كتاب : فاكهة الخلفاء و مفاكهة الظرفاء
المؤلف : ابن عربشاه

وهبي عزيزي قال أخبرني عما لا يمكن ضبطه ولا ينضبط ربطه قال الدهر إذا ولى والسعد إذا تجلى قال أخبرني يا ذا الجد عن الهزل الذي براديه الجد قال إبراز حكم الأمثال والآيات على لسان الحيوانات والجمادات قال أخبرني عما لا يمكن الإحاطة به ولا الوقوف على معرفة كنهه قال عظمة صانع الكائنات خالق الموجودات تعالى أن يحاط به علماً وتقدس أن تدرك عظمته معرفة وهماً ولهذا قال سيد المرسلين وحبيب رب العالمين لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقال سبحانك ما عرفناك حق معرفتك وهذا مصداق قوله تعالى وما قدروا الله حق قدره. فلما طالت المقاولة وانتهت إلى هذا الكلام المجادلة أقبل الليل وحل بالعفريت وجنده الويل وتصدع المجلس وقام العفريت وهو مبلس وتواعدوا إلى الصباح عند قول حي على الفلاح أن تجتمع الوجوه الصباح لرد جواب الشياطين القباح فتفرقوا وقد أحاط بالعفريت لوهم ونفذ في أحشائه من سهام الذل أقطع سهم وبات لا يقر له قرار ولا يأخذه اصطبار وساوره الافتكار وثاوره الهم والدمار والغم والبوار:
إلى أن أضاء الصبح كالحق مقبلاً ... وولى ظلام الليل كالجهل مدبراً
فاجتمع من كان بالأمس حاضراً ومن سمع بحضورهم ولم يكن ناظراً من جموع الأنس والجن وطوائف الجن والبن وأخذ كل مقامه وابتدأ العفريت كلامه وقال ما منبع الصفات الحميدة والشمائل السعيدة المار ذكرها القار أمرها وهي يا هذا نتيجة ماذا؟ فقال العالم المحقق العامل المدقق هي ثمرة العقل القويم الهادي إلى الصراط المستقيم. ويكفي العقل الشريف أنه مناط التكليف له الله يخاطب وبه يثيب ويعاقب وبه يأخذ وبه يعطي وتابعه يصيب ولا يخطي وكلما كان العقل أتم كانت محاسن الأخلاق أعم وكلما كان رأي العقل أصوب كان في اقتناء مكارم الأخلاق أرغب قال العفريت: فهل هو نوع متحد أو طريقة متعدد؟ قال الشيخ: العقل نوعان وحكمه واحد لا يختلف فيه اثنان أحدهما العقل الغريزي اللطيف، وهو مناط التكليف يحدثه الرحمن ويتدرج إلى بلوغ الإنسان فيكمل أما بالسن أو الاحتلام، ويجري عليه إذ ذاك قلم الأحكام ويدخل في حيز المخاطبين من ذوي الأحلام ويترتب عليه الحساب والعقاب من الحلال والحرام والثاني يحصل بالاكتساب والتجربة في كل باب ولهذا يقال أن الشيوخ أكمل عقلاً من الشباب وقيل من بيضت الحوادث سواد لمته وأخلقت التجارب لباس جدته وأرضعه الدهر من وقائع الأيام إخلاف ذريته، وأراه الله تعالى لكثرة ممارسته تصاريف أقداره وأقضيت كان جديراً برزانة العقل ورجاحته فهو في قومه بمنزلة النبي في أمته. قال بعض الحكماءكفى بالتجارب تأدباً وبتقلب الأيام عظة وقالوا التجربة مرآة العقل وقال:
ألم تر أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب

(قال) العفريت فائدة العقل (قال العالم) فائدته الإرشاد في بيداء الجهالة إلى جادة الرشاد والإعانة في الشدائد والوقوع في مصايد المكايد وحصول الخلاص من شرك الاقتناص وإجابة الإغاثة عند الاستعانة والاستغاثة ومد المعونة إذا انكسرت من الجبل السفينة في بحر الملامة والخلاص إلى بر السلامة والإغناء من كنز السعادة والصبر عند استيلاء نوائب الفقر. قال فمن العاقل في العالم ومن يطلق عليه هذا الاسم من بني آدم قال العالم: العاقل من يحتمل إذا ضيم ومن هو في الغضب حليم فإذا أعطي شكر وإذا منع صبر ويعفو إذا قدر ويستهين بأمور الدنيا ولا يغفل عن أمور الآخرة (قال العفريت) ما الفائدة في حب الدنيا والرغبة إلى ما فيها من الأشيا ولأي معنى غلب الحرص والهوى والرغبة فيها على أهلها وبنيها (قال العالم) لأجل قيام العالم وانتظامه على المنهج الأقوم وبقائه المطلوب إلى الأجل المضروب الذي قدره موجده القديم الذي أنشأه أول مرة وهو بكل خلق عليم ولابد من أن تتم كلمته وتنفذ مشيئته ولولا الحرص والأمل لبطل العلم والعمل فإنهما لحجاب الغفلة يغشيان أعين البصائر ويغطيان طرق الاستدلال والضمائر فلذلك ذهلت العقول عن التأمل في العواقب واستغلت بالتهائها عما يجب عليها أن تراقب ولولا طول الأمل لما رجي العمل ولما انتظم أمر المعاش ولا أهتم لادخار قوت ورياش ولا افتكر صاحب اليوم في أحوال غد ولارتفعت المعاملات وما داين أحد ولا زرع زارع ولا غرس غارس ولا بنى بان ولا اخضر يابس ولانقرض إذ ذاك ظلم العالم وبانقراضه تنقرض أمور بني آدم (قال العفريت) أخبرني عن أصل الإنسان ومم جوهره جوهر الملك والجان (قال) الشيخ أما جوهر الملك فمن العقل المحض براه رب السماوات والأرض ولذلك لا يصدر من الملائكة إلا الشيم المباركة من الطاعات لمولاهم والانقياد لأوامر من أنشاهم وامتثال ما أمر من أمر مروم وما منا إلا له مقام معلوم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وأما جوهر الجان وأصلك يا أخس شيطان فمن الأخلاق الذميمة والصفات المشومة فلهذا لا يوجد منكم إلا المكر والبيلسة والشيطنة والوسوسة وأنحس بصفاتكم من صفة ولم يكن بينكم وبين الحق معرفة فأنتم يا أنحس بغيض وأنجس نهيض مع الملائكة في طرفي نقيض وأما جوهر الإنسان فما اشتملت عليه صفتا الملك والجان فمن غلب عقله شهوته ألبس من مكارم الشيم خلعته واضمحلت ظلمات نفسه في أنواع الطاعة وتجلت صفات ذاته من سنن الأبرار في جماعة وخط رسم اسمها قلم الكرام الكاتبين كلا إن كتاب أبرار لفي عليين وما أدرك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون فهو وإن كان بجسمانه مع الأنس له حضور وأنس لكن بسره في عالم الملكوت حضرة القدس فهو بصفاته المباركة أشرف من الملائكة ومن غلبت شهوته عقله واستولت على قلبه حجب الغفلة فانغمس في بحر الشهوات واستحوذتم أنتم عليه بذميم الصفات وأشقاه القدر السابق ولم يعقكم عن التصرف فيه عائق فهو بالنهار ساه وبالليل لاه استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون فهو أخسر من أرذل الحيوانات وأدنى من أدك الجمادات فقد خاب مآباً وتعس انقلاباً وبقول يوم القيامة يا ليتني كنت تراباً (قال الراوي) فلما انتهى الكلام إلى هذا المقام أمسك العفريت عنانه وأخرس الله لسانه وظهر فضل الزاهد وعلمه ووفور حكمه وفهمه وإنه أصاب فيما أجاب ولزم العفريت ومن معه من الجن والعفاريت وطوائف المردة والشياطين والعندة المتمردين وذوي الإبلاس والوسواس الخناس ما شرطوه على أنفسهم من التخفي وعدم الظهور والتفرق في الخرائب والكفور فتفرقوا واختفواومصلمين ومجدعين انتفوا وسكنوا الخرائب والحمامات والحانات والخانات فلم يظهروا بعد ذلك للأنس وحصل منهم بذلك للأنس الأنس واستراحوا من مشاهدة طلعتهم القبيحة واستمرت إلى يوم القيامة من تلك القبائح مستريحة. وهذا آخر الباب والله أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الباب الخامس
في نوادر ملك السباع ونديمه أمير الثعالب وكبير الضباع

(قال) الشيخ أبو المحاسن المرتوي من بحار الحكمة بماء غير آسن فلما أنهى الحكيم هذا الباب العظيم عن عالم الإنس والشيطان الرجيم تنبه الملك لغزارة حكمه فأفرغ عليه خلع إحسانه وكرمه وغمسه في غدير فضله ونعمه ثم أمر أن يقوي الطباع ويذكر نوادر الوحوش والسباع لتنبسط النفس وترتاض وتتحلى بعقود عقيدة هذه الأحماض فقبل أرض العبودية بشفاه الأدب وانتهض لأداء ما عليه من المراسيم وجب وقال كان في بعض الغياض أسد رباض عظيم الصورة كريم السريرة والسيرة وافي الحشمة عالي الهمة كثير الأسماء والألقاب عزيز الأصحاب كبير بين الأمراء والحجاب والوزراء والنواب يدعى في جوانب مملكته وأطراف ولايته بحيدرة وبيهس والدوكس والغضب والضرغام والعنبس والطيشار والهندس الغضنفر والهرماس والغضبان وأبي العباس إلى سائر الأسماء والألقاب والكنى وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وهو مطاع في مماليكه وولاياته وأقاليمه مترشف ثغور الامتثال بشفاه أمثلته ومراسيمه، وكان له ومن خواص الندماء وكبراء الجلساء نديمان كندماني جذيمة يلازمان حضرته ويلجان حريمه أحدهما ثعلب يدعى أبا نوفل والآخر ضبع يسمى أخا نهشل، طبعهما ظريف وشكلهما لطيف ومحاضرتهما مرغوبة وصحبتهما مطلوبة.
وكان في خدمته دب هو وزيره ومعتمده ومشيره كافل أمور مملكته ومدبر مصالح رعيته والملك مفوض أمور الرعية إليه ومعتمد لما يعلم من كفايته عليه ومشغول ليلا ونهارا بمعاشرة نديميه فاتسع خيال الوزير وأخذ في مجال التفكير إلى النديمين لكونهما ناصحين قديمين ربما يصدر منهما عند الملك ما يحط منزلته ويفسدان للحسد الذي لم يخلو منه جسد صولته واستحوذ عليه هذا الخيال واتسع في ميدانه المجال فكان خائفا على وظيفته ومنصبه مترقبا ومنهما ما يكون عزله بسببه. فنشأ من ذلك في خاطره جساوة أورثته قساوة وجذبته إلى عداوة ووقر في قلبه ذلك وتأكد وطال عليه من الدهر الأمد فكان يترقب لهما الفرص ليوقعهما من الغصص في قفص ويسابقهما قبل انتيابه ويتغدى بهما قبل أن يتعشيا به ويقول لا بد من تنظيف الطريق قبل حصول التعويق.
وقد أحسن من قال واتقن في المقال:
ومن لم يزح عن دربه الشوك قبل أن ... يطأه فلا يعتب إذا شاك رجليه
وأقل الأقسام أن يبعدهما عن حضرة الملك الهمام، فاتفق أن في بعض الأسحار تجاذب الملك ونديماه أطراف الأسمار فأثر فيهم السهر لطيب السمر في ضوء القمر وحلاوة ما جنوا منه من ثمر عاملين بما قيل:
متى ما أصادف من أحب بخلوة ... أصرح بما أرجوه منه متكتما
يقول فأصغي أو أبث فينثني ... ليسمع قولي كالمشوق المتيم
أسامره لا إن أمل حديثه ... وآمره كل الأمور سوى نم

فأخذت الملك عيناه فاستند إلى متكاه فأنحل من طرفه وكاه فلم يتمالك أبو نوفل أن ضحك لما غنت زمارة الملك فتنبه من ضحكه وتعجب من جرائته وفتكه ثم استمر متناوما ينظر من يصدر منهما، فابتدره أخو نهشل وزجره فقال: ويلك ماذا رأيت وأي عجب سمعت ووعيت حتى ترتبك في الضحك أما قرأت وفهمت وسمعت وعلمت أن الضحك بلا سبب من قلة الأدب وإن الحشم وسائر الخدم ومن نادم الملوك وجالسهم يحترم أمورهم ويعظم مجالسهم سواء غابوا أو حضروا ناموا أو سهروا قامواأو قعدوا استيقظوا أو رقدوا وقد قيل رفع قلم الحساب والضبط والعتاب عن الصبي والمجنون والعاشق والمفتون وكذلك السكران والنائم لا سيما السهران وعذر النائم يا مسكين أعظم من عذر الباقين فإن النوم أخو الموت وفيه ما ليس في غيره من الفوت وقد قال صاحب الشرع الذي زكى منه الأصل والفرع حفظه الله بجنود الصلاة والسلام وحرسه يعتذر عن النائم وكاء السه وقال ذو الصدق والتصديق رفع قلم التكليف عن النائم حتى يفيق وإنما اعتبر الشرع أحوال النيام وساواهم في اليقظة صونا لبعض الأحكام في نحو من خمس وعشرين مسألة ضبطها من الفقهاء الكملة ولقد طالعت في كتاب الأخلاق إن الله الكريم الخلاق حيث جعل جنسا من الأمم في طبائع وصفات متساوي القدم فلا يعتب أحد أحدا ولا يزدريه ولا ينقم عليه عيبا هو فيه وعلى الخصوص إذا صدر من الملوك شيء يعاب فلا يحمل ذلك منهم إلا على الفضل والصواب وكل ما كان في غير الملوك معتبه فإنه إذا صدر من الملوك يعد منقبه ويجب على من يجالس الملوك وكان له في خدمتهم سلوك واختص بمحاضرتهم واستعد لمناظرتهم أن لا يبصر منهم إلا المحاسن ولا يخبر عنهم إلا بالأحاسن وقد قيل من جالس الملوك بغير أدب حبسه فإنه خاطر بروحه وعرض للبلاء نفسه وقال الله الأعظم في كتابه المحكم لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاستقم كما أمرت.
ولهذا قال عليه السلام: شيبتني هود وأخواتها وما ساد العجم والعرب إلا بسلوك طريق الأدب وقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي، فقال المغفل أبو نوفل إذا طهر القلب من الخيانة وعاملت اليد بالأمانة وتنقى العرض من العيوب وكان اللسان غير كذب وزكت النفس بالحلم وعريت عن الجهل بلباس العلم يصلح لها أن تسخر بكل أحد وتفخر على أكبر من يكون ولو أنه الأسد وأنا إذا طار بهذه الصفات طيري فلا علي إذا ضحكت على غيري، فقال أخو نهشل لا تقل ذلك لا واستعذ بالله من الجهل والخيلا وأعلم يا ذا الكرامات أن الجاهل يعرف لثلاث علامات إحداها يا محبوب أن يرى نفسه عارية عن العيوب الثانية يا رفيق الخير أن يرى نفسه أعلم من الغير الثالثة أن يرى أنه انتهى في فنون العلم والنهى وبلغ أعلى المراتب وهذا أكبر المعايب وقالت الحكماء إذا رأيت نفسك عارية عن العيوب وتصديت لتتبع عثرات الناس بالغيوب وفتشت عن عيوبهم الجيوب فأنت حينئذ غارق في بحر العيوب وبالذي أنت طالبه مطلوب وانظر يا ذا السكينة ماذا قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه حبر المدينة ليكن جل مطلوبك حرصك على تفقد عيوبك وقم بذلك عن نفسك وذاتك مقام حسادك ورقبائك وعداتك وقال ذو هدى وقال سدى:
لكل فتى خرج من العيوب ممتلئ ... على كتفه منه ومن أهل دهره
فعين عيوب الناس نصب عيونه ... وعين عيوب النفس من خلف ظهره
فقال أبو نوفل صدقت ونصحت إذا نطقت فجزاك الله عني خيراً ووقاك شراً وضيراً ولكن يا أخي وقعت هفوة على سبيل السهوة وحصلت على غفلة واللفظ عن غير نظر كالسهم إذا رمى عن الوتر لا يمكن رده ولا وقوفه وصده كما قيل:
القول كاللبن المحلوب ليس له ... رد وكيف يرد الحالب اللبنا

ولكن الذنب والاجترا إذا لم يشتهر إلا بتوجه عليهما العتاب ولا يستحق مرتكبهما العقاب إذا استغفر وأناب وأنا وإن وقع مني الخطا آمن بحمد الله من شر الجزا ومن المؤاخذة بالجريمة وإن كانت عاقبتها وخيمة لأنها بينك وبيني وأنت بمنزلة روحي وعيني وفيقي وصاحبي ومراعي حقي وجانبي فسرى عندك مصون وأمري عن الإشاعة مخزون وقد قال الحكماء ذو التجارب لا تودع السر إلا عند صاحب صدوق صديق ومحب شفيق وأنت هو ذاك الموثوق فاطرحه سويداء قلبك في أسفل الصندوقفإن استمر عندك ساكناً صرت وبال أمره آمناً ولا يبعد ذلك من شفقتك وسابق صداقتك ووفائك بالمروة وقيامك بحقوق الأخوة وأسأل إحسانك أن تجيب لصاحبك القديم مرجوة قال أخو نهشل أعجب لأبي نوفل كيف يغفل أما سمعت يا عاقل قول القائل من علامات الجاهل أن يقرض ماله باللطف ثم يتقاضاه بالفظاظة والعنف وأن يودع سره وخفاياه وأمره عند من يحتاج أن يتضرع إليه ويقسم في إخفائه واكتتامه عليه ثم يحلفه أن لا يبديه ولا يذكره لأحد ولا ينهيه وقد قالت الحكماء لا تودع أحداً سراً فإن فعلت فاتك السر لأن كتمانه قيدهم وعناء وإبداءه كيد هلاك وبلاء وقد قيل:
وكل سر جاوز الاثنين شاع ... كل علم ليس في القرطاس ضاع
ولم يقصد بالاثنين إلا الشفتين وقال الشاعر:
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
(وقال أيضاً):
لا تودعن ولا الجماد سريرة ... فمن الحجارة ما يسر وينطق
وإذا المحك أضاع سر أخ له ... وهو الجماد فمن به يستوثق
(وقال أيضاً):
صن السر عن كل مستخبر ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر
أسيرك سرك أن صنته ... وأنت أسر له إن ظهر
وكل ما تحرك به اللسان انتشر في الكون والمكان وناهيك يا تامر قضية الحرامي مع الطامر قال أبو نوفل: كيف تلك يا أخا نهشل (قال) بلغني إن رجلاً من الحرامية واللصوص الكرارية كانت نفسه ذات الخيانة تحرضه على الدخول من حواصل الملك إلى الخزانة وإنها رؤية الخزانة مشتاقة ولمعانقة فاسق التحرم عشاقه وكان جاهداً في أن يعطيها من مناها ما يرضيها ولكن كانت نجوم احراس بالرصد ولرجوع ذلك الشيطان كل بعد وكتم ذلك السر عن الإخوان ومضى عليه برهة من الزمان وهو يكابد اكتتامه ويخاف من السوء ختامه والقدر كائن والكائن حائن إلى أن طفح عليه ما قصد وغلا خمر سره في قلبه وقذف بالزبد فطلب صاحباً يتلفظ به إليه ويعتمد في اكتتام سره عليه واختلافي حجرته فقرصه برغوث في حنجرته فمد يده إليه وأفشى سره معتمداً عليه وقال في خاطره عند إفشاء سرائره لا لهذا لسان يقدر على البيان وعلى تقدير أن لو كان فهو مثل ولدي تربى من دم كبدي ولحم جسدي واطلع على عورتي فلا يقصد عترتي ولا يكشف سري ولا يهتك ستري ثم أدنى فاه حتى وافاه وقال يا أبا طامر وكاتم السر في السرائر إني عزمت كالمنهمك على الدخول إلى خزائن الملك لأستصفيها وآخذ ما فيها فاكتم هذا السر عني وامصص ما شئت من الدم مني ثم طرحه في سراويله واستمر في نيته على أباطيله ثم قصد في بعض الليالي ما كان يخلو به على التوالي ويرصده في المكامن من الدخول إلى الخزائن فلاحت له فرصة فانتهزها واستعمل دقائق صنعه وأبرزها وانتقل من ذلك إلى المبيت ولطئ تحت سرير الملك كالعفريت والملك نائم فوق السرير على فراش الحرير معانق الظبي الغرير وخرزة التاج عند رأسه فقد كأنها سراج متقد فقصد اللص أخذها واقتطاعها وفلذها فاسهل القوم إلى أن استغرقوا في النوم وبينما هو متفكر فيما به إذ خرج البرغوث من ثيابه ودخل إلى جسد السلطان وقص عليه بلسان القرص كل ما كان من شأن اللص فنهض الملك من مرقده فرأى نقطة على جسده فطلب النور لينظر الأمور فرأى برغوثاً طار ونزل تحت السرير فقصوا أثره على المسير فوجدوا الحرامي الكسير فربطوه كالأسير ووقع في الأمر العسير بالأمر اليسير فصار كما قيل:
مشى برجليه عمداً نحو مصرعه ... ليقضي الله أمراً كان مفعولا

(وإنما أوردت هذا المثل) لتعلم يا أبا نوفل أن سراً في الفؤاد لا يؤمن عليه الجماد فضلاً عن متحرك منحيوان ونعوذ بالله إن كان من جنس الإنسان وقد قيل للحيطان آذان ومن أمثال العجم الأوباش للديوان أكواش فلما انقضى هذا الكلام وكان الأسد قد استوفاه على التمام وقد أثار في أحشائه لهباً نهض من مرقده غضباً واستحال وتحرك وأمر بأبي نوفل فقبضوا عليه ووضعوا الغل ف رقبته والسلاسل في يديه ورجليه وأمر إلى السجن برفعه بعد التنكيل به وصفعه فتشوش خاطر صديقه وجليسه ورفيقه ثم انقض المجلس النظيم ودخل الملك إلى الحريم فتوجه أخو نهشل إلى السجن المقفل ولأم صاحبه أبا نوفل وزاد في التعنيف وقال أيها الأخ الظريف ألم تعلم أن الشخص إذا تكلم يضبط كلامه عليه ويعود محصول ما يلفظ به إليه وقد قال الرب المجيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وإن كثرة الكلام تضر بالنفس أكثر مما يضر بالبدن الطعام وكل هذا المصاب إنما جاء من قبل الإعجاب وكثرة الكلام والغرور وعدم التأمل في عواقب الأمور قال الشاعر:
ما أن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مراراً
قال حكماء الهند وفضلاء السند ما دام الكلام في الفؤاد ولم يبد منه على اللسان باد ولم يصب منه سائل حرف في صدفة الآذان أو وعاء الطرف فهو كالبنت البكر المشهورة الذكر كل أحد يخطبها ويميل إليها ويطلبها ويتمنى أن يراها ويترشف لساها فإن ألقى إلى المسامع ووعاه كل ناظر وسامع فهو كالعجوز الشوها إذا سلوها وقلوها وهي تلازم صباحاً ومساء ويفر منها الرجال والنساء ويحيد كل أحد عنها فإذا تكلمت أسكتت وإذا سلمت أعرض عنها وقال بعض الحكماء اللسان أسد وهو حارس الرأس والجسد إن حبسته حرسك وإن أطلقته حبسك وإن سلطته افترسك وقالوا الكلام أسيرك ما لم تبده فإن تكلمت به فأنت أسيره قال بعض الحكماء أنا على ما لم أقل أقدر مني على ما قلت وقال عيسى صلوات الله عليه العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله وواحد منها في ترك مجالسة السفهاه وقال نبي الحرمين وإمام الثقلين صلوات الله وسلامه عليه الصمت حكمة وقال عليه الصلاة والسلام البلاء موكل بالمنطق وقال الحكماء السكوت يسترعب الجهل ويعظم حرمة الملوك ولقد آذيت نفسك وتسبب فيما أوجب حبسك وأقلقت ودودك وأشمت حسودك ولقد كانت حصتي من بلائك ومما دهاني من شدة عنائك أعظم من كل حصة وقصتي في ذلك أعجب من كل قصة إذ أنت رفيقي وزميلي وفي حضرة الملك ومنادمته عديلي نشأنا على ذلك وسلكنا في الموافقة والمرافقة أقوم المسالك وكنت المرحو لمخافي وأيابي في مطافي ومشتكى حزني ومشتفى شجني ومخزن أسراري وأعظم أستاري وراوية أخباري في أحباري وراوية أسفاري في أسفاري ومن أين ألقى مثلك وفيقاً أو أجد صديقاً شفيقاً وأنت صاحب السراء ومصاحب الضراء وأنشد:
ومن أين ألقى بعد سبعين حجة ... رفيقاً كمن أرضعته قهوة الصبا
أديباً أريباً لم أمل مقامه ... ولا ملني يوماً حكيماً مهذباً
ويعز علي ويعظم لدي أن أراك في هذه الحالة ثم أجرى سحائب دموعه الهطالة وقال:
وما على الحر أنكى أن يرى حزناً ... في محنة ضاق عنها دونه الحيل
ولقد تحيرت في هذا الأمر المهول وما أدري قصاراه إلى ماذا يؤول وليلة الغم الصراح عماذا يسفر فيها الصباح فأنكئ لذلك أبو نوفل وبكى وتضرع إلى الله وشكا وقال يا أعز الأصحاب وأحب الأحباب لقد أثر عندي ما قلت من الكلام أكثر مما أصابني من الآلام كيف يغتفر لأحد الجانبين ويطلق أحد القيدين وأني يعتذر بالقضاء والقدر لإحدى الغصتين وهل شيء في عالم السكون والفساد جاء خارجاً عما قدره الله وأراد وكلنا في هذا سويه والعبد مقهور مع المنية ولكن الجداد إذا أقبل ولاحظ بسعدهوتفضل فكل حركة تصدر من الغبي العاجز يعجز عن مقاومتها البطل المبارز وكل قول يتفوه به الجاهل يدع دليل معانيه أدلة العقلاء في مجاهل ومذاهل ودعاميص ذوي الآراء المنضبطة المناهل تلقى من عقنقل الحيرة في مجاهلها مناهل فيصير كل وجه إليها مائل وكل إنسان بها قائل وقوام كل سعد وقبول إليها قابل كما قيل:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان

ونعوذ بالله من ليل السعد إذا أدبر وصبح الخمول إذا أسفر فإن اللبيب إذ ذاك يخطئ ما كان يصيب ويفعل العاقل ما لا يرتضيه بأقل فيكون جهد النفس زيادة في العكس:
وإذا تولى الجد يحتاج الذكي ... في رأيه قبل الزوال مراحاً
وانقلاب الدهر وانعكاس الزمان شيمة معهودة وخصلة معدودة كما قيل:
ومن ذا الذي ما غره صرف دهره ... فأضحكه يوماً ولم يبكه سنه
وأنا كنت غافلاً وإن لم أكن جاهلاً وقد يكون الشخص عما تحققه ذاهلاً وذلك لما كان عودني الزمان وألفته من سالف الدوران وإرخاء العنان ونيل الأماني والأمان وأسبال ذيل النعم والإحسان الدائم والكرم فمشيت على ما كنت أعهده وفي نفسي أجده وأيضاً كانت لذة عشرتك ونعيم صحبتك وحسن موافقتك وعز مرافقتك أنساني كل بليه وأمنت بذلك كل رزية فألهاني عن التنكد ودهتني غفلة عن التوزع والتبدد مثل ما أصاب ذلك الهدهد قال أخو نهشل أسرد ذلك المثل (فقال) ذكروا إن الله مجري الخير علم بعض عبيده الصلحا منطق الطير فصاحب منها هدهداً وازداد ما بينهما تودداً ففي بعض الأيام مر بالهدهد ذلك الإمام وهو في مكان عال ملتفت إلى ناحية الشمال وهو مشغول بالتسبيح يسبح الله بلسانه الفصيح فناداه يا صاحب التاج والقباء والديباج لا تقعد في هذا المكان فإنه طريق كل فتان ومطروق كل صائد شيطان ومقعد أرباب البنادق ومرصد أصحاب الجلاهق فقال الهدهد أني عرفت ذلك وإنه مسلك المهالك قال فلأي شيء عزمت على القعود فيه مع علمك بما فيه من دواهيه قال أرى صبباً وأظنه غوياً نصب لي فخاً يروم لي فيه زخاً وقد وقفت على مكايده وماصب مصايده وعرفت مكيدته أين هي وإلى ماذا تنتهي وأنا أتفرج عليه وأتقدم بالضحك إليه وأتعجب من تضييع أوقاته وتعطيل ساعاته فيما لا يعود عليه منه نفع ولا يفيده في قفاه سوى الصفع وأسخر من حركاته وأنبه من يمر على خزعبلاته فتركه الرجل وذهب وقضى حاجاته وانقلب فرأى الهدهد في يد الصبي يلعب به لعب الخلى بالشجى ولسان حاله يلهج بمقاله:
كعصفوره في يد طفل يهينها ... تقاسي حياض الموت والطفل يلعب
فلا الطفل ذو عقل في يد طفل لحالها ... ولا الطير مطلوق الجناح فيهرب
فناداه وقال: يا أبا عباد كيف وقع في شرك الصياد وقلت لي أنك وعيت ورأيت ما رأيت؟ فقال: أما سمعت أن الهدهد إذا نقر الأرض يعرف مسافة ما بينه وبين الماء ولا يبصر شعرة الفخ وذلك لينفذ ما كتبه الله تعالى وقدره من قضائه وقدره وناهيك في قضية القضاء والقدر قضية آدم أبي البشر مع موسى الكليم عليهما الصلاة والتسليم لما جرت عليه أحكام القضاء والقدر فتمت مشيئة الله تعالى السابقة في عمله وجرى ما لم تدركه عقول الفحول في ميدان إرادته من سوابق حكمه وحكمته وأنشد الهدهد:
يا سائلي عما جرى ... والعين مبصرة القدر
أو ما سمعت بأن إذا ... جاء القضا عمى البصر
وقال أيضاً:
إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر ... إن القضاء إن أتى يعمى البصر
واسمع أيها العاقل قول القائل:
إذا أراد الله أمرا لامرئ ... وكان ذا عقل وسمع وبصر
وحيلة يفعلها في دفع ما ... يأتي به محتوم أسباب القدر
أصم أذنيه وأعمى قلبه ... وسل منه عقله له سل الشعر
فلا تقل فيما جرى كيف جرى ... فكل شيء بقضاء وقدر
وأنا لما اغتررت بحدة بصري ذهلت عما يجول في فكري فتغطت حدة استبصاري فوقعت في فخ غنراري أما سمعت يا همام قول الإمام إذا حلت المقادير ضلت التدابير ثم قال أبو نوفل وقد أثر فيه كلام أخي نهشل:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... رداوني بالتي كانت هي الداء

وإنما أوردت هذه الحكاية لتخفف عني ما في تقريعك وتوبيخك من نكاية وتعلم إن الأمور كلها جلها وقلها جارية على وفق ما قضاه الله تعالى وقدره وأثبته في سابق عمله في اللوح المحفوظ وسطره وإن كانت الأحكام في هذا الباب تضاف إلى العلل والأسباب ولا شك في هذا ولا ارتياب فقد مر أن الذهول شغلني عن الفضل بالفضول وإن العذر غير مقبول فإن الجهل لا يكون حجة ولا مخلص لسالك لا سوأ المحجة وقد طال الكلام والحق بيدك والسلام وأما الآن فجل المقصود من لطفك المعهود وبذل المجهود وتذكر سابق العهود وقديم الصداقة وأكيد المحبة والعلاقة عطف الخواطر الملكية ورجوعها على ما كانت عليه من الصدقات السنية والعواطف الملوكية وأقل الأقسام الخلاص من هذه البلية وعلمك قد أحاط بأوثق مناط أني شخص وحيد بين ملازمي الخدمة فريد لم يكن لي أخ سواك وأنت مشتكاي وأنا مشتكاك وهذا أو إن الفتوة وزمان المروة وعدم التخلي عن الإخوان والانبعاث بالهمة الثابتة الأركان والسعي في خلاص الصاحب القديم من هذا البلاء العظيم وأسألك بسالف الخدمة والمودة ذات القدمة أن لا تذكر ما سلف من التقصير الموجب للتلف فإني معترف أني للذنب مقترف وأنشد:
جاوزت في اللوم حداً قد أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم بنفعه
وإني إذا تفكرت وتصورت ما وقع إذا تذكرت وإن كان قد مضى يضيق بي الفضا وأغرق في عرق الحيا وتسود في عيني الدنيا فكأنه في هذا القبيل عني قيل:
كأن فؤادي في مخالب طائر ... إذا ما ذكرت الحب يشتد بي قبضا

وهذا القدر من الإعلان يكفي وأني أستحلي إذا مر بخاطري غصص حتفي ثم علا زفيره وشهيقه وبدا من لهيب قلبه بريقه ومن وادي دمعه عقيقة حتى خيف عليه غريقة وحربقه ورق له ورق له عدوه وصديقه وبكى لبكائه رفيقه قال أخو نهشل اعلم أيها الأخ المفضل أني لم أقل ذاك الكلام للعدوان فضلاً عن أيحاش قلب وإيلام ولكن تألم حناني أجرى الله ذلك على لساني ولم يكمن لذلك الحديث باعث ولا قصد عابث أو عائث ولكن صفو المحبة ووفور الصدق أوجبا التلفظ بذلك النطق وكيف لا أدرك دقائق المعاني وأنالها من ثمار فضائلك جاني وأما بذل الاجتهاد من أهل الوداد فهل يخطر ببالك غير ذلك ويأبى الله والأخلاق الكريمة وما عملته من همة وشيمه وفواضل فضائل من موانح خصائلك اقتباستها ومطارف معارف على منوال سحاياك نسجتها أن أتخلف عن التعلق بأهدابها وأغلق أبواب مقاصدها في وجوه طلابها وأنا إن لم أبذل مجهودي وأصرف موجودي في مساعدة خلي وصديقي وصاحبي ورفيقي بما تقتضيه المروءة والفتوة والصداقة القديمة والأخوة وإلا فأي فائدة في وجودي لوالدي ومولودي وطارفي وتليدي وصديقي وودودي. وقد قيل أربعة أشياء فرض عين في شريعة المروءة على المحبين وكذلك الإخوان وسائر الصحاب والخلان الأولى المشاركة في النوائب وتعاطي دفعها من كل جانب الثاني إذا ضل أحدهم عن طريق السداد يردونه إلى سبيل الرشاد ولا يتركونه على غير الصواب بل يستلطفونه بألطف خطاب الثالث إذا صدر من أحدهم نوع جفاء يلاقونه بالوفاء والصفا ولا يتركونه على شفا ولا ينسون الوفاء القديم بالجفاء الحادث فربما يتفرع على ذلك ما يؤكده من العوائثالرابع لا يؤاخذون المقصر في حال الغضب بل يرجئون عقوبته إلى أن يطفأ اللهب فربما يتعدى بواسطة الغضب الحد فيقع بسبب ذلك بين لأصحاب نكد ثم أن أبا نوفل قال لأخي نهشل المبادرة أولى إلى التلافي لئلا يسابق الجنود إلى تلافي وهذا المصاب إنما جاء بغتة وأخذ قلوبنا وأسماعنا بهتة فاستعمل فكرك القويم وتوجه إلى التدارك بقلب سليم فقال هاأنا أذهب على الفور لهذا المطلب النافع وأقوي العزيمة واجتهد في دفع الموانع فأول ما ابتدئ بقصد الملك وانظر ما يصدر منه قولاً وفعلاً في هذا الأمر المشتبك فأبني على ذلك ما يناسبه وأجاريه فيما يميل إليه خاطره ولا أجاذبه ثم توجه إلى الأسد ودخل عليه فوجد الدب جالساً بين يديه وقد بلغه قضية النديم وأنه حل به العذاب الأليم فاغتنم الفرصة وبادر ليتم على أبي نوفل الغصة ويتعاطى في أمره قصة وخصة فأراد أخو نهشل أن يفتتح الكلام ثم أفكر في أنه ربما يعاكسه الدب في المرام وأنه إذا قام في المناقضة لا يمكنه مقابلته المعارضة وإن سكت فالسكوت رضاً وإن وافق فعلى غير مراده مضى فأمسك عن الكلام ورأى السكوت مقتضى المقام ثم أمعن النظر وأجال قداح الفكر فرأى أنه إن انفصل المجلس من غير أن يفصح بشيء وينبس ربما يفوت المقصود أو يسابقه بالمعاكسة عدو أو حسود لا سيما مثل الوزير الرفيع الخطير صاحب الرأي والتدبير وهو عدو قديم وفي طرق الخزي نظيره عديم فإذا بادر بالكلام ربما يقع منه فلتة بمقام كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا
فتلقاه الملك بقبول فيصول كما يختار في ميدان الفتك ويجول فتنعقد الأمور وتتقصد وتنعقف الأخلاق الأسدية وتتعرد فرأى الأولى المبادرة بالكلام والوقوف في مقام الشفاعة أنسب بالمقام فإن عارض أحد عرف أن جوهر كلامه عرض ولا تصدى إلا لغرض وكان الملك قد سمع كلامه بعد معرفة سلامته وإلقائه على أبي نوفل عذله وملامه وكلامه معه وينهمك مقبول وما لأحد عنه عدول، وكان الدب منتظراً خروجه من عند الملك حتى يختلي بالكلام معه وينهمك فأدرك أخو نهشل هذا المرام فوقف في مقام الدعاء وبادر بالكلام ثم قال بعد وظائف الدعاء والقيام بما يجب من مراسيم الثناء العلوم الشريفة والآراء المنيفة محيطة أن من عادة الملوك العظام وأخلاق السلاطين الكرام العفو عن الجرائم والاغضاء عن العظائم لا سيما إذا صدر ذلك من أحد المخلصين والعبيد المتخلصين على سبيل السهو والخطأ لا على سبيل العمد والأبترا:
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسني فقط

وأن العبد الأقل أبا نوفل الواقع في الخطر الخطير المعترف بالذنب والتقصير متوقع غفرها من صدقات الحضرة الملوكية ومراحمها وما اعتاده من حملها الشامل ومكارمها ومحتم على الملوك القيام بقبول الشفاعة دون سائر الخدم والجماعة خصوصاً وقد كان رفيقاً نديماً ومصاحباً قديماً ولا يقصد المملوك بذلك الأسواق الحسنات الكثيفة إلى دفائر الصدقات الشريفة وقصد الخير وذهاب الاسي والضير وانتشار صيتها في الآفاق والأطراف بالعلم والحلم والعفور والصفح والفضل والعدل والألطاف فلان الأسد جمن هذا الخطاب وعرف أن قصد الشافع من هذا إنما هو الثواب والصواب فاطرق ملياً ولم يحرمن الأجوبة شيا فتأثر الدب الخبيث والعد والقديم لهذا الحديث وخاف أن يكون الكوت رضا وأن هو رضي يفوت منه المنى والأطراق علامة الحلم والسكوت في الحرب دليل السلم ومن فوت الفرصة وقع في غصه ومتى بقع أبو نوفل المختال في مثل هذا العقال وما أطراف مقال من قال:
وإن رأيت غراب البين في شرك ... فاذبح وكل وذر الأفراخ في عنقي
(وقد قيل):
إذا صارت أعداء نملاً فانهم ... إذا لم تطأهم أصبحوا مثل الثعبان
وكم ذا يقاسي من أذاه وقرصه ... على ضعفه أن صار داخل آذانفانبرى وانبرم وتصدى للمعاكسة ذلك البرم وغطى دسائس لؤمه بنقوش الكرم وقال أعلم أيها النديم القديم ومن هو للملك أو في خديم أن الواجب على جميع الخدام أن يكونوا في الصدق متساوي الأقدام ولا يقدموا على نصيج الملك غرضاً ولا يطلبوا سوى رضاه على النصيحة عرضاً فلا يصادقوا الخائن ولا يصدقوا المائن ولا يواطؤا الخاطي ولا المذنب المتعاطي ولو بالكلام الواطي ولا يخفوا الخيانة والجنابه ولا يرعوا في ذلك أدنى الرعاية فساعد السارق سارق ومعاضد المارق مارق والقيام مع الجاني جناية وإخفاء الخيانة نكاية وفي هذا الكلام كفاية ومن اعتذر من حناية جان لا سيما أن كانت في حق ملك أو سلطان فهو شريك فيها بل أعظم جرماً من متعاطيها لأن عظم الجناية يا ذا الدراية إنما هو بحسب المجني عليه وأن ذلك لوهن عائد إليه لا على مقدار الجاني وأنت لا تجهل هذه المعاني ولهذا قال بعض أهل الافضال أن تعاطي الفساد يا ذا الرشاد ليس فيه صغبره وأن كل ما يخالف الأمر كبيره وذلك بالنظر إلى الجناب الأقدس القاهر تعالى وتقديس فقال أخو نهشل كلام مولانا الوزير هو المفضل وما أشار به هو الصواب المعدل يا مولانا الوزير علمك الخطير خبير باننا كلنا محل الخطأ والتقصير ولا يسع الكبير منا والصغير إلا الحلم الغزير والعفو عن كثير وقل لي من هو البرئ عن الهفوة والذي لا يتوقع من مولانا الملك عفوه وأن لم تقع الشفاعة في الجاني وذي الخلاعه ومخالف سنة الجماعة فالمحسن لا يحتاج إلى شفاعه ومن لم يجير المكسور ويأخذ بيد المحقور فما يجد عند انكساره جابراً ولا يؤخذ حين بيد حين يصير عاثراً وقد قيل من مثلك الفضيل وصاحب الأدب الجزيل:
إذا أصبحت فينا ذا اقتدار ... وأمرك في رقاب الخلق جاري
أقل وأقبل عثارا واعتذارا ... فمن يقبل يقل عند العثار
فما زال الصغار ثروم عفوا ... وغفران الكبائر من كبار

وأحسن العفو يا ذا السلوك عفو السلاطين والملوك لا سيما إذا عظم الجرم وكبر الأثم فإن العفو إذ ذاك صادر من ملك ذي سلطان قادر مع قوة الباعث على المؤاخذة والقدرة الشاملة النافذه وغير الملوك من العاجز والصعلوك عفوهم إنما هو عجز خشيه أو لتمشية غرض مشيه والملوك إنما عنهم الخلال الحميدة والخصال الشريفة السعيدة وإلا كابر يعفون والاصاغر يهفون وقد قسم الحكماء والحكام ما يقع من الذنب والآثام أربعة أقسام فاسمع يا كبير هفوة وتقصير وخيانة ومكروه وحرروا ذلك وضبطوه وذكروا لكل جزءاً قروره فجزاء الهفوة العتاب وبه نطق الكتاب وجزاء التقصير الملامه على ما أورث من ندامة وجزاء الخيانة العقوبة فإن في ارتكابها للعاقل صعوبة وأعظم بعقابها مثوبة وما يرتكب المكروه إلا الغافل المعتوه وجزاؤه أيضاً بمثله وهذا على مقتضى العقل وعدله والذي صدر في سابق القدر من المخلص أبي نوفل إنما هي هفوة بها زل وجزاؤه على هذا الحساب إنما هو العقاب وقد استوفاه وزيادة وفي هذا لمولانا الملك الإرادة فإن شاء عاقب على الذنب الصغير وإن شاء عفا عن الجرم الكبير والهفوة لا يكاد يسلم منها الخواص فضلاً عمن هو في شرك العبودية والأقتناص ولأن يؤثر الفضل عن الملك وعلى طريق عفوه يسلك الدرب للستلك خير من أن يؤثر عنه لنفسه انتقام ويخلد ذلك على صفحات الأيام ولا شك أن سيرة العفو والفضل أفضل من القصاص والعدل وذلك هو اللائق بالحشمة والأوثق للحرمة والأجدر لناموس السلطنة والأبقى على ممر الدهور والأزمنة وقد قال سيد المرسلين وحبيب رب العالمين ينادي مناد يوم القيامة من كان له عند الله يد فليقم فلا يقوم إلا من عفا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فاعفوا يعزكم الله ولقد كان جماعة من عظماء الملوك والأكابر يبحثون عمن تعاطى الذنوب والأجرام من الأصاغر لا سيما لمن يتعرض لذات الملك ونفسه ويستعين بطوائف على فساده من أبناء جنسه فإذاقدروا عليهم وتلذذوا بالعفو والإحسان واستعفوا وحسبك يا أبا جهينه ومن فضله أعذب مزينه واقعة ابن سليمان المخلدة على ممر الأزمان وما تضمنت من مكارم الأخلاق التي تعطرت بها الآفاق فتوجه الأسد إليه ومال وقال أخبرنا يا أخا نهشل كيف كان هذا المثال (قال) لها انتهت أيام بني أمية وتطرزت خلع الأيام بأعلام الدولة العباسية وأشرق بطلعة أبي العباس السفاح في ديار جير الدهر أيمن صباح بأحسن فلاح اختفت نجوم أفلاك بني أمية وكواكب من بقي من تلك الزواهر المضيه وكان منهم إبراهيم ابن سليمان بن عبد الملك بن مروان وجعل السفاح يتطلبهم ويرغب من يدري بهم ويرهبهم إلى أن ظهر ابن سليمان وكان من أمره ما كان فحكى أنه كان بالحيرة مختفياً في هم وحيره قال ففي بعض الأيام تراءت لي على سطح سواد أعلام فوقع في نفسي وغلب على حدسي أنها قد جاءت لطلبي راغبة في عطبي فتنكرت في الحال واختفت وخرجت من الحيرة وإلى الكوفة أتيت فدخلتها خائفاً أترقب ولم يكن لي فيها مترصد ولا مترقب ولا صديق أركن إليه ولا صاحب أعول عليه فصرت في تلك البلاد مثل المنشد ببغداد:
بغداد دار لآهل المال منعمة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديق

فأداني المسير إلى باب كبير منظره جليل وداخله دهليز طويل ليس فيه أحد من الحجاب والرصد فدخلت إليه وبه مكان فجلست عليه وإذا برجل جسيم الشكل وسيم على فرس جواد مع طائفة من الأجناد فدخل إلى دهليز الباب وفي خدمته غلمانه والأصحاب إلى أن نزل عن دابته وانفرد عن جماعته فلما رآني في وجيف ووجل قال من الرجل فقلت خلالك الذم مختف على دم واستجرت بجوارك ونزلت في ديارك فقال أجارك الله لا تخف من سواه ثم أدخلني في حجرة لطيفة تشتمل على أشياء ظريفة قد جعلها مضيفة ينزلها كل من قصده جهله أو عرفه فمكثت عنده حولا أصول في نعمه صولا ولا يسألني فعلا ولا قوة بل كان يركب من الأسحار وينزل إذا انتصف النهار وذلك كل يوم لا تأخذه عن ذلك سنة ولا نوم فسألته في بعض الأيام ونحن في أهنى مقام وقد صرت عيبة سره ومرآة قلبه وصدره عن ركوبه ونزوله وموجب تنقله وحلوله فقال أن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك بن مروان قتل أبي صبرا وأورثني بذلك نكدا أو ضرا وأوهج في فؤادي لهبا وجمرا وقد دارت على بني أمية الدوائر وبلغني بقتله من كربه فآخذ بثاري وأكشف عني عاري وأطفئ لهبي وآخذ ثار أبي قال ابن سليمان فعجبت من قضاء الرحمن وكيف ساقتني أرجلي إلى شبكة مقتلي وأمشاني القضاء برجلي إلى من هو دائر على قتلي فاستحييت منه ومن الله وكرهت عند ذلك الحياة فسألته عن اسم أبيه لا تحقق ما يبديه وينهيه فأخبرني فعرفته إني أنا قتلته فقلت يا هذا وجب على حقك وأنا غريمك ومسترقك وقد قرب الله خطاك وأنا لك متمناك فقال وما ذاك فقلت أنا إبراهيم الذي على طلبه تهيم وأنا قاتل أبيك فافعل بي ما يرضيك وخذ ثارك وأطفئ نارك فقال كأنه طال بك الجفاء وأضر بك الاختفاء فأردت بالموت الخلاص واستندت لدعوى القصاص فقلت لا والله الذي علم السر وأخفاه بل قلت الحق وفهت بالصدق وخلاص الذمة في الأولى أخف من قصاص الأخرى وأولى أنا فعلت بأبيك الأذى في يوم كذا ومكان كذا قال فلما علم ذلك مني وتحقق أنه صدر عني احرت عيناه وانتفخت شفتاه وقامت عروقه ولمعت بروقه وأزبدت شدوقه وأطرق إلى الأرض وكاد يأكل بعضه البعض وجعل يرجف ويرعد ويزأر كالأسد ويتململ كريشة تقلبها الريح في قاع البلد واستمر على ذلك زمانا يتأمل فيما يفعله بي إساءة وإحسانا إلى أن سكنت رعدته وبردت همته فأمنت سطوته وقهر جديسورته ثم أقبل على رفع رأسه إلي وقال أما أنت فستلقى أبي غدا فيقتص له منك جبار السما وأما أنا فلا أخفر ذمتي ولا أضيع جواري وحرمتي ولا يصل إليك مكر ومضى. ولكن قم واخرج عني فلست آمن نفسي عليك ولا أقدر بعد اليوم أنظر إليك ثم دفع إلى ألف دينار وقال استعن بها على ما تختار فلم آخذها ولا نظرت إليها وخرجت من داره ولم أعرج عليها ولم أر أكرم من ذلك الرجل ولا أحلم ولا أعظم مكارم منه ولا أجسم. (وإنما أوردت) هذه الحكاية وقى الله مولانا شر النكاية ليعلم أن الذنب الكبير يستدعي العفو الكثير ممن قدره عظيم وحسبه جسيم ونسبه كريم كما قيل في محكم الكتاب الحكيم: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. فقال الوزير ناموس السلطنة وحشمتها وهيبة الملك وحرمتها له شروط كل منها محرر مضبوط وبالمحافظة عليه محوط ولا بد من إقامة أركانها وتشييد بنيانها ويجب الوفاء بها على المملوك والمالك ويفترض القيام بها على سلاطين الممالك والإخلال برعايتها وهن في الولاية فلا غنى عن العمل بها ورعايتها أحسن رعاية فمن ذلك أن لا يسامح جماعة ولا يغفل عنهم وعن كيدهم ساعة فساعة ولا يركن إليهم في إقامة ولا سير حيث لا يصدر عنهم للملك ولا للملكة خير فمنهم من يعزل الإنسان عن منصبه من غير وقوف لعزله عن سببه ومنهم من يوالي أعداء الملك وهو ذو اجتراء منهمك ومنهم من يراعي مصلحة نفسه ويقدمها على مصلحة مخدومته في حالتي رخائه وبأسه ومنهم من يفشي سره ولا يراعي خيره وشره ومنهم من يتعرض لسقطه وغلطه لتغيير خاطره وسخطه ومنهم من ينتقص حرمته وينتهك عظمته وحشمته ومنهم ذو الطبع اللئيم المفسد في الحريم ولا شك أن أبا نوفل المهمل المغفل قد ارتكب بعض هذه الصفات وهو متلبس بأشنع الحركات وهذا يدل على لؤم أصله وشؤم محله وسوء طوبته وفسداد نيته ومن أكرم اللئيم فهو

الملوم وهذا أمر معلوم وقد قيل:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فقال أخو نهشل الفقير لا تقل ذلك أيها الوزير فإن أبا نوفل عبد خديم ومخلص قديم وظريف نديم ومحب صديق وودود شفيق أمين ثقة ذو وفاء ومقه محب ناصح وجليس صالح لم يعلم مولانا الملك عليه إلا الخير ولم يزل يسير في طريق العبودية أحسن سير ولم يطلع منه على شيء يعينه ولا يشينه في الدارين ولا يريبه بل هو ملازم لوظائف عبوديته مباشر لما يجب عليه من شرائط خدمته لم يصدر أبدا غش لمخدومه ولا خروج عن امتثال أوامر مرسومه فإن منه هفوة نادرة أو سهوة بادره أو جفوة سادره فحلم مولانا الملك لا يقتضي بل ولا يرتضي إطراح هذه الأوصاف المتعاضد لأجل هذه الزلة الواحدة كما قيل:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللاتي سررن ألوف
مع أنه حصل له من كسر الخاطر وإحراق القلب وإغراق الجفن الماطر ما لا يجبره إلا العواطف السلطانية والمراحم الشريفة الملوكية ونظرة من الحنو والعطف وذرة من الشفقة واللطف تكفيه ومن أليم الجفاء تنجيه وبعد شدة الممات تحييه وإلا فلا نعرف أحداً يجبر كسر ذلك الوهن أبداً إلا الآلاء السلطانية من يد العلو تعالى مقامها إلى درجات السمو والعطف والحنو ثم عطف على الدب وقد حفر لإيقاعه الجب وقال أما أنا مع قلة البضاعة واحتقار مقامي بين الجماعة فقد أقمت نفسي لما وجب عليها في مقام الشفاعة فلا أقصر فيها ولا أرجع عنها ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها وأسال صدقات مولانا أبي اللماس المساعدة في إنجاز هذا الالتماس وأن يكون هذا شريكاً لي في إحراز هذا الجعل والوصول إلى أنواع الفضل من هذا الفصل فإنه يرد عنا فئة ومن يشفع شفاعة سيئة وأرجو من وزير الممالك أن لا يقع منه مخالفة في ذلك فإن من سكن الكرم في ربعة لا يصدر منه ما يلبق بكرم طبعه اللئيم بتكلفبل يحسد عليه ويتأسف إذا شرع في مكارم الأخلاق وتعاطى فيها ما لم يقسمه له مقسم الأرزاق ترى وجوه محاسنها في مكانها تتستر منه بانقاب النشوز وأبكار خدورها في قصورها تتراءى لعينه في صورة شوهاء عجوز فلا يطاوعه لسانه في طيب المقام إلى طيب المقال ولا يبعثه جنانه إلى مباشرة حسن الفعال فيصير كما قيل:
يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل
والناس على دين ملوكهم سالكون طريق سلوكهم وحيث كان مولانا الملك مجبولاً على الشفقة الكاملة والمراحم الشاملة فكلنا يجب على ذمتنا ويلزم دائرة همتنا أن نتخلق بإخلافه العلية ونتشبث بأهداب شمائلها الرضية ونتعاون جميعاً على التزين بملابسة ملابسها البهية ونستضيء بل نهتدي في دياجير المعاش بدراري أفلاك صفاتها الزكية فإن العبد فيما يتعاناه مجبول من طينة مولاه وإن الله جل وعلا لا يضيع أجر من أحسن عملاً قال فالجم الدب ذو الساقطة بما فعله من المغالطة ثم أمسكوا عن الكلام وانتظروا ما يصدر من الضرغام فلم يبد خطاباً ولا أنهى جواباً سوى أن قال صلوا في الرحال ولا تبدوا ولا تعيدوا ولا تنقصوا في هذه القضية ولا تزيدوا حتى أمعن فيها النظر واستشير فيها مشير الفكر فمهما أشار إليه الرأي وأرشد إلى اتباعه الهدى فيما يتعلق بحاله تقدمت إليكم بامتثاله فلما انصرفوا توجه أخو نهشل إلى الحبس وذكر لأخيه ما جرى بينه وبين ذلك النحس ثم قال: أبشر بالنجاح والفلاح والصلاح فقد رأيت في جبين الفوز نور صباح ولا شك أن الله الغفور يجري على يدي ولساني من الأمور ما يجلب السرور ويذهب الشرور فكن أوثق سبور وإن حصل في الطريق عقبة تعويق فلا يكن في صدرك حرج فإن وراءها باب الفرج فإن الظفر مقرون بالصبر والصبر مشفوع باليسر وقد أجاد صاحب الإنشاد:
أصبر على ما جرى من سابق قدما ... فمركب الصبر بالإمهال تلحفه

فشكر له جميل سعيه ثم عرض على مشير وعيه فقال: كنت أرى إن هذه القضية تؤخر ويرجا السعي في أمرها ولا يذكر وسبب ذلك أن الطالع قد أدبر والحظ عن المساعدة قد تأخر وإذا تحرك الشخص والسعد ساكن وتبسم الدهر والزهر باك وطلب شكر مسالمته وهو شاك فهو كقاطع البحر بالمراكن والباني على ثبجه أماكن لا يصلح له عمل ولا ينجح له أمل فيشبه إذ ذاك الحمار المعصوب العينين في المدار يقطع بالمسير زمانه ولا يفارق مكانه كذلك من يتعاطى الأعمال والسعد غير عمال فلا يستفيد إلا التعويق والتبعيد ففي تلك الحال ينبغي الإمهال لا الإهمال إلى أن يتوجه السعد بالإقبال فعند ذلك مد الشباك وصيد السماك فإن السعد أتاك والدهر واتاك وناهيك قصة كسرى القديم مع وزيره بزرجمهر الحكيم فسأل أخا نهشل بيان ما نقل من المثل أخوه أبو نوفل (فقال) بلغني أن كسرى أراد التنزه فثنى إلى حديقة عنان التوجه وطلب الحكيم بزرجمهر وجلسا تحت دوحة زهر على بركة ماء أصفى من دموع العشاق وأنقى من قلوب الحكماء ثم طلب طائفة من البط لتلعب قدامه في البركة وتنغط وجعل ينادم وزيره ويتلقف منه حكمه المنيره ويتعرج على البط وهو يلعب ويتأمل في أنواع حكم الصانع الخاتم من أصبعه وهو ساه وشاهد بزرجمهر هذا الأمر فما أبداه ولا أنهاه فالتقمته بطة وغطت في الماء غطة وكان فيه فص ثمين وكسرى به من المغرمين فلما سود قلم الاقتدار بياض النهار وأكمل مشقة على قرطاس الأقطار أذن كسرى للوزير بالانصراف وقد أسبغ عليه خلع الأنعام والإسعاف ودخل كسرى إلى الحرم وافتقد من أصبعه الخاتم فلم يتذكر ما جرى له ولا وقف على كيفية هذه الحالة فأرسل يطلب الوزير البارع وسأل منه عن خاتمة الصائغ وكان الوزير قد نظر في الطالع فرأى أن الكلام فيأمر الخاتم غير نافع فلو تكلم بصورة الواقع ذبح جميع البط وما وجد لأن الطالع مانع فكتم أمره وكلمه بكلام الحقيقة الحد جامع مانع ثم أنصرف وذهب واستمر كسرى على الطلب ولم يزل بزرجمهر يراقب الأوقات وينظر في أحوال الساعات إلى أن استقام الطالع وزال من السعد المانع وتيمن الفال وحسن البال وحال الوبال فتوجه بزرجمهر إلى خدمة مخدومه وأخبره بما كان مخفياً من أمر الخاتم في جيب مكتومه وأنه سقط من أصبعه وهو على البركة في موضعه فبادرت بطة إلى الغطة فاختطفته وابتلعته بعد ما التقمته فأحضروا البط جميعه وذبحوا من عرضة واحدة بديعة فوجدوا الخاتم في حشاها ولم تحوج إلى ذبح سواها ثم سأل كسرى الحكيم الأديب لمَ لم يخبره بهذا الأمر الغريب في أول وقوعه وصدوره وما موجب تأخيره فقال: كان إذ ذاك الجد في انعكاس والسعد في انتكاس والطالع في سقوط والنجم في هبوط وأما الآن فالطالع واستقام والسعد كالخادم أقام ونجم السعود قد حال عنه الهبوط والوبال وفي استقامة السعد وإقباله من بعد يفعل الشخص ما شا فالدهر معه جار سواء جاري أو ماشي (وإنما أوردت) هذا النظير لتعلم أن معاندة التقدير أمر خطير وخطب عسير فربما يفرغ الإنسان جهده في المبالغة ويكون الأمر فيه ممانعة ومراودة فينعكس المرام ولم يحصل سوى إضاعة أيام ولم أذكر هذه المفاوضة إلا على سبيل العرض لا المعارضة لما علم منك من وفور الفضيلة وإن مقاصدك على كل حال جميلة فقال أخو نهشل الأمر كما زعمت وأشرت به ورسمت ولكن خشيت أن لم أبادر يسبقني عدوة غادر أو حسود ماكر أو مبغض مكابر فينهى المسامع ما ليس بواقع فلم نشعر أيها البطل إلا وقد ولج قلب الملك أنواع من مكر ودخل فيصير كما قيل:
أناني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا

لا سيما وقد تقرر في الأمثال عند غالب الرجال أن الدعوى لمن سبق لا لمن صدق وبالجملة يا أبا عويله إذا كانت مقاصد الشخص جميلة فإن الله تعالى ينجحها ولا يفضحها ويدبرها ولا يدمرها وإن كان في الظاهر وعند البادي والحاضر يظهر في بعض القضايا نوع هم وغم لكن ذاك السر لم يطلع عليه إلا مدبر العالم وإذا فوض الشخص الأمور إلى العزيز الغفور الذي هو مدبر الطالع والغارب وفي الحقيقة رب المشارق والمغارب وعلم أن مقاليد الأمور بيد تدبيره وإن ملوك الأرض تحت تصريف تقديره وتسخيره استراح في كل المطالع وأخلص التوكل فنجاه الله من كل الوقائع وأوصله إلى ما رام من المطامع (وحسبك) قضية الناصح الأستاذ الأمين الدمشقي مع الخائن جاسوس بغداد وهي طويلة طائلة في مجلدة كاملة وأيضاً لم أبادر بمفاتحة السلطان في أمرك يا أعز الإخوان إلا لئلا أنسب إلى نهاون وتوان وما من شروط المروة والصداقة والأخوة أن يتخلف الفطن في مثل هذا الموطن عن مساعدة الأصحاب ومعاونة الأحباب لا سيما صديق مثلك وحبيب متسم بفضلك وإني لا أدع من أنواع الاجتهاد وما يحسن ببالي في الإصدار والإيراد شيئاً إلا فعلته ولا أمر إلا قدمته ولا فكر إلا استعملته ولو بذات في ذلك روحي ومالي وخيلي ورجالي وإني مباكر باب الملك وملازمه كأحسن من سدك فإن رايته مكرماً مقامي مصغياً إلى كلامي خاطبته بما يليق وسلكت في الشفاعة وحلو العبارة أوضح طريق وإن شاهدت في خلقه شكاسه وفي طبعه شراسة وصعوبة وشماسة سلكت سبيل حسن السياسة وفي الجملة استعمل علم الفراسة وفي كل حكم نظيرة وقياسة وأستعين بالأقرباء والأولاد وأغالط المناقض والمعارض من الأعداء وأقصد النحج وأراقبه وارتقب السعد وأخاطبه وأسلك مع كل أحد ما يناسبه فالعدو أقتله والحسود أختله والعذول أفتله والمحب أحتله والمبغض أبتله ومن تصلب في المدافعة أمثلة إلى أن ينقضي هذا الأمر وينطفي منه الجمر ويقبل مبشر الأماني بالطبل والزمر ثم أنه بات مفكراً وبادر إلى الصباح مبكراً وأم أبواب السلطان قبل سائر الخدم والأعوانفوجد الدب قد سبقه وجلس من عين المكروه في الحدقة وقد فوق سهم الكبد وصوبه إلى شاكلة الصد ولم يبق إلا إطلاقه ليشد من المرمى وثاقه فقبل النديم الأرض وأعلن سلامه وقطع على أبي حميد كلامه وعارض ملامه وناقص مرامه وقال أدام الله أيام السعادة وأعوام الحسنى وزيادة المستمدة من بقاء مولانا السلطان وعمر دهره المخلد على تعاقب الزمان وأطأ قمم الأمم مواطئ قدمه وأطاب بطيب حياته معايش عبيده وخدمه كانت المواعيد الشريفة والآراء المنيفة سبقت بالتأمل في أمر عبدها القديم وخديمها الفقير النديم وجالب سرورها أبو نوفل النديم مع ما كان لائحاً وعلى صفحات الرضا واضحة من شمائل الأخلاق الملوكية ومكارم الشيم السلطانية إن مراحمها ستأخذ بيد العائر وتقبل عثرته بحسن المآثر بحيث يشرح الحاسر ويربح الخاسر والمملوك يسأل مراحمها ويرجو مكارمها أن لا تخيب ظنه وأن تجبر بتحقيق ظنه وهنه وأن تجري مماليكها وعبيدها على ما عودها من الصدقات قديمها وجديدها ثم أنشد وإلى الرضا أرشد:
أرجو بالعباس أن يروي لنا ... عن ثغرة الضحاك نوراً يقتبس
فأقرأ تبسم ضاحكاً من قولها ... متهللا نحوي ولا تقرأ عبس

فتبسم أبو العباس ابتسامة ظهرت منها للرضا علامة فاشتعل الدب من القيظ وكاد يتمزق من الغيظ وعلم أن عقد أمره انفرط ونجم سعده من فلك السعد سقط وأنه لم يكتسب من مكايد القساوة إلا هاتيك العداوة وانكشف عند مالكه ما وطاه من مغطى وقرأ كل أحد حديث ذلك الموطأ وغلب عليه الوجد في الحال فخرج عن دائرة الاعتدال وسكر من خمرة العداوة فطفح وعربد وشطح فقال: كل من ستر على أعداء الملك فهو في الخيانة والجناية مشترك وكل من شفع في الجاني فهو في قيد العصيان عاني بل هو أشد من المباشر إذ هو معاشر للمتعاطي ومكاثر والإبقاء على المعصية شر منها والرضا بكفر الكافر فتنة يفر عنها وما أظنك أيها النديم العارف القديم لمعرفة هذا القدر عديم فإن أبيت إلا الإصرار ومساعدة الفجار ومعاونة الأشرار فأنت حينئذ مستخف لهيبة ولي نعمتك مستنقص حرمة مالك رقبتك طالب لابتذاله مستهين بمقام جلاله راض بتسليط الأنذال والأوغاد الأراذل على انتهاك حرمته وابتكاك أستار حشمته ونحن لا نرضى بذاء الذمامة ولا كيد للمخالف ولا كرامة فعند ذلك استشاط الغضنفر وتأثر لكلام الوزير وتغير وزأر وهمر وزفر زفرة وزمجر وكاد أن يثب على أبي جمهر ثم أنه تماسك وتناسى الغدر وتناسك وقال يا أبا سلمة كبرت كلمه غيمة الأصحاب والنميمة بين الأحباب وساءت حركة وبئست ملكه تناسى الحقوق وتحاسى العقوق وإطراح جانب الصديق الصدوق والرفيق الشفوق وإضاعة خدمة الخديم لا سيما النديم القديم ولم تزل الأصاغر تستمطر مراحم الرؤساء والأكابر ولم تبرح الملوك تعطف على مسكينها الصعلوك أنسيت ما قلت لك في حقيقة من ملك وهو:
ليس المليك الذي تشقى رعيته ... وإنما الملك مولى يحفظ الخدما
وأيضاً لم تزل الأصحاب تساعد أصحابها وتستعطف عليها ملوكها وأربابها وترفع بحسن السفارة من ستائر الدهشة حجابها ويثبتون بذلك الأجر العظيم والثواب الجسيم والثناء العاجل والجزاء الآجل في صحائف مخاديمهم ويعدون ذلك أربح معاليمهم ويبذلون في ذلك الجهد ويبلغون فيه غاية الكد وذلك مما يجب عليهم ويتقدم بالمحافظة عليه إليهم كما قيل:
يستعطفون الأكابر
يستعبدون الأساغر
يحبون رسم الأوائل
يعملون الأواخر
وأي فائدة واستفادة أيها الوزير أبا قتادة في رعية ملك لا تتفق قلوبهم ولا تستر بينهم عيوبهم ولا تطهر بالصفاء جيوبهم ولا تتجافى عن مضاجع الجفاء جنوبهم ولا يتساوى في الوفاء حضورهموغيوبهم تراهم في الغيبة يفت بعضهم بعضاً فتاً ويرعون لحومهم قتا كبهائم لاقت في مرعاها قتاً وفي الحضور تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ثم إن كان أخو نهشل يساعد أخاه أبا نوفل فذاك شيء يجب عليه ويندب فإنه صاحبه القديم وجليسه القويم وإن تخلى عنه فماذا يرجى منه وحجر النوائب هو محك الأصحاب وجمر المصائب يظهر من تبر الصداقة اللباب وقد قام في هذه النوائب بعدة أشياء كلها عليه واجب أولها القيام بحق أخيه والسعي في خلاصه من هذا الأمر الكريه ثانيها ساق إلى صحائفي الحسنات وقصد لي رفع الدرجات ثالثها طلب رضا خاطري وما يشرح صدري ويسر سرائري رابعها مباعدتي عن الآثام وخلاص ذمتي من الوقوع في الحرام فربما يحملني العنود والخلق الشرود على التعدي في الحدود خامسها اشتهار أسمي بالفضل وعدم المؤاخذة بالعدل فيشيع في الآفاق عني مكارم الأخلاق سادسها انتشار صيتي بحسن الوفاء بحقوق الإخوان وعدم الجفاء سابعها أنه غرس في قلوب الأماثل محبته وزرع في أوراح الأفاضل مودته وإن كان صدر من أبى نوفل ما صدر فإنه اعترف بالذنب وعنه اعتذر فنعمل معه بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر كما قيل:
اقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا

ولو بلغت هذه الحكاية غاية الشر ونهاية النكاية ماندني واقعة الملك الصافح عن عدوه المؤذي السافح فقبل الدب الأرض وقام في مقام العرض وسأل الملك بيانها ليعلم بحسن التصريف فرزاتها ويقيس عليها أوزانها (فقال) ذكر أن بعض السلاطين تصدى له عدو من الشياطين يحرض عليه الأعادي ويفسد عليه الحاضر والبادي ويجتهد في إقامته ومسيره في إزالة الملك عن سريره ويغري به العساكر فيقابله ظاهراً بالنواكر باطناً بالمواكر وما فسد منه إلا بدواعي الحقد والحسد فجعل الملك يسترضيه بالهبات فلا يرضى ويستدنيه بالصلات فلا تزيد صلاته إلا بعداً ونقضاً كما قيل:
إلى كم يداري القلب حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلا زوالها
فاضطر الملك من أموره واشتغل لإيقاعه بنذوره وجعل ينصب له شرك الوقائع ويجتهد ف إيقاعه بكل دان وشاسع وذلك الباغي أحذر من الغراب وأسهر من طالع الكلاب والملك لا يقر له قرار ولا يطيب له عيش لا بالليل ولا بالنهار فكان من أحسن الاتفاق أن علق ذلك الباغي ببعض الأوهاق فحمل إلى حضرة الملك وهو في قيد البلاء مشتبك فلما رآه في قيد النكد بادر إلى الأرض فسجد وقال الحمد لله المغيث حيث أمكن منك أي خبيث أترى هذا المنام فهو أضغاث أحلام أم سمح الزمان بأهل العدوان وأنا يقظان ثم شرع في السب والتجديع والتوبيخ والتقريع وأقسم بالفالق الأصباح وخالق الأرواح والأشباح ليفعلن بذلك النباح من النكال والجراح ما فعل المصطفى عليه الصلاة والسلام مع سراق اللقاح وليذيقه كأس البأس وليجرعنه من خمر المنية أمر كأس ثم أمر الجلاد أن يأتيه بماله من القطع والسيف والعتاد فعلم ذلك الزنديق أنه وقع في الضيق وأنه لا ينجيه أخ ولا صديق ولا افتداء بشقيق ولا حميم وشفيق فضلاً عن مال ومنال أو خيل ورجال فلما غسل يده من العيش استهوته الخفة والطيش فشرع في السباب ودخل في الشتم من كل باب ورفع بفاحش الكلام الصوت وقال ما بعد الموت موت فسأل الملك أحد الوزراء ماذا يقول من الافتراء هذا الظالم المجتري الباغي المفتري فقال يدعو بدوام البقاء ورفعة مولانا الملك والارتقاء ويقول ما أحسن العفو عند المقدرة واللطف والكرم أيام الميسرة وإن لم ثم مجال للمعذرة ولو جعل العفر شكر المقدرة لكان أولى وأعلى مقاماً في مكارم وأحلى كما قيل:ما أحسن العفو من القادر لا سيما لغير ذي ناصر

ويترجم على أسلاف مولانا السلطان الذين كان شيمتهم العفو عن ذوي العصيان وكان ذلك منتهى لذتهم وغاية أمنيتهم وما أجدر مولانا الملك أن يحيي مكارم سلفه ويجعل العفو كلمة باقية في خلفه ولا زال يقول من هذا المقول حتى لان له القلب القاسي ورق له قلب الملك الجاسي فأمر بإطلاقه ومن عليه بإعتاقه وكان أحد الوزراء وأركان الأمراء شخص يعاكس هذا الوزير ويناقضه فيما يراه ويشير وبينهما مرت أسباب عداوة أحلى في مذاق طبعهما من الشهد والحلاوة كل مترصد للآخر زلة متوقع لإيقاعه في شبكة البلاء غفلة فحين رأى شقة الحال نسجت على هذا المنوال وجد فرصة للمقال فتقدم وقال ما أحسن الصدق وأيمن كلام الحق خصوصاً في حضرة المخدوم وهذا أمر معلوم عدو مبين وحسود مهين لم يترك من أنواع العداوة شيئاً إلا تعاطاه ولا من الإفساد والشر صنفاً إلا هياه قد أهلك الحرث والنسل وبدل جنتي الصلاح من الفساد بخمط وأثل إلى أن أمكن الله تعالى منه وحان تفريغ الخواطر الشريفة عنه ثم أنه في مثل هذا المقام بين الخواص والعوام يثلب الأعراض من الأمراض ويجهر بالسوء من القول ويصرف في الخنى والسب ما له من قوة وحول كيف يحل السكوت عن جرائمه وتغطية مساويه وعظائمه فضلاً عن أن تتجلى سيئاته في خلع الحسنات وتتحلى شوهاء سواخط أدعيته بملابس أحسن الدعوات ومع هذا يطلب له التوقع والخلاص والإطلاق من شرك الاقتناص وهو على ما هو عليه من الإساءة المنسوبة إليه أما والله يا مولانا الهمام وسلطان الأنام ما قال إلا كذا كذا من قبيح الكلام وتناول العرض المصون بالسب والدعاء والملام فتغير خاطر الملك وتعكر وتشوش صافي خاطره وتكدر ثم قال أيها الوزير ذو الصدق في التحرير والله وحقك إن كذب هذا الوزير عندي خير من صدقك فإنه بكذبه أرضاني وإلى طريق الحق هداني وأصفى خاطري من الكدر وأطغا ما كان تلهب في غيظي من شرر ونجاني من دم كنت أريقه ولا يهتدي إلى كيفية استحلاله طريقة فأصلح بذلك ذات البين وأصار المتعادلين أحسن محبين وخلد ذكري بجميل الصفات وسلك بي طريقة أجدادي الرفات وأما أنت فكدرت عيشي وآثرت غضبي وطيشي وأسمعتني الكلام المر وقد سنى منك الضر وأما أنا فقد أعتقت هذا وأطلقته فلا أرجع في إيذائه وقد أعتقته وقد ثبت لهذا الوزير على حقوق لا ينكرها إلا ذو عقوق ولا تسعها الأوراق والرقوق فكذبه عندي خير من صدقك وباطله أحلى على قلبي من حقك ولهذا قال ذو الأفضال ما كل ما يعلم يقال (وإنما أوردت) هذا الكلام يا كرام لتعلموا إن السلطان بمنزلة الإمام وأركانه له تبغ في القعود والقيام ولا يتم الإئتمام إلا بالاتفاق بين الرفاق فإذا كان الجماعة مجمعين طائعين لإمامهم مستمعين استقام القيام وانتهوا من جميل التحيات إلى السلام ولا يقع لهم انتظام مع مخالفتهم لحال الإمام هذا قائم وهذا قاعد وهذا راكع وهذا ساجد وهذا نائم وهذا هاجد وأيضاً السلطان بمنزلة القلب والرأس وبمنزلة الأعضاء رؤساء الناس وباقي الرعية خدم للرأس والأعضاء منتظرين لما تبرز به المراسيم من الزجر والإمضاء فإذا اتفقت الأعضاء واصطلحت انتظمت أمور كل من الرأس والرعية وانصلحت وإذا وقع اختلاف وتباين في الأعضا صار كل من الرأس والقلب والرعية مرضى ولقد صدق من قال وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرضى المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. وخلاصة هذا الكلام أن قصدي أن تكون أحوال رعيتي على النظام لا يقع بينهم شقاق ولا تنافر ولا نفاق وأما أبو نوفل فيكفيه حياؤه وخجلته فقد انتهت وتمت عقوبته وأخذ حده حده ولا يليق بكرمي أن أرده وهذا الذي ورثته عن أسلافي وهو الحق اللائق بمحاسن شيمي وأوصافي فلما سمع الوزير هذا الكلاموجرح فؤاده نصل هذا الملام ندم غاية الندم وعلم أنه قد زلت به القدم وأنه لا حاجته قضى ولا على صديقه أبقى ولم يستفد مما أبداه من فجم سوى إظهار معاداة أبي التجم وإنه إذا تخلص من حبسه وكربه ورجع عند الملك إلى منادمته وقربه لابد أن يتصدى لمعاداته وسلبه ولا يفيده بعد ذلك أفعاله ولا يسمع في أبي نوفل أقواله فانصرف من عند الملك الطيثار لا يدري أين يضع قدمه من الإفتكار حتى وصل إلى منزله واختلى في فكره بعمله وفرغ للمخلص من هذه الورطة طرقاً وتفرقت رواد أفكاره في منازل الخلاص فرقاً فأدى نصيب الرواد من الآراء ومفيد القصاد من الشورى

إلى السعي في مصالحة أبو نوفل وإزالة ما وقع من الغبر في وجوه الصداقة وتخلل ثم أدى إفتكاره وأورى من زند رأيه شراره إلى أن الذي وقع منه قد اشتهر وعلم به أصحاب البدو والحضر فإذا طلب من بعده الصلح فذلك في غاية القبح إذ كل من في حجره حجز يتحقق إن ذلك خور وعجز فصار يتردد بين هذه الأفكار ويتأمل ما فيها من تحقيق الأنظار وتدقيق الأسرار فبينما هو في بحر الافتكار يلطمه الموج ويصدمه التيار دخل عليه صفي له صافي الوداد وهو ظبي أغر يدعى مبارك الميلاد ذكي الجنان فصيح اللسان دقيق النظر عميق الفكر ذو رأي صواب وشفقة كاملة على الأصحاب فرآه مطرقاً إلى الأرض في فكر ذي طول وعرض فسلم عليه وتقدم بالسؤال إليه عن نشور باله وتوزع حاله فطلب الوقوف على ما ناله لينظر عاقبة أمره ومآله فأخبره بموجب ذلك وأنه قد سدت في وجهه المسالك فقال مبارك الميلاد يا صحيح الوداد أنت قد زعمت أن مولانا السلطان قد ترك أبا نوفل الندمان وطرحه إطراحاً لا رجعة فيه وأنه بعد اليوم لا يذكره ولا يدينه وإن عثرته لا تقال وغصته لا تزول وقصته لا تزال هيهات هيهات يا أبا الترهات الملوك إن لم يعرفوا حقوق خدمهم ولم يثبتوا في ديوان إحسانهم قدم قدمهم خصوصاً هذا الملك العظيم الذي أنفاس شيمه تحيي العظم الرميم ونحن قد وجينا عمرنا في خدمة وأذاقنا برد عفوه وحلاوة كرمه وغذاء أرواحنا إنما هو غوادي حمله ورائح نعمه مع إن أبا نوفل لم يقع في محذور معضل يوجب تناسي ذممه وابتذال حرمته وحرمه وإنه استغفر وأناب واعتذر وتاب وأعلم أيها الوزير الأكرم إن ذوي النهي والحجر إذا أرادوا الشروع في أمر تأملوا في مبداه غايته ومنتهاه وهذا التقرير كالجلوس المقصود من عمل السرير فإنما تنبعث لصنعته النفوس إذا علمت بحصول الرفعة عليه من الجلوس كما قيل:
فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك مصادره

أما بلغك يا أخي وأكرم سخي حكاية التاجر البلخي؟ قال الوزير: أخبرني بكيفية هذا التنظير! (قال) مبارك الميلاد بلغني من أحد العباد الذين طافوا البلاد أنه كان في مدينة بلخ تاجر كثير العروض والمتاجر عريض المال والجاه غزير الضياع والمياه تكاثر نقوده الرمال وتباهي خزائنه معادن الجبال وتفاخر جواهره در البحار وتسامي بضائعه تلال القفار تراجع عنه الحظ وعامله الزمان بعادة طبعه الفظ وأدبرت عنه من الدنيا القوابل ونزلت بساحة موجوده بالإعدام النوازل وولت وفود معايشه فكادت تقد السلاسل فصار كلما عامل معاملة انعكست عليه حتى نفد جميع ما بين يديه فلم ير لنفسه أوفق من التغرب عن وطنه والإقامة في سكن غير سكنه فأخذ بعضاً من المال وخرج من بلاد الشرق إلى بلاد الشمال وداوم في الأرض على الضرب حتى انتهى إلى بلاد الغرب فأقام بها دهراً يتعاطى معاملة وتجراً إلى أن زاد ماله وأثرى ورجع إليه بعض ما ذهب من يديه ثم اشتاق إلى بلده ورؤية زوجته وولده فتجهز إليها وسار حتى نزل عليها وأراد الدخول إلى داره فأوقفه مشير افتكاره إلى أعمال النظر في حادث القضاء والقدر وأنشده الزمان بلسان البيان:
للكون دائرة من قبلنا صنعت ... لا بي تضيق ولا من أجلك اتسعتوالسر في جيب غيب الله مكتتم فلست تدري يد التقدير ما صنعت
فرأى أن يدخل متنسياً متنكراً متخفياً ويتوصل إلى داره ويتجسس أحوال كباره وصغاره وما حدث عليهم من الحوادث وتقلبات الزمان العائث فتوجه لما أظلم إلى داره وهو يترنم:
بالله قل لي خبرك ... فلي زمان لم أرك
إلى أن وصل إلى الباب وما عليه حاجب ولا بواب فرأى الباب مقفلاً والقنديل عليه مسبلاً وكان يعرف للسطوح درباً خفياً فاستطرق منه وارتفع مكاناً علياً وأشرف من اكوة فرأى ربة البيت المرجوة فوق سرير الأمان معانقة فتى من الفتيان كأنهما لفرط العناق كانا ميتين من ألم الاشتياق فبعثتهما قيامة التلاق فتلازما والتفت الساق بالساق ولسان حال كل منها يروي عنهما:
عانقت محبوب قلبي حين واصلني ... كأنني حرف لام عانقت ألفا
فتبادر إلى وهلة لغيبوبة عقله أن ذلك الشاب الظريف معاشر حريف أفسد زوجته مغتنماً غيبته وأنه في تلك الليلة استعمل قوله:
لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد

فسل السكين وقصد قتل ذلك المسكين وصمم على النزول إلى البيت وإثارة الفتن بكيت وكيت ثم استناب وهله واستراب عقله وأخذ يتفكر ويتأمل ويتدبر واحتضر أحوال قرينته وأنها في العفة مجبولة من طينته وأنه لم يعلم عليها إلا الخير وعدم ميلها عن حلالها إلى الغير فطلب قبل الفضيحة لزوجته طريقة مندوحة ظريفة ممدوحة فإن مدة غيبته طالت وزوجته إن كانت حالتها حالت فلابد أولاً من الوقوف عليها كيف استحالت ثم كف عن الذبح ونزل عن السطح وقصد جارة داره ودارة جارة وطرق بابها واستنبح كلابها فخرجت إليه عجوز كانت إلى داره تجوز فسألت من هو وما مراده ومن أين إصداره وإيراده فقال: إني رجل غريب ليس لي بهذه البلدة خليل ولا قريب وبلادي أرض مكة كنت أتردد هذه السكة وأعامل التجار وكان لي في هذه المحلة مجير وجار من التجار الكبار كنت آوي إليه وأنزل في قدومي عليه اسمه فلان وقد مر علينا زمان وعاقني عنه نوائب الحدثان والآن قدمت إلى هذا المكان وقد قصدت داره ولا أدري أي جراه عاره ولم أعرف له خبراً ولا رأيت عيناً ولا أثراً فهل تعرفين كيف حاله وإلى ماذا آل مآله؟ فقال: نعم. زالت عنه النعم وألجأته الحال إلى الترحال فرحل منذ سنين وكنا في جواره من الآمنين وانقطع عنا خبره وعن زوجته عينه وأثره وطال عليها منظره ففسخت نكاحها واعتدت وطلبت تصيبها واستدت ولقد أوحشنا فرقاه وآلمنا اشتياقه غير أن زوجته قامت مقامه وأفاضت علينا إحسانه وإنعامه وهي متشوقة إلى رؤيته متشوفة إلى مطالع طلعته متلهفة على أيام وصاله متأسفة على ترشف زلاله فلما وقف على صورة الحال سجد شكر الله ذي الجلال وحمد الله على الثبات في مثل هذه النائبات (وإنما أوردت) هذا المثال لتعلم فضيلة التأمل في المآل والتفكر في عواقب الأحوال قال الدب دعنا من هذا الكلام والأخذ في الملام وأسعدني في التدارك فإنك نعم المشارك قبل انفلات العنان وانقلاب الزمان وخروج زمان التلافي من أنامل الإمكان وانتقال حل عقدته من اللسان والبنان إلى الأسنان فقال مبارك الميلاد الرأي عندي يا أبا قتاد المبادرة إلى الصلح والاصطلاح ليحصل النصح والفلاح والأخذ في المصافاة وسلوك طريق الموافاة والعمل به باطناً وظاهراً والاستمرار عليه أولاً وآخراً ومحوا آثار العداوة وتناسي أسباب الجفا والقساوة واستئناف المودة الصافية والمحبة الوافية وصرف القلب نحو دروس فقه الحلة الشافية والكافية حتى يقول من رأى وسمع الحمد لله آلت العاقبة إلى العافية ثم أعلم إنه لا يصفو لك صاحب وخاطرك عليه للتكدرمصاحب ولا يخلص لك صديق ولبن خلوص محبتك إياه مذيق وقاطع بغضك في الطريق وشوك سعيك راكب التعويق والقلوب في المحبة تتجازى إن حقيقة فحقيقة وإن مجازاً فمجازاً وكل شيء بمقدار وميزان وكما ندين ندان وقلما تجد من تحبه ويبغضك وتربه ويرفضك وتصفو له ويتكدر ولا تتغير عليه ويتغير ودونك يا ذا الكرامات ما قال صاحب المقامات:
وكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه
وقال من أحسن من المقال:
والعين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها
وأنا أقول هذا الكلام إلا من قول خير الأنام عليه أفضل التحيات وأكمل السلام أرواح أجناد مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وإنما يقع التعارف من الجهتين والتناكر من الطرفين ولا تغالط نفسك وتكابر حسك أن يحيك من تكرهه ويزينك من تشوهه ويقربك من تقصيه ويقيمك من ترميه ويرفعك من تضعه ويأخذ بيدك من تدفعه كما قيل في الأقاويل:
والناس أكيس من أن يمد حوار جلا ... ما لم ير واعنده آثار إحسان
وأعلم أن غالب الإخوان في هذا الزمان مسلوب الإنسانية وإن كان في زي الإنسان من أحسنت إليه أسا ومن ترفقت له قسا ومن نفعته ضرك ومن أمنته غرك ومن سكنت أوامه بزلال فضلك جرك وقد أجاد صاحب الإنشاد:
جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف
فما سامنا خسفاً ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف

وإذا كان هذا فيمن تحسن إليه وتسبغ ملابس أفضالك عليه فكيف يكون حال من تضمر له النكال ونتمنى وقوعه في شرك العقال أني تراه يصفو لك ويتقاضى سؤلك ومأمولك وهو مترقب غيله غولك متوقع منك أن يصير مقتولك فماذا عسى أن تبلغ منه سؤالك ومسؤلك أو ترى من محبته ومودته مأمولك ومحصولك (وإنما أوردت) هذه المقامات وإن كانت من فضلات علمك ورشحات قلمك أتتنا متقدمات إلا لتعاطي أسباب الصلح أولا في نفسك ثم تستعمل الوسائط من أبناء جنسك فينتج المقصود ويصفو الورد المورود كما قيل:
فإن القلوب مرائي الصفات ... كما السيف مرآة وجه الذوات
قال الدب أنا ألقي الزمام في هذا المقام لنيل هذا المرام إلى يد تدبيرك واكتفي في رعى رياضه برائد رأيك وتقديرك فإن فكرك نجيب وسهم رأسك مصيب فافعل ما تختار وأذقنا من رائق رأيك المشتار فقال: نقسم أولاً: باللطيف الخبير أنك أصفيت الضمير من الغش والتكدير وكرعت من وارد الصفاء الزلال النمير ونفضت يد المحبة والإخاء من علاقات البغضاء والشحناء حتى تجيب دعي ولا يخيب سعيي وأبذل مجهودي في نيل مقصودي وأبني على أساس وأسلك مع الناس مسلك الناس فبادر باليمين إلى اليمين المباينة وأنه يكتفي من غدير الغدير بما جرى ويطوي حديث الشحناء فلا سمع الواشي بذاك ولا درى فليبذل مبارك الميلاد جهده في السعي في إصلاح الفساد وعقد أعلى ذلك العهد وتوجه مبارك الميلاد من بعد وقصد منزل أخي نهشل فرآه فيمن ثار همومه في مشغل وقد غرق في بحر الأفكار هائماً لا يقر له قرار فسلك عليه وتقدم بالسؤال عن حاله إليه وآنسه بالمحادثة وذكر له الدهر وحوادثه وتذاكر لما وقع من الدب وكيف أظهر نواقص الحب وبارز بالعداوة وأبرز بادئي حركة موجبات القساوة ثم أخذ أخو نهشل في العتاب وفتح لمبارك الميلاد من جهة صاحبه وعتابه الباب فاعترف بإن فعله حالك ولم يسعه إلا الاعتذار وجبر ما وقع لأبي نوفل من الإنكار بالسعي في مساعدته والقيام معهفي جماعته والتوجه إلى حضرة المخدوم والتلافي بمرهم التصافي ما سبق من جراحات الكلام والكلوم ثم إذا حصل من الخواطر الشريفة الإغضا وأثمر في رياض العفو لجاني الخدم فواكه الرضا يستأنف شوق المحبة عقود المبايعة ويروج تاجر الصداقة على مشترى الحشمة في مظان رغباتها بضائعه إلى أن يتزايد الوداد ويتأكد بين الجميع عالم الاتحاد فانهض يا رئيس الأصحاب وأنيس الأحباب:
فالعمر أقصر مدة ... من أن يدنس بالعتاب
ثم نهضا جميعاً وأتيا أبا نوفل سريعاً فوجده في أحرج مكان وأوهج زمان محفوفاً بالأحزان مكنوفاً بالأشجان وما حال من جفاه أحباه وأقصاه مولاه وصار وهو جان غريمه السلطان فلما سلما عليه وجلسا إليه واعتذر مبارك الميلاد بعد إظهار تباشير الوداد أن موجب تقصيره في السؤال عنه وتأخيره أن قلبه الوامق وطرفه الوادق لم يطاوعا على رؤيته في تلك الحال ولا سمحت قدمه بالتقدم إليه وهو مشغول البال ثم تفاوضا في أسباب الصلح وقصد أبواب النجح فتجاذبوا أطراف الطرائف وتفكهوا على موائد التحف واللطائف وما زالوا ينسجون خلع الوفاق ويمزقون شقق الشقاق إلى أن انعقدت أهداب المحبة والوداد وانحلت عقوداً الحقود والكباد وتحقق كل أحد من كبير وصغير ومأمور وأمير وجليل بحصول خالص المودة بين النديم والوزير:
ولما أن تراءى الفجر يحكي ... جبين الحب أو رأى اللبيب
توجه الوزير ومبارك الميلاد وأخو نهشل ورؤوس الأجناد مع سائر الأمراء والوزراء والأعيان والكبراء حتى انتهوا إلى السدة العلية والحضرة الملكية السلطانية فقبلوا أرض الطاعة ووقفوا في مواقف الشفاعة ونشروا من الدعاء والثناء ما يليق بجناب الملوك والعظماء وذكروا النديم أبا نوفل بما يستعطف به الخاطر المفضل حتى عطفت عليه مراحمه وانمحت من جريدة لانتقام جرائمه وسمح بإحضاره لديه ليسبل ذيل الكرم والعفو عليه ثم يشمله ثوب الرضا وخلع العفو عما مضى فأسرع نحوه البشير بما اتفق من الجماعة مع الوزير ثم وصل القاصد وهو له مراصد فتوجه منشرح البال منبسط الآمال حتى دخل على حضرة ذي الدولة والإقبال وقبل الجدالة ووقف في موقف الخجالة لا يرفع طرفاً ولا ينطق حرفاً فرسم بالتشريف والخلع ليرفع عنه التخويف والهلع فتضاعفت الأدعية الصالحة والأثنية الفائحة:

بغادية من ذكره قد تمسكت ... بطيب ثنا يحيي الزمان ورائحه

وأقيمت حرمته واستمرت عليه وظيفته ثم إن الملك انتقل من المجلس الغاص إلى مجلس خاص واجتمع بالخواص وعم الخطاب لكل ناص ومحدث وقاص فقال ليعلم الوزير والنائب والأمير والحاجب والصديق والصاحب والجندي والكاتب والمباشر والحاسب والراجل والراكب والآتي والذاهب وليبلغ الشاهد الغائب إن مقتضى الرياسة في الشرع والسياسة على ما قدره حكماء الملوك وسلكوا بعباد الله تعالى أحسن السلوك أن كل واحد من الغني والصعلوك لا سيما من له من الأمر شيء أو نوع مباشرة على ميت أو حي له مقام معين لا يزايله ومكان مبين لا يقابله قال الحي القيوم ذو الملك الديموم حكاية عن متصرفي ملك الديوم وما منا إلا له مقام معلوم وعلى هذا جرت سنته وورد كلامه ولاه أو سلطان علاه أن يلازم مقامه ويلاحظ في صف جماعته إمامه ويراقب ما يصدر عنه قيل إياك وما يعتذر التفكر ويعيره بمعيار التأمل والتبصر ثم يسبكه في بوتعة الفصاحة ويسكبه في قالب الملاحة ويصوغه بالآلات حسن الانسجام ويرصعه بجواهر المقام فإذا صيغ على هذه الصياغة وقعدت علىصورة سبكه نقوش البلاغة وأخرج له غواص الفكر من بحر المعاني والبيان فرائد أفكار لم تظفر بها أصداف الآذان وخرائد أبكار لم تفترعها فحول الأذهان ازدانت بها من حور جنان الجنان ومقصورات خيام الدهور والأزمان آنسات لم يطمثهن أنس قبلهم ولا جان فاختلب بيهائه القلوب والأرواح واستلب بروائه الأموال والأشباح واستمال الخواطر وسحب الأيادي المواطر وصار الدهر من بعض رواته وأشناف ما يرويه عنه معلقة بآذان نياته وإن وقع والعياذ بالله منه ما يورث الندم والحزن وأخرج سهم الكلام من قوس العجلة لا اكتال ولا أتزن حصل في سوق ظاهره وباطنه الغبن والغين وأصابه نديم فغفور الختن فنهض الجماعة وللأرض قبلوا وعن كيفية هذا الخبر سألوا (فقال) الملك ذكر المخبرون وأخبر المذكرون أنه في قديم الزمن كان عند فغفور الختن ندمان كامل المعاني في البيان ذو نعمة جزيلة وصورة جميلة وفضائل فضيلة مبرز في العلم كامل المودة والحلم محبوب الصورة مشكور السيرة طاهر السريرة ثقيل الرأس خفيف الروح والحواس قد جال وجاب وبلا الأعداء والأصحاب وترشح لمنادمة الملوك والأمراء ومجالسة السلاطين والوزراء وهو خصيص بملك الختن والصين مقبول عند الملوك والسلاطين اتفق له في بعض الليالي أنه كان عند جناب ملكه الغالي وعنده جماعة من العلماء وطائفة من الإخصاء والندماء وهم يتعاطون كؤوس اللطائف ويتواطون على ما في الدنيا من طرف وطرائف ويتذكرون عجائب الأقطار يشنفون المسامع بخصائص الأمصار فقال النديم رأيت في بعض الأقاليم من الأراضي الحامية والبلاد القاصية حيواناً كبيراً سريع السير متردد أشكله بين شكلي الجمل والطير يضرب به في الدبدبة المثل فيتعاطى التعلل في الكسل إن قيل له أحمل يقول أنا طير وإن قيل له طر يقول أنا جمل وذكر إن اسمه النعام وسائر أوصافه وأعضائه على إتمام فتعجب الحاضرون من هذه الصفات والأشكال البديعة والهيآت ثم قال وأعجب من هذه الصفات أن هذه الدابة تأكل الجمرات وتلتقط الحصيات وتختطف الحديدة المحماة من النار تزدردها ولا يتألم لذلك فمها ولا جسدها وتذيب كل ذلك معدتها ولا يتأثر بها لسانها ولا ترقوتها فأنكر بعض الحاضرين هذا المقال لكونه لم يشاهد هذه الأحوال ولا رأى ولا سمع خبر طير يأكل النار ويبلع الأحجار ونسبوه إلى المخارقة في الأخبار فتصدى لإثبات ما يقول بطريقي المنقول والمعقول فلم يسعف كلامه القبول على ما ألفته منهم العقول لأن الحيوان بل وسائر الجمادات إذا اتصلت بها النار محت منها الآثار وهذا طير من الأطيار من لحم ودم فكيف لا تحرقه النار فاتفق الجمهور على تكذيب هذه الأخبار وقالوا المثل المشهود إنما هو موضوع على لسان الطيور فيمن تردد بين الأمور فيقال هذا الفقير كالنعامة لا يحمل ولا يطير ومثل هذا المضرب يا شيخ المشرق والمغرب قولهم طارت به عنقاء مغرب فقال النديم الفاضل الحكيم أنا رأيت هذا بالعين فلم يزدهم إلا تأكيد المين من الخجالة والندم أمر عظيم واستمر في حصر حتى منعه السلطان من الدخول إلى القصر وصار بين الأصحاب يشار إليه بيا كذاب فلم يسع ذلك الأستاذ إلا السفر من تلك البلاد والتوجه إلى العراق وبغداد وأخذ من الطير النعام عده واستعمل عليها رجلاً مستعدة ونقلها إلى

الصين في عدة سنين تارة في البحر وأخرى في البر وقاسى أنواعاً من البؤس والضر وتكلف حملاً من الأموال وتحمل مع المشاق منن الرجال فما انتهى به السير إلا وقد مات غالب تلك الطير فوصل إلى حضرة ملك الخطا واشتهر في المملكة أن النديم الفلاني أتى فاجتمع الناس لينظروا وأمر الملك للخاص والعام فحضروا وأحضروا النعام في ذلك المحفل العام وطرح لها الحديد المحمي فخطفته والجمر والحصى فالتقفته فتعجب الناس لذلك وسبحوا لله مالك الممالك وعلم الصغار والكبار أنه يخلق ما يشاء ويختارفشمله الملك بمزيد الإنعام واعتذر إليه عما مضى من ملام وزادت رفعته ونفذت كلمته إذ قد أثبت مدعاه وحقق بشاهد الحس معنى ما ادعاه ففي بعض الأوقات تذاكروا ما فات وانجر بهم الكلام ما مر من حديث النعام فقال النديم أيها الملك الكريم إني تكلفت على هذه الأطيار كذا وكذا ألف دينار وقاسيت من المشقة في الأسفار وعاينت من شدائد الأخطار ما لا تقاسيه عيدان النار واستمريت في هذا العذاب الأليم المهين وفي سجن المشاق سنين حتى بلغت تحقيق مرامي وتصديق كلامي ولولا عناية مولانا السلطان لما ساعدني على مقصودي الزمان ولما زال عني اسم الكذاب إلى يوم الحساب فتبسم السلطان وقال لقد أتيت بمحاسن وما قصرت ولكن كما يحتاج في إثبات تصديقها والخروج عن عهدة تحقيقها إلى صرف المال الجزيل وتجشم مشقة السفر العريض الطويل وتحمل منن الرجال وركوب الأخطار والأهوال وإزعاج الروح والبدن وإضاعة جانب كبير من العمر والزمن لأي معنى يتفوه بها العاقل ولماذا ينطق بها مستمع أو ناقل (وإنما أوردت) هذا المقول ليعلم أرباب المعقول من جلساء الملوك والعظماء ورؤساء الأمراء والزعماء خصوصاً خواص القدماء وعوام الندماء أن شيا يحتاج فيع إلى تعب النفس وقيد ونكال وحبس ثم استعمال ممن جماعة وأصحاب يتقدمون إلى الشفاعة لا ينبغي للعاقل أن يحوم حوله ولا يعقد أبداً عليه فعله وقوله فتقدم مبارك الميلاد وبذل في أداء وظائف الدعاء الاجتهاد وقال إنما كان عاقبة هذا الأمر وإطفاء ناثرة هذا الجمر وأداؤه إلى انتظام عقود السعد واشتماله على جمع الخواطر من بعد بميامن الخواطر الشريفة وشرف ملاحظتها المنيفة وتوجه مساعدتها لخدمها وشمول عواطفها على عبيدها وحشمها وإقبال طالعها السعيد ولولا ذلك لما انتظم لنا شمل أيها العبيد فالمنة في هذا كله للصدقات الشريفة والجميلة لعواطف مننها المنيفة ونظير هذا الشأن ما جرى للخارج على الملك أنشروان فسأل الملك المطاع عن هذا المضاع (فقال) ذكر أهل التاريخ بأعالي الشماريخ أن كسرى أنوشروان جاهره أحد الملوك بالعصيان وانتدب لمحاربته طائفة من الأعوان فتوجه كسرى إليه ووثب وثوب الأسد الضاري عليه ورأى التواني في أمره والتأخير من جملة الإخلال والتقصير فقابله قاتلاً وقاتله قائلاً:

إذا استحقرت أدنى من تعادي ... بمالك من يد وندي وطاقة
فما استحقرت أن أهمك إلا ... أمورك وهو ذا عين الحماقة
فلما توافقا واصطدما وتثاقفا انكسر ذو الطغيان وانتصر أنوشروان وقبض على العدو وحصل الأمان والهدو وقص طائره وتفرقت عساكره وحمل وقد سين خسفاً وكسراً إلى الملك العادل كسرى فتقدم بالإحسان إليه وجعل العفو شكراً لقدرته عليه والغ معه في اللطف والإحسان وأنزله عنده في بستان ترتع النزاهة في ميادين رياضه وتكرع الفكاهة من رياحين حياضه وأفاض عليه من خلع الأنعام وإدرارات الفضل والإكرام ما أزال دهشته وأحال وحشته وأبدى استعباده وأبعد استبعاده فلما حصل أنسه وهدأت نفسه أخذ في تنجيزه وإبلاغه إلى مأمنه وتجهيزه فأبي إلا الإقامة والتلبث بدار الكرامة وسأل الصدقات وما لها من عميم الشفقات مجاورة مخلها والإقامة تحت ظلها واغتنام مشاهدتها والتشرف بميامن طلعتها مدة أيام فإنها محسوبة من العمر العزيز بأعوام فأجابت مسؤولة واستنجزت مأموله وكان في ذلك البستان نخلة كنخلة مريم قد يبست من الهرم ولما تعاورتها يد القدم فلم تصلح إلا للضرم فأرسل يسأل الصدقات الجزلة أن تهبه تلك النخلة فاستزل كسرى عقله وأجاب قصده وسؤله وهبة تلك النخلة فكان كل يوم يتوجه إليها ويسند ظهره ويعتمد عليها وهو أرغد حال وأيمن مآل فبعد عدة شهور طلب إلى التوجه الدستور فاستدعاه وأكرم مثواه وأجاب قصده ومتمناه واسبغ عليه نعمة وفضلهوسأله عن موجب سؤاله النخلة وسبب طلبه الإقامة ثم سؤاله التوجه بالسلامة فقال أما سبب الإقامة بهذا البلد فلجوار الملك الأمجد والاستسعاد بمشاهدة وجهه الأسعد فان طالعه قوى سعيد ومجاورته للسعادة تفيد ويحصل منه لمجاورها المزيد فأردت أن يكون لي منها نصيب ويلاحظني منها سهم مصيب:
فان تلمم بقفر عاد روضاً ... وإن تمرر بملح صار شهدا
وإن يخطر ببالك نحس نجم ... يعد في الحال من رياك سعدا
فصرت مشمولاً بميامن ظلها مغموراً بفائض وابلها وطلها وأما طلبي النخلة اليابسة فإني تفاءلت بها من حظي مساعدة ومناحسه فكنت أتردد إليها وأعول في ذلك عليها فما دامت في قحول كان جدي وسعدي في نحول إلى أن رأيتها قد خضرت وأطلعت واستبكرت فاقبل سعدي وعاد بعد أن مات حياً وساقطت نخلة سعدي من ثمرات السعادة رطباً جنياً فعلمت أن طالعي الهابط عاد إلى الأوج ورسول حظي دخل في دينه ناس الإيناس فوجا بعد فوج وأرمل جدي ازدوج ببكر الآمال وكان لها أحسن زوج كل ذلك أي أعظم مالك بسعد فالك وجوار دار جلالك ومشاهدة أنوار جمالك واستماع كلامك وانتجاع كمالك فمن بعد إسعاد السعد كل سهم أمل فوقته ونحو شاكلة قصد أطلقته أصبت الغرض وحزت جوهره بلا عرض فإذا أسعف السعد النفس لا بعيقها معه نحس (وإنما أوردت) هذا القول يا ذا الكرامة والطول ليعلم الحضار والسادة النظار أن استقامتنا وإقبال سعدنا وانتظام أمورنا وجدنا إنما هو بالتفات الخواطر الشريفة وشمول أحوا لنا بملاحظتها المنيفة واستدامة بركاتها وميامن حركاتها كما قيل في ذا القبيل:
تلقى الأمان على حياض محمد ... تولاء مخرفة وذئب أطلس
لا ذي تخاف ولا لهذا جرأة ... تهدي الرعية ما استقام الريس
وكما أن الرعية لا يستقيم حالها إلا بالملك الراعي فإنها كالراعية لا ينتظم لها أمر إلا بالراعي كما قيل:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لها ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
كذلك الملك يا ذا الدرجات العلية لا يصير ملكاً لا بالرعية ولو لم يكن العاشق مشوقاً لم يكن المعشوق معشوقاً ولو لم يوجد الرامق بالأمل مسوقاً لم يصر الملك المأمول موقاً وقد عني هذا المعنى من في رياض المعاني أعني:
وأحقر صب فيك يهدي سناؤه ... كأعظمهم إذ من هواك تعظما
فلا تحتقره إن تملكت قلبه ... فلولا الهوى ما كنت ملكاً مفخماً
ففي موقف العشاق منك وظيفة ... لكل فلا يبغي لها منقدما
وكل له وجد يليق بحاله ... وكل له يوافيك مغرما
ألم تر أن الله أوجد حكمة ... ذباباً وعقباناً وبقا وضيعاً
وكل له نفع وضر مخصص ... فسبحان من قد خص طوراً وعمما

والله تعالى لكمال قدرته وإسبال ذيل رحمته خلق الكبير الأعلى محتاجاً لخدمة الصغير الأدنى وجعل الحقير الأدنى محتاجاً لرجمة الكبير الأعلى ولهذا أعظم الخلق من خلق الخلق وأحوج الخلق إلى الخلق وهو غني عن الخلق وقيل أيها الملك السني الإنسان بطبعه مدني وبمقدار كثرة الرعية واشتراكهم في الصفات المرضية وانقيادهم لأوامر ملكهم السنيه تصير درجة الملك عليه كما كان في زمن نبي الله سليمان صلوات الله عليه وسلامه وتحيته وإكرامه ولقد جرى في عصره بين الطيور مفاوضة بين اللقلق والعصفور فسأل ملك الآساد عن تلك المفاوضة مبارك الميلاد (فقال) بلغني يا سلطان الأسود أن نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام كان في سيرانه مع خواص أركانه فمر بذلك الطلب على شجرة دلب للقلق فيها عش قد بناه كأحسن حش وقد استوكر في عشه عصفور واحتمى بجواره من مؤذيات أبي مذعور فكانا يتخاصمان ويتقاولان ويتواصمان ويتصاولان فوقف النبي الكريم واستوقفالجند العظيم ليسمع ما يقولان وينظر كيف يجولان فسمع اللقق يقول وهو يجول ويصول ويخاطب العصفور بمجمع من الطيور أشكر لي حسن الصنيع حيث أنزلنا في حصني المنيع لا حية ترقى إليك ولا جارح ينقض عليك لولا أن لك عندي مناخاً ما أبقيت لك الحية ذاتاً ولا فراخاً وإنما سلمتم بجواري وبقربكم من داري فوئب أبو محرز وتوسط الجمع وهو يجمز ونادى بين الأطيار أنسيت أبا خديج أي جار وأنا في المدار حول هذه الديار آناء الليل وأطراف النهار ألقط النمل الكبار والصغار ولولا أنا حارس مناخك ما أبقى لك النمل أثراً ولا لفراخك فكل منا محتاج إلى جاره مغتبط بجواره آمن به في سريه ومطاره فارفع من بيننا هذا النكد ولا يمن منا أحد على أحد فالحقوق ما تضع بين الجيران كما تراعى بين الأصحاب والأخوان وكما تدين تدان ومع هذا فكلنا نصلي على نبي الله سليمان ملك الأنس والجان وسلطان الطيور وسائر الحيوان فانه بحسن عدله اعتدل الزمان وبيمن فضله صلح الكائن والمكان ونحن أيضاً كذلك نشكر الله رب الممالك إذ من علينا بهذا السلطان المالك ملك الوحوش الأكابر وكاسر السباع الكواسر المشفق على الضعفاء والأصاغر فلم يخل من فضله سبع ولا طائر ثم نهضوا فوقفوا ودعوا للملك وانصرفوا هذا آخر الباب والله أعلم بالصواب والحمد به رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

الباب السادس
في نوادر التيس المشرقي والكلب الافرقي

(قال) الشيخ أبو المحاسن من ماء معارفه غير آسن ومن لممدود أرض الفضل من فضائله رواس وفي مشحون بحر العلم من فواضله مواس فابتهج الملك بهذا الكلام وارتاح لما تضمنه من الحكم والأحكام واستزاد أخاه من عقود هذا النظام فقبل الأرض في مقام الخدام وقال بلغني يا ملك الأنام إن راعياً كان يرعى ثلة من الأغنام وحميلة من المعز الجسام وفي ماشيته تيس مطاع كلها له أتباع وهو قديمها وقائدها وزعيمها وأبو نتاجها وحمو نعاجها وأصله من الشرق لم يكن بينه وبين ابليس في الشيطنة فرق اسمه الذميم التيس الزنيم وكان بواسطة الفحول والكبر والتقدم في الحضر والسفر يستطيل ويصول وينطح الكباش والوعول ويكسر أصحاب القرون من الفحول فيجرح ضعيفها ويطرح نحيفها ويضرب بخالصها لفيفها إلى أن أباد أعيانها وأعجز رعيانها وطال منه العقوق فذهب به الراعي إلى السوق ليبيعه ويستريح ويخلص الماشية من شره ويريح فبينما هو يطوف إذا برجل مهول مخوف طويل القامة كبير الهامة كأنه زبنى القيامة شثن اليدين أزرق العينين أسود الخفين بثوب وسخ وطرطور سنخ وسطه محزوم بسير مبزوم فصادف الراعي وهو في السوق ساعي فمد يده إلى التيس وقال بكم هذا يا أبا الكيس فوقع بينهما الاتفاق ووقع الزنيم في شبكة الرباق فتأمل شكل القصاب وصورته القاضية بالعجاب فرأى رجلاً كأنه من الشياطين معلقاً في وسطه عدة سكاكين فدخله الرعب ورجف من الرهب وأدرك بالفراسة أنه سيهلكه ويحذف رأسه وقال ظني والظن يخطئ ويصيب أني وقعت مع هذا في يوم عصيب وأنه قاصد هلاكي ومقيم على البواكي فالأولى الاحتراز والتأهب قبل زمان الجزاز فان حصل خير فما في الاحتراز ضير وإن وقع على الإهلاك العزم فأتلقى سيفه بما أعددته من ترس الحزم فوزن الجزار الثمن وشحط الزنيم بالرسن وأتى به مطابخ فقطعها إلى مسالح فشم رائحة لزومه وأحس من الجزار نكده وشومه فلما دخل المسلخ ورأى القصابين هذا يذبح وهذا يسلخ واللحم شقات على الجدران معلقات وأنهر الدماء كدموع العشاق جاريه ورؤوس الغنم وجلودها وأكارعها كل كاشيه هذه الكاشية في ناحية وهذه الكاشية في زاوية فرجف قلبه وازداد رعبه والتجأ إلى الله تعالى وتاب إليه عما عليه من الذنوب مالا فما واطأ القصاب المصارع أن شد من المشرقي الاكارع وجدله على الجداله وأخرج لذبحه الآلة فلما رأى هذه الحالة تحقق ما كان ظنه فاستحضر باله وأيقن أنه هالك لا محالة فنظر إلى القصاب وذكر ما قيل في حق الساب:
نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيموس إلى شفار الجازر

فوجد السكين كليله ليس للذبح بها حيله فطلب المسن ليحدها ويريح ذبيحته أن حدها فتركه وذهب للمسن وقد تحقق الزنيم ما كان ظن فتنفس له البلاء وارتخى عنه القضاء فتمطى في رباط الأكارع فمزقه قاطع ثم وثب وقصد الهرب وخرج من الباب وصاحوا عليه هرب فلم يلتفت إلى الصوت وفر فرار من عاين الموت وطلب الخلاء وطريق الفضاء فادى به الذهاب إلى بستان بجوار بيت القصاب فدخل البستان وامتد في الجريان والقصاب وراءه بهيئته المهولة والسكين في يده مسلولة وكان قبل هذا الزمان بين زوجة القصاب وصاحب البستان ما يكون بين الحرفاء والأخدان وكانت كلما وجدت فرصه جعلت للبستاني من نفسها حصة تنزل من بيتها إلى بيته وتغمس سراجها من فتيلة قنديله وزبته فاتفق أن في تلك الحال طلب كل من المحبين الوصال وكان زمان اشتعال اللحام بالمعاملة مع الخاص والعام فلاشتغال وهله لا يتردد فيه إلى أهله فاغتنمت الزوجة غفلة الرقيب ونزلت من بيتها إلى بيت الحبيب فكان المحبان آمنين وقد تعانقا تحت دوحة ياسمين فاتفق أن الهارب من الموت ودواهيه أخذ على مكان هما فيه والقصاب يتبعه رافعاً يده والسكين في يده مجردة فلم تشعر إلا وزوجها رافع الصوت واقف على رأسهما وبيده آلة الموت وما شعر بدواهيهما حتى عثر عليهما فقفز كلاهما من مكانهما مفتضحين في مكانهما فاشتغل القصاب بنفسه والتهى بنعجته عن تيسه وكان الناس تابعيه فوقفوا على ما وقع فيه وقامت الغوغاء وقعدت للعار من البلاء فتفرس النجاة من الردى فلم يزل في ميدان الجرى ذاهلاً عما جرى حتى وصل إلى ثغرة خرج منها إلى الصحراء فانقطع عن ذلك الجنى تابعه ولم يوجد من شياطين الأنس رائيه وسامعه فانتهى التيسار في تلك الصحاري والقفار إلى جبل فأوى فيه إلى غار كان يأوي إليه مع المواشي أو أن الأمطار فأمسى فيه تلك الليلة إلى وقت الأسفار:
فلما رأى الليل العبوس صنيعه ... تبسم فافترت تباشير فجره
فلما أصبح الصباح خرج إلى السراح وهو في نشاط ومراح وجعل يرتاد أنيساً ليكون له جليساً أو رفيقاً صالحاً أو صديقاً ناصحاً يتأنس به في الغربة ويمسح بأنامل مؤانسته ثقل الكربة وما يحصل على جبين راحته من عرق القرية وبينما هو ينشر البيداء ويطوي إذ سمع نباح كلب يعوي فترجى الخير وزوال ثم قصد نحوه فرآه مقبلاً من فجوه فناداه أهلاً بأحب الأحباب وأعز الأصحاب المفضل على كثير ممن لبس الثياب فلما دنا منه وتباكى لأليم فراقه فتعانقا تعانق المحبين وتبانا مباثة من مضه البين ثم قال له اعلم يا لطيف الحركات وكثيف البركات أن كلاً منا غريب وكل غريب للغريب نسيب وأنا قد تفرست فيك وما تكاد فراستي تخطيك أنك رفيق صالح وشقيق ناصح وأحسن مليح مما لح وفي طريقه أخوان الصفاء قيم وراجح وأن كانت الجنسية بيتنا مختلفة لكن القلوب بحمد الله تعالى مؤتلفة وكم لك من أياد سابقه وصدقات متناسقة وكم حططنا في المراعي وبتنا في الحظائر نائمين وأنت لحفظنا ساعي تحرسنا من الغداة إلى الروح ومن المساء إلى الصباح فاخبرني ما شأنك وأين مكانك وما اسمك وما صنعتك ورسمك ومجيئك من أين وما حاجتك في البين قال أما اسمي فيسار وأما مكاني فبلاد التتار وصنعتي راعي وسبب مجيئي ضياعي ولي صاحب اسمه أقرق من دشت قفجاق بن شقرق كنت في خدمته راعي مشيته فأضللت رعيتي وضيعت حق حرمتي فإذا أطلب ولي نعمتي لا محو من وصمة الجفاء سميتي فهذا شأني وجل بغيتي قال الزنيم أنا من حين شاهدت في وجهك الأنوار علمت أنك يساروأنك معدن الذكاء والألقاب تنول من السماء وأما طلبك لصاحبك ورعيتك فانه دال على كمال مروأتك ولا ينكر لكم الرفاء فان بينك وبينه الوفاء مقام الصدق والصفاء ولم يقع بينكما قط بعد ولا جفاء وشهرتك بحمد الله بجميل الصفات التي قلما يجتمع في زكى الذوات ولا تصفوا إلا للأولياء والبررة المبرزين الأصفياء من المسكنة والقناعة والجراءة والشجاعة وحفظ العهود والوفاء وكسر النفس والصفاء وعدم الحقد والحسد واطراح العجب والنكد والحراسة والسهر وقيام الليل إلى السحر والتودد إلى الناس حتى قال فيك ابن عباس كلب أمين خير من صديق خؤن وعندك من التهذيب وقبول التعلم والتأديب ما يصير صيدك مذكى وسنك كالشفرة مركى وفي شأنك يا ذا الوفاء والمنفعة قال الحرث بن صعصة:

وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون
فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجباً للكلب كيف يصون
ومن هذا الضرب ما رواه أحمد بن حرب عن ذي العتاب منادم الكلاب أن الكلب يكف عني أذاه ويكفيني أذى سواه ويشكر قليلي ويحفظ مبيتي ومقيلي فهو من بين الحيوان خليلي ثم قال أحمد ابن حرب تمنيت والله أن أكون مثل هذا الكلب لأحوز هذه الصفات وأرقى هذه الدرجات وأرجو الله تعالى أن يعطفك علي ويقلب قلبك ووجهك إلي بحيث ترغب في صحبتي وتميل إلى صداقتي فترى إذ ذاك مني بحمد الله تعالى من الأخوة والصداقة والمروأة والرفاقه ما تنسى به كل صديق وتفضل به الصاحب الجديد على العتيق فتترك سائر أصحابك وتلتهي بي عن أعز أوليائك وأحبابك خصوصاً بني آدم الذين أنت يهم أعلم من أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام بحقوقهم وحفظ حرمتهم وحراسة مواشيهم ودورهم وكمال فضلك في حياطة بيوتهم وقصورهم ورعاية رعيانهم وصيانة أهلهم وجيرانهم مع قناعتك منهم بما يفضل عنهم من كسرة خبز شعير أو عظم يابس كسير أو فضلة مرقه قد ير وأضعتهم حقوق خدمتك ونسيانهم موجبات شفقتك حتى لو وصل فمك إلى زادهم أو إلى شيء من عتيد عتادهم رموك بالحطب وضوا رأسك بالحجارة والخشب ولو ولغت في إنائهم أو شربت من مائهم ما قنعوا في تنظيفه وتطهيره وتشطيفه بمرة ولا مرتين ولا اكتفوا في إزالة ألعابك بالعين بل دونوا الغسل بالحساب وعفروا الوعاء بالتراب ويعدون ذلك من التعبد ولا يرغبون ما لك من تحبب وتودد وأنا أرجو أن ترتفع منزلتك وتعلو درجتك ويساعدك رب العرش حتى تسير سلطان السماع وملك الوحوش واجتهد في هذه القضية إلى أن ابلغ هذه الأمنية وأكون السبب في ذلك إلى أن تصير رئيس الممالك فان لك علي حقاً قديماً وفضلاً جسيماً طالما نمنا آمنين في ظل حراستك ورعينا مسرورين مكنوفين بحياطتك وأجلنا منك في الخاطر ما قال الشاعر:
بقاؤك فينا نعمة الله عندنا ... فنحن بأوفى وفي شكرها نستديمها
قال يسار يا أخي جميع ما قررته صحيح مقبول داخل في الفضل خارج عن الفضول ولكن أنا من جنس السباع مجبول على ما لهم من الطباع ومع هذا فأنا عدوهم وبسببي يزول هدوهم وأنا لم أعادهم إلا فيكم ولا لي واد إلا في ناديكم فان ثر بيتي بينكم وعيني مقارنة عينكم وأنا إليكم أقرب مني إليهم ومعولي عليكم دون معولي عليهم وعلى هذا وجدت آبائي وأجدادي ونشأت من حين ميلادي والخروج عن طريقة الآباء دليل على العقوق والإباء وهو أمر مذموم وهذا شيء معلوم وقد قال صاحب الشرع الحب يتوارث والبغض يتوارث ولكن يا سليم الطباع وخصيب والرباع قولك تصير سلطان السباع سخرية مني واستهزاء ولا أستحق منك هذا الجزاه فان معنى هذا القيل أمر مستبعد بل مستحيل أن أبا طاهر نجس العين فأني من أين وهذا الهوس من أين فان أردت إعانتي على ذلك وتكفلت لي برياسة الممالكفكلانا في هذا الهوى سواء وإن صممنا على ذلك فما لجنوننا دواء وهذا الوسواس من خيالات الإفلاس وفي مثل هذا الحال قال:
من صدق في المقال
لا خيل عندك تهديها ولا مال

وأنا أعلم إنما نتكلم بما يطيب خاطري ويسر سرائري ويقربك في الحب من ضمائري قال المشرقي لا تقل ذلك يا تقي فأنا شاهدت في جبينك مخايل السيادة ومن شمائلك تقاطير السعادة وقد قيل يا فضيل المرء يطير يهمته كما يطير بجناحه أما بلغك يا خير عالم ما رواه الشيخ علاء الدين بن غانم ذو الفضل الكثير عن تاج الدين ابن الأثير قال يسار أخبرني بهذه الأخبار (قال) قال ابن الأثير وهو بالرواية خبير محرز أيدي المعاني عن الأمير حسام الدين البركة خلق قال كنت في عصر الشباب أصحب من صالحي الشباب الملك المظفر الغضنفر وكان خشداشي وبرؤيته انتعاشي فكنا ونحن صبيان كأننا ظبيان غير أنا كنا في قلة فكنت أفلي قملة واسرح رأسه وأذهب باسه وتقدمت إليه بالشرط عليه أن يعطيني لكل قملة أو أصفعه صفعة ملساً ففي بعض الأوقات أخذت عنه قملاً كثيراً وصفعته صفعات وقلت في غضون ذلك ونحن في حال حالك أتمنى على الله عز وعلا أن يعطيني إمرة خمسين رجلاً فقال لي طيب خاطرك وسرائرك فإني أبلغك سؤالك وأعطيك مسؤلك وأجعلك أمير خمسين فارساً فابشر ولا تكن عابساً فصفعته صفعة وقلت ويلك أنت تعطيني إمرة ورفعه قال نعم وأغمرك بالنعم فصفعته أخرى وازددت فكراً فقال لي عله ونخس المسلة يا قليل اليقين أتريد غير أمر خمسين أنا والله أعطيك وأعليك على ذويك فقلت ومن أين لك تعطيني وترضيني فقال أملك هذه الديار وأكسر التتار وأحل الكفرة والعلوج دار البوار فقلت له يا مفتون أنت مجنون أبقملك وقلك وفقرك وذلك تملك الديار المصرية وتصير سلطان البرية قال نعم ولا تعمل رغم فأني رأيت في المنام النبي عليه الصلاة والسلام وقال لي أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتر ولا شك فيما يخبر به النبي صلى الله عليك وسلم من خبر قال فامسكت عنه لأني كنت أعرف الصدق منه ئم تنقلت به الأحوال وتنقل إلى أن بلغ الكمال وتملك هذه الديار ثم كسر على عين جالوت التتار وأعطاني ما وعدني به وأرضاني (وإنما أوردت) هذه المثال لتعلم من سلطنتك غير محال وأنا أرجو الله تعالى أن ييسر لي القيام بجميع ما قلته لك يا إمام وأنا أجلسك على السرير وأقيم في خدمتك الكبير والصغير وارفع رأيه مراسيمك وانفذ أوامرها في ممالكك وأقاليمك واجعل جنود الوحش تحت رايتك وأقاليم القفار كلها تحت ولايتك ولكن بشرط أن تتبع ما أراه ولا تخرج عن طوره ولا تتعداه وتعمل بكل ما أشير إليه ومهما أرشدتك إليه تعول عليه فقال أنا طوع يديك وجميع أموري منك وإليك فقل فإني سامع ولأمرك طائع فانهض وعاني هذه الأماني عسى يصير هذا الباطل حقاً وينقلب هذا الكذب صدقاً وقل ما تقتضيه لاتبعه وارتضيه قال ترجع عما أنت عليه من الأخلاق السبعيه والأوصاف الكلبية من الحرص والشره والتكلب والتره والنفس المتنمرة والطبيعة المذمرة وتصوم عن الدماء واللحوم وعن تمزيق الحيوانات وتفريق الجماعات وتحمل النفس على الأخلاق الجميلة والتلبس بالأوصاف الفضيلة من العفة والكرم والعفو عمن ظلم والقناعة بالنبات عن لحوم الحيوانات ومعاملة الكبير والصغير بالفضل الكثير والبذل الغزير وتلافي خاطر الخطير والحقير ليسهل العسير وينقاد لك المأمور منهم والأمير وهذا أمر عليك يسير وهذا لأنك طالما جرحت جوائحهم وكسرت جوارحهم واصطدت سارحهم وأبدت بارحهم فهم منك متخوفون وإلى الإيذاء والضر منك متشوقون وإذا رأوا شيا خلاف العادة وعلموا ولايتك فيها الحسنى وزيادة وأصابوا الخير من مواقع الضير ورأوا ما سر من مواضع الشر والضر تشرب محبتك منهم الكبير والصغير وأنهاك أن يراك من الوحوش العبر والنفير فيتخذك الغريبحبيباً ويصير البعيد منك قريباً فتصيد بالمحبة أرواحهم كما كانت أولا تبيد أشباحهم وإذا ضرب صيتك في الأرض ونثر دره بالطول والعرض وتسامعت بك الوفود وتحققوا انك عدلت عن خلقك المعهود أقبلت إليك منهم الجنود وزان جيد جنودهم من جواهر محبتك وانعقدت بينكم بالمحبة والولاء عقود العهود فتوفرت ذا ذاك جنودك وعلت على رؤس الأقران راياتك وبنودك وجعلوا دارك مأواهم وحماك مصيفهم ومشتاهم مع أن هيبتك في قلوبهم مركوزة وأسنة مخافتك في أحشائهم من قديم الزمان مغروزة وأعلى من فيهم يهابك ويخشاك ويتوقى مكانك ويتحاشاك قال يسار أعلم يا خير سار أن حبال الآمال ومطامع الخيال ما لم تتعلق بمأمول ترتبط بأطراف سول فالنفس ساكنه

والروح مطمئنة هادنه والقلب فرح والخاطر منشرح إذا الطمع ذل وشين والياس إحدى الراحتين ومتى تعلقت بذيل المطامع مخاليب الآمال وبلغت إلى حصول ما مول الخيال. وقامت النفس في تحصيله وتحركت الجوارح لنيل ما موله وانبعثت الهمة إلى إدراكه وتعلق القلب بسير أفلاكه توزعت الأفكار وتفرقت وتمزقت الخواطر وتمزقت وركب لذلك كل صعب وذلول وتقاذفت النفس في كل مخوف ومهول وتقلدت بحمائل قول القائل:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده
ثم إذا لم يحصل المأمول ولم تبلغ والعياذ بالله النفس السول مع بذل هذا الجهد والمبالغة في السعي والكد ومقاساة التعب ومعاناة النصب ترادف النكد وتضاعف السهد وصارت النفس لهذا البدد وكان في جيد حياتها من فوات المقصود حبل من مسد فلا تزال بين تشويش شمائر وتقسيم خاطر وفكر غائب وهم حاضر وهذا الأمر الذي عرضت عليه وهممت بالترقي إلى الوصول إليه إلى عدم الحصول أقرب منه إلى الوصول وأنا أخاف وذا غير خاف أن يغرنا الطمع في هذه الحركة فينتزع من فراغ أوقاتنا البركة ولا نحصل إلا على مثل ما حصل لمالك الحزين من السمكة قال الزنيم نبئني أيها العليم بذلك المثل القويم (قال) بلغني أنه كان في مكان مكين ماوي لمالك وفي ذلك المكان غياض وغدران تضاهي رياض الجنان:
حكى بأنها قد الحبيب تمايلاً ... فجن وفي هذا الجنون تفننا
فدار عليه النهر وهو مسلسل ... فقيده إذ قد جتى وتجننا

وفي مياهه من السماك ما يفوق سابحات السماك فكان ذلك الطير في دعة وعير نرجى الأوقات بطيب الأقوات وكلما تحرك بحركة كان فيها بركة حتى لو غاص في تلك البحار والغدران لم يخرج إلا وفي منقاره سمكه فاتفق أنه في بعض الآناء تعسر عليه أسباب الغذاء وارتج لفوت قوته أبواب العشاء فكان يطير بين عالم الملك والملكوت يطلب ما يسد الرمق من القوت فلم يفتح عليه بشيء من أعلى السماك إلى أسفل الحوت وامتد هذا الحال عدة أيام وليال فخاض الرقراق يطلب شياً من الأرزاق فصادف سمكة صغيرة قد عارضت مصيره فاختطفها ومن بين رجليه التقفها ثم بعد اقتلاعها قصد إلى ابتلاعها فقد فتداركت زاهق نفسها قبل استقرارها في رمسها فنادت بعد أن كادت أن تكون بادت ما البرغوث ودمه والعصفور ودسمه اسمع يا جار الرضا ومن عمرنا في صونه انقضى لا تعجل في ابتلاعه ولا تسرع في ضياعي ففي بقائي فوائد وعوائد عليك عوائد وهو أن أبي قد ملك هذا السمك فالكل عبيده ورعيته وواجب عليهم طاعته ومشيئته ثم أني واحد أبوي وأريد منك الإبقاء علي فان أبي نذر النذور حتى حصل له بوجودي السرور فما في ابتلاعي كبير فائدة ولا أسد لك رمقاً ولا أشغل لك معده فتصير مع أبي الفضيل كما قيل فأفقرني فيمن أحب لا استغني فالأولى أن أقر عينك وأعرف ما بين أبيوبينك فاكون سبباً لعقود المصادقة وفاتحاً لإغلاق المحبة والمرافقة ويتحمل لك الجميلة والمنة التامة والفضيلة وأما أنا فأعاهدك أن أعتقتني ومننت وأطلقتني أن أتكفل كل يوم بعشر سمكات بياض سمان ودكات تأتيك مرفوعة غير ممنوعة ولا مقطوعة يرسلها إليك أبي مكافأة لما فعلت بي من غير نصب منك ولا وصب ولا كد تحمله ولا تعب فلما سمع البلشون هذا المجون أغراه الطمع فما ابتلع فسها ولها ثم قال لها أعيدي هذه الرمزه فبمجرد ما فتح فاه بالهمزة أنملصت السمكة منه بجمزه وغاصت الماء وتخلصت من بين فكي البلاء ولم يحصل ذلك الطماع الأقطع الأطماع (وإنما أوردت) يا ذا الدراية هذه الحكاية لتتأمل عقبى هذا الأمر قبل الشروع فيه وتتدبر منتهى أواخره في مباديه فقد قيل أول الفكر آخر العمل (قال المشرقي) اعلم يا مرتقي إن مبنى الأمور في مجاريها وقواعد ما أسس عليه مبانيها تقدير خالقها وتدبير باريها وما حكمه وقضاه وأحكمه وأمضاه لكنه كتمة وأخفاه فلا تدركه العيون وإلا صار بل ولا البصائر والأفكار فانه علم غيب وجهلنا به ليس بعيب لأنه تنزه أحداً صمداً قال تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً كما قيل:
على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... وليس عليه أن يساعده الدهر
فإن نال بالسعي المنى تم أمر ... وإن غلب المقدور كان له عذر
وإن الله العلي العظيم قد وضع أساس بنيان العالم على الأسباب وفتح لتعاطي الأسباب الأبواب فقال ذو الجلال والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وقال فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وقال القائل:
إذا ما كانت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
يرى الجبناء أن العجز حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
فطعم الموت في شيء حقير ... كطعم الموت في شيء عظيم
وقال عليه الصلاة والسلام علوا الهمة من الإيمان والمرء يسعى في تحصيل مرامه ولا يترك شيأ من أسباب قيامه فان ساعده القدر بقدره إنقاذ إليه مرامه بشعره وكان مصادمة مساعده ومقامه ومعاضده كما قيل:
وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصاراً

فيساعده إذ ذاك الكون والمكان ويمضي سهم أوامره رامي القضاء من قوس الزمان فيقيض له المساعد ويتعبد المقارب والمباعد وحسبك يا ذا الصوله ما اتفق من السعد لعماد الدولة فسأله يسار عن سرد هذه الأخبار (قال) كان رجل صياد له ثلاثة أولاد كأنهم حمك وقوتهم السمك تقلت بهم الأحوال حتى صاروا برياستهم على الدنيا أحمال وانتهوا في الرياسة وساسوا الحلق أحسن سياسه وانتشر أمرهم وطاب في الدهر ذكرهم ومما ملكوه العرافات والأهواز وفارس وسرتها شيراز أكبرهم أبو الحسن علي بن بويه الملقب بعماد الدولة وكان في السلطانة ذا جولة وصوله ولما انتهت أيام خموله واتصل بالسعد أسباب وصوله حل ركابه بشيراز وصعد إلى حقيقة الملك من المجاز ووفدت عليه الوفود وأحاطت به جموع الجنود وطالبه أهل المراتب بالرواتب والروامك بالجوامك والرفاق بالأنفاق والأجناد بالأرفاد وأرباب الولايات بالخلع والجرايات وأصحاب الإقامات بالنفقات والأنعامات ولم يكن في خزائنه من ظاهر المال وباطنه ولا في ذخائره من ظاهر الرفد وضمائره ما يسد رمقهم ويرد شرقهم فتراكمت همومه وتصادمت غمومه وتوالت أفكاره وتجاذب به بحر الحيرة در دوره وتياره لأن أمره كان في مباديه وليل سعده في هواديه وقد قصرت عن طول الطول أياديه وأشرف أمره على الاختلال وملكه على الاضمحلال ووقع في يوم لا بيع فيه ولا خلال قد خل إلى مكان خال وهو مشغول البال فاستلقى فيه على ظهره وغرق في بحار فكره فبينما هو يلاحظ السقوف وأفكاره بين تردد ووقوف وإذا بحية عظيمة بجثة جسيمة من السقف خرجت ودرجت وفي مكان آخرولجت فوثب واقفاً ورقب خائفاً لئلا نسقط عليه ويصل أذاها إليه ودعا الفراشين وجماعة فتاشين بمعاول النباشين وأمرهم بنصب السلم والفحص عن الأرقم وتتبع آثارها وإطفاء سرارها فصعدوا الحيطان وحفروا ذلك المكان وخرقوا سقفه فانفتحت لهم غرفه كانت مخبأة لمن تقدمه وضع فيها ديناره ودرهمه وفيها عدة صناديق محكمات التوفيق والمعاليق فاطلعوه على تلك الخبيه والتهوا عن طلب الحية والجبيه فأمرهم فنقلوها إليه ووضعوها بين يديه فإذا فيها من الذهب النضار خمسمائة ألف دينار فعرف أن ذلك عناية ربانية ومواهب صمدانية رحمانية فصرف المال في إصلاح حاله وبذره في مزارع قلوب خيله ورجاله فثبتت أوتاده واستقامت أجناده وقويت سواعده وأعضاده وكان أمره قد اشرف على الاختلال وعقد نظامه على الانفراد والانحلال وكان من تمام هذه السعادة وتعقيب هذه الحسنى بالزيادة أن الملك المذكور بعد هذه الأمور وحصول هذا السرور وانتظام مصالح الجمهور أراد تفصيل قماش وخياطة خلع ورياش فطلب خياطاً ثقة ليقلده هذه المنطقة فارشد إلى خياط ماهر شكله زاهر وفضله ظاهر وحذقه في صناعته باهر إلا أنه أطروش حقل سمعه بدبي الوقرمد بوش فما يصل ملك الكلام إلى سرير صماخه إلا بزمر وطبل وجاووش فدعاه فأجلسه بين يديه وطلب الثياب ليعرضها عليه فتصور الخياط أنه سعى به إليه بسبب وديعة كانت لصاحب البلد لديه وإنما طلبه ليطالبه فأما أن يؤديها أو يعاقبه فتقدم باليمن مثل المصارعين واقسم بالله خالق المخلوق ورازق المرزوق أنها اثنا عشر صندوق لم يشعر بها مخلوق وأنه لا يدري ما فيها وأنها مختومة بختم معطيها فتعجب عماد الدولة من كلامه وسجد لله شكراً على إنعامه ثم وجه معه من أتى بها ودخل إلى بيوت ما فيها من أبوابها فكان ما فيها من الأموال ونفائس القماش العال جمل متكاثرة وأصناف متوافرة واستولى على ذلك كله وثبت بواسطة المال في ركاب الملك واطئ نعله (وإنما أوردت) هذا التنظير يا ذا الرأي والتدبير لتعلم أن سبب الأسباب وميسور الأمور الصعاب إذا دبر مصالح عبده وشمله بإحسانه ورفده هون عليه عسير وصغر عنده كل كبير وأنت بكل هذا بصير قال يسار صدقت صواباً نطقت ولكنني نظرت إلى الدنيا ورزت أحوالها السفلى والعليا ورأيت كلما زاد الشخص حرصاً وطمعاً ازداد لنفسه عبودية وتبعاً وللدنيا رقاً وللآخرة رشقاً فصارت قيوده أثقل وحسابه أشدو وأطول وهمومه أتم وغمومه أعم وأن الواثق بالدنيا والراكن إلى ما فيها من أشيا كالجاعل له من السحاب حصناً ومن الحباب كنا ورأى وقاية تحصل من السحاب وأي إيواء بصدر من الحباب ومن تأمل الدنيا بعين التبصير وتفكر في تقلباتها بمصيب العقل والتدبير عد جمعها شتاتاً ووصلها أنبتاتاً

ومجيئها ذهاباً وشرابها سرابا وإقبالها أدباراً ونسميها إعصاراً وعطاءهم أخذا وعهدها نبذا وصلتها فلذا ووهبها نهباً وايجابها سلباً وحربها سلماً ووجودها عدما وكثرتها فلا وعزها هاذلاً وضحكها نياحه وطلاقها راجة فلم يكن عنده أحسن من فراقها ولا أرصن من طلاقها والقناعة منها بالكفاف والرضا منها بالعفاف كما سلك الفلاح صاحب الماشية واستراح فقال الزنيم أخبرني كيف كان ذاك يا حكيم (فقال) إن مخدومي الذي كنت عنده أحفظ ما شيته وعبده كان ذائروة عظيمة وأموال كثيفة جسمه وكانت ماشيته لا تزيد عن ألف رأس وأن حصل من النتاج المعهود ما يزيد على هذا القدر المعدود تصدق به أو باعه أو وهبه لبعض الجماعة ولو أراد لجعلها ألوفاً مؤلفة وأضعافاً مضاعفة وكان في الجيران والأصحاب والأخوان من هو أقل منه مالاً واقصر باعاً وأضيق مجالاً له الألوف من المواشي وكذلك من الخدام والحواشي وهم في كل وقت في ازدياد وتضاعف الأعداد من الأصول والأولاد ومخدومي لا يقصد الزيادة وأن زاد شيء أباده فقال له الراعي وكان عليها أشفق ساعييا مخدوم ما لك لا تريد أن تزيد مواشيك وحواشيك وتكثر بالرفق والرفد فواشيك وبالورد والإصدار غواشيك فان المواشي تزداد فوائدها وتتوفر عوائدها باعتبار زيادة أصولها وإدرار منافعها ومحصولها وجيراننا كانوا أقل عدداً من هذا المقدار فصاروا بالتوفير أكثر عدداً في الأغنام والأبقار فزادوا على مواشينا بعد أن كان أوساطهم كحواشينا ولا أعرف لهذا موجباً ولا أدري له سبباً غير الإهمال وقصد تضييع المال فقال له مخدومي هذا محيط به معلومي ولكن أيها الولد أعلم أن أنواع العدد آحاد وعشرات وألوف ومئات فألوف غاية الأعداد إذا اعتبرنا التعداد والشيء إذا جاوزنا غايته وتعدى نهايته أخذ في النقص وإذا بلغ مداه تراجع بالنكص وقد قيل الشيء إذا جاوز حده شاكل ضده ومن لم يقنع بالقليل لم يرض بالجزيل ولقد أحسن المقال وصدق فيما قال من قال:
وما الدهر إلا سلم فبقدر ما ... يكون صعود المرء فيه هبوطه
وهيهات ما فيه يزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه
فمن كان أعلى كان أوفى تهشماً ... وفاء بما قامت عليه شروطه

وكثيراً ما رأيت وسمعت ووعيت عن أصحاب الألوف القاصدين لازدياد المألوف نزلت ألوفهم إلى الواحد من الآحاد فاستولى عليهم لذلك الهموم والإنكاد فتكدرت خواطرهم واشتغلت ضمائرهم وأما أنا فلم أعلم أن ألفى نقص ولا جاري حلبة مداه نكص فإذا عدا غايته ألزمته نهايته وكبحث جامح طرفه وكففت طامح طرفه طلباً للراحة ورغبة في الاستراحة:
فكم دقت ورقت واسترقت ... فضول العيش أعناق الرجال
(وإنما) أوردت هذا التمثيل لتعلم يا ذا التفضيل أني ما دمت له خادماً وفي وصف الخدمة قائماً ولم أتعد طوري وهو مقام الخادمية إلى ما ليس لي وهو مقام المخدومية فأنا مستريح ولغيري مريح ونفسي مطمئنة وجوارحي عن طيش السعي مرجحنه وأصحابي أحبابي وأحبابي أصحابي والخواطر صافيه والمحبة وافيه والصداقة باقية ومياه المودة في رياض الأرواح صافيه وفي عروق الأشباح واقفة جاريه فإذا رمت مع وجود هذه الحسنى الزيادة وقصدت التعدي إلى ما ليس له به عاده فأنا بين أمرين متقلب على جمرتين أما عدم الحصول والانقطاع عن الوصول فتتضاعف المكدات وتترادف المقسمات وبحسبها تصل الهموم وتحصل الغموم كما مر سالفاً وذكر آنفاً وأما الظفر بالمراد على حسب ما يراد فبقدر ذلك يقع الصداع ويقوم التحاسد والنزاع وأول ذلك معاداة الأصحاب ومعاناة الأحباب ومقاسات الأتراب وحصول الضغائن وبروز المكامن بواسطة الترفع عليهم وصدور المراسم والتقدم بامتثالها إليهم فالأولى بحالي التفكر في مآلي واللائق بشورى أن لا أتعدى طوري ولا أتورط في هذا البحر العميق والبئر العميق ولا أخرج عن سواء الطريق فتهوي بي طير الهوان في مكان سحيق:
وإني يسار خائف أن يردني ... زماني بما لاقى يسار الكواعب
قال المشرقي أبو زنمه ما أحسن هذه الكلمة وأيمن هذا النظر وأرصن هذه الفكر وأدق معاني هذه المباني ولكن إذا رفعك الله من يضعك وإذا أعطاك من يمنعك وقد قال ذو الجلال ما يفتح الله للناس من رحمة فلا يمسك لها وقال صلى الله عليه وسلم اللهم لا مانع لما أعطيت:
وكل الناس تطلب المعالي ... ونفس الحر تأبى أن تضاما

فلما بلغ بهما الكلام إلى هذا المقام قال يسار أعلم يا فحل الفحول وإمام المعقول والمنقول أني ما بالغت في الامتناع إلا لأقف على ما فيك من طباع أسير ثبوت قدمك وثباتك وراء كلمك فلقد وجدتك في هذا الأمر الخطير فوق ما في الضمير وفي مواطن الاختبار أثبت جناباً من ابن الليث الصفار فانهض لقصدكوحركته على خيره الله تعالى وبركته فأني وضعت عنان جموح هذا المرام في بد تدبيرك وجعلت واسطة هذا العقد جوهرة تفكيرك وسلك نظامه ونظام قلادته جودة تصويرك فأنك أهل لذلك وبرأيك تقتدي المسالك فابتهج أبز زنمة بهذا المقال ووثب قائماً في مقام الخدمة وقال حيث انشرح صدرك لكلامي فسترى في وجهك مجالس قيامي وأنا أعلم أن معبودك سيبلغك مرامك ومقصودك ولكن يجب التيقظ وقبل الشروع التحفظ أما لتيقظ فلأمور يجعلها الملك مقتدى ولا يغفل عنها أبداً كما فعل الملك الظاهر الموفق أبو سعيد محمد جقمق حين اضطربت الأوامر واختلفت العساكر واصطدمت الأمور وخرج عليه من عساكره الجمهور وقل المعين وذلك في سنة اثنتين وأربعين فعصى تنكري وتترس في حلب وقام بالراكمة الجلب واينال الحلمى بالشام وكاتبه الطغام والعظام وهرب بالقاهرة العزيز وأزت الشياطين فاشتد الأزيز وتخبط بالصعيد العربان وفشا في عساكر الإسلام الطربان فسفه الحليم وحار الحكيم وضل كل ذي رأي قويم فثبت الملك الظاهر جاشه وتعرف إلى الله تعالى فأزال استيحاشه وأصفى سرائره ولم نزل سيرته ظاهره فكان الله عونه وناصره فأطفأ بأدنى لطفه شواط تلك النائره وقد بسط ذلك في سيرته الظاهرة فتبدل الجحيم بالنعيم ورفع الله تعالى عن الإسلام والمسلمين العذاب الأليم كل ذلك بثبات القدم وعلو الهمم ولم تحصل هذه الفعلة الذكية الرائحة إلا بالطوية الطيبة والنية الصالحة وأما التحفظ فمن مواد شرور ملتبس بها الجمهور منها لحقد والملال والكذب في المقال والحسد والاحتيال فأن الحقود وقود والحسود لا يسود والكذوب يذوب والملول لا يطول والمحتال مغال وباقي النصائح الذكية والروائح تأتيك بالسعد فيما بعد وأنا الآن أقدم للبيان وأذكر الأهم وما فائدته أعم قبل الشروع أمام المقصود وهو تأكيد مواثيق العهود فأنه إذا حفتك الجنود وأحاط بك أرباب الرايات والبنود وأنت جالس على السرير وفي خدمتك المأمور والأمير والكبير والصغير يعسر على استيفاء الخطاب واستيعاب الجواب ولا يليق بعظمتك ومقام حرمتك إطالة الكلام ولو اقتضاه المقام خصوصاً بحضور الخاص والعام ولو كان المتكلم أعز الخدام وأقرب الإلزام فلا أقدر أن أتجرأ عليك وأنهي جميع ما أريده إليك لأن قصد الخادم إقامة حرمة مخدومه والمبالغة في حفظ ناموسة وتعظيمه وكثرة الكلام تمنعه عن هذا القصد وتدفعه وأما في هذا الوقت فأن كثير كلامي لا يورث شيأ من المقت فلا حرج على كلامي كيفما خرج قال يسار بارك الله فيك وأبقاك لذويك فما أدق نظرك وأحسن في عواقب الأمور فكرك وأصوب غوصك على جواهر الانتقاد واغرب بوصك إلى زواهر الاعتقاد فقل ما بدا لك مما يزين حالي وحالك فان حرمتي حرمتك وحشمتي حشمتك فإن عظمتني عظمت نفسك وإن وفرت مالي فقد زدت كدسك والخادم إذا لم يقصد رفعة مخدومه ويعد ذلك من أكبر همومه ويسعى فيه ساعة فساعة وفي كل مكان وعند كل جماعه وإلا فيدل ذلك على خساسة مقداره وقصور نظره ولؤم نجاره وركاكة همته واستبذال حرمته فقال أبو زنمه أول شروطي يا ذا العظيمة أن لا تقرب المؤذين ولا تلتفت إلى الأشرار المغتابين ولا تضيع الأوقات في الإصغاء إلى القينات ولا تسمع كلام واش وتعد كلامه أقل من لاش ثانيها أن لا تعجل في فصل الحكومات بل تتعاطاه بالتفتيش والالتفات إلى أن تتجلى صورتها وتتعين حقيقتها فإذا وضحت لديك وتخلت مخدرة حقيقتها عليك أجهد فيها بالصدق وأعمل بما يقتضيه الحق ثالثها أن لا تعود لسانك الفحش والبذاءة فان في ذلك على الملك أسوأ إساءة فان الكلام يؤثر في القلوب وينفر من قبحه الطالب والمطلوب وقد قيل:

جراحات السنان لها التثام ... ولا يلتام ما جرح اللسان وقد قيل إن عيسى عليه السلام مر بجماعة في بعض الأيام فصادفوا كلباً أجرب فقال له سلمك الله أذهب فقال كل من أصحابه مما كان معبي في جرابه من الاستيقاض وطلب البعد عنه والمناص وما سلموا إلى عيسى حاله بل سألوه عن كلامه له وما دعا له فقال أني عودت لساني ببيان ما في جناني وهو المقاصد الحسنة وترك الألفاظ والعبارات الخشنة وقيل أنه مر في بعض الأوقات ومعه جماعات بكلب من الأموات ملقى على مزبلة في جملة القاذورات فوضع كل منهم يده على خطمه وتكلم في رائحته عند شمه فقال عيسى عليه السلام ما أحسن بياض أسنانه فقيل له عما سمع من بيانه فقال عودت لساني بلفظ الخير وإن لا يتكلم بما فيه ضير وكما يجب على الملك كف اللسان الفصيح عن الكلام البذي القبيح كذلك يجب عليه أن لا يصغي إليه ويتأمل قول الشاعر:
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به
فانك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه
ووجد في كتاب آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي بيت ثالث:
وكم أزعج الحرص من طالب ... يوافي المنية عن مطلبه
وهذا الأمر يا مخدوم لكل أحد معلوم على العموم وأما أكابر السلاطين والملوك الأساطين فهم أعلى مقاماً أن يكون الفحش لهم كلاماً وأن يجري في مجالسهم أو يسمع من محادثتهم ومجالسهم وكل ملك اعتاد مجلسه فاحش الكلام اختل نظامه ومقته الخاص والعام ونفرت عنه قلوب الرعية وبحسب رغبة الرعية تكون الممالك راضية مرضية وإذا نفرت قلوب الرعية كرهوه وتوقعوا غيره ليقوموا معه وينصروه وإذا لم يوجد عقدوا الحقود واستمروا أذلاء كاليهود والبغضة كامنة والخسائف باطنه فتقدم العداوة وتتقدم وتنأكد وتتأزم وإذا قدمت العداوة ذهبت من الصداقة الحلاوة فلا بد يوماً من الأيام أن تبرز رأسها من جيب الانتقام وإذا وجدوا فرصة وثبوا عليه وقصد كما جرى للغريرة مع الهريرة قال بسار بين لي هذه الأخبار (فقال) ذكر شخص معتبر من رواة الخبر أن في القديم كان رجل عديم وعنده قط رباه وأحسن مرباه فكان عنده كالولد الأعز وأكرم من ابن الفرات عند ابن المعتز وكان القط قد عرف منه الشفقة وألف منه المودة والمقه فكان لا يبرح عن مبيته ولا يسعى لطلب قوته فحصل له هزال وتغير ما له من أمر وحال لا عند صاحبه ما يغذيه ولا هو ذو قوة عن الاصطياد تغنيه إلى أن عجز عن الصيد فصار يسخر به من أرذال الفيران كل عمرو وزيد وصار كما قيل:
خلت الرقاع من الرخا ... خ وفرزنت فيها البيادق
وتسابقت عرج الحمي؟ر فقلت من عدم السوابق
وسطا الغراب على العقا ... ب وصاد فرخ البوم باشق
سكتت بلابلة الزما ... ن وأصبح الخفاش ناطق
وأيضاً:
وإذا خلا الميدان من أسد ... رقص ابن عرس ونومس النمس

وكان في ذلك المكان مأوى لرئيس الجرذان وفي جوار مخزن للسمان فاجتر الجرذان لضعف أبي غزوان وتمكن من نقل ما يحتاج إليه وصار يمر على القط آمنا ويضحك عليه إلى أن امتلأ وكره من أنواع المآكل والمطاعم وحصل له الفراغ من المخاوف والمزاحم واستطال على الجيران واستعان بطوائف الفيران على العدوان فافتكر الجرذان يوماً في نفسه فكراً أداه إلى حلول رمسه وهو أن هذا القط وإن كان عدواً قديماً ومهلكاً عظيماً لكنه قد وقع في الانتحال وضعف عن الاصطياد لقوة الهزال وقوتي إنما هي بسبب ضعفه وهذا الفتح إنما هو حاصل بحتفه ولكن الدهر الغدار ليس له علىحالة استمرار فربما يعود الدهر عليه وترجع صحته وعافيته إليه فان الزمان الكثير الدوران يتهب ويهب ويعطي ما ساب ويرجع فيما وهب كل ذلك من غيره وجب ولا سبب وإذا عاد القط إلى ما كان عليه يتذكر من غير شك إساءتي إليه فيثور قلقه ويفور حنقه ويأخذه لاذاى والانتقام سهره وأرقه فلا يقر لي معه قرار فاحتاج بالاضطرار إلى التحول عن هذا الديار والخروج عن الوطن المألوف ومفارقة السكن المعروف أمر صعب مشوم الكعب فلا بد من الاهتمام قبل حلول هذا الغرام والأخذ في طريقه الإخلاص قبل الوقوع في شرك الاقتناص ثم أنه ضرب أخماساً لأسداس في كيفية الخلاص من هذا البأس فاداه الفكر إلى إصلاح المعاش بينه وبين أبي خراش ليدوم له هذا النشاط ويستمر بواسطة الصلح بساط الانبساط فرأى أنه لا يفيد ما يريده إلا بزرع الجميل من كثير وقليل خصوصاً في وقت الفاقة فانه أجلب للصداقة وأبقى في الوثاقة ثم بعد ذلك يترتب عليها العهود ويتأكد ما يقع عليه الاتفاق من العقود وهو أن يلتزم الجرذان أن يقوم لأبي غزوان في كل غداة من طيب الغذاء ما يكفيه لغداء وعشاء لأن الشيخ في الدرس قال خير المال وما وقيت به النفس إلى أن يصح جسده ويرد إليه من عيشه رغده ويكون ذلك سبباً لمعقود الصداقة وترك العداوة القديمة المساقة وأن تشترط دوام المحبة وازدياد الوداد والصحبة وأن لا يقصد أبو الهيثم أبار راشد بشيء من الأذى والشرور والمفاسد ويعمل هذا الهر بموجب ما قال الشاعر:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
ثم إن الجرذان جمع من الأخباز والأجبان واللحم القديد والمطعم المزيد ما قدر على حمله ونهضت قوته بنقله وقصد مقام الهر وسلم عليه السلام مكرم مبر محب قديم وصديق حميم وقدم ما معه إليه وترامى بكثرة التودد والاشتياق عليه وقال يعز ويعظم لدي أني أراك يا خير جار في هذا الضرر والأضطرار ولكن العاقبة إلى خير وسيقبل السعد بأحسن طير فتقدم أيها الخيطل وكل من هذا المأكل فإذا سددت خلتك كلمتك بشيء أستشير به خدمتك فانه قد قيل:
أن الصداقة أولاها السلام ومن ... بعد السلام طعام ثم ترحيب
وبعد ذاك كلام في ملاطفة ... وضحك وثغر وإحسان وتقريب
وأصل ذلك أن تبغي شمائلها ... بين الأحبة تأييد وتأديب
لم تنس غيباً ولم تملل إذا حضروا ... قد زان ذلك تهذيب وترتيب
إن الكرام إذا ما صادقوا صدقوا ... لم يثنهم عنه ترغيب وترهيب

فتناول القط من تلك السرقة ما سد رمقه وشكر للجرذان تلك الصدقة ولما أكل فمه استحيت الحدقة ثم قال له أنشد ما أنت ناشد يا أبا راشد قال إن لي عليك من الحقوق مثل ما للجار الصدوق على الجار الشفوق وأردت أن يتأكد الجوار بالصداقة وتتراقى إلى درجة المحبة بأوثق علاقة وأن كانت بيننا عداوة قديمة فنترك من الجانبين تلك الخصلة الذميمة ونستأنف العهود على خلاف الخلق المعهود وتدبير الأمور على مصلحة الجمهور ونبني القاعدة في البين على ما يعود نفعه على الجانبين وأذكر بك أشياء تحملك على ترك خلقك القديم وتهديك في طريق الإخاء إلى الصراط المستقيم وهو أن أكلي مثلا ما يغذي منك بدناً فضلاً عن أن يظهر فيك صحة وسمناً ولكن أن أمنتني مكرك وأعملت نظرك وفكرك ثم رغبت في صحبتي وعاهدتني على سلوك طريق مودتي وأكدمت أي أبا غزوان ذلك بمغلظات الأيمان إلى أن أستوثق باستصحابك وأبيت آمنا في مجيئك وذهابك ولو كنت بين مخالبك وأنيابك فأني ألتزم لك في كل يوم إذا استيقظت من النوم بما يسد خلتك ويبقي مهجتك صباحاً ومساء وغداء وعشاء وإن قلت أن ذلك شيء مجهول فأنا أقدره بنظير هذا المأكول فان هذا الغذاء يكفيك عشاء وغداء وماقصدت بذلك إلا رعاية لحق الجوار ولقد آنستني تسبيحك بالليل والنهار وأظن وظني لا يخيب أنك تبت إلى الله ورجعت من قريب وكففت عن أذى الجيران وعففت عن أكل الفيران ثم أعلم يا أسد الضياون أن لي من هذه المؤنة عشر مخازن قد أعددتها لمثلك وأنا أقدمها لمنزلك وادخرها لأجلك والقصد أن أكون آمناً من سطواتك ساكناً في صدمات حركاتك وذلك إنما يعلم بتأكيد الإخاء وتأييد المحبة والولاء فلما رأى الهر هذا البر أعجبته هذه النعم وأطربه هذا النغم وأقسم طائعاً مختاراً ليس إكراهاً ولا إجباراً أنه لا يسلك مع الجرذان إلا طريق الأمان والإحسان وأنه لا ينوء إليه بقصد سوء بحيث تتأكد المحبة وتزداد الصداقة والصحبة فرجع الجرذان وهو بهذه الحركة جذلان وصار كل يوم يأتي أبا غزوان بما التزم به من الغداء والعشاء كل صباح وعشاء إلى أن صح القط واستوى وسلمت خلوات بدنه من الخو والخوا وصارت المحبة تنعه بكل يوم عقد مجدداً ويزداد كل منهما في الآخر محبة وتودداً وكان لهذا القط ديك وهو صاحب قديم وصديق نديم كل منهما يأنس بصاحبه ويحفظ خاطره بمراعاة جانبه للديك تعويق عن زيارة الصديق فغاب عنه مدة وكل منهما للفراق في شده فلم يتفق لهما إلا وقد حصل للقط الشفاء وزال الشقاء فسأل الديك صاحبه بماذا صارت علته ذاهبة وذاك الهزال بأي شيء زال فاخبره بأحوال الجرذ أبي جوال وأنهى أمره من الأول إلى الآخر وبالغ في الشكر في الباطن والظاهر وأنه كان سبب حياته ونجاته من مخاليب مهلكاته وأنه لم يكن مثله في الأصحاب وقد صار أعز الأصدقاء والأحباب فغار الديك على الصاحب القديم وأختشى أن يفسد ما بينهما المفسد الذميم فضحك مستغرباً وصفق بجناحيه متعجباً فقال له مم تضحك فقال من سلامة باطنك وانقيادك لمداهنك وحسن صنائعك مع المنافق مخادعك ومكارم أخلاقك مع ناقض ميثاقك وإصغائك لهذا الخبيث بمشوه الكلام ومموه الحديث ومن يا من لهذا البرم الواجب القتل في الحل والحرم المفسد لفاسق المؤذي المنافق الذي خدعك حتى أمن على نفسه واستطرق بذلك التمكن من أذاه ونحسه فتسلط الأذى كما يختار وانهمك في الشر آمناً منك البوار كل ذلك بسببك ومكتوب في صحائف كتبك مع أنك بمشكور ولا بالخير مذكور وأن الذي شاع وذاع وملأ عنك الأسماع أنك ستحل عقده وتنكث عهده وتنقض الإيمان وتجازي بالسيئة الإحسان وأنه لم ير منك ما يسره وهو متوقع منك ما يضره وأعظم من هذا أنه آذى وحشر فنادى وبالشر بادي فقال أنه أحياك بعد الموت وردك بعد الفوت ولولا فضله عليك وبره الواصل إليك لمت هزالاً وجوعاً ولما عشت أسبوعاً ولكنه أشبع جوعك وجلب هجوعك واستنفذ من مخاليب المنية بعد ذهابك رجوعك فشفاك وعافاك وصفا لك وصافاك وكفاك وأنك كافيته مكافأة التمساح وجازيت حسناته بالسيآت القباح ولم يكن لإحسانه إليك ولا لما من به عليك سبب ولا علاقة سوى طهارة نفس زكت أخلاقه ولا لإساءتك إليه سبب تنقم به عليه إلا ما أسداه من مكارم شيمه الواصلة إليك وفوائد نعمه السابغة عليك وقد أشاع هذا كله في الشوارع والحارات خصوصاً في هذه المحلة ثم أقسم بمن عطفه عليك وساق

فضله إليك وجعلك محتاجاً إلى نواله وأسبل عليك لباس صدقاته وافضاله ليستوفين منك ما صنعته وليحفظن عليك ما عليه ضيعته وليوقعنك في طوى بليه يعجز عن خلاصك منها كل البرية فليريحن منك جنس الفار وليخلدن ذكر هذه القضية في بطون الأسفار وبالجملة فهل سمعت أن جرذناً صادق هره أو اتفق بينهما مرافقة في الدنيا ولو مره ومناصحة القط والفار كمصادقة الماء والنار:
فأنت كواضع في الماء جمراً ... وأنت كمودع الريح الثرايا
فلما سمع القط هذا الكلام تألم باطنه بعض إيلام وما صدق ولكن ظن واشتغل خاطره لأمر عن وتلهبواشتغل ومن يسمع بخل وقال للديك جزاك الله عني خيرا وما أكثر شفقتك طيرا ولكن من قال لك هذا المقال قال أنت محب وعلى مودة الجرذان مكب وقد قال سيدا لعرب والعجم صلى الله عليه وسلم حيك للشيء يعمي ويصم وقال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب عمية ... كما أن عين السخط تبدى المساويا
ولقد غرك بلقيمات من الحرام والسحت المنغمس في الآثام وجعلها بمنزلة حبة الفج فلا تشعر بها إلا وأنت في السلخ وقد وقعت ولا رفيق ولا أخ هناك يعرف تحقيق هذا الكلام ولكن أنت الآن راقد مثل النيام والكلام ما يفيد ولا بد أن الله تعالى يجري ما يريد وما في إشاعة الكلام طائل وكأنك أنت القائل:
ظن العذول بان عذلي ينفع ... قل ما تشأ فعلي أن لا أسمع

وما قلت لك هذا الكلام إلا من فرط الشفقة والضرام ورعاية لحق ما وجب علي من القيام وحفظاً للصداقة القديمة والمودة التي سحائبها ديمه وأنا لو غششت كل أحد ما خطر لي أن أغشك وأنا لا استشهد على صدقي إلا يقينك الساكن عشك فرجح جانب صدق الديك كفاك الله شر من يؤذيك وقال القط في خاطره بعد ما أجال قداح ضمائره هذا الديك من حين انفلقت عنه المبيضة وسرحت أنا وإياه من الصدقة في روضة ما وقفت له على كذب ولا سمعت عنه أنه لزور مرتكب مع أنه مؤذن أمين بين ظهور المسلمين وهو بالصدق قمين وما حمله على هذا إلا المحبة وقديم المودة والصحية وهو أبعد من أن يكذب ويخدع وأي قصد له في أن يغش ويتصنع وتردد أبو هريرة في تيه الخيرة بين الديك والفريره ثم قال للديك وقاك الله شر أعاديك فكيف أعرف صدق هذا الحبر وهل للدلالة على سوء طويته علامة تنتظر قال نعم ورب الحرم علامة ذلك أنه إذا دخل عليك ونظر إليه أن يكون منخفض الرأس مجتمع الأنفاس متوقعاً حلول نائبه أو نزول مصيبة صائبة أو شمول بليه غائبة ملتفتاً يميناً وشمالاً متخوفاً نكالاً ووبالاً طائفاً يتنقب خائفاً يترقب وذلك لأنه خائن والخائن خائف وهذا بائن وبينما هما في المحاورة والمناظرة والمشاورة يتجاذبان القيل والقال دخل المفسد أبو جوال وهو غافل عن هذه الأحوال فرأى أبا القيظان يخاطب أبا غزوان فخنس وقهقر وتخوف وتشور وهو غافل عما قضاه الله وقدر فاشمأز لرؤيته الديك وابرأل وانتغض واشمعل فارتعد الجرذان من شيخ الديكة لما رأى منه هذه الحركة وانتفش وانزوى وتقبض وزوى وأشبه بغدادياً بلع الدوا ونظر يميناً وشمالاً كالطالب للمفر مجالاً والقط يراقب أحواله ويتميز حركاته وأفعاله فتحقق ما قاله أبو سليمان ونظر إلى الجرذان نظر الغضبان وهمز واكفهور ورقصت شواربه وابزأر فاضطر الجرذان وطلب الأمان فنسي السنور العهود والأيمان ونفض عرق العداوة القديمة والعدوان وطفر على الجرذان وأدخله في خبر كان وأخلى منه الزمان والمكان (وإنما أوردت) هذا التنظير أيها الصاحب البصير لفائدتين جليلتين عظيمتين إحداهما الإعلام بالتحقيق إن العدو العتيق لا يتأتى منه صديق ثانيتهما الإعلام بان الواجب على الحكام أن لا يعجلوا بالانتقام فربما يورثهم الاستعجال الندامة في المآكل في حالة لا يفيد العذل والتنفيذ وعند ذلك لا يمكن التدارك بل إذا نقل إليهم وأورد عليهم ما يثير الغضب ويحمي سن نار السخط اللهب لا يفلتون زمام التثبيت والتفكر من أنامل التأني والتدبر خصوصاً السلاطين والملوك الأساطين فان قدرتهم واسعة وأطراف أوامرهم شاسعة وأوهاق اختيارهم طويلة ومراعي المراد لمرامهم منيله وآدان الكون لأوامرهم سميعة وعين المكان لمراسيمهم مراقبة مطيعة فمهما أرادوا من النفع أوصلوا ومهما اختاروا من الضر فعلوا وذلك في كل حسن ممسين أو مصبحين ولذلك قالوا القاضي لا يحكم حكماً إلا وهو راضي ولا يحكم وهو غضبان وهو مشغول الخاطر ولا غرثان فان وجدوا طريقاً إلى الخير بادرواإليه وإذا قصدوا إيقاع شر توقفوا لديه ولا يهملوه بل يسبروا غوره إلى أن يقفوا عليه فربما يكون من مداخله عدوا أو حاسد بتعاطي من له غرض فاسد ثم أعلم يا ذا التبصرة والتذكرة أنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره فلما وعى يسار هذا الحوار قال ما أزهى هذه النصائح وأزكى ما لها من روائح وأنا أقبل عليها وأقبلها ولا يزال مرتشف سمعي مقبلها وعلى ذلك أعاهدك ومهما رأيت غيره أعاقدك فانه للملك المصلحة وللملك زين ومسلحة وأيضاً فاشترط ما بدا لك مما يزين حالك ويصون مالك ومآلك قال وأريد أن تكون حرمتي موفره وكلمتي معتبرة ومنزلي على أقراني مرتفعة ومكانني في الممالك متسعة بحيث تكون مزيتي ظاهره ومرتبتي لاكفائي باهرة وكلامي في محل الإصغاء والقبول متصلاً بالنجاح في السؤال والمسؤل فان حسن العهد وحفظ الود ورعاية الحقوق القديمة السابقة والخدمة المستمرة المتلاحقة دليل على كمال المروأة والوفاء ونهاية لعتوة والصفاء لا سيما من الملوك والأكابر في حق خدمهم الأصاغر ففي الحقيقة رفعة الخادم وكمال حرمته من رفعة مخدومه وعزته وكل من رفع قدر خدمه وحافظ على حفظ حشمه ومنع جانبهم ورعى حاضرهم وغائبهم إنما حفظ أطراف حشمته وراعي جانب عظمته وحرمته وكل كبير امتهن خدامه وأذل جماعته

وقوامه ولم ينزل منازلهم ولا عرف فضائلهم وساوى باواخرهم أوائلهم فإنما أضاع مكانة نفسه ولم يفرق في الفكر بين نومه وغده وأمسه وإذا لم يصغ الملك لكلام الوزير واستقل بأوضاع ناصحه والمشير فابتذله وانتهز واستقله واحتقره خصوصاً في المجامع والمحافل بين العساكر والجحافل فأي حرمة تبقي له عنده البقية من سائر الخدم والرعية وأي مرسوم كلام يسمع له عند العوام فيتكدر خاطره وتتغير سرائره فيدعوه ذلك والعياذ بالله إلى شق العصا إذ صار على باب مخدومه معلقاً كالخصي وقدره في المكانة وقوله في البلاغة صار كالزيف في الصاغه والغسو في الدباغة وناهيك أيها الخبير ما قالته لامها الزاغه قال يسار أخبرني بذلك يا جهينة الأخبار (قال) ذكر أن زاغه في بلد مراغه انتشى لها فرخه انتشر لها بين الطيور صرخه وكانت ذات بهجة لطيفه وصفات ظريفة وتربت بتيمة بالدلال وجمعت بين فنون الكمال فلما بلغت مبلغ الزواج خطبها من صنوف الطير الأزواج وترادفت عليها الخطاب ودخلوا على أمها في ذلك من كل باب فكانت تأبى عليهم ولا تلتفت إلى بذلهم ولا إليهم إلى أن بلغ خبرها إلى بومة كريهة الوجه مشومه بينها وبين أم الزاغه صداقة قديمه فخطبتها لأبنها وأبانت للطير مزيد غبنها فاستشارت الأم ابنتها وأظهرت في ابن البومة رغبتها وقالت أي ربيبة الخير قد رغب فيك أصناف الطيور فكنت أدافعهم وأسوف بهم وأمانعهم وقد اشتهر صيتك بين الكبراء وخطبك مني الأمراء والوزراء وأنا على المطاولة والرد والمقاولة وقد استحييت منهم واختشيت غائلة ما يصدر عنهم ولم أفعل ذلك إلا عارية لحالك وخوفاً من زوج ظالم بقدرك غير عالم يستضعف جانبك ويكره أهلك وأقاربك ثم لا نقدر على مقاومته ونتعب في مرافقته ومفارقته لا سيما أن صار بينكما معاشقه فيصير نكاحكما الدماشقه كل يضمر السوء لصاحبه حالة المعانقة كل يا أحسن معنى بما قال الشاعر:
رأيت الذي لأكله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر

ونعوذ بالله من اختلاف الوداد وأن يصبر نكاح السنة كنكاح أهل بغداد فأن صادفتما في محله مثلي أبي بكر الرباني ودله أو مثل الفرغاني وعلى أو جارة تشبه عيشة تلي خرجتما من يدي وزدتما نكدي فكنت لهذه الأمور أخشى تقلبات الدهور وأرد خطاب الجمهور وقد خطبك يا كريمة ابن صاحبة قديمة وهي البومة الفلانية وهي صاحبة هنيه وأخلاق ابنها رضيه وهو شخص فقير الحال حقير نقلبه في أيدينا كما نريد ونتصرف فيه تصرف الموالي في العبيد لا في الطير جنس يحبه بل كلهم يكرهه ويسبه ولا لهناصر علينا ولا جارح يدلي به إلينا فهو تحت طاعتك كما تحبين وفي ربقة إرادتك كما تريدين لا كالحمام يتطوق بطوق الفخر ولا كالهدهد يتتوج بتاج الكبر فما رأيك في هذا الأمر فقالت الزويغة مقالة بليغة حفظت شيا وغابت عنك أشيا ما أصنع بزوج ممتهن وبغض الأجناس ممتحن مكسور مهجور يتطير بين الطيور هذا يخطفه وهذا يلقفه وهذا ينقره وهذا ينئره وهذا يأثره وهذا يكسره وإذا لم يكن للزوج حرمه ولا تسمع له كلمه خصوصاً عند زوجته وأهل بيته وعثرته فأي قدر يكون له عند غيرها وأني ينشر بالسعد جناح طيرها وقد قال رب السموات والأرض ومالك الطول والعرض والبسط والقبض والرفع والخفض الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وقال من جعلهم قوامين وذواتنا منعوجه وللرجال عليهن درجة ومقدار المرأة بين جيراني وأهلها إنما يعرف بقدر حرمة بعلها وأنا كيف يبقى حالي وبالي وما على ومالي بين جيراني وصواحبي وأهلي وأقاربي إذا كان زوجي ذليلاً مهيناً محتقراً بين الناس خربنا والله لا يكون لي زوجاً ولو بلغ رأسه الأوج ولا أمد إليه باعي ولا يرفع له في مركب الزوجية شراعي (وإنما) أوردت هذا المثال يا شبه الغزال لا بين أنه إذا لم يكن لي في دارك عزه ولا يرفع مكانتي ومكاني نشاط وهزه فلا يرجوني الصديق الموافق ولا يخافني العدو المنافق فيختل أمري ويضيع في غير حاصل عمري وإذا ما أهمل مرسومي تعدى الوهم إلى مخدومي قال يسار أبشر أيها الوزير المشفق والكبير المحقق والحكيم الماهر المدفق بالدرجة العلية والمرتبة السنية والكلمة المقبولة والوظيفة الفاضلة لا المفضوله ولكن أنا أيضاً لي عليك شروط تزين عقودها الملتفات في المروط هن لدار السعادة أبواب وللترقي إلى درج السيادة أسباب ومثلك لا يدل على صواب وهي أن تتقلد العمل مبسوط الأمل بجميع ما قررته وتتعاطى ملازمة كل ما حررته من إقامة ناموس المملكة المبجلة ورعاية شرائط السلطنة المفضلة ومحافظة جانب مخدومك والإنهاء إلى مسامعه جميع ما في معلومك وتقديم مصالحه على مصالحك ومعاملة رعيته بالجهد في نصائحك وكفه عن المظالم والعدول به عن طريق المآثم والغيرة على دينه واعتقاده ويقينه أكثر من الغيرة على دنياه وفي الجملة لا يكون الملك إلا لله بحيث لا تكون من قبيل لم تقولون ما لا تفعلون وإياك والرشا والبرطيل والدخول لعرض الدنيا في الأباطيل وتوق ظلم الرعية للأغراض الدنيه أو الأعراض الدنويه واتق دعوة المظلوم وإن يصل سهامها إلى مولانا المخدوم وأعلم أننا إن بنينا أساس الأمور على قواعد الظلم والشرور فنحن من الخاسرين ومن الذين ظلموا والله لا يحب الظالمين وسيقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين بل ابن الأمور على أساس التقوى فانك بالتقوى تقوى وبروايتها تروى فمن تحلى بالقضايا العاطلة وتشبث بأذيال الأمور الباطلة ولم يقصد وجه الله في حركاته وسكناته وأدخل شوائب الرباء والسمعة في أعماله وطاعاته لا يمشي له حال ولا يصلح له مال ولا مآل ويصيبه ما أصاب السائح الذي ادعى إخلاص العمل الصالح ثم شرع في حركته وأخلص فظهرت آثار براءته فلما قصد الأعراض الدنيه فسد ظاهره بفساد النيه فسأل المشرقي عن حال ذلك الشقي (قال) كان في أقصى بلاد الصين طوائف غير ذي عقل رصين أنبت لهم في بعض الجبال زراع القدرة ذو الجلال في رياض النزاهة والكمال شجرة ذات بهجة وجمال أصلها في أرض الملاحة ثابت وفرعها في أصل المحاسن نابت وغصنها إلى سماء العلى واصل وورقها كعقود الجمان بالبهاء متواصل لا سموم الصيف يزيل زهرتها ولا عواصف الخريف تذهب خضرتها ولا صرصر الشتاء يعري أغصانها ولا لواقح الربيع تذري أفنانها فاعجب بحسنها أهل تلك الديار وأشربوها إشراب بني إسرائيل عجلاً جسد إله خوار ثم تفانوا

في حبها وتهالكوا على قربها فعبدوها كما عبدوه واعتقدوها كما اعتقدوه واستولى على عقولهم الشيطان وصار يخاطبهم من الشجرة واحد من الجان فزادهم فيها اعتقاداً وعمهم بعبادتها كفراً وعناداً فقدم تلك البلاد فقير من السائحين وهو من عباد الله الصالحين فلما رأى تلك الحالة أفزعه ذلك وهاله وأخذته غيرة الإسلام وغضبة دعته ليالقيام فأخذ فأساً وقصدها ليقطع ساقها وعضدها فلما قرب إليها وأراد وضع الفأس عليها سمع منها صوتاً خوفه وعن مراده أوقفه فقال أيها الرجل الصالح والقادم السائح فيم ذي الهمة وعلام هذه العزمة المهمة وما قصدك بهذه الصدمة فقال غيرة لله أيها المضل اللاه شجرة تعبد من دون الرحمن ولا يغار لهذا الشان إنسان فلاقطعنك أيتها الشجرة المضلة ولا جعلنك حطباً ومثله فانك قد أضللت كثيراً من الناس وفعلت ما لم يفعله الوسواس الخناس وأنك لا تنفيع ولا تضرين سوى إنك إلى النار تجرين فقالت أيها الرجل الزاهد الصالح العابد أنا ما آذيتك ولا ضار رتك وإن رأيت نفعتك وبررتك وحاشاك أن تؤذي من لا آذاك وأنا أعلم أيها الرجل الكبير أنك غريب وفقير وما أقدمك على هذا البأس إلا الغربة والأفلاس فكف عن هذا الأمر وأطفئ فائرة هذا الجمر وارجع إلى منزلك واشتغل بطاعتك وعملك وأنا أوصلك كل نهار ديناراً ذهباً نضاراً كاملاً وافياً معياراً يأتيك هينا ميسراً كحل صباح مبكراً إذا استيقظت من رقدتك تجده موضوعاً تحت وسادتك وهذا هو الأليق بحالك وأفرغ لخاطرك وبالك وأخلص لك من ورطات المهالك وإذا أصلحت مع الله سريرتك وطهرت من أدناس الدنيا سرك وسريرتك فاترك الناس ولو كانوا جيرتك أو أهلك وعشيرتك وعليك بخويصة نفسك فإذا أنقذتها من الورطات فأمسك وقد قال منزل القرآن ليحرسكم يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فلما سمع بالدينار ألهاه الطمع والاغترار فبردت همته وضعفت في الله قوته وتركها ورجع وترك القيام وهجع فلما أصبح الصباح وحاز بالصلاة الفلاح بادر إلى الفراش وطلب المعاش فوجد الدينار كما ذكره الشيطان وأشار فالتفقه وابتهج وتحقق أنه فتوح باب الفرج واستمر على ذلك أسبوعاً والذهب عنده مجموعاً ثم بعد ذلك قصد الفراش بسرور وأهتشاش فلم يجد شيأ من الذهب فتحرق قلبه والتهب فأخذه الحنق والقلق وأخذ الفأس وانطلق فلما قرب من الشجرة نادته بألفاظ عكره قف مكانك واذكر شانك وقل لي في ماذا جيت فلا حبيت ولا حبيت فقال جئت لأقطعك ومن الأرض أقلعك غيرة على الدين وقياماً بحق رب العالمين فقالت كذبت إنما غرت وسيبت وقمت وقعدت وبرقت ورعدت لفقدك الذهب الذي عنك ذهب وإنما كانت الغيرة الصحيحة والقومة المليحة الناهضة النجيحة القومة الأولى فإنها كانت والحق قد تجلى فلو قامت الجلائق لردك واجتهد وافي منعك وصدك لما ظفر وابك ولا قاموا بحروبك وأما الآن فهذه الغضبة غضبة الفاجرة لقحبة التي حصلت بواسطة عدم الدينار فهي التي أثارت منك ما أثار فلو دنوت مني خطوه وتقدمت من مقامك رتوه دققت عنقك وشققت زقك وقد قلت أني لا أضر ولا أنفع ولا أجلب ولا أدفع فأما المنفعة يا صلمعة بن قلمعة فأنك رايتها في الدنانير التي لقينها فتقرر النفع يا مستحق الصفع وأما المضرة فقسها على المنفعة يا أبا مره فان الذي له قدرة على المبرة ربما يقتدر على الإيذاء والمضرة وإن شئت تقدم وجرب لتعلم واخبر واسبر وانظر كيف أنثر منك لراس بهذا الفأس وحقق وصدق أن كتفك حملت حتفك فبهت الرجل وتحير وخاف وخار وقهقر وانقطع حبل رجائه وأفلت يتلفت إلى ورائه (وإنما ذكرت) هذا لتعلم أيها الوزير المكرم إن كل أمر لا يقصد به وجه الله فان عقباه الندم وإن حسن أولاه وكل قصد ليس لغرض صالح فان شجرة غراسه لا تثمر الفضائح فترك الشروع فيه أولى ومحو صورته من لوح الضمير أجلى ومن لم يترك مالاً يعنيه وقع فيما يعنيه وحل به من الفضيحة والأيام ما حل بذلك المفسد في مدينة السلام فسأل الزنيم المشرقي البصير الأفريقي كيف كانت تلك الفضيحة ليأخذ منها لنفسه النصيحة (قال) كان في مدينة بغداد صانع حرير أستاذ خبير له جارسني الجوار وزوجة تخجل البدر عند الكمال والشمس قبل الزوال وذاك الجار الجاني يدعى ابن الفرغاني ففي بعض مطارده لمح زوجة جاره فتعلق قلبه بها واشتغل من هواها نار أحشائه بهبوبها فأخذ يلهو بها إلى أن أفسدها وإلى الضلال أرشدها وكان الزوج

مغرماً بها فوجد على حالها منبهاً فصار يراقبها من كلفه ولا يغفل عنها لشدة شغفه ويجتهد فيكفها عن الخيانة وأن تحفظ الغيب وتؤدي الأمانة ففي بعض الأوقات رأى في بعض الطرقات صياداً ومعه طير أوثق رجليه بسير فسأله عن طيره وإلى أين قصده في سيره فقال هذا من الجوارح السوانح لا البوارح يحاكي الصوادح ويباكي النوائح وفيه سر عجيب وأمر غريب وهو أنه إذا كان في بيت ورأى فيه على صاحبه كيت وكيت أخبر زوجها خبره وقص عجره ويجره وقد رغب فيه رئيس يشتريه فأنا ذاهب به إليه أقدمه لديه وامتن به عليه فرغب فيه الحريري واشتراه وأتى به إلى داره وقال لزوجته أكرمي مثواه وأحسني مأواه فانه يخبر بكل ما رآه وهو من أحسن صفاته وأعجب أموره وحكاياته ومهما فعلت زوجة الإنسان ذكره على وجهه كما كان فقالت نحن بحمد الله في بركه آمنون مما ينقل عنا من حركه فان رأى شيأ يهوله لا يكتمه عنا بل يقوله فتركه إلى الزوج وذهب فدخل الحريف الملتهب فرأى المرأة وحدها والطير عندها فأخذ في المهارشه ومديدة للمناوشة فقالت كف يدك واحفظ الذمام فانه قد حصل علينا رقيب نمام فكف يدك يا حبيب لئلا نصاب ولا نصيب وتفكر في قول الشاعر المصيب:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب
فقال وأين الرقيب يا ست الجار والحبيب قالت هذا الطير ليس غير فان له خواص عجيبة وفيه أشياء لطيفة نجيبه منها أنه تمام ومهما رآه أو سمع من الكلام فانه يفض عنه الختام ويذكره لصاحب البيت على التمام فقهقه بصوت عال وسخر منها وقال صدق سيد المرسلين الذي قال النساء ناقصات عقل ودين ثم أقسم بحياتها وحسن ذاتها وصفاتها ليولجن القضيب في الكثيب بمرأى من ذلك الرقيب حتى إذا فرغ من أمره يمسح في منقاره رأس ايره ليعملها صحة ما أوهمها ثم حاورها وغلبها وساورها وقلبها وحل الصدر بالتكمه وتعلقت الحلقة بالسكة وامتزجت الألف العربية بالكاف الكوفية والتهم زر الوردة الثصبيبة شفاه الوردة النسرينينه واستمر في أخذ وعطاء ولا وطاء كأنهما أفواج الحجاج أو ثباج الأمواج في شيل وحط وقبض وبسط وهرج ومرج ودخل وخرج واستمر من نحو هذا التصريف في بحث الرفع والجر ومن علم المطاردة والركوب في صنعة الكر والفر ومن علم الزندقة والإلحاد في عالم الحلول والاتحاد إلى أن دفق الإبريق العقيق في قدح اللجين شراب الرحيق وقد أنشد الحريف هذا النظم الظريف وهو:
لو تنظر الرقبا وقد عانقه ... والشمع مشتعل وبابي مقفل
طور أشاهده وأرشف تارة ... وأضمه من بعد ما أتأمل
وإذا تعشى ذيل ثوبي بادلى ... من جيبه شيء عليه المقتل

فلما سال الميزاب بما جرى وقضى زيد منها وطرا نهض ليبر قسمه حسبما ميزه وقسمه وأدنى من منقاره غرموله وكان للطائر مدة لم يتناول مأكوله فتصوره قطعة لحمه صدمها إليه طعمه فانشب مخاليبه فيه فاستغاث بملء فيه وكاد أن يغمى عليه واستعان بحبيبة قلبه إليه فأقبلت المرأة كالحدأة فأشار عليها أن تكشف عن ساقيها وترى الطير بظرها وحمرته فربما يلتهي ويترك آلته فتكشفت وأدنته إليه وعولت في خلاص صاحبها عليه فوثب لشدة قرمه وتأثير الجوع وألمه ليلهم ذاك الفلهم فانشب مخاليب رجله الأخرى في فلهم تلك البظرا فاشتبكوا في البلاء اشتركا وبينما هما في تعاظل الكلاب وإذا بالزوج قد دخل من الباب فرآهما على تلك الحال من الاشتباك والاعتظال ونقل الطير ما قال بالأفعال دون الأقوال فصح قوله وفعله وفعل مهما ما يجب فعله (وإنما أوردت) هذا البيان لا علم أشرف جنس الحيوان إن الشروع فيما ليس فيه منفوع يجب الأبعاد عنه والفرار منه وعدم الإصغاء إليه والتوجه والإقبال عليه ولهذا قال النبي النبيه صلى الله عليه وسلم عليه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه قال المشرقي ما بقي إلا أن ترتقي فلقد طال البيان وضاع الزمان (شعر):
فانهض هديت إلى ما رمته عجلاً ... فالدهر عات وللتأخير آفات
وكانت هذه المحاورة تحت ظل شجرة فيها وكر حمامة وكان لها بالبلد إقامة في برج رجل من أهلالزعامة ثم اختارت العزلة واحتسبتها نعمة جزلة فاختارت هذا المقام ولها فيه عدة أعوام فسمعت جميع ما قالا من مبدئه إلى منتهاه فلما وعت ما اتفقا عليه وتداعيا إليه أخذت تضرب أخماساً لأسداس وتتأمل فيما يتجلى من عرائس معانيه من القدم إلى الرأس وتجيل في صور مبانيه قداح النظر وتلاحظ سيرة فحاويه بلوامح الفكر وتجوز مذاهبه وتروز عواقبه وتقيس مداركه بمعرجه وتميس في مداخله ومخارجه فادى قائد فكرها ورائد نظرها إلى أنه ربما يكون لهما شأن وعلو مكانة ومكان فان محاورتهما وما مر من مناظراتهما كانت منطوية على ذكاء وفطنه وتجارب وحكمة وعلو همه صادرة عن فكره مصيب ورأى له في السداد أوفر نصيب ولم يبق لهما في القدر إلا مساعدة القضاء والقدر وإذا كان الأمر كذلك قالا ليق في قطع هذه المسالك المبادرة إلى التعرف بهما وإعانتهما والتقرب إلى خواطرهما ومساعدتهما على ما هما فيه ومساعفتهما بما تصل إليه اليد وتحويه لأنهما في حالة الشدة وزمان الانفارد والوحده محتاجان إلى المساعدة والمساعفة والمرافده وفي مثل هذه الحالة تظهر الفضيلة ويتحملان المنة والجميلة وتقع مساعدتي أحسن موقع ويتميز لي عندهما أرفع موضع فأنه إذا علا شأنهما وارتفع بدون معاونتي قدرهما ومكانهما واجتمع عليهما الجنود وأقبل إليهما الوفود وكثرت الحفدة والأتباع وتكاتفت العساكر والأشياع فما يظهر لمن يتقرب إليهما ويترامى لديهما إذ ذاك كبير فائدة ولا كثير عائده ثم أنها توكلت على الرحمن وصدحت على الأغصان بقولها:
على الطائر الميمون والبشر والسعد ... سموت إلى العليا نهدا على نهد
ثم هبطت وبين أيديهما سقطت فاذكرت قول الرئيس هذا الشعر النفيس:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع

وقبلت الأرض ووقفت في مقام العرض ولزمت شرائط الحشمة وأدت مواجب الخدمة وهنأت نفسها والكون بسلطنة الملك يسار ذات الصون وقالت أني لكما نعم العون وموطني في هذه الشجرة وأنا لأوامركم مؤتمرة وقد وعيت ما قلتماه وما دار بينكما وذكرتماه ورأيته صادراً من مشكاة السعادة مشرقاً بأنوار السيادة سهامه نافذة في قلب الغرض وسيتعبد جواهر الرعايا بأدنى عرض فان حسامه مطيق لفصل القصد وشأنه سيبلغ أعلى اليمن والسعد وها قد جئت مبادرة واردة منهل الطاعة وصادره فأمر الأمتثل وانظر الأحتفال وتحكما لا طيع وتكلما فأني سميع فأن أشرتما فالقصد قاف وأن استشر فالرأي كاف وإن خبرتما فالحزم وإن استنهضتما فالعزم شاف وإن استخدمتما فالعبد خادم صاف مصاف فلما رأيا من الحمامة هذه الكرامة تبسم الزنيم وتفاءل وأشرق وجهه وتهلل وتيمن بطلعة الورقا وعلم أن أمرهما برقى وقال يسار هذا من علامات اليسار وجبر الانكسار والخروج إلى اليمن من اليسار وعنوان السعود وحصول النجح والمقصود فان مسبب الأسباب العزيز الوهاب تبارك وتعالى وجل جلالاً هو مسهل الصعاب ومفتح الأبواب وإذا أراد أمراً هيأ أسبابه وفتح على الضعيف طاقته وبأنه ووسع رحابه وسدد إلى مرامي المرام لراميه نشابه وحصول مثل هذا الصاحب الصادق والرفيق الموافق والمعين المصادق أدل دليل على أن الله الجليل ييسر هذا المطلوب ويظهر هذا النجح المحجوب ثم أنهما استشار الحمامة في كيفية نيل الزعامة والشروع في هذا الأمر والتوصل إلى دعوة زيد عمرو وطريقة اشتهاره وتعاطي أسباب انتشاره فقالت أنا من جنس الطير مشهورة بينهم بالخير ولهم إلى سكون وعلى مناصحتي اعتماد وركون فالصواب في فتح هذا الباب دعوة الجمهور من الطيور أنابه زعيم وفي الرسالة حكيم فان اقتضى الرأي الرفيع توجهت ودعوت الجميع بعد التخيير والتشهير بين الكبير منهم والصغير أن أبا الجراء السلطان وأبا الجداء الوزير وقد وقع الاتفاق في الآفاق على هذا الوفاق فليبتهج سائر الطيور بهذا الفرح والسرور وليقرأ على رؤوس الجمهور هذا المقال المنشور ولبيادر إلى الخدمة بالحضور ولا يتخلى أحد من آمر ومأمور والحذر الحذر من المخالفةوعدم الانقياد والمؤالفة فقد طاب الوقت وراق وزال المقت والشقاق والمسارعة في أقرب زمان ليأخذ والأنفسهم الأمان ولا يركبوا من التعويض سوى متن مسافة الطريق فاعجب الملك والوزير من الهديل هذا الهدير فكتب بذلك بطاقة وحملتها الحمامة بأحكم وثاقة ثم أخذت إلى الجو ووقيت من الجوارح السو ثم هبطت إلى مجمع الطير وهو نادي الندى والخير فرأت منها خلقاً كثيراً وجمعاً غزيراً فسلمت سلام المشتاق وعانقت عناق العشاق فترحبوا بمقدمها وسألوا عن معرب أحوال ومعجمها وقدموا موائد الضيافة وأظهروا السرور واللطافه فبثتهم كثرة الأشواق وما عانته من ألم الفراق وقد حرضها شدة الشوق وساقها إليهم أشد سوق وبعثها أيضاً باعث وهو من أحسن الوقائع وأيمن الحوادث وذلك أن شخصاً من أصلاء بني سلاق الحاكم على بني زغار وبني براق تولى سلطنة السباع ومالكيه الذئاب والضباع مضافاً إلى ذلك الحكم على الطيور والقيام بسياسة أمور الجمهور وأقام له في ذلك وزيراً كافياً ناصحاً مشيراً يدعى أبا زنمه المشرقي من نسل تكابك الأرتقى وهو من الفحول وكباش الوعول وقد أرسلوني إلى الجماعة يأمرونهم بالدخول في رياض الطاعة ليحصل لهم الرعي والرعاية والرفاهية والحماية ويأمنوا صيد الكائد وكيداً لصائد ثم شرعت نبت للكبير والصغير ما شاهدت من مخابل الملك والوزير وحسن شمائلها ويمن خصائلهما وما هما عليه ونسبا إليه من الشجاعة والدين والعقل المتين والفضل المبين والقناعة والعفه والمجد الذي لا تدرك وصفه وأن الملك المعلوم قد عف عن تناول اللحوم وقد قنع بما يسد الرمق من حشيش النبات والورق وقد تكفل برفع المظالم وردع الظالم وأجراء مراسم العدل وأحياء مواسم الفضل فان أنابوا وأجابوا ربحوا وأصابوا وطالوا وطابوا وأن أبو وصبوا واهتز وللمخالفة وربوا ثم كسهم الدمار وأركسهم فلا يلوموا إلا أنفسهم فصدقوها من أول وهله والرائد لا يكذب أهله لأنهم كانوا بها واثقين ولكلامها في الحوادث مصدقين فما وسعهم إلا الطاعة والتوجه إلى خدمة الملك في تلك الساعة وبعد ما تبادروا بالتصديق طاروا بالفرح ودخلوا الطريق واستصحبوا من الخدام

والتقادم ما يصلح للمخدوم من الخادم فلما قربت الديار ودنوا من ولاية الملك يسار تقدمت الحمامة وسبقت وأخبرت الملك والوزير بما فتقت ورتقت فاستبشروا بما تقدم وبادر الوزير لملاقاة المقدم فتلقاهم بالاحترام والتوقير وأكرم الكبير والصغير ومشى معهم بالإكرام والحرمة وأوقف كلاً منهم في مقام الخدمة وحين استقر بهم المقام افتتح الوزير الكلام فأثنى على الله تعالى وضاعف التحية على نبيه ووالي ثم امتدح الملك الذكي بثناء يخجل المسك الزكي وذكر بعد ذلك ما يتعلق بسياسة الممالك وأن الله من بالملك عليه وساق سلطنة الوحش والطيور إليه وذكر مقام كل من الطيور وما وظيفته بين أولئك الجمهور فأطاع الكل وتابعوا وعلى ما اقترحه عليهم بايعوا وأنشدوا فارشدوا:
ونحن أتينا ظائعين ولم نكن ... عصاة فرم غير الطيور عساكرا
ولما انقضى الوطر من قضايا الطير أخذوا في استدعاء جموع الغير من الوحوش الكواسر والبهائم الجواسر والهوام النواشر والجوارح النواسر وأرسلوا في تلك الجماعة الحمامة وقلدوها فيه طوق الزعامة فتوجهت نحو الوحش وإلى كل فارح من الصيد وجحش وكانوا بذلك قد سمعوا وللمشاورة فيه قد اجتمعوا فبلغت الحمامة الرسالة وأظهرت ما فيها من بسالة وكان آخر ما وقع عليه الاتفاق الوفاق وعدم النفاق وقصد الارتقاء والتوجه إلى خدمة الملك يسار صحبة الرفاق وقالوا لا شك أن الكلب بالوفاء مشهور وبحسن الرعاية والحراسة مذكور ويقدر أن يرعانا من الإنسان ويجمينا من السباع ومؤذيات الحيوان وأوصافه مذكورة في الكتاب وناهيك بفضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب فتقدم خزز من بين تلك البزز يدعى رئيس الأرانب محبب إلى الأقارب والأجانب وهو مشهور بالحصافة موصوف بالذكاء والظرافه والمعرفة التامة والتجربة المفيدة العامة بعيد الفكر في العواقب سديدالرأي حازم مراقب وقال يا معشر الأصحاب وأولي الأبصار والألباب كيف خفي عليكم ولم يتضح لديكم عاقبة هذه الأمور وما فيها من عكوس وشرور وهل بصلح للرياسة وإقامة السلطنة والسياسة أهل النذالة والخساسه المنصف بالقذارة والنجاسة أو ما علمتم أن من أفحش السباب الشتم باخس من الكلاب أو ما سمعتم في كلام مالك أزمة القلب في حق عامله بالسلخ والسلب فمثله كمثل الكلب أو ما قال صاحب الشرع في حق ما ولغ فيه الكلب بالسبع ثم التعفير بالتراب وهو مذهب كثير من الأصحاب وأن يطهر بالدباغة منه الإهاب لا أصلي تقي ولا وصف نقي ولا نسب طاهر ولا حسب ظاهر ولا وجه زاهر ولا شكل باهر فان كنتم نائمين انتبهوا واعرضوا فما قصدتم إليه وانتهوا فلعن الله زماناً صار فيه التيس وزيراً والكلب سلطاناً ولقد أرشد من أنشد:
لقد جار صرف الدهر في كل جانب ... من الأرض واستولت علينا الأراذل
هل المسخ إلا أن ترى العرف منكراً ... أو الخسف إلا حين تعلو الأسافل
فتصدى الهديل للجواب وقال لا شك ولا ارتياب أن المستحق للسلطنة الإمام العادل والشخص الكامل الفاضل ولا يقدح في هذا الفصل دناءة الأصل فقد قال القيوم الحي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وكل من اتصف بالهمة العلية والأوصاف السنية ومكارم الأخلاق والشيم وانتشر بها صيته بين الأمم يستحق أن يرأس بين العرب والعجم وأما الأنساب ففي نص الكتاب قال من بقوله يهتدي المهتدون فإذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقال الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... فسوف يغنيك ذا عن النسب

إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
وقال أيضاً:
لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لأبن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبقى الفخار بنفسه
وأما الأوصاف فلا شك ولا خلاف في أن الكلاب فضلت على كثير ممن لبس الثياب وما ذاك إلا لأوصاف اختصتها وآثار اقتفتها واقتضتها وهي مشهورة وعن الكلاب مسطوره ومن جملة محاسنهم مأثورة وأما الأوصاف الذميمه فيمكن صيروتها مستقيمة وذلك بحسن التأديب والتربية والتهذيب والتمرين والتشذيب حتى يصيرنا به مديه وهذا ليس فيه مريه ويجتزي بالفاكهة والبطيخ عن اللحم السليخ وبالخبز الشعير عن أكل لحم الحمير وناهيك يا أبا وثاب ما قيل في الكلاب ولا بسبي الثياب (شعر):
وما ضر أهل الكهف إيمان كلبهم ... ولكنهم زادوا يقيناً على هدى
وماذا أفاد العلم بلعام وهو من ... بني آدم لما إلى الأرض أخلدا
وهذا السلطان قد عاهد الرحمن إن لا يمزق حيوان ولا يذوق لحمان وأن يقنع بالكفاف ويسلك طريف العفاف وما ذاك لعجز ينسب إليه ولا لوهن طرأ عليه بل سمت همته عن ذلك ترفعاً وسلك طريق الملوك في أحياء هممها ومعاليها تطبعاً وبضدها تتبين الأشياء فان أحببتم كان لكم الحظ الأوفر وإن امتنعتم فقد أعذر من أنذر وبلغ من حذر وما قصر من بصر والعاقل من يتبصر عيوبه ويسلك من الخلق الجميل دروبه وقد قيل لأمير النجل ذاك الأسد الفحل كرم الله وجهه وجعل له إلى الرضوان أحسن وجهه يا أمير الامؤمنين وابن عم سيد المرسلين ممن تعلمت الأدب قال من قليل الأدب يعني إذا رأيت في أحد خلقاً ذميماً أو وصفا فسد بادرت إلى افتقاد نفسي وتأملت في حدسي وحسي هل أبا محلى بذلك الوصف أم لا فان لم يكن اجتهدت أن لا يكون وأن كان أبعد عنه عرضي وأصون وحسبك يا ذا الرتبة العالية استنكاف اللص العاقل من قول تلك الزانية فقالت الخزز للحمامة:
أخبريني بذلك الاستنكاف يا ذات الكرامة ... قالت الحمامة ذكر رواة الأخبار عن شاطر من الشطار
قد بلغ في الشطارة واللصوصية غاية المهارة يسرق الوهم من الخاطر والرائحة من الطيب العاطروالنوم من أجفان الوسنان واللماطة من أسنان الجيعان ويأتي على كوامن الغيوب فضلاً عن خزائن الجيوب ويلف الرخيص والغالي والوضيع والعالي وقد أعجز المقدم والوالي ففي بعض الأوقات قصد جهة من الجهات فبينا هو في المناهضة والمناهزة غشيه الوالي مع العسس والجلاوزه ومعهم امرأة بغى قد خرجت عن الصراط السوى وهم يضربونها وعلى أفظع حالة يسحبونها وهي تستصرخ المسلمين وتستغيث أئمة الدين فلما أحس اللص بهم نكب عن دربهم وولاهم عطفه ونزوى في عطفه وانتظر حتى يمروا فسمع المرأة وهم بها قد أضروا وهي تصيح بلسان فصيح وتقول يا أهل الإسلام وأمة خير الأنام أنجدوني وارحموني وأسعدوني لا سرقت ولا نقبت ولا اختلست ولا سلبت ولا ظمعت في مال أحد ولا نهبت ولا وقفت لأحد في درب وإنما استنفق من حاصل دار الضرب وذلك ملكي وحوزي وثمرة لوزي وجوزي باشارة سهام الحاظي الملوزة من قسى حواجب بالجمال متوزة وسفارة نظام الفاظي المعززة المشبه باب طريقها درراً في العقيق والرفيق مغرزه فما لي على أحد ولا طمعت في مال أحد فيحصل له منى ملل فلما سمع قاصد الحرام هذا الكلام أفاق خاطره وراق وتنبه لقبح صنعته وأن الزواني تانف من حرفته وتستنكف مما هو مفتخر بفضيلته فقال لعن الله فعلاً تنتقصه الخواطي وتباً وسحقاً لمتعاطيه من متعاطي ثم عاهد الله التواب ورجع إليه عن صنعة الحرام وتاب (وإنما أوردت) هذه المناقب يا شيخ الأرانب لتعلم أن العاقل من يتصفح جرائد أعماله ويتأمل صحائف حركاته وأحواله وأن هذا الملك صفى شراب صفاته من كدورات الهوى براورق للراقبة ونقى رياض ذاته من شوك الأخلاق الذميمة بمنكاش المعاتبة بقدر طاقته وإمكانه وهو مثابر على ذلك في غالب ازمانه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وليس لك أن تعترض بان النفس لا تغير طبعها وليس الأكمة كالأرمد ولا السطيح كالمقعد، ولا سحبان كباقل ولا العاقل كالتعاقل، ليس التكحل في العينين كالكحل وتخرج يا مسكين.

بواقعة السلطان محمود بن سبكتكين مع وزيره حسن الميمندي بسبب القضية الواقعة لأبن الجندي فسأل أبو عكرشة أبا عكرمة عن هذه الواقعة ليتبين من التمثيل مواقعه (فقال) إن السلطان محمود ذا الطالع المسعود الذي فتح بلاد الهنود جرى بينه وبين وزيره مباحثه وقع فيها عن دقيق العلوم منابئه في أن الطباع هل تقبل التغيير أم لا تستحيل عما جلبها عليه الفاطر الخبير فقال الوزير نعم تقبل التغيير بواسطة التأديب وحسن التهذيب وحسن التشذيب والتهذيب وقد شاهدنا الطباع من الوحوش والسباع بواسطة التعليم تركت الخلق الذميم واكتسبت الوصف المستقيم فجريان هذا الإمكان أحرى أن يوجد في جنس الإنسان فقال السلطان المظفر لا تتحول الطباع ولا تتغير ولا يمكن صرفها عما جبلت عليه ولا يتصور فال من ليس في كلامه اشتباه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وقال القائل وتأبى الطباع على الناقل واستمر هذا الكلام بينهما عدة أيام إلى أن ركب السلطان وقصد السيران والوزير في ركابه من خدمه وأصحابه فرأيا من بعد شاباً من أولاد أحد الجند وهو جالس على فرع شجرة يابس يريد قطعه لما عدم نفعه وقد جعل ظهره إلى طرف الفرع وهو عمال بالمنشار في أصله للقطع فتأمل السلطان والوزير في هيئة ذلك الظبي الغرير ثم قال السلطان للوزير بين الأعيان وطبع هذا أيضاً داخل في الأمكان وهو يقبل التغيير والتعليم ويمكن استحالته بالتأديب والتفهيم فلم يجر الوزير جواباً لا خطأ ولا صواباً ثم أشار إلى بعض خوله أن يذهب بذلك الشاب إلى منزله فلما نزل من الركوب أحضر ضلك الشاب المرعوب الغافل المحبوب ثم طلب له مؤدباً حاذقاً مهذباً وأمره أن يجتهد في تعليمه ويبالغ في تأديبه وتقويمه ويوقفه من العلوم على دقائقها ويسلك به إلى خفايا طرقها وطرائقها فاشتغل بتربيته ليلاً ونهاراً وبذل مجهوده في سراً واجهاراً إلى أن برع في أنواع العلوم وضبطها من طربقى المنطوق والمفهوم ولما فرغ من العلوم أدناها وأنهارها من مبتدئها إلى منتهاها شرع به في علم إدريس وهو علم النجوم النفيس واستطرد منه إلى علم الرمل المنير ونوسل بهإلى أن توصل إلى إخراج الضمير فأتقن هذه العلوم لا سيما إخراج الضمير الموهوم فلما أتقن ذلك وسلك فيه أدق المسالك أحسن الوزير إليه واستصحبه إلى الملك ودخل به عليه فقبل الأرض وأدى من شرائط الخدمة النافلة والفرض وقال للسلطان محمود أن هذا هو ذاك الشاب المعهود وقد برع في العلوم ووصل إلى استخراج الضمير المكتوم وقد بدلت بلادته بالذكاء وصار فؤاده كابن ذكاء فان اقتضت الآراء السلطانية سبرته واعتبرت فهمه بعدما اختبرته فادخل السلطان يده في كمه ونزع خاتمه من بصمه وأطبق يده عليه ليسبر منتهى علمه وينظر ما قاله الوزير في كيفية هذا التبديل والتغيير ثم أخرج يده من كمه وقال ليظهر نتائج علمه ليخبرنا بما في كفي وعن حواس العيون مخفي فتقدم الشاب ورفع الإصطرلاب ووضع أوضاع الحساب وخط ذلك النقي أشكال لحيان والنقي وسائر الأوضاع من الطريق والاجتماع ثم نظر وسبر وعبس وبسر وقدر وافتكر وقال دل الشكل والله أعلم أن ما حواه الكف المكرم شيء من المعادن محفوف بسودد أسواد بائن وهو في أفضل الأشكال لأنه مستدير وفي أحسن الألوان لأنه مستنير وفي دائرته قطر ومركزه وفي وسطه ثقب لمغرز وهو ثقيل أما في الثمن أو في التحميل ثم تأمل بعد الوقوف في أن هذا الموصوف ماذا يكون فقال كان والله أعلم فردة طاحون فضحك السلطان الكبير وخجل لذلك الوزير ثم قال السلطان أبي والله وله السبحان أن يكون بأقل كسحبان:
إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع أدب الأديب
(وإنما أوردت) هذه المسائل لئلا يعترض قائل ويستدل بمثل هذا الدليل على أن الطباع لا تقبل التغيير والتحويل بل الطباع تتغير:
ومن ذا الذي يا عز لا يتغير ... فسبحان من لا يحول ولا يزول

الذي وضع عالم الكون على الانتقال والحلول وكل لجلال عظمته مخبت يمحق ما أراد بثبت ويمحو ما يشاء ويثبت ومذهب أهل الثبات في المحو والإثبات أن الكافر قبل الإسلام كافر عند الملك العلام وبعد ما انخرط في سلك المؤمنين صار مؤمناً عند رب العالمين وعلى هذا التقدير والتقرير أيها الفاضل الكبير والعالم النحرير فالملك يسار نظر بعين الاعتبار وتنصل من رذائل الأوصاف وتخلق بأخلاق الأشراف من التلبس بالعدل والأنصاف ولولا نيته الصالحة ما صارت صفقته في المبايعة رابحه ولا كانت كفة فضله راجحة ولا زايله النكد ولا أطاعه أحد والأعمال بالنيات وعلى مقدار النيات العطيات وجنس هذا الملك في الأوصاف المتباينة مشترك فانه قد جمع بين خصائص الحيوان حتى كأنه سبع بهيمة إنسان كما قيل:
جمع الكلب في حلاه صفات ... فهو سبع بهيئة إنسان
وكما قيل أيضاً:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً ... يكلمه من حبه وهو أعجم

وأنا يا مولاي أعرض عليكم هذا الرأي وهو شاهد عدل وحكم فصل وهو أن يقع الاتفاق على واحد منكم من خلص الرفاق من تحققتم حسن آرائه وصدقه في أنبائه وصحة دينه ورصانة عقله ويقينه فانطلق في ركابه إلى حضرة الملك وجنابه فيكتحل بأنوار طلعته ويشمله ميامن رؤيته ويطالع جميل صفاته ليسكن إلى فضيل حركاته وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين فيزول باليقين الشك ويظهر خلاصة الذهب بالحك ثم يأخذ لكم العهد والميثاق بما يقع عليه الاتفاق وما ترضونه وترونه من الصواب ويرد عليكم بذلك الجواب فان وافق قصدكم توكدون عليه عهدكم وتتوجهون بقلوب مطمئنة وخواطر في حصول المرام مستكنة والأفترون رأيكم فيما عليكم ومالكم فاستصوبوا هذا الرأي واسترضوه واستعذبوا لطيف معناه واستحسنوه وانتدبوا لهذا الأمر الخطير من يصلح أن يكون عند الملوك السفير فوجدوا ظبياً طيب العناصر قد عقدت على غزارة فضله الخناصر من أعقل الجماعة وأذكاها وأحسنها رأياً وأدهاها فقلدوه الزعامة وأرسلوه مع الحمامة على أن يجتمع بالملك يسار ويعاهده على ما يقع عليه الاختيار ثم يسمع أقواله ويشاهد أفعاله ويميز أحواله ثم يرد عليهمالجواب فيميزوا ما فيه من خطا وصواب فيبينوا عليه ويرجعوا إليه فتوجه الظبي والحمامة مستصحبين الأمن السلامة فلما قربت الديار سبقت الحمامة إلى خدمة الملك يسار وأخبرته بصورة الأخبار وأن الظبي في العقب مقبل بما يحبه الملك ويجب فأمر الملك الوزير أن يتلقى الظبي الغرير مع جمع الطير الكثير فتقدم الوزير وقال أسأل مولانا الملك المفضال أن صدر من هذا القاصد خطاب أن يشار إلى برد الجواب فان ذلك أعلى للحرمة وأدنى للحشمة وأقوى لناموس الملك والرياسة وأزهى لطاوس البسوق والسياسة فان كان ذلك الجواب متحلياً جيده بعقود الصواب كانت سعادة الملك الملهمة وفي خدم الملك من تصدى للأمر وأبرمه فان خرج عن طريق الجادة فلا ينسب إلى الملك تلك المادة بل يتلقاه الملك بكرسه ويكون الخطأ منسوباً إلى خدمه فأجابه إلى ما سأل وتقدم الوزير للملاقاة مع سائر الخول فتلقوا الظبي بالترحاب وفتحوا في وجهه للكرامة أوسع باب ومشوا معه حتى وصل إلى الحضرة وشاهد تلك الحشمة والنضرة فقبل الأرض ووقف وعرف مقدار الملك وأعترف وأدى الرسالة وبين للملك ما فيها من رقة وجلاله فقابله الملك بما يليق بحشمته وأجلسه بالقرب من حضرته وخاطبه بما أذهب دهشته وآنسه بملاطفات جلت وحشته وسأله عمن خلف وراءه واستقصى في التفحص أحواله وأنباءه فبلغ عبوديتهم وطاعتهم وأن الإخلاص والطاعة شملت جماعتهم وفتح فم الدعاء بلسان ذلق وخطاب طلق وكلام غير معقد ولا قلق وأطال في الدعاء وأطنب في الشكر والثناء وسال شمول المراحم وكف كف المتعدي والمزاحم فانهم انبسطوا وانشرحوا وابتهجوا باستيلاء هذا الملك وفرحوا وشكروا الله هذه النعمة وأنى يفون بشروط العبودية والخدمة ثم سأل أخذ الميثاق وتأكيد العهد بالإيثاق بالأمان والاطمئنان لمن وراءه من الوحوش والغزلان فأعطاهم الأمان وشملهم بالإحسان على أن لا يراق لهم دم ولا يهتك لهم حرم وأنهم يرعون حيث شاؤا ويسرحون حيث ذهبوا وجاؤا وأن الملك يسار حاكم سلوق وزغار وخليفة براق وكوباك والتتار قد عاهد الملك الجبار أن لا يتعرض لوحش القفار ولا لأحد من أجناس الأطيار حتى ولا لحيتان البحار ولا يريق لهم دماً ولا يقصد لهم أذى ولا ألماً ويرعى جانبهم ويقضي مآربهم ويحفظ شاهدهم وغائبهم ويمنعهم من مناويهم ولا يسلط عليهم من يؤذيهم ما داموا تحت طاعتي وفي جواري وذمتي فقبلت الغزالة بشفاه العبودية خداً لجداله وقالت هذا كان المأمول وجل القصد من الصدقات والمسؤل والذي جيء لأجله فقد حصل من صدقات الملك وفضله ولكن العلم العالي محيط بان وحوش البسيط أقوام ضعاف ليس بينهم ائتلاف وهم طوائف كثير والاختلاف أجناس متفرقة وأنواع متمزقة ليسوا كقطائع الغنم مجتمعين ولا كحشار الخيل ممتنعين ولا بعضهم لبعض متبعين ثم لم تزل العداوة بينهم قائمة وعيون الصلح والاتفاق عنهم نائمة لا يضبطهم ديوان ولا يحصرهم حسبان ولا يمتعهم من التعدي سلطان القوى يكسر الضعيف ويمزقه والشاكي يستطيل على الأعزل ويفرقه ولأجل هذا المعنى لا يمكن اجتماعهم في مغنى بل البعض في قلل الجبال متوطن والبعض في سرب التلال متحصن والبعض متشتت بذيل الكهوف

والمغارات والبعض الآخر في الآجام والآكام خوف الغارات وكل يخاف حلول البلاء قد اتخذ لذلك القاصعاء والنافقاء واستعد بفنون الكيد خوفاً من جوارح الصيد وإذا كان الأمر كذلك فاجتماعنا متعسر وحفظنا في الملك غير متيسر فلا بد من ترتيب قاعدة تعم منها جميع الوحوش الفائدة ويشمل أمنها غائب الملك وشاهده وإلا فالحاضر آمن وقلب الغائب غير مطمئن ولا ساكن فليفتكر للرعية في ضابطة تكون الحرمة فيها للقريب والنائي باسطه فالتفت الملك للوزير وقال أجب هذا السفير فقال الزنيم يا أحسن ريم هذه الأفكار من قصور الأنظار وعدم التأمل والاستبصار وإلا فان السلطان في كل مكان كلمته عليا ووجوده كالشمس في الدنيا فكما أن الشمس إذا استوت وعلى سرير كبد السماء احتوت عم فيض شعاعها الجبال والآكام والتلال والآجام وانتشر على البحر والبر واشتهر على الفاجر والبر فرست الأزهار والأثماروشبت مشاعل الكلا في القفار وطبخت الغلال وفواكه الأشجار وصبغت في كوامن المعادن جواهر الأحجار كما قيل:
كالشمس في كبد السماء محلها ... وشعاعها في سائر الآفاق
كذلك الملك العظيم إذا انتشر صيت عظمته وعدله في سائر الأقاليم شمل فضله الشريف والوضيع وبلغ جود جوده والرفيع وردع عدله الطائع والعاصي ووسع نواله الداني والقاصي وأنه كالغمام الصيب الصبيب على الربيع الخصيب والديمة المطبقة والمزنة المغدقة إذا انتشرت في الآفاق وصارت لام عهد عاهدها للأستغراق فروت الحضيض والبقاع وعمت الوهاد والتلال والبقاع وخاطبها ظمآن الرياض وعطشان الغياض شعر:
أمطر على سحاب جودك مرة ... وانظر إلي برحمة لا أغرق

هذا ومتى انتشر في الأطراف أنكم التجأتم إلى هذه الأكناف وتطرز بشمول الصدقات السلطانية من ملابس طاعتكم الطراف والأطراف منعت العواطف الملوكية والخواطر الشريفة السلطانية عوادي المعادي وكفت أكف المصادم والمصادي فلا يجترئ أحد على التعرض لكم ولا يخطر ببال مخالف أن يقطع سبلكم قال الرسول الأمر كما يقول مولانا الأمير وما أحسن هذا التقرير ولكن مع المراحم السلطانية وصدقات العواطف الملوكية وحسن الطوية وإحسان النية فلا بد للسياسة وضبط الرياسة وقواعد الملك في الحراسة من ضابط يبني عليه الملك لأمره أساسه لا يتميز به كبير دون صغير ولا يختص برعايته جليل غير حقير فان من أحسن أوصاف الملوك والأكابر أن لا يغفلوا عن تفقد أحوال الصعاليك والأصاغر ولا يقتصر وافي ذلك على نوع دون جنس كما يفعله لغلبة الهوى بعض حكام الأنس مع أنهم مسؤلون عن جليلها وحقيرها ومحاسبون على كبيرها وصغيرها وفي شأنهم قد قال من في ضبط حركاتهم وملكاتهم استقصاها ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وقد تنبه لهذا الفعل الرجيح أيها الوزير النصيح والمنطق الفصيح أنوشروان وهو من الكفار واشتهر عنه قضية الحمار فسال الوزير بيان هذا التقرير (فقال) الريم بلغنا أيها الكريم أن أنوشروان بالغ في نشر العدل والإحسان ومعاملة الرعية كبيراً وصغيراً بالسوية وبذلك في ذلك جهده واستنهض لمساعدته وكده وكده واختشى أن يمنع المتظلم الفقير الأبواب بسبب حاجب أو كبير لغرض أو عرض أو ارتشاء من في قلبه مرض فيمشي مدلس البراطيل من خوف الأباطيل ويضيع بحث صارخ الحق في أوقات التعطيل فاداه قائداً اجتهاده وانتهى به رائد مراده إلى أن يعقد في طاق مبيته ومجتمع خاطره عن تشتيته من محاذي السرير حبل من الحرير ويربط طرفه الأدنى في حلقة الباب حيث لا حاجب ولا بواب وهو مكان مجتمع الجمهور ولا يمنع أحد فيه من الوقوف والمرور وأن ينشد فيه أجراس من خالص الذهب لا النخاس بحيث إنه إذا حرك الحبل صوتت الأجراس صوتاً أخرس الطبل ثم أمر منادياً أن يرفع صوتاً عالياً بان من كان شاكاً فعليه بتحريك ذلك الحبل ليقع الظالم في الكبل أو ينتصر المظلوم من بعد ومن قبل فاشتهرت هذه العادة ونال بها في الدنيا السعادة وعظم صيته وخمدت عفاريته وانتصف صفاريته ففي بعض الظهائر عند قائلة الهواجر وأنوشروان في مبيته قد طاب اضطربت الحبل والأجراس أشد اضطراب ففز أنوشروان مذعوراً وتصور المحرك مظلوماً مقهوراً فابتدر بطلبه لينظر في ظلمه وسببه فتبادروا إلى إحضاره واستكشاف أخباره وإذا هو حمار حرب جنب جسمه من الجرب خرب ومتن ظهره من الحكة نقب وقد هد عمارة عمره هادم الهرم وألهت حشيش حشاشته من الجوع ماضي الضرم يحمله صاحبه ما لا يطيقه ويقطع عنه قوته وعليقه يؤذيه ولا يداويه ولا يداريه فطلب مالكه وعتبة ثم زخره وضربه ثم أمر بالنداء في الأسواق وامتد ذلك حتى بلغ الآفاق وعم الضواحي والرزداق أن يسلك بما ملكت اليمين الإرفاق ولا يفتر عليها في الأنفاق وكل من عنده دابة قد استعلمها في صباها واستوفى في خدمته قواها يراعي حقوقها إذا كبرت ولا يضيع ما قدمت بما أخرت وصك وجهذلك الرجل صكا وكتب عليه بفرض حماره صكا (وإنما ذكرت) هذا المثال في معرض ما يقال من أن عدل السلطان خير من خصب الزمان وأيضاً فان قصد الملك إذا كان صالحاً كان أمره في جميع الأزمان ناجحاً وسخر الله له من يرشده إلى قصده ويعينه على أمور شعائره ويحيي ذكره من بعده وتدر على يده سحائب البركات ويجري منها على غير قصده أبحر الخيرات وحفظ كل من إليه ينتسب ورزقه كل ذلك من حيث لا يحتسب وحاصل هذه المقدمة أن المسؤل من الصدقات المعظمة انه إذا ترامى على أبواب عدلها شاكي أو تعلق بأسباب معدلتها متظلم باكي تتصدى هي بنفسها لكشف ظلامته ولا تترك الغير في فصلها لإقامته وأن الفقير من جماعتنا والضعيف من أهل طاعتنا إذا مست الحاجة به إلى بث شكوى أو رفع بلوى يتقدم إلى شكواه بلا واسطه ليأمن في أمره المغالطة ويصادف مقسطه لاقاسطه ويتساوى في كل من مشرب العدل والأنصاف ومراعي الفضل والألطاف الظباء والأسود والذئب والعتود والعقاب والعصفور والحمام والصقور ولا يتقدم في الدعاوي من حيث التساوي الوجيه على الجاهل ولا

النبيه على الخامل ولا الكبير على الصغير ولا الجليل على الحقير فان اقتضت الآراء العالية توليه عامل في ناحية فليكن ممن له شفقة تامة ورحمة في أمر الرعية عامه ويعرف ذلك بمن حربته العلوم الكريمه وتحققت أن نيته في رعاية الرعية مستقيمة قد صارت له الشفقة ملكه وكل من العدل والأنصاف قد ملكه ولا تولى أحد الغرض أو من في قلبه من أذى المساكين مرض وأن الطبيعة إذا اعتادت عاده والمسجية إذا جعلت لها بعض الأوضاف قلادة سواء كان ذلك مذموماً أو محموداً مقبولاً عند العقل والشرع أو مردوداً فإنها فإنها تبرزه في غالب الأوقات ولا نتخلف عن ملابسته في أكثر الحالات (شعر):
العين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من خربها أو من أعاديها

وكل قضية لا يساعدها القلب فمنتها على العكس والقلب ونظيرها يا رئيس المدارة قضية من زوجته أمه وهو كاره فسأل الوزير من السفير تقرير هذا النظير (فقال) كان شاب من العراب قصدت أمه تأهله فزوجته بامرأة أرملة ولم يكن له احتياج ولا رغبة في الزواج واختار التخلي للصلاة على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله ولكن فر من العقوق وكتب على نفسه الحقوق فلما عقدت الوليمة وصممت العزيمة وجمعت النساء والرجال أرسلت أمه إلى جار لهم قوال أستاذ في صنعته ماهر في حرفته فدعته إلى الجمع ليبتهج بحسن غنائه السمع فيشغل الوقت ويذهب المقت ويحصل للحضور النشاط والسرور فتخلف وأبي وعن الحضور بنا فسئل عن تصلفه وسبب تخلفه فقال بلغني أن الزوج الخاطب غير طالب ولا راغب وإذا كان كذلك فلا بغني الغناء إلا العناء ولا يؤثر في القلوب والأسماع بل تنغر عند سماعه الطباع فكل شيء لا يصدر عن رغبة القلب فان أيجابه لا يفيد إلا السلب فيضحك على القائم والقاعد ويسخر مني الصادر والوارد ويروح تغزلي في البارد وإنما ذكرت ذلك لأعراض على آراء المالك أنه إذا أولج أمر الرعية إلى أحد من الخاصكية ينظر إلى شفقته ويسير وفور مرحمته ثم يوليه عليهم ويتقدم بالطاعة إليهم فيستقيم إذ ذاك فعلهم وفعله ويظهر في حركاته وسكناته عدله وليس العدل في القضايا تساويها ولا إجراؤها على نسق واحد يحويها بل معرفة مقاديرها وبيان تقريرها في المبادي وتحريرها ثم أجراؤها على مقتضى مدلولها ورد فروع كل مسئلة إلى أصولها ووضع الأشياء في محلها وإيصال الحقوق إلى أهلها ومعرفة منازل أربابها وأوضاع أصحابها ومراتب طلابها فمن لم يحقق هذه الأمور أضاع مصالح الجمهور فأعطى غير المحق ما لا يستحق ومنع الحق عن المستحق وقد قيل يا أبا السعود أن حقيقة الجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وإلا كان كالباذر في السباخ وأشبه في أمره أجير الطباخ الذي لم يعرف معنى العدل فقصده فوقع في الجدل فسأل الغزال شيخ الأوعال عن هذا المثال (فقال) كان عند بعض الأشياخ من الطباخين أجير طباخ له رغبة منهمه على معرفة طبخ الأطعمة وكيفية ترتيبها وصنعة تركيبها وكان مغرماً بذلك يسلك فيه كل المسالك ويرد فيه الموارد ويتبع كل صادر ووارد ففي بعض الآناء وقف على طبيب منت الأطباءفسمعه يقول أن أصلاً من الأصول العدل والتسوية بين الأطعمة والأغذية والعقاقير والأدوية فمن لم يستعمل الأستوا في درجات الغذاء والدواضل عمله وغوى وأصل هذا المزاج ولا ينكره إلا ذو لجاج فان العناصر الأربعة منها المضرة والمنفعة وقد تولد منها السوداء والبلغم والصفراء والدم فمتى اعتدلت هذه المتولدات صحت الأبدان واللذات ومتى عن الاعتدال عدلت أمرضت وقتلت وكذلك النير الأعظم والكوكب المضيء في العالم إذا حل في مركز الاعتدال استقام للعالم الحال وطاب الزمان واعتدل وذلك عند نزوله في برج الحمل فتصور ذلك الولهان أن المقصود التسوية في الأوزان فانصرف وهو فرحان وقصد طعام الزبر باج وعبى من مفرداته ما يحتاج ثم أنه ساوى بين أوزانها وقصد العدل في ميزانها وخلط كعقله أخلاطها ووضعها في قدر وساطها فخاب عمله في عدله وبان نقصه في فضله فلما رعى الملك والوزير ما سلكه السفير في نظام هذا التقرير شكراً له مساعيه وأخصبا في الإكرام والإعزاز مراعيه وقالا جزاك الله خيراً عن شفقتك وحسن صنيعك لمرسليك ورفقتك فمثلك من يصلح للسفارة بين الملوك وتولى أمور الرعية من الغنى والصعلوك فانك ناصح لمن فوقك شفيق على من دونك ثم قال الوزير أن هذا الملك الكبير مقاصده العظيمة أن تكون الأمور مستقيمة وأن يصلح العباد والبلاد ويطمئن المستفيد والمستفاد فاحتفظ أيها السفير المنير الضمير بما سمعت ورأيت وشاهدت ووعيت واجعله من عنوان أنبائك ومقدمات أفعالك وآرائك وأبلغه من يحفك من أمامك وورائك ومهما وصلت إليه قدرتك وأحاطت به يدك وكلمتك من إبلاغ الخير إلى مسامع الوحش والطير عن هذا الملك وأوصافه وتطلعه إلى مراقي السير والإحسان واستشرافه وما تسكن به الخواطر وتطمئن به الضمائر وتقر به العيون بالسرور وتستقر به القلوب في الصدور فلا تأل فيه جهداً وأوسع فيه جداً ولا تنه في إنهائه حداً فان المجال واسع وميدان المقال شاسع وقد أذن لك فيه وأن أخفيته في نفسك فالله مبديه ثم كتب له بذلك مراسيم عن ثغر الأماني

مباسيم وأفيض عليه خلع الكرامة وأضيف إليه الحمامة ورجع إلى أهله مغموراً بفضله مسروراً بقوله مشكوراً بفعله فائزاً بالمطلوب ظافراً بكل مرغوب فارغ البال طيب الحال فاتصل بأهله في دياره وهم في انتظاره فبادروا بالسلام وقابلوه بالاستلام وقالوا ما وراءك يا عصام فبلغ الجواب بارشق عبارة وأليق خطاب وذكر لهم ما رأى وسمع ووعى فانتشرت هذه الأخبار حتى ملأت الأقطار وتسامع بها وحوش القفار وفاح بطيب نشرها الأزهار فكان جميع البر معطار ثم اجتمع رؤساء الوحوش والبهائم رعرفاء الصوادح والبواغم وكل ساكن في القفار من سائم وحائم وأرسل كل إلى أمته رسوله يدعوها إلى ما يحصل سولها وسوله فلبت كل أمة دعوة رسولها وأقبلت لاستماع المراسيم وقبولها فاجتمعوا في رياض مرج أخضر وحلقوا لاستماع المراسيم حول المنبر وأطرقوا وسكتوا واستمعوا وأنصتوا وتناول المرسوم الصادح من الباغم وصعد على الغصن الناعم مطوق الحمائم وابتدأ باسم الكريم الغفور وقرأ على رؤس الأشهاد مضمون المنشور ودعاهم إلى الطاعه والدخول في سنن السنة والجماعه وأنهم لا يتاخرون عن الحضور بعد الأطلاع على مضمون المنشور فانه فرمان أمان لكل من أجناس الحيوان ولم يبق مقالاً لمتخلف ولا مجالاً لمتأخر ومسوف كما قيل:
فمن جاءنا طوعاً أقمنا بمجده ... ومن يأب لا يعتب علينا فعالنا

إلى آخر الرسالة مع ما تحمله الرسول من مشافهة ومقاله ومن ملاطفات تشرح الصدر وتستنزل البدر وتوضح ما للملك من جلالة وقدر فتلقى الكل هذا الكلام بآذان القبول والأكرام واتفقوا على التأهب والمسير والأحتفال بالكبير وأخذوا في تعبية التقادم والخدم وفرضوا ذلك على ما لكل من طوائف وحشم وتصدعوا عن هذا المرسوم على أن يجتمعوا في يوم معلوم ثم أعد كل عتاده وأكمل خدمته وزاده واجتمعوا لذلك اليوم الموعود وتوجهوا إلى الخدمة في الطالع المسعود ولما دخلوا الدرب وضربوا في الأرض أيمن ضرب توجهت الحمامة بالبطاقة بهذه البشارة والطلاقة فانتشر هذاالخبر وملأ البدو والحضر فلما وصل الطائر دقت البشائر وسرت الأهل والعشائر ثم إن الملك دعا الوزير وقال اعلم أيها الناصح الخبير والبحر النحرير أن الوحوش واصلة إلى منزلك وبخفها وحافرها نازلة في ساحلك وإن راية سلطاننا بعون الله بالنصر نتشرت ووحوش الجنود والعساكر بحمد الله تعالى على بساط بسيط الطاعة حشرت وفي هذه الجيوش أصناف الوحوش وطوائف السباع وأنواع الذئاب والضباع وفيهم الفراعل والثعالب والعسابر والأرانب ولا شك أن هيبة الملك صادعة وحرمة السلطنة باسطة فارعه وحضرة السلطان ذات جلال وإن كانت جامعة لصفتي الجلال والكمال وما عند كل أحد مسكة للملاقاة ولا ثبات جنان عند المشاهدة لملك إذا رآه فمن لم يكن بيننا وبينه اجتماع فقد وقرت هيبتنا في قلبه على السماع ومن تصدينا له في ميادين الصيد وأفلت بعد معافاة الكد والكيد قد رأيته على العيان ولا يحتاج في معرفة قوة سلطاننا إلى ترجمان وعلى كل تقدير فمشاهدتنا على غالبهم أمر عسير لأنه ربما يتذكر منهم متذكر أو يتفكر منهم متفكر واقعة أو سابقة وقعت أنجرح فيها من نصل أنيابنا مفاصل عراقيبه أو تعلق بها من أشعاره وأوباره مشاطة جلابيبه ومن لم ينجه منا ضباحه ولم يكن سلاحه من كلاليب مخاليبنا إلا سلاحه فبمجرد ما يقع نظره علينا أو تمثل بالوقوف لدينا يرجف فؤاده وينفض عيبة كرشه زاده فينكص من الخوف على عقبيه ولا يعرف أمره من حواليه فيتبعونه ويحصل الفشل ويقع الخباط والخلل فيبهم ما أوضحناه ويفسد أضعاف ما أصلحناه وينهدم من أول الأمر إلى آخره ما بنيناه ويتعوج من مستقيم السلطنة ما سويناه فلا يحصل من عزة المملكة إلا على مثل ما حصل لأبي الحصين من شيخ الديكه فقال الوزير ينعم مولانا الأجل بتقرير هذا المثل (قال الملك) سمعت مخبراً أنه كان في بعض القرى الرئيس ديك حسن الخلق وديك مرت به التجارب وقرأ تواريخ المشارق والمغارب ومضى عليه من العمر سنون واطلع من حوادث الزمان على فنون وقاسى حلوه ومره وعانى حره وقره وقطع للثعالب شباك مصايد وتخلص لأبن آوى من ورطات مكايد ورأى من الزمان وبنيه نوائب وشدائد وحفظ وقائع لبنات آوى وثعالب وطالع من كتب حيلها طلائع كتائب وأحكم من طرائقها عجائب وغرائب فاتفق له في بعض الأحيان أنه وقف على بعض الجدران فنظر في عطفيه وتأمل في نقش برديه فرأى خيال تاجه العقيقي ونظر إلى خده الشقيقي ونفض بزائله المنفش وسراويله المنقش والثوب الذي رقمه نقاش القدرة من المقطع والمبرقش فأعجبته نفسه وأذن فاطريه حسه وتذكر ما قاله الأسعد المادح في المعتصم بن صمادح وهو:
كأن أنوشروان أعطاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا
سبى حلة الطاوس حسن لباسه ... ولم يكفه حتى سبي المشية البطا

فصار يتيه ويتبختر ويتقصف ويتخطر فاستهواه التمشي سويعة حتى أبعد عن الضيعة فصعد إلى جدار وكان قد انتصف النهار فرفع صوته بالأذان فأنسى صوته الكناني والدهان فسمعه ثعلب فقال مطلب وسارع من وكره وحمل شبكة مكره وتوجه إليه فرآه فسلم عليه فلما أحس به أبو اليقظان طفر إلى أعلى الجدران ثم حياه تحية مشتاق وترامى لديه ترامي العشاق وقال أنعش الله بدنك وروحك وروى من كاسات الحياة غبوقك وصبوحك فانك أحييت الأرواح والأبدان بطيب النغم والصياح في الآذان فان لي زماناً لم أسمع بمثل هذا الصوت وقاك الله نوائب الفوت ومصائب الموت وقد جئت لأسلم عليك وأذكرك ما أسدى من النعم إليك وأبشر ببشارة وهي أربح تجارة وأنجح من الولاية والأمارة لم يتفق مثلها في سالف الدهر ولا يقع نظيرها إلى آخر العصر وهي أن السلطان أيد الله بدولته أركان الإيمان أمر منادياً فنادى بالإيمان والأطمئنان وأجراء مياه العدل والإحسان من حدائق الصحبة والصداقة في كل بستان وأن تشمل الصداقة كل حيوان من الطير والوحوش والحيتان ولا يقتصر فيها على جنس الإنسان فيتشارك فيها الوحوش والسباع والبهائم والضباع والأروى والنعام والصقروالحمام والضب والنون والذباب وأبو قلمون ويتعاملون بالعدل والأنصاف والإسعاف دون الأعساف ولا يجري بينهم إلا المصادقة وحسن المعاشرة والمرافقة فتمحى من لوح صدورهم نقوش العداوة والمنافقة فيطير القطا مع العقاب وببيت العصفور مع الغراب ويرعى الذئب مع الأرنب ويتآخى الديك والثعلب وفي الجملة لا يتعدى أحد على أحد فتأمن الفارة من الهرة والخروف من الأسد وإذا كان الأمر كذا فقد ارتفع الشر والأذى فلا بد أن يتمثل هذا المرسوم ويترك ما بيننا من العداوة والخلق المذموم ويجري بيننا بعد اليوم المصادقة وتنفتح أبواب النمحبة والمرافقة ولا ينفر أحد منا صاحبه بل يراعي مودته ويبالغ في حفظ جانبه وجعل الثعلب يقرر هذا المقال والديك يتلفت إلى اليمين والشمال ويحتاط غاية الاحتياط ولا يلتفت إلى هذا الهذيان الخياط فقال الثعلب يا أخي مالك عن سماع كلامي مرتخي أنا أبشرك ببشائر عظمه لم تنفق في الأعصر القديمة وإنما برزت بها مراسيم مولانا السلطان الجسيمة وأراك لا تلتفت إلى هذا الكلام ولا تسر بهذا اللطف العام ولا تلتفت إلي ولا تغول علي وتستشرف على بعد الشيء فهلا أخبرتني بما أضمرت ونويت وتطلعني فيما تتطاول إليه على ما رأيت حتى أعرف في أي شيء أنت وهل ركنت إلى أخباري وسكنت فقال أرى عجاجاً ثائراً ونقعاً إلى العنان فائراً وحيواناً جارياً كأنه البرق سارياً ولا عرفت ما هو ولكنه أجرى من لهوا فقال أبو الحصين وقد نسي المكر والمين بالله يا أبا نبهان حقق لي هذا الحيوان فقال حيوان رشيق له آذان طوال وخصر دقيق لا الخيل تلحقه ولا الريح تسبقه فرجفت قوائم الثعلب وطلب المهرب فقال أبو المنذر تلبث يا أبا الحصين وأصبر حتى أحقق رؤيته وأتبين ما هيته فانه يا أبا الحصين يسبق طرف العين ويكاد أبا النجم يخلف النجم في الرجم فقال أخذني فؤادي وما هذا وقت التمادي ثم أخذ يسلح وولى وهو يصدح بقوله:
لابس التاج العقيقي ... لا تقف في طريقي
إن يكن ذا الوصف حقاً ... فهو والله السلوقي

فقال الديك وإذا كان وقد قلت إن السلطان رسم بالصلح بين سائر الحيوان فلا بأس منه عليك فتلبث حتى يجيء ويقبل يديك وتعقد بيننا عقود الصداقة ويصير رفيقنا ونصير رفاقه فقال ما لي برؤيته حاجة فدع عنك المحاجة واللجاجة فقال أو ما زعمت يا أبا وثاب إن السلطان رسم الأعداء والأصحاب أن يسلكوا طرائق الأصدقاء والأحباب فلو خالف المرسوم هذا الكلب لما قابله الملك إلا بالقتل والصلب قال لعل هذا المشوم لم يبلغه المرسوم ثم ولى هارباً وقصد للخلاص جانباً (وإنما أوردت) يا نفيس هذا المثال لتقييس أحوال من دان لك من هذا الحيوان ولا تشقها بعصا واحدة واحسب حال كل واحد على حده فربما يكون في هذه البهائم من لا هو بأحوال الصلح عالم ولم تبلغه الدعوة وإنما انضاف بسبب رجوه أو آمن على سبيل التبعية والتقليد ولم يطلع على موارد الوعد والوعيد ولا وقف على ما وقع من الأتفاق ولا يثبت لمصادمة اللقاء وقت التلاق فيصدر منكم حركة تؤدي إلى قلة بركة وتستطرد إلى نفرة جفول فيدهمنا هدم ما أسسناه على غفول ويقع من الفساد ما لا يمكن تلافيه ويضيع نقود جواهر جهدنا وكدنا فيه وإذا كانت الدنيا محل العوارض والغالب أنه عند مشارفة المقصود يحصل العارض والعاقل لا يغفل عن هذا الخطر فعند صفو الليالي يحدث الكدر وقد كفاك من ناداك بقوله:
إذا قربت يداك إلى مرام ... وقلت تخولت نفسي مناها
فلا تأمن من الدهر اختلاسا ... بحول فمكره في ذاتنا هي
كجان لم يصبه الشوك إلا ... وقد وصلت يداه إلى جناها
فالرأي السديد يا أبا سعيد يقتضي أن تمضي الحمامة المطوقة إلى تلك الجموع المفرقة وتنادي في كل نادي بين الحاضر والبادي والرائح والغادي بحقائق الأمور وتطيب خاطر الجمهور وما هم قادمون عليه ومن هو الواصلون إليه ليعلموا أنهم في صفقتهم رابحون وأنهم على هدى من ربهم وانهم مفلحون فتوجهت الحمامة بهذه النقوش وشهرت النداء في طوائف الوحوش بما هم عليه قادمون وأنهم للملك يسار خادمون ثم تبعها الوزير ومعه كل أمير وكبير من خواص المباشيرن والأعيان الملازمين وكبراءالأطيار ورؤساء الأخيار واستقبلوا ملوك الوحوش والهوام ورؤساء السوائم والسوام وقابلوا ملتقاهم بالإعزاز الإكرام ووعدوهم بكل خير وإحسان ووصلوا بهم إلى ميدان الأمان وحين حل عليهم نظر السلطان قبلوا الأرض ووقفوا في مقام العرض وأدوا من واجب العبودية النفل والفرض فانزل كلاً في مقامه بعد أن أحله في محل إكرامه وأفاض عليه خلع إحسانه وإنعامه وعلت منزلة الوزير وتقدم كما تقدم وأشير وصفا لهم الزمان وعاش في ظل عدلهم كل ضعيف من الحيوان وتقلبوا في رياض الأماني على بساط الأمان (وفائدة هذه الحكايات تنبيه أشرف جنس المخلوقات وألطف طائفة المكونات وهو نوع الإنسان الذي اختصه الله تعالى بأنواع الإحسان وأيده بالعقل وأمده بالنقل على انه إذا كان هذا الفعل الجليل يصدر في التنظير والتمثيل من أخس الحيوانات وما لا يعقل من الموجودات فلأن يصدر من أولى النهى وأولى الفضل والمكارم والعلى أولى وأحرى لا سيما من رفع الله في الدنيا مقداره وأعلى على فم الخلائق منارة وحكمه في عبيده المستضعفين واسترعاه على رعية سامعين مطيعين وسلطه على دمائهم وأموالهم وبسط يده ولسانه في رفاهيتهم ونكالهم والأصل في هذا كله قول من عم عبيده بفضله وبقوله اهتدى العالمون وتلك الأمثال نضر بها للناس وما يعقلها إلا العالمون) آخر الباب السادس والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين آمين.

الباب السابع
في ذكر القتال بين أبي الأبطال الريبال وأبي دغفل سلطان الأفيال

(قال)الشيخ أبو المحاسن من ليس له في الفضل مساو ولا مواس فلما أنهى الحكيم حسيب كلامه لأحلى من النسيب قبل أخوه بين عينيه وأفاض خلع الأنعام عليه استزاده وفتح لجامع فضله باب الزيادة وكان قد وقع بين ملك الأفيال وبين ملك الأسود المسمى بالريبال المكنى بأبي الأشبال وأبي الأبطال مقال أدى إلى جدال وأتصل بحرب وقتال فسأل الملك أخاه هل سمع من ذلك شيأ ووعاه فأجاب بالإيجاب وذكر في الجواب الأمر العجاب (فقال) كان يا ملك الزمان في بعض أطراف الهنود من عساكر الأفيال جنود في جزيرة عظيمة كبيرة من جنسهم وجلدتهم ونفسهم ملك عظيم ذو جسم جسيم وشكل وسيم منظره بديع وهيكله رفيع طويل الخرطوم واسع الحلقوم مبسوط الأذنين حديد العينين طويل الأنياب في جراب كثيف في المرأى خفيف في الموطأ عدد جيشه غزير ومدد جنده كثير وهو فيهم ملك كبير ذو قدر خطير منفرد بالسرير ورثه كابراعى كابر وكل جيشه رؤساء وأكابر لأوامر طائعون ولما يراه تابعون فبلغه في بعض الأيام أن في بعض الغياض والآجام مكاناً في غاية النزاهة معدن الفواكه والفكاهة ذا مياه عذبة ومروج رطبه أراضيها أريضه ورياضه طويلة عريضة أطيارها تسكر بألحانها وأشجارها تخجل قدود الملاح بأغصانها وأزهارها زهره وأنوارها نضره ونسيم الصبا والشمال تنتشر إلى الآفاق طيب أنفاسها العطره وأنه يصلح أن يكون لملك الأفيال مقاماً مع أن من الجبال والحصون وعصاما غير أن فيه أسد هصورا جمع فيه جنداً كثيراً ولا زال الناقل يصف ريطنب ويعجم في حسن شمائلهم ويعرب حتى قال بعض الندماء الحاضرين من الكبراء لو قصد الملك ذلك المكان وجعله لنفسه من بعض الإسكان وتنقل إليه في بعض الأوقات وساعات التفرج في المتنزهات لا راح نفسه الخطيرة من وخم هذه الجزيرة ووجد لذة الطعام ونشوة الشراب على المدام والأسد الذي فيها وأن كان مالك نواحيها وبيد تصرفه زمام نواصيها وجماجم قلاعها وصياصيها لكنه ملك عادل وسلطان فاضل تمنعه شهامته وكرم نفسه وكرامته ورياسته وزعامته أن يضايق الملك في ذلك أو يضيق سلوكها على سالك وأن شرع في الممانعة وأخذ في أسباب المدافعة بالمقارعة والمنازعة فالعساكر المنصورة وأعدادهم الموفورة فيهم بحمد الله لذلك قوة وكفاية ولهم في بداية الحروب هداية وفقاهة ليس لشرحها غايةولا لفروع أصولها نهاية يحيون في مباحثها النفوس ويعيدون في مدارس الحرب بتكرار الضرب فأني الشجاعة بعد الدروس فيكفون الملك أمره ويكفون أذاه وشره ولا زال يفتل منه في المغارب والذروة ويقوى بتمويهاته دواعي الحرص والشهوة حتى اقتنصته إشراك المطامع وأوقعته في عبودية شهوة تلك المواضع ودعته النفس الأبية وحمية الجاهلية وباعث العصبية إلى الاستيلاء على تلك الأماكن البهية والولايات السنيه والمساكن الزهيه وأسامة سوارح اللحاظ في مراعي نزهة تلك الغياض ومروج أراضي هاتيك الرياض وأزعج في ذلك المقتضى وأسلمه العدل والخلق الرضى على عليه سيئ الطباع واستولت عليه فوارغ الأطماع وعشقها على السماع وكان عنده إخوان هماً له عضدان هما وزيراه وفي مهامه مشيراه مسعداه في الأمور ومنجداه في أحوال السرور والشرور أحدهما واسطة خير قليل الشر عديم الضير قد جرب الزمان وعاناه وقالب قوالب وقائعه بالمقايسة ما قاساه اسمه مقبل وهو كاسمه مفضل والآخر بالعكس في جميع حركاته وكس وهو كاسمه مدبر بكل شيء مخبر قصد غبار فتن يثيره وعسكر بلاء يغيره وطالب أذى وعناء يعيره أو سر يذيعه أو مكر يشيعه أو متسوق شريبيعه وهما ملازمان الخدمة واقفان في مقام الحشمة والحرمة كالفتق والرتق والباطل والحق والكذب والصدق وفي الإفساد والإصلاح كالمراهم والجراح ومصلح الدرهم ومفسد الراح ومرشد العقل ومعتل الأقداح وفي الوفاق والشقاق كالسم والترياق وفي الحكم والقضاء كالداء والدواء وفيما يقع من الحوادث المفرجات والكوارث كالخر والبرد والشوك والورد فاختلى الملك بأخويه واستشارهم فيما أنهى إليه فقال أخوه المقبل يا مولانا أبا دغفل لو لم يكن بهذا المكان أحد من أدنى الوحوش فضلاً عن الأسد لكان عدم قصده ترفعاً وترفها والتوجه إلى الاستيلاء عليه موجهاً فكيف وذلك في ولاية مالك وهو مالك صعب كابي حفص الصعب ملك كبير عادل وسلطان خطير فاضل مطاع في صاغيته متبوع في حاشيته عادل في رعيته سيرته شكورة ومحاسنه مأثورة

وهيبته وبسالته غير منكورة وهو جار حسن الجوار لم يضبط عليه ما يقتضي انتزاع ملكه من يديه ولم يتعرض إلى متعلقاتنا ولا آذى أحداً في ولايتنا وأن مولانا السلطان لم يصدر منه إلا العدل والإحسان إلى الأباعد والأجانب فضلاً عن الجيران لا سيما الملوك الأكابر ومن ورث الملك كابراً عن كابر ولقد تلقفت من أفواه الحكماء وتشنفت مسامعي من جواهر ألفاظ العلماء بثلاث نصائح هي من أحسن المنائح إحداهما أحذر أيها الموفق أن تقع في دم بغير حق ثانيتها إياك يا ذا التوفيق وأموال الناس بغير طريق ثالثتها إياك يا ذا الشيم الكريمة وهدم البيوت القديمة وأعلم أن الله تعالى عم رزقه وخص كل موجود بما يستحقه وقد أقام الأسد في تلك الأماكن وهو أن كان متحركاً فهو فيها ساكن ولو لم يستأهل لما اختص بتلك المناهل وما ينكر هذا الأجاهل أو من هو عن الحق ذاهل وحاشى أن تنسب يا رئيس الأخيار إلى حسد أسوء جوار وعظمتك تأنف عن ذميم الأخلاق وكيف وقد انتشر بالفضل صيتها في الآفاق وإذا كان للشخص ما يكفيه فينبغي أن يقتصر عما يطغيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقد أحسن في المقال من قال:
يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها
واعلم بان الله جل جلاله ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلها
فالتفت الملك إلى المدبر وأشار إليه كالمستخبر ماذا تشير أيها الأخ والوزير فقال جميع ما قرره مولانا الوزير حق وجملة ما ذكره وحرره صدق نصائح ترشد العقول وتزين عقود المعقول والمنقول ولكن لا يخفي على كريم العلوم أن الأسد حيوان ظلوم غالب طالب وخلاص الرعية من شره واجب ويلزم كل أحد أن يخلص الرعايا من ظلم الأسد ومولانا يبلغه ظلمه ولم يحط بأحوال الأسد علمه وأنه من أظلم البرية لمن تحت يده من الرعية وأنه يجب على مولانا السلطان خلاص الرعية منه على أي وجه كان وأيضاً فانانعامات مولانا البارة على كل أحد من الخلق دارة والخرج والكلف والكرم الذي بأنامله ائتلف كل يوم في ازدياد والعساكر المنصورة كل وقت نزداد وإذا لم تتسع الولايات وتكثراً الجهات والاقطاعات كان الخرج أكثر من الدخل والمصروف من الخزانة كالوابل والدخل كالطل وإذا زاد المصروف على الحاصل عجز الواصل وفرغ الحاصل ودل ذلك على ركاكة الهمة وقصور النهمة والملك يجب عليه والمندوب في شرع همته إليه أن يكون كل وقت جديد في فتح وترق ومزيد وتوسعه الممالك وتنزيه بساط السلطنة عن المنازع والمشارك والاستكثار من الجند والرعية واستجلاب خواطرهم الأبية بالجوائر السنية والانعامات السمية ولا يجوز في ملة الإسلام أن يتعدد الخلفية الإمام ولله در القائل العلي الشمائل:
إذا ما لم ثكن ملكاً مطاعاً ... فكن عبد المالكه مطيعاً
فان لم تملك الدنيا جميعاً ... كما تهواه فاتركها جميعاً

وناهيك يا مالك الممالك والمماليك في علو الهمة وصدق العزمة وغوص الأفكار في استخلاص ممالك الأقطار قضية فحلا الرجال تيمورلنك الأعرج الدجال مع نائبه الله داد أحد القواد ونواب البلاد فسأل أبو مزاحم أخاه عديم المراحم عن تلك القضية وإيضاحها عن جليه (فقال) إن تيمورلنك رأس الفغساق الأعرج الذي أقام الفتنة على ساق لما حل بالممالك الرومية في شهور سنة خمس وثمانمية وأسر مالكها واستخلص ممالكها استمر في ممالك العرب يصول وفي فكره استخلاص ولايات الشرق يجول وكان أقصى ما انتهت إليه في الشرق مملكته ونفذت بسهام أحكامه فيه أقصيته بلداً يسمى أشباره قد أعده لشياطين النهب والغارة وبثى فيه قلعه ونقل إليه من ذوي المنعة جنداً منتخبا من كل يقعة وهو في بحر ممالك المغل والتتار والحد الفاصل بين ممالكه وولايات عباد الشمس والنار وأمر على أولئك الأجناد شخصاً يدعي الله داد وهو من خواض أمرائه ورؤساء جنده وزعمائه فمن جملة ما أمره به ذلك المشوم وهو مخيم ببلاد الروم أنه أبرز إليه مراسلة فيها أمور مجملة ومفصلة أمره بامتثالها وإرسال الجواب ببيان كيفية حالها منها أنه يبين له أوضاع تلك الممالك ويوضح كيفية الطرق بها والمسالك ويذكر له مدنها وقراها ووهدها وذراها وقلاعها وصياصيها وأدانيها وأقاصيها ومفاوزها وأعارها وصحاراها وقفارها وأعلامها ومنارها ومياهها وأنهارها وقبائلها وشعابها ومضايق دروبها ورحابها ومعالمها ومجالها ومراحلها ومنازلها وخاليها وآهلها بحيث يسلك في ذلك السبيل الأطناب الممل ويتجنب مأخذ الإيجاز وخصوصاً المخل ويذكر مسافة ما بين المنزلتين وكيفية المسير بين كل مرحلتين من حيث تنتهي إليه طاقته ويصل إليه علمه ودرايته من جهة الشرق وممالك الخطا وتلك الثغور وإلى حيث ينتهي إليه من جهة سمر قند علم تيمور وليعلم أن مقام البلاغة في معاني هذا الجواب هو أن يصرف فيه ما استطاع من حشو واطناب وتطويل وإسهاب وليسلك في بيانه الطريق الأوضح من الدلالة وليعدل عن الطريق الخفي في هذه الرسالة إلى أن يفوق في وصف الأطلال وتعريف الرسوم وحدود ألد من صفة الشيخ القيصوم فامتثل الله داد ذلك المثال وصور له ذلك على أحسن هيئة وآنق تمثال وهو أنه استدعى بعدة أطباق من نقي الأوراق وأحكمها بالإلصاق وجعلها مربعة الأشكال ووضع عليها ذلك المثال وصور جميع تلك الأماكن وما فيها من متحرك وساكن فأوضح فيها كل الأمور حسبما رسم به تيمور شرقاً وغرباً بعداً وقرباً يميناً وشمالاً مهاداً وجبالاً طولاً وعرضاً سماء وأرضاً مرداء وشجراء غبراء وخضراء منهلاً منهلاً ومنزلاً ومنزلاً وذكر أسم كل مكان ورسمه وعين طريقه ووسمه بحيث بين فضله وعيبه وأبرز إلى عالم الشهادة غيبة حتى كأنه شاهده ودليله ورائده وجهز ذلك إليه حسبما اقترحه عليه كل ذلك تيمور في بلاد الروم يمور وبينهما مسيرة سبعة شهور وكذلك فعل ذلك البطل وهو بالبلاد الشامية سنة ثلاث وثمانميه مع القاضي ولي الدين عمدة المؤرخين أبي هريرة عبد الرحمن بن خلدون أغرقه الله في فلك رحمته المشحونوقد سأله عن أحوال بلاد العرب وما جرى فيها من صلح وحرب وما وقع فيها من خير وشر ونفع وضر ثم أنه اقترح عليه وتقدم بالأمر إليه يوضع أوضاعها ورسم مدنها وقلاعها وحصونها وضياعها وتخطيط ولاياتها وأشكالها وهيآنها فامتثل ذلك وأبداه وعلى حسب ما اختاره واقترحه أنهان وبين ذلك مثل ما ذكره أعلاه فشاهد أوضاعها وخبر وهادها وبقاعها كأن الحائل رفع من البين وعاين ذلك الإقليم بالعين فانظر إلى هذا الأعتمي وهو سطيح نصف آدمي وهمته العالية كالبرق تضرب تارة في الغرب وأخرى في الشرق (وإنما أوردت) هذه القضية ليقف سامعها على مقدار الهمة العلية فلا يرضى الملك الهمام بالمنزلة الدينية ولا يقنع بالدرجة الوطية بل يجتهد في تكثير الجند والرعية وفتح الأقاليم العربية والعجمية ولا يقتصر على الحالة السوية وإنما يلازم طلب الارتقاء بكرة وعشية ويكون سعيه كالشكر يطلب المزيد وكما يستديم طلب الزيادة من مولاه يستديم زيادة العبيد والافينسب إلى قصور الهمة وإفلاس الذمة ونقصان الحرمة وبطلان الحشمه وأعظم بها من وصمه وبالعجز والتقصير يضيع حقوق الملك الخطير وتجد الرعية للطعن مقالاً وفي ميدان الأعراض عن الملك مجالاً وهذا خلاف موضع الإمامة وعكس ما تقتضيه

الرياسة والزعامة فان موضع السلطنة أن يتعاطى الملك مهما أمكنه من أسباب الفتح والفتوح وما يستميل به من الرعية القلب والروح وذلك بالإحسان والإكرام والبذل والإنعام فبه تقوى رغبتها وتزداد محبتها فإذا لم يكن ذلك فل المملوك عن الممالك واسمع قول الأديب ذي الرأي المصيب وهو:
إذا أهملت أمر العبد يوماً ... وقصرت العليق عن الحمار
توقف في المسير أبو زياد ... وقام العبد يجري للفرار
وقيل (والدر يقطعه جفاء الحالب) وقال أشرف جنس الإنسان علو الهمة من الإيمان فالرأي السديد عندي والذي بلغ إليه جهدي إنفاذ هذه العزيمة وسلوك طريقها القويمة وإبرازها من مكان القول إلى ظواهر العمل والحول والاعتماد على ما قيل:
فلا تثن عزمك خوف القتال ... بسمر دقائق وبيض حداد
عسى أن تنال الغنى أو تموت ... فعذرك في ذاك للناس باد
فان لم تنل مطلباً رمته ... فليس عليك سوى الاجتهاد
فأقبل الملك على المقبل وقال توجه بكليتك علي وأقبل شعر:
ولا تبق مجهوداً برأيك أنه ... سديد ومن يقف السديد سديد
فان القلب قد مال إلى العزم والأخذ في التوجه بالحزم وترجح جانب الوثوب إلى جهة هذا المطلوب فأمعن النظر وأجل قداح الفكر ولا تخف رأياً بسنح في أي جهة ترجح فقال افعل بشرط أن يقبل أعلم زدك الله علماً وفضلاً وكرماً وحلماً أن الذي رآه العلماء وأشار به ذوو الحنكة من الحكماء أن من طلب وفور خيره وفائدة نفسه في مضرة غيره لا يتمتع بتلك الفائدة ولا تثمر معه تلك العائدة وهو أعلى تقدير حصولها والاستيلاء على فروعها وأصولها وإن لم يظفر بها فلا تستفيد النفس غير كربها مع زيادة الحسرة وسوء الصيت في الشهرة ووفور الندم وزلة القدم وكل من أراد تمشية هواه ولم يلتفت إلى ما سواه ورأى نفسه أحق من غيره فلا تطمع أبداً في خيره ولا يكاد يسلم من الانكاد ولا يصفو له زمان ولا تدوم له أخلاء وأخوان ولا تزال ديم الهموم من غمام الغموم تهمي على حدائق آماله وتسقي مزارع أحواله إلى أن تحظل نخلات نيته وتيبس حقول طويته ويحصده حراث الفنا ويدرسه دارس الردى ويذري حبات وجوده الهوان في الهوى وينقل عن بيدر الشقاء إلى طاحون البلاء فهناك يجدح سويق أفعاله ما يزيغه فيحسوه ويتجرعه ولا يكاد يسيغه ويصهر به ما في البطون ويقال له ذوقوا ما كنتم تكسبون هذا وإذا كان الدخل لا يفي بالخرج وخيف من ذلك وقوع هرج ومرج فبحسن التدبير يتصرف الملك الخبير وبكفاية الوزير وتوفير المشير يجل الحقير ويكثر النزر اليسيركما قيل:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد

وبالخلق الحس وحسن السياسة تملك رقاب أولي الرياسة فضلاً عن العوام وهذا بحسب المقام ولا يتصور أن مجرد المال هو شبكة صيد الرجال فان حفظ الممالك هو وراء ذلك وقد قال رسول خلاقكم أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم وشيء يحتاج تحصيله والانقطاع إلى وصوله إلى بذل أموال وأرواح وكد نفوس وأشباح وأتعاب خيل ورجال وارتكاب شدائد وأهوال وبعد حصوله يتكلف في محافظته وحراسته وملاحظته إلى تحمل هموم وغموم وكلامه وكلوم وآخر الأمر يخرج من اليد ولا يبقى إلا النكد والكد فتزول في الدنيا اللذات معاناة الكدورات وتجرع الغصص والمشقات وتبقى في الآخرة التبعات لجدير بان لا يلتفت إليه ولا يعول عليه ولا يهتم له بشان ويستغني عنه وأن احتج إليه بقدر الإمكان والأفمثل الذي يعلق به فؤاده ويربط بدوامه وبقائه اعتقاده ويتصور ذلك بفكره الفاسد ونظره الكاسد كمثل كسرى لما مات ولده وتفتنت عليه كبده وحصل له عليه الاضطراب ورده عن خطئه الهلول إلى الصواب فسأل أبو الحجاج أخاه المحجاج عن بيان هذا الأمر وكيفية إطفاء هذا الجمر (فقال) المقبل ذكر محدث معدل أن كسرى كان له ولد قد سكن منه سويداء الخلد يخجل البدر ليلة تمامه ويستميل الغصن حاله قيامه وكان يحبه حبا جاوز النهاية وتعدى الحد والغاية وكان لشدة شغفه استبعد حلول تلفه بل أحال وفاته وأذهله عن درك الحق وفاته فأدركه الأجل المحتوم واستوفى مداه المعلوم فاضطرب كسرى لونه واصطدم بصخور فراقه واصطلم ولم يقر له قرار ولا طاعة اصطبار فوعظه العلماء فما أفاد وثبته الحكماء بضرب الأمثال فأعياهم المراد وكان في بلده رجل بهلول يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته عليه فيلاطفه في محاروته ويبتهج بكلماته في مخاطبته فدخل عليه البهلول وهو كئيب ملول لا تسر حاله صديقاً ولا يهتدي إلى السكون طريقاً فسأله عن حاله وما أوجب توزع باله وتغير أقواله فقال يا بهلول عدمت ولدى وقرة عيني وراحة روحي وجسدي (شعر):
لا صبر يجدي على فراقه ... ولا معين على احتراقه
وقلت:
أواه من فرقة الأحباب أواه ... لقد كوى من حشا قلبي سويداه
قال البهلول نعوذ بالله من ساعات الذهول يا ملك الأنام أن عيسى عليه الصلاة والسلام شكا إليه بعض حواريه شيأ يشابه ما أنت فيه فقال عليه السلام كن لربك كالف الحمام يذبحون فراخه ولا يفارق مناخه ولا ينفر عنهم ولا يشكو منهم ثم أن البهلول قال وأنا إليك سؤال فاجبني بجواب شاف فانك ذو ألطاف فلا يكن فيه جزاف فقال سل فكلامك لا يمل قال أكنت ترجو أن ولدك لا يموت أبداً وأنه يصير في الدنيا مخلداً فقال لا ولكن أردت أن يبق مده ويتمتع بشبابه وبنعيمها عنده ويلتذ بطيب المآكل والمشارب ويقضي من أواطار الشباب المآرب ويؤنس أنداده وصحبه ثم يقضي بعد ذلك نحبه قال هب أنه عاش مهما رمت وقام وقعد في الدنيا كما قعدت وقمت وعاش العيش الطيب وهمي عليه من سما ملاذها الوابل الصيب وحصل له من العيش الهني والعمر السني أمثال الجبال وأعداد الرمال فعند مفارقة العيش وحلول الخفة والطيش هل يدفع عنه ذاك شراً أو يرفع عنه بؤساً وضراً أو يجلب له نفعه أو يذهب من ذلك شيء معه أو يفيده أدنى فائدة أو يعود عليه منع عائده قال لا قال فلا تاس على معاش يكون عقبى أمره إلى لاش وعمر ذاك مصيره وسواء طويله وقصيره وكثير تنعمه ويسيره (شعر):
وإذا كان منتهى العمر موتاً ... فسواء طويلة والقصير
(غيره):
فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وصوت
فحبل العمر موصول بقطع ... وخيط العيش معقود بموت

فهب أنه عاش ونهب الملاذ وحاش وعلا في ارض التنعم وغلا وجاش كل ذلك في المقدار على حسبما تختار وأنه جاءه القضا وقد قضى وطره ومضى ثم قضى تحبه وقضى فجبر الكلام كسرا وسرى عنه همه وأسرى وقال الآن سكنت فنعم الناصح أنت (وإنما أوردت) هذا التنبيه أيها الملك النبيه لا عرض على الخواطر السعيدة والآراء السديدة والآراء الرشيدة أن الأقتصار عن هذا أولى وأليق بالركون تحت إرادة المولى قال المدبر المفنن المعبر ثلاثة أشياء ينبغي لطالبها أن لا يفتكر في عواقبها الأول الأسفار في البحار والغوص فيها إلى القرار فان طالب الجواهر النفيسة ومن قصد أن يكون في صدر التجارة رئيسه لا يخشى من الغرق ولا عنده من ذلك فرق فهذا يعبى بضائع المال وذاك يغطس إلى قعر الأوحال وكل منهما لا يتفكر في العاقبة والمآكل الثاني المقدم على الحرب والرشق والطعن والضرب ومصارعة الأبطال ومباشرة أسباب القتال لا ينزعج لصوت ولا يفتكر في الهزيمة والجراح والموت والثالث طالب الرياسة والملك ذي السياسية لا يفتكر في الاقتحام ولا يتوانى في الأقدام ولا يتأمل في العواقب ولا يلتفت إلى المناقب ويلقي نفسه في الأخطار ويضرب إلى أعماق الأقطار ويجعل جل همه بلوغ الأوطار وقيل:
بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلى سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلاً ... يغوص البحر من طلب اللآلي
وقيل:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمة ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا
قال المقبل الحكيم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم أولوا الألباب المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون من مبتدأ لأمور في أعقابها المستبصرون قبل وقوعها في مآلها ومآبها الآتون بيوت النوائب والنوازل من أبوابها قالوا إذا تحمن أبو الحصين وأغلق عليه من وراء جدار بابين صم حاصره أسد من خارج ساوت قوة الخارج قوة الوالج ولا شك أن حركة العساكر وقطع الفيا في والدساكر والتوجه إلى قتال من هو ساكن في سربه محتاط في إقليمه ودربه متحصن في قلاعه متدرق بحجفة امتناعه يحتاج في الأموال إلى إخراج وفي الرجال إلى إزعاج وتحمل أخطار وتجشم أسفار وأخذ ضعفاء تحت أقدام وهدم دور وقطع أرحام ومع هذا كله حصول المقصود موهوم والظفر به غير معلوم فان حصل فقد مر أن لا ثبات ولا تمنع وأن احتجب فهو وراء ستر التمنع فكم من دماء حينئذ تراق وقد كانت مصونة وأموال تهدر وقد كانت مضمونه وأعراض تهتك وقد كانت محترمة وأنفس تذل وقد كانت عزيزة مكرمه والحق في هذا متضح ومن نجا برأسه فقد ربح وقد قدمت هذا التقرير وهندست هذا التقدير لأن العاقل الماهر في التجارة كما يحسب الربح يحسب الخسارة وكل هذا في العاجلة فصلا عن المحذورات الآجلة من غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه وإذا خرج الأمر عن اليد ودخل على القلب الاشتغال بالنكد وذهب المال والمنال ونقصت الأهبة والرجال وتناقص العدد والعدد وتناكص المدد والمدد فأي حرمة تبقى للملك عند الرعايا وقد قلت عنهم منه الأرفاد والعطايا وكيف يستقر ملكه أو يدور على فلك الثبات فلكه فلا تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب أن تكلم عابوا كلامه وأن حكم نقضوا أحكامه وأن حلم قالوا عاجز وإن تقدم في الحرب قالوا مجنون مبارز وأما الغني ذو المال فهو على عكس هذه الأحوال فان رأوا منه فضلاً كان لكل مكرمة أهلا فرفعوه إلى العيوق وكان العظم المرموق أن أعطى قليلاً استصغر واحتما عنده وأطنبوا بلسان الثناء في شكرهم رفده وأن يخل قالوا مدبر لا يضيع ماله وإن كذب صدقوا قيله وقاله وفي الجملة حركات الغنى مستصوبه وكلماته مترشفة مستعذبة وقد قيل:
إن ضرط الموسر في مجلس ... قيل له يرحمك الله
أو عطس المعسر في مجمع ... سبوا وقالوا فيه ما ساء
فمضرط الموسر عرنينه ... ومعطس المفلس مفساه
وكما قيل:
الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود غير السيد المال

ولقد رشفت من أفواه الحكماء ونصائح البلغاء بل شاهدت من النوائب وتلقفت من ذوي التجارب وتحققت في الدهر أبا العجائب أن الفقر شيب الفتيان وسقم صحيح الأبدان ومبعد الأقارب وجاعلهم أجانب وقاطع الأرحام ومانع السلام ومبغض الأحباب ومفرق الأتراب ومشتت شمل الأصحاب وبالجملة فالذي يجب على ولي الأمر التأمل في قصارى هذا الأمر والتفكر في عاقبة هذه الحركة وما يحدث فيها من شؤم وبركه وأن يجبل قداح التدبر والتبصر والتصبر ويثبت في صدر هذا المورد المضيق وما فيه من مجال أو ضيق ولا يعتمد فيه على القوة والحول وأسباب الطول وكثرة الشوكة والعدد وإمداد العدد والمدد مع عدم الاكتراث بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فان الأسد سلطان السباع وملك عظيم كثير الجند والأتباع شجاعته مشهورة وشهامته مأثورة به يضرب المثل ويشيه كل بطل ونحن وإن كان لنا عساكر كالجبال تهدم الحصون وتدك القلال لكن ما جر بنا مصارعة الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريق بلادهم ولا طريقة جدالهم وجلادهم وأن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس الفرائس أنياب ومخاليب أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حبالنا عن مصادمة مالهم من قصور فيرجع وبال هذه الأمور علينا إذ ابتداؤه أو لا منسوب الينا ولا تحصل إلا على الندامة والتوبيخ والملامة ويخطبنا الجد الوبيل بما قيل:
تبني بأنقاض دور الناس مجتهداً ... دار استنقض يوماً بعد أيام
وقال المدبر ولا شك أن جوهر هذا النظام وعقود هذا الكلام صادر عن فكر بعيد ورأي سديد وأمر رشيد وتأمل في العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة وزهره المعرفة وثمره الفطنة ولكن من حين استولى على الملك كيومرث ومرث على سرير التحكم أصبع الولاية أبلغ مرث وسن قواعد السياسة وأسس بنيان الرياسة وذلك زمان الأبتداء وأول ما تملك على الدنيا وإلى هذا اليوم لم يزل القوم من الملوك في روم وطلب الزيادة والسوم ولا عتب في ذلك ولا لوم وقل لي أي ملك مالك تحكم في الممالك وسلك فيها المسالك ولم يقصد فيها الولايات الشاسعة ولا الأقاليم الواسعة ولم يطلب الترفع على الأقران وعلو المكان بقدر الإمكان والملك عقيم والعاجز سقيم وكيف يتصور أيها الملك الأكبر أن تكون همة الملك أدنى من همة تاجر في البحر ينهمك فان التاجر إذا افتكر في لذة الفائدة وما يعود عليه العائدة وغرته كما يقال التسع أواق الزائدة يضع جميع ماله وما تصل إليه يده من خدمة ورجاله في الفلك المشحون ولا يرهب ريب المنون ويركب هو أيضاً فيه ولا يلتفت إلى عجائب دواهيه ولا يفتكر في الغرق ولا في جبر السفينة ولو نخرق ويسلم قياده إلى متصرف الهواء ونفسه وماله إلى حاكم الماء ودونك يا ذا الحشمة والوافر الحرمة ما قاله العاشق العالي الهمة:
إن تهو بدر فليكن ... ابن الخليفة ذي السرير
أو ابن سلطان الورى ... أو ذي الوزارة أو أمير
وتجنب الأوغاد والغوغا وذا القدر الحقير
إن الخطير هو الذي ... قد قام بالأمر الخطير
وأما قولكم عساكرنا أغمار لا دراية لهم بتلك الديار ولا معرفة لهم بمصادمة الأسود ومقاومة تلك الجنود فاعلم أيها الوزير الفاضل الكبير إن الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء حاسر وأن في رعيته من آذاه وأنكاه في ذويه وأبكاه وكسره جبراً واسترعاه قسراً واستولى عليه قهراً فهو منتظر تنفس الزمان مترقب انقلاب الحدثان متوقع أيها الفضيل معنى ما قيل:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها
فإذا سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل الأعوان فضلاً عن ملك الأفيال بل قيل الأفيال الفاضل في ذاته الكامل في صفاته العادل في رعيته البار بأهل ولايته المحسن إلى أهل مملكته المشفق الحليم الرؤف الرحيم فبالضرورة يبادر إلى الملاقاة ويسارع إلى ما كان يتمناه ويغتنم عبودية الملك وبعدها غاية مرتجاه فيدل على عورات العدوة ومظان عثراته ويرشد إلى طرائق نكاياته ونكباته ويناديفي النادي نلت مرادي على رغم الأعادي ويعلن بإنشادي للحاضر والبادي:
إذا كان للإنسان في دولة امرئ ... نصيب وإحسان تمني دوامها

وأيضاً في ذلك الإقليم من متشبث بأمر جسيم وهو ماله من مال وأولاد واقطاعات وعقار وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش فلا يمكنه التحول عن طريقنا ولا التحمل لوعودنا ويروقنا ولا قوة المقاومة ولا طاقة المصادمة فبالضرورة يصانع عن تعلقاته وينشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه وروائه ونستفيد فيما نحن بصدده دواء لدائه فقال الملك للمقبل ما الجواب عن هذا الخطاب فقال هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال ووقوعه غير محال لكن الأقرب إلى الذهن إن هذا لا يقع لأنه أمر مبتدع ولأن طبائعنا مخالفة لطبائعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك إن كلاب الحارة في النهب والغارة يمزق بعضهم بعضاً ويتناحرون فيما بينهم حرصاً وبغضاً حتى إذا دخل بينهم ذيب أو حيوان غريب توجهوا إليه واتفقوا عليه فمزقوا أديمه وهتكوا حربمه وجعلوا لحمه لجماعتهم وليمة وعند الأسد من الوحوش أنواع ما بين سباع وضباع ونمور وذئاب وقرود وذباب وفهود وكلاب كلهم على طباعه متفقون على اتباعه وإن اختلفت عليهم الثياب لكن الكل كلاب أولاد كلاب وكل من هؤلاء على ما هم عليه متفقوا الأهواء له على خصمه في مجادلته وخصمه دربة في المساورة ووثبة في المغوره وأنواع في الكرو الفرور وغان في الخير والشر ومداخل ومخارج ومدارك ومعارج وليس في عساكرنا سوى الصدمات والحطم بقوة النهضات والعزمات فأن أفاد هذا الاصطدام وإلا فما ثم إلا الأنهزام فلما بلغ المقبل في الكلام إلى هذا المقام وكان رسخ في قلب الملك من كلام المدير الوسخ فما أثر نصح المقبل وما أفاد لأن النفس بطبعها مائلة إلى الفساد فشرع الملك واعتمد على التوجه إلى بلاد الأسد وأمر رؤساء فيلة الهنود بجمع العساكر والجنود وأشيع ذلك في أطراف الممالك فاطلع على هذه الأحوال غراب يكنى أبا المر قال كان له وطن وولد وسكن في ممالك الأسد لكنه قدم جزيرة الأفيال للتنزه على سبيل التفرج والتفكه فشرع يتأمل في هذه الأمور ويستنتج من قضاياها ما يتولد من سرور وشرور فانتهى سابق أفكاره في ميدان مضماره إلى أن هذه القضايا تسفر عن بلايا ورزايا وإراقة دماء وخراب أماكن وهلاك رعايا سواء تمت للأفيال أو رجعت عليهم بالوبال فخاف على سكنه ودمار أهله ووطنه فادى فكره الأسد أن يطلع على ذلك الأسد ليتداركه بحسن آرائه ويعترف للغراب بحسن وفائه فبكر بكوره وقصد دوره فوصل في أقرب زمان ونادى الريبال أبا الزعفران وقال الله الله أني أنا النذير العريان وأطلع الأسد على هذا النكد وقرر معه حقيقة الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال فتشوشت لذلك الخواطر وتصدعت لخوفه الأكابر والأصاغر ثم أمر السباع وطوائف الوحوش بالاجتماع مع رؤساء مملكته وأساطين خاصته ورعيته وذكر لهم هذا الأمر المهول وما عزم عليه ملك الفيول وأذن لكل واحد منهم في ذلك بما يقول فوقع الاتفاق من أولئك الرفاق أن يتفق أعيان كل جنس من الحيوان على رئيس من جنسهم يقيمونه مقام نفسهم يرضون بأقواله ويقتفون آثار أفعاله وليكن من أهل الحصافة والكفاية واللطافة والدراية والشفقة العامة والمعرفة التامة بعقد معهم للمؤامرة مجلس رأي ومشاورة فمهما وقع عليه الاتفاق واجمع عليه الرفاق واستثصوبه الأسد وارتضاه اتبعوه وعملوا بمقتضاه فتقدمت طائفة الآساد إلى تاج منها نهاد سبع يسود على طوائف الأسود طالما افترس الأقران وانغمس في دماء الشجعان وأضاف جوارح الصيد فضلات ما افترسه من عمرو وزيد كاسر جاسر باسل باسر حاسر قاسر ظاهره أبي وباطنه بالمكر غني:
أسد يسود على الأسود زئيره ... رعد وعيناه بروق وتخطف
فقدموه واختاروه واستشاروا رأي رأيه وامتاروه واختارت النمور نمرايمور سريع الوثبة بديع الضربة لطيف الحركات خفيف النهضات قوى الشماس خفي الاختلاس كثيراً ما كسر أسامهوسامي اسود خفان فاسر ضرغامه كما قيل:
نمر تخاف الأسد من وثباته ... وتحار في حركاته وثباته
وقدمت الثعالب ثعلباً لطيف الروغان ظريف الزوغان خفي الحيل قوي الميل طالما فر من طبل وأهل على الصيادين من أهوال وأحرق السلوقيات سلاحه ونفذ في غالب الأسود بالمكر سلاحه:
يضل بني سلوق من دهاء ... فيخلص من مخالبها سليما

واعتمدت الذئاب في هذا الباب على ذئب فعله عجيب وأمره غريب سديد الختل والختر شديد المكر والكسر طالما أفسد ثله ودخل في قطيع ماشية فقطعه كله يعجز الأسود والنمور والفهود شيمته الغدر والخديعة ودأبه المكر وسوء الطبيعة شعر:
وقد جمع الضدين نوما ويقظة ... يخاف الرزايا فهو ويقظان نائم
فاختلى بهم أبو الأشبال وشاورهم فيما دهمه من الأهوال ونوجه بالخطاب إلى الأسد وقال ما رأيك في هذا النكد فقال لا تطلب النصر في هذا الحصر إلا من مالك العصر ومصرف أحوال الدهر بين الفرج والقسر وهو الله سبحانه وتعالى وعز شأنه وجل جلاله فأنا مظلومون وهم ظالمون ونحن ما اعتدينا عليهم ولا تقدمنا بالظلم إليهم فسيرد الله كيدهم في نحرهم وسحيق بهم عاقبة مكرهم وهذا أمر مقرر وأظنه هو المقدر وأما ما يتعلق بنا وبهم من الفرار والصلح أو حربهم فاذكره على التفصيل وأخبر في ذلك الرأي الجميل أما الفرار فلا سبيل إليه ولا معول أبداً عليه وأني ذلك وهو عيب ما وصمت به الأسود ولا لهم به وصف معهود وبنا يضرب المثل في الشجاعة والبسالة وتتشبه بنا الأبطال في الأقدام لا محالة وكيف نترك بلادنا وأهلنا وأولادنا من أول وهلة ونعزم على الرحلة ولا صادمناهم ولا واقفناهم ولو فعلنا ذلك فهربنا وتركنا مالنا وذهبنا لفسدت أمورنا وخربت ممالكنا دورباً ولا نفرط نظامنا وتعوج قوامنا واستمرت هذه الملامة إلى يوم القيامة ولدام علينا هذا العار ولا يقر لنا بعد ذلك قرار وأعلم أيها الملك نو والله وجه السرير بك أن العمر السنى ما مر في العيش الهني وقد قيل:
ما العمر ما طال به الدهور ... العمر ما طاب به السرور
والعمر الذي يمر في نكد لا يحتسبه من ذوي الكفاية أحد وحسبك ما ذكره المترجم من حكاية الملك المعزول مع النجم فسأله أبو الأشيال سرد هذا المثال (فقال) الأسد ذكر القائل أن أهل بابل كانت عادتهم في دينهم وسلوك طريقهم مع سلاطينهم أنهم إذا اعتنوا بشخص ملكوه واتبعوا طريق أمره وسلكوه وبذلوا في طاعته ما ملكوه فإذا أرادوا عزله تركوه ونشزوا عنه وفركوه وأهملوا إحسانه وفذلكوه وسكنوا غيره في سرير الملك وحركوه فاتفق أنهم ولوا واحداً وأعزوه ونصروه ثم خذلوه وأقبلوا عليه أولاً ثم قتلوه وكانت مدة ما بين ذلك يسيره وعمر أيامه في ولايته قصيرة فحصل له أولاً السرور ثم تراكمت عليه بالعزل الشرور فاحتوشته الفكر وبات يصارع القضاء والقدر ثم قال لو راقبت في أول الجلوس ما في الطالع من سعود ونحوس ثم اخترت لساعة ارتقائي وقتاً يطول فيه بقائي وذلك يكون نجمي في برج ثبت لما انقلبت كواكب سعدي عن الاستقامة ولا نبت ولكن حيث فات ذلك في الابتداء فاندراكه في الانتهاء فلعل ذلك يفيد ويردني إلى سرير السرور يعيد ثم طلب منجماً حاذقاً ماهراً فائقاً وقال انظر في طالع جدي وتأمل برج نحسي وسعدي واختر لي ساعة يصلح فيها النزول عن السرير ويكون العود إلى السرير بواسطة الناظر إليها غير عسير فان الناظر إلى الطالع هو الجالب والمانع فامتثل المنجم ما رسم وشرع في وضع الأشكال والقسم ثم قال أحسن ما نظر في الطالع المسعود من حين الميلاد فانه أول الوجود فإذا أخذ الطالع سن ساعة الميلاد ترتب عليه ما يصدر على ذلك المولود من السعد والإسعاد ومن الخوف والرجاء في عالم الكون والفساد فهل اطلع الملك في أي ساعة وجد وكم أتى عليه من حين ولد قال نعم أعرف مدة عمري جزماً وهي اثنان وعشرون يوماً فتعجب المنجم من مقاله ولم يقف على حقيقة حاله فقال ليوضحالملك ما أشار لأقف على حقيقة هذه الأسرار فقال مدة استيلائي على السرير هو هذا القدر اليسير وأنا لا أحسب العمر ولا أعتد بوصال بيض ولا سمر إلا هذه الأيام والليالي ولا أحتسب سواها عمرا ولو بيع باللآلئ وقد قلت:
وعمر مضى بالهجر لست أعده ... ولكنني أقضيه في زمن العمل

وإنما عرضت يا بطل على رأيك السعيد هذا المثل لتعلم أن أيام المحنة لا تعد عمرا ولو قضى الإنسان فيها زمانا طويلا ودهرا وأما الصلح يا ذا الركون فعلى أي وجه يكون ومن أين يقع بيننا وبينهم اتفاق وسكون وليسوا من جلدتنا ولا على ملتنا وفي عصر وأوان ذل الأسد واستكان وخضع للفيل ودان أو أعطى الغضنفر النباج والضرغام الصعب الناج لغيره الجزية والخراج وهو في الحقيقة سلطان الوحوش ووهاب التاج فلم يبق إلا الاستعداد للمصادمة والتأهب للمقاحمة والمقاومة ولنا من ذلك في البين إحدى الحسنين أما الظفر بهم وهو المرام وأما الشهادة فنموت ونحن كرام وقد قال السيد السديد من قتل دون ماله فهو شهيد وقيل يا حاتم طي: حسن الثناء على الميت خير من سوء الثناء على الحي والموت في مقام العزة مع النشاط والهزة أرفع من الحياة بذلة ووخزة وكسرة ونخزة وقد كنت أنشدت وقديما أرشدت:
هو الموت إن لم تلقه ضاحكا فمت ... عبوسا بوجه أفتر اللون أغبرا
ومن لم يمت في ملتقى الخيل مقبلا ... عزيزا يمت تحت السنابك مدبرا
فأقبل الريبال على أبي مرسال وقال أيها النمر وصاحب الخلق الزمر ماذا نشير في هذا المهم والمشكل الذي دهم فقال إن الأفيال أكبر جسوما وأعظم حلوما وأقوى في الضرب وأعدى في الحرب وقد استعدوا وأقبلوا واتقنوا أمورهم وأعملوا وأنا أخشى أن يكونوا أقوى بطشا وأن نعجز عن المقاومة في المصادمة فإن فينا العاجز والضعيف والذميم الجثة والخفيف ومن لا عرف الأفيال ولا رأى تلك الأشكال فينفر من مصادمة الجبال فيطؤننا تحت أخفافهم وتنكسر شوكتنا في أول مصافهم فلم يبق إلا الفرار ولا يقر لنا بعد ذلك قرار فيستولون عنوة وقسرا على هذه الديار وينفرط النظام ونرضى عند ذلك بالسلامة والسلام ونقع في البلاء العريض الطويل وانظر يا مولاي إلى ما قيل:
هل للمرائر من صون إذا وصلت ... أيدي الرعاء إلى الخلخال والخدم

فعندي الرأي ذو الأصالة أن ينتخب الملك من يصلح للرسالة ويحسن السفارة ويحسن العبارة فيسكن من فوره شغبهم وثورة لهبهم وسورة غضبهم ويعدهم ويمنيهم ويحسن التقريب ويقصيهم وفي ضمن هذه الأوقات وأثناء هذه الحالات يراقب أوضاعهم ويخبر جمعهم وأجماعهم ويتوصل إلى أسرارهم ويواصلنا بأخبارهم ويطالعنا بمخامر أفكارهم ويكتب ما قدموا وآثارهم ونستمر على المراسلة والمقاومة والمطاولة فإن تيسر رجوعهم وانكشف بالهوينا جموعهم وإلا فنكون قد استعددنا عن الاستبصار فنتعاطى أمور قتالهم بعد التأمل والاختبار وإن أمكننا أن نأتيهم بالليل ونحل بهم الدواهي والويل بعد أن يركنوا إلى جانبنا ويأمنوا من نوائب مصائبنا فربما نصل إلى بعض القصد أو يوافق بعض حركاتنا السعد فالتفت الدوكس إلى العلمس وقال أي سيد وذا الأمر الرشيد ماذا ترى فيما طرأ وكيف طريق القوم فيما جرى قال السمسام يا مولانا الضرغام الذي سمعته من أولي التجارب وتلقفته من الأصحاب والأجانب أنه من التوفيق إذا ابتلى الشخص بعداوة من لا يطيق أن يدافعه بالهدايا والتحف ويحابيه بشيء من الظرائف والنتف فإنه قيل في الأمثال إن خير الأموال ما ادخر لدفع البؤس ووقيت بنفائسه النفوس فأهب النهاب بأبي وثاب يا أبا الحصين ما رأيك في البين وأي آراء الأصحاب أقرب إلى الصواب فتقدم الثعلبان وتكلم فأبان وقال أسعد الله الأحد مولانا الأسد وجعل رأيه الأسد وفعله على أعدائه الأشد اعلم أيها الدلهاث أن أمورنا لا تخلو عن إحدى ثلاث أما المقابلة بالمقابحة وأما المهادنة والمصالحة وقد تقرر فيما تقدم وتحرر بيان كل منهما وما يصدر فيهما وعنهما وأما الفرار وتولية الأدبار وترك الأوطان والديار فأف لذلك من عار وسبة وشنار فما بقي إلا الحالة الثالثة وهي بعساكرهمعابثة ولقلوبهم كارثة وهي طريقة الاحتيال والتوصل إلى لقائهم بطرائق المكر في جب الوبال فإن صائب الأفكار يعمل ما لا يعمله الصارم البتار فبشباك الحيلة تصاد كل فضيلة وتهون كل جليلة وأنا أفصل ما أجملت وأبين ما فصلت أما المقابلة والأخذ في أسباب المقاتلة فلا طاقة لنا به ولا باب لدخول قبابه لأنا عاجزون عن المصادمة قاصرون عن المقاومة محتاجون إلى الطعام والشراب وبعض عساكرنا لا يعيش إلا باللحم والكباب وجيشهم الذي قد ملا وسد الوهد والفلا يقنعون بالحشيش والكلا فلا يتكلفون لحمل زاد ولا يحتاجون إلى عدة وعتاد وأيضا أحوال عساكرنا المفرقة المضمومة لاختلاف أجناسها وأنواعها غير معلومة فلا اعتماد عليهم ولا يتحقق الركون إليهم فإنهم أجناس مختلفة وطوائف غير مؤتلفة وبينهم معاداة وفي جبلتهم النفرة والمنافاة وبعضهم غذاء بعض وفي قلبه منه العداوة وبغض لو ظفر به كسره وأكله وإن استبصر به خذله فهم كالقفل المجمع ولون اتفاقهم ملمع وأما عساكر الأفيال فبينهم اتفاق على كل حال لأنهم جنس واحد وما بينهم مخالف ولا مناكد ولهم اعتماد على قوتهم وعلى اتفاقهم وشوكتهم والمعتمد على مثل عساكرنا إن لم يضبط بطريقة كلية أمر عشائرنا ينفرط أمره ويخمد في إيقاده نار الحرب جمره ويعلوه من بحر النوائب غمره ويظفر به أعدائه زيده وعمره ويصيبه من الحطة ما أصاب الصياد من القطة فسأل أبو الحارث عن بيان هذا الحادث قال الثعلب ذكر أن رجلا ذا كيد كان مغرما بالصيد وكان عنده قط صياد يجترئ على النمس والفياد فكان يوما بين يديه فمر عصفور عليه فطفر كالنمور وحصل من الهواء العصفور فأعجب به صاحبه ثم قصد الصيد وهو مصاحبه وحمله تحت إبطه وبالغ في حفظه وضبطه وركب جواده وتوجه يروم اصطياده فرقى سفح جبل فخرج من وراء صخرة طائفة من الحجل فتوجه إليه وألقى القط عليه فطار الطير وخاف القط وقصد رجوعه إلى تحت الإبط فطفر إلى جبهة الجواد وأنشب فيها مخاليبه الحداد فجفلت الفرس من القطة وخبطت بفارسها الأرض شر خبطة أزهقت فيها نفسه وأبطلت حسه (وإنما أوردت) هذا المثل ليحترز أيها البطل في هذا الأمر من وقوع الخلل ويتفكر في أمر هؤلاء الجماعة وكيف ثباتهم في دعواهم السمع والطاعة فإنهم لا يصلحون للقتال خصوصا مصادمة عساكر الأفيال فالملك لا يعتمد على مثل هذا العسكر اللهم أن يتقرر أمرهم على صدق اللقاء ويتحرر وأما ذكره مولانا أبو سهيل في تبييت عساكر الأفيال بالليل فهو رأي معتبر ولكن فيه نظر لأن ذلك إنما يكون إذا كان العدو

في سكون وعن توقع النكبات في ركون فبينما هم في غفلة ذاهلون جاءهم باسنا بياتا وهم قائلون وأما إذا كانوا مستعدين يقظين مجدين وقد توجهوا للقتال وانتصبوا للمناضلة على هذه الحال فلا شك أنهم اتقنوا أمرهم وأخذوا أسلحتهم وحذرهم فأعدوا لكل نائبة نابا ولكل نائفة بابا ولكل حرب حرابا ولكل ضرب ضرابا ولكل شدة سدة ولكل عُدة عِدة ولكل جزة جمزة ولكل وفزة فزة ولكل نفرة طفرة ولكل فرة كرة ولكل أزمة حزمة ولكل كسرة جزمة فربما يكونون افتكروا منا هذه المكيدة وأعدوا في مقابلتها داهية نصبوا لها مصيدة فنتوجه إليها غافلين فنشب في شراكها ذاهلين فيصيبنا من النكل ما أصاب الجمل من الجمال فقال الريبال هات يا أبا الترهات أخبرنا يا أبا نوفل أخبار الجمل المغفل (قال) كان جمال فقير ذو عيال له جمل يتعيش عليه ويتقوت هو وعياله بما يصل منه إليه فرأى صلاحه في نقل ملح من الملاحة فحد في تثقيل الأجمال وملازمته بإثقال الأثقال إلى أن آل حال الجمل إلى الهزال وزال نشاطه وحال والجمال لا يرق له بحال ويجد في كده بالاشتغال ففي بعض الأيام أرسله مع السوام فتوجه إلى المرعى وهو ساقط القوة عن المسعى وكان له أرنب صديق فتوجه إليه في ذلك المضيق ودعاه وسلم عليه وبث عظيم اشتياقه إليه فلما رأى الخزر هزاله وسأله أحواله فاخبره بحاله وما يقاسيه من عذابه ونكاله وأن الملح قد قرحه وجب سنامه وجرحه وأنه قد أعيته الحيلة وأضل إلى الخلاص سبيله فتألم الأرنب وتأمل وتفكر في كيفية عصر هذا الدمل ثم قال يا أبا أيوب لقد فزت بالمطلوب وقدظهر وجه الخلاص من شرك هذا الاقتناص والنجاة من الأرتهاص والأرتصاص تحت حمل كالرصاص فهل يعترضك يا ذا الرياضة في طريق الملاحة مخاضة فقال كثير وكم من نهر وغدير فقال إذا مررت في خوض ولو أنه روض أو حوض فابرك فيه وتمزق وتنصل من جملك وتفرغ واستمر يا أبا أيوب فان الملح في الماء يذوب وكرر هذه الحركة فانك ترى فيها البركة فأما أنهم يغيرون حملك أو يخففوه أو تستريح بذوبه من الذي أضعفوه فتحمل الجمل للأرنب المنة وشنف بدر هذه الفائدة أذنه فلما حمله صاحبه الحمل المعهود ودخل به في طريقه المورود ووصل إلى المخاضه برك فضربوه فما قام ولا احترك وتحمل ضربه وعسفه حتى أذاب من الحمل نصفه ثم نهض انتهاضه وخرج من المخاضه ولازم هذه العادة إلى أن أفقر صاحبه وأباده فأدرك الجمال هذه الحيلة فافتكر له في داهية وبيله وعمد إلى عهن منفوش وغير في مقامرته شكل النقوش وأوسق للجمل منه جملاً بالغ فيه تعبية وثقلاً وسلط عليه الظمأ ثم دخل به إلى الماء فلما توسط الماء برك وتغافل عنه صاحبه وترك فتشرب الصوف من الماء ما يملؤه البرك ثم أراد النهوض فنأى به الربوض فقاسى من المشاق مالا يطاق ورجع هذا الفكر الوبيل على الجمل المسكين بإضعاف التثقيل فساء مصيره وكان في تدبيره تدميرء وما استفاد إلا زيادة النصب وأمثال ما كان يجده من التعب والوصب (وإنما أوردت) هذا المثل عن الجمل ليعلم الملك والحضار إن العدو الغدار والحسود المكار يتفكر في أنواع الدواهي ويفرع أنواع البلايا والرزايا كما هي الحال ويبذل في ذلك جده وجهده ولا يقصر فيما تصل إليه من ذلك يده فتارة تدرك مكايده وتعرف مصايده وتارة يغفل عن دواهيها فلا يشعر الخصم إلا وقد تورط فيها وعلى كل حال لا بد للشخص له وعليه من الأحتيال وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا فمن أعظم المصائب وأكبر الرزايا فان ذلك يدل على عجزنا والخور وينادي على هواننا في البدو والحضر ويجرئ علينا الغريب ويذهب حرمتنا عند القريب ودونك يا أبا العباس ما أنشدتك في المقياس:

وما أنا ممافر من نار خصيمه ... لظل حسود أو إلى فيء شامت

ولكن الرأي الأنور أيها الورد الغضنفر أن ترسل إليهم رسولاً عاقلاً فصيحاً جميلاً بصيراً بعواقب الأمور قد مارس تقلبات الدهور وقد ربى وتربى وعن الرذائل تأبى وبأنواع الفضائل تعبى وأحرم إلى كعبة محاسن الشيم ولبى ولولا أن باب النبوة استدلتني برسالة فحاله تسفر عن بسالة جزله تتضمن سؤالهم عما أوجب ارتحالهم وسبب قصدهم لبقعتنا وتوجههم لدخول رقعتنا وما موجب هذا الاعتداء ولم يصدر منا لهم إلا المحبة والولا وحسن الجوار والإحسان إلى الكبار والصغار ومعاملة الغريب والقريب بالفضل المجيب والكرم الذي لا يخيب ويذكر لهم بسالتنا وشجاعتنا وفي معاملات المضاربة بضاعتنا ويكشف لهم في ملابسه الحرب والضرب صناعتنا ويحقق عندهم ما عندنا من أسود الحرب وفوارس الطعن والضرب وأجناس الوحوش الكواسر والسباع الجواسر وأصناف الفراعل والعسابر ويتكلم بكلام يراه مقتضى المقام ومناسباً للحال ويوسع في ذلك المجال ويميز أوضاعهم وعساكرهم ويسبر بمشبار العقل أمورهم ويسمع الجواب وما فيه من خطأ وصواب ويورده إلينا ويعرضه علينا فنعمل بمقتضاه وينظر الرأي السديد فيه ما ارتضاه ونبني على ذلك الأساس ونفصل على ذلك القياس فاستصوبوا هذا الرأي من الآراء وطلبوا له كفؤاً من الأكفاء فوجدوا ذئباً هو من خواص الحضرة ومن ذوي النباهة والشهرة له في ميدان الفضائل كروفر وفي مظان النفع والضر خير وشر قد جرب في المصايد ودرب في المكايد وهذب في المصادر والموارد ورتب في المطارف والمطارد أدنى فضائله حسن السفارة وإحدى فواضله ترتيب العبارة حلال المشكلات كشاف المعضلات فوقع عليه اختيارهم ورضى به كبارهم وضغارهم فحمله الأسد كلامه وجعل البسملة مبدأه والحسبلة ختامه ومن مضمونها بعد إبلاغ التحية والأثنية السنية إلى الحضرة العلية ملك الأفيال أبي مزاحم المفضال ألهمه الله هداه وصرف عنه رداه وبصره مواقع الخير وهداه ولا شمت به أعداه وحفظه بالعشي والغداهوجعل عقباه خيراً من مبتداه نحيط علومه الكريمة وآراءه العلية الجسمية أن قوتنا من قديم الزمان ظاهره وهيبتنا باهرة وصولتنا قاهره لم نزل نفترس الفوارس ونكرم أصناف الأضياف من الوحش والطير بالفرائس ويضرب بنا في الشجاعة والكرم الأمثال ويفر من بين أيدينا أسود الأبطال ولا عار على من فر من بيد يدي الريبال وقد اتصل بنا أن ملك الأفيال توجه إلينا بجنوده وهيأ في ذلك أجناس عساكره وبنود وما علمنا لذلك موجباً ولا تقدمنا بعداوة تنشئ حرباً وحرباً بل ولا تعرضنا لأحد في الذكر الجميل عنا فأنعموا برد الجواب وميزوا من الصواب قبل أن يكشر الشر نابه ويفتح جرابه ويحرش للهرير كلابه ويسلخ ليله اهابه ويكسر رائد الفتنة بابه فتتفاقم الأمور وتتعاظم الشرور وتتلاطم بحارها وتمور عند التهاب شواظ الغيظ من الأسود والنمور مع أن اعتمادنا على الله العظيم وتوكلنا على العزيز الرحيم فلما بلغ الذئب الرسالة وأدى ما فيها من شجاعة وبسالة وبين لملك الأفيال ما تضمنته من عظمة وجلال استشاط ملك الأفيال وتغيرت لاضطرابه الأحوال ونظر من تلك الفيول إلى فيل ظلوم جهول وبدر إليه من غير تدبر ولا تأمل في الأمور وتفكر وقال اذهب إلى هذا العتمد على كلامه الراقد في غفلة منامه وفل له متى مارست معركة الشجعان أو صارعت رجال الميدان وأنى لك طاقة بمصادمة الجبال ومن أين تعرف مقامة الأفيال فاستيقظ لنفسك فعن قريب تحل برمسبك واستعد لجنود لا قبل لك بها فستشاهد ما لم تسمعه من ضربها في حربها فلقد أتاك عسكر القضاء وبنوده وليحظمنكم سليمان الأفيال وجنوده فلير يقن ولسيتأسرن الحرائر كالإماء وليدوسن الأطفال ولترين منه الإنكاد والأنكال وليظهرن آثار الدمار والبوار بمالك من ممالك ومساكن وديار وليفعلن بولاياتك ما فعله بممالك الإسلام التتار وأنت بين أمرين وبخير النظرين إما أن تطيع لأمرنا وتنقاه وتسلم إلينا ما بيدك من بلاد وأما أن تختار طرق الفراق والفرار وتنجو منا منجا الذباب وتتنحى عن طريقنا بما معك من كلاب وذئاب وقد بالغنا في النصيحة بعبارات الصحيحة وأقوالنا الفصيحة قبل إفشاء الفضيحة فوصل الفيل الرسول وأدى هذا القول فتشوش الأسد وداخله الغيظ والنكد فأراد الإيقاع بالرسول الظلوم الجهول ثم تمالك وعن ذلك تمامك وقال لولا أن عادة الملوك ودرب السياسة المسلوك أن لا تهاج الرسل ولا

تضيق عليهم السبل لقابلتك على كلامك الفج بما يجب من العج والثلج ثم التفت إلى الثعلب وقال يا أبا الحصين ما عندك في جواب هذين النحسين قال الثعلب أنت الأغلب هذا القيل أقوى دليل وأوضح سبيل على عدم عقل الفيل وإن فكره وبيل وبصيرته قد عميت وطرق هدايته قد خفيت وأنه غوى وأضل قومه وما هدى وكل من اعتمد على قواه وحوله واستحل غرور فعله وقلوه فقد وزال وزل وفي عقد البلاء حال وحل وهذا الجاهل السخيف الكثيف الثقيل الجثة الخفيف قد استحقرنا في عينه فيرى منا حلول حينه كل من استحقروا ستخف بعدوه فسيعدم حلاوة هدوه وسيحرم مواصلة مرجوة وقد قالت الحكماء الأخيار العقلاء ذوو الاعتبار وأولو التجارب والاستبصار لا تستحتقر السقم والنوم والدين والعدو والنار فالملك أعز الله نصره وأعلى مناره وقدره وسلط على الأعداء قهره لا يلتفت إلى هذا الكلام ولا يتزعزع لهذه الأوهام ولا يخف من جهامة الأفيال فكل ما هم فيه باطل ومحال بل يعتمد على الله العزيز الجبار ويصفي نيته بالعدل والخير مع الكبار والصغار ويقوي جنانه على الملاقاة وقد وافاه النصر وأتاه ولاغاه السعد ولاقاه فان هؤلاء اعتدوا على ولايته وأتوها فسينزل الله تعالى عليهم جنوداً لم يروها فكم من مستضعف حقير صدر منه بالحيلة أمر خطير وبحسن التدبير ومساعدة التقدير تم له أمر كبير وناهيك قصة الفارة مع رئيس الحارة وما فعلته إذ ختلته إلى أن قتلته فسال حيدره عن تلك المأثرة (فقال) بلغني النفيس أنه كان رئيس ضيق العطن خسيس له زوجة ذات صيانة ودين وأمانة لم تزل تتجنب الخيانة وتتعاطى العفة والرزانة وله دجاجة تبيضعلى الدوام فيسرق بيضتها أبو راشد وهم نيام فإذا افتقد الرئيس بيضته طالب زوجته فتحلف إنها ما رأتها ولا تعرف يداً أخذتها فيؤلمها سباً ويوجعها ضرباً ولا يصدق قولها ولا يرحم عولها ففي بعض الأحيان رأت المرأة الجرذان وهو يجر البيضة إلى حجره وقد بلغ بها باب وكره فدعت بعلها لتريه الفار وفعلها فعلم براءة ساحتها وعمل على راحتها واعتذر إليها وطلب الفارة وحنق عليها وأعمل المكيدة ونصب للفارة دون البيضة مصيدة فلما رأت الفارة علمت أن وراءه الدرك فشعرت بما وضع عليه فلم تقدم إليه إلى أن زار الجرذان أحد أقاربه من الفيران فلم يجد شيأ يضيفه فاعتذر إلى الضيف بما هو مخيفة وأراه البيضة سعاد وأن دونها خرط القتاد وكان الضيف الغر لا يعرف هراً بر فحمله السفه والحرص والشره على أن قال أنا أخوض هذه الأهوال وأرد من الموت حوضه وأصل إلى هذه البيضة ثم قصد المصيدة فقبضت وريده وفجعت وليده ووديده فتنكدت الفارة وتكدرت والتظت أحشاؤها وتسعرت وتألمت لموت ضيفها وبلغ جيرانها حديث ضيفها فخجلت منهم واختفت عنهم وشاعت قضيتها وذاعت بليتها فلم تجد لبرد النار سوى أخذ الثار فأخذت تفتكر في وجه الخلاص فرأت أنها لا تخلص من عتب الجيران إلا بالقصاص فشرعت في تعاطي أخذ الثار من صاحب الدار وكان لها صاحبة قديمة عقرب خبيثة لئيمة معدن السموم في زبان إبرتها وطعم المنايا مودع في شوكتها فتوجهت إليها وترامت عليها وقالت إنما تدخر الأصحاب للشدائد ولدفع الضرر والمكائد وإنزال الداء بساحة الأعداء ولأخذ الثار والانتقام من المعتدين اللئام وقصت عليها القصة وطلبت إزاحة هذه الغصة وأن تأخذ لها بضرباتها القصاص ليحصل لها بين جيرانها من العتب الخلاص فأجابتها إلى ما سألت وأقبلت إلى وكر الفارة بما اقتبلت وأخذا في أعمال الحيلة قادت أفكارهما الوبيلة إلى أن تخدعا صاحب البيت بالذهاب وتلقياه بذلك في اللهب تم أمهلا إلى أن دخل الليل وشرعا في إيصال الويل فأخرجت الفارة ديناراً وألقته في صحن الدار ووضعت آخر عند حجر الفار وأظهرت نصف دينار من ذلك الذهب وسترت النصف الآخر عند العقرب واستترت العقرب بجناح السكون تحت ذيل الكمون وقد عبت في زبانها ريب المنون فلما أصبح الصباح ونودي بالفلاح وجد صاحب الدار في وسطها الدينار فتفاءل بسعد نهاره ولم يعلم أنه علامة دماره ففتح عينيه ونظر حواليه فرأى عند حجر الفار أخا الدينار ففرح وطار ونشط واستطار وزاد في الطلب على بقية الذهب فرأى نصف دينار داخل حجر الفار فمد يده إليه وأعمى القضاء عينيه عما قدره الله عليه فضربته العقرب ضربه قضى منها نحبه فبرد مكانه ولاقى هوانه وأخذت الفارة ثأرها وقضت من عدوها

أوطارها (وإنما أوردت) هذه القصة الأحبار ليعلم الملك أن حيلة صائب الأفكار تفعل ما لا يفعله العسكر الحرار بالسيف البتار والرمح الخطار وبقليل الحيلة تتم الأمور الجليلة فلا يهتم الملك بجثث الأفيال ويشرع فيما هو بصدده من دقيق الاحتيال وأنا أرجو من الله تعالى الظفر بعدونا وحصولنا على غاية ما مولنا ونهاية مرجونا فأول ما نعاملهم بالوهم وإظهار الصوله والتخويف والإرهاب بقوة الدولة فان الوهم قتال والعاقل المدبر يحتال وطائفة الفيول عديمة العقول وبالوهم يبلغ الشخص مراده كما بلغ الحمار من الأسد ما أراده فسأل ملك الآساد بيان حكاية أبي زياد (فقال) أبو الحصين أخبرني أبو الحسين ذو المفاخر ناصر انه كان في بعض الإعصار والمعاصر حمار في مدار يستعملونه بالليل والنهار إلى أن حصل له الكبر ورمى بالعبر وابتلى باطناً بالجوع وظاهراً بالدبر وعجز عن العمل وانقطع منه الأمل فتركه أصحابه واعتقوه وفي بعض المراعي أطلقوه فصار يمرح وفي تلك المروج يسرح إلى أن خرج إلى الصحرا وانفرد في رياض الفلا فوصل إلى بعض الآجام وحصل له النشاط التام إلى أن صح بدنه وسمن وبرأ دبره وأمن وأخذه البطر واستولى عليه الأشر واستخفه الطيش وطيب العيش وصار في تلك المراعي يتردد ذهاباً وإيابا كالساعي فيسدي ويلحم في شقتها ويفصل مهما اختار من مزهرخرقتها وينهق على عادة الحمير فيملأ تلك الأماكن من الشهيق والزفير وكان في تلك الآجام أسد متخبس يسمى الشبل بن المتأنس كان أبوه ملك تلك الأماكن قد نشأ بها وهو فيها ساكن شاب غرير لم يكن يعرف الحمير ولا طرق سمعه شهيق ولا زفير بل ولا خرج من تلك الآجام ولا عرف تصرفات الأيام وكان أبوه قتل في الاصطياد وتفرقت عنه العساكر والأجناد فنشأ وحيداً يتيماً واسمر فيها مقيماً فلما سمع صوت الحمار أخذته الرعدة والاقشعرار واستولى عليه الهلع فقعد عن الاصطياد وانقطع وصار كلما نهق هرب واختفى من الفرق وغلب عليه الدهش إلى أن كاد يموت من الجوع والعطش وصار الحمار يتردد إلى عين كان الأسد يسكن منها سورة الظمأ فما اجتر أبعد ذلك على الورود وأضر به الخوف والانقطاع والقعود فلما كاد العطش أن يقتله توجه إلى العين محفوفاً بالحيرة والوله فوجد الحمار واقفاً عندها وأدرك الحمار خوفه منه بالدها فتقدم إليه وصوب نحوه أذنيه وحملق عينيه فبدر من الأسد صرخة ابتعها من بوله شخه وقال للحمار ايش أنت ولأي شيء ههنا سكنت وجعل يرجف وفي قيد الخوف يرسف فعلم الحمار أن الأسد خار فقال بجنان جرى وبيان قوى أنا في هذا المكان أفرق رزق الحيوان وقد أقمت أحوش أرزاق الوحوش ثم أقسمها بينهم وأملأ جوفهم وعينهم فقال الأسد أني جيعان ولي مدة عطشان فاعطني من الأكل رزقي وافرز لي من الماء حقي فقال بوجه مقطب ادن إلى الماء واشرب فدنا وشرب وهو خائف مضطرب ثم قال أنا جائع فأطعمني وعجل ولا تحرمني فلي مدة من الجوع لا قرار لي ولا هجوع فقال الحمار تعالى معي إلى موضعي لتعرف مكاني وتقرر جرايتك في ديواني فذهبا في طريق حتى وصلا إلى نهر ماء عميق فأراد العبور فقال الأسد الهصور هذا الماء عميق وكم فيه من غريق فاحملني في الذهاب وأنا أحملك في الإياب فأجابه الحمار وحمله وخاض به ونقله فانشب الأسد الأظافر في كاهل الحمار وثقل عليه فلم يتأثر ولم يلتفت إليه فزاد وهمه من الحمار وقال هذا رأس الدعار ثم سارا ساعة أخرى فرأيا في طريقهما نهراً فطلب الحمار الوثوب وقال هذه نوبتي في الركوب ثم طفر على الأسد وثقل عليه الجسد وتمكن عليه وأرخى يديه ورجليه فتضرر من ثقله وابتلى بشر عمله ثم تورك عليه وانشب في كاهله مسامير نعليه فماج ومار وقد أثرت فيه حوافر الحمار فقال له أثبت وآلك فما حولك تحت وأحالك فقال يا أخي حرت في أمري لقد أوجعتني وقصمت ظهري وكان يكفيني جوعي وقلتي وخضوعي وما أدري هذا الضرر البلا من أين أقبلا فقل لي ما الذي انشبته في كاهلي ونزلت به من حافرك في ساحلي فقال هذه مسامك لطلاب الجرايات والجوامك وهي أربعون مسماك لا بد أن تثبت كلها في قفاك حتى يترصع لك اسم في الديوان وإلا فالرزق لا يحصل بالهو ينابل بالهوان يا أخاه اتركني لوجه الله وارفق بي رفق وما أريد منك رزقاً ودعني بالأمانة ووفر الجراية على الخزانة ولا رأيتك ولا أريتني ولا عرفتك ولا عرفتني فأني أتقوت من حشيش الأرض

وخشاشها واستعد لمعاد نفسي بالرفق في معاشها فنزل عنه الحمار وتركه وسار فهرب منه بعد ما ودعه وولى يلتفت يميناً وشمالاً لئلا يتبعه وإنما صورت هذا النقش لتعلم يا ملك الوحش أن الوهم يصدر كالسهم وهو عند براهمة الهند وحكماء السند أحد طرق العلم رقاك الله إلى سلم السلم والوهم غالب على الأفيال بل سهم الوهم يقتل كثيراً من الرجال فنرجو من الله أن يبلغنا مقصودنا وننال من طالع الجد والحظ مسعودنا وإن يرجع أعداؤنا بالخيبة وفراغ العيبه وهذا المثل الذي ضربته والتقريب الذي قربته إنما هو مثل العاجز الضعيف مع القوى العسوف لا العسيف وأما نحن بقوة الله وحوله ومساعدة نصره وطوله فقوتنا قاهرة قائمة وصدمتنا بعون الله دعائمها داعمة لم يحصل منا خوف ولا خور ولا فزع ولا جزع ولا جور ففينا بحمد الله قوة لمصادمتهم وقدرة لمقاومتهم فامض لأمرك فكأني بك وقد رجعت فائزاً بنصرك مجبوراً بكسر عدوك محبوراً بيسرك ثم أنه اقتضى رأي أبي الضرغام إعادة الذئب إلى أبي مزاحم برسالة مضمونها بصرك الله بعيوب نفسك وأراك عاقبةغدك في صبح أمسك وجعلك ممن اتبع الهدى وامتنع عن موارد الردى أعلم أن علماء الهند وحكماء البراهمة والسند امتازوا عن حكماء الأقاليم ووضعوا رقعة الشطرنج للتعليم وأن واضع ذلك صور الرقعة بصورة الممالك وقسمها بالسوية جعل لكل قسم جنساً من الرعية ووضع له نوعاً من السير لا يتعداه وبين لكل منهم مكاناً لا يتخطاه وأنا أخاف أن تتعدى مكاناً هو مقامك وتقصد بيت الشاه ويفوت مرامك ويناديك فرزين العقل وأنت راحل في النقل يا ذا الهوس ماذا بيت الفرس فتقع وأنت تصرخ في لعبك بالنفس مع الرخ فلا يفيدك الندم وقد زلت بم القدم وخرجت في لعبة من رفعة الوجود إلى العدم وترى تلاقي الموافاة فات ويقول خصمك وقد رأى كلاحة وجهك شاه مات فلا تعتمد على جهامة جسدك وكف عن حقدك وحسدك ولا تقصد حرم كعبة غيرك بالفكر الوبيل فيصيبك مثل ما أصاب أصحاب الفيل حين أرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل وتصير بعد وقوع الملاحم وصدوع المقاحم أبا حرمان بعد أن كنت أبا مزاحم فلما قرأ الفيل هذه المطالعة غطت حمية الجاهلية منه الباصرة والسامعة فأراد يأمر بايطاء الرسول تحت أخفاف الفيول لكن راجع عقله وأحضر وهله ورد الذيب بجواب مخيب وسهم غير مصيب وقال استعدوا للقتال ومصادمة الأبطال ومقارعة الأفيال ثم أمر بالعساكر فتجهزت وبأمور الحرب فتنجزت وثار بغضب أحمى منت جمر الغضا وسار بالعساكر الجرارة فملأ الفضا فبلغ الملك المظفر أبا الحرث الغضنفر ما فعله الأكلب فاستشار الثعلب فقال أعلم أيها الملك وقاك الله شر المنهمك أن الأفيال لا يعرفون إلا المصادمة والأندفاع مرة واحدة في المخاصمة وليس لهم في الحرب حراب إلا الخرطوم والأنياب لا يعرفون الكر والفر ولا يفرقون بين النصب والجر ولكن بعض العساكر له في ذلك معارف ومناكر منها المواجهة والمشافهة والمصارعة والمقارعة والمدافعة والممانعة والمخاتلة والمخادعة والمناوشة والمهاوشه والمعانشة والمهارشه والمكافحة والملاطحه والمطارحة والمرامحه والمراوسه والممارسة والمعاكسة والوثوب والمساورة والروغان والمصادرة والاحتيال والكيد والاغتيال للصيد والربوض في الكمين والنهوض من ذات المشال وذات اليمين وكل أرباب هذه الملاعب وأصحاب هذه المخارق والمذاهب في عساكرنا موجودون ومن أبطالنا معدودون معدون فلا بد من ترتيب كل في مكانه وإيقافه بين إضرابه وأقرانه وتعبيتهم ثم تخبيتهم وكان بالقرب من ميدان النطاح وموضع جولان الكفاح وهو برية قفراء وأرض غبراء انهر مياه جاريه وعليها جسور وقناطر عالية فاقتضى رأي الأسد والفكر الأسد أن يطلقوا ثغور المياه على البرية ويتركوا فيها العساكر هم طرقاً ودر وبامخفيه ثم أنهم عبروا تلك المياه وصفوا العساكر للملاقاة فقدموا أمامهم الثعالب والكلاب وكل سريع المجيء خفيف الذهاب وصفوا وراءهم الذئاب والنمور والفهود والببور ووقف الأسد بين الأسود في قلب الجنود بعد أن عبى الأطلاب وعرف مقام كل من القرانيص والأجلاب ثم إن الثعالب ونظراءها دخلت من الأفيال وراءها وصارت تروغ بينها وتلاعب على عينها حينها وثتعلق بأذنابها وتتشبث بعراقيبها وكعابها فزاد حنقهم وثار قلقهم وتقدموا واصطدموا وحطموا واضطرموا وبنار الحرب اصطلموا

أقسام الكتاب
1 2 3 4