني أخطأت وعن مرضاة الملك أبطأت فما ذنب الذي في بطني المودع من الملك ولم يجني فلا بأس أنك تستشيره فانك ناصحه ومشيرة وإن كان لا بد من قتلى واستقر الرأي على نبلي وبتلي فاستمهله إلى أن أضع ثم تهلك الأم وتبقى التبع فانه كان يعطي النذور والأموال ويطلب الولد في ظلمات الليال ويدعو بذلك ربه ذا الجلال فعرض الوزير على الملك ذلك فأبى واستعمل في ضروب ضربة أحد عبارة وترفق فنبا فعرف إن أخلاقه ثائرة وأنه لا بد أن تطفأ تلك النائره فإذا برد قلبه وهمد كربه يطالبه بالفرع أن لم يطلب الأصل وبعد القطع لا يمكن الوصل كما قيل:
طوى الموت ما بيني وبين أحبتي ... وليس لما تطوي النية ناشر

فرأى الوزير الرأي في التأخير فأودعها عند الحريم وسلك في الحزم الرأي القويم وجعل نفسه لها وقاية إلى أن أخذت مدتها النهاية فوضعت ولداً ذكراً غصن بان مثمراً قمراً فقام الوزير بتربيته وإصلاح رضاعه وأغذيته إلى أن بلغ سبع سنين وهو كبدر الأفق المبين مربي بالدلال مغذي بالكمال فكأنه فيه قيل:
جبين تحار الشمس من لمعاته ... وقد يغار الغصن من حركاته
وخد تعالى الله لست مشيها ... ولا مشركاً أضداده في صفاته
رمى مهجة المضني باسهم لحظه ... فنام عليلاً وهو في سكراته
فركب كسرى في بعض الأوقات وخرج يصطاد في بعض الجهات فتبدد العسكر وصار كالحجيج إذا نفر ووقع كسرى في ناحية عن العسكر منفرداً فصادف غزالين يسوقان ولداً ويذكران في ذلك القاع ما قاله عدي ابن الرقاع:
تزجي أغن كان إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
فهجم عليهما ودنا إليهما فلما قصدهما تركا ولدهما ففوق السهم الخفيف نحو الخشف الضعيف فلما رأت أمه السهم داخلها الوله والهم فقصدت للسهم دون ولدها واستقبلت نصل كبد القوس بكبدها فأراد طلاق السهم من الكبد ليصيب به نحر أم الولد فاعترضه الفحل بصدره وتلقاه دون نحرها بنحره وجعل نفسه وقاية لأم ولده وفداهما بروحه وجسده فتذكر كسرى ولده وأمه وضاعف حزنه عليهما همه وغمه وتذكر ما سلف منه في حق زوجته وما عاملها به حين وقع به من الغضب في سورته وتأمل ما قالته في حق قرة مهجته وما أجاب في ذلك إلى أن وردت إلى المهالك وقال إذا كان هذا الحيوان الباغم المائق حمى حقيقته برمحه كحماة الحقائق فلم لم يفعل ذلك الحيوان الناطق ثم فاضتدموع عينيه فرمى القوس والسهم من يديه ورجع متفكراً وعلى ما فرط منه متحسراً ودعا الوزير الناصح المجير والمستجير وذكر له ذلك النكد وما رآه من الغزالين والولد وتحرق فقد حظيته وتألم لمصاب فلذة كبدته فدعا له الوزير وقال الصبر نعم النصير كان قد سبق مني اشارة ولكن المفرط أولى بالخسارة الصديق الصادق والرفيق الموافق يقول ما أصنع نصحت فلم يسمع والخبيث المنافق والحسود المماذق يقول أردت أن أقول ولكن تركت الفضول ولا حيلة للملك والوزير فيما جرى به قلم التقدير ثم دعا له وانصرف وعبى حملا من الهدايا والتحف وألبس ابن الملك أفخر ملبوس وجهز أمه كما تجهز العروس وأضاف إلى ذلك من المراكب الملوكية والخدمات السلطانية وأقبل بهما إليه وعرض كل ذلك عليه وقال يا ملك الزمان أنا رأيت هذا اليوم في ذلك الأوان وعلمت أن الندم سيعم من الرأس إلى القدم وها قد قدمت إليك من التحف الدر مع الصدف والورد والزهر والغصن والتمر والفرع والشجر والشمس والقمر متعك الله بها ومتعها بك وحرس من الأسواء منيع حرمك وجنابك فأنجبر بذلك كسرى ونال بشرى ويسرى وطاب سيراً ومسرى وسر صدره وانشرح وأغمى عليه من شدة الفرح وأنشد:
طفح السرور علي حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني
يا عين قد صار البكالك عادة ... تبكين من فرح ومن أحزان
ثم أمر ببساط السرور وجلس في النشاط والحبور وأنشد:
أهلاً وسهلاً بالتي ... جادت علي بمهجتي
أهلاً بها وبوصلها ... من بعد طول الهجرة
أدر المدام وغنني ... أهلاً وسهلاً بالتي

ثم أفاض خلع الأنعام والرضا والإكرام على الوزير وشكر له حسن التدبير وارتفعت عنده منزلته وتضاعفت في الارتقاء مرتبته (وإنما أوردت) هذه الأمثال لتحذي على هذا المثال فان كان عندك ما يزيل الشك والأغاليط ويحق الحق ويميز الأخاليط فان في إبدائها منة عظيمة ونعمة على الملك جسيمة ستبلغني بذلك العيش الهني وترقيني به إلى المقام السمي السني وإن أخرت النصيحة فقد شاركت الخائن في الأفعال القبيحة قالت الفارة ما أدق ما نظرت وأحق ما أشرت لا تردد للعقل في صحة هذا النقل ولكن من أنا في الرقعة ومن يقبل للفارة حتى تطلب الرفعة فلا أنا في العير ولا في النفير وأني من مبدأ أمري وطول عمري في زوايا الخمول أنحرز من فضلات الفضول لا لصحبة الملوك لي صورة جميلة ولا في طريقة السلوك سيرة نبيله لا أمينة ولا ثقة وأصدق أسمائي الفويسقه فكيف أصير مصدقة وقد أباح سيد العرب والعجم معدن اللطف والكرم والمبعوث بمكارم الأخلاق والشيم صلى الله عليه وسلم قتلى في الحل والحرم فلو طلبت مصاحبة من فوقي لخرجت عن دائرة طوقي وصيرت نفسي ضحكة للناظرين وهرأة للساخرين خصوصاً ملك الأسود وسلطان الوحوش من النمور والفهود ورحم الله أمر أعرف قدره ولم يتعد طوره ومن أعجب العجب أن يجني من الشوك العنب ولو فعلت ذلك لكنت كقرد حالك ذميم هالك ادعى رياسة الممالك ومن أحسن الأمثال ما يقال إن السلطان للأنام بمنزلة الحمام البعيد عنه يطلب قربه والداخل فيه يشكو كربه فالا يليق بحالي أن لا أشغل بالي الخالي بما لا يليق بي ولا بأمثالي وحيث أشرت على بأداء النصيحة وبيان الحالة الفاسدة من الصحيحة طالباً لمرضاة الملك وصوناً لخاطره عن الأمر المشتبه المشتبك والفكر المريب المرتبك فأنا أمتثل مرسومك وأودع ذلك معلومك بشرط أن لا تذكرني بشفه ولا تشير إلى اسمي بنكرة ولا معرفة فعاهدها على ما اشترطت فمدت لسان القول وبسطت ثم ذكرت ما جرى بين الدب والجمل من فصول وقررت براءة ساحة الجمل بالمعقول والمنقول فلما اتضح لأبي الحصين السنجان نزاهة عرض الجمل وأن الدب هو الذي أغراه على قصد الأسد وحمل وتحقق ذلك بالبرهان القاطع والدليل الساطع توجه إلى حضرة الأسد وأخبره بما صلح من الأمر وما فسد وأنه إنما تأخر عن خدمة مخدومه ليصل إلى ما في جيب الغيب من مكتومة فلما تحقق الليث ما في هذا الأمر من صلاح وعيثومن هو الصالح من الدب والجمل والطالح أرسل إلى الغراب وعرض عليه هذا الأمر العجاب وطلب منه الإرشاد إلى هدم ما بناه الدب من الإيقاع وشاد فقال الرأي عندي أن تجمع العساكر وتنادي للبادي والحضر ويحضر الدب والجمل وبعرض على الجميع هذا العمل فإذا ظهر الحق وانكشف سجاف الباطل عن جبين الصدق وتبين الظالم من المظلوم وتعين الصحيح من المثلوم يرى رأيك السعيد ما يقتضيه ويسلك ما يأمر به ويرتضيه ويجري على كل منهما ما يحكم بتنفيذه ويمضيه بحيث لا ينتطح في ذلك عنزان ولا يختلف عليك فيه اثنان فلما كان ثاني يوم أمر الأسد بجمع القوم وإحضار الحمل البري والدب المفتري فخضر الكبير والصغير واجتمع الأمير والوزير ثم علا الملك على السرير وأثنى على الله وذكر فضله هذه الأمة وما لها من رقة وجلاله وأنها لا تجتمع على ضلاله ثم قال ما تقولون في رفيقين شفيقين صديقين لم يكن بينهما سبب مكاحله ولا موجب منازعة ولا مجالحه سوى المحبة المليحة والممالحة والمودة الصافية الصالحة ببيتان في فراش ويستعينان على حسن المعاش حسد أحدهما رفيقه وخان من غير سبب صديقه وسعى في إراقة دمه وعدم وجوده بوجوب عدمه فماذا يجب على هذا الحاسد المنافق في عمله الفاسد الطالب ترويج باطله الكاسد وقصده ذلك البري الصالح الغافل السري والسعي به إلى الحكام والقائهم بسببه في الآثام وارتكاب هذه الجرائم وتحمل مثل هذه العظائم فأجاب الجمهور إن من أكبر الكبائر قول الزور وقد قال رب الكائنات أن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم وأن مرتكبه الأثيم استوجب العذاب الأليم ومن هو هذا الجرى الكذاب المفتري الذي يرتكب مثل هذه الأمور الهائلة والكبائر الوخيمة القاتلة والعظائم المؤذية الغائلة خصوصاً في مثل هذه الدولة العادلة ولأي شيء يؤخر جزاؤه ولا يحسم داؤه ولا يضرب ولا يشهر ولا يؤمر بالمعروف في هذا المنكر قال الأسد

فاكتبوا بما قلتم محاضر وليعلم الغائب الحاضر حتى إذا وقع الاتفاق بين الأصحاب والرفاق وارتفع في ذلك النزاع والشقاق وأجمع على ذلك العقل والسمع فعلنا فيه ما يقتضي السياسة والشرع فاتبعوا شروطهم وكتبوا بذلك خطوطهم فعند ذلك طلب الأسد أم راشد وأقامها في ذلك المحفل لحاشد واستنطقها بما تعلم واستشهدها على الدب بما أجرم فشهدت في وجهه بما سمعت ورقمت بذلك خطها ووضعت وزكاها الحاضرون وشهد بعفتها وزهدها الناظرون واتفقت الكلمة من الكملة على صدقها وحقيقة نطقها فتهلل وجه الجمل بهذا القول والعمل وظهرت على صفحات وجه الدب العديم الدين واللب علامة الانكسار والفضيحة والخسار ولم يسمعه إلا أنته أذعن واعترف أن لا دافع له في الشاهد ولا مطعن وأنه قد اجترم وطلب العفو والكرم فعند ذلك غضب الريبال ولم يبق للعفو مجال فزأر وزفر وغضب الغضنفر وهمر وزمجر وتطاير من أشداقه الزبد ومن عينيه الشرر ومن شمائل حركاته ممضيات القضاء والقدر ونعوذ بالله من غضب الملوك خصوصاً على الفقير الصعلوك ومن أحاطت به أوزاره وقلت أعوانه وفنيت أنصاره ثم أمر الأسد بالدب أن يلقى من البلاء في جدب وأن السباع تحتوشه والضباع تنوشه ففي الحال من غير إهمال ولا توان ولا إمهال نهشته الذئاب وافترسته الكلاب وتخاطفته النمور وتناقضته الببور والتقمته السباع والتهمته الضباع فقطعوه وبضعوه ووزعوه ومزعوه وخزقوه وحزقوه وخرقوه ومزقوه ولم يكتفوا بعظمه وإهابه حتى لحسوا من دمه يابس ترابه وكان قد اشتد بهم القرم فاطفؤا بلحمه ودمه بعض الضرم وزال عن أبي أيوب الضر وارتفعت مغزلة ذلك الحر وضاعف الله تعالى عن براءة ساحته أنواع الحمد والكشر وفائدة هذا المثل الجاري بين الدب والجمل معرفة فضيلة الأمانة ووخامة المكر والخيانة فان الله تعالى غير مضيع أهله ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله كما قيل:
لا بناء هذا الدهر في الغدر أسهم ... وضرب خيانات وطعن مكيدةوما للفتى منها طريق سلامة سوى ترس تفويض لرب البرية
وكل امريء رهن بنيته وفي ... كفالة ما ينوي وما في العقيدة
(وليكن) هذا آخر باب الأسد الصالح والجمل الأمين الناصح والعاقبة للمتقين والله الموفق والعين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خير الخلائق أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الباب التاسع

في ذكر ملك الطير العقاب والحجلتين الناجيتين من العقاب
(قال) الشيخ أبو المحاسن من هو لثوب الفضل كاس ولكاس الظرف حاس وفي حدائق الأدب أزكى آس ولا حداق الأدباء أذكى آس وفي عيون الأعداء أنكى آس فلما أنهى الحكيم حسيب كلامه الذي استعبد در النسيب وذكر من النصائح والحكم عن ملوك العرب والترك والعجم ومن مباحث الجن والأنس ما حصل للسامعين به النشاط والأنس ثم استطرد إلى فوائد البهائم والوحوش ورقم في دار ضرب البلاغة من حسن الصياغة والرقوش ما قعد له من زواهر كلامه على سكة دينار الفصاحة أحسن النقوش وعقد بجواهر نظامه لمفرق العدل في دار الملك اكليل العروش افتخر أخوه الفيل بوجوده وقدمه على جميع خواصه وجنوده وأفاض على حدائق آماله زلال إحسانه وجوده وقال له يا نديم الدير وعديم الضير وقديم المير ومديم الخير قد أفدت حكم سائر الحيوان فكر علينا من حكم منطق الطير فابتهج الحكيم في السعة وانتهض ملبياً بالسمع والطاعة ثم أنه قال أدام الله ذو الجلال أيام مولانا الإمام وشمل بذيل رأفته الخاص والعام بلغني أنه كان في ممالك اذربيجان جبل يسامي السماك في السمو ويعاني الأفلاك في العلو غزير المياه والأشجار كثير النبات والثمار وفي ذيله شجرة قديمة منابتها كريمة أغصانها مهدله وثمارها مسبلة كما قيل:
وفي أصلها وكر لزوج من الحجل ... كان رباً رضوان ألبسها الحلل
هو وطنهما المألوف ومقرهم المعروف ورثاه من أسلافهما وهو في الشتاء والصيف مرجع أيلافها يدعى الذكر منهما النجدي والأنثى غرغرة بنت السعدي ولذلك الجبل جبل مقارن من جهة الشرق يسمى القارن لو قصد البدر دوره أو رفع رأسه لينظر سوره أو يحل فيه شعاعه ونوره لوقع عن قمة طرطوره في قلته سرير عقاب منيع الجناب هو ملك الطيور والجوارح وسلطان السوانح والبوارح وصافات تلك القلال وكواسر هاتيك الجبال كلها تحت أمره العادل العال متوج فوق رأسه باكليل ما يبرزه من مثال فكانت الحجلتان كلما فرختا وقاربت افراخها الطيران عزم أبو الهيثم الكاسر بما معه من عقابين كواسر وجوارح الطيور ومن تحت أمره من الجمهور على التنزه والاصطياد فتحيط عساكره بتلك النواحي والبلاد فكانوا كلما وطئوا ربوة مهودها وسلكوا ما بين كنافها وبطونها ونهودها تصل طراشة العساكر إلى الحيل الذي فيه وكر الحجل فتذهب أفراخها تحت السنابك وتضمحل تحت أقدام أولئك فتقع الحجلتين في النكد والأحزان وبالجهد والمشقة البالغة يخلصان هما من تلك الداهية الثالغه والنائبة الدامغة فلم يزالا في نكد على فقد الولد فافتكرتا في بعض الأيام وقد أثر فيهما هذا الإيلام فغيما هم فيه من النكد لفقد الولد المتجدد على طول الأمد فقال النجدي لبنت السعدي قد كبرنا وضاع العمر وحزنا وقاربت شمس عمرنا للأفول وأقدام بقائنا أن تزل وتزول (شعر):
وليس لنا من يذكر الله بعدنا ... إذا ما انتشبنا في مخالب فقدنا
ولا من يحي نشر آثارنا إذا طوى الموت بساط أعمارنا وقد قضينا العمر في الانكاد بفراق الأولاد ثم بعد الحياة ينمحي اسمعنا ويندرس بالكلية رسمنا فلا حياة هنية ولا أخرى رضيه وأي هناء مع فراق قرة العين خصوصاً على وجه المذلة والشين ومالنا نظير في هذا الدهر المبير إلا من جمع المال من حلهوغير حله وتركه بعد الكد البليغ والحرص إلى غير أهله فيصير كما قيل:
تؤديه مذموماً إلى غير حامد ... فيأكله عفواً وأنت دفين
ولا طاقة لنا في دفع جيش العقاب ولا حيلة إلى الخلاص من عقاب هذا العقاب فذهب أكثر العمر في هذا الويل وأشبهنا النائم على طريق السيل وإن غفلنا عن أنفسنا ربما اجتاحونا وطرحونا إلى مهلكة تدير علينا من العدم طاحونا فالرأي عندي أن نترك هذا الوطن ونرحل إلى مكان لا نرى فيه هذه المحن فانه لم يبق طاقة على فراق الولد ولا قلب يحتمل هذا الحزن والنكد:
ذاب قلبي بين دمع وضرم ... فارحموني أنا من لحم ودم
وذاك لأن المرء يحيا بلا رجل ويد ولا تلقاه يحيا بلا كبد قالت لقد أعربت عما في فكري وشرحت ما كان يجول في صدري وهذه محنة قد أعياني في دائها الدواء وبلاء عمنا فكلنا فيه سواء:
المرء يحيا بلا ساق ولا عضد
ولا يعيش بلا قلب ولا كبد
بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي
وقد قلت:

ولم يعرف حرارة ما اعني ... سوى قلب كواه ما كواني
وأنا لم أخل قط في وقت من هذا الفكر الذي أوجبه الهم والمقت وأعلم أن سهام آراء العقلاء ونبال أفكار ذوي النظر من الحكماء إنما تصدر من قوس واحدة وتتوجه إلى غرض طريقته غير متعددة وقال العقلاء وأولو التجارب من الحكماء بل أطبق أرباب العقول وأئمة الدين وأصحاب الأصول إن قضايا العقل كلها صادقة وألسنتها فيما تحكمه بالصواب والأصالة ناطقة غير أن كثيراً ما تشتبه القضايا العقلية لسوء التصور بالقضايا الوهمية فيقع الخطأ بواسطة الوهم في الفهم وينسب إلى العقل ذلك السهم وإلا فاتفق العقلاء جمعاً أن القضايا العقلية لا يقع فيه الخطأ قطعاً وأن قضايا الحس لوقوع الاشتباه واللبس يتصور أنها حق ويقضي لها وعليها بالصدق وإذا وقع الخطأ لحصول الاشتباه وعدم التأمل والانتباه في القضايا الحسية والقضايا التي هي بحاسة البصر مرئية كما وقع ذلك في حادثة الطريقة البغدادية فوقوع الخطأ بالوهم أولى في القضايا العقلية لأن طرقها أخفى وأحكمها معنوية فسأل الذكر عن تلك البغدادية وما هذا الخبر (قالت) كان في مدينة السلام بعد أن امرأة من المتخذات أخدان اسم زوجها زيد وهي أم عمرو وذات كيد لها عدة أخدان تدعو لكل بالإخوان وكل ينشد في السر والإعلان قوله:
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان

فاتفق أن زوجها زيد دعاه أمير البلد إلى الصيد فركب معه وسار وخلت منه الديار فتسامع بذلك بعض أخدانها فتوجه منهم طائفة إلى مكانها فأول من سبق تاجر شبق فدخل بثياب بيض وشاش رحيض وهيئة نظيفة وصورة ظريفة فأسرع في الدخول ومعه ما يليق من المأكول فتلقته بالترحاب وأخذ في لذيذ الخطاب فما استقر القرار حتى قرع باب الدار فظنته زوجها وحققته بوجهها فنهض خائفاً وتحير راجفاً وطلب مكاناً يخفيه وكناً يأويه فلم يكن في دارها مخباة زوارها سوى طقيسي لطيفه يصعد إليها من سقيفة فأرشدته إليها فرقي عليها وبادرت إلى الأتحاف فإذا هو حريف صراف ففتحت الإغلاق وتعانقا تعانق المشتاق فدخل بهيئة زهراء بلباس أخضر وعمامة خضراء ومعه من الحلوى مجمع ومن الزجاج أربع فجلسا يتذاكران الحوادث إذ طرق الباب ثالث فقالت هبط أوجي وجاء زوجي فوثب في رجفة كأنه ورقة سعفة فسأل عن مخباة وستر يغشاه فأرشدته ربة الكريسي إلى طريق الطقيسي فصعد اللاحق ولحق السابق وبادرت الرتاج ربة التاج وأم الأزواج فإذا هو أحد الظرفاء وثالث الحرفاء رجل زيات ومعه مجمع سكر نبات فتلقته بالتكريم وأجابته بالتسليم فدخل بثوب أصفر وشاش معصفر فشرعا في الملاعبة والملاطفة والمداعبة فدق الباب رابع الأصحاب فبادرت الزيات الفرار وطلب مختفي للقرار فدلتهفي المفر إلى المعهود المقر فصعد إليه ولحق بصاحبيه وتوجهت إلى الباب فإذا هو أحد الأحباب وهو رجل قصاب وعليه ثياب سود وخفة المعهود وعلى رأسه مئزر ثمين وبيده خروف سمين فقالت: أهلاً وسهلاً وارفع محلا بالحبيب النجيب والبعيد القريب فدخلا واستغلا بالخطاب والتهيا عن رتاج الباب وكان في تلك المحلة شخص أحدب أبله يدخل البيوت ويتمسخر فلا يمنع من ذلك ولا يزجر ويلاطفه الأكابر والأعيان ولا يحتجب منه النسوان فمر على باب زيد فرآه لا إغلاق ولا قيد فدخل على غفلة ولم يستأذن أهله فلم يشعر به إلا بعد حلول ركابه فوجم لرؤيته القصاب وخاف من حلول مصاب ونشور وانحرف فقالت له المرأة لا تخف إنما هو أبله مسخرة في المحلة فأخذوا يتلاطفون ويتمازحون ويتظارفون إلى أن قرب الليل وفات النيل، فطرق الباب ووصل الزوج بالارتياب فلم يشعروا إلا والبلاء قد أقبل ومصابهم الأعظم في أكنافهم قد نزل، فخاتبطوا والتبطوا وانحلة قواهم وارتبطوا وطلب القصاب مخبئ فأرته للطقيسي درباً وطلب الأحدب من شر زيد المهرب فكان في أرض البيت تنور فنزل فيه وهو مضرور وغطته بغطائه وسترته ببعض وطائة وأراب زيد الفتح في إبطائه ثم توجهت إلى الباب وهي في اضطراب فدخل زيد وهو سكران ومن تأخير فتح الباب غضبان وكان قد تناول مع مخدوميه ولعبة بشيخ عقله بنت كرومه، فلما نزل عن السرج رأى الزوجة في هرج ومرج فأنكر حالها وسألها ما لها فقالت: كرهت فقدك وخاطري عندك فلا ذقت بعدك ولا عشت بعدك فقال: تكذبين أي دفار بل تسخرين بي أي فجار إنما أنت في حركة فلا طرح الله فيك بركة فقالت: أنت مجنون وأي حركة عندي تكون؟ فشرع في حربها واستطرد من سبها إلى ضربها وعزم على تفتيش البيت والإطلاع على ما فيه من كيت وكيت فخشية أن يخرج أمرها عن دائرة الستر إلى لو كان وليت فتداركت التفريط قبل وقوعه وبادرت إلى تلافي التلاف بالهيت فتشكت من الأذى وقد تناولها بالضرب والبذى ورفعت يدها إلى الدعاء بالندى وقالت: إلهي وسيدي وسندي ومعتمدي إن كنت تعلم أني مظلومة وبراءة ساحتي عندك معلومة فانزل إلى أمتك ملكا من ملائكة رحمتك يخلصها من هذا الظلوم ويكشف ستر هذا السر الموهوم فبادر التاجر بالإنتهاض ونزل بثيابه البياض ودخل عليه وقبض على أذنيه وصفعه على خديه وقال أتركها يا ظالم فإنك معتد آثم وهي برية وشمائلها زكية وضربه ضربتين ولكمه لكمتين ثم أم الباب وترك الأصحاب وشرع في الذهاب فلما رأى هذا زيد عرف أنه خديعة وكيد وقال: يا أفحش الفواحش وأنهش النواهش تريدين خدعي وسخري وخذلي وختري وتبغين بما تبغين ختلي ومكري أولست بعريف أنه لك حريف ثم زاد في سبها وماد إلى كبها وضربها فقالت يا إلهي وسيدي وجاهي إن كنت تعلم أن هذا الأظلم أنكر الحق ورآه وما صدق فانزل عليه ملكا آخر ذا جناح أخضر يأخذ بحقي منه ويكشف سترك عنه فقال الحرفاء وكانوا ضرفاء للصيرفي قم غير مختفي وشدد عليه وأوصد الألم إليه فنهض في ذلك المعلم وبادر إلى السلم ونزل إليه ودخل

عليه وقال: أكفف يا ذا العار عن عفيفة الأستار فإنها برية وعما تضنه عرية ومد يده بكمه وبالغ في سبه وشتمه ثم خرج من الدار وبالغ في الفرار فقال يا للدربة من ذي القحبة الناس بواحد وأنت باثنين وقد جعلت زوجك ذا القرنين ثم أخذ العصا وضربها ضربة من عصى فقالت: يا إله العالمين تعلم أن هذا من الظالمين أمدني بالملك الأصغر صاحب الدرع والمغفر والثوب المعصفر يبرئ ساحتي ويهدئ راحتي فإني مظلومة وقصتي معلومة فقال الجزار للزيات قم أرنا الكرامات وقد صنعتك وهات فنهض الزيات ونزل إلى ذلك المفتات وقال أيها اللئيم كف عن الحريم وارجع عن لوم البري واقصر أيها المشتري المفتري ثم تناوله بعصاه إلى أن آلم قفاه ثم تركه في الحركة وخرج هاربا وقصد جانبا فقال زيد يا أوسخ القحاب وأوسخ ذوات السباب تعدين حرفائك واحدا واحدا وتعرضينهم علي صادرا وواردا ثم نهض بالعصا وتناولها مغليا ومرخصا فمادت وآدت وبادت ونادت إلهي هذا لم يعتبر بملائكتك الكرام ولم ينزجر بهذا الضرموالإيلام فأمدني بملك النيران الزبني الأسود الغضبان يخبره بصدقي ويأخذ منه حقي ويفعل معه ما يجب فإن راجيك لم يخب فما عتم القصاب أن زمجر كرعد السحاب وأخذ في الاضطراب والاصطخاب وأسرع في السلم الانصباب فلما سمع زيد العياط والخباط وزماجر الهياط والمياط بهت وأخذه الضراط فدخل عليه في بعثرة وغدمرة وتزيا بصورة بشعة منكرة وخطف من يده العصا وضربه بها حتى شصا وقال أي أنحس ذميم وأتعس زنيم أما زجرك ونهاك وكفك وكفاك من تقدم من الأملاك أيم الله لأن لم تتركها وفي ما لك ومنالك تشركها لتدمرن ديارك ولتمحون آثارك ثم تركه وذهب وأودعه جمر اللهب فلما رأى الحال نسجت على هذا المنوال استكان وطلب الأمان ومعك عينيه وضم يديه ورجليه وجعل يتأوه من ألم الضراب وقال كان الدعاء في هذه الساعة مستجاب ثم قال من شدة كربه وحرقت قلبه إلهي ومولاي كما استجبت دعائها استجب دعائي وكما أنزلت من السماء لنصرها ملوكها فأخرج لها من الأرض عفريتا ينيكها وليكن ذلك بمرآى من عيني وأمامي ويبرد أوامي فما صدق صاحب التنور حين سمع الدعاء المذكور والنداء المقبول المشكور حتى طفر من مجثمه كالشواظ المسجور وأقام أمام لهوه المصاب واستعمل من قواعد النحو الرفع والجر والانتصاب ورفع العمودين وأولجه المحراب ولا زال ذلك الإمام يتردد في البيت الحرام وقد نال في الحرم آمنا حتى رمى الجمرات وأمنى ثم قبل فاهها وخرج مسرعا من ذراها وخلى الدار تنعى من بناها ففتح زيد عينيه وحملق حواليه ثم قال: يا أقذر القحاب هكذا يكون الدعاء المستجاب (وإنما أوردت) هذا الكلام والتمثيل لك يا إمام ليتبين لكل عالم همام وليتبصر أولوا العقل والأفهام الفرق ما بين قضايا الحس والعقل والأوهام وقد شبه العقل بجل عال عزيز المنال وكل من قصد الصعود إليه والارتقاء عليه لا يصعده إلا من طريق واحدة منها يوصل منه إلى الفائدة وسلوك طريق المعاشرة مع العقلاء وذوي الآراء الأذكياء في العداوة وانصداقة والكدرة والزياقة واللطافة والكثافة والخوف والرجاء والابتداء والانتهاء إنما هو من باب متحد لا من طريق متعد ولأجل هذا يا متبصر سلوك مثل هذه الطريق معهم متيسر لا متعوج ولا متعسر ورأس خيط هذه السموط بالاستقامة والسلاح مضبوط بخلاف الجهال والخلعاء والحمقى والسفهاء فإن أمورهم منفرطة وأفكارهم وآرائهم غير منضبطة فتتكدر خوار العقلاء في تعليمهم ويعيا طبيب الفكر في تهذيب أحمقهم وتأديب سفيههم وقيل:

إني لآمن من عدو عاقل ... وأخاف خلا يعتريه جنون
والعقل فن واحد وطريقه ... أدرى وأرصد والجنون فنون
ولهذا قيل معاداة العاقل خير من مصافاة الجاهل ثم قالت غرغرة في أثناء هذه القرقرة وأما ما ذكرت من البيان من مفارقة الأوطان وترك هذا المكان أما سمعت حديث أشرف جنس الإنسان أن حب الوطن من الإيمان وقد ألفنا وطننا وحبه وقلع أصول محبته من قلوبنا صعبة وهو في معزل عن طرق الجوارح ومكمن عن السوائح والبوارح وإنما تعرض لأولادنا تلك الآفة من تراكم العساكر المصافة ومن يحصل من أقدامها من كثافة وأنا أخاف إن انتقلنا من هذا الوطن يخرج من أيدينا هذا السكن ولا نحصل على مأوى يليق أو لا توافقنا الغربة أو يمنع مانع في الطريق فنقصد الربح فيذهب رأس المال فنخسر ما في أيدينا في الحال ولا يحصل المأمول في الاستقبال وكيف وهو مسقط رأسنا ومحل أنسانا وأناسنا فالأولى بنا الرضا والانقياد لأوامر القضا وملازمة الوطن القديم والسكون تحت تقدير العزيز العليم وقد قيل إنما يشفي العليل إذا ترك مشتهيات نفسه وقيد متمنياته في قيد حبسه ولابد للمريد من ترك المراد وللقانع من قطع النظر عن الإزدياد والحرية في رفض الشهوات وكل ما هو آت آت وأما وقائع الأولاد وحصول الانكاد وما يقع منهم بسببهم في كل أوان فنحسبها إحدى ما يحدث لنا من نوائب الزمن ونحن بل كل المخلوقات عرضة للنوائب والآفات وطعمة لسنابك المقدور ونهبة لحوادث الدهور ولو انتقلنا عن وطننا وتحولنا عن سكننا وبعدنا عن هذا الجانب ونزعنا عن الأهل والأقاربوحاورنا الأباعد لا يطيب لنا مقام وتتكدر أوقاتنا على مر الأيام فلا نزال بين تذكر الوطن المألوف وتحنن إلى الصاحب المعروف فيسهل عند هذه الأنكال مفارقة الأطفال ثم أعلم أيها الصاحب الأعظم أنه لو تيسر لنا مع الانتقال انتظام الأمور استقامة الأحوال وحفظت الأولاد وزالت الأنكاد وصفا الوقت وزال المقت فان الخاطر يشتغل ونار القلب بسببهم تشتغل فانه من حين وجود الولد يتقيد بتعهده القلب والجسد وتصرف الهمة إلى القيام بمصالح معاشه إلى حين ترعرعه وارتياشه ويزاد القلب تعلقاً بمحبته ويتقيد الخاطر بالالتفات إلى عمل مصلحته ويتضاعف ذلك يوماً فيوماً وشهراً فشهراً وعاماً فعاماً فان نابه والعياذ بالله نحو ألم أو أصابه ضراً وسقم التهبت عليه الجوارح وانقلبت الهموم على القلب والجوانح فان آل ذلك إلى الموت واستحال وجوده إلى عدم وفوت فهو المصيبة العظمى والطامة الكبرى وأن سلم من هذه العاهات وبلاغ سن الإدراك سالماً من الآفات ونجا إلى بر الشباب من بحر المخافات ازدادت كلفة وتضاعفت مؤنته وركب والداه في ذلك كل صعب وذلول وذهبا من مسالك الكد والكدح في كل عرض وطول وتحملا أنواع المشاق والآثام وارتكبا فيما اكتسبا أصنافاً من الحلال والحرام وهذا إذا كان مطيعاً ولأوامرهما منقاداً سميعاً وأما إذا ركب جموح العقوق ونسي ما لهما عليه من حقوق فهي مصيبة أحرى وداهية كبرى ويصير كما قيل:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بد

وعلى كل تقدير وأنت بهذا خبير وبدقائقه عليم أن الأولاد بين الأبوين وبين الآخرة سد عظيم ما يخلص مع الالتفاف إليهم لله طاعة ولا على الانقطاع منهم إلى طريق الآخرة وناهيك يا ذا الذكاء والفطنة أخبار من أنقذك من هذه المحنة إنما أموالكم وأولادكم فتنه فاسمع هذا الكلام بأذن التحقيق واسلك في سبر معانيه أوضح طريق وحقق يا ذا الإرشاد إن وجود الأولاد عند ذوي البصيرة من النقاد مزيف ومتاع مزخرف وسم تحت حلوى وسرور فوق بلوى وعارية مردودة بعد أوقات معدودة وأيام محدودة بل لعبة من خشب مموهة بالذهب وطلاء من نضار على كوب من فخار وقد نبه على هذا رب العباد بقوله إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد وكما أن الأطفال الصغار الغافلين عن دقائق الأسرار إذا نظروا إلى اللعبة المزينة والخشيبات المصبقة المستحسنة التهوا بها عن اكتساب الآداب وملازمة العلماء والمشايخ والكتاب فيبلغون وهم جاهلون وعن طرق اكتساب الكمال ذاهلون ويشيبون وهم أحداث ويتصورون أنهم طاهرون وهم أخباث كذلك كل من التفت إلى غير الله خاطره والتهت بأموره الدنيا من المال والولد سرائره وضمائره وحرم من الأطلاع على دقائق الملك والملكوت وفاته لذات الوقوف على دقائق الرغبوت والرهبوت فهو عن الله تعالى محجوب وفي عساكر الأموات وأن كان حياً محسوب كما قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسادهم دون القبور قبور
وإن امرأ لم يحي بالعلم قلبه ... فليس له حتى النشور نشور
قال الله تعالى وكلمته العليا المال والبنون زينة الحياة الدنيا وهذا صريح بالشهادة على ما نقله وجلوت صدأ قلبك بتقريره وصقلته فلا تكونن لاه ولا تعلقن قلبك بغير الله قولاً واعتقاداً وعملاً فالباقيات الصالحات خير عند ربك وخير أملاً واجهد يا حبيب في إصلاح قلبك الكليم وأصغ لما قاله الحكيم الحليم متحرزاً من نكاية العذاب الأليم عاملاً بما يرضي السميع العليم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم وإذا علمت هذا وحققته وحررته وصدقته فاعلم إن الأولى بحالنا والأحسن للنظر في مآلنا أن نعد ما نحن من جملة النعم وإن هذا الذي قسم لنا من القسم في القدم ولا ننقل عن دائرة الرضا والتسليم قدماً عن قدم وننظر ما يتولد من حوادث الزمان ولا نرخي في ميدان الطمع العنان ونعرض على جامح الخاطر ما قال الشاعر:كم نار بادية شبت لغير قرى على بقاع وكم نور بلا ثمر
هون عليم أموراً أنت تنكرها ... فالدهر يأتي بأنواع من العبر
قال النجدي جميع هذا المقول صادر من موارد المعقول موافق لما ورد به المنقول لقد غصت في بحر الفطنة على جواهر الحكمة فما تركت في ميدان المسائل مقالاً لقائل ولا مجالاً لجائل ولكن لا ينبغي للعاقل أن يغفل عن حوادث الدهر ولا يسند ظهره لكواذب العصر فان طوارق الآفات وخوارق العادات ومحن الزمان وفتن الدوران محتجبة وراء أستار ومستورة في أنواع أطوار والفلك الدوار له في علم الأدوار لعيبات أبكار يبرزها للنظار فتلعب بالأفكار ويذهب في سنا برق مخارفها أبصار الأبصار ويخطئ في حركاتها الرأي المصيب ويدهش في دجى حندسها الفطن الأريب وقد بادت الفكر وعجزت القوى والقدر وحارت عقول البشر دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور من وراء ستر الغيب مستعداً للقضاء والقدر ولم يعهد من الدهر الخؤن والزمان المجون إذا استقام أو قزل أو جد أو هزل أو أمر بنازل فنزل أو ولى أو عزل أو أقبل أو اعتزل أو غزل أن يرسل قبل ذلك منذراً أو مبصراً أو محذراً اليستيقظ النائم أو ينهض الجاثم أو يتحرك القائم وإنما يحطم بغته ويهجم في سكته ويأخذ على بهته فلا يفلت منه فلته ولا يهمل إلى لحظة ولا لفته وقد قيل:
يا راقد الليل مسروراً بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
لا تركنن لليل طاب أوله ... فرب آخر ليل أوقد النارا
وعلى هذا لو وقع منا غفلة أو ذهول عند قدوم هذا الجيش المهول فاخترم والعياذ بالله واحداً منا ونحن أحسن ما نكون سكوناً وأمناً فكيف ترين يبقى حال الآخرون إلا كما قال الشاعر:
ما حال من كان له واحد ... يؤخذ منه ذلك الواحد

وإذا بقي أحدنا وانعزل متوحداً ماذا يفيده الوطن والجيران والسكن وهل تفي لذة وصال ألفي سنة بألم فراق تلك الساعة الخشنة كما قيل:
إن كان فراقنا على التحقيق ... فذي كبدي أحق بالتمزيق
لو دام لنا الوصال ألفي سنة ... ما كان يفي بساعة التفريق
وقال أيضاً:
لا كان في الدهر يوم لا أراك به ... ولا بدت فيه لا شمس ولا قمر
وكل من لم يفتكر في العواقب قبل حلولها ويتأمل في تداركها بقدر الطاقة قبل نزولها ويطمئن إلى سكون الزمان ويسند ظهره إلى مسند الحدثان ويحيل الكوائن على القضاء والقدر ويرفع يد التدبير عن تعاطي أسباب الحذر كان كمن ترك إحدى زاملتيه فارغة وحشا الأخرى من الأحجار الثقيلة الدامغة فأنى يستقيم محملة أو يبلغ منزله فلا يزال حمله مائلاً وخطبه هائلاً فالعاقل يسعى فيما يظن نفعه ويبذل في ذلك غاية جهده ووسعه ولا يترك الطلب ولا يغفل عن السبب ويعمل بموجب ما قيل:
فلا وأبيك لا أدع احتياطي ... ومالي في قضاء الله حيله
وعلى كل حال يا ربة الحجال تعاطي الأسباب لا يقدح في الاتكال وناهيك يا مليحة العمل حكاية الحمار مع الجمل فسالت غرغرة أن بين ذلك ويذكره (قال) بلغني أنه ترافق في المسير عبر مع بعير فكان الحمار كثير العثار مع أن عينيه تراقب مواطئ رجليه وكان الجمل على عظم هامته وعلو قامته وبعد عينيه عن مواطئ يديه ورجليه لا تزال له قدم ولا يصل إليه ألم فقال الحمار للبعير أيها الرفيق الكبير ما بالي في المسير كثير التعثير دائم الوقوع والزلل والعثار والخطل لا أخلو من حجر يدمى مني الحافر أو عثرة ترميني في حفرة حافر مع أن عيني تراقب يدي ولا تنظر سواهما إلى شيء وأنت لا تنظر مواطئ اخفافك ولا تعرف على ماذا تقع رؤس أطرافك لا حجر يصيب خفك ولا شوكة تخرق كفك ولا جورة تقع فيها ولا تختل عن طريق تمشيها ولا أدري هذا مماذا قال أبو صابر يا أخي نظرك قاصر وفكرك غير باصر لا تراقب ما بينيديك ولا تنظر ما أمامك ألك أم عليك فإذا أدهمك ما دهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا وقد وقعت وانخرق ما راقعت فلا يمكنك التدارك والتلاف إلا وأنت رهين التلاف وأما أنا فأراقب ما يصير من العواقب وأنظر أمامي الطريق على بعد فأميز المسلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا إلى وعر إلا وقد سهلته ولا إلى وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وقد كشفت واسعها ومضيقها فاستعد للأمر قبل نزوله وأتأهب للخطب قبل حلوله واحتال لقطعة وصوله وأحله قبل أن يعقد وأقيمه دون أن يقعد وهذه قاعدة للفقهاء وأصل كبير للحكماء من العلماء أنهم قالوا أن الدفع أهون من الرفع ومن كلام الألباء وأصول حذاق الأطباء قوله:
الطب حفظ صحة برء مرض ... من سبب في بدن إذا عرض
(وإنما أوردت) هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي ياست الحجل أنه لا بد لنا من الأهبة قبل النكبه فما كل مره تسلم الجره وقد قرب وقت وضع البيض وبعده يدهمنا من سيل العسكر الفيض فلا بد من أعمال الفكر المصيب في وجه الخلاص من هذا الأمر العصيب كما قيل:
مهد لنفسك قبل النوم مضطجعاً
قالت غرغره الحكيمة المدبرة جميع هذه الأخبار لا تخلو عن دقيق الأنظار وتحقيق مصيب الأفكار وغامض معاني الأسرار وكل عاقل يقبله يديه ويقبل يديه ويمتثله ويقبل عليه وكل فكر مصيب يجثو للأقتباس بين يديه ولكن طلاب الأغراض الدنيوية والمسارعون إلى نيل المرادات والأمنية على فرق شتى وأنا أفصلها حتماً منهم من يبلغ الآمال بقوة الجند وبذل الأموال ومنهم من يساعده الدهر ويعاضده معاون العصر وينهض له مسعد التقدير فيقوم معه كل كبير وصغير كما قيل:
وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا

فيقبض له المساعد ويعضده المقارب والمباعد فلا يحتاج إلى كبير ولا في سعي ولا في استماع النصيحة ونفعها إلى وعي بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده وجده فمهما فعل أنجح قصد أفلح وحيثما توجه أربح وأينما مال أرجح ومنهم من يحتاج إلى جهد جهيد وسعي مديد وكد طويل عريض وجد عريض غير غريض مع مساعد ناصح ومعاون صالح وتعاطي أسباب وقرع أبواب وفكر دقيق ومسعد رفيق حتى يبلغ مراده ويصل إلى ما أراده ومنهم من تغلب عليه العجلة والطمع وشدة الحرص والهلع فيسارع إلى نيل ما يرومه فيلقب في هرة الحرمان حرصه وشومه فيقع من التعب والنصب في هوه ويحرم لكونه اعتمد على ماله من حول وقوة فيصير كما قيل:
الحرص فوتني دهري فوائده ... فكلما زدت حرصاً زاد تفويتا
ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ويرجو ويترقب ويتساهل فيحرم مقصده ويرد عجزه من مراده يده وقد قيل في المثل تزوج التواني بنت الكسل فاولد الزوجان الفقر والحرمان فانظر يا ذا لركون والوقار والسكون نحن من أي هذه الفرق نكون وأنت تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ولا أن ندفع عن أنفسنا ما ينزل بنا من عقاب فانه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ونحن إذا تحركنا في الهو افلا نقدر أن نرتفع عن وجه الثرى وقد قيل في المثل كما ترى أين الثريا من الثرى وقيل من تعلق بخصم هو أقوى منه فلقد سعى في هلاك نفسه برجله ووضع تراب الدمار على رأسه بيده وكنت يا بدري أنشدتك من شعري:
ومن يتشبث في العداوة كفه ... بأكبر منه فهو لا شك هالك
وكان مثله مثل النملة الخفيفة التي نبتت لها أجنحة ضعيفة فتحركها دواعي الطيران فتتصور أنها صارت كالنسور والعقبان فبمجرد ما ترتفع عن الثرى إلى الهواء التقمها عصفور أو خطفها أصغر الطيور ولهذا قيل:
إذا ما أراد الله أهلاك نملة ... أطال جناحيها فسيقت إلى العطب
ونحن ما لنا اطلاع على مكان من الغيب فنزه نفسك عن هواجس الريب وليس لنا مساعد من الأقارب والأباعد ولا لنا مال ولا خيل ول رجال ونحن أقل من أن يساعدنا زمان أو يعيننا على العقاب أعوانفلم يبق إلا الركون والأتكال على حركات السكون فما تدري غداً ماذا يكون وأعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع لنا معه من الأسباب متحدة في الحقيقة وطريقتنا معه من جنس ماله من طريقه وهي الطيريه وكلنا فيها سويه وهو منها كاعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف الأعلى ونحن منها كاصوات الحيوان في الأطراف الأدنى فالأولى يحالنا الأصطبار إلى أن يصل لكسرنا من عالم الغيب إنجبار كما قيل:
مهلاً أبا الصقر فكم طائر ... خر صريعاً بعد تحليق
زوجت نعمي لم تكن كفأها ... آذانها الله بتطليق
(وقيل):
الأمر يحدث بعده الأمر ... والعسر مقترن به اليسر
وحلاوة الصبيان من عسل ... تلهى وأن حلاوتي الصبر
والصبر يعقب بعده شكر ... من نعمة تأتيك أو أجر
فقال الذكر هذه الفكر من الصواب قريب وسهمها عند أولى البصائر والتجارب مصيب ولكن من يتكفل بوفاء العمر الغدار والأيصال إلى الأوطار ويقوم بالأمن من حوادث الليل والنهار وأنسبت انشادي في الوادي يا زين النادي وجمال الحاضر والبادي:
لئن بادرت في تسليم روحي ... أتاني من ورائي من يعوق
وأن أسرعت نحو الوصل عذراً ... فعمري من ورا ظهري يسوق
ثم قال النجدي والرأي السديد عندي والذي أعيده فيه وأبدي أن نتوجه إلى حضرة العقاب ونكشف عن وجه مرادنا لديه النقاب ونطلب منه الأمان من عوادي الدهر ونكبات الزمان ونستظل بجناح عاطفته وننتظم في سلك جماعته وخدمته فانه ملك الطيور وبيده أزمة الجمهور وهو أن كان سلطان الجوارح والكواسر وشيمته سفك الدمار والتمزيق بمخاليبه النواسر لكنه ملك عالي الهمة ومن شيم الملوك الشفقة والرحمة ولا تقتضي همته العالية إلا الشفقة الوافية خصوصاً على من يرتمي لديه وينتمي إليه ولا تدعه شميته الأبية وهمته العالية الحميه وشمائله الشهمة الملوكية أن يتعرض إلينا بضرر أو أن يطير إلينا منه شرر قالت غرغره بعد الاستغراب في الكركرة العجب كل العجب من رأيك المنتخب أنك تخلط منه الغث بالسمين وتسوق فيه الهجان مع الهجين فتارة تصيب حدقة الغرض وأخرى تصرف السهم حيث عرض فتصير كما قيل:

تلونت حتى لست أدري من الهوى ... أريح جنوب أنت أم ريح شمأل
هذه المصائب التي نشكوها والنوائب التي نقر أسورها ونتلوها هل هي غير ما نقاسيه من العذاب ونعانيه من أليم العقاب في لحظة من ملاقاة عسكر العقاب ثم أنك أنت تحركت في آرائك وسكنت وشرقت في أفكارك وغربت وتباعدت وتقربت وارتفعت يا سلطان وامتنعت وسقطت وجلت وحمت وقعدت وقمت ثم أسفر رأيك السديد وفكرك الرشيد وأمرك السعيد عن أن تجرنا بسلاسل الحديد إلى العذاب الشديد وتخلدنا فيه الدهر المديد ولا الله بل تريد أن نمشي بأرجلنا إلى الشكبة ونلقي بأيدينا أنفسنا إلى التهلكة وقد أشبهت في هذه الحركة مالكا الحزين والسمكة فقال النجدي لأبنه السعدي أريحي وغني (شكوى الجريح إلى العقبان والرخم) فقالت له أزل الغصة بقص هذه القصة (فقال) كان في بعض المروج من قرى سروج نهر كثير الحيتان شديد الجريان وفي مكان من مصون مأوى المالك الحزين البلشون فكان يتصرف في السمك نصرف المالك فيما ملك قضى في ذلك عمره وزجى أوقاته في طيب عيش ومشره إلى أن أدركه المشيب ورحل عنه العمر القشيب وكساه خياط الدهر دلق ومن نعمرة ننكسه في الخلق ورأى من الكبر أصناف العبر إلى أن ضعفت قوته عن الاصطياد وجرى عليه من الآلام والأنكاد ومن نوائب الدهر ما الزمان به معتاد فصار يمر عليه برهة من الأوقات وهو عاجز عن تحصيل الأقوات فتوجه في بعض الأحيان وقد علته كآبة الأحزان ووقف على النهر متفكراً في تصرفات الدهر فمرت به سمكة لطيفة الحركة فرأته في ذل الانكسار سابحاً في بحر الأفتكار لا قدرة له ولا حركة ولا نهضة لاختطاف السمكة فلم يلتفت إليها ولا عول عليها وقد أوطأته الحوادث أقدام الهمومالكوارث وبدل ربيع شبابه بخريف الهرم وحرارة حربه ببرودة السلم فوقفت لديه وسلمت عليه وسألته عن موجب تفكره وسبب تحزنه وتحيره فقال تفكرت ما مضى من الزمان الناضر وما تقتضي فيه من طيب العيش وانشراح الخاطر وقد تبدل وجوده بالعدم ولم يحصل من ذلك سوى الذنوب والندم وقد وهنت العظام واستولى على الجسد السقام وتزلزلت أركان الأعضاء وتراكمت فنون الأدواء واشتعل الشيب وانقد وجر الآلام وقد:
عزمت على إخلاء جسمي روحه ... من خرق شيب كل عنه الراقع
قلت اسكنيه يا عمارة عمره ... قالت فكيف وبيت جسمك واقع
ثم قال ولم أفق من هذه السكرة ولا وقعت في هذه الفكرة إلا وسفينة العمر بالساحل قد أرست وأصيل شمس العيش على قلة الفناء أمست فما أمكنتي إلا التلافي بالتوبة والندم قبل حلول نوائب الأجل وزلة القدم والتطهر من جنابة المظالم بمياه الاستعبار والالتجاء إلى جانب الحق بالالظاظ في الاستغفار وغسل أوساخ الذنوب والمظالم بدموع الإنابة والاعتذار:
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل

فاعلمي أن جامح هواي قلع ضرس الآمال والطمع وجارح متمناي خوافي الشره والهلع وقد قدمت إلى هذا المكان لا تحلل من الأسماك والحيتان فأني طالما أغرت على عشائرهم وأولادهم وخضت في دماء قلوبهم وأكبادهم وشتت شملهم وخوفت جلهم وقلهم. وأرعبتهم وأرهبتهم وأقلقتهم وفرقتهم وغربتهم وبالدماء شرقتهم فرأيت براءة الذمة في الأولى أولى والمبادرة بالتوبة قبل المصير إلى الأخرى أحرى فلعل أحمال الذنوب تخف وسحائب الغفران تكف فلما سمعت السمكة هذه الخديعة ووعت ما فيها من حركة بديعة تشربتها أضلاعها ودعاها انخداعها إلى أن قالت فما ترى أيها العبد الصالح أن أتعاطاه من المصالح فقال ابلغني السمك هذا الكلام بعد إبلاغ التحية والسلام وأن يكون القوم من بعد اليوم آمنين من سطواتي سالمين من حملاتي ساكنين إلى حركاتي بحيث تتجلى الظلماء ويعود بيننا الحرب سلماً وينام السمك في الماء قالت لا بد من أخذ العهود على الوفاء بهذه العقود وأقلها المصافحة على المصالحة ثم تأكيد الأيمان بخالق الأنس والجان ولكن كيف أصافيك وأنا طعمتك وأني أتخلص من فيك إذا وضعت فيه لقمتك قال لها ابرمي هذا العلف واربطي به حنكي لتأمني التلف فأخذت قبضة من الحشيش وفتلت وإلى ربط فكه أقبلت فعندما مد منقاره إلى الماء وقربت منه السمكة العمياء لم يفتر أن اقتلعها ثم ابتلعها (وإنما أوردت) هذه اللطيفة يا ذا الحركات الظريفة لتعلم أن قربنا من العقاب ألقى بنا أنفسنا إلى أليم العقاب وأين عزب عنك نهاك حتى تسعى بنا إلى عين الهلاك ونحن قوت العقاب وغذاؤه ولداء جوعه شفاؤه ودواؤه وهل يركن إلى العقاب ويؤمن منه ضرب الرقاب وقد قيل:
أنفاسه كذب وحشو ضميره ... دغل وقربته سقام الروح
وقد قيل:
أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة ... عن نومك بين ناب الليث والظفر

قال النجدي اسلمي يا قرينة الخير واعلمي أن الريح وقت الربيع تكسو أكناف الأشجار من أنواع الأزهار ووجه الصحاري والقفار من أنوار الأنوار ما يدهش البصائر ويروق الأبصار وينعش الأجسام ويشفي الأسقام ويبرد الغليل ويبرئ العليل لا سيما وقت السحر ونسيم الصبا في ضوء القمر يربى القلب والروح وبحي الصب والجروح وكذلك المعرفات النشر واللواقح والمعطرات بطيب الروانح ودونك قول الحق في كلمته ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته وفي المصيف الجرور العسيف والسموم العصيف المذيب المذيف وفي الشتاء وأيام الخريف الصرصر المخيف يصفر اللوم ويغير الكون ويعرى الأشجار ويسقط الثمار ويثير الغبار وربما كانت إعصاراً فيه نار وتسقم الصحيح وتطبر الهشيم في الريح ومنها الأعجاز الموشحات والأيام النحسات والقواصف والعواصف والحواصبوالحراجف والصرصر والنكباء والزعرع والرخاء وقد قال فيها العزيز العليم فأرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم ثم اعلمي يا ربة الحجال وفتنة الرجال إن النار تحرق من يقربها وتذهب ما يصحبها وتنشف الطراوة وتشوه الطلاوه وتنتقم ما تجده وتلتهم وتزدرده وتسود بدخانها وتؤلم الأجساد بقربانها وتمحو الآثار وتهدم الديار مع أنها تنضج الأطعمة وتصلح الأغذية وتهدي النور وتد في المقرور وترشد الضال في القفار ورؤس الجبال قال من يقول للشيء كن فيكون أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين وكذلك الماء يا ذات الثغر الألمي يذهب الظما ويجلب النما ويبرد الصدور ويطفئ الحرور وينبت الزروع ويدر الضروع ويحمل المراكب وما فيها من مركوب وراكب وما فيها من مركوب وراكب قال القادر على كل شيء وجلعنا من الماء كل شيء حي وإذا طغت المياه والعياذ بالله أغرقت المراكب وخطفت الراجل والراكب واقتلعت الأشجار واقتطفت الحجار وأتلفت الزروع والثمار وإن تراكمت الأمطار قطعت سبل الأقطار وهدمت الديار وردت الآبار وسل عن ذلك ملابس الأسفار ومجالس الرتب من أهل الأمصار وإذا تكائف الرش غرقت مصر وآذى أهلها العطش ونعوذ بالله من هجوم السيل في ظلام الليل وكذلاك التراب يا زين الأحباب ينبت الحصرم والعنب والثمر والحطب والشوك والرطب ويشرع سنان الشوك المحدد وغصون السهم المسدد ويربى الورد والأزهار والرياحين والأنوار والأقوات والثمار والرياض النضرة والغياض الخصرة ثم إذا ثار وهاج الغبار خرج من تحت الحوافر فاعمى النواظر ففيه الحلو والمر والزوان والبر والناعم والخشن والقبيح والحسن والأرض مهاد وفراش وفيها أسباب المعاش وهذه المضرة والمنفعة مركبة في هذه العناصر الأربعة التي هي أصل الكائنات وسنخ ما نشاهده من المخلوقات وإذا كان ذلك كذلك وقاك الله شر المهالك وأوضح لك أوضح المسالك فاعلمي بالتحقيق يا صاحبة الثغر العقيق إن هذا الملك الأعظم بل كل أولاد بني آدم مركبون من الرضا والغضب والحلم والصخب والرفع والحط والقبض والبسط والقهر واللطف والظرافة والعنف والخشونة واللين والتحريك والتسكين والبخل والسخاء والشدة والرخاء والوفاء والجفاء والكدورة والصفاء واعلمي يا نعم العون وقرينة الصون إن هذا الكون سروره في شروره مندمج ووروده في صدور مندرج وصفاؤه مع كدره مزدوج وجفاؤه بوفائه ممتزج فيمكن أن العقاب لكونه ملكاً مالك الرقاب مع وجود هيبته القاهرة وسطوته الباهره وخلقه الشرس الصعب الشكس إذا رأى ضعفنا وذلنا وانكسارنا وقلنا وترامينا لديه وتعولنا عليه يضمنا إلى جناح عاطفته ويسبل علينا خوافي مرحمته ويعاملنا بالألطاف ويسمج لنا بالإسعاف دون الأعساف ويعمل بموجب ما قيل:
لكل كريم عادة يستعدها ... وأنت لكل المكرمات امام

والقادر على الكسر والجبر لا سيما إذا كان من ذوي النباهة والقدر لا يعامل ذوي الكسر بالكسر لانا في مقام الأبوة والتقوى على الضعيف ضعف في القوة وقالوا المصغر لا يصغر وسجدة السهو ولا تكرر قالت غرغرة ذات التبصرة هذا وأن كان داخلاً في حيز الإمكان لكن أخاف يا ذا الألطاف أنا بمجرد الوقوف بين يديه في الصفوف لا نمهل بأداء الكلام ولا للثبات في المقام بل نعامل بالتمزيق والتخريق وننحر بعد في الطريق وتهوى بنا خواطف الطير في مكان سحيق فيفوتنا هذا المطلب إذ قيل الطبع أغلب وهذا وصلنا إليه وتمثلنا بين يديه وأما إذا اعترضنا دونه عارض وجرحنا من جوارح الطير معارض ولا حول يحمينا ولا قوة تنجينا فينتف ريشنا كل باغ ويتجاذب لحمنا كل طاغ فيصير مثلنا مثل النمس والزاغ فسأل اليعقوب تلك الرقوب كيف هذا المثل أخبريني يا ست الحجل (قالت) كان في بعض البساتين العاطرة والرياض الناضرة مأوى زاغ ظريف حسن الشكل لطيف في رأس شجرة عالية أغصانها سامية وقطوفها دانية فاتفق لنمس من النموس في وكره ضرر وبوسفانزعج عن وطنه واحتاج إلى مفارقة سكنه فقاده الزمان إلى هذا المكان فراقه منظره وشاقه نوره وزهره وأعجبه ظله وثمره وأطربه بخريره نهره فعزم على السكنى فيه وتوطن إلى أن توطن في نواحيه ذرآه أحسن منزل وإذا أعشيت فانزل ووقع اختيار ذلك الطاغ على وكر في أصل شجرة الزاغ فسوى له وكراً وحفره في أصل تلك الشجرة وألقى عصا التيسار واستقرت به هناك الدار فلما رأى لزاغ هذه الحال داخله الهم والاوجال وخشى أن يتدرج من أدناها ويتدحرج إلى أعلاها وينشد الأصحاب في هذا الباب:
ولما مضى الشوق ... إلى نحو أبى طوق
تدحرجت لكني ... من تحت إلى فوق
فيصل إلى وطنه القديم ويذيقه العذاب الأليم فليس له خلاص من هذا الاقتناص إلا مفارقة الوطن والانزعاج بالتحول عن السكن وكيف يفارق ذلك النعيم ويسمح بالبعد عن الوطن القديم وهو كما قيل:
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
فغلبت محبة وطنه على قلبه ولم يطاوله على فراقه لشدة حبه ثم اعتراه في ذلك الوسواس وأخذ يضرب أخماساً لأسداس في وجه الخلاص من هذا البأس فرأى المدافعة أولى الممانعة عن جوارحه لخاطره أجلى ثم افتكر في كيفية المدافعة وسلوك طريق الممانعة فلم ير أوفق من المصانعة وتعاطي أسباب المخادعة ليقف بذلك أولاً على حقيقة أمره ويعرف معيار خيره وشره ويصل إلى مقدار قوته وضعفه ورصانة عقله وفهمه وسخفه ويسبر حالتي غضبه ورضاه ويدرك غور أحواله ومننهاه ثم يبني على ذلك أساس دفعه وهدم ما يبنيه من قلعته لقلعه فهبط إلى النمس من الهواء وحفظ شيأ وغابت عنه أشياء وسلم عليه سلام المحب على الحبيب وجلس منه بيمكان قريب وخاطبه خطاب ناصح لا مريب وابتهج بجواره واستأنس بقرب داره وذكر له أنه كان وحيداً وعن الجليس الصالح والأنيس الناصح فريداً وقد حصل له الأنس بمجاورة النمس وأنه صدق من قال في هذا المقال:
انفراد المرء خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده
فاستمع النمس حديث الزاغ وما طغى بصر يصيرته عن سكايده وما زاغ ثم افتكر في نفسه ونظر في مرآة حدسه فرأى أن هذا الطير بخبث السيرة مشهور وبسوء السريرة مذكور ولا أصله زكي ولا فرعه على ولا غائلته مأمونة ولا صحبته ميمونة ولا خير عنده ولأمير بل يخشى منه الضرر والضير وكأنه فيه قيل:
وهو غراب البين في شؤمه ... لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ

ولم يكن بيننا وبينه قط علاقة ولا واسطة محبة ولا صداقة وأما العداوة فإنها مستحكمة وكل منا للآخر ما كلة ومطعمه ولا أشك أنه إنما قصد طريقة سوء ومكيدة نكد فأن أضعت فيه الفرصة أطلت الغصة ووقعت من الندامة في قصة وحصة ولا يفيدني إذ ذاك الندم أني وقد فات المطلوب وزالت القدم (وأحزم الحزم سوء الظن بالناس) فالذي يقتضيه الحزم والرأي السديد والعزم القبض عليه إلى أن يظهر ما لديه ثم وثب من مريضه وأنشب في الزاغ مخاليب مقبضه وقبضه قبضه أعمى لا كالقابض على ألما فلما رأى الزاغ هذا النكد وأنه قد صار كالفريسة في مخاليب الأسد ناداه يا كريم الخير ويا أيها الجار الحليم عن الضير أنا رغبت في مصادقتك وجئتك محباً في موافقتك ومرافقك وأردت إزالة وحشتك وموانستك بإبعاد دهشتك وحاشاك أن تخيب ظني فيك وتعامل بالجفاء من يوافيك وأنشده:
وحاشاك أن تمشي بوجهك معرضاً ... وما يحسن الأعراض عن وجهك الحسن
والكرام لا يعاملون الجلساء إلا بالمؤانسة وحسن الوفاء والإبقاء على خير والبعد من الضير وأنا قد صرت جليسك وجارك وأنيسك وقد قيلوكنت جليس قعقاع بن شور ولا يشقى لقعقاع جليس مع أنه لم يسبق مني سبب عداوة ولا ما يوجب هذه الفظاظة والقساوة وهذه أول نظرة فما موجب هذه البدرة وما سبب هذه النفرة قال النمس أيها الزاغ الكثير الرواغ وانحس باغ وانجس طاغ اسمك ناطق انك منافق وهو خبر صادق إذ هو في الخارج للواقع مطابق ورؤيتك شاهده أنك تنقض المعاهدة وعين منظرك دل على مخبرك وقد قيل:
والعين تعرف من عبتي محدثها ... إن كان من حزبها أن من أعاديها
من أين بيننا صداقة ومتى كان بين النموس والزاغ علاقة وكيف تنعقد بيننا صحابه وأنى يتصل لنا مودة أو قرابة بين لي كيفية هذا السبب ومن أين هذا الإخاء والنسب أما أنت فلي طعمه وأما أنا فلحمي لسدي غذائك لحمه يسوءني ما يسرك وينفعني ما يضرك:
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم أن لا تحبونا
أنا واقف على ما في ضميرك وعالم بسوء فكرك وتدبيرك قد اطلعت منك على الهواجس كما اطلع ذلك الماشي على ما في خاطر ذلك الفارس قال الزاغ بين لي بلا جدل كيف هو هذا المثل (قال) النمس ذكر رواة الأخبار ونقلة الآثار أنه ترافق في بعض السباسب راجل وراكب وكان مع الراجل من البضائع رزمه وقد جعلها كارة وخرمها أوثق خرمه وقد أعياه حملها حتى أعجزه نقلها فقال للراكب أيها الرفيق الصاحب لو ساعدتني ساعة بحمل هذه البضاعة لكنت أرحتني ونفست عني وشرحتني:
كذى المجد يحمل أثقاله ... قوى العظام حمول الكلف

قال الفارس لا أكل فرسي ولا أتعب نفسي ونفسي فان مركوبي لم يقطع البارحة عليقه وأنا خائف أن لا يقطع بي طريقه وإذا خفت تخلفي في سيري فأني أتكلف حمل أثقال غيري فبينما هما في هذا الكلام إذ لاح في بعض الآكام فأطلق العنان وراء الأرنب وذهب وراءهما كرأي الزنادقة كل مذهب فوجد فرسه قوية النهضة سريعة الركضة فرأى أنه أضاع حزمه في عدم أخذه الرزمة وما ضره لو أخذها وساق وذهب إلى بعض الآفاق وأقام بها أوده وأنتفع بها وولده وترك الماشي بلا شيء ثم رجع بهذه النية الضارة ليحمل عن الماشي الكارة وقال له اعطني هذا الحمل المتعب لأريحك من حمله في هذا المذهب وابلغ ريقك واقطع طريقك فقال له قد علمت بتلك النية وما أضمرت من بليه فاتركني بحالي فلي حاجة بمالي فثم أن النمس كسر الزاغ وحصل له بأكله الفراغ (وإنما أوردت) هذا المثال لتعلم بأفحل الرجال إن العقاب لا يؤمن ولا يقطع فيه بالظن الحسن ولا يركن إلى خطفة بوارقه بمخاليب صواقعه وصواعقه ولا إلى غوائله وبواثقه وهذا إن سلمت شقة حياتنا من تشقيق غواشيه وتخلص برد وجودنا من تمزيق حواشيه وإن بينك وبين هذا المراد خرط القتاد والموانع التي هي دون سعاد فما الوصول إلى ملك الطير قريب التناول في السير ولا سهل المأخذ ولا سريع المنفذ وأين الحجل من العقاب ذاك في نعائم النعيم وهذا في عقاب العقاب فتدبر عاقبة هذا الأمر وتأمل في الفرق بين التمر والجمر والظاهر عندي وما أدى إليه فكري وجهدي إن عاقبة هذه الأمور ليس إلا القطوع والقصور دون الوصول إلى الملك في القصور قال الذكر لقد كررت عليك مراراً وأسندت إلى سمعك إنشاء وأخبار أن علو همة هذا الملك وفضله الخالي عن شرك وكرم نجاره وأمن خادمه وجاره وفيض إحسانه وبسط كرمه وامتنانه وانتشار صيت حشمته واشتهار رأفته ورحمته لا يقتضي حرمان من قصده وأم جنابه وأعتمده ولجأ إلى جناح عاطفته وتشبث بذيل ملاطفته وحاشاه أن يصم مصون همته بابتذال دناءة ويشوه جمال وفائه لمن ترفق له بنكتة جفاء تخيب رجاءه خصوصاً إذا رأى مني خضوع العبودية والقيام بمراسيم الخدمات الأديبة والمقام بمراكز مرضيه والوقوف عند كل ما يعجبه ويرضيه فأني بحمد الله تعالى أعرف مداخل الأمور ومخارجها وعندي الاستعداد الكامل لصعود معارجها وأعلم طرق المجاز إلى حقائقها وسلوك دروبهاوطرائقها فالأولى أن نقتصر عن المحاورة ونكتفي بهذه المساورة في المشاورة ونتوكل على مقلب القلوب ونتوجه نحو هذا المطلوب بعزم شديد وحزم سديد فان تيسر لي ملاقاة حضرته والتمثل في مراكز خدمته وحصلت لي مشاهدته واتفقت مخاطبته ومعاهدته أنشأت خطبة تدفع الخطوب وتجمع القلوب وتؤلف بين المحب والمحبوب وأرجو أن تكون نافعه لمصالح الدين جامعة فان كلامي في مقامي كما قيل في المثل:
فأوجز لكنه لا يخل ... وأطنب لكنه لا يمل

وآخر الأمر سلمت غرغرة زمام انقيادها إليه وعولت في عمل المصالح عليه ثم قالت له عيش واسلم وتيقن وأعلم انك إذا قصدت هدمة الملوك وأردت في طريق مصاحبتهم السلوك فانك محتاج في ذلك المنهاج إلى نور وسراج يهديك إلى صفات جميلة وتلبس بخصائل نبيلة تتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها وتتجلى في شمائل جلالها الأولى أن تقدم في جميع مصادرك ومواردك الملك على جميع مقاصدك الثانية أن تتلقى أموره بالتعظيم وتقيم أوامره بالاحترام والتفخيم الثالثة تحسن أقواله وتزين أفعاله بوجه لا يتطرق إليه تشويه ولا يحتاج فيه إلى تنبيه الرابعة تجتهد في صيانة عرضك عن الخنا وإياك أن تقول في حضرته أنا فتقع في العنا الخامسة أن تعد على الدوام ومرور الأيام خدماتك الوافرة وحقوقك المتكاثرة عن حقوق نعمه قاصرة السادسة إذا وقعت منك زلة فلا تتعد بها جمع القلة بل اطلب لتلك الهفوة في الحال محوه واقصد مراحمه وعفوه فان الذنوب إذا تراكمت وتجمعت وتزاحمت أشبهت المزبلة المدمنة وفاحت روائحها المنتنة والإنسان غير معصوم والآدمي بالخطأ موسوم السابعة احفظ وجهك في حضرته عن التقطيب وكلامك أن يفوح منه غير الطيب الثامنة إياك ومصادقة أعدائه ومعاداة أوليائه التاسعة كلما زادك رفعة وتقريباً مل إلى التواضع واعظامه تصويباً العاشرة لا ندخر عنه نصيحة وانصحه في الخلوة لئلا يؤدي إلى الفضيحة وإذا أقامك في أمر ولو أنه المشي على الجمر لا تطلب منه أجراً ولا تبد لذلك ذكراً فأن الطمع يورث العقوق والمن يسود وجه الحقوق وأعلم أن حضرة الملوك عظيمة ومجالسهم جسمية تنزه عن الكذب والغيبة والنميمة والأقوال الوخيمة والأفعال الذميمة وإياك أن تتعدى القواعد الكسرويه وتتخطى القوانين السلطانية فان أعظمها كان أن يعرف كل إنسان تقصير نفسه في خدمة مخدومه ويعترف له من إحسانه بعمومه ويقيم واجب همة ملكه ومقام مرسومه قال النجدي أخبريني يا دعدي وحظي وسعدي وابنة السعدي ومزينة القواعد بشيء من تلك القواعد (قالت) من القواعد الكسرويه الدائرة بين البرية ما وضعها بعض الملوك وحمل رعيته فيها على السلوك وكان مشهوراً بالعدل والإحسان مذكوراً بإقامة البرهان متصافاً بالصفات الحميدة مكتنفاً بالشمائل السعيدة من الدين والعفة وعدم الطيش والخفة بعقل راجح الكفة والعلم الوافر والحلم العاطر وذلك أنه في بعض الأيام أمر أن يجتمع الخواص والعوام ما بين أمير ووزير وكبير وصغير وغني وفقير وجليل وحقير وعالم وجاهل ومعضول وفاضل ومذكور وخامل وناظر وعامل وحال وعاطل وحاكم وقاض وساخط وراض وجندي وتبع وأخرق وصنع ووضيع وشريف ولطيف وكثيف وثقيل وخفيف وقريب وبعيد ومقبول وطريد وشقي وسعيد وسوقة وتاجر وسفيه وفاجر ودان وقاص وطائع وعاص وصالح وطالح وضاحك وكالح ومصيب ومخطئ ومسرع ومبطئ وصياد وملاح وسياح وسباح وبلدي وفلاح ومسلك وسالك ومملوك ومالك بحيث لا يتخلف عن الحضور أحد ولا يجزي في التقاعد والدعن ولد ثم مهد لهم في روض أرايض ومرج طويل عريض تصفق مياه أنهاره طرباً وتتناغى بأطيب الألحان فصحاء أطياره الخطباء وتتراقص بزهر الوقت أغصان أشجاره ويلتذ بفواكه الجنان جاني ثماره فهو كما قيل:يلتذ جانيه بأنعم مقطف ومنه ساكنه بأكرم معطف
والورق بين محلق في جوه ... طرباً ومنحط عليه مرفرف

وأمر بفرش ذلك المكان بالفرش الحسان من الديباج والحرير وأطلق مجامر الند والعبير وبين لكل مقاماً معلوماً ومجلساً مقسوماً وأحل كلاً منهم محله واسبغ عليهم ذيل إحسانه وطله ثم أمر بأنواع الأطعمة المفتخرة وأصناف الملاذ الطيبة العطرة فأحضرت في أواني الفضة والنضار ووضعت بين يدي أولئك الحضار بحيث عمت الجميع ووسعت الشريف والوضيع وجلس الملك في مجلس السلطنة واكتنفه من العساكر الميسرة والميمنتة وأخذ كل مكانه ورتب أصحابه وأعوانه ثم أقام عليهم أرباب الديوان وأدخل جميعهم في دفاتر الحسبان وأمر منادياً سيداً يرفع بصوته الندا في ذلك الجمع بحيث شمله من الجميع النظر والسمع يا أهل هذا المكان برز مرسوم السلطان إن كل من هو فر مرتبه من مرضاه أو معتبه لا يلاحظ من فوقه ولو أنه من أمير وسوقه بل يلاحظ حال من هو دونه فائزة كانت منزلته أو مغبونه فان ذلك أجمع للقلوب وأدعى للشكر المطلوب وأجلب للرضا بحوادث القضا فان من رأى نفسه في مقام ونظر غيره في أدنى من ذلك المقام استقام وكانت عنده منزلته عليه وعد لنفسه على غيره مزبه فتوطنت نفسه على الرضا واستقبلت بالشكر وارد القضا مثال ذلك الرئيس النازل في الصدر إذا رأى من هو دونه في القدر لم يشك في أن محله محل البدر وباقي الرؤساء كالنجوم فلا يأخذه لذلك وجوم وقد قال الحي القيوم في در كلامه المنظوم وما منا إلا له مقام معلوم وكذلك النائب بالنسبة إلى الحاجب والدوادار بالنسبة إلى البزدار والخزندار بالنسبة إلى جابي الدراهم والدينار والمهتار بالنظر إلى السائس والبرقدار وكذلك بالنسبة إلى الحارس وكاتب السر المرتفع بالنسبة إلى المدير والموقع والزمام بالنظر إلى سائر الخدام وأيضاً القاضي مع الفقيه والفقيه مع التاجر النبيه والتاجر مع السوقي السفيه والغنى والأمير بالنسبة إلى المأمول والفقير وعلى هذا القياس أوضاع جميع الناس من أرباب الصنائع وجلاب البضائع وأهل المدن والقرى وذوي البيع والشرا والوهد والذرا وأولى الوضاعة والشرف من أنواع المكتسبات والحرف إلى أن ينزلوا في المراتب ويتدحرجوا من اليفاع إلى الحضيض في المناصب ويتعاونوا في المناصب والمناقب ويصل قدرهم ونظرهم في ذلك إلى كل ذي فعل سيئ حالك كأرباب العظائم وأصحاب الذنوب والجرائم فينظر المعتوب حاله بالنسبة إلى المضروب والمشتوم حاله بالقياس إلى حال المكلوم والصحيح بالنسبة إلى حال الجريح ويلاحظ مضروب العصا حال المسلوخ بالمقارع ومضروب المقارع أحوال مقطوع الأكارع وكذلك المقطوع بالنسبة إلى مصلوب الجذوع والمصاب بالمال بالنسبة إلى مصلوب الجذوع والمصاب بالمال بالنسبة إلى مصاب البدن والأعرج بالنسبة إلى المقعد الزمن وكذلك العوران بالنظر إلى مصاب العميان وليتأمل الناظر ما قاله في ذلك الشاعر:
سمعت أعمى مرة قائلاً ... يا قوم ما أصاب فقد البصر
أجابه أعور من خلفه ... عندي من ذلك نصف الخبر
ولتكن هذه القواعد مستمرة العوائد بين الصادر والوارد ليعلم أن مصائب قوم عند قوم فوائد فاستمرت هذه القوانين مستعملة غير منسية ولا مهملة من زمان ذلك السلطان إلى هذا الزمان وانظر أيها الفضيل إلى معنى ما قيل في هذا القبيل وهو:
على كل حال ينبغي الشكر للفتى ... فكم من شرور عن سرور تجلت
وكم نقمة عند القياس بغيرها ... ترى نعمة فاشكر لدى كل نقمة
(وإنما) أوردت هذه الأمثال وأطلت النفس في بيان هذه الأحوال لتأخذ منها حظك وتكررها فيما أودعته حفظك وتجري بها ليلاً ونهاراً لفظك حتى تصلح المنادمة الملك ولا يعلق بذيل مكانتك من الحساد مرتبك وترضى بأي مقام أقامك فيه وتعلم انه أعلى مقام ترتضيه حيث هولك يرتضيه وتجعل:مورد لسانك ومقعد جنابك في طلبك رضاه ما كنت أنشدتك إياه من قديم الزمان وأنا عليه الآن وهو:
وأعلى مقاماتي وأسنى وظائفي ... وأحسن أسمائي أنت ترضاه

فقال الذكر ما أحسن عقد هذه الدرر لقد أفصحت إذ نصحت وزينت بما بينت فجزاك الله خيراً وكفاك ضيراً فحقيق على أن أقتدي بآثارك واهتدي بأنوارك فما أرجح ممزانك وأغرز حسنك وإحسانك لقد جمعت بين فصاحة النقل ورجاحة العقل ومزجت روح الحصافة الظرافه وجلوت صورة النصيحة في خلعة اللطافة ثم أنهما توكلا على العزيز الوهاب وقصدا حضرة ملك الطير العقاب فواصلا السير بالسرى واستبدلا السهر بالكرى ولم يزالا في سير مجد وطلب مكد بين الادلاج والدلجة مقارن مقارن حتى وصلا إلى جبل قارن وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب بؤبؤ نقي الجؤجؤ تقي البؤبؤ أحسن منظراً من اللؤلؤ صورته مسعودة وسيرته محمودة وهو بين أولئك الطير مشكور الأحوال مشهور الخير وفيه من المعرفة والدين والعقل الرصين والرأي المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين وعنده من الوقوف على دقائق الأمور ما فاق به الجمهور وساد به على سائر الطيور وكان صيته قد اشتهر حتى ملأ البدو والحضر فترك النجدي بنت السعدي في مكان وقصد اليؤيؤ لعرض عليه ماله من شان فوصل إلى جنابه وأتى بيت مقصده من بابه حتى دخل عليه وقبل يديه وتمثل لديه فتوجه اليؤيؤ إليه وأشار بتقريبه منه وأزال دواعي الوحشة عنه وأقبل عليه بكليته وزاد في إكرامه وطلابه فانشده بديها ولم يقل أيها مفصحاً معلناً مستعيناً مضمناً:
لقد قص ريشي الدهر عن كل مطلب ... وألهمني سعدي بأنك رائش
ففي سمري مد كهجرك مفرط ... وفي قصتي طول كصدك فاحش
ثم قال اعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس أن مولدي في جبل من جبال أذربيجان في مكان يضاهي الجنان ويباهي روضة رضوان أنزه من عنصر الشباب وأفكه من معاقرة الأتراب وأرفه من منادمة الأحباب على رقيق الشراب نشأت فيه مع قرينه جميلة أمينة فقضيت فيه غض العمر وزجيت فيه بض الدهر قانعا بما تيسر من الرزق فأرغما عما في أيدي الخلق متمسكا بذيل العزلة أعد الانفراد نعمة جزلة مكرراً درس ثلاثة نجم النفس القرينة الصالحة الجار المؤنس والكفاف من القوت ومما كنت أنشدت وفي مبدأ أمري أرشدت:
وحسب الفتى قوت وخل وزوجة ... ليرتاح في الدنيا ويكتسب الأخرى
وكنت من الدهر على هذا اقتصرت ومن لذيذ العيش على القناعة اختصرت ولكن كان مأوانا ومصيفنا ومشتانا محل الحوادث وممر العوائث والعوابث ومعبر المصائب ومورد الصيد ومورد الموطئ عمرو وريد فكنا كلما ولد لنا مولود وتحدد لنا بالبهجة والابتهاج عهود حصل للعين قره وللروح مسرة نقول هذا يبقى ذكرنا بعدنا ويحيى آثارنا عند حلولنا لحدنا فلم يكن أسرع من هجوم خاطف أو هبوب ريح نكبة عاصف يخطفه من بيننا ويجذبه من قبلنا وعيننا فان سلم من تلك المكايد وتخلص من سهم المصائب والمصايد حطمته عساكر الملك المنصورة وملأت الأقطار الجنود الموفورة فلا يخلو منها مكان قدم إلا وقد غص بمواطئ تلك الأمم فتذهب مناقرة العين وتدهك غلطاً تحت الرجلين وهذا هو البلاء الطام والمصاب العام ولا بد منه في كل عام فكأنه أيها النبيه النبيل في شأننا قد قيل:
أيا ابن آدم لا يغررك عافية ... عليك شاملة فالعمر ممدود
ما أنت إلا كزرع عند خضرته ... بكل شيء من الآفات مقصود
فان سلمت من الآفات أجمعها فأنت عند كمال الأمر محصود فضاق منا لهذا العطن فلم أر أوفق من مفارقة السكن والمهاجرة من الوطن فعرضت على القرينة هذه الحال وأسرت عليها بالارتحال وقلت لها المرء من حيث يوجد لا من حيث يولد فأبت وكبت وشاقت في:ذلك ونبت فلا زلنا نتحاور ونتشاور ويرمى كل منا سهم رأيه إذ يساور حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن ثلث ما في الجعبة ثم أعطت القوس باريها وسلمت الدار بانيها وأدركت ملامح مقاصدي معانيها وسمحت بالانتقال من تلك البلاد وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد فرحلنا بعيده وقاسينا شدة شديدة وقصدنا هذا الحرم إذ رأيناه مشتملاً على اللطف والكرم وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من إشراك كل صائد وفطمنا أنفسنا عن حبات الطمع وتجرعنا من كاسات الجزع وأقداح الفزع جرعاً بعد جرع فوصلنا بحمد الله إلى جنابك الأمين وبشرنا مبشر الإقبال أنك لكل خبر ضمين فحمدنا عند صباح الفلاح السرى وأنشدنا لسان السعد مبشرا:
وجدت من الدنيا كريماً نؤمه ... لدفع ملم أو لنيل جزيل

وإن لم يكن بيننا سابقة خدمة لكن تعارف أرواحنا له قدمه مع أن كرم ذاتك الجميلة وما جبلت عليه من صفات نبيلة يغني قاصد صدقاتك عن واسطة ووسيلة ووالله أني لواثق بان ظني بوفاء مكارمك صادق فاسأل إحسانك يا ذا الخير إيصالي إلى خدمة ملك الطير وإن كانت رفعة مكانه في العيوق ودون الوصول إليه بيض الأنوق لكن بواسطة الوسيلة يحصل هذا الشرف والفضيلة ولا زالت الرؤساء والأكابر يأخذون بيد الضعفاء والأصاغر ولرأيك العلو والشرف والسمو والعف والحنو فاهتز اليؤيؤ لهذا الكلام وارتاح وظهر في وجهه تباشير المسرة والأرتياح وأنشد:
قدمت بأنواع المسرة والهنا ... على خير منزول وأيمن طائر
فأهلاً وسهلاً ثم أهلاً ومرحبا ... وبشرى ويسرى بالعلى والبشائر
أعلم أن قدومك صدق ومرافقتك سبب الرفق ورؤيتك فتح باب الفتوح وروايتك غذاء القلب وراحة الروح أبشر بكل ما تؤمل وتختار فقد ذهب العثار وجاء الأمن واليسار أصبت مرامك وزينت مقامك وآنست منزلك وأويت مأملك خاطرك وبشر أهلك وعشائرك وأخبر غائبك وحاضرك ولقد قادك الرأي السديد والأمر الرشيد والفال السعيد حتى أويت إلى ركن شديد وملك كريم خلقه عظيم وفضله جسيم وجوده عميم ونظيره عديم رؤف برعيته لا يخيب أمله ولا يريب سائله ولا يقطع واصله ولا يمنع حاصلة لقد أنبتت ساعيك أزهار الأمن والأمان وتفتحت لورودك في رياض سعد الزمان نواظر نرجس النعمة وشقائق فضل النعمان فاعلم أن هذا الملك ذو جناب منيع وقدر رفيع وبيان معانيه بديع عزير المنال جامع لصفتي الجمال والجلال قد اختار العزلة في رؤس الجبال فلذلك طبعه لا يخلو من جساوة وقلبه من قساوة وأن غذاءه من اللحوم ومن الحيوانات مشروبه والمطعوم مخاليبه كالاسل ويلجأ إلى الله تعالى إذا نسر منقاره ونسل وحقيقة أمره أن كنت عنه تسل:
ممقر مر على أعدائه ... وعلى الأدنين حلو كالعسل
فإذا التجأ إليه فقير أو آوى إليه ضعاف أو كسير أو قصده محتاج أو سلك إلى باب مرضاته منهاج فلا يمكن ألطف منه ولا أشفق ولا أقرب من عطفه على مؤمليه ولا أرفق فهو كما قيل (بيض قطاً يحضنه أجدل) وسبب ذلك أن ضميره المنير خال من المكر طاهر من التزوير لا يعرف ختلاً ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ولا كذباً ولا قطيعة ولا في خاطره فساد ولا عنده سوء اعتقاد ولا يعرف غير الحق ولا يقول إلا الصدق وذلك لبعده من مخالطة الناس وعزلته عن كل ذي وسواس وخناس فلقد اتفق العالم أن صحبة بني آدم سم قاتل وهم باتل فان دأبهم المكر والتلبيس والخداع والتدليس وحسبك قول شاعرهم في كشف ضمائرهم وشرح حقيقة سرائرهم:
صن من الناس جانباً ... كي يظنون راهباً
قلب الناس كيف شئ؟ ... ت نجدهم عقارباً
ولقد أرشد من أنشد:
بنو آدم إن رمت من خيرهم جنى ... فأحلى الذي تجنيه من وصلهم صبر
مكارمهم مكر ورؤيتهم ريا ... وودهم مؤذ وجبرهم كسرفإن كان فيهم صالح أفسدوه وإلى سبل الضلال أرشدوه والكلام في هذا المقام لا يبلغ التمام فيكتفي بالقليل عن الجليل وشمس النهار ولا يحتاج في وجودها إلى دليل فانهض الآن فقد آن التوجه إلى خدمه السلطان فما كل زمان يحصل هذا الإمكان فان الاجتماع به كل وقت مشكل فتوكل على الله بأحسن متوكل فإذا دخلت عليه وتمثلت بين يديه فاعرف كيف تقف وانظر يا ذا الكمال ماذا يناسب الحال ويقتضيه المقام من فعل وكلام فاسلك طريقته وراع مخارجه وحقيقته وادخل معه من ذلك الباب ومثلك لا يدل على صواب فما أسرع اللطف وأقرب العنف من حركات الملوك والكبراء وأبعد الرفق وأشرد الخلق من ملكات السلاطين والخلفاء وأقصى مدانيهم إذا غضبوا وأوحش مؤانسهم إذا صخبوا وأقرب مباعدهم إذا عطفوا وأعجب مناددهم إذا لطفوا ويكفيك يا ذا العقل المتين ما قيل في شأن الملوك والسلاطين:
إن الملوك بلاء أينما حلوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وأن أرضيتهم ملوا
وإن مدحتهم ظنوك تدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكل
فاستغن بالله عن أبوابهم كرماً ... إن الوقوف على أبوابهم ذل

وقال سيد الأنام طرا لا تجاور ملكاً أو بحراً فان رضوا رفعوك فوق الأفلاك وإن غضبوا والعياذ بالله فهو الهلاك وناهيك من تقلبات الملوك يا ذا الإرشاد في السلوك أطفأ الله غضبهم عنك قضية صدرت من تيمورلنك فسأل فحل الحجل الوزير الأجل بيان ذلك المثل الصادر من الأعرج الأشل (فقال) الدستور مما حكى عن تيمور من وقائع الأمور وشدة عزمه وحزمه وثباته على ما يقصده وحزمه وحلول نقمته بمن يعارضه ويعاكسه فيما يرسم به ويناقضه أنه لما توجه بالجنود إلى بلاد الهنود وذلك في سنة ثمانمائة وصل بجيوش الطاغية إلى قلعة شاهقة أقراط الدراري بآذان مراميها عالقة والرجوم المارقة من النجوم الخارقة تتعلم الأصابة من رشاقة سهامها الراشقة كان بهرام في مهواه أحد سواطيرها وكيوان في مسراه خادم نواطيرها والشمس في استوائها غرة جبينها وقطرات السحاب في الأنكساب تترشح من قعر معينها وشقة الشفق الحمراء على آذانها مراميها وأنوف أبدانها سرداق وكريات النجوم في القبة الخضراء لعيون مكاحلها وأفواه مدافعها طابات وبنادق وكان الثريا في انتصابها قنديل معلق على بابها لا يحوم طائر الوهم عليها فأنى يصل طائش السهم إليها ولا يتعلق خدم خدمتها خلخال خيال وافتكار فضلاً عن أن يحلق على معصم عصمتها من عساكر الأساورة سوار وفيها من الهنود طائفة ثابتة الجنان غير خائفة جهزت أهلها وما تخاف عليه إلى الأماكن المعجزة وتثبتت هي في القلعة حافظة لها متحرزة مع أنها شر ذمة وطائفة قليلة وطائفة ذليلة لا خير عندهم ولا مير ولا فائدة سوى الضرر والضير ولا للقتال عليها سبيل ولا حواليها مبيت ولا مقيل بل هي مطلة على المقاتلة مستمكنة على المقاتلة فأبى تيمور أن يجاوزها دون أن يجاورها بالحضار ويناجزها واللبيب العاقل لا يترك وراءه لخصمه معاقل فجعلت المقاتلة تناوشها من بعيد ويصب كل من أهلها عليهم من أسباب المنايا ما يريد وكان كل يوم مقتل من عسكره ما لا يحصى والقلعة تزداد بذلك إباء واستعصا وهو يأبى الرحيل عنها إلا أن يصل إلى غرضه ففي بعض أيام المحاصرة مطرواً وبواسطة المطر وانحصروا وصار يحثهم على القتال ثم ركب لينظر ماذا يصنعون في تلك الجمال فلم يرتض أفعالهم لما عكست أو حالهم أحوالهم فدعا رؤس الأمراء وزعماء العساكر والكبراء وأخذ يمزق أديم عصمتهم بشفار شتمه وبشق ستر حرمتهم بمخاليب لعنه وذمه ونفخ الشيطان في خيشومه وألهب فيه نار غضبه وشومه وقال يا لئام وأكله الحرام تتقلبون في نعمائي وتتوانون عن أعدائي جعل الله نعمتي عليكم وبالاً وألبسكم بكفرانها خيبة ونكالاً يا نابذي لذمم وكافري النعم وساقطي الهمم ومستوجبي النقم ألم تطؤا أعناق الملوك بأقدام إقدامي ألم تطيرواإلى الآفاق بأجنحة إحساني وإكرامي ألم تفتحوا مغلقات الفتوح بحسام صولتي أما سرحتم في منتزهات الأقاليم سوائم تحكمكم بترعية دولتي بي ملكتم مشارق الأرض ومغاربها وأذبتم جامدها وأجمدتم ذائبها:
ألم أك ناراً يصطليها عدوكم ... وحرزاً لما ألجئتم من ورائيا
وباسط خيري فيكم بيمنيا ... وقابض شرعتكم بشماليا
ولا زال يهمهم ويغمغم ويهذرم ويبرطم وهم مطرقون لا يحيرون جواباً ولا يملكون منه خطاباً ثم ازداد حنقاً وكاد أن يموت خنقاً فاخترط السيف بيده اليسرى وهمز به على قمم أولئك الأسرى وهم أن يجعل رقابهم قرابة ويسقي من دمائهم نمل فرنده وذبابه وهم على تلك الحال في الخزي والإذلال باذلو أنفسهم ناكسو رؤسهم ثم تراجع وتماسك وملك نفسه قليلاً أو ثمالك فاغمد عن تشريقهم حسامه ولم يلق لأمره دبرة ولا قبلة أمامه فغلف غربه وشامه ثم نزل عن مركبه واستدعى على الشطرنج الكبير ليلعب وكان عنده ممن فاق جنده شخص يدعى محمد قاوجين ذو مكان مكين ومقام أمين مقدم على كل الوزراء مبجل دون سائر الأمراء وافر الطول مقبول القول مسعود الرأي ميمون الفصل مرغوب الفضل محبوب الشكل فتشفع الوزراء إليه وتراموا في حل هذا الأشكال عليه وقالوا ساعدنا ولو بلفظه وراقبنا ولو بلحظة واعمل معنا بهذا المعنى وهو:
ساعد بجاهك من يغشاك مفتقراً ... فالجود بالجاه فوق الجود بالمال

فأجابهم والتزم أن برده عما تأزم به وأزم وراقب مجال المقال وراعى فرص المجال وشرعت أفكار تيمور تغور في أمر القلعة وتفور وجعل يستضوي أضواءهم ويستوري آرائهم ولا يسع كلاً منهم إلا القبول لما يستصوبه رأيه ويقول ففي بعض الأحايين اتفق أن قال محمد قاوجين وقد زل به القضاء وأحاطت به نوازل البلاء أطال الله بقاء مولانا الأمير وفتح بمفاتيح آرائه وراياته حصن كل أمر عسير هب أنا فتحنا هذه القلعة بعد أن أصيب منا جانب من أهل النجدة والمنعة هل يفي هذا بذا أم هل يوازن هذا النفع بهذا الأذى فما احتفل بخطابه ولا اشتغل بجوابه بل استدعى شخصاً من البر قد أريه قبيح المنظر إلا أنه في هيئة ذرية يدعى هراً ملك إذا عرف سهك ووجه في السواد سدك أوسخ من في المطبخ واسنخ من في المسلح لعاب الكلب طهور عند عرقه وعصارة القبر حليب بالنسبة إلى مرقه فعند ما حضر لديه ووقع نظره عليه أمر بثياب محمد قاوجين فنزعت وبخلقان هراملك فخلعت ثم ألبس كلاً ثياب صاحبه وشد وسطه بحياصته ودعا دواوين محمد وباشريه وضابطي ناطقة وصامته وكاتبيه ثم نظر ماله من ناطق وصامت ونام وجامد وملك وعقار وأهل وديار وحشم وخدم من عرب وعجم وأوقاف وإقطاع وبساتين وضياع وخول واتباع وخيل وجمال وأحمال وأثقال حتى زوجاته وسراريه وعبيده وجواريه فانعم بذلك كله على ذلك الوسخ وأمسى نهار وجود محمد قاوجين الزنخ وهو من ليل تلك النعمة منسلخ ثم قال تيمور وهو كالنمور يمور اقسم بالله وآياته وذاته وصفاته ووحيه وكلماته وأرضه وسمواته وكل نبي ومعجزاته وولي وكراماته وبرأس نفسه وحياته لئن آكل محمد قاوجين أحداً أو شاربه أو ما شاه أو صاحبه أو كلمه أو صافاه أو أوى إليه أو آواه أو راجعني في أمره أو شفع عندي فيه أو فاه بعذره لا جعلنه مثله ولا صيرنه مثله ثم طرده وأخرجه وقد سلبه نعمته وأخرجه فسار مسلوب النعم قد حلت في لحظة نوائب النقم فسحبوه بالولق ورآى نعمته على أقل الخلق واتصل غيره بالحلق وقطع منه الحلق ففلقت حبة قلبه أشد فلق ولم يزل على ذلك في عيش مر وعمر حالك وحاشا أن تشبه قضيته قصة كعب بم مالك فكان يستحلي مرارة الموت ويستبطي إشارة الفوت وكل لحظة من هذا الحيف أشد عليه من ألف ضربة بالسيف فلما هلك تيمور أحياه ورد عليه خليل سلطان ما كان سلبه جده إياه (وإنما أوردت) هذه السيرة لتقيس على هذا المثل نظيره وتعرف أخلاق الملوك ومعاملاتهم الغني والصعلوك وأن نظرهم نضار وأعراضهم بوار ودمار ومن أراد أن يطلععلى سر القضاء والقدر فليراقب شفتي الملك إذا نهى وأمر وقال من أحسن المقال:
قرب الملوك يا أخا القدر السمى ... حظ جزبل بين شدقي ضيغم

وأعلم يا أبا الفضائل أن هذا الملك له شمائل وصفات وفضائل يستدل بظاهرها على باطنها ويتوصل بظهور باديها على حركات كامنها فإياك أن تغفل عن مراقبتها وتهمل حال عاقبتها بل أجعل شواهدها نصب عينك لتقرب من حياتك وتبعد عن حينك منها إذا رأيته رجع من الاصطياد ظافراً منه بالمراد وقد اقتنصه وحصله وملأ منه الحوصلة وسكنت منه بواعث الشره التي هي منفخ لواعج الطيش والسفه ومنها إذا رايته جلس في مجلس السرور وبسط لجبهة الكرم جناح النشاط والحبور وضم عن مطامح الحرص القوادم والخوافي وطلب من رؤساء المملكة الأنيس المصافي ومن ندماء الحضرة الجليس الصافي ومن مطر بي الأطيار البلبل والهزار ومن رقص بدفوف الأزهار صفق من ذي عود وطار فاستمع لهذا وباسط ذاك وطفق جلساؤه ما بين منصت وحاك فان هذه الأوقات لما فيها من علامات هي الانبساط وأيام الفرح والنشاط فاعمل فيها ما بدا لك وأطنب مقالك وكرر جوابك وسؤالك فانك في كعبة الأمن فاستلمها وقد هبت رياحك فاغتنمها والعب بإبطيك وصفق بجناحك وأهدر في قننقتك واسجع في تقبقتك فأن الوقت لك لا عليك والسعد الطالع ناظر إليك ومنها إذا رأيته جالساً صامتاً أو إلى الأرض باهتاً أو محمرة عيونه أو مضطر باسكونه أو أفعاله على غير استواء أو أقواله دائرة مع الهواء قاياك والدخول عليه والمثول بين يديه فانه إذ ذاك يجعل ديار جسدك بلاقع ولو أنك النسر الطائر فتصير في مخاليبه اتعس واقع وعلى كل حال فليكن عندك لكل مقام من هذه المقامات مقال وإن كان السكوت أصلح فاغلق باب الكلام قطعاً ولا تفتح فكثيراً ما تخلص الساكت من البلاء وأفلح وناهيك النصيح بقوله الفصيح وهو:
وراقب مقام القول في كل مجلس ... خصوصاً مقامات الملوك الأكابر
فكم من بليغ فوق ذروة منبر ... رمته أفاعي النطق تحت المقابر
قال المفلح النجدي للمرشد المجدي جزى الله مولانا عن صدقاته أوفر صلاته وواصله بموائد إكرامه في عشيته وغداته فما أشمل إحسانه وحسناته وأسعد حركاته وسكناته وأوفر شفقته على قاصدي عتباته طالب أنت دليله كيف لا يفتح إلى الخير سبيله ويرجع إلى حصول المقام مبيته ومقيلة ثم إن اليؤيؤ والشفوق تركهم وطار إلى العيوق ثم رجع على الفور ووجهه يرف كالنور فدعا اليعقوب وتوجه وهو معه مصحوب وأخذا في السير إلى خدمة ملك الطير وفرعا في جبل يسامي في المثل قبة الفلك أو مركز الملك يستمد السحاب من ماء واديه وتسبح سماك السماء في بحر ناديه بعرق جبين الوهم من صعود عقباته ويقصر ساعد الفكر في سلم الهواء عن الترقي إلى أدنى درجاته ويستريح راقي الخيال في عدة مواضع عند قصده فروع هضباته فهو كما قيل:
وطود تلوح الشمس من تحت ذيله ... إذا هي في كبد السماء استقرت
فلا زال يسيران وفي الجو يطيران اليؤيؤ أمام قائد الزمام والخجل وراءه ينشد هذا الكلام:
لكل إمام أسوة يقتدى به ... وأنت لأهل المكرمات إمام
فوصلا من تلك المدارج إلى أعلى المعارج وانتقلا في تلك المسالك عن دركات المهالك وانتهيا إلى أوج رأيا ملكة النيران جاريه في حضيضه ودرر الدراري راكدة في قعر مغيضه يشتمل على مروج ورياض ومراع وغياض وبحار وحياض تنادي خبراتها سكان ربع المسكون انصبابها عليهم وفي السماء رزقكم وما توعدون رياض تلونت ومرج بازاهير تحسنت وأرض قال لها صانع القدرة إذا تمكنت تكوني كأخلاق الكرام فتكونت وأخذت زخرفها من رضوان خازن الجنان وازينت فولجا دار سلطنة العقاب بعد مقاسات عقاب العقاب كما قيل
مكاناً فيه سلطان الطيور ... تصدر بالسرور على السرير
أطاف به صنوف الطير طرا ... عكوفاً بالحضور وبالحبور
لكل في مباشرة مقام ... يقوم به جليل أو حقير
قد اكتنفته الميمنة والميسرة وأحدقت به المقدمة والمؤخرة كل واقف في مقامه شاهينه مع كركيه وبازيه مع حمامه فالأنيس صاحب الظرف والكيس حامل القبر كالأوزان يترنم في مقابلة الإيوان ويمدح ملك الأطيار والأمراء والحضار والكبراء والنظار وينشدهم جليل الأوصاف ورقيق الأشعار فمما أنشده الأوزان من مناقب السلطان ووجه الخطاب إلى العقاب قوله:
مقامك أعلى أن يقوم يقوم بوصفه ... بيان بليغ أو لسان فصيح
أجلتك عنقاً مغرب فاختفت فما ... تلوح لطرف في البلاد طموح

والنسر الطائر المقدم على العساكر قد أظله بالجناح وليس عليه في طلبة سيادة الطير جناح رافع اللواء صاف في جو السماء رئيس الدير حامل القبة والطير كما قيل:
ونسر تفر الطير من قرب ظله ... وفي ظله للسعد مأوى ومنزل
والسنقر في ثوبه الفهري وخلقة وخلقه النمري أمير سلاح الجوارح ورأس عساكر السوانح والوارح كما قيل:
هو السنقر العالي بهمته التي ... تعلت على أيدي الملوك بها يده
والشاهين الدوادار عليه المصالح المملكة المدار قد تصدى لقضاء الحوائج لكل داخل وخارج ينظر في الولاية والعزل ويتعاطى الأمور بالجد لا بالهزل فيقضي المآرب ويوصل المطالب إلى الطالب كما قيل:
طويل العنق رحب الصدر ضخم ... له في آل قسطنطين ضبط
تغشى من سواد العين ثوباً ... عليه من دم الأحشاء نقط
والكركي الراطن بالتركي يتجلى في ثوبه المسكي كاتب الأسرار وصاحب الأخبار لسان المملكة ومحور الفلكه مستخدم السيف والقلم وفي الفضائل والفوضل نار على علم كما قيل:
وكركي يحيد الصقر عنه ... شطر ثانيلهيبه بطشه وشديد بأسه
والتم المشهور ناظر الجيش المنصور صدر الديوان وقاضي الجند والأعوان كما قيل:
وتم تم دست الطير منه ... كقاض زان أرباب الكتاب
عليه من المهابة ثوب مجد ... كوجه الطائعين لدى الحساب
والطاوس كأزهى عروس في أفخر ملبوس مقدم على الخواص كالناظر الخاص ناشر مروجه الأرتياح يتجلى بجمال هيئة الفائق على الوجوه الملاح كما قيل:
ثوبه قد حار فيه ... كل صباغ عليم
ولسان الحسن نادى ... صبغة الله الحكيم
فيروق العين منه ... فوق أوصاف الكليم
والبازي الأمير الكبير صاحب الرأي والتدبير أمير الميمنة قد رتب صفه وزينه كما قيل:
وباز أشهب عيناه حمر ... يضيء وفي جناحيه النجاح
والصقر الشهم السابق في الطيران الوهم أمير الميسرة قد فاق بشهامته عسكرة كما قيل:
وصقران يلح في القفر ظبي ... أتيح له من الجو أنصاباً
أقام بمخلب عن شهم سهم ... ونسر عن قوى الناب نابا
والباشق الجاووش ورأس نوبة العساكر والجيوش
كما قيل:
نظر إلى الباشق في صيده ... ينقض كالسهم من الراشق
يقفو حماماً مثل معشوقة ... اتبعها الحب حشا العاشق
والببغاء تتجلى في الحلة الخضراء وتنثر من الخاتم الياقوت درر الثناء وتخبر بعجائب الهند وتسرد غرائب رغائب السند كما قيل:
تسمت درة لكن كساها ... حكيم الصنع ثوباً من زبرجدومن لها بمنقار عقيق وخاط شعارها من عين عسجد
والهدهد لابس التاج ينهى إلى موقع الدراج أخبار المارة والأحوال السارة كما قيل:
وهدهد ألبس ثوب ألبها ... فعم إذ خص بصدق النبا
أغرب إذ شرق في حسنه ... ففاق أهل التاج حتى سباد
والحمام مقدم البريديه يتردد في مواقف العبودية والعصافير كالمماليك الأجلاب في الكتاب يدرسون العلم والآداب والبلبل والهزار ومطوقات الأطيار وساجعات الأشجار مسبحات الواحد القهار يتناشدون ويرددون نغمات الأوتار ومطربات رنات الأوطار وضروب الموسيقاه من حنك المنقار والشجر ورق الزرزور وذوات الهديل من الطيور حتى جناح الزنبور تغرد فتخجل العود والطنبور وزواجر الطير تبشر بالفرح والخير وأنواع الجوارح في الحافات والطير في الجو صافات كل يفدي ويقدم جسده وروحه ويسبح من آتاه الملك كل قد علم صلاته وتسبيحه فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضره وقبل مواطئ سلطانه ووقف من مقام خدمته في مكانه وقال شخص عارف بطرائق السلوك يليق لخدمة الملوك واقف بالباب يروم تقبيل الأعتاب يطلب لذلك الدستور والأنعام بآذان الحضور ليشمله النظر الشريف ويحظى بحظ وريق وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل كالدولة والإقبال فعطف بالقبول وأذن له بالدخول وسمح بالمثول فتوجه اليؤيؤ على عجل إلى الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة والهيبة متعثر وعليه غلالة سابوريه وخلعة نيسابوريه ستشملا بشمله كافورية كأنه شيخ الصوفية فلما وقع نظره على العقاب قوى جأشه ورفع الحجاب وحل عقدة لسانه من لكنة الخطاب ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بديهاً وما وقف:

ولو أن فقفوراً وكسرى وتبعاً ... رأوك لخروا بين أيديك سجدا
وما إن وفوا حقاً عليهم وإنما ... على قدر ما في الوسع مد الفتى يدا
فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ للحجل يريد إزالة الدهشة والخجل وطيب المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب الأديب النجيب رأيناك روحاً ملخصاً وعقلاً مشخصاً صحبتك مرغوبة ومنادمتك مطلوبة لقد حللت محل الأمن والأماني وعقدة السعد والتهاني فدع دهشتك وذر وحشتك وأفصح بكلامك عن كمالك وعن مقامك بمقالك فعباراتك عقيلة العقل وواسطة عقود النقل فان كان عندك نصيحة تصلح للملوك أو وصية ترشد أهل السلوك بين العدل بنورها طرائقه ويزين العقل بمجازها حقائقه وتستقيم بها الأمور ويستفيد منها الجمهور أو نوع رفع مظلمة أو حط مأثمة أو كشف بلوى أوبت شكوى أو حاجة في نفسك وما قاسيته في يومك وأمسك أو لطيفة تشرح بها الصدور وتبسط بإيرادها الحضور فهذا وقت تشنيف المسامع بجواهرها ونثر دررها على بادي الحاضرين وحاضرها فان المحل قابل وعنك الإصغاء إلى أطواق لطائفك مائل ومحال الحلم لذاك واسع وسجال الكرم داسع وفاعل الصنيعة صانع وكف اللطف معط لا مانع فقال الحجل بعد أن زل الخجل وحال الوجل وجال الزجل من غير ريث ولا عجل الحمد لله الذي آسى جراحنا وأحيا بعد التلف أرواحنا قد كنا في بيداء الحيرة والهلاك وظلماء الضر والخوف في انهماك ومرت علينا سنون ونحن في الخسار والغبون ونار الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الأعتاب الشريفة السلطانية في الفوائد تزدحم إذ قد انتشر جناح عدلها ونجاح ظلها وسماح وابلها وطلبها وكرر كل لسان محامد فضلها واشتهر لكل حيوان مآثر نبلها فهي أمان كل مخوف وملجأ كل ملهوف لكن كانت العوادي تقرع تلك الدواعي وغواشي الحوادث تعترض دون المساعي تارة باكتناف المخلوف وطوراً باحتفاف الخواطف وحيناً يضعف المباني وآونة بعدم المعاون والمعاني والآن يا ملك الزمان بحمد الله المنان أزحنا المهالك والمهاوي واسترحنا من ضرب المسالك والمساوي إذ قد طرنا بجناح النجاح من جنح الجناح وصرنا إلى محل السماحوالرباح فزالت العلل والسد الخلل وحللنا في عقوه منيفة وسدة شريفة فأمنا شرك المكايد وشرر المصايد وتوسدنا مهاد الدعة واستظللنا جناح الأمن والسعه وانه قد قيل عدل السلطان خير من خصب الزمان وقيل الملك العادل والإمام الفاضل كالأب الشفيق والوالد الرفيق يعامل بالسوية ويحفظ الرعية ويحرسها من برد الماء وحر النار كما يحرس الوالد الولد من هبوب الهواء وشم الغبار وقلت:
نزلنا في ذرى ملك كريم ... يرانا مثل أولاد الكرام
أضل نوائب الأيام عنا ... فلم ترنا ولا في الاحتلام
ولا مطر السماء يصيب منا ... كأن مقامنا فوق الغمام
فقال الملك أهلاً وسهلاً وناقة ورجلاً طب قلباً ونفساً واهنأ معنى وحساً لقد حللت بساحة الاستراحة وباحة للأمن مباحة وقاحة ليس لصائد بها وقاحة ولا لجارحة جارح بها جراحه وقد حصلت من جواسر الكواسر ومناسر النواسر ونزلت بوادي الخير ونادى ملك الطير فأكرمت صدر منزلك ونلت غاية أملك فاذهب بسلام وأت بما لك من خادم وغلام وأهل وثقل وفرس وحمل وأثاث وقماش ومعاش ورياش وتخير مكانا تختار وجار احسن الجوار فقال أيها الملك السعيد أنا شخص فقير غريب فقير لا ابرق لي ولا حصير وقلت:
أنا لولا الحيا وخوف العار ... لم أكن في الأنام إلا عاري
من رآني فقد رآني وبيتي ... ودثاري ومركبي وشعاري
غير أن لي قرينه مثلي فقيرة مسكينة صابرة على السراء والضراء قضينا معاً ماضي الصباح والمساء لم يترك عقيل الحوادث لنا داراً ولا بد العوابث عقالاً ولا عقاراً ولا مخلب العوائث جاراً ولا جواراً ولا ناب الكوارث ولداً ولا قراراً والويل كل الويل لمن كان مستقره في طوارق الليل ومن حوادث الدهر على طويق السيل وقد طال الكلام في كيت وكيت وقضايا ذيت وذيت إلى أن لم يبق في البيت سوى البيت ولما بلغ العرم الزبى وحزام الهم الطبي وما حال من يرى أفلاذ كبده تتقطع ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخاليب الجوارح تتبضع ولا يد للمدافعة تمتد ولا نهضة للممانعة تشتد فينشد:
كفى حزناً أني أرى من أحبه ... رهين الردى يرنوا لي بطرفه

أود بمالي لو يفدي ومهجتي ... ولكن يد التقدير غالت بحتفه
ولما تكرر ضر أيوب وتضاعف حزن يعقوب تركنا تلك بالاضطرار وعلى أبوابك الشريفة وقع الاختيار فرصدنا للتحويل أيمن الساعات واخترنا للرحيل أحسن الأوقات ثم صممنا العزيمة ونادانا هاتف السعد أسرعا نديمي جذيمه فقطعنا المهامه والقفار وسرينا الليل والنهار فكم رغنا عن أبي الحصين ولقينا مالا قى الحسين بكربلاء من الكرب والبلاء وكم لجأنا من بني زغار إلى كهف وأجم وغار واحترزنا من قنافذ وأفعوان ذي سم نافذ ونفرنا من حبات أسراك وحدنا عن أوهاك شباك واخترنا الجوع وعدم الهجوع على الحب المبذور لاصطياد الطيور كل ذلك في المسالك والسعد قائدنا والفلاح رائدنا واليمن دليلنا وظلال أمنك ظليلنا وفي تهاني سعدك مبيتنا وكنف فضلك مقيلنا حتى حللنا بدار الأمان ونزلنا بحرم مولانا السلطان فنادانا فضل خالق الورى لا تخافا أنني معكما أسمع وأرى ألقيا عصا التسيار وانزلا عند خير جار فتركت القرينة في منزلة حصينة وكل بلادك أمينة وأممت مقامك الشريف وجنابك المنيف مقاماً عظيماً وجناباً كريماً ومجلساً عالياً وباباً سامياً فتوخيت ثم نوديت:
هذا هو الملك الذي من بابه ... يعطي المخوف أمانة لزمانه
عم الورى إحسانه فكأنما ... أرزاقهم كتبت على إحسانه
ثم نهض اليعقوب من مكانه وقبل الأرض بين يدي سلطانه وتوجه فائزاً بأمنيته حتى وصل إلى حليلته فأخبرها بما جرى بتخيير المشتري وكيف رأي اليؤيؤ والملك وصورة ما فعل به وسلك وكيف تلقى مقدمة وأكرمه الملك بما أكرمه وقرر كيف كان خطابه وعلى أي صورة حسناً رد جوابه فسرصدرها وانشرح وطارت بهذا الأمر من الفرح ثم توجها إلى حضرة السلطان وحصل لهما من الأنعام والإحسان ما نسيا به الأوطان وسلكا بنفس مطمئنة في خدمة الملك مع الجماعة وأهل السنة وخوطب اليعقوب من الملك أسكن أنت وزوجك الجنة فلما استقرت بهما الدار وتبدل انكسارهما بالأنجبار أفيض عليهما من الصدقات والادرارات والنفقات ما لم يخطر ببالهما ولا دار على خيالهما وحصل لهما الأمن والأمان والسلامة والاطمئنان وانشرحت خواطرهما وابتهجت بالسكون سرائرهما واستمر النجدي ملازم الخدمة وتوفرت عند الملك وابتاعه له الحرمة وسمعت كلمته وتزايدت حشمته ولم يزل صبيح الطلعة نجيح السعي والنجعه وضئ المنظر مقضي الوطر يرتع على بساط النشاط ويطير في رياض الأمن والانبساط مؤدياً شرائط الخدمة على الوجه الأحسن قائماً بمواجب العبودية مهما أمكن إلى أن تميز على سائر الخدم وتقدم على السابقين في الخدمة وثبات القدم ناشراً ألوية النصيحة ناثراً الأثنية الصريحة منادماً باللطائف الصحيحة والنوادر المليحة بالعبارات الفصيحة والإشارات الرجيحة حافظاً زمام الاحتشام مراعياً مقامات الكلام على مر الأيام وكر الشهور والأعوام ثم ختم لكلام في هذا المقام بأعظم ختام وهو حمد الله الملك العلام وشكره المستدعي لمزيد الأنعام والصلاة والسلام على سيد الأنام وآله وأصحابه السادة الكرام عليه وعليهم التحية والسلام وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الباب العاشر
في معاملة الأحباب والخادم والأعداء والأصحاب
وبه تمت أبواب الكتاب

قال الشيخ أبو المحاسن الراوي من الأدب الاحاسن فلما أبان الحكيم عن هذا الفضل الجسيم وكشف نقاب البيان عن مخدرات هذا التبيان فتلألأ من وراء سجيف ألفاظه وجوه معانيه الحسان عظم في أعين الأعاظم وكبر لدي الأعراب والأعاجم ورفعه أخوه وعظمه ذووه فأضاء منارة وعلا مقداره وملأ الآفاق أنواره ووقع من الملك على الاعتماد عليه اختياره ثم استزاده من فيض هذا العيوب واستسقاه من خوض هذا الشؤبوب واستطعمه من أخبار العقاب واليعقوب إن كان ثم بقية تجلو القلوب الصديه فامتثل الإشارة وحسن العبارة وقال ثم أن أبا الحجاج دعا القبيح أبا الدجاج واختلى به دون أصحابه وقال له أعلم يا جليس الخير وأنيس الطير ورئيس الدير أني تحملت من اليؤيؤ المنة العظيمة والجميلة الجسيمة حيث أرشدك إلى بابي ونظمك في سلك أصحابي ولا حرم أنه قام بما يجب عليه وعرف مقدار إحساني وميلي إليه وأنه لا وثق أعواني وأصدق خلاني وصاحب قديم ومخلص عديم النظير نديم وصديق كافي وناصح مصافي وأني لا تيمن بطلعته وأتبرك بمشاهدته واستنجح بآرائه واستصبح في المهمات المظلمة بلامع ضيائه ولقد حصل منك على عضد معاضد وساعد مساعد وكهف وذخر وسند وظهر فإياك أن تترك ذيل مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته وأن تقتصر يا ذا الوقوف في صداقته على الوقوف فافضل المحبة وأكمل المودة ما تزادي على مر الدهور وترادف على كر العصور وثبت أصله وغزرت فروعه وفاض من سويداء القلب على مجاري الجوارح نبوعه بحيث يقع الاتحاد وينمزج بالصفاء الوداد فقد قيل لا تصح المحبة بين أثنين حتى بصيراً كالعينين حيثما نظرت إحداهما ما شزرا مالت معها تابعة الأخرى بل يصيرا كالنفس الواحدة لا كل واحدة على حده ولا كما تقول الملاحده بل يكمل لكل واحدة ولا كما تقول الملاحده بل يكمل لكل واحد بالآخر ألهنا ويحصل له بوجوده السنا وإذا خاطبه قال يا أنا ولا تعمل يا أكمل كما قيل:
ملأت حشاشتي شوقاً وحباً ... فان ترم الزيادة هات قلبا
فان الفتاح عنده الفتوح وباب الفضل والزيادة مفتوح وكرم الله لا يضاهي وفضله كعمله لا يتناهى وانظر يا فضيل وذا العلم العريض الطويل إلى ما قيل وهو:
أيها السائل عن قصتنا ... أنا من أهوى ومن أهوى أنانحن روحان حللنا بدنا من رآنا لم يفرق بيننا
نحن مذ كنا على عهد الهوى ... تضرب الأمثال للناس بنا
فإذا أبصرته أبصرتني ... وإذا أبصرتني أبصرتنا
وألطف من هذا وأرصن ما قاله القائل وأحسن وهو:
أنا والمحبوب كنا في القدم ... نقطة واحدة من غير مين
فبرانا الله إذا أظهرنا ... مهجة واحدة في بدنين
فإذا ما الجسم أمسى فانيا ... تلتقينا واحداً من غير بين

ولقد ذكرك عندي بأنواع الفضل وبوفور التجارب والعقل وهذا يدل على نصحه وقوة دينه وصدقه في المحبة وحسن يقينه ولم يذكر غير الواقع ولا جازف فيما أنهاه إلى المسامع بل قال قليلاً من كثير وقطرة من غدير ولم يخبر بذلك غير خبير فأني أعرفك كما عرف ووقفت على فضائلك كما وقف ثم أنت عندي فوق ما وصف فأريد منك نصائح بالخير لوائح تتضمن فوائد وعوائد وفرائد تكون لنهم الحكمة موائد ولشهم الحكام قوائد ولنخور ألباب المنقول قلائد ولضبط أساس الملك والدين قواعد وعقائد فتلقي مثاله بالامتثال وقبل الأرض في مقام العبودية وقام وقال لتحط العلوم الشريفة والآراء العالية المنيفة أن صانع العالم تعالى وتعاظم وبنى أمور المبدأ والمعاد وما بينهما من معاشر مستفاد على دليلين عظيمين جليلين أحدهما العقل الذي هو مناط التكلف وثانيهما قواعد الشرع الشريف فان أردت أن تكون سعيد الدارين فاستمسك بأذيال هذين الدليلين أما العقل فهو الدليل القاطع على وجود الصانع وهو مستقل بالقطع إلى السمع غير محتاج إلى السمع وكما هو مستقل بالدلالة على وجود ذاته كذلك هو مستقل بالدلالة على تحقيق صفاته ثم ورد بذلك الشرع فتأكدت في وجود الصانع دلالة العقل بالسمع وأما وجدانية الصانع فكل من العقل والنقل دليل عليها قاطع وقد تظافرا بالاستباق إليه وتظاهرا في الدلالة عليه بقول الكافر يوم المصير لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير وبالعقل والسمع يستقيم أمر المبدأ والمعاش وبالسمع فقط مبيت المعاد عاش لأن أمور المعاد من الشرع تستفاد والعقل في ذلك تابع سامع لأوامر الشرع طائع والمسموع في ذلك دليل قاطع وعلى كل تقدير أيها الملك الكبير فاجعل العقل وزيراً تجده لك في ظلمات المشكلات سراجاً منيراً واتخذ النقل هادياً ونصيراً يكن بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً وعامل الرعية بالعدل يعاملك الله بالفضل وأعلم أن الدنيا في معرض الزوال وأنه لا بد عنها من الانتقال وأن الله سبحانه وتعالى وجل سلطانه جلالاً اقتضت حكمته وجرت بين عباده سنته أن يكون الإنسان على خلاف ما فطره الرحمن فانه خلقه للعبادة وركب فيه عناده وأقامه للعمل وجبله الكسل فأمره بالصلاة وهو كسلان وبالصوم وهو شهوان وبالزكاة وحبب إليه المال وبالحج وكره إليه الانتقال وبالرضا وركز فيه الغضب وبالتسليم والصبر وخمره بالضجر والصخب وبالتواضع ووضع فيه التيه وبالتخلق بأخلاق خالقه وفيه ما فيه وحكم عليه بالموت وقد تحقق انه ليس له منه فوت وهو يكره عن الدنيا التحويل وأقل أقسامه أنه يحب العمر الطويل وعلى هذا قد تعود أن يفعل في المكان المثزود أفعال المقيم الؤمبد والدائم المخلد وبنى بناء من لا ينتقل وعن قليل يتركه ويرتحل لا سيما من تعلق بالدنيا قلبه وتشبث بالمال والولد والجاه والتحكم حبه وقد أخبر العزيز الوهاب في أصدق كتاب وأوثق خطاب فقال زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب فالنفس مائلة إلى الإقامة راغبة في دوام السلامة تحب طول العمر في الزمان وأن أحوجت الثمانون السمع إلى ترجمان وقد قيل:
وأحسن ما كان الفتى في زمانه ... مع السعد والجاه العظيم معمراوأشهى ما سمع الحاكم وألذ ما تلقاه من قول الناظم قوله:
فلا زلت بين الورى حاكماً ... بجاه عريض وعمر طويل

ولقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان أساس ملكه على العدل وعامل رعيته بالإحسان والفضل ويكفيه من الفضائل وحسن الشمائل قول سيد الأواخر والأوائل ولدت في زمن الملك العادل وقال الرحمن في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقد قيل في الأقاويل لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا مال إلا بالعمارة ولا عمارة إلا بالعدل فلا ملك إلا بالعدل ومن أقوى الصفات العدلية عمارة بلاد الرعية وبذل الجهد في العمارة ليكثر الربح وتقل الخسارة فإذا عمرت البلاد وترمم الطريف والتلاد حصلت الأموال وكثرت الرجال وانتظمت الأحوال فقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك أنوشروان كان ماراً في سيرانه بين جنده وأعوانه فرأى شيخاً كأنه قوس قطان نثر على رأسه قزع أقطان وهو في بعض البساتين يغرس ونصب تين من انحناء قامته وبياض هامته مع شدة حرصه وتعبه على نصب غرسه ونصبه فقال له يا ذا التجارب ومن هو من شرك الفناء هارب الأم ترتع في ميادين الأمل وقد تطوقت باوهاق الأجل تبني وأركان جسدك واهية وتغرس وقوائم يدنك كإعجار نخل خاوية وربيع شبابك قد استولى عليه خريف الهرم وصيف الهرم وصيف وجودك قد أدركه شتاء العدم ومحت نسيم طراوتك عواصف الذبول ومسحت قوى عبالتك بقواصف النحول وقد آن أن تغرس للآخرة فانك قد قصرت عظاماً ناخرة فقال يا ملك الزمان وعادل الأوان قد تسلمناها عامرة قد غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون:
لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا ... لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا

وابعد فلاح عن الرشد والفلاح من يتسلم المعمور ويتركه وهو بور فاعجب أنوشروان وفور عقل الشيخ ألفان وحسن خطابه وسرعة جوابه فقال زه يعني أحسنت وهي كلمة تحسين ولفظة إعجاب وتزيين وكانت علامة للإحسان إذا تلفظ بها السلطان يعطي المقول في حقه أربعة آلاف درهم لرفقه فأعطوا الشيخ الهم أربعة آلاف درهم فقال أيها السلطان أن الغراس بثمر بعد زمان غراسي لحسن طاعته أثمر من ساعته فقال زه فأعطوه أربعة آلاف أخرى ورفعوا منزلته قدراً فقال وأعجب من هاتين القضيتين أن الغراس يثمر مرة وأنا غراسي يثمر مرتين فقال زه فأعطوه القدر المعلوم وزاده في التكريم والتعظيم والتفيخم وقال له أنوشروان أن أمهلك الزمان حتى تأتيني بباكورة هذا البستان فأنا أقطعك خراجه وأقضي مالك من حاجة فأمهله الدهر وطال به العمر وأدرك ما نصبه ولم يخيب الله تعبه فحمل إلى الملك الباكورة ووفى له الملك نذوره (وإنما أوردت) هذا المثل ليعلم مولانا الملك الأجل أن الدنيا وأن كانت ظلاً زائلاً وحائطاً مائلاً فهي مزرعة للآخرة وأن الآخرة هي الدار الفاخرة وأن الله تعالى وجل جلالاً ولاك هذه المزرعة وعلق بالأوامر العلية ما بها من مضرة ومنفعة وحكمك في البلاد وملكك رقاب العباد قاياك أن تغفل عن عمارتها بالزراعة أو تسلم زمام تدبيرها إلى يد الإضاعة فانك منقول منها ومسؤل عنها ومصالح عساكرك بها منوطة وأحوال ملكك بالعساكر مربوطة تعمرت الضياع والقرى ترفهت الأجناد والأمرا واستراحت الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية وتوفرت الخزائن واطمان الظاعن والساكن وقلت المظالم وكفت أكف الظالم وملاك هذا كله العدل والأستوا ومجانبة الأغراض الفاسدة والهوى وهذا الذي يقتضيه مقامك ويتم به مرامك فان الملك إنما هو ملك بالأجناد فلا بد له من عمارة البلاد والنظر في مصالح العباد لينتظم بنظره مصالح العالمين ويستقيم أمر العالم إلى الحين الذي قدره أحكم الحاكمين فان سنة الله حرت على هذا السنن وما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن ولهذا قال سيد سكان الخيف أنا نبي السيف والجهاد فرض عين على الملوك لا على الفقير والصعلوك فالملوك في نوع من السيادة تقتضي من المال ازدياده ليقيموا من الأسلاك عماده ويقتفوا من الشرع مرادهويقصموا الكفر وعناده ويبيدوا أهله وأولاده وينهبوا أطرافه وتلاده ويوطئوا سنابك الإيمان بلاده وواجب على كل حاكم أن يبذل في ذلك اجتهاده ويجعل الجهاد إلى الآخرة زاده وعتاده ويصون عن الكفر بلاد الإسلام وعباده إلى يوم يلقى معادة فيجازيه الله الحسنى وزيادة هذه طريقة الملوك ومن تبعهم في الإقتداء والسلوك وإياك أيها الملك العظيم وصاحب الملك الجسيم وأخذ المال من غير حله ووضعه في غير محله ولو كان موضع الخير وقصد به نفع الغير فانه لا يفي ذاك بذا ولا يقوم نفعه بما فيه من أذى فذلك كإنشاء المغارس وبنيان المدارس وتنوير المساجد وتعمير المعابد وسد الثغور وعمارة القبور وإقامة القناطر والجسور وعمل مصالح الجمهور وإطعام الطعام وكفالة الأيتام والحج إلى بيت الله الحرام وإعطاء السائل وإغناء الأرامل وصرف النفقات وإخراج الزكوات والصدقات ومثله الوبيل كما قيل:
بنى مسجد الله من غير حله ... فصار بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي

قال من لم يخف عليه إخفاؤها لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ثم أخبر بخبر ما يصدر عنكم فقال ولكن يناله التقوى منكم فان طلب من هذا أجر خسران وكفر لأنه في صورة الاستهزاء وهل يطلب بقبيح الحرام حسن الجزاء بل الواجب في هذا على كل من آذى رد المظالم ورجع الحقوق إلى أهلها وإيصالها إلى محلها أما يرضى ظالم غوى وتحمل الحرام هوى أن يتخلص سواء بسوا وشر الناس يا ذا البأس من اتبع قضية أياس فسأل العقاب عن بيان هذا الخطاب (فقال) في الشام شخص من اللئام تصدى لفصل الأحكام ومشى من الظلم في ظلام وشرع في أخذ الأموال على سبيل التعدي والوبال فكان إذا أخذ من أحد ألفاً ادخر لنفسه من ذلك نصفاً وتصدق بالخمسمائة الأخرى على أولي الضرر والضر أكل واحد درهماً وعد ذلك مغنماً وقال هذه فائدة علينا بالربح عائدة الحسنات خمسمائة والسيئة واحدة وواحد يدعو علينا يتوجهون بالثناء والدعاء إلينا ثم قال ذلك الجاحد ولا تعجز الخمسمائة عن الواحد (هذا وأن كان والعياذ بالله صرف ذلك الحرام في الفسق والملاه ونيل الأغراض الفاسدة وإقامة الجاه فهو أشد في النكال وأعظم في الوزر والوبال وهذا المقام يطول فيه الكلام وأقل ما في الباب أن الحلال حساب والحرام عقاب وقد سمعت يا جليل القدر ما نطق به السيد الصدر الذي أخجل نور طلعته الشمس والبدر سيد الأنام ومصباح الظلام وحبيب الملك العلام عليه أفضل الصلاة والسلام يوماً لأصحابه السادة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم وجمعنا في مستقر رحمته وإياهم أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال أن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت جسناته قبل أن يقضي ما عليه خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار وهذا إذا كانت هذه الطاعات من الصلاة والصوم والزكاة واقعة في محلها ومصاريفها في حلها فأنها لا تفيد الظالم إلا في وفاء المظالم وأما إذا كانت من الحرام ومنشأ غراسها من مياه الآثام فهي وبال على وبال وثبور فوق نكال على كسر ونقصان فوق خسر (وقال أيضاً) أفاض الله عليه سحائب صلواته فيضاً لتؤذن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء فاستعذ بالله يا مولى الطير ومولى الخير من نار هذا الشرر أن تتفرق طاعتك شذر مذر وأعيدك يا سلطان الصافات وما اكتسبته من الطاعات والخيرات أن ينقل إلى ديوان غيرك أو يفوز بخبرك سوى طيرك اللهم إلا أن يكون يا ذا الوقار والسكون على وجه ما قال من أحسن المقال:
ويكتسب الطاعات ذخر العلما ... يجود بها يوم القيامة على العاصي
أو على وجه ما قيل وأحسن به من وجه الجميل:
يجود بما ضن الجواد بمثله ... من الوفر بل لو أمكنته شمائلهلعاد على المرضى بصحة جسمه وجاد على الموتى بعمر يطاوله
ومن على النوكي بوافر عقله ... وقسم في الحمقى من الرأي كامله
وثقل ميزان المخف بأجره ... لدى الوزن لما آد بالوزر كاهله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بلها فليتق الله سائله
ولأجل عذا الخطر العظيم والخطب الجسيم تورع عن الحلال الزاهدين وشمر عن التلوث بالدنيا ذيل الرغبة العابدون قال سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي منها كافر شربة ماء وقال عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام اللهم رزق آل محمد قوتاً ومع هذا كله فالملك والرعية أمانة ومن تقلد ذلك فقد أوجب على نفسه ضمانه فليجتنب خيانته ولا يشين بها أمانته قال صفوة الله تعالى وخيرته من بريته كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته ومصداقه قول رب العالمين وملك الملوك والسلاطين وهو أصدق القائلين أنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً فاعلم يا ملكاً أعطي الزمان أمانه أن هذا الملك الذي بيدك هو من جملة الأمانة التي أشفق السموات والأرض الجبال وأبين أن يحملنها خوفاً من النكال والوبال وخشية أن لا يفين بحقوق حملها أو يضعنها في غير محلها فيعاقبن أو بالعتاب يخاطبن فتعففن عن الرغبة في الثواب خوفاً من العتاب والعقاب وعملن بموجب ما قيل:

هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود
كهجر الحائمات الورد لما ... رأت أن المنية في الورود
تفيض نفوسها ظمأ وتخشى ... حماماً فهي تنظر من بعيد
تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بالحاظ الودود
ثم حمل هذه الأمانة بنو آدم لما قدره وقضاه العلي العظيم في سابق القدم ولما فيها من أحكام وحكم وأن الصادق المصدوق أخبر فيما روى عنه أبو ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر أنك ضعيف وأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها فمن جملتها الصلاة والصوم والزكاة والوضوء والاغتسال ومراقبة ذي الجلال في السر والإعلان بقدر الطاقة والإمكان وعلى هذا جميع الطاعات وأنواع العبادات هي في رقاب العباد أمانات ومن أعظمها وأهمها وأحكمها الإمرة والحكومة والتصدي لفصل الخصومة والسلطنة العلية وأمور الملك البهية والقيام بأمور الرعية فيجب على السادة الحكام ومالكي أزمة الأنام أن يراقبوا الله تعالى في كيفية أدائها ويطالبوا أنفسهم على ممر الأنفاس بالقيام بوفائها ويراعوا أوامر سلطان السلاطين في أمور عبيده المستضعفين خصوصاً المظلوم والفقير والضعيف والمسكين فإذا عاملوا عباد الله بالعدل عاملهم الله عز وجل بالفضل قال الله المنان في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقال السيد الكامل والسند الفاضل أشرف الأواخر والأوائل صلى الله عليه صلاة تفنى البواكر والأصائل سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أمام عادل بدأ في هذا الفصل من ذكر الصفات بالعدل والعدل يا ذا الوجه النير الوسط هو الخير قال من أمره قهر وسطا وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء أي للأنبياء تشهدون لهم على أممهم لعدالة فيكم ويكون الرسول عليكم شهيداً أي يزكيكم أي وكما جعلنا نبيكم إمام القبلتين حائز الفضيلتين جعلناكم حائزين خصلتين بالغين مرتبتين وهما كونكم عدو لا شهداء على الناس مقبولي الشهادة في الأداء وكون الرسول معد لكم وبتزكيته على الأمم مفضلكم وقال صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وفخم وعظم عدل السلطان يوماً يعدل عبادة سبعين سنة وقال عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام والذي نفس محمد بيده أنه ليرفع للسلطان العادل إلى السماء مثل عمل جملة الرعية وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه السلام قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم وروى كثير بن مرة رضي الله عنه قال: قال:عليه الصلاة والسلام السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر وإذا جار كان عليه الإثم وعلى الرعية الصبر وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه لعمل الإمام العادل في رعيته يوماً أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة وقال قيس بن سعد ستين سنة وأعلم أيها الملك الأعظم واسلم أن العدل ميزان الله تعالى في الأرض به ينتصف بعض الرعية من البعض وبه يؤخذ للضعيف من القوي ويعبد الله على الصراط والسوى ويتميز الحق من الباطل والحالي من العاطل وهو من صفات الذات وأعظم الصفات بمعنى أن الله تعالى عز وجل جلالا له أن يفعل في ملكه ما يشاء فيؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عن من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويحكم ما يريد والخلق كلهم له عبيد وجميعهم بعض ملكه نافذ فيهم سهم أمر ملكه فلا اعتراض على فعل المالك ولا فيما يسلك بمملوكة المسالك ولا مجال لاعتراض عبده على ذلك لا سيما إذا كان مولاه كريماً وفي أفعاله مدير حكيماً فمن عرف أن الله عدل وأن أفعاله جارية بين العدل والفضل يتلقى نقمه بالصبر ويقابل نعمه بالشكر ويطمئن خاطره وتسكن إلى مولاه سرائره فلا يستقبح موجوداً ولا يستهجن مفقوداً ولا يستثقل حكماً ولا يرمي في الكون ظلماً بل يستقبل الأحكام بالرضا ويستسلم لموارد القضا ويقابل العوارض بما قاله ابن الفارض:
وكل أذى في الحب منك إذا بدا ... جعلت له شكري مكان شكيتي

وأعدل المخلوقات وأوسط الكائنات الأنبياء عليهم السلام فأنهم أعدل الخلق مزاجاً وطبيعة وأقوم الناس منهاجا وشريعة وأوسط البشر أفعالاً وأقسطهم أعمالاً وأقوالاً وإنما يعترض على أقوالهم ويتعرض لأفعالهم من هو عن الصواب منحرف وعن جادة الحق منصرف ومن عين يصيرته عمياء عن مراقية التحقيق كالأعمى الذي خرج وهو ماش عن سواء الطريق فيعثر في شوك أو حجر أو يصدمه حيوان أو شجر فيقول نحو هذا عن الطريق فانه يحصل للمارة تعويق ويعيب على واضعه وإنما العيب في طبائعه والجهل منسوب إليه لعمى قلبه وعينيه كما قال ذو الخويصره لسيد الرسل البررة لما قسم الغنيمة قسمة مستقيمة اعدل فأجابه الكامل المكمل بأنه أن لم يعدل فمن يعدل وأنه رأى ذا الخويصره الذي أعمى الله بصره خاب وخسر ولاقى اليوم العسران لم يعدل ذلك المفضل وكيف يقال هذا الكلام لمثله عليه الصلاة والسلام قود أمره الله تعالى بالعدل ونشر سر هذا النقل واقر عينكم بقوله وأمرت لا عدل بينكم قال الأسد الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وجعل إلى رضوانه له احسن وجهه أما عادل خير من مطر وابل وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم وقيل الملك يدوم مع العدل ولو كان الملك كافراً ولا يدوم مع الظالم ولو كان مسلماً وما تعاطى حاكم ذو فضل فصل قضية في فصل أحسن سلوك طريقة العدل ولذا بقي أسم أنوشروان مخلداً بالعدل على مر الزمان وإلى يوم ينصب الميزان مع أنه كان مجوسياً يعبد النيران وللسنة التي اخترعها بالسلسلة التي وضعها باقية في ممالك الصين معمول إلى آخر حين وقيل أنه كان شديد الوداد للاصطياد وكان يعشق البازي والزروق والصقر والباشق والبيدق فسأل يوماً من الباز دار لم كانت هذه الأطيار قصار الأعمار قال لأنها تظلم الطيور والظالم عمره قصير فتنبه بهذه الكلمة واتعظ وكف يده عن الظلم واحتفظ ثم أسس قواعد العدل فانتشر ذكره إلى يوم الفصل ويكفيه من الفضائل قول السيد الكامل ولدت في زمن الملك العادل وروى أن بعض الملوك العادلين والحكام الفاضلين استولى عليه الكبر ووقر في أذنه وقروقر وكان قبل الصمم في العدل والكرم كما قيل:
وأنه مظلوم وغنة سائل ... على أذنه أحلى من الشهد في الفم

فحزن لفقد سمعه وتأسف وتحرق وتلهف وتأرق وبكى وتأوه واشتكى وقال ما أتلهف من عدم سماع الحديث الأعلى فقدي صوت المستغيث ولا كنت أتلذذ من متكلم إلا بالإصغاء إلى خطاب المتظلم ثمقال لئن حرمت ذلك من طريق الأخبار فلأتوصلن إليه من طريق الأبصار ثم أمر بأشعار النداء في الأطراف والأرجاء أنه من كانت له ظلامه فليظهر له علامة وهي أن يلبس ثوباً أحمر ويقف فوق ذلك التل الأخضر لنعرف علامته ونكشف ظلامته وقيل أن السلطان السعيد نور الدين الشهيد لما أمر ببناء دار العدل وعزم أن يقيم فيها للحكومات الفصل أدرك الأمير الكبير صاحب الرأي المنير أسد الدين شيركوه السلطان ما يعتمده السلطان ويرجوه وما يحمله على ذلكم ويدعوه وعلم أن ذلك الأسد لا يسامح عنده أحد وأنه لا يراعي في الحق أميراً ولا كبيراً ولا صغيراً فانه مع الحق وبالحق قائم لا تأخذه في الله لومة لائم فجمع مباشرى ديوانه وأكد ما قاله لهم بأيمانه لئن شكا منهم أحد أو بلغه عن أحد من حاشيته ظلم أو نكد ليذيقنه أشد العذاب ولينزلن به أنكى عقاب وقال ما برز هذا الأمر العزيز الغالي ببناء هذا المقعد العام العالي إلا الأجلى ولأجل أمثالي فما وسعهم إلا طلب الخصوم واسترضاء العادل والمظلوم (وروى) أن أحد الصدور هصبه بعض عمال المنصور وأخذ منه كفراً من الكفور فتوجه إلى الخليفة وضرب له أمثالاً ظريفة وقال أصلح الله أمير المؤمنين وأقام به شعائر الدين ونصر به المظلومين على الظالمين أأذكر ظلامتي أولا أم أضرب أمام حاجتي مثلاً فقال دع الجدل وأضرب المثل فقال ألهمك الله العدل وأقام بك قواعد الفضل أن الطفل إذا نابه ما يكرهه أو قرعه خطب يجبهه فر إلى أمه وأجهش إليها من همه فأوى إلى حضنها وأندس تحت بطنها لأنه لا يعرف سواها فيستكشف بها عن نفسه ما دهاها ولا يظن أن غيرها يدفع عن نفسه ضيرها فإذا عرف أباه بث إليه شكواه واستدفع به ما عراه لأنه قد وقر في وهمه أن أباه أقوى من أمه وأن غيره من الناس لا يقدر على دفع البأس فيلجأ إليه فيترامى في دفع شدائده عليه ولا يقبل عذره أن ترك نصره أو قصر في مبتغاه أو تهاون في متمناه ولهذا قال بدر الحي أن النساء والصبيان يظنون أن الرجل يقدر على كل شيء فإذا أشتد واستوى وأصابه من أحد جوى تقدم إلى الوالي لأن مقامه عالي وهو أقوى من أبيه فيستكشف به ما وقع فيه فإذا صار رجلاً وأصابه من أحد نكد وبلاً استنجد بنائب السلطان فوجده له أحسن معوان فاشتكاه ورفع بلواه وكفاء إذ دعاه ما دهاه ورعاه عما عراه فانه أقوى من الوالي وأقدر على دفع الظلامة من كل منهمك غالي وهو السلطان الحاضر والعامل والناظر على البادي والحاضر فإذا ظلمه الوالي والعامل ونقصه حقه ذو الحكم الكامل تعلق بأذيال عدل السلطان واستكشف بمراحم نصرته ما دهاه من عدوان إذ قد تحقق ورأى وصدق أنه أقوى من الكل وإلى مرسومة مرجح الجل والقل ولايد فوق يده وأنه قد انتهى حديث رفعته لعلو سنده وبلغ في التسلط ونفوذ الأمر إلى أقصى أمده إذ هو ظل الله في أرضه وخليفته في إقامة نفله وإحياء فرضه وقابض أزمة المخلوقين ومنصف المظلومين من الظالمين فإذا لم ينصفه السلطان مع القدرة الكاملة والإمكان توجه بشكواه إلى سلطان السلاطين وطلب رفع ظلامته من رب العالمين لعلمه أنه الحكم الذي لا يجوز والحكيم الذي بيده مقاليد الأمور والحاكم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأنه أوقى من السلطان ولا يحتاج في الشكوى إلى بيان ولا إلى دليل ولا برهان وقد نزلت بي حادثة للقلب كارثة وبالفكر عابثة وللسر عائثة وهي أن العامل الفلاني ظلمنني وأخذ مكاني فأنا أشكوه إليك وقد تراميت عليك وعرضت قصتي بين يديك لأنك نعم السند وليس فوقك أحد ولا في الحكام إلا من هو لك بمنزلة الغلام وما بعدك إلا الله مولى لا يخيب من رحاه ويجيب المضطر إذا دعاه فان وعيت قصتي وكشفت غصتي وإلا رفعتها إلى الله وقطعت النظر عما سواه وهذا أوان الموسم وأعمال المنسيم وأنال متوجه إلى حرمه ومترام على باب إحسانه وكرمه فلما وعى المنصور خطابه أرسل من سحاب جفنه عبابه وقال حباً وكرامة يا ذا الزعامة بل أنصفك وبالفضل أسعفك وأضعف كرامتك وأكشف ظلامتك وأوصلك حقك وأعطيك مستحقك وأمر فكتب إلى واليه يضع من معاليه ويأمره بردأراضيه وطلب مراضية والتحلل من ظلم أياديه وإكرام محله

وناديه وروى موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم في بعض مناجاته وسؤاله حاجاته سأل الله من فضله أن يريه نكتة من عدله فأمره أن يتوجه إلى مكان ويختفي فيه عن العيان فامتثل ما به أمر واختفى في ذلك المكان على شط نهر فما كان سارع من قدوم إنسان إلى ذلك المكان فبمجرد ما وصل إليه نزع من ملبوسه ما عليه وكان معه كيس فيه مال نفيس فأودعه ئيابه ورام في الماء انسيابه فدخل في ذلك النهر وغلغل فيه إلى أن غاب عن النظر فاقبل فارس فوجد ثياباً بلا حارس فنزل عن الدابة وفتش ثيابه وأخذ كيس الذهب وركب فرسه وذهب وأسرع في الذهاب إلى أن زال شخصه وغاب ثم أقبل شخص ذو شجب وعلى ظهره حزمة حطب فانتهى إلى ألما وقد برح به الظمأ وأمضه التعب وأخذ منه النصب فطرح عن ظهره الحطب وقصد الراحة وقد ظهر الذي كان في السباحة فوجد عند ثيابه شخصاً من أترابه فأستأنس به وتأوه لمكتئبه وما يقاسيه من نصبه ثم اشتمل ملبوسة وتفقد كيسه فما وجده فعض يده فسأل الحطاب عما كان في الثياب وطلب منه الكيس بالتعبيس فقال ما رأيته ولا حويته فقال هل كان معك أحد فقال لا والواحد الأحد قال فهل كان هناك سواك قال لا والذي سواك قال يا أخي أنا وضعت الهميان بيدي في هذا المكان ولم يطل على ذلك زمان ولا حضر سواك حيوان ولا طمث عذراء هذا الموضع أنس ولا جان فلا اشك أنك أخذته ولنفسك افتلذته فاقسم بعالم الخفيات وكاشف البليات المطلع على الضمائر والنيات أنه ما رأى له همياناً ولا يعرف لذلك مكاناً فقال لو شهد لك الكون والمكان ونطق ببراءتك جوامد الزمان وزكاهم الكرام الكاتبون لما شككت أنهم كاذبون لأن إنكار المحسوس مكابرة والمثابرة على الباطل للحق مادبرة خذلك منه يا فقير الثلث والثلث كثير واردد على الثلثين وإن أبيت فاجعله بيني وبينك نصفين فما زاد ذلك على اليمين وما شك هذا أنه يمين فقال اردد على مالي وإلا قتلتك فلا لك ولا لي فقال ما رأيت ما لك فافعل ما بدا لك فشرع في تفتيشه وبالغ في فحصه وتنبيشه فلم يهتد إلى شيء سوى الضلال والغي فأخذه الحنق واشتد به الأرق وثارت نفسه الأبية واتقدت ثورته الغضبية فضربه بمحدد فقتلته وجد له بالإهلاك فجد له ثم تركوه وذهب ولم يحظ من الذهب بغير اللهب كل هذه الأحوال وموسى عليه السلام يشاهد ما فيها من أفعال وأفوال ثم ناجى فقال يا ذا الجلال أنت عالم بحقائق الأمور وسواء عندك البطون والظهور سألت فضلك أن تريني عد لك فأريتني هذا المغرم وأنت أعلى وأعلم ففي ظاهر ما أمرتني وبكرامته غمرتني من الشريعة المطهرة ونص التوراة المحرم أن هذا الحكم جور وظلم فأطلعني على الحقيقة وبين لي سلوك هذه الطرقة فقال الله تعالى وجل جلالاً يا موسى المقتول قتل أبا القاتل والقاتل سرق الكيس من أبي الفارس الخائل ففي الحقيقة الفارس النبيه وصل إلى ماله المخلف عن أبيه والقاتل إنما استوفي قوده ممن قتل والده وهذه الأمور إنما تتضح يوم النشور تبلى السرائر وتكشف الضمائر وينادي يوم التناد لا ظلم اليوم إن الله قد حكم بين العباد ونظير هذه القصة ما ذكره الله تعالى وقصة في روض كلامه النضر عن موسى والخضر عليهما السلام والتحية والإكرام إذ ركب السفينة وخرق خرقاً مؤدياً إلى الغرق وقتل النفس الزكية وأقام بغير أجر أركان الجدار الواهية وبعض ذلك مخالف لظاهر الشريعة تنفر عنه النفس السليمة والطبيعة ولكنه موافق للحكمة الإلهية ومقتضيات العقل الحقية الذي لا يطلع عليه الأعالم الأسرار الخفية ولهذا قال جل وواحد أحداً وتعالى فرداً صدمداً عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ثم استثنى من هذا المقول إلا من ارتضى من رسول وإنما الشريعة الزاهرة وردت بما تقتضي من الحكم الظاهرة فتعبدنا الله في الشرائع بظاهرها ما يثبت في الوقائع (قيل) من أيقن بحقية أربعة كان من ضيق أربعة في سعه وأمن ودعه من أيقن أن الصانع الضار النافع لم يخطئ ولم يغلط أمن من العيب والشطط ومن أيقن أن الخلاق ومقسم الأرزاق لم يحف في خلقه ولم يمل في رزقه أمن من الحسد واستراح من النكد ومن أيقنبوقوع المقدور وأنه لا ينجيه منه محضور أمن من الغم ولم يتساقط عليه الهم كما قيل:

ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر

ومن عرف أصله أمن من الكبر تصله وكتب في قضية إلى أعدل خلفاء بني أمية من عامله بحمص أنه هدم الدمص وعدم النمص وأن ربضها رابض ومرعى رياضها بأرض وأنها محتاجة إلى عمارة وزراعة وحراسة ومناعة فكتب إليه عمر بن عبد العزيز هذا الجواب المفيد الوجيز وهو حصنها بالعدل ولق طرقها من الحدل يثبت ألبنا وينبت الكلا والسلام وقيل أمير بلا عدل كغيم بلا مطر وعالم بلا ورع كشجر بلا ثمر وشاب بلا توبة كمشكاة بلا مصباح وغنى بلا سخاء كقفل بلا مفتاح وفقير بلا أدب كطابخ بلا حطب وامرأة بلا حياء كطعام بلا ملح وقاض جائر كملح على جرح وقيل العالم بستان سياجه الشريعة والشريعة سياج يخدمها الملك والملك راع يعضده الجيش والجيش أعوان يكفلها المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية أحرار يستعبدها العدل والعدل سلك به نظام العالم وليعلم أن الملة الأحمدية والشريعة المحمدية هي أعدل الملل وأقوم النحل مثلاً النصارى لا يتحامون الحائض أيام أقرائها ولا فرق بين الحائض وغيرها من نسائها واليهود يجتنبونها فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها ويقربونها رأساً ويعدونها رجساً وركساً فسلكت الشريعة المحمدية في ذلك أعدل الطرق وأفضل المسالك فتعاشر كالأطهار وحرم قربان ما تحت الإزار وفي بعض الملل على الذي قتل القود والقصاص وليس في الدية خلاص وفي بعض الدية لا غير وما للقصاص فيها سير ودين الإسلام المرفوع كل فيه مشروع والعدل في الاعتقاد يا ملك البلاد ترك التخليط وسلوك ما بين الأفراط والتفريط والقول بالتقديس والتنزيه واثبات الصفات من غير تعطيل ولا تشبيه واقتباس النور من جمرين وسلوك أمر بين أمرين والعدول عن المذهب البغيض وهو مذهب الجبر والتفويض والعدل في الفقيهات يا معشوق المخدرات والحذريات الذي قام عليه النص دليلاً ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا فمن العدل الوضوء والمعتاد ثلاث مرات ومن نقص أو زاد فقد تعدى وظلم كذا قال النبي المكرم صلى الله عليه وسلم أي تعدى أن أسرف وظلم أن أجحف والعدل في الصلاة أن تكون على مرتضى الشرع ومقتضاه وهي أداؤها في أفضل الأوقات مؤداة مع الجماعات في الصف الأول على الوجه الأكمل عن يمين الأمام من الافتتاح إلى الاختتام مع تعديل الأركان بل التعديل فرض عند بعض الأعيان لا نقرا كنقر الطير ولا تطو بلا يضر بالغير والعدل في الزكاة أن لا يتمموا الخبيث منه ينفقون ولا يجعلوا الله ما يكرهون وليسوا بآخذيه الآن يغمضوا فيه ولا يكلف جابي المال أن يعطي كرائم الأموال والعدل في الصوم يا سيد القوم أن لا يتنول فوق الغذاء المعتاد ولا يصل بالوصال إلى درجة الإجهاد ويعجل الفطور ويؤخر السحور والعدل في الحج أن لا يماري في الأنفاق ولا يضار الرفاق بالشقاق كما يفعله أبناء الزمان فان ذلك خسران والازدياد من ذلك نقصان ولقد بلغك يا قمر ما قاله عمر لخادمه يرفا وذا لا يخفي كم بلغت نفقاتنا مقداراً قال ثمانية عشر ديناراً يا أمير المؤمنين قال ويلك أجحفنا بيت مال المسلمين وإياك والأشر وقاك الله كل شر فقد بلغك قيمة راحلة سيد البشر ليدل ذلك على ترك البطر والأشر ولا يقصر في نفقته بحيث يصير كلا على رفقته وكذلك في كل الأنفاق يا ملك الآفاق قال من عز كلاماً مقالاً ومقاماً والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً والعدل في النكاح يا حبيب الصباح لمن عليه يقوى فهو أقرب للتقوى وهو يا أبا حسان واجب عند التوقان سنة عند القدرة عليه مستحب عند استواء طرفيه مكروه عند العجز عنه وهذا بحث قد فرغ منه وقس يا ذا الكرامات على هذا سائر العبادات وجميع العادات وعقود المعاملات ولا تتعدا الحدود في الحدود فان ذلك مردود وعلى قانون العدل وردت الشريعة المطهرة وجرت قديماً شرائع الأنبياء البررة وكذلك مقادير الملة المحمدية عليه افضل صلاة وأزكى تحيه محررة على القواعد العدلية وفيها من الحكم الإلهية ما يعجز عن إدراكها القوىالعقلية قال الله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبيان وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وحاصل الأمر يا ذا النهي والأمر أن العدل هو قوام كل فضيلة كما أن الصبر هو أساس كل خصلة جميلة وأن أردت بسط هذا البيان فدونك القول والتبيان في تفسير القرآن المنزل على أشرف إنسان إن

الله يأمر بالعدل والإحسان فقد أشبع التقرير ودقق التحرير في روضة النضير فارس ميدانه الأمام الخطير فخر الدين الرزاي في تفسيره الكبير والعدل يجري في لصفات كما يمشي في الذوات ومرتبتا في العلو أن يكون بين التقصير والعلو كالكرم الذي يكون بين الإسراف والتبذير والشح والتقتير والتواضع الذي بين الضعة والتكبر وبين التصعر والتصغر والشجاعة التي بين التهور والخفة والجبن الطائش الكفة والقناعة التي بين الحرص والطمع والنذالة والهلع وبين العجب والتصلف والاحتشام والتقشف والإخلاص الذي بين الشرك والهوى وبين الإعجاب والريا والعفة التي بين التهافت على المشتبهات والترفع عن تناول المباحات والطيبات والحزم الذي بين سوء الظن والوهم والوسواس وبين إذاعة السر والأسختفاف وعدم ألا مبالاة بالناس والحلم الذي بين الغضب بلا سبب وبين التغاضي عن اللئام عند موجب الانتقام والشفقة ولين الجانب للأقارب والأجانب الذي بين القوة والاستكبار وبين الرخاوة واللين المستلزم لتضييع حقوق الأهل والجار وحفظ الحقوق الذي بين التكلف والعقوق يراعي فيها الحدود ولا يخرج فيها عن الحد المعهود فالخروج عنها يسمى عناداً وقساوة والتقصير فيها يدعى ركاكة ورخاوة مثلاً من يستحق العفو لا يضرب ومن يستأهل الضرب لا يقطع ولا ينكب ومن استوجب القطع لا يقتل ومن وجب عليه حد لا يهمل وتجري أمور الشرع الشريف على ما ورد به الأمر المنيف فما ثم أحد أكرم من الله ولا أرحم ولا أعلم بأمور مخلوقاته ولا أحكم قال السميع البصير ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وروى أن الإمام المسدد جعفر بن محمد دخل على الرشيد وهو في أمر شديد قد استولى عليه الغضب واستخفه الطيش والصخب فقال يا أمير المؤمنين إن كان غضبك لرب العالمين فلا تغضب له أكثر من غضبه لنفسه وقد حد لكل شيء حداً من نقمه وبأسه فلا تتعد حدوده فانه قد ملكك عبيده فتذكر من وقوفهم بين يديك واقتدارك عليهم إذا تمثلوا قياماً لديك قدومك يوم القيامة عليه ووقوفك خاضعاً منفرداً بين يديه ومن انتقامك منهم سؤاله إياك عنهم فسكن من غضبه واقتدى بأدبه وقال الحكماء للإسكندر عليك بالاعتدال في كل الأمور فان الزيادة عيب والنقصان عجز وفي الحديث خير الأمور أوسطها ولهذا قيل في الأقاويل ينبغي للإنسان الراجح العقل في الميزان أن يحصل من كل علم مقدار ما يحتاج إليه ويعول في مشكلاته عليه مثلاً علم الأدب ما ينال به عند أربابه الرتب كاللغة والنحو والصرف ولو أنه أدنى حرف ليقوم بذلك لسانه ومن علم المعاني ما يبدع به بيانه ومن العروض والقوافي المقدار الوافي والمعيار الكافي ومن الطب ما يعرف به مزاجه ويصلح به علاجه ويقوم به اعوجاجه ومن علم التفسير والقرآن ما يقتدر به على بيان كلام الرحمن ومن علم السنة والحديث ما يميز به الطيب من الخبيث ويضبط به أقسامه وصحته وسقامه والأنساب والرجال ومالهم من صفات وأحوال أن لم يكن مفصلاً فعلى الأجمال ويندرج فيه علم التاريخ العالي الشماريخ ومن علم الكلام ما يصحح به دينه ويقيم به اعتقاده ويقينه ومن علم الأصول وما اشتمل عليه من معقول ومنقول ما يقدر على استنباط الأحكام ومعرفة أدلة الحلال والحرام ومن علم الفروع ما يحكم به أصناف العبادات وأنواع العادات وطرائق العقود وإقامة الحدود ومن علم مكارم الأخلاق ما يصيد به قلوب الرفاق ويكتسب به الذكر الجميل والثناء الجليل ومن الحرف ما يحصل به القوت الحلال ولا يصير على الناس كلاذ إملال وقد قيل خالطوا الناس مخالطة أن غبتم حنوا إليكم وإن متم حنوا إليكم ومن علم الركوب والرمي والسباحة والخط ولعب الرمح والسياحة وعلم الفرائض والحساب وطرائق المبايعات والكتاب ما يقدر به على الدخولإليه إذا تكلموا فيه بين يديه بحيث يكون له فيه مشاركة والمام ولا يكون بين الخواص كالعوام وكل ما ذكر فسلوكه عدل والتلبس به كمال وفضل ورأس مال الجميع التقوى فان الإنسان الضعيف بالتقوى بقوى قال الله تعالى ولكن يناله التقوى منكم وبالجملة فالعاقل العادل بل الكامل الفاضل لا يستنكف عن نوع من العلوم ولا تبرد همته عن اقتباس منطوق ومفهوم قال معلم الخير ومحذر الشر تعلموا حتى السحر وقال:

عرفت الشر إلا ... للشر لكن لتوقيه
ومن لم يعرف الخير ... من الشر يقع فيه
وكل مصافي السريره وذي بصيرة منيره يتوجه إلى التعلم والاستفادة ويجعل مراده مراده أي علم كان خصوصاً إذا كان من الشرف بمكان قال بعض الوزراء لابنه يا بني تعلم العلم والأدب ولا تسأم فيهما من الطلب فلولا العلم والأدب لكان أبوك في السوق حمالاً وللنوق جمالاً فبالعلم والأدب ركبنا أعناق الملوك وأحوج الناس يا ذا الأفضال إلى اكتساب الفضل والعلم والكمال السلاطين والملوك ومن تبعهم في السلوك فانهم بين خلق الله تعالى المرموقون والسابقون بجلائل النعم لا المسبوقون وبحفظ بلاده وعباده المستوثقون منهم موثوقون فهم المتحملون لأعباء العدل المكلفون بالمحاسبة عنه والفضل قال من يقول للشيء كن فيكون قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فهم أقدر على التحصيل من غيرهم والزمان والمكان تابعان لسيرهم والخاص والعام يتمنى قربهم ويسلك في التوصل إلى جنابهم دربهم ويبذل في ذلك ما وصلت إليه يداه ويجعل تحصيل ما يرمونه غاية متمناه فيبذل جهده في ايصالهم إليه ويكد قلبه وقالبه في اطلاعهم عليه قال الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس نقصاً ... كنقص القادرين على التمام
وقال بعض المؤرخين الملوك لأولاده يا بني اكتسبوا العلم والفضل وادخروا الحلم والعدل فان احتجتم إلى ذلك كان مالاً وإن استغنيتم عنه كان جمالاً وقال بعض الحكماء العلم ملك ذو أعضاء رأسه التواضع ودماغه المعرفة ولسانه الصدق وقلبه حسن النية ويداه الرحمة ورجلاه مثابرة العلماء وسلطانه العدل ومملكته القناعة وسيفه الرضا وقوسه المساءلة وسهمه المحبة وجيوشه مشاورة الأدباء وزينته النجدة وحكمه الورع وكنزه البر وماله العمل الصالح ووزيره اصطناع المعروف ومستقره جودة الرأي ومأواه الموادعة ورفيقه مودة الأخيار وذخيرته اجتناب الذنوب والحاصل يا ملك الطير ويا مالك عنان الخير أن قوام العالم ونظام بني آدم سيف الملوك والسلاطين وقلم العلماء الأساطين فمهما حدث من شر محاه سيف الملوك ومهما وجد من خير أثبته فلم علماء الإرشاد والسلوك وفي الحقيقة يا شيخ الطريقة العالم عبارة عن هؤلاء وبصلاحهم تصلح الأشياء وبفسادهم والعياذ بالله تفسد الدنيا إذ هم لزوال الفساد وطهارة العباد وعمارة البلاد بمنزلة الصابون للأوضار والاستغفار وللأوزار فإذا فسد هؤلاء فما لفسادهم دواء كما قيل:
الذنب صابون الاستغفار يغسله ... كالثوب ينظف بالصابون أن وسخا
فما الذي يغسل الصابون من دنس ... إذا رأيناه صار الذنب والوسخا

وناهيك يا ملك العقبان ما فسد من الزمان وجرى من الدماء من طوفان وانمحى من أمهات البلدان عند استيلاء الكافر جنكيز خان فسأل العقاب عن كيفية هذا المصاب والعقاب ومن هو جنكيز خان الذي أفسد وخان وما أصله وفصله وكيف كان قطعه ووصله حتى نفذت في كبد العالم بالفساد نصله فقال هذا رجل من بقايا التتار الساكنين من بلاد الشرق في قفار وهم من بقايا يأجوج ومأجوج عن الإسلام منحرفون وعن الإيمان عوج سموا بالترك لأنهم تركوا عن دخول السد بالخروج فكانوا قبل جنكيز خان مبددين في صحاري لا يتفق منهم اثنان مسيرة أماكنهم ومدى مساكنهم شرقاً بغرب نحو من ثمانية أشهر وشمالاً بجنوب لا ينقص عن هذا المدى ولا يقصر حدها من الشرق حدود ممالك الخطاوأقصاها خان بالق وهي مدينة عظمى ووراءها شرقاً يا من يرقى ينتهي الحد بعد السير الجد إلى بلدة عظيمة ولا يأتيها جسيمه تدعى خيسار وأهلها كفار وهي مبدأ مملكة الصين يا ذا المجد الرصين ومن الشمال نواحي قرقير وسلنكاي ومن الجنوب بلاد تدعى تنكيت وتيت هذه يا ذا النسك هي التي يتولد غزالها المسك ومن الغرب وهي جهة قبلة تلك البلاد إذا صلى المسلمون منهم والعباد حدود بلاد أو يغور وما وإلى تلك الكفور من بلاد تركستان يا ذا الإحسان ويسير المجد منها إذا انفصل عنها كذا وكذا شهر حتى يصل من جهة غربها إلى ما وراء النهر ثم هؤلاء التتار كانوا تلك القفار بين هذه الحدود الأربعة في مضيعة وأي مضيعة يتوالدون في ذلك البر ويتهارجون في ذلك السهل والوعر كالحيوانات السائبة في البر والبحر لا حاكم يردعهم ولا دين واعتقاد يجمعهم وهم فيما بينهم قبائل وشعوب وأصناف وضروب وخلائق وأمم لا يعرفون الإسلام والسلم بل كل أمة تلعن أختها وتنهب تختها وتأكل رختها وكل طائفة تعد غارتها وتقصد جارتها وكل من قوى على غيره كسره أما قتلته وأما أسره لم تزل المكافحة بينهم قائمة والمناطحة بين ثيرانهم وكباشهم دائمة وعيون الرشد والاهتداء عنهم نائمة وضواري الظلم والاعتداء في مسارح سوارح إسلامهم سائمة يعدون النهب غنيمة والفسق والفجور والنميمة أجمل صنعة وأكمل شيمة يأكلون والكلاب والفار وما وجدوه منن صيد القفار والميتة والدم والهوام لا يعرفون الحلال والحرام ويلبسون جلودهم وأوبارها وأصوافها وأشعارها كما كان مشركو العرب في الجاهلية قيل إشراق شمس الملة المحمدية لا زرع لهم ولا ثمر سوى نوع الشجر يشبه شجر الخلاف هو ثمرهم في الشتاء والاصطياف اسمه قسوق وهم على ما هم عليه من الفسوق يعبدون الأوثان والأصنام ويسجدون للشمس إذا بزغت من الظلام ويعظمون النجوم ويعبدونها وتخاطبهم الجن ويرصدونها وفيهم كهنة يعتقدونها وسحرة وساجع وزجره يجبى خراجهم إلى ملك الخطا وهم على أشد كفرو خطا قد تركب الكفر في أحشائهم وإن الشيطاين ليوحون إلى أوليائهم وأعلى من فيهم أكابرهم وذويهم علامة رياسته وانفراده بسياسته وأنه فيهم ذو يأس شديد ورأي سديد ومال مديد كون ركابه من حديد وباقي أعيانهم وذوي مكانتهم وإمكانهم أن كانوا ذوي جد فركابهم قضيب ملوي أوقد وعندهم أفخر ملبوس جلود الكلاب والنموس والذئاب والتيموس وقس على هذا جميع تجملاتهم ومفاخر آلاتهم فهم في قديم الزمان وبعد الحدثان من حين بلغ ذو القرنين بين السدين وساوى على ياجوج ومأجوج بين الصدفين إلى آخر وقت كانوا في قلة ومقت وضيق حال وسوء بال لا دنيا رخيه ولا آخره رضية حتى نبغ منهم هذا اللعين الطاغية تموجين الذي تسمى بجنكيزخان وساعده قضاء الديان فأمده الزمان وأعطاه المكان لأمر يريده الرحمن وقضاء قدره على عبيده في سالف الأزمان فطعم العالم بالفساد فاهلك العباد والبلاد وأخلى والديار والدار وعم غالب بلاد الإسلام بالشنار والبوار فصلى الله على سيد بني عدنان بل أشرف جنس الإنسان الذي قال يخرج في آخر الزمان رجل يسمى أمير العصب أصحابه مخسورون محقرون مقصون عن أبواب السلطان ياتونه من كل فج عميق كانهم قزع الطريق يورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها فاتبعه منهم النساء والرجال اتباع اليهود والكفرة والمسيح الدجال أمم لا يحصرها حساب ولا يحصيها ديوان ولا كتاب وما يعلم جنود ربك إلا هو فارشدوا إلى طريق الضلال بعدما تاهوا وصار كل من أولئك الطغاة الكفرة الهجرة الأوغاد اللئام وكل كلاب خادم كلاب الصعود يجري سيفه الكال الكدود من

أشراف الملوك وملوك الأشراف وفي أعضاد الأسود وفي قارب النمور والفهود وكل ماضغ شيح وقيصوم وعلج من أولئك العلوج وعلجوم يتفكه في أنواع المستلذات من المشروب والمطعوم وكل صعلوك معلوك من تركي متروك أو خدام مملوك يتحكم في رقاب أكابر الملوك ويستعبدون أحرار أولادهم ويستفرشون زوجاتهم وبناتهم في بلادهم:

على رأس عبد تاج عز يزينه وفي رجل حر قيد ذل يشينهومن لا يعرف البطائن المروية ولم يسمع بالرقاع الكرباسيه يستوطي الإستبراق والديباج ويتقلب على تخوت الصندل والساج ويترقى إلى سرر الأبنوس والعاج ويعامل التجار والمضاربين في البر والبحار بألوف الألوف من الدرهم والدينار فيجي إليهم نفائس المضارب من المشارق والمغارب ومكامن المعادن وذخائر الخزائن كل ذلك بواسطة ذلك الطاغية واستيلاء الفئة الباغية وكان من أمر هذا المصاب الذي بدل حولاة العيش بمرار المصاب وخلد في الدهر قواعد البلايا والأوصاب أن الله القاهر فوق عباده الذي لا يسئل عما يفعل من مراده بل له المراد في عباده وبلاده المتصرف في ملكه تصرف المالك في ملكه لما أراد ابتذال الصون وعموم الفساد في عالم الكون واستئصال غالب أهل الأرض وإذاقة بعض عباده بأس بعض وأظهار آثار غضبه على صفحات الشهود وإبراز أسرار قهره على وجنات الوجود ولحس سطور صدور علماء العالم على روح الورد بلسان نار السخط ذات الوقود ونقص أرض العلم من أطرافها وإخلاء ربوع المحاسن من ألافها اينع هذا التنين المبين من أوعار تلك القفار وأغوار أوغادها تيك التتار فكان ممتازاً على أقرانه بوفور عقله وحسن بيانه ذا فكر مصيب ورأي صائب وحزم مجيب وعز ثاقب وهمة تباري الأفلاك وثبات يجاري السماك كسر بصدماته الأكاسرة وقص بسطواته القياصرة وقرع بعزماته على قمم الفراعنة والجبابرة وقهر بحملاته قهارمة خوافين القياصرة وكان أميالاً يقرأ أولا يكتب أعجمياً عجر يا لا يحسب ولا ينسب لا طالع ولا اقتفى في سياسة الممالك والآثار بل فرع ما فرعه من القواعد في صحيفة تفكيره واخترع ما ابتدعه من تدبير الملك من مطالعة هو لجنس ضميره فأسس قواعد لو أدركه إسكندر ودارا لما وسعهما لاقتفاء أثره وشيد مباني لو بلغت نمرود شداداً لبنيا قصور قصورها على أركان خبره وخبره ورتب تجهيز السرايا والجنود وربط عقود الجيوش والبنود بطرائق يعجز عنها مهندس الحكمة ويتقاعد عن حل رموزها معزم الفطنة وغاية ما يتعاناه ويستعمله ويتعاطاه جيوش الأتراك في بسيط الأرض من إبرام طرائق عساكرهم والنقض إنما هو من قوانين ما رتبه وأفانين ما هذبه وركبه وله في ترتيب حراب الحروب وما فن الضرب والضراب من ضروب وطرائق الاصطياد مخترعات دقائق لم يسبق إليها من لدن كيخسرو وكيقباد احكم الموافق ونصر المصادق وكبت المعادي وكسر الأعادي واستطال مع كثرة مخالفيه عليهم وأنفذ سهم تحكمه فيهم واليهم وصال فيهم حسبما أراد وجال واتسع له في التضييق على الإسلام والمسلمين المجال فكل من عامله بالمجاملة وتلقاه بالعبودية وحسن المعاملة أبقى على نفسه وأهله وماله وحصنهم من أليم خيله ورجاله ومن قابله بالمقاتلة وتلافى صف قتالة سورة المجادلة محا سطور ركونه من لوح الوجود وأوطأ سنابك خيله منه الجباه والخدود فخرب ديارهم ومسح آثارهم مع شكره وإسلامهم وتبدد عساكره ونظامهم ومع أن أكثر الملوك والسلاطين وحكام الممالك الإسلامية من الأمراء والأساطين لعدم اكتراثهم بالأتراك والتتر وشدة ما هم فيه من لنخوة والبطر ولاعتمادهم على حصونهم والحصينة وتعويلهم على معاقلهم المكينة ولكثرة العدد والعدد ومساعدة المدد والمدد ولوفور العمائر ببلادهم وخراب بلاده وبسطة استعدادهم وضيق استعداده لم يعاملوه إلا بالمكافحة ولا ردوا جواب خطاياته إلا باللعن والمكالحه والسب والمقابحة ولا قابلوه إلا بالمرامحه والمراوسة والمناطحه فقتلهم وأبادهم واستصفى طارفهم وتلادهم وتوطن ديارهم وبلادهم وأبادهم عن آخرهم وأطفأ قبائل عشائرهم فمد لأكابرهم أسمطة الرزايا ووضع في أفواه أصاغرهم أثدية المنايا وأضافهم في ولائم الدمار وأطافهم على نجائب الانكسار في ملابس البوار فاستأصل شأفتهم بالكليه وحكم فيهم المنية فلم يسبق من مائة ألف إنسان مثلاً مائة إنسان وذلك أيضاً أما على سبيل التغافل أو على سبيل النسيان وسيذكر على سبيل الأجمال ما يدل على تفصيل ما له من أحوال وشواهد ما فزعه من أهوال واستمر ذلك في ذريته وإن كانوا رجعوا عن ملته وأصل هذه الأصلهالتي أضحت بخلقان اللعن أكسى من بصله قبيلة من تلك التتار الساكنين في تلك القفار تسمى قنات ظلمة عتات غير أمناء ولا ثقات منها آباؤه وأجداده وفيها أقاربه وأحفاده واخوته وأولاده فنشأ

كما ذكر بطلاً باسلاً وشجاعاً كاملاً سهام أفكاره في عمره مصيبة ورهام آرائه في مكره خصيبه ثم اتصل بعد ما أخنى وخان بملك يسمى باونك خان وأظهر من أنواع الفراسة والفروسة والكياسة ما فاق به أناسه وفات من العقل قياسه فقر به الملك وأدناه ولمهماته اصطفاه ولا زال يترقى عنده إلى أن ملك جنده وصار عضده وزنده ودستور ممالكه ومسلك مسالكه وحاكم أمرائه وناظم أمور وزرائه وناظر جمهور كبرائه وعين أعوانه وعون أعيانه وأعز من أخوته وأولاده وأبر من حفدته وتلاده وكثفت حواشيه وعظمت غواشيه وملأت السهل والوعر فواشيه ومواشيه فثقل على الوزراء وصعب على الأمراء إذ مدار الملك صار عليه ومرجع الأمير والمأمور إليه فحسده أولاد الخان وإخوانه وأجناده وأسرته وأعملوا له المكائد ونصبوا له المصائد وتعاطوا إفساد صورته وتواطؤا على إخماد سيرته فصاروا يتناوبون على ذلك في غيبته ويمزقون أديم عرضه عند الخان ويشقون ستر عصمته بمخاليب البهتان ويراقبون الكلام أوقات القبول ويواظبون في السعاية عليه بدلائل المعقول حتى أوغروا صدر الملك عليه وأخذ يفكر في كيفية إيصال الإساءة إليه ولم يقدر على مواجهته لوفور جماعته وكثرة حاشيته فان أوتاده كانت ثابته وغراس هيبته كالارزة نابتة وفروع دوحة عصابته قد أحاطت بالملك من كل جهاته حتى قيل إن ذلك الثقيل كان له القرابات وذوي الأرحام والعصابات والأولاد والأحفاد ما جاوز في التعداد عشرة آلاف نسمة كل له حرمة وكلمه فأضمر له السلطان البيات وانتخب لذلك من عسكرة أولي الثبات الثقات ولم يختلف عليه في ذلك اثنان لأنه كان قد استحكم فيهم منه الشنآن وعلموا أن سهم مكرهم نفذ وحسام فكرهم في قطعه فلذ ورأوا من الرأي أرصنه أن يراقبوا لحتفه مكمنه فتواعدوا على ليلة معينة يدهمون فيها مأمنه وكان عند الخان صبيان محرمان لا يؤبه إليهما ولا يعول في الأمور عليهما يدعى أحدهما كلك والآخر باده فانسلا من بين أولئك القادة وسلكا طريقاً غير العادة وأتيا تموجين الطاغية اللعين في خفية ونبها وعيه وأخبراه وبصراه وأنذراه وحذراه بما تمالأ عليه الملك مع عسكره المنهمك وقالا أيها العفريت قد طنجت لك قدر التبييت فتنبه من النوم وراقب في الليلة الفلانية هجوم القوم فانه قد مرج المارج الفتنة فامرج وعن وهاد غفلتك اعرج إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك وباعاه من السر ما جرى بتخيير المشتر يوقصا عليه القصص فخلصا طير حياته من القفص وظبى نجاته من القنص فشكر لهما ما فضلهما واستكتمهما قولهما ثم تثبت في أمره عن زيده وعمره وجمع تلك الليلة رجله وخيله ولم يبد تلك الحال لأحد من الرجال بل أخلى بيوته ولازم سكوته وقصد أحد الجوانب بما معه من راجل وراكب وأقام في كمين ينظر أيصدق الواشي أم يمين فما مضى هزيع من الليل إلا وقد هبطت الخيل فوجدوا البيوت خاليه والأطلال خاوية فتحقق صدق الناقل وأنه ناصح عاقل فعمل مصلحته وأخذ حذره وأسحلته وتقرر وقوع النكد فتقدم أمامهم واستعد فقصدوه وبالأذى رصدوه ولا زالوا يتبعونه حتى التقوا بمكان يسمى ببا لجونه وهو عين ماء في حدود بلاد الخطا فاشتعلت بين الفريقين نار الحرب وقصد كل منهم الآخر بالطعن والضرب فأعانه الله ونصره فكسر الخان وعسكرة وفر بمن معه من فئة وذلك في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وغنم تموجين من الأموال والمواشي والأثقال وذخائر الخزائن ونفائس البحار والمعادن ما فات الحد والحصر خارجاً عن سعادة النصر وهرب الخان وتهدمت منه الأركان فجمع جنكيز خان عسكرة وضبط أسماء من حضره ومن كان شاهد القتال ومواقف الحرب والجدال من والنساء والصبيان والرجال ومن خادم ومخدوم وخاصم ومخصوم ومأمور وأمير وكبير وصغير حتى السائس والجمال والطباخ والبغال والطفل والرضيع والنذل والوضيع ومن شهد تلك الغارة أو كانفي تلك الدارة ولو حاضرا للتفرج مع النظارة واستبشر بوجودهم وتميز بور ودهم فأثبتهم في الديوان بأسماء آبائهم وجدودهم وفرق عليهم ذاك الفيء ولم يرفع إلى خزائنه منه شيء بل وزع ذلك المغنم الوافر العظيم المتكاثر على الحاضرين معه العساكر وضبط أسماءهم في الدفاتر وفرق ذلك العرض العربض الطويل على قدر الحقير منهم والجليل ووعدهم بكل جميل وأما الغلامان اللذان أخبراه وعلى ما كان أضمره الخان أظهراه وكانا سبب حياته وخلاصه من الموت ونجاته فانه جعلهما

ترخان فصار السهم مقاصده كأنهما شرخان والثرخان عبارة عن المعافي المطلق يستوفي حقوقه ولا يقوم بما عليه من حق لا يؤاخذ بقصاص أن قتل وقس على هذا ما يوجب القول والعمل مقضي المآرب موصول المطالب لا يكلف بخدمة ومباشرة ولا بحضور ومعاشرة مهما طلب أعطى ويعد مصيباً ولو يخطى وأعلى مراتبه في مراعاة جانبه أنه يدخل على السلطان من غير استئذان وهو نائم سراريه ونسائه وجواريه فيذكر ماله من مآرب فتقضى ومن شفاعة فتقبل وتمضي ويعطي بذلك مناشير وتواقيع وتقارير تبلغ التاسع من أولاده ويشمل أحكامها جميع أسباطه وأحفاده ولما انتصر وحصل أمنه واستقر وتعاظم أمره واشتهر وعظم وانتشر قرر كل من حضرة تلك الوقعة فيما يليق به من منصب ورفعه فأقبلت القبائل إليه وانهالت الرؤس والوجوه عليه ورجع الخان واستعد وأعد ما وصلت إليه يده من عدد واستعان عليه بالمدد والعدد ثم تقلايا كرتين وتصاولا مرتين انكسر الخان في الأولى وقبض عليه بعد الكسرة في الأخرى وأباده وأستملك بلاده واستولى على عساكره واستحوذ على ذخائره وعشائره وهربت أولاد الخان ولجأت إلى أطراف تركستان ثم راسل سلطان الخطا والصين بكلام رصين يدل على عقل حصين واسم ذلك السلطان التون خان وطلب المهادنة والموافقة والمصافاة والمصادقة فلم يلتفت إلى كلامه فضلاً عن إعزازه وأكرامه على حسبه واستناداً إلى نشبه ونسبه واعتماداً على سعة ممالكه وكثرة ملوكه ومناعة حصونه وعمارة بلاده ووفرة مملوكه فان ممالك جنكيز خان بالنسبة إلى ولايات الخاقان لاش وأقل من لاش وعساكره وقبائله بالنظر إلى أهل الصين أو شاب أو باش فرجع قصاد جنكيز خان بالخيبة وذكروا ما رأوا لملك الصين من عظمة وهيبة فلم يلتفت إليه ثم قصد التوجه عليه بعدد كالرمال ومدد كالجبال وواقعة فكسره ونافقه فحصره وقبض عليه وأباده واستصفى ولايته وبلاده وكانت هذه الكسرة والنصرة في سنة إحدى وستمائة متن الهجرة فاستقل من غير منازع ولا ممانع ولا مدافع فلما خلصت له الممالك وانقاد له المملوك والمالك أخذ في ترتيب الأمور وتهذيب الجمهور وطير أجنحة مراسيمه إلى أطراف ممالكه وأكناف أقاليمه فرفع جميع ما هم عليه من النهب والغارات والتحزبات وطلب الثارات فهدم قواعد الظلم والتعدي في ممالكه فلم ير أيمن من ولايته ولا آمن من مسالكه وهي ممالك المغل والخطا وإلى الصين شرقاً وولايات المغل والجنا وبلاد الترك وإلى حدود أترار ما وراء النهر غرباً فجرى بعد النهب والأسار في ممالك المغل والتتار والبغي والعدوان العدل والأمان والسلامة والاطمئنان وبعد السرقة والخيانة الوفاء وألمانة وأمر بوضع البرد والمنارات والعلائم والأشارات وعمرت المفاوز والمناهل وسكنت الصحاري والمذاهل وعرفت طرق المهامه والمجاهل وائتلفت تلك الطوائف والأمم وانتشر صيت عدلها في العرب والعجم واخترع كما ذكر أنواع سياسات وقرر للمملكة قواعد بنيان وأساسات ألف بها بين تلك الطوائف فلم ير بينهم مخالف ولا غير موالف على سعة ممالكهم واختلاف مسالكهم وتعدد أديانهم وتفاوت كيل أخلاقهم وميزانهم فانهم كانوا ما بين مسلمين ومشركين ومجوس وأرباب ناقوس ويهود ومن لا يدين لمعبود وصباه وغواه وعباد الشمس والنجوم ومن يسجد لها أو أن الرجوم وكل منهم بتعصب لمذهبه ويغض من مذهب صاحبه فلم يتعرض لأحد في دينه ولا وقف له في طريق اعتقاده ويقينه وأما هو فلم يتقيد بدين لا كافر مع الكافرين ولا ملحد مع الملحدين ولا يتعصب بملة من الملل ولا يميل لنحلة من النحل بل يعظم علماء طل طائفة ويحترم زهاد كل ملة على دينهاعاكفة وبعد تلك الخصلة قربه حيث يعظم كل دين وحزبه وكل من احتار من أولاده وأسباطه وأحفاده وأمرائه ورعيته وأجناده ديناً من الأديان لا يعترض عليه أي دين كان فبعضهم كان مسلماً حنيفاً وبعض كان يهودياً وبعض نصرانياً مجوسياً إلى غير ذلك من الإلحاد والزندقة وعدم الاعتقاد وحيث لم يتعرضوا إلى دنياه ولا نازعوا ملكه الذي تولاه لم يشاققهم في دينهم ولم يوافقهم في يقينهم واخترع هو لنفسه في الملك قواعد حمل عليها المقارب والمباعد ثم لما لم يكن له كتاب ولا خط ولا لأولئك الحروف قلم يعرفون به قط أمر أذكياء قبيلته وعقلاء مملكته أن يضعوا له خطاً وقلماً يكون لهم علما وعلما فوضعوا له قلم المغل واشتغلوا به أهم شغل نسبوه إلى قبيلته

ليدلوا به على فضلته فقالوا قوتاً تقويعني قلم قتات وهي قبيلة ذلك القتات فوضعوا مفرداته ورتبوها ثم حملوها وركبوها وهي أربعة عشر حرفاً ظاهرة بيتهم لا تخفي وهذه صورة مفرداتها ؟؟؟؟؟..

فأمر أولاده وأحفاده وجماعته وأجناده ومهرة الرجال والأذكياء والأطفال أن يتعلموا هذا الخط وينشروه ويتداولوه ويشهروه بينهم حتى ملأ رأسهم وعينهم فرسموا به المراسيم والمناشير ورصعوا بجواهره جباه المساطير ووضعوا الرسومات الديوانية والتوقيعات السلطانية وابتدع لهم يتواريخ وحساب كل ذلك بهذا الكتاب ثم لما تقرر أمره وانتشر في الآفاق ذكره مهد قواعد أسسها ونصب في دوحة ملكه أصول خلاف غرسها ووضع على ما اقتضاه رأيه التعيس وفكره الخسيس طرقاً وافانين ودرب في أمور الحكومات أساليب وقوانين فجعل لكل حكومة حكماً وفوق لكل حادثة سهماً وفرع لكل حسنة مثوبة ولكل سيئة عقوبة وقرر لكل معصية حداً ولكل بنيان مخالفة هذا ولكل فرع أصلاً ولكل سهم من الوقائع نصلاً وبين كيفية الصد والحرب وسلك في كل ذلك الطريق والدرب وألقى دروس ذلك على أولاده وحفدته وجيوشه ورعيته بحيث أنهم حفظوها ورعوها وفي سير سيرهم هرجاً ومرجاً فمن أحكامها المظلمة وفروعها المعتمة صلب السارق وخنف الزاني وأن شهد بذلك واحد فلا يحتاج إلى ثاني ثم فصل حد السارق بهذيان فارق في السرقة من حركاه أو بيت شعرواه بوجوب الصلب وبقطع اليدان كان بالنقب ثم كلا السارقين يؤخذ ما لهما من مال وعين ويسترق ما لهما من أولاد وينتقل إلى السلطنة ما لهما من طريف وتلاد ومنها حقية دعوى من سبق سواء كذب أو صدق ومنها استعباد الأحرار وتوارث الفلاح والأكار ومنها توريث نكاح لزوجة لأقارب الزوج وتداولهم إياها فوجاً بعد فوج فان تزوجها أحد منهم كان أحق بها ولا تخرج منهم وإلا زوجها بمن شاؤا وأخذوا مهرها وباؤا ومنها عدم العدة وعدم انحصار الزوجان في عده ومنها الأخذ بقول الجواري والصبيان وبما يتفوله على الرجال العبيد والنسوان ومنها امتثال أمر السلطان على الفور من غير توان ومنها لزوم ما لا يلزم من العطايا وإيجاب ما يتبرع به الإنسان من التجملات والهدايا حتى لو أعطى شخص شخصاً من ماله هدية أو شقصاً فان ذاك يلزمه وفي كل عام يغرمه ومنها الجثو بين يدي الحاكم على الركب وقت التحاكم ومنها مطالبة الجار بالجار ومعاقبة البريء بجريمة مرتكب الأوزار وذلك لأدنى مناسبة من معرفة أو مصاحبة فضلاً عن أكبر أو شديد قرابة ومنها أن لا يتقدم الوضيع على الشريف ولو كان ذا مال عريض وجاه كثير ومنها العمل بما يقتضيه العقل والكف عما لا يدركه ولو ورد به النقل ومنها منع عفو الحاكم وأن عفا المظلوم عن الظالم ونحو هذه الخرافات الباطلة والهذيانات العاطلة ومن أسخفها وأوسخها وأخسفها أنه لو أخذ أحداً أبله عن قواعدهم ذو غفلة من ثب أحدهم قملة فان دفعها إلى صاحبها خلص من تبعية عواقبها وغرامة مطالبها فان شاء قصعها وأن أراد وضعها وربما اختار عودها إلى مكانها فرجعها وأن قتلها أو رماها وإلى صاحبها ما أداها فان صاحبها يخاصمه وإلى حاكم التتار يحاكمه ويدعى عليه بين يديه بان هذا الإنسان عمد إلى حيوان ربيته بين سحري ونحري وغذيته بدم صدري وظهري قصدا وأضاعه عمداً منغير سبب تقدم إليه ولا إيذاء اجترأ به عليه فينسب إلى الأجترام ويأخذ ديتها منه بالأغترام وقس على هذا اليسير أنواعاً من الكثير ومن نتن هذه البعرة على خرافة البعير ومن هذه القواعد أمر الأقارب والأباعد بما يستصوبه العقل ويستنتجه النقل من سلوك طريق الفتوة ومعاملة الخلق بالمروة والكرم والإحسان والمداراة مع كل إنسان والكف عن الظلم والغارات اللهم إلا في طلب الثارات ثم وضع طرق المكاتبات والمراسلات والمشافهات والمخطبات فكان فكان في المكتبات طريقة رسمه أن لا يزيد على وضع اسمه مثل أن يقول في أول الكتاب وبراعة استهلال الخطاب عند ابتداء المقال بعد عدة أوصال جنكيز خان كلامي ثم يكتب تحته من نصف السطر الثاني إلى فلان ليفعل كذا ولا يتعلل بان وإذا ثم يذكر مخ المقصود بطريق معهود بين العبارات من غير مجازات واستعارات ويختم بذكر الزمان واسم المنزل والمكان وإذا استدعى أحداً إلى الطاعة وملوك السنة أسوة الجماعة فانه يتجنب التهويل والتهديد ويتحامى عن التشريد والتشديد ويرغب بالوعد ويترك الوعيد ثم يقول أن سمعتم وأطعتم فزتم وغنمتم وأن أبيتم وتماديتم فليس أمر ذلك إلينا ولا درك علمه علينا ويرى فيكم الخالق القديم رأيه فان في تقديره وتدبيره كفاية فهذه القاعدة باقية في تلك

الفئة الباغية مستمرة على الدوام وإلى هذه الأيام وجارية على هذا النمط يكتبون اسم الخان والخاقان فقط وكذلك الأمراء والوزراء والمباشرون والكبراء يكتبون في أول الكتاب فلان لا كنية ولا جناب وهكذا إلى الأكابر من الأداني يذكرون اسم الكبير ووظيفته فلان لا الفلاني ولما فرغ من ترتيب هذه القواعد الملعونة وخرج بها على خلاف الشريعة الميمونة وقرر عليها الأمور الديوانية والأحكام السلطانية أمر بها فكتبت وبهذا الخط رتبت ورسمت في طوامير ولفت في شفق الحرير وزمكت بالذهب ورصعت بالجواهر كما فعل ماني النقاش الكافر واضع مذهب المجوس ومصور على صفحات الطروس ومبرز بطريق المحسوس ليكون أقرب إلى تفهيم النفوس في كتابه المسمى بزند واستاثم أمر باحترامها وتوقيرها والمحافظة على ضبطها وتحريرها والعمل بها والإقتداء بما فيها وتعلق أهل ملته بقوادمها وخوافيها ثم رفعت إلى خزائنه وهي عندهم أعزو من الكبريت الأحمر في معادنه واسمها بالمغلي التوره وتفسيرها الملة المأثورة فإذا جلس منهم سلطان على سرير وذلك بما للرؤساء من اتفاق وتدبير وعادتهم في ذلك أنهم إذا رفعوا عليهم سلطاناً وأرادوا أن يبنوا الدار المملكة خاناً اجتمع الأمراء من الأطراف واستدعوا أركان الثغور والأكناف واشتروا فيما بينهم مدة أيام واستمروا في ذلك ما بين نقض وإبرام وربما أقاموا في ذلك الجمع العام حولاً جميعاً أرضعفي عام ويسمون تلك الجمعية قورلتاي وهي مستمرة الحكم في المغل والحفتاي وسبب ذلك تدافع الإمرة والفرار من تلك السلطنة الحلوة المره كما كان الصحابة الكرام يتدافعون الفتاوى خوف الآثام فإذا وقع الاتفاق بين الرفاق وأمراء الجند ورؤساء الآفاق على واحد من أولاد الخان وأن يكون عليهم الممالك والسلطان وتصوب الرأي عليه وتسدد وضعوه على لبد أسود ثم رفعه من الأرض إلى السرير أربعة أنفس مكل أمير كبير كل حامل بطرف رافع في زعمه راية الشرف والخان يصيح بلسان فصيح يا رؤساء ويا أمراء ويا ملوك ويا زعماء أنا ما أقدر أن أتسلطن عليكم ولا طاقة لي أن أتحكم لديكم ولا قوة لي بهذا الحمل الثقيل والدخول تحت هذا الأمر العريض الطويل فيقولون بلى يا مولانا الخان تقدر أن تقوم بحمل أعباء هذا الشأن فيتكرر الخطاب ويتعدد الجواب حتى يجلسوه على السرير ويبتهج بذلك الكبير والصغير والمأمور والأمير ثم يأتون بالتوراة الجنكيز خانية الملعونة الشيطانية مجبلة معظمة محترمة مكرمه فينهضون إعظاماً لها ويتبركون بمسكهم أذيالها فينشرونها ويشهرونها ثم ينصتون فيقرؤنها ثم يبايعون الخان على إقامتها وأن يراعى أحكامها حق رعايتها ويبايعهم على امتثال أحكامها وإجراء نقضها وإبرامها فيجيب كل منهم الأمر على ذلك وأن يقيم شعائرها المملوك والمالك ثم يضربون له الجنوك ثلاث مرار ثم يتوجهون إلى الشمس في وجه النهارويضربون لها الجنوك ويسجد لها من فيهم من ملك ومملوك ولا يفعلون هذا الفعل الشنيع إلا في أيام الربيع فإذا تعاقدوا وتبايعوا وتعاهد وتتابعوا رفعوا تلك الكفريات واحضروا الآلات الخمريات فأدار الخان عليهم الكاسات واستعملوا الأقداح والطاسات وفتح الخزائن وأظهر المكامن ونثر النثار من الدرهم والدينار وخلع الخلع والتشاريف وأعاد في دروس النفائس أبحاث التصريف واستمروا على ذلك أياماً والأنعامات تدر عليهم خاصاً وعاماً ثم يأذن لهم فيتفرقون ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون وهذه الطريقة مستعملة وإلى آخر وقت غير مهملة في جميع ممالك الشرق من الخطا والدشت والصين والمغل والجتا وفي ولايات الجفتاي والروم قد اعتاد والغالب هذه القواعد والرسوم فقدموها على القواعد الإسلامية والشرائع الأحمدية المحمدية اللهم ألهمنا الصواب ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الوهاب وسبب تحركه إلى ممالك الإسلام وتوجه عنان سخطه إلى طلب الانتقام هو أنه لما استقر أمره وانتشر بعد الجور بالعدل ذكره وطابت بلاده وأمنت وخمدت حركات الظلم وسكنت توجه من بلاد ما وراء النهر فئة في سنة ثلاث عشرة وستمائة فيهم ثلاثة أنفار من أعيان التجار أحدهم يدعى أحمد الخجندي والآخر عبد الله ابن الأمير حسن الجندي والثالث أحمد بلجيخ ومعهم من أنواع المتاجر ونفائس الأقمشة والذخائر ما يصلح للملوك أولى المفاخر فوصلوا إلى بلاده

الجاري فيها مياه كفره وعناده وانتهوا إلى قوقات والمسيل وهما محل سريره الذليل فاكرم نزلهم ورفع محلهم وأنزلهم في قباب بيض وأفاض عليهم الكرم العريض وكان شعار المسلمين في تلك البلد أن ينزلوهم في قباب بيض من لبد وكانوا يقربون المسلمين ويحترمونهم دون الناس أجمعين ثم أن جنكيز خان دعا أحد أولئك الأعيان واستعرض قماشه وساومه بعد ما قربه وأكرمه فطلب منه أضعاف ثمنه وسامه ما يقضي بغببه وغبنه فما رد جوابه ولا اعتبر خطابه ثم طلب رفيقه واستعرض بضائعهما عليه ثم ساومهما الثمن فقالا يا ملك الزمن أن صلح هذا القماش فخذ مناك به بلاش فليكن ثمنه رضاك وهدية في مقابلة ملتقاك وتقدمة منا إليك بل خدمة لخادم أدخلنا عليك فأعجبه هذا الحوار وقال بل أنتم تجار إنما جئتم لتربحوا وتكسبوا علينا وتنجحوا وأنتم ضيوفنا فالأولى أن يشملكم معروفنا ولكن أنا أقول قولاً وأدفع إليكم نولاً فان رأيتم فيه فائدة وعاد عليكم منه عائدة قبلتموه وإلا فالرأي فيما رأيتموه ثم ذكر لهما مبلغاً أرضاهما وبلغ به منتهى مناهما بحيث ربح درهمهما ثلاثة وأربعة وتضاعفت لهما مع قرب الملك المنفعة فقالا رضينا بما رسمت وأنعمت وقسمت فقال لرفيقهما الأول أن رضيت بمثل ما رضى به صاحباك فتخول وإلا فخذ متاعك وتحول وشأنك وقماشك ونحن مع ذلك رياشك فقال رضيت بما رضيا به وتلطف في خطابه وجوابه فأمر في الحال وأحضر المال ووزن الثمن وزاد ومن وألبسهم الخلع وأفضل في المصطنع وأمر ببضائعهم فرفعت في خزائنه ووضعت ثم أمر خواص بطائنه أن يدخلوا خؤلاء التجار إلى خزائنه فلما دخلوا إليها ووقع نظرهم عليها رأوا من نفائس الأموال والذخائر وأصناف الأقمشة والحرائر وأنواع الجواهر الملوكية وأجناس الأمتعة الكسروية واعلاق ملوك الصين والسلاطين ما أبهت نواظرهم وأدهش أبصارهم وبصائرهم فنزهوا في محاسنها أبصارهم وأودعوا محاسن مخيلاتهم أفكارهم ثم أتوا بهم إليه وأدخلوهم عليه فقال ماذا رأيتم في الخزائن من نفائس البحار والمعادن فقالوا ما لا يصلح إلا في خزائنك ولا ينثر على فرق ملوك المشارق والمغارب إلا من مكامن معادنك فقال ما بايعناكم فارغبناكم ولا أكرمناكم إذ صحبناكم بناء على أنا عادومون ولا أنا بقيمة الأشياء وقدرها جاهلون وإنما فعلنا ذلك الإحسان وجبرنا منكم لنقصان العدة معان أحدها أنكم أضيافنا وقد شملكم كرمنا وأنصافنا ثانيها أن فضلنا الفضيل يقتضي إكرام النزيل ثالثها إنكم مسلمون والمسلمون عندنا مكرمون رابعها أردنااشتهار اسمنا وأن تذكر في الأقطار طريقة رسمنا خامسها أنه إذا سمع بمعاملتنا التجار يقصدون بلادنا من الأمصار وسائر الآفاق والأقطار فتعمر المسالك والدروب ويربح الطالب والمطلوب سادسها وهو أعلاها وأحسنها وأقواها أنكم أملتمونا وافدين وإنا لا نخيب رجاء القاصدين ثم سرحهم شاكرين ولما سمعوا ورأوا ذاكرين ثم اقتضت الآراء فأمر الأمراء وأكابر بلاده ورؤساء أجناده أن يجهز كل منهم إلى الجهات الغربية والولايات الإسلامية من جهته أحد المسلمين ببضائع من أمتعة الخطا والصين في صفة التجار ليتعاملوا في هذه الديار وتنفتح المسالك على السالك وننقل إليهم بضائع هذه الممالك وتكثر المعاملات وتنجد الممالك والولايات فامتثلوا مراسيمه وعدوها غنيمة ويجهز كل منهم جهته من وثق بأمانته واعتم على كفايته وأعطاه من النقود والأجناس ما يصير به من رؤساء الناس واجتمعوا قافلة وركبوا السابلة نحو أربعمائة وخمسين نفرا كلهم مسلمون كبرا وكتب لهم مراسيم وجائزات بإكرام نزلهم في الدروب والمجازات ومعاملتهم بالكرامات وأن تهيأ لهم ولدوابهم الإقامات ذهابا وإيابا حضورا وغيابا ثم أرسل معهم إلى السلطان قطب الدين محمد بن تكش علاء الدين بن أرسلان بن محمد بن انوشتكين وانوشتكين هذا هو أتابك الملوك السلجوقية والسلطان قطب الدين هو الفائق من تلك الذرية رسالة عاطرة تستميل خاطره وتسيل من سحائب كرمه مواطره وحسن الجوار ومراعاة جانب الجار وسلوك ما تنتظم به الأمور وتطمئن به الصدور ويحصل به الأمن للصادر والوارد والرفاهية للقائم والقاعد وتنعقد به أسباب المحبة من الطرفين وأطناب المودة بين الجانبين وفتح باب المراسلات وكشف حجاب المعاملات وإن كانت الأديان مختلفة فلتكن القلوب مؤتلفة وشمول نظر الصدقات السلطانية وعواطف مراحهما

الملوكية على القصاد الوافدين على أبواب مكارمها المستمطرين سحائب صدقاتها وديمها بحيث تسنى مطالبهم وتهني مآربهم أو كما قال وصدر منه السؤال هذا وما أخبار السلطان قطب الدين فإنه كان من أكبر الملوك والسلاطين تملك عراقي العرب والعجم وما في ممالك خراسان من أمم واستولى على غالب الممالك بالقهر وإلى أقصى ولايات ما وراء النهر وجعل جرجانبة خوارزم مأواه وتلقب لذلك خوارزمشاه ورفع ما بين ممالكه وبين ممالك جنكزخان من التتار المسمين بقراجفتاي وعباد الأوثان واسترقهم قهرا وقسرا واستصحبهم جبرا وكسرا واستولد من تلك الطائفة المعتدين ولده السلطان جلال الدين فبواسطة أنه صار له منهم ولد صاروا أقرب عساكره إليه وعليهم المعتمد فكانوا شعوبا وقبائل يخرج منهم سبعون ألف مقاتل ومنهم أيضا كانت أمه وأخواله وخيله ورجاله إلى أن خانوه وبذلوه وما صانوه واستدفع بهم طارق البلاء فكانوا (غريبة نادرة عجيبة) كان هؤلاء التتار متاخمين بلاد أنزار وهي حد ممالك السلطان وهي سد عظيم بين المسلمين وبين جنكزخان فغزاهم السلطان وأبادهم واستعبد كما ذكر أجنادهم فارتفع السد من البين وانهدم الفاصل بين الجانبين واتصلت المملكتان كالمحبين أعني مملكة السلطان ومملكة جنكزخان فسرت السرائر وابتهجت الضمائر ودقت في ممالك السلطان قطب الدين البشائر وزينت الولايات بأنواع الذخائر وكان في نيسابور من أكابر الصدور شخصان من العلماء فاجتمعا وأقاما العزاء فسئلا عن موجب هذا البكاء وإنما الناس في فتوح وهناء فقالا أنتم تعدون هذا السلم فتحا وتتصورون هذا الفساد صلحا وإنما هو مبدأ الخروج وتسليط العلوج وفتح سد يأجوج ومأجوج ونحن نقيم العزاء على الإسلام والمسلمين وما يحدث من هذا الفتح من الحيف على قواعد الدين وستعلمن نبأه بعد حين وأنشد فأرشدا:
وعلمت أن فراقكم لا بد أن ... يجري له دمعي دما وكذا جرى

وكان السلطان قد دانت له البلاد واستولى على أهل اليفاع والوهاد وأباد العجم وتفرد بسياسة تلك الأمم وتخت ملكه خوارزم وقد صمم العزم بحزم وحمل الناس على نزع الخلافة من آلعباس ووضعها في آل علي وقد توجه إلى العرق بهذا القصد الجلي فوصل إلى حدود العراق وهو مجد على هذا الاتفاق فوصل أولئك التجار إلى انزار من صوب جنكزخان وبها من جهة السلطان نائب يدعى قايرخان فلما وصلوا البلد أخبرهم النائب الرصد فحبسهم عنده في مكان وأرسل يستأمر فيهم السلطان وبشع العبارة وشنع السفارة وذكر أنهم جواسيس تستروا بالتجارة وإن معهم من الأموال ما يوازي الرمال ويوازن الجبال مصراع (وما آفة الأخبار إلا رواتها) فأمره بقتلهم وأخذ ما معهم وسلبهم ففي الحال أبادهم وسلبهم طارفهم وتلادهم وأرسل المال إلى السلطان وأوصله حسبما رسم به الديوان فطرحوه على تجار بخارى وسمرقند كما يطرح على مساكين دمشق القند واستخلصوا ثمنه بالظلم وزادوا عليهم فيه الغرم وكان سبب ذلك أن تاجرا عند قايرخان أراد أن لا يكون عند السلطان تاجر سواه فتبعه قايرخان لما أغواه فتعددت الأسباب وانفتح للشر أبواب وقالوا شر أهر ذا ناب فلم يفلت منهم سوى رجل واحد أنجاه الله من العدو والحاسد فاختفى واتصل إلى بلاده وأخبرهم بوقوع الأمر وفساده فغضب جنكزخان وتحرك منه باعث العدوان ثم تثبت في أمره وتلبث في فكره وأرسل إلى السلطان رسالة فيها تهديد وبسالة وكان السلطان خوارزمشاه لما أبدى هذا الخطأ وأنهاه طير مراسيمه إلى أطراف الممالك يأمرهم بالمحافظة على در بندات المسالك ويحرض ولاة الأمور وأصحاب الإدراك في المضايق والثغور والطلائع والإرصاد على منع القصاد وكف من يخرج من تركستان إلى صوب ممالك جنكزخان ثم أرسل من جهته جواسيس يختبر أحوال ذلك الإبليس وينظر أموره وأوضاعه ومقدار عسكره وأمرهم في الطاعة وما قصده أن يفعل ليستعد بحسب ما يعلم منه ويعمل فتوجهت جواسيس السلطان وطال في غيبتهم الزمان وقطعوا الجبال والقفار وسلكوا المفارز والأوعار حتى وصلوا إلى بلاده وفحصوا عن أمره واستعداده وخبروا أمر جنده وعتاده وأوضاع عسكره وتعداده فرجعوا بعد مديدة وأزمان وأخبروا بما حققوه السلطان وأن عدد عساكره يفوت الإحصاء ويخرج عن دائرة الاستقصاء وأنهم أطوع البرية للملك وأثبت جنانا من الأسد المنهمك وأصبر جندا على القتال كأن أمر الهزيمة عندهم محال وأنهم إذا واثبوا أو حاربوا أو سالبوا أو لاسبوا أو رابضوا أو ضاربوا خابطوا ثم خاطبوا بقوله:
ونحن أناس لا توسط بيننا ... الصدر دون العالمين أو القبر

وإنهم لا يحتاجون في الأسفار ولا عند مقاحمة الأخطار إلى كثير مؤنة ولا كبير معونة بل كل منهم ينهض باحتياجه واحتياج مركوبه إلى الجامه وأسراجه ويستبد بعمل سلاحه وجميع ما يستعين به سفرا وحضرا في صلحه وصلاحه ونطاحه وكفاحه وكذلك ملبوسه وزاده وسائر هبته وعتاده فندم خوارزمشاه على ما قدمت يداه من قتل أصحابه وفتح الثغر وبابه وأنى يجدي الندم وقد زلت القدم وتبدل الوجود بالعدم وغرق في بحر الهموم وهمى عليه غمام الغموم فشاور لما لقي الشهاب الخيوقي وهو فقيه فاضل ونبيه كامل عالم أجل كبير المحل له عند دمحل خطير لا يخالفه فيما يشير فإن رأيه سديد وقوله رشيد فقال له يا إمام قد تحرك على الإسلام عدو ألد الخصام بعساكر كالرمال ذوي صدمات كالجبال فما ترى فيما طرأ فقال عساكرك كثرة وأنت ذو قوة ووفرة وزفر أقدامك له زفرة فكاتب الأطراف وأجمع عساكر الأكناف وادع أهل بيضة الإسلام إلى هذا النفير فإنه عام فإذا وفدوا عليك وتمثلوا بين يديك توجه بهم إلى نهر سيحون واجعل ساحله من تلك الجنود مشحون واملأ بهم تلك المهامة والقفار وحصن ممالكك إلى حدود انزار فإن أقبل العدو المخذول لم يصل إلا وهو من الكلال محلول فإنه يأتي من بلاد بعيدة بجنود عديدة وقد أثر فيه الغضب وأخذ منه التعب والوصب فتلاقيه على سيحون وهم كالون ونحن مستريحون فجمع بعد ذلك أمراءه ووزراءه وزعماءه وعرض عليهم ما جاءهم وطلب منهم آرائهم فلم يرتضوا رأي الشهاب لأمر يريده مسبب الأسباب وقالوا بل نتركهمحتى يقطعوا الأوعار والمضايق ويتورطوا في بلادنا في بالعوايق فتزداد مشقتهم وتطول في المسير شقتهم لا سيما وهم بأرضنا جاهلون وعن مداخلها ومخارجها ذاهلون فإذا حصلوا في قبضتنا كان أمكن لنهضتنا فنضيق عليهم واسع رحابها وأهل مكة أخبر بشعابها وذهل أولئك الجمع عما رآه الفقهاء وهو أن الدفع أولى من الرفع وبينما هم في المشاورة والمراودة ورد قاصد جنكزخان برسالة المناكدة وفيها من التشنيع والتقريع والتهديد والتبشيع العجب العجاب وما يشيب الغراب فمن جملة تشنيعاته ومضمون تهويلاته ما معناه في فحواه كيف تجرأتم على اصحابي ورجالي وأخذتم تجارتي ومالي وهل ورد في دينكم أو جاز في اعتقادكم ويقينكم أن تريقوا دم الأبرياء أو تستحلوا أموال الأتقياء أو تعادوا من لا عاداكم وتكدروا عيش من صادقكم وصافاكم أتحركوا الفتن النائمة أو تنهضوا الشرور الجاثمة أو ما جاءكم عن نبيكم وسريركم وعليكم أن تمنعوا عن السفاهة غويكم وعن ظلم الضعيف قويكم أو ما أخبركم مخبروكم وبلغكم عنه مرشدوكم ونباكم محدثوكم اتركوا الترك ما تركوكم وكيف تؤذون الجار وتسيئون الجوار ونبيكم قد أوصى به مع أنكم ما ذقتم طعم شهده أوصابه ولا بلوتم شدائد أوصافه وأوصابه ألا وإن الفتنة نائمة فلا توقظوها وهذه وصايا إليكم فعوها واحفظوها وتلافوا هذا التلف واستدركوا ما سلف قبل أن ينهض داعي الانتقام ويتحرك من الفتن حامي الاضطرام ويقوم سوق الفتن ويظهر من الشر ما بطن ويموج بحر البلاء ويروج وينفتح عليكم شد يأجوج ومأجوج وسينصر الله المظلوم والانتقام من الظالم أمر معلوم ولا بد أن الخالق القديم والحاكم الحكيم يظهر أسرار ربوبيته وآثار عدله في بريته فإن به الحول والقوة ومنه النصرة مرجوة فلترون من جزاء أفعالكم العجب ولينساب عليكم يأجوج ومأجوج من كل حدب وكان اللعين جنكزخان قد مشى على تركستان وأخذ منها عنوة كشغرو بلاساغون وصار تافي حوز ذلك الملعون وكانتا في يد كوجلك خان ابن أونك خان المار ذكره في أول القصة لما قتله حنكزخان وقصة هرب ولده كوجلك خان المغبون واستقر في شاغروبلا ساغون إلى أن مشت العساكر عليه وأخذت تلك الأماكن من يديه فلما وصل هذا الخطاب إلى ذلك الأسد الوثاب أمر بمقدم القصاد ورئيس أولئك الوراد فضربت رقبته وبمن بقى فحلقت لحيته وسخمت بالسواد حليته ردا لجواب بأبشع خطاب ومن فحواه وبارد ما حواه إني سائر إليك وهاجم عليك بجنود الإسلام وأسود الآكام وكل بطل ضرغام ولو بلغت مطلع الشمس فحلك في قعر الرمس وجاعلك كذاهب أمس فتيقن ذلك واعلم إنك لا محالة هالك ورد قصاده على عقبهم وقصد التوجه في ذنبهم فتجهز وصار بعسكر جرار إلى صوب التتار وأوصل السير وسابق الطير وأراد أن يسبق الخبر ويكبس التتر ويريهم عين العلة قبل الأثر فألوى من العراق

وسار وساق فقطع ممالك خراسان وولايات ما وراء النهر وتركستان وهجم بذلك البحر الزخار في تلك المهامة والقفار فوصل إلى حشم في بيوت وهم آمنون في سكون وسكوت ليس فيهم غير نساء وصبيان ومواش وبعران رجالهم غائبة وأمورهم بواسطة الأمن سائبة وكانت رجالهم توجهت لأخذ الثار من بعض التتار بواسطة عدوان وقع بينهم وبين كوجلك خان فقاتلوهم وكسروهم ونهبوا أموالهم وهصروهم ففي غيبتهم وصل السلطان إلى بيوتهم وفي أمنهم وسكونهم وليس فيهم إلا الحريم والأطفال والمواشي والأثقال لا يؤبه إليهم ولا يعول عليهم فاستولى عليهم ونهبهم وسلبهم عيشهم وأمر العساكر فنهبوهم وأسروهم وفرقوهم وكسروهم وهم الجم الغفير والعدد الكثير والمال الغزير ورجع السلطان من فوره وابتدأ في حوره بعد كوره وتصور أنه أعنى وأنكى وأنه أضحك وليا وعدوا أبكى فما هو إلا وضع على القرح كيه وداس ذنبه الحية ثم رجع التتار ورأوا ما حل بأهلهم من بوار وإنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم ونكبوا في طريقهم وبلادهم وأن نساءهم أسرت وصفقتهم خسرت فما وفت نصرتهم بسكرتهم ولا قامت فرحتهم بحسرتهم التهبوا واضطربوا واصطلموا واصطدموا وأخذتهم الحمية وعصبتهم العصبية وتنادوا ياللغارات وطلبالثارات وتناجى منهم حماة الحقايق وكماة المضايق وتتبعوا في الحال آثار الرجال من غير إهمال ولا إمهال وسلكوا الآثار لأخذ الثار وأكبوا كالبرق الخاطف وزعقوا كالرعد القاصف واندفعوا كالريح العاصف واندفقوا كالسهم الناقف ودهموا كالليل المدرك وهجموا كالسيل المهلك فأدركوا عساكره بشرور ثائرة ومراجل صدور بالضغائن فائرة فلم يشعروا إلا العدو المضرم غشيهم كالقضاء المبرم فألوت عساكره وقابلت واستعدت وقاتلت والتفت الرجال بالرجال وضاقت ميادين المجال واستمرت ضروب الحرب بينهم سجال وتطاولت سهام الموت لقصر الآجال وتهللت ثنايا المنايا لبكاء السيوف وتبسمت ثغور الرزايا لفتوح الحتوف واستمرت ديم السهام من غمام القتام على رياض الصدور تهمي ولوامع بروق السيوف على قمم تلك الصفوف بعد الوابل الوسمي بالصواعق ترمي ثم انتقلوا من معاشقة المراشقة إلى مراشقة المعانقة ومن مكالمة المضاربة إلى ملاكمة الملاببة ومن مخادعة المقارعة إلى مسارعة المصارعة وامتدت بهم الحال في هذا القتال والجدال ثلاثة أيام مع الليال لا يسأمون الطعن والضرب ولا يملون مباشرة الحراب والحرب إلى أن جرى من الدماء طوفان وكاد يظهر سر كل من عليها فإن كل ذلك وكاتب البيض والسمر يستوفي من أقلام الخط في صحائف الصفائح مستوردات العمر ولم يسمع بمثل هذا القتال ولا بنظير هذا الضراب والنضال في سالف الأزمنة والأعصر الخوال وما أمكن تولي إحدى الطائفتين ولا نكوص جهة من الجهتين أما طائفة المسلمين فلحمية الدين ولو ولوا الأدبار لما أبقت التتار لبعد الديار وصعوبة القفار منهم نافخ نار وأما الكفار فللغيرة على ذوات الأستار واستخلاص الأطفال والصغار من قيد الذل ورق الاسار فصارت الخضراء غبراء والغبراء حمراء والصحرا بحرا والقتلى تلا والجرحى ترحى ولم يثبطهم عن استيفاء القتال غير انحلال الأعضاء والكلال فانفصلوا وما انفصلوا وانقطعوا بعد ما اتصلوا وحلوا بعد ما كلوا وتراجع كل عن صاحبه بعد ذوبان قلبه وقالبه واستفراغ جهده بما وصلت إليه غاية كده ثم استوفى ناظر القضاء ما أورده عامل الفناء من سهم المنون إلى ديوان برزخ إلى يوم يبعثون من أرواح الشهداء الأبرار وأنفس الأشقياء الكفار الوار من تلك المعركة الساكن من حركات هاتيك التهلكة فكان من المسلمين عشرون ألفا ومن الكفار كذا وكذا ضعفا غير أنه لم يمكن حصرهم ولم يعرف قدرهم فلما كانت الليلة الرابعة وهي الليلة الفارقة القاطعة أوقد كل من الفريقين في منزله النار وأكثر من القبائل في المنازل والآثار وتركها وسار فوصل السلطان من بلاد تركستان وقطع سيحون نهر خجند ووصل إلى بخارى وسمرقند وشرع في تحصين البلاد والقلاع والاحتفاظ بمدن الممالك عن الضياع وقد سكن الهم فؤاده ونهب القلق والأرق رقاده وعلم المسلمون أنه خان وأنه لا طاقة لهم بالتتار فخافوا حلول البوار ونزول الدمار وتيقنوا خراب الديار لأن السلطان عاجز ولا بد من قدوم بلاء ناجز وقالوا إذا كان هذا الخور من شرذمة قليلة من التتر في طرف من أطراف بلاده لا فيهم أحد معتبر من أجناده ولا

رئيس يشار إليه من أولاده ولا درى ولا أعلم بما جرى فكيف إذا دهم بطامته الكبرى وأحشاد جيوشه العظمى فترك خوارزمشاه ببخارى عشرين ألف مقاتل وفي سمرقند خمسين ألف مناضل وقرر معهم أنه سيجمع الجنود ويستجيش أبطال المسلمين ويعود وتوجه بثبات عزم وإضاعة حزم إلى سرير ملكه خوارزم ثم انتقل إلى خراسان وخيم بضواحي بلح في مكان وأقام رخى البال كأن الشيء ما كان ثم لا زال يضمحل ويذوب ويحل به ما يحله من نوائب الخطوب حتى انتقل إلى جوار الرحمن في أطراف طبرستان في سنة سبع عشرة وستمائة وكانت ولايته في العشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان ملكا عظيما وسلطانا جسيما ذا صولة فاهرة ودولة باهرة وجولة أرقدت الملوك بالساهرة فاضلا فقيها عالما نبيها اضمحل بأدنى حركةملكه وغرق في بحر الفناء بعد الطغيان فلكه وركن إلى الخطا فوقع فيه وخانته عساكره ومخالوه ودود الخل منه وفيه كان في خزنته عشرة آلاف دينار من أجناس الأقمشة والأمتعة والأسلحة ما لا يحصيه إلا الواحد القهار وكان فيها ألف حمل من القماش الأطلس وأضعاف ذلك من نفيس النفائس وأنفس ومن الخيل المسومة عشرون ألف جنيب ومن المماليك الملوك عشرة آلاف كل له في دار الملك ربع خصيب وأوفر حظ ونصيب فما أفاد ذلك ذره بل نبشوا بعد موته قبره وقطعوا رأسه وفجعوا به ناسه فسبحان من لا يزول سلطانه وعز وعلا من لا يذل شأنه:
فما كف ذو كف له رائد الردى ... ولا مال بالأموال عنه حمامه
ولا ملك كلا ولا ملك حمي ... حمى ملكه لما عراه انهدامه
وبسط المقول فيه شرح بطول (وأما) أمر الطاغية صاحب الفئة الباغية جنكزخان لما وصل قصاده من عند السلطان بعد الفناء والشدة لحاهم محلوقة ووجوههم مسودة وقد قتل رئيسهم وخلا من نقد مرادهم كيسهم ذهب حفاظه والتهب شواظه وطمت بحار كفره وتلاطمت وتزعزت أطواد شركه وتصادمت وبينما هو يرغى ويزبد ويقوم من غضبه ويقعد إذ جاءه الخبر الثالث وهو شر الحوادث إذ فيه خبر من قتل من الكفار وانتقل من دار الخسار إلى دار البوار جهنم يصولنها وبئس القرار فأعمل في قلبه نصله وكان أولا قد زاد على قرحه قرح مثله ثم كان هذا القرح ملحا مذرورا على جرح فقامت قيامته وتعوجت بالحزن قامته وود لو أحرق الكون بأنفاسه وهدم أساس المكان بفأس بأسه ثم تروى وافتكر وتهوى من حر هذا الشرر ثم قصد مذهب الاعتزال وانزوى عن جماعته في مكان خال ودخل إلى مكان خراب وعفر وجهه في التراب وتضرع إلى الله الحليم وقال يا خالق يا قديم أنا أردت أن أعمر بلادك وأنعش عبادك فظلمهم يا الله عبدك خوارزمشاه وتعدى علي وكرر الإساءة إلي فانتصر لي منه وانتقم فإنك جبر من كسر وعون من ظلم واستمر على هذه الحال ثلاثة أيام وليال لا يأكل و يشرب ولا يفتر عن التضرع والطلب يمرغ رأسه ووجهه في الثرى ويقصد فيما يرومه رب الورى وقد قيل:

تضرع جنكزخان لله ساعة ... وأخلص فيما رامه وهو مشرك
فما خاب فيما رامه من فساده ... وما زال يعثو في الأنام ويسفك
فما بال من لله طول حياته ... يوحد بالإخلاص هل هو يهلك
ثم نهض نهضة أنام فيها الأنام وقام قومة أقام بها ساعات القيام فتوجه من مشركي التتار وعساكر الكفار بالبحار الطامية والأمطار الهامية وجبال النيران الحامية في شهور سنة خمس عشرة وستمية ومشوا على ممالك الإسلام وساروا على بسك العالم سير الغمام وأرادوا طفاء نور الإيمان من أشراكهم بظلام فوصلوا إلى البلاد وهي جنة المرتاد آمنة مطمئنة ساكنة مستكنة وليس لها مانع ولا ممانع ولا لهم عنها دافع ولا مدافع ولا بها حام ولا محام ولا سام ولا مسام فاخنوا على جند وقراها وولايتها وما ولاها رابع صفر عام ستة عشر وأظهر فيها علامات الحشر فأدهشوا وهلها وسبكوا أهلها ودكوا جبلها وأحاظ بها ثبوره وويله واستمروا في نهبها ست عشرة ليلة ثم تنقلوا عن جند إلى ولايات اند كان وفناكث وخجند فأخذوها وقتلوا وفعلوا كما كانوا فعلوا ثم إلى بلدة مرغينان وكانت دار ملك ايلك خان ثم إلى أطراف تركستان ومنها سيرام وتاش كبدو باقي البلدان ثم إلى تسف وأنزار وسغناق ومامن أمهات البلاد في تلك الآفاقفمشوا على سهل البلاد ووعرها مشي الجراد على القصير الأخضر
فكأنهم موسى على شعر مشت ... أو منجل فوق الحصيد الأصفر
أو شعلة ثار الهوا فتعلقت ... فوق الصعيد على الهشيم الأغبر

فكل من أطاعهم وقصد اتباعهم صار من جلدتهم ودخل في عدتهم ومن عصى أو توقف أو خالف أو تخلف سقوه كأس الدمار وأحلوه وقومه دار البوار وأسروا حريمه وأولاده ونهبوا طارفه وتلاده ثم أن تلك الدواهي المصمية يوم الثلاثاء رابع المحرم سنة سبع عشرة وستمية وصلوا إلى بخارى بلدة فضلها لا يجارى قبة الإيمان وكرسي ملوك بني سامان مجمع العلماء والزهاد ومنبع المحققين من الفقهاء الأمجاد والمدققين من النبهاء والأنجاد وفيها من الأكابر والأشراف وأوساط الأمائل والأطراف الجم الغفير والطم الكثير فلما رأى العساكر السلطانية والجيوش الخوارزمشاهية الذي كان أرصدهم السلطان لحفظ البلدة من طوارق الحدثان وهم عشرون ألفا أن البلاء زحف إليهم زحفا وأن كسرتهم منهم لا تخفى وأن سيل الويل حطم وموج بحر الدواهي التطم ومن لم يدرك من الغرق نفسه ارتطم شمروا الذيل وخرجوا تحت الليل وقصدوا جيجان والعبور إلى خراسان ومقدمهم من أمراء السلطان كورخان وسونج خان وحميد النوري وكوحلي خان فبينما هم على نهر جيحون قاصدين العبور صادفتهم طلائع جنكزخان الكفور فوضعوا السلاح فيهم ومحوهم عن بكرة أبيهم فما أبقوا منهم عينا ولا أثرا ولا سمع لهم أحد خبرا فوهي أمر البلد إذ لم يبق لهم مدد فطلبوا الأمان وأرسلوا لذلك القاضي بدر الدين بن قاضي خان فأجابهم إلى ذلك وأناب فاطمأ نواو فتحوا الأبواب فدخلوا المدينة يرفلون وهم من كل حدب ينسلون فعصى بقية العسكر في القلعة وتصوروا أن يكون لهم منه منعة ففي الحال أمر الرجال بطم الخندق بكل ما وجدوا جل أو دق فأتوا بنفائس الأقمشة والذخائر المدهشة والكتب والربعات والمصاحف الشريفة والختمات وطرحوها في الخندق ومشى العسكر عليها وتسلق ونقبوا النقوب وأنفذوا الثقوب وكان قد نادى بالأمان للقاضي والدان فعجزت القعلة وذهب ما بها من منعة وكان فيها فئة نحو من أربعمائة فباشروا عن آخرهم واستولوا على باطنهم وظاهرهم ثم مدوا أيديهم إلى المخدرات وفجروا ظاهرا بالمسترات وجعل الناس ينظرون ويبكون وهم يفتكون وينكون لا يستطيعون دفعا ولا يملكون ضرا ولا نفعا فاجتمع من أئمة الدين ومن أعلام العلماء المهتدين ومن لم يرض بعمل المفسدين جماعة غاروا وثاروا وفاروا وانضموا إلى العلامة القاضي صدر الدين قاضي خان وأولاده السادة القادة الأعيان والحاكم الشهيد الإمام العالم السعيد والإمام ركن الدين إمام زاده واختاروا الموت على الشهادة فحملوا على الفئة الطاغية والطائفة الكافرة وقاتلوا حتى قتلوا وإلى جوار الله مقبلين انتقلوا فاستشهدوا عن آخرهم ولحق أصاغرهم بأكابرهم ودخل جنكزخان إلى المدينة وطاف بها على هينة وسكينة حتى انتهى إلى باب الجامع مكان نزه موضع رائع ومحل شريف ومعبد واسع ولم يكن لذلك البلد الكبير والجم الغفير والجمع الكثير والمصر الواسع من الجوامع سوى جامع واحد يجمع الصادر والوارد ويسع ما شاء الله من الأمم وهذا على مذهب الإمام الأعظم وهكذا كل أمصار الحنفية في الممالك الشرقية والممالك الهندية وغالب البلاد التركية فقال جنكزخان هذا بيت السلطان فقالوا بيت الرحمن ومأوى للعباد والعلماء والزهاد وذوي الطاعة والاجتهاد فقال إن أولى ما أقمنا أفراحنا في بيت من خلق أرواحنا ورزق أشباحنا ثم ألوى إليه وأقبل عليه ونزل عن دابته ودخل الجامع مع جماعته ثم دعا بأمرائه وكبراء جنوده وزعمائه واستدعىالخمور والطبول والزمور وهش إلى الكفار وعظمهم وبش فرحاً واحترمهم فسجدوا له مئهم الملوك وضربوا له الجنوك وعرفوا حقه ورعوا ورفعوا بالثناء صوتهم ودعوا فأذن لهم بالجلوس وأن تدار عليهم الكؤس فجلس كل في مكانه بين إضرابه وإخوانه وقام بعض في مقامه في موقف حده واحتشامه فتصدر في مجالس العلم والأذكار ومحاريب الصلاة والكفرة الفجارة ورؤس المشركين من المغل والتتار واستبدلت محافل العلم والتدريس بجحافل الشرك والتنجيس ثم احضروا العلماء والأشراف والكبراء وسادات الأنام ورؤساء الخواص والعوام وأنزلوا بهم الثبور والويل واحتفظوا بهم واستحفظوهم الخيل وصارت الناس حيارى سكارى وما هم بسكارى وأخذتهم بهته إذ أتاهم العذاب بغتة ولم يكن بين رحيل ةالسلطان وبين هجوم هذا الطوفان غير خمسة أشهر وأيام ساروا فيها سير الغمام وهجموا على العالم هجوم الظلام وكأن الناس كانوا نياماً ورأوا في

منامهم أحلاماً فلم يوقظهم من هذا الرقاد سوى ابراق البلايا بالإرعاد فانسد عليهم طريق الخلاص وخانهم المدد في شدة الأقتنص وتنادوا ولات حين مناص إذ فارقهم العسكر وهم في حال المضطر وكان من جملة أولئك الأعيان شخص ولي يدعى السيد الشريف جلال الدين علي بن حسن الزيدي وهو المقدم والمقتدي والمسلك إلى طريق الهدى وأعلى سادات ما وراء النهر ولدوحة ساداتهم بمنزلة الثمر والزهر قد قبض عليه ربطوا إلى عنقه يديه ثم استنظروه مراكبهموأنشبوا فيه مخاليبهم وهو واقف بباب الجامع في هيئة الذليل الخاضع فرأى الأمام الهمام البحر الطام علم العلماء الأعلام أفضل علماء عصره وأنبل فقهاء دهره الشيخ ركن الدين ابن الإمام بوأهما الله تعالى دار السلام وهو في مصل حاله متسربل بسربال نكاله فقال أيها الإمام المفضال ما هذه الأحوال ثم أنشد معنى هذا المقال:
أرى حالة بذت لساني فليس لي ... طريق إلى أني أفوه بلفظة
أعض لها كفي وأمعك مقلتي ... أفي النوم هذا أم أراه بيقظة

فأجاب الإمام ما هذا محل الكلام كن عبد الإرادة واتبع ما أراده واستمروا يشربون الخمور على أصوات الزمور ويضربون الطبول ويتراقصون رقص التتار والمغول ثم صعد المنبر ابن جنكيز خان الأكبر واسمه توشي خان وتكلم بكفر وكفران ثم غنى ورقص ودعا لأبيه ونكص ثم صعد بعده أبوه وتكلم بكلام سمعوه ودعا بالخمور ثم غنى وشرب ثم غنى وطرب ثم قال أيها الرجال أن خيلنا هي رأس المال وقد رعيتم الوهد والبقاع وحلفتم شعور الكلا من قمم البقاع وقد شبعتم فلا تنسوا الجياع ألا فاشبعوا خيلكم ولا تحرموها نيلكم رعيتم الخضيم فابغوا لها القضيم وامتثلوا أمر سلطانكم تحظوا منه بامانكم فنهضوا قياماً وامتثلوا مرسومه مراماً وتهارجوا كالحمير وابتدروا واطلب القمح والشعير ثم طغى وتكبر وبغى وتجبر ونزل عن المنبر فلم يكن بأسرع من اتيانهم بالحبوب والقضيم المطلوب وأدخلوا الخيل إلى الجامع وطلبوا لها مرابط ومواضع ثم أفرغوا الخزائن المصاحف والختمات وظروف الكتب وأوعية الربعات وصبوا فيها الشعير وأطعموا فيها الخيل والبغال والحمير فتبددت الكتب المنيفة والمصاحف الشريفة والربعات المعظمة والختمات المكرمة تحت السنابك والحوافر ومواطئ أقدام كل كافر وصارت أبحر القاذورات والخمور على تلك النفائس والذخائر تمور ثم أنه خرج من البلد وأمر أن لا يترك في البلد أحد بل يخرجون إلى المصلى وولى حفظهم من كفر وتولى ومن تأخر قتلوه وبتكوه وبتلوه فخرجوا كالجراد وانتشروا على الوهاد واجتمعوا في المصلى ثم على المنبر تعلى وخطب خطبة تركيه كافرية مشركية منها أنكم ركبتم عظائم وأتيتم ما ثم وجرائم فتقدم ربكم إليكم أن سلطني عليكم وهذه الأوزار إنما جناها منكم الكبار فلأجل هذا عم البلاء وذهب بجريمة الكبراءالأصاغر والضعفاء ثم ضبط أسماء التجار واستخلص ما عندهم من درهم ودينار وقال هذا ثمن مالي من نقد وأعيان الذي كان منحكموه السلطان فلما استخلص الأموال أمر بقتل الرجال وأسر النساء والأطفال والنهب العام لسائر الأغنام ومن أخذ فهو له لا يقطع أحد سبله ثم أمر بهدم البلد والإحراق وإعدام عينها على الإطلاق فمهما قال فعلوه وكل ما رسم به امتثلوه فساووا بالبلد الأرض واستوفوا أعمار أهلها بالفرض والقرض فلم يبق منهم ديار ولم ينج من تلك النار العظيمة نافخ نار وقيل انه نجا من هذه الواقعة رجل ياقعة فوصل إلى خراسان فسألوه عن هذا الشان كيف كان فقال لهم بذلك اللسان ما صورته:
آمدند وكندند وسوختند ... وكشتند وبردند ورفتند

يعني هجموا وهدموا وأحرقوا وأرهقوا ونهبوا فقيل لم يوجد في الفارسي في هذا المعنى أحسن من هذه الألفاظ ولا أرصن ولا أوجز ولا أمتن ثم أمر الجند بالتوجه إلى سمر قند فتوجهوا بالأثقال من الأموال والأسرى من النساء والأطفال مشاة حفاه أذلاء عراة فلم يتوقف كل أعتمي أعقف وكافر أغلف في ضرب رقبة من أعيا أتوقف فوصلوا إليها واخنوا عليها وفيها من العساكر الأكفا مائة ألف وعشرون ألفاً سبعون من أهل البلد وخمسون من المرصدين للمدد فتجهز عسكر للفا وخرجوا من البلد للملتقى فكمن لهم التتار من اليمن واليسار في رواب وتلال تسمى بالأحصار فناوشهم من عساكر الكفار شر ذمه ثم ولت أمامهم منهزمة فركب البلديون أعقابهم وداسوا أذنابهم إلى أن ابعدوا عن البلد وانقطع عن البلديين المدد هرج الكمين من خلفهم لقطع رجل مددهم وكفهم ورجع عليهم الفارون وأحاط بهم الغرون ونلاحق بعم عساكر لا لأول لهم ولا آخر فلم يفلت منهم واحد ولا صدر عن حياض تلك الملحمة وارد فلما شاهد العساكر الخوار زمشاهيه ما نزل بالجنود البلدية من داهية ورزية لم يسعهم إلا الترامي عليهم والأنحياز إليهم فدار واوداروا واللبيب من داري فوقوا بذلك أنفسهم وأهليهم ناراً فلم يركنوا إليهم ولا اعتمدوا عليهم فرأوا مصلحتهم في سلبهم أسلحتهم فطلبوا منهم عدتهم ثم فرقوا عدتهم كما فعل تيمور الغدار في بلاد الروم بالتتار عند كسر ذلك الخوان في سنة خمس وثمانمائة بايزيد بن عثمان فلم يبق لأهل البلد معين ولا مدد فاستسلموا اللقضا وجروا طوعاً وكرهاً في ميادين الرضا فاحل بهم بوار وأنزل دماراً ففعل بسمر قند وأهلها ما فعل ببخاري ودور أسوارها بدلالة آثارها من الفراسخ اثنا عشر لا يمتري في ذلك اثنان من البشر فقس ما في ذلك من الخلائق والأمم فالكل براهم سيف القلم كما يبرى السيف القلم ثم قوى العزم وسدد الحزم وجهز طائفة من العساكر إلى خوارزم مع ولديه أحدهما المدعو بجفتاي والآخر المسمى باكتاي وهي تخت خوارزمشاه وفيها من الأمم ولا يعلمه إلا الله معدن الأفاضل ومقطن الأمائل محط رحال أهل التحقيق ومقصد رجال الفحول ذوي التدقيق ولوفور ما بها من الرؤس لم ينفرد برياستها رئيس لكثرة ما بها من الناس لم يتعين اسياستهم رأس فاتفق أكابرها لضبط أمور المسلمين على تقديم شخص يدعى حمار نكين فبعد حروب يطول شرحها ويهول برحها ويجب قرحها ويستحب طرحها أخذوها عنوه بعد ما قاسوا جفوه فاستصفوا أرباب الحرف ومن تعلق من صنعة بطرف فكانوا نحواً من مائة ألف بيت أو يزيدون أن عددتهم وعديت ثم ميزوا النساء والأطفال وكانوا كعدد الحصى والرمال فقرقوهم على ذلك العسكر الثقيل فكفى الحقير منهم والجليل ثم فصلوا بالحسام المفصال مدارع ذوات ما بقي من الرجال ثم أراد واحصر من قتل وإقامة عدد من بتك وبتل فكان حصة كل فناك قتال على أن عددهم أكثر من القطر والرمال أربعة وعشرين مقتولاً ثم فعلوا بالبلدكعادتهم الأولى فهدموا أسوارها ومحوا آثارها وأجروا من بحر الدماء أنهارها فانمحى العلم والعلماء واندحى الفضل والفضلاء واستشهد الرؤساء والكبراء وناهيك بالقطب الولى الشيخ نجم الدين العكبري وتوجه جنكيز خان من سمر قند قاصداً السلطان ومر من أطوار عسكرة بكل أحشب حتى أناخ ترمذ وتخشب فامتنعتا عليه ولمناعتهما لم تلتفتا إليه وكانتا كثيرتي العدد والعدد غزيرتي المدد من مددوهما من أمهات البلاد مملوأتان من آلات الجهاد ومقاتلة الأجناد فاهلك ناسهما وسقاهما من خمر التشريد كأسهما فلم يبق لهما فيأ ولم تغن العدد والعدد عنهما من الله شيأ (ومن) غريب ما وقع من البدع أنه أمر بأهل ترمذان يقتلوا عن آخرهم مع أهلهم وعشائرهم ولا يبقى فيها على أحد وأرصد على ذلك لرصد فاتفق أن امرأة من المخدرات تخجل الشموس النيرات قبضوا وتقدموا بإراقة دمها إليها فتشفعت فما أفاد وتضرعت فما زاد إلا العناد فلما أسلمت رتلوها اللجين وعلمت أنه جاءها الحق المبين قالت لأولئك الكفار لا تقتلوني يا حضار وأنا أفتدي نفسي منكم بعقود من اللؤلؤ كبار فانهوا القضية إليه وعرضوا ما قالته عليه فقال اتركوها ثم بما قالت طالبوها لننظر أصدقت أم اختلقت فاطلقوها ويتقاض ى اللؤلؤ أقلقوها فقالت لم أفه بزور ولا دليتكم بغرور وإنما اللؤلؤ كان عندي وحين استخلصتم مالي كان في يدي فخفت منكم فابتعلته

وتباً لفعل صنعته فامهلوني حتى أتبرز ويخرج مني ذلك المحرز فانهوا كلامها إليه وعرضوا أمرها عليه فقال ابقروا بطنها وانظروا قطعها فان وجدتم شيأ فهو لكم وإن كانت كاذبة فقد استحقت فعلكم فشقوا بطنها البطين واستخرجوا منه الدر الثمين فلما رأوا صدقها وحققوا نطقها أمرهم بشق بطون جميع القتلى وتفتيش ما طرحوه من جبال الاشلا فلم تنج رؤوس الروس من المثلة بعد القتل ولا بطون الصدور من ظهور التنكيل أثر البتل ثم أمر بهدم الحصون بعد ابتذال المال والعرض المصون فمحيت الديار ولم يبق فيها ديار ثم عبر من جيحون إلى خراسان وجعل نصب عينيه ممالك السلطان وتوجه إلى بلخ وهي إحدى معاقل الإسلام وفيها من أمم الأنام ما لا يدرك ضبطه سابق الأقلام بل يخرج عن حصر الأوهام ولا يحصيه إلا الملك العلام وكان السلطان قد انشمر عنها كما ذكر إلى نواحي طبرستان فوصل بتلك البحار الطامية في ثمان عشرة وستمية فخرج إليه الأعيان وطلبوا منه الأمان فأجاب سؤالهم بما يصلح حالهم ثم اختشى من السلطان جلال الدين بن المرحوم قطب الدين فلم يركن إليهم ولا عول عليهم فأمر بإراقة الدماء وهدم البناء وإحاطتهم بدائرة الفناء فأفنوهم عن آخرهم وساووا بالحضيض بقاع عمائرهم ثم أرسل ولده تولي خان إلى محاصرة طالقان فعصت عليه ولم تسلم قيادها إليه فاستمرت في الحصار مدة وأذاقها لباس البأس والشدة إلى أن أخذوها وأبادوا خلقها ودكوها ثم أن جنكزخان الكافر الخوان معدن الكفر والطغيان لما استوبل هواء خراسان فألوى إلى بلاده وترك تولي خان من أولاده وولاه خراسان وهو محاصر طالقان وأقام في ممالك إيران من كفار أمرائه أميران أحدهما يدعى سنتاي وهو من قبيلة الجفتاي والآخر يدعى يما وهو من الكفار اللؤما وترك معهما من الكفار الأراذل والتتار الأسافل ثلاثين ألف مقاتل فوصل إلى رواة ووضعا السيف في الأئمة الهداة وابتدآ في القتل والنهب والفتك والسلب والقهر والأسر والقسر والكسر ثم أخذا في الإتلاف طريق الائتلاف وذهب كل منهما للاختلاف في الفساد على مخلاف فصالا وجالا وأوسعا في الدمار والبوار وخاضا في دماء المسلمين واجتهدا في إهلاك الإسلام والدين وخلا لهما الجو فباضا وصفرا وكان السلطان قطب الدين قد أخلى الدنيا منالملوك والكبرا فلم يلبث لهما فضلا عن مخاتل أو مقاتل فأهلكا الدين وأبادا وتصرفا في نصرة الشرك على الإسلام كيفما أرادا فاستخلصا جوين وطوس وأعدما ما بهما من نفائس ونفوس وحام وخيوشان واسفراين وآمل وقومس وتلك البلدان فمحوا من كتب كتائبها أسطارها وأطفئوا منارها وأظهروا من صفة الجلال والقهر آثارها وأجروا من الفتن كالدماء بحارها وأضرموا من الشرور نارها كل ذلك قتلا ونهبا وسبيا وسلبا وهدما وإحراقا وصدما وردما وإغراقا ثم بلغهم أن حريم السلطان جلال الدين في قلاع آمل أمنين فقصدوها وحاصروها ورصدوها فقل ناصروها فاستولوا عليها ووصلوا كما أرادوا إليها فبقروا وفتكوا وبروا وبتكوا وسبوا وسبكوا وسفوا وسفكوا وكووا وشووا وغووا ولووا وعووا وما ارعووا ثم إنهم صادفوا العكس الزمان وانقلاب الدهر على السلطان وسوء التدبير وشؤم الحظ المبير وهم في بعض المسير من غير مخبر ولا معلم في سدفة ليل مظلم حريم السلطان خوارزمشاه لأمور قدرها الله مع والدته وجواريه وبناته وسراريه وكان لشدة ما نابهم من الزمان قد ضاق عليهم وتغير بل تنكر لهم الكون وقل عنهم النصير وقل العون وخافوا الابتذال بعد الصون فتركوا ما هم فيه من مكان وقصدوا البعد عن خراسان فتوجهوا إلى أطراف أصفهان ومعهم من نفائس الأموال والجواهر وأنواع المفاخر والذخائر ومصونات الخزائن ومكنونات المعادن ما لا يعلمه إلا مانحه ومن الكنوز ما ينوء بالعصبة مفاتحه وما لم يجتمع لسلطان قط ولا ضبطها قلم ديوان ولا حظ فتباغتوا مواجهة وتواجهوا مباغتة وتباهتوا مشافهة وتشافهوا مباهتة فوقعن في شبكة الصيد وأحاطت بهن دائرة الكيد وتورطن فيما فررن منه وتربطن بأوهاق ما نفرن منه وناداهن لسان الحظ وهاتف الطالع الفظ:

وإذا أراد الله إنفاذ القضا ... وظهور قهر للبصائر باتلا
جعل الدواء لذاك ممرضا ... وفوائد الترياق سما قاتلا
والكون خصما والمكان منقضا ... والعيش موتا والصديق مقاتلا

فلم يشعرن إلا وقد وقعن من نيران الفتن في تنور وتورطن من بحار المحن في دردور وتبسمت إلى بكائهن ثنايا البلايا وتكالمت على جباه مصابهن عقود الرزايا فظفرت حامية الكفر بذلك المغنم البارد ولم يصدر من حلقة صيده شارد ولا وارد فحازوا تلكالمسرات ونزل إلى حضيض قنصهم من سماء المنافسة الشموس النيرات فهتكوا أستارهن وخبروا ديارهن وضبطوا شعارهن ودثارهن وأحرزوا ما معهن من كنوز المعادن ونفائس المكامن وذخائر الخزائن ثم أضافوهن إلى زبانية غلاظ واحتفظوا بهن أشد احتفاظ وساقوهن إلى بلاد التتار مهتكات الأستار عاريات حافيات حاسرات مشايات وأمورهن أن يجتمعن كل ليلة عندما ينشر الظلام ذيله في كل منزله وصباح كل مرحلة ويقمن على أنفسهن العزا وينحن بما تقدم ويبكين بما جرى ويعددن على خوارزمشاه ويذكرن ما قدره الله عليه وقضاه وينعين ما كن فيه من النعم وما صرن إليه من الهوان والنقم وليدمن على هذه الطريقة حتى يقطعن من سفرهن طريقة ويصلن بجنكزخان على ذلك الامتهان والذل والهوان فيرى فيهن رأيه من نكال ونكاية ورحمة وعناية فامتثلن ما أمروهن به فكن ينبهن النيام ويبكين المتنبه واستمررن على هذه الحال في الخزي والإذلال والمشقة والابتذال بعد ذلك الصون والدلال يصدعن بنحيبهن الجبال ويتفطرن بالنظر إليهن أكباد الصخور والتلال ثم إن تولي لما أخذ طالقان وأهلك أهلها بسيف الطغيان ولم يدع فيها من يتنفس وهدم إلى الأرض بنيانها المؤسس توجه إلى جانب من بلاد العجم وأهلك ما شاء الله تعالىمن خلائق وأمم فصار في أحد الجوانب يعبث وكل من سنتاي الخبيث ويما الكافر العثيث في جانب يبيد المسلمين ولا مغيث فدكوا قزوين وهمذان وصكوا اران وتيلقان وأغاروا على ممالك أذربيجان وبلغهم أن السلطان جلال الدين له في سجاس جماعة مجتمعين مقدمهم السلاحدار بكتكين وفيهم من الأعيان كوحبوغاخان فتوجه إليهم يما فبدد شمل أولئك الزعما وأبادهم وفرقهم وشتتهم ومزقهم ثم غاروا على غالب عراق العجم فأوسقوا القفار بالضرم وأوسعوا البحار بأمطار الدم وملئوا الوجود بالعدم ثم قصدوا أردبيل وجعلوا أهلها ما بين اسير وقتيل وكانوا في أول المرور قد صالحوا أهل نيسابور وانتقلوا إلى مرو منها وراودوا أهلها عنها فأغلقوا أبوابهم وأقلقوا جوابهم فحطموا عليها ودخلوا إليها وحكموا في أهلها السيوف وكان شهر الصيام ففطر وهم على كاسات الحتوف ونقل إلى جوار الله تعالى منهم المئين والألوف فضبطوا من أمكن ضبطهم من القتلى واستسعد بنيل الشهادة من الشهدا فكان ألف ألف نسمة وثلثمائة ألف وثلاثين ألفا مكرمة وكل هذه الفتنة والفترة في سنة ثمان عشرة عامت في الدنيا عوما وكانت مدة نحو تسعين يوما ثم توجهوا إلى شروان وأفاضوا من دماء البحار الطوفان ودخلوا من الباب الحديد واتصلوا من الدست بذلك الشيطان المريد فتيقظ الناس من الفكرة وأفاقوا مما كانوا فيه من السكرة وتصوروا أنها سحابة صيف انقضت أو نسمة أزمنة هبت بارقة أو مضت ولكن احتاطوا واستعدوا وتحفظوا واستمدوا وحصنوا الحصون والمعاقل وجمعوا الجنود الجحافل فلم يكن بأسرع من إيابهم وتعاطي ما كانوا عليه من دأبهم والشروع في أعمال حرابهم بخراجهم وأخذهم في ضروب ضربهم وضرابهم واستقر تولي في ممالك العجم وهو أبو هلاكو الكافر الأغتم فوصلوا إلى شيراز وقد استعدت للحصار واستمدت للمناوشة والنقار فأخذوها عنوة وزحفاً وقتلوا منها مما أمكن ضبطه سبعين ألفاً ثم توجهوا إلى طوس فأزهقوا ما بها من نفوس ثم إلى سائر القلاع بالحضيض واليفاع فاستولوا على الكل قهراً وأخذوه وقسراً وسعوا في إحلال البؤس وإزهاق النفوس ثم إلى موقان ولم يبقوا بها أحداً كائناً من كان وعم القتل المبير كل صغير وكبير ثم حل أولئك البور ببلدة نيسابور فكافحت بعدما كانت صالحة وتحصنت بعد أن أذعنت واعتمدت على عددها واستندت إلى عددها وبرجالها استعانت بعد أن كانت قد دانت ولانت واستكانت وكان فيها من آلات الحرب ورجال الطعن والضرب مالا يحصى ولا يبلغه الأستقصا فكان فيها من المجانيق المرسلات الصواعق على أسوار الحصار ثلثمائة منجنيق أصغرها كالغضبان في المقدار خارجاً عن المكاحل والمدافع المهلكات بالصواعق الصواقع ومن رماة القوس القصير المنفذ حكمه قاضي التقدير ثلاثة آلاف بطل مل أرمي من بني ثعل وأما عدد الضارب

والنابل والقاتل والرامح والناطح والصارع والقارع والحاذف والجارف والخاطف والقاطف والناهب والسالب فالضابطون فيه تاهوا وما يعلم جنود ربك إلا هو فوجه التتار إليها وأخنوا كالقضاء المبرم عليها وحمى الوطيس وخاطر بنفسه كل خسيس وبذل مهجته من الغزاة كل نفيس فقتل من أهل العدوان طغاجار خان زوج ابنه جنكيز خان وكان من فتاة الكفار المعتبرين بين التتار فخنق العدو ولذلك وسدد المسالك وسمع بذلك تولى الكافر الموغولي وكان في بعض الجوانب مشغولاً بالدواهي والمصائب ففار دم قلبه وتأججت نيران كربه وتأسف لفقد ختنه وثار غبارا حنه فتوجه من فوره بحنقه وحوره ونزل على نيسابور وحل بالبوار على أولئك البور وزحف بالعساكر وتقدم بالطعن والضرب كل كافر فلم تمض غلوه حتى أخذوها عنوه ودخلها من كفر من التتر يوم السبت خامس عشر صفر سنة تسع عشرة وستمائة من الهجرة وأعطىتولى لأخته ذلك عوضاً عن زوجها الهالك وقال لها تسلي عن ذلك المفقود بهذا الموجود وتحكمي في أهل البلد بما ترتضيه من سرور ونكد وتصرفي في الأموال والأرواح فمهما تريه فهو لك مباح فأمرت أن لا يبقى على ذي روح وأن تجري السيول من الدم المسفوح فأطلقوا في ميادين الحتوف أعنة صوارم السيوف فجدت جباه الجياد وجادت بجواد الجد على أجياد الأجواد وصارت كالسن الشعراء النقاد تهيم من النظام والنثر في كل واد فمحوا عن لوح الوجود بلسان شواظ السيف ذات الوقود سطور ذوات ذلك السواد الأعظم وكتاب كتائب تلك الخلائق والأمم وزادوا في الأشتياط حتى قتلوا الكلاب والقطاط ثم أمرت أن تجمع رؤس أولئك الجمهور ويميز رؤس الإناث من الذكور فميزوا رؤس الرجال عن قمم ربات الحجال وطرحوا كل كاشية في ناحية فصارت الرؤس كرواسي الجبال وتلك الدور والقصور كالأعصر الخوال ولم يخلص من قطع الارؤس سوى أربعة أنفس كانوا من ذوي الحرف فجذبتهم المهارة من سفح بحر الفناء إلى الطرف ثم ركبت تلك البسوس ووقفت على تلال الرؤس فلم تنطفيء نارها ولا برد أوارها وزعمت أنها لم تستوف ثأرها وأن دود ترابها من علق تلك الأمم ما تكفت وغيظة غيظها بزائر ما تشفت واستغاثت بالرجال وصاحت بلسان الحال وأنشدت:

وهب إن النساء سللن سيفاً ... فصلن وجلن كالفحل الغيور
فزلزلن الجبال فطرت خوفاً ... يضاهين السحاب على الطيور
وصار لسفكهن البر بحراً ... أيغنيهن ذاك عن الأيور

فأمرت بهدم البلد وإحراق ما فيها من آلات وعدد فدكوها دكاً وأعدموها سبكاً وسفكاً وتصرفت أيدي النوائب فيها فتكاً وبتكاً ثم أن تولي لوى العنان وقصد هراة من خراسان فأخذها بالأمان ولم ينج من ذلك الطوفان سوى تلك الكورة واستمرت تخت أوامرهم مقهورة وأمهات بلاد خراسان ومقر سرير السلطان كانت أربعة أمصار كل ذات اعتبار جليلة المقدار نيسابور وقد صارت بور وبلخ وقد كسيت من البوار ثوب سلخ ومر الرود وقد انحت من الوجود ولم يفز بالنجاه إلا بلجدة هراه وسائر الأمصار شملها البوار ولبست من خلع الدثور والدثار وكل منها مصر جامع وبرها وبحر واسع وبحرها كصدر البر مداه شاسع وأما القرى والقصبات والرسانيق والمزدرعات فأكثر من أن تحصر أو تضبط بحساب دفتر فأبيد ذلك كله وأبير فالحكم لله العلي الكبير كل ذلك في أدنى مده وأوهى رقده وما ذكر ذرة من طور وقطرة من بحور فسبحان من لا يسئل عما يفعل ثم أن جنكيز خان الهامة الهامية والفتنة الطامة الطامية لما علق به المرض وحصل له في خراسان العرض رجع إلى بلاده واستمر مرضه في ازدياده ولم يزل على ذلك حتى أورد سبيل المهالك وتسلم روحه الخبيثة مالك وحين أيس من الحياة وقنط من رحمة الله جمع المعتمد عليه من أولاده المشاركين له في عتوه وفساده وهم جفتاي وأوكناي وأوليغ نوبين وجرجاي وكا كان وأو رجان وأوصاهم بوصايا وطرائق في سياسة الرعايا حافظوا عليها وتناهضوا إليها فثبت لهم من ملكهم أساساً لم ينهدم وأقام بنياناً إلى يومنا لم ينخرم وعروش قواعد أركانها لم تنثلم مع كثرة عددهم ووفرة مددهم وشكاستهم وشراستهم وشماستهم وتعاستهم وغلاظتهم وفظاظتهم واختلاف أديانهم واتساع بلدانهم وهلك الطاغية جنكيز خان وانتقل إلى الدرك الأسفل من النيران واستقر في لعنة الله وعقابه وأليم زجره وعذابه في رابع شهر رمضان الشامل بالفضل والإحسان والبركة النامية الهامية سنة أربع وعشرين وستميه في سرة ملكه المشوم وأعظم أمصاره أيميل وقوفان وقراقروم واستمرت بعده الفتن والشرور المحن تغير علىممالك الإسلام وتبير شعائر شرائع خير الأنام وتثير غبار الأفساد والمفسدين في وجوه سنة سيد المرسلين وتحصر جنود الإسلام وتقص جيوش العلماء الأعلام وتنقص أطراف الأرض وتنقص أركان الدين بعضها على بعض وناهيك يا مولانا السلطان بفتن هلاكو تولى بن جنكيز خان وبعده أبغا ابن هلاكو الذي تجبر وطغى وتكبر وبغى وبعده ابنه ارغون وبعده ابنه قازان المفتون واستمرت بحار الفتن منهم تؤثر عنهم ومرجها يمور إلى أن نبغ الأعرج تيمور فأهلك الحرث والنسل واختلط المباح بالسيل وحل بالعالم الباس وفسدت أحوال الناس وإنما ذلك كله بفساد الرأس ومن جملة فتنهم وطعنهم جالوا في معركة وصالوا في دست بركه فقتلوا في مثل حرب البسوس وقطعوا في ناحية من الروس جملة أرادوا ضبط عددها بعد أن أبانوها عن جسدها فلم يقدروا أن يحصروها فرسم لتلك البغاة سلطانها أن يقطع من الرؤس آذانها يقطعون من كل رأس أذناً ولتكن الآذان اليمنى فجدعوا آذان بعض الرؤس وشكوها وفي خيوط سلكوها ثم قلائد ربطوها وبعد ذلك ضبطوها فكانت نحو مائتي ألف أذن مجدودة وسبعين ألف أذنت معدودة (وإنما) ذكرت يا ملك الطير أمثال ما جرى من الشر والخير وجلوت عن مرآه ضميرك المنير صورة ما مر في الزمان المنير وما فعله من ملكه زمام الاقتدار وأمهله سلطان السلاطين الذي يخلق ما يشاء ويختار وصرفه في بلاده وعباده وبين له طريق صلاحه وفساده وأخبركم أيها الملوك والحكام بأموركم في دنياكم وحلا صور أحوالكم على أعين أبصاركم وبين حاكمكم في مراياكم فقال وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ودفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم فانظر ما في هذه السير من الحكم والعبر لتعلم أن الدنيا محل الغير ومحك العقول والفكر والحال بها هدف لسهام القضاء والقدر مبتلى بكل خير وشر ونفع وضر غافل عن مواقع الحذر آمن وهو على شرف الخطر مقيم وقد جد به السفر مناقش بما مضى من أنفاسه مما حلا ومر ومحاسب على ذوات ما اكتسبه مطالب بالفتيل والقطمير مما ارتكبه فلما وصل الحجل في الكلام إلى هذا المقام قبل العقاب بين عينيه وزاد قرب هلديه وأفاض خلع الأنعام عليه وقال صدق عليه أفضل الصلاة والتسليم حيث قال كلمة الحكمة ضالة كل حكيم ونطق بالحق من قال لا تنظر إلى من قال وانظر

أقسام الكتاب
1 2 3 4