كتاب : الفروع
المؤلف : محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي

وَمُؤْنَتُهُ وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ وَكَفَنِهِ وَرَدِّهِ مِنْ إبَاقِهِ عَلَى مَالِكِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَحَكَى جَمَاعَةٌ رِوَايَةً كَإِذْنِهِ أَوْ إذْنِ حَاكِمٍ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَجَعَ إنْ أَشْهَدَ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَ أَوْ نَفَقَةِ مِثْلِهِ ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ ( م 19 )

( مَسْأَلَةٌ 19 ) قَوْلُهُ : فَإِنْ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَحَكَى جَمَاعَةٌ رِوَايَةً : كَإِذْنِهِ وَإِذْنِ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَجَعَ إنْ أَشْهَدَ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَ أَوْ نَفَقَةِ مِثْلِهِ ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ ، انْتَهَى ، يَعْنِي إذَا تَعَذَّرَ إذْنُ الرَّاهِنِ أَوْ إذْنِ الْحَاكِمِ وَلَمْ يَشْهَدْ ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إذَا نَوَى الرُّجُوعَ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( إحْدَاهُمَا ) يَرْجِعُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِمَا ، [ قَالَ ] فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالسَّبْعِينَ ، وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِإِطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ إذَا كَانَ عَبْدًا أَوْ حَيَوَانًا فَفِيهِ طَرِيقَانِ ، أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، يَعْنِي اللَّتَيْنِ فِيمَنْ أَدَّى حَقًّا وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ ، كَمَا قَدَّمَهُ ، قَالَ : كَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالرِّوَايَتَيْنِ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْأَكْثَرُونَ : الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ الرُّجُوعُ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) أَنَّهُ يَرْجِعُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، انْتَهَى .
وَالرِّوَايَةُ ( الثَّانِيَةُ ) لَا يَرْجِعُ .
( تَنْبِيهٌ ) قَوْلُهُ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ : فَإِنْ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَا شَيْءَ لَهُ يَعْنِي إذَا قَدَرَ عَلَى إذْنِ الرَّاهِنِ أَوْ الْحَاكِمِ ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَعَذَّرَ الْإِذْنُ وَلَمْ يُشْهِدْ ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ صَاحِبِ الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِئْذَانُ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَكَذَا حُكْمُ حَيَوَانٍ مُؤَجَّرٍ أَوْ مُودَعٍ ( م 20 - 21 )

( مَسْأَلَةٌ 20 - 21 ) قَوْلُهُ : وَكَذَا حُكْمُ حَيَوَانٍ مُؤَجَّرٍ أَوْ مُودَعٍ .
يَعْنِي لَا يُنْفِقُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِ إنْ قَدَرَ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَإِذْنُ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَلَمْ يُشْهِدْ فَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ ، وَهُوَ مُطْلَقٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) الْإِنْفَاقُ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمُؤَجَّرِ ، وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، فَكَذَا هَذِهِ .
وَقَدْ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ : إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ فَفِي الرُّجُوعِ الرِّوَايَتَانِ ، يَعْنِي بِهِمَا اللَّتَيْنِ فِيمَنْ أَدَّى حَقًّا وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ .
وَقَالَ : الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الرُّجُوعُ فِيمَنْ أَدَّى حَقًّا وَاجِبًا ، وَقَالَ هَنَّادٌ : مُقْتَضَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي أَنَّهُ يَرْجِعُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، قَالَ : ثُمَّ إنَّ الْأَكْثَرِينَ اعْتَبَرُوا هُنَا اسْتِئْذَانَ الْحَاكِمِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ فِي الرَّهْنِ ، وَاعْتَبَرُوهُ أَيْضًا فِي الْمُودَعِ وَاللُّقَطَةِ .
وَفِي الْمُغْنِي إشَارَةٌ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْكُلِّ فِي عَدَمِ الِاعْتِبَارِ ، وَأَنَّ الْإِنْفَاقَ بِدُونِ إذْنِهِ يُخَرَّجُ عَلَى الْحِلَافِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرُوا الْإِشْهَادَ عَلَى نِيَّةِ الرُّجُوعِ .
وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، انْتَهَى .
فَتَلَخَّصَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ الرُّجُوعُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) الْإِنْفَاقُ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمُودَعِ ، وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْلِ .
وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ أَيْضًا : وَإِذَا أَنْفَقَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ نَاوِيًا لِلرُّجُوعِ فَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُ مَالِكِهِ رَجَعَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ فَطَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَأَوْلَى ، لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَةً فِي نَفْسِهِ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَى قَضَاءِ الدُّيُونِ أَحْيَانَا ، وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُغْنِي .
( وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ) لَا يَرْجِعُ ،

قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُحَرَّرِ مُتَابَعَةً لِأَبِي الْخَطَّابِ ، انْتَهَى .
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ الْقَوَاعِدِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَأَنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ اعْتَبَرُوا اسْتِئْذَانَ الْحَاكِمِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُودَعِ وَالْمُؤَجَّرِ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الرُّجُوعُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَلَوْ عَمَّرَ فِي دَارٍ ارْتَهَنَهَا رَجَعَ بِآلَتِهِ وَقِيلَ : وَبِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالِيَّةَ الدَّارِ ، وَأَطْلَقَ فِي النَّوَادِرِ : يَرْجِعُ ، وَقَالَهُ شَيْخُنَا فِيمَنْ عَمَّرَ وَقْفًا بِالْمَعْرُوفِ لِيَأْخُذَ عِوَضَهُ أَخَذَهُ مِنْ مُغِلِّهِ .

وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ وَيَحْلُبَ حَيَوَانًا ، عَلَى الْأَصَحِّ ، بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ : مَعَ غَيْبَةِ رَبِّهِ ، وَلَا يُنْهِكُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ وَيَسْتَخْدِمُ الْعَبْدَ ، وَبِإِذْنِ الرَّاهِنِ يَجُوزُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ قَرْضٍ ، نَصَّ عَلَيْهِمَا .
وَفِي الْمُنْتَخَبِ : أَوْ جُهِلَتْ الْمَنْفَعَةُ ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَكْلَ الثَّمَرَةِ بِإِذْنِهِ ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ : لَا يَسْكُنُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .

وَإِذَا حَلَّ الْحَقُّ وَالْمُرْتَهِنُ أَوْ الْعَدْلُ وَكِيلٌ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي قِيمَتِهِ وَجْهَانِ ( م 22 ) بِإِذْنِ مُرْتَهِنٍ ، وَقِيلَ : وَرَاهِنٍ ، بِأَغْلَبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ تَسَاوَتْ فَقِيلَ : بِالْأَحَظِّ ، وَقِيلَ : بِجِنْسِ الدَّيْنِ ( م 23 ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ عَزَلَهُ الرَّاهِنُ ، وَصَحَّ عَزْلُهُ فِي الْمَنْصُوصِ ، لَمْ يَبِعْهُ ، وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِالْوَفَاءِ أَوْ الْبَيْعِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ أَوْ عُزِّرَ .
فَإِنْ أَصَرَّ بَاعَهُ عَلَيْهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ وَثَمَنُهُ بِيَدِ الْعَدْلِ أَمَانَةٌ ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِمَا فِي تَسْلِيمِهِ لِلْمُرْتَهِنِ ، فَيَرْجِعُ عَلَى رَاهِنِهِ ، وَهُوَ عَلَى الْعَدْلِ ، وَقِيلَ : يُصَدَّقُ عَلَى رَاهِنِهِ ، وَقِيلَ : عَلَيْهِمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ كُلَّهُ ، تَلِفَ بَعْضُهُ أَوْ لَا ، نَصَّ عَلَيْهِ

مَسْأَلَةٌ 22 ) قَوْلُهُ : وَإِذَا حَلَّ الْحَقُّ وَالْمُرْتَهِنُ أَوْ الْعَدْلُ وَكِيلٌ فِي بَيْعِهِ بَاعَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي قِيمَتِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
يَعْنِي إذَا جَنَى عَلَى الرَّهْنِ وَأُخِذَتْ قِيمَتَهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا مَكَانَهُ هَلْ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ بَيْعُهُ كَأَصْلِهِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( أَحَدُهُمَا ) لَهُ بَيْعُهُ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، كَأَصْلِهِ ، ثُمَّ وَجَدْت الشَّيْخَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحَ نَقَلَا عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَهُ بَيْعُهُ ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَبِيعُهُ إلَّا بِإِذْنٍ مُتَجَدِّدٍ ، وَلَهُ قُوَّةٌ .
( تَنْبِيهٌ ) حَمَلَ شَيْخُنَا الْبَعْلِيُّ مَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفِ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ بِقِيمَتِهِ لَا بِمَا أُخِذَ مِنْ الْقِيمَةِ عِوَضًا عَنْ الرَّهْنِ كَمَا قُلْنَا .
وَقَالَ : فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مَنْ يَشْتَرِيهِ لَمْ يَبِعْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، بَلْ يُتْرَكُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ رَاغِبٌ يَشْتَرِيه بِقِيمَتِهِ قَالَ : وَالْمَسْأَلَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ إلَّا بِثَمَنِهِ الْمُسْتَقِرِّ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى النَّقْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَمَا قَالَهُ فِيهِ عُسْرٌ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ بِذَلِكَ ، فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ ، بَلْ يُبَاعُ بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إذَا وُجِدَ مَنْ يَشْتَرِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( مَسْأَلَةٌ 23 ) قَوْلُهُ : بِأَغْلَبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ تَسَاوَتْ فَقِيلَ : بِالْأَحَظِّ ، وَقِيلَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ [ انْتَهَى ، الْوَجْهُ الْأَوَّلُ بِجِنْسِ الدَّيْنِ ] ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَالْفَائِقِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يُبَاعُ إلَّا

بِالْأَحَظِّ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ .
وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ : فَإِنْ تَسَاوَتْ النُّقُودُ بَاعَهُ بِجِنْسِ الْحَقِّ لِأَنَّهُ أَحَظُّ ، انْتَهَى .
كَذَا قَالَ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْأَحَظِّيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرْتَهِنِ ، أَوْ أَرَادَ : إذَا لَمْ يَحْصُلْ زِيَادَةٌ فِي غَيْرِ جِنْسِ الْحَقِّ ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ هَذَا الْأَخِيرَ [ فَهُوَ ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ اثْنَيْنِ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا أَوْ رَهَنَهُ اثْنَانِ شَيْئًا فَوَفَّاهُ أَحَدَهُمَا انْفَكَّ فِي نَصِيبِهِ ، كَتَعَدُّدِ الْعَقْدِ ، وَقِيلَ : لَا ، وَنَقَلَهُ مُهَنَّا فِي الثَّانِيَةِ ، إذَا قَضَى بَعْضَ دَيْنِهِ أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ وَبِبَعْضِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٍ فَعَمَّا نَوَاهُ ، فَإِذَا طَلَقَ فَإِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ، وَقِيلَ : بِالْحِصَصِ .

وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الرَّهْنِ ، نَحْوَ رَهَنْتُك هَذَا ، قَالَ : وَالْآخَرُ ، قُبِلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ كَقَدْرِ الْحَقِّ وَعَيْنِ الرَّهْنِ ، لِأَنَّهُ لَا ظَاهِرَ وَلَا عَادَةَ ، وَعَنْهُ : فِي الْمَشْرُوطِ يَتَحَالَفَانِ ، وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ : يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ إنْ كَانَ بِيَدِهِ ،

فَلَوْ قَالَ : رَهَنْتَنِيهِ ، وَقَالَ الرَّاهِنُ : غَصَبْتنِيهِ أَوْ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةٌ ، فَوَجْهَانِ ( م 24 )
( مَسْأَلَةٌ 24 ) قَوْلُهُ : فَلَوْ قَالَ رَهَنْتَنِيهِ .
وَقَالَ الرَّاهِنُ : غَصَبْتنِيهِ أَوْ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَفِي الْفَائِقِ فِي الْأُولَى ، فَذَكَرَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ يُشْبِهُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا .
( أَحَدُهُمَا ) الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى فِي الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْغَصْبِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ فِي الْعَارِيَّةِ وَالْغَصْبِ ، وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ فِي الْوَدِيعَةِ .
( الْوَجْهُ الثَّانِي ) الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ .
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : الْأَقْوَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي أَنَّهُ رَهْنٌ وَلَيْسَ بِغَصْبٍ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يُرْهَنُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ بِقَرِينِهِ الدَّيْنُ يُقَوِّي قَوْلَهُ فِي الرَّهْنِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغَصْبِ ، وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ الرَّهِينَةِ ، لَكِنْ يَتَقَوَّى جَانِبُهَا بِوُجُودِ الدَّيْنِ عَلَى الرَّاهِنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَإِنْ ادَّعَى الرَّاهِنُ تَلَفَهُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ [ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي الْبَيْعِ ] قُبِلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ .

وَإِنْ قَالَ فِي الْمَشْرُوطِ : رَهَنْتُك عَصِيرًا ، قَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ : خَمْرًا ، قُبِلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ ، وَعَنْهُ : الْمُرْتَهِنُ ، وَجَعَلَهَا الْقَاضِي كَخُلْفٍ فِي حُدُوثِ عَيْبٍ ، وَإِنْ قَالَ : أَرْسَلْت زَيْدًا لِتَرْهَنَهُ بِعِشْرِينَ وَقَبَضَهَا ، فَصَدَّقَهُ ، قُبِلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ بِعَشَرَةٍ .

وَالرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَمَانَةٌ وَلَوْ قَبْلَ عَقْدِ الرَّهْنِ ، نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، كَبَعْدِ الْوَفَاءِ ، وَإِنْ تَعَدَّى فَكَوَدِيعَةٍ ، وَفِي بَقَاءِ الرَّهِينَةِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَمَانَةً وَاسْتِيثَاقًا فَيَبْقَى أَحَدُهُمَا وَجْهَانِ ( م 25 ) وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ كَدَفْعِ عَبْدٍ يَبِيعُهُ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَكَحَبْسِ عَيْنٍ مُؤَجَّرَةٍ بَعْدَ الْفَسْخِ عَلَى الْأُجْرَةِ ، بِخِلَافِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمُتَمَيِّزِ عَلَى ثَمَنِهِ ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِتَلَفِهِ ، لِأَنَّهُ عِوَضُهُ ، وَالرَّهْنُ لَيْسَ بِعِوَضِ الدَّيْنِ ، لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَسْقُطُ بِتَفَاسُخِهِمَا ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ ( م 26 ) وَقَالَ : الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ أَنَّهَا عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ فِي يَدِهِ بِعَقْدٍ عَلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمَبِيعَ بِالتَّمَيُّزِ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ ، وَقِيلَ : وَالرَّدِّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مُرْتَهِنٍ ادَّعَى ضَيَاعَهُ : إنْ اتَّهَمَهُ أَحْلَفَهُ وَإِلَّا لَمْ يُحَلِّفْهُ ، وَكَذَا إنْ ادَّعَاهُ بِحَادِثٍ ظَاهِرٍ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالْحَادِثِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، وَكَذَا وَكِيلٌ أَوْ وَصِيٌّ بِجُعْلٍ وَمُضَارِبٍ ، وَفِيهِ فِي الْمُوجَزِ رِوَايَتَانِ فِي رَدٍّ .
وَالْأَصَحُّ : وَأَجِيرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ وَكِيلٍ وَوَصِيٍّ مُتَبَرِّعَيْنِ ، وَمُودَعٍ فِي الرَّدِّ مَعَ يَمِينِهِ وَفِيهِمَا وَجْهٌ ، وَجَزَمَ بِهِ [ الْقَاضِي ] فِي قَوْله تَعَالَى { فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ ، وَالتَّلَفُ مَعَ يَمِينِهِ وَفِيهِمَا رِوَايَةٌ ، إذَا ثَبَتَ الْحَادِثُ الظَّاهِرُ وَلَوْ بِاسْتِعَاضَةٍ ، وَكَذَا حَاكِمٌ .
وَفِي التَّذْكِرَةِ : إنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ مِنْ الْأُمَنَاءِ فِي الرَّدِّ لَمْ يَحْلِفْ .
وَفِي الرَّهْنِ رِوَايَةٌ : يَضْمَنُهُ كَمَا لَوْ أَعَارَهُ أَوْ مَلَّكَهُ غَيْرَهُ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي وَصِيٍّ رِوَايَةٌ فِي الرَّدِّ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَكَذَا مُودَعٌ ذَكَرَهُ فِي

الْوَسِيلَةِ ، وَعَنْهُ : إنْ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ ، وَذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَعَنْهُ : أَوْ تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ ، وَفِي وَكِيلٍ قَوْلٌ ، وَهُوَ قِيَاسُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَلَا ضَمَانَ بِشَرْطٍ ، وَعَنْهُ : { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } ، وَعَقْدٌ فَاسِدٌ كَصَحِيحٍ فِي ضَمَانٍ وَعَدَمِهِ ، وَمَنْ طُلِبَ مِنْهُ الرَّدُّ وَقُبِلَ قَوْلُهُ فَهَلْ لَهُ تَأْخِيرُهُ لِيُشْهِدَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ إنْ حَلَفَ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ( م 27 ) وَكَذَا مُسْتَعِيرٌ وَنَحْوُهُ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا أَخَّرَ ( م 28 ) كَدَيْنٍ بِحُجَّةٍ ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْوَثِيقَةِ بَلْ الْإِشْهَادُ بِأَخْذِهِ ، قَالَ فِي التَّرْغِيبِ : وَلَا يَجُوزُ لِحَاكِمٍ إلْزَامُهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ مَا قَبَضَهُ مُسْتَحَقًّا فَيَحْتَاجُ إلَى حُجَّةٍ بِحَقِّهِ ، وَكَذَا تَسْلِيمُ بَائِعِ كِتَابٍ ابْتِيَاعُهُ إلَى مُشْتَرٍ ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ حَتَّى يُزِيلَ الْوَثِيقَةَ ، وَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْحَقِّ الِاحْتِيَاطُ بِالْإِشْهَادِ ، وَعَنْهُ : فِي الْوَدِيعَةِ يَدْفَعُهَا بِبَيِّنَةٍ إذَا قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ ، قَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ هَذَا لِلْوُجُوبِ ، كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ ، وَكَالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ مَعَ وُرُودِ النَّصِّ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِلْوُجُوبِ أَشْبَهُ ، وَيَكُونُ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ أَوْجَبَ الشَّهَادَةَ فِي كُلِّ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ .

( مَسْأَلَةٌ 25 ) قَوْلُهُ : وَالرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَمَانَةٌ ، فَإِنْ تَعَدَّى فَكَوَدِيعَةٍ ، وَفِي بَقَاءِ الرَّهِينَةِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَمَانَةً وَاسْتِيثَاقًا فَيَبْقَى إحْدَاهُمَا وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) بَقَاءُ الرَّهِينَةِ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمُقْنِعِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ قِيَاسًا عَلَى تَعَدِّيهِ فِي الْوَكَالَةِ ، عَلَى مَا يَأْتِي .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ : لَوْ تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ فِيهِ زَالَ ائْتِمَانُهُ وَبَقِيَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَلَمْ تَبْطُلْ تَوْثِقَتُهُ .
وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ احْتِمَالًا بِبُطْلَانِ الرَّهْنِ ، وَفِيهِ بُعْدٌ ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، وَحَقٌّ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ ، انْتَهَى .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) زَوَالُ الرَّهِينَةِ ، وَهُوَ الِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ .
( مَسْأَلَةٌ 26 ) قَوْلُهُ : وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ حَبْسِ الْبَائِعِ الْمُتَمَيِّزَ عَلَى ثَمَنِهِ ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِتَلَفِهِ ، لِأَنَّهُ عِوَضٌ ، وَالرَّهْنُ لَيْسَ بِعِوَضٍ ، لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَسْقُطُ بِتَفَاسُخِهِمَا ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ ، انْتَهَى .
( إحْدَاهُمَا ) يَسْقُطُ حَقُّهُ بِتَلَفِ الْبَيْعِ الْمُتَمَيِّزِ الْمَحْبُوسِ عَلَى ثَمَنِهِ ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ حَبْسِ الصَّانِعِ الثَّوْبَ عَلَى الْأُجْرَةِ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهَا الضَّمَانُ ، فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ) لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِتَلَفِ ذَلِكَ ( قُلْت ) : وَهُوَ قَوِيٌّ ( مَسْأَلَةٌ 27 ) قَوْلُهُ : وَمَنْ طُلِبَ مِنْهُ الرَّدُّ وَقُبِلَ قَوْلُهُ فَهَلْ لَهُ تَأْخِيرُهُ لِيُشْهِدَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ إنْ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ، انْتَهَى .
أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي الْوَكَالَةِ : وَكُلُّ أَمِينٍ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَطَلَبٍ مِنْهُ فَهَلْ لَهُ

تَأْخِيرُهُ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا يَحْلِفُ ، وَإِلَّا لَمْ يُؤَخِّرْهُ لِذَلِكَ ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَابَعَهُ .
( أَحَدُهُمَا ) لَيْسَ لَهُ التَّأْخِيرُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ ، ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَهُ التَّأْخِيرُ حَتَّى يُشْهِدَ ، ( قُلْت ) : وَهُوَ قَوِيٌّ ، خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ ، وَمَحِلُّهُمَا إذَا قَبِلْنَا قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ ، كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ .
( مَسْأَلَةٌ 28 ) قَوْلُهُ : وَكَذَا مُسْتَعِيرٌ وَنَحْوُهُ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا أَخَّرَ ، انْتَهَى .
اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ الَّتِي قَبْلَهَا ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا ، وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ فِيهَا ، فَكَذَا فِي هَذِهِ ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، كَالْمُصَنِّفِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : لَا يُؤَخِّرُهُ ، ثُمَّ قَالَ : قُلْت : بَلَى .

وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ فَلَهُ بَيْعُهُ فِي الْجِنَايَةِ أَوْ تَسْلِيمُهُ وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ أَوْ فِدَاؤُهُ ، وَهُوَ رَهْنٌ ، وَإِنْ نَقَصَ الْأَرْشُ عَنْ قِيمَتِهِ فَهَلْ يُبَاعُ بِقَدْرِهِ أَوْ كُلِّهِ وَالْفَاضِلُ عَنْ الْأَرْشِ رَهْنٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( م 29 ) وَإِنْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ بِلَا إذْنٍ وَنَوَى الرُّجُوعَ فَرِوَايَتَانِ ( م 30 ) وَإِنْ شَرَطَ كَوْنَهُ رَهْنًا بِفِدَائِهِ مَعَ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ ( م 31 ) وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فَالْخَصْمُ سَيِّدُهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْبَةٍ أَوْ عُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَالْمُرْتَهِنُ

مَسْأَلَةٌ 29 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ جَنَى الرَّهْنُ فَلَهُ بَيْعُهُ فِي الْجِنَايَةِ أَوْ تَسْلِيمُهُ ، وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ ، أَوْ فِدَاؤُهُ وَهُوَ رَهْنٌ ، فَإِنْ نَقَصَ الْأَرْشُ عَنْ قِيمَتِهِ فَهَلْ يُبَاعُ بِقَدْرِهِ أَوْ كُلِّهِ وَالْفَاضِلُ عَنْ الْأَرْشِ رَهْنٌ بِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْفَائِقِ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) يُبَاعُ بِقَدْرِهِ وَبَاقِيهِ رَهْنٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ : هَذَا الْمَذْهَبُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ .
قَالَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ : بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَبَاقِيهِ رَهْنٌ ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ فَيُبَاعُ الْكُلُّ وَيُجْعَلُ بَقِيَّةُ الثَّمَنِ رَهْنًا ، انْتَهَى .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يُبَاعُ جَمِيعُهُ وَيَكُونُ بَاقِي ثَمَنِهِ رَهْنًا ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْحَاوِيَيْنِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ : يُبَاعُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ ، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِالتَّشْقِيصِ بِيعَ كُلُّهُ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْجَمَاعَةِ ، وَمَحِلُّ الْجَمَاعَةِ ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( مَسْأَلَةٌ 30 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ بِلَا إذْنٍ وَنَوَى الرُّجُوعَ ، فَرِوَايَتَانِ ، انْتَهَى .
إذَا اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ فِدَاهٌ أَوْ فِدَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ .
أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ ، قَالَهُ

أَبُو الْخَطَّابِ وَالشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ بِنَاءً عَلَى مَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، انْتَهَى .
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَاوِيًا لِلرُّجُوعِ ، لَهُ الرُّجُوعُ ، فَكَذَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَرْجِعُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافَيْهِمَا ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمَا ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ : أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا : إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ اسْتِئْذَانُهُ فَلَا رُجُوعَ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ .
( مَسْأَلَةٌ 31 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ شَرَطَ كَوْنَهُ رَهْنًا بِفِدَائِهِ مَعَ دَيْنِهِ الْأَوَّلِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَصِحُّ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي ، قَالَ فِي الْفَائِقِ : جَازَ ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيّ .

، وَلَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ حُدَّ ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ [ لَا ] وَالْمَذْهَبُ يُحَدُّ ، قَالَهُ الْقَاضِي ، وَرَقَّ وَلَدُهُ ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ الْحَظْرَ وَادَّعَاهُ فَلَا يَفْدِي وَلَدَهُ إنْ وَطِئَ بِلَا إذْنِ الرَّاهِنِ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ( م 32 ) وَيَجِبُ الْمَهْرُ ، وَقِيلَ : وَمَعَ إذْنِهِ لِمُكْرَهَةٍ وَكَمُفَوِّضَةٍ ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي عَقْدٍ .
مَسْأَلَةٌ 32 ) [ قَوْلُهُ ] وَلَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ حُدَّ .
فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُ الْحَظْرَ وَادَّعَاهُ فَلَا يَفْدِي وَلَدَهُ ، إنْ وَطِئَ بِلَا إذْنِ الرَّاهِنِ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى .
يَعْنِي إذَا وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ مَعَ جَهْلِهِ فَهَلْ يَفْدِي وَلَدَهُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَالنَّظْمِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ فِدَاؤُهُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ : هَذَا الصَّحِيحُ ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْكَافِي ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفُصُولِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَفْدِيهِ بِقِيمَتِهِ ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى .

وَلَهُ بَيْع مَا جَهِلَ رَبُّهُ إنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي إذْنِ حَاكِمٍ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَأَخْذِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ مَعَ عَدَمِهِ رِوَايَتَانِ كَشِرَاءِ وَكِيلٍ ( م 33 - 35 )

( مَسْأَلَةٌ 33 - 35 ) قَوْلُهُ : وَلَهُ بَيْعُ مَا جَهِلَ رَبُّهُ إنْ أَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ بِشَرْطِ ضَمَانِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي إذْنِ حَاكِمٍ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَأَخْذِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ مَعَ عَدَمِهِ رِوَايَتَانِ ، كَشِرَاءِ وَكِيلٍ ، انْتَهَى .
ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَ مَسَائِلَ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 33 ) إذَا قُلْنَا لَهُ بَيْعُهُ فَهَلْ يَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 34 ) هَلْ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ إذَا عَجَزَ عَنْ إذْنِ الْحَاكِمِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ 35 ) الْمَسْأَلَةُ الْمَقِيسُ عَلَيْهَا وَهِيَ شِرَاءُ الْوَكِيلِ .
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ إطْلَاقُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ .
وَقَالَ فِي الْفَائِقِ : لَا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ الثَّمَنِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَعَنْهُ : بَلَى ، وَلَوْ بَاعَهَا الْحَاكِمُ وَوَفَّاهُ جَازَ ، انْتَهَى .
وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ ، انْتَهَى .
وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ إذَا جُهِلَ بِذَاكَ الْوَدَائِعُ جَوَازَ التَّصْدِيقِ بِهَا دُونَ إذْنِ حَاكِمٍ ، قَالَ الْحَارِثِيُّ : وَكَذَا الرُّهُونُ ، وَذَكَرَ نُصُوصًا فِي ذَلِكَ ، قُلْت : الصَّوَابُ اسْتِئْذَانُ الْحَاكِمِ فِي بَيْعِهِ إنْ كَانَ أَمِينًا ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَنْظُرُ فِي أَمْوَالِ الْغُيَّابِ .
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الدَّعَاوَى فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّانِي : ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَقْضِي عَنْ الْغَائِبِ وَيَبِيعُ مَا لَهُ ، انْتَهَى .
وَالصَّوَابُ أَيْضًا أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عُدِمَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ شِرَاءِ الْوَكِيلِ فَلَمْ يَظْهَرْ لِي صُورَتُهَا ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ أَوْ بَيْعِهِ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهُ فَيَقْبِضُ مِنْ نَفْسِهِ

لِنَفْسِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ وَتَلَفِهِ ، وَقَدَّمَ صِحَّةَ قَبْضِهِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ ، وَأَنَّهُ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَهُوَ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ هَذَا فَفِي إطْلَاقِهِ الْخِلَافَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ، أَوْ يُقَالُ : لَمْ يُطْلِقْ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ ، أَوْ يَكُونُ مُرَادُهُ إذَا وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ فَاشْتَرَى مِنْ نَفْسِهِ لِمُوَكِّلِهِ ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَلِكَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ لِمُوَكِّلِهِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَالصُّورَةُ الْأُولَى أَوْلَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَهَذِهِ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً فِي هَذَا الْبَابِ قَدْ أَطْلَقَ فِيهَا الْخِلَافَ ، وَصَحَّحْنَا مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَصْحِيحَهُ مِنْهَا .

الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ وَهُوَ الْتِزَامُ مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ وَيُعْتَبَرُ رِضَاهُ فَقَطْ ، أَوْ مُفْلِسٍ ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ فِي التَّبْصِرَةِ ، فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا عَدَمُ تَصَرُّفِهِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَقِيلَ : وَسَفِيهٍ ، وَيُتْبَعُ بَعْدَ فَكِّ حَجْرِهِ ، وَعَنْهُ : وَمُمَيِّزٍ [ وَعَنْهُ ] وَعَبْدٍ ، فَيُطَالِبُهُ بَعْدَ عِتْقِهِ ، وَفِي مُكَاتَبٍ وَجْهَانِ ( م 1 ) مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ بَقَائِهِ ، وَقَدْ لَا يَبْقَى ، وَهُوَ دَيْنُ الْمَيِّتِ ، وَعَنْهُ : الْمُفْلِسُ فِي الرِّوَايَةِ .
وَمَا قَدْ يَجِبُ بِلَفْظِ ضَمِينٍ وَكَفِيلٍ وَقَبِيلٍ وَحَمِيلٍ وَصَبِيرٍ وَزَعِيمٍ ، وَنَحْوِهِ لَا أُؤَدِّي أَوْ أَحْضُرُ ، وَيُتَوَجَّهُ : بَلْ بِالْتِزَامِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ فِي مَسَائِلَ ، كَظَاهِرِ كَلَامِهِمْ فِي النَّذْرِ ، وَقَوْلُهُ فِي الِانْتِصَارِ فِيمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ بِنَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ : إذَا بُذِلَ لَهُ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ ، بِخِلَافِ الضَّمَانِ فَإِنَّهُ أَتَى فِيهِ بِلَفْظِ الِالْتِزَامِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ضَمِنْت لَك مَا عَلَيْهِ ، أَوْ مَا عَلَيْهِ عَلَيَّ ، فَلِهَذَا لَزِمَهُ ، فَنَظِيرُهُ هُنَا : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ عَنْك إنْ أَمَرْتنِي ، فَإِذَا أُمِرَ لَزِمَهُ .
وَقَالَ شَيْخُنَا : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ بِكُلِّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ الضَّمَانُ عُرْفًا ، وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِمَا لِمَنْعِهِ الزَّكَاةَ عَلَيْهِمَا وَصِحَّةِ هِبَتِهِ لَهُمَا ، وَلِأَنَّ الْكَفِيلَ لَوْ قَالَ : الْتَزَمْت وَتَكَفَّلْت بِالْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لَمْ يَصِحَّ ( و ) وَفِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ ] لَا ذِمَّةَ ضَامِنٍ ، لِأَنَّ شَيْئًا لَا يَشْغَلُ مَحَلَّيْنِ ، وَلِرَبِّهِ مُطَالَبَتُهُمَا مَعًا وَأَحَدِهِمَا ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ، وَغَيْرُهُ الْمَذْهَبُ ( و هـ ش ) حَيَاةً وَمَوْتًا ، قَالَ أَحْمَدُ : يَأْخُذُ مَنْ شَاءَ بِحَقِّهِ ، فَإِنْ بَرِئَ الْمَدْيُونُ بَرِئَ ضَامِنُهُ ، وَلَا عَكْسُ .

بَابُ الضَّمَانِ ( مَسْأَلَةٌ 1 ) قَوْلُهُ : وَفِي مُكَاتَبٍ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
يَعْنِي هَلْ يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُكَاتَبِ لِغَيْرِهِ أَمْ لَا ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَصِحُّ ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ : وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جَائِزٍ تَبَرُّعُهُ سِوَى الْمُفْلِسِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، انْتَهَى .
وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَمَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ بِنَفْسِهِ وَتَبَرُّعُهُ بِمَالِهِ صَحَّ ضَمَانُهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ عَدَمُ صِحَّةِ الضَّمَانِ مِنْهُ ، وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَصِحُّ .
قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ : وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ كَالْقِنِّ .
وَقِيلَ : يَصِحُّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ ، وَقُدِّمَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ عَدَمُ الصِّحَّةِ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ .
وَأَطْلَقُوا الْوَجْهَيْنِ إذَا كَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .
( تَنْبِيهٌ ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ ، أَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُهُ ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ ضَمَانِ الْعَبْدِ الْقِنِّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .
فَالْمُكَاتَبُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى ، أَوْ يُقَالُ : لَمَّا تَعَلَّقَتْ بِهِ شَائِبَةُ الْحُرِّيَّةِ لَمْ نُصَحِّحْ الضَّمَانَ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ عَجْزِهِ ، بِخِلَافِ الْقِنِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
.

وَلَوْ ارْتَدَّ ضَامِنٌ وَلَحِقَ هُوَ أَوْ ذِمِّيٌّ بِدَارِ حَرْبٍ ( هـ ) ، وَلَوْ اقْتَرَضَ أَوْ غَصَبَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا فَنَصُّهُ لَا شَيْءَ لَهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا ، وَعَنْهُ : إنْ لَمْ يُسْلِمْ هُوَ فَلَهُ قِيمَتُهَا ، وَقِيلَ : أَوْ يُوَكِّلُ ذِمِّيًّا يَشْتَرِيهَا ، وَلَوْ أَسْلَمَ ضَامِنُهَا بَرِئَ وَحْدَهُ ، وَلَوْ أَسْلَمَهُ فِيهَا فَلَهُ أَرْشُ مَالِهِ ، وَإِنْ أُبْرِئَ أَحَدُ ضَامِنِيهِ بَرِئَ وَحْدَهُ وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ لَمْ يَصِحَّ ، بَلْ أَخَذَ كَفِيلَيْنِ بِالْآخَرِ ، فَلَوْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا بَرِئَ وَبَرِئَ كَفِيلُهُ بِهِ لَا مِنْ إحْضَارِ مَكْفُولٍ بِهِ .

وَيَصِحُّ ضَمَانُ مُفْلِسٍ [ وَ ] مَجْنُونٍ ، فَلَوْ مَاتَ لَمْ يُطَالَبْ فِي الدَّارَيْنِ ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ ، وَدَيْنُ مَيِّتٍ وَضَامِنٍ وَكَفِيلٍ ، فَيَبْرَأُ الثَّانِي بِإِبْرَاءِ الْأَوَّلِ ، وَلَا عَكْسُ ، وَإِنْ قَضَى الدَّيْنَ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَإِنْ قَضَاهُ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إذَا كَانَ وَاحِدٌ أَذِنَ ، وَإِلَّا فَفِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ ( م 2 ) وَكُلُّ دَيْنٍ صَحَّ أُخِذَ رَهْنٌ بِهِ وَعَلَى الْأَصَحِّ : وَضَمَانُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ ، وَعَنْهُ : وَدَيْنُ كِتَابَةٍ ضَمِنَهَا حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ .
وَقَالَ الْقَاضِي : حُرٌّ لِسَعَةِ تَصَرُّفِهِ ، لَا أَمَانَةٌ كَوَدِيعَةٍ ، قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ : لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُهَا ، وَإِنَّمَا عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَقْصِدَ الْمَوْضِعَ فَيَقْبِضَهَا ، وَعَنْهُ صِحَّتُهُ ، حَمَلَهُ عَلَى تَعَدِّيهِ ، كَتَصْرِيحِهِ بِهِ .

مَسْأَلَةٌ 2 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ قَضَى الدَّيْنَ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَإِنْ قَضَاهُ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إذَا كَانَ وَاحِدٌ أَذِنَ ، وَإِلَّا فَفِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ ، انْتَهَى ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُصُولِ وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَمِنَ بِلَا إذْنٍ ، وَالثَّانِي ضَمِنَ بِإِذْنٍ ، رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْأَوَّلُ عَلَى أَحَدٍ ، عَلَى الْأَظْهَرِ ، انْتَهَى .
( إحْدَاهُمَا ) لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُ ( قُلْت ) : الصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلَ مَنْ أَدَّى حَقًّا وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ .
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ أَدَّى حَقًّا وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ نَاوِيًا لِلرُّجُوعِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ أَمْ لَا ؟ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفِ وَقَالَ : اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ ضَامِنٍ فَرُجُوعُ الضَّامِنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْلَى ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ، فَإِنْ نَوَى التَّبَرُّعَ لَمْ يَرْجِعْ قَوْلًا وَاحِدًا .
وَإِنْ أَطْلَقَ ذَاهِلًا عَنْ النِّيَّةِ وَعَدِمَهَا فَالْمُصَنِّفُ قَدْ قَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ ، فَانْتَفَى كَوْنُهُ لَمْ يَنْوِ أَوْ ذَهَلَ ، فَمَا بَقِيَ إلَّا أَنَّهُ نَوَى الرُّجُوعَ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا نَوَى الرُّجُوعَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ ، وَعُذْرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّضْهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَابَعَ الشَّيْخَ فِي الْمُغْنِي فِي إطْلَاقِ الْخِلَافِ .
وَقَدْ حَرَّرْت مَسْأَلَةَ مَنْ أَدَّى حَقًّا وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنْ الْإِنْصَافِ تَحْرِيرًا شَافِيًا ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ

وَالْمِنَّةُ .
( تَنْبِيهٌ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ أَحَدٌ فِي الضَّمَانِ ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا أَذِنَ وَاحِدٌ ، وَلِهَذَا قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ : وَلَعَلَّهُ " إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ أَذِنَ " فَسَقَطَتْ لَفْظَةُ " كُلٍّ " مِنْ الْكَاتِبِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ لَا خِلَافَ فِيهَا ، وَقَوْلُهُ : " وَإِلَّا فَفِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ إذَا أَذِنَ أَحَدٌ " وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ .

وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ بَيْعٍ وَ [ هُوَ ] ثَمَنُهُ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَنْ الْآخَرِ ، وَفِي دُخُولِ نَقْضِ بِنَاءِ الْمُشْتَرِي فِي ضَمَانِهَا وَرُجُوعِهِ بِالدَّرَكِ مَعَ .
اعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بِبُطْلَانِهِ وَجْهَانِ ( م 3 ، 4 ) وَإِنْ بَاعَ بِشَرْطِ ضَمَانِ دَرَكِهِ إلَّا مِنْ زَيْدٍ ثُمَّ ضَمِنَ دَرْكَهُ مِنْهُ أَيْضًا لَمْ يَعُدْ صَحِيحًا ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ .
مَسْأَلَةٌ 3 ، 4 ) قَوْلُهُ : وَفِي دُخُولِ نَقْضِ بِنَاءِ الْمُشْتَرِي فِي ضَمَانِهَا أَيْ الْعُهْدَةِ وَرُجُوعِهِ بِالدَّرَكِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بِبُطْلَانِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) هَلْ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ ضَامِنِ الْعُهْدَةِ نَقْضُ بِنَاءِ الْمُشْتَرِي ، أَعْنِي إذَا بَنَى وَنَقَضَهُ الْمُسْتَحِقُّ فَإِنَّ الْأَنْقَاضَ لِلْمُشْتَرِي وَيَرْجِعُ بِبَقِيَّةِ التَّالِفِ عَلَى الْبَائِعِ ، فَهَلْ يَدْخُلُ هَذَا فِي ضَمَانِ الْعُهْدَةِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَالْفَائِقِ .
( أَحَدُهُمَا ) يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي ضَمَانِهِمَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْفُصُولِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَدْخُلُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ، فَإِنَّهُمَا لَمْ يَضْمَنَاهُ إلَّا إذَا ضَمِنَ مَا يَحْدُثُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ بِنَاءٍ وَغِرَاسٍ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) هَلْ يَرْجِعُ بِالدَّرَكِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بِبُطْلَانِهِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِيهِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَيْسَ [ لَهُ ] الرُّجُوعُ لِاعْتِرَافِهِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، لِاعْتِقَادِهِ كَذِبَ الْبَيِّنَةِ ظَاهِرًا ، ثُمَّ وَجَدْته فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ : أَصَحُّهُمَا لَا يَرْجِعُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَهُ الرُّجُوعُ ، لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ .
.

وَيَصِحُّ ضَمَانُ نَقْصِ صَنْجَةٍ وَيَرْجِعُ بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَقِيلَ : بِبَيِّنَةٍ فِي حَقِّ الضَّامِنِ ، وَضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ .
وَفِي الْمُغْنِي [ فِي الرَّهْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ ] احْتِمَالٌ ، وَلَهُ إبْطَالُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ ، فِي الْأَصَحِّ

وَيَصِحُّ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَأَنَا ضَامِنُهُ ، وَإِنْ قَالَ : وَأَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ وَأَطْلَقَ ، ضَمِنَ وَحْدَهُ بِالْحِصَّةِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ وَجْهَانِ بِهَا أَوْ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ رَضُوا لَزِمَهُمْ ، وَيُتَوَجَّهُ الْوَجْهَانِ .
وَإِنْ قَالُوا : ضَمِنَاهُ لَك ، فَبِالْحِصَّةِ ، وَإِنْ قَالَ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنُهُ لَك ، فَالْجَمِيعُ ، وَكَذَا ضَمَانُهُمْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ، وَمَنْ قَضَى كُلَّهُ أَوْ حِصَّتَهُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَقَطْ ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ مِنْهُمْ لَا ضَامِنَ عَنْ الضَّامِنِ الْآخَرِ ، وَمَا أَعْطَيْت فُلَانًا وَنَحْوَهُ وَلَا قَرِينَةَ قُبِلَ مِنْهُ ، وَقِيلَ : لِلْوَاجِبِ ، وَمِنْهُ ضَمَانُ السُّوقِ ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ مَا يَلْزَمُ التَّاجِرَ مِنْ دَيْنٍ وَمَا يَقْبِضُهُ مِنْ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ ، قَالَهُ شَيْخُنَا

قَالَ : وَيَجُوزُ كِتَابَتُهُ وَالشَّهَادَةُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يَرَ جَوَازَهُ ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ .
وَإِنْ جَهِلَ الْحَقَّ أَوْ رَبُّهُ أَوْ غَرِيمُهُ صَحَّ إنْ آلَ إلَى الْعِلْمِ ، وَقِيلَ : يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ ، وَقِيلَ : وَغَرِيمِهِ ، وَلَا تَصِحُّ كَفَالَتُهُ بَعْضَ الدَّيْنِ ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَيُفَسِّرُهُ وَكَذَا قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ : لَا نَعْرِفُ الرِّوَايَةَ فِيهِ عَنْ إمَامِنَا ، فَيُمْنَعُ ، وَقَدْ سَلَّمَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ لِجَهَالَتِهِ حَالًا وَمَآلًا

وَاخْتَارَ شَيْخُنَا صِحَّةَ ضَمَانِ حَارِسٍ وَنَحْوِهِ وَتُجَّارِ حَرْبِ مَا يَذْهَبُ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ الْبَحْرِ ، وَأَنَّ غَايَتَهُ ضَمَانٌ مَا لَمْ يَجِبْ .

وَضَمَانُ الْمَجْهُولِ كَضَمَانِ السُّوقِ ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ الضَّامِنُ مَا يَجِبُ عَلَى التُّجَّارِ لِلنَّاسِ مِنْ الدُّيُونِ ، وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } وَلِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدَةَ الْمُمْتَنِعَةَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّتِي يَنْصُرُ بَعْضُهَا بَعْضًا تَجْرِي مَجْرَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فِي مُعَاهَدَتِهِمْ ، فَإِذَا شُرِطُوا عَلَى أَنَّ تُجَّارَهُمْ يَدْخُلُونَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذُوا لِلْمُسْلِمِينَ شَيْئًا وَمَا أَخَذُوهُ كَانُوا ضَامِنِينَ لَهُ وَالْمَضْمُونُ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ التُّجَّارِ جَازَ ذَلِكَ كَمَا تَجُوزُ نَظَائِرُهُ ، لِهَذَا لَمَّا قَالَ { الْأَسِيرُ الْعُقَيْلِيُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، عَلَامَ أَخَذْتنِي وَسَابِقَةَ الْحَاجِّ يَعْنِي نَاقَتَهُ قَالَ : بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك مِنْ ثَقِيفٍ ، فَأَسَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْعُقَيْلِيَّ وَحَبَسَهُ } لِيَنَالَ بِذَلِكَ مِنْ حُلَفَائِهِ مَقْصُودَهُ ، قَالَ : وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إذَا أَخَذُوا مَالًا لِتُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِمَا ضَمِنُوهُ وَيَحْبِسَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، كَالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ .
.

وَيَصِحُّ ضَمَانُ حَالٍّ مُؤَجَّلًا ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَيَصِحُّ عَكْسُهُ ، فِي الْأَصَحِّ مُؤَجَّلًا ، وَقِيلَ : حَالًّا

وَلِلضَّامِنِ مُطَالَبَةُ الْمَدْيُونِ بِتَخْلِيصِهِ ، فِي الْأَصَحِّ إذَا طُولِبَ ، وَقِيلَ : أَوْ لَا إذَا ضَمِنَهُ بِإِذْنِهِ ، وَقِيلَ أَوْ لَا ، وَإِذَا قَضَى عَنْهُ بِنِيَّةِ رُجُوعِهِ وَقِيلَ : أَوْ أَطْلَقَ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : هَلْ مَلَّكَهُ شَيْئًا ؟ إنَّمَا ضَمِنَ عَنْهُ ، كَالْأَسِيرِ يَشْتَرِيهِ ، أَلَيْسَ كُلُّهُمْ قَالَ يَرْجِعُ ؟ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ أَوْ أَحَالَ بِهِ رَجَعَ بِالْأَقَلِّ مِمَّا قَضَى ، أَوْ قَدْرِ دَيْنِهِ ، مُطْلَقًا ، نُصَّ عَلَيْهِ ، اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ ، لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِهِ فِي الْأُمِّ ، لِكَوْنِهَا أَحَقَّ بِرَضَاعِهِ ، وَكَإِذْنِهِ فِي ضَمَانِهِ أَوْ قَضَائِهِ ، وَعَنْهُ : لَا ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَظْهَرُ فِيهَا كَذَبْحِ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ فِي مَنْعِ الضَّمَانِ وَالرُّجُوعِ ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا إبْرَاءٌ ، كَتَحْصِيلِ الْإِجْزَاءِ بِالذَّبْحِ

وَلَوْ تَغَيَّبَ مَضْمُونٌ أَطْلَقَهُ شَيْخُنَا ، وَقَيَّدَهُ أَيْضًا بِقَادِرٍ فَأَمْسَكَ الضَّامِنَ وَغَرِمَ شَيْئًا بِسَبَبِ ذَلِكَ وَأَنْفَقَهُ فِي حَبْسٍ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ ، قَالَهُ شَيْخُنَا .

وَلَا يَرْجِعُ بِمُؤَجَّلٍ قَبْلَ أَجَلِهِ حَتَّى يَحِلَّ ، وَلَا مَعَ إنْكَارِ الْآخَرِينَ الْقَضَاءَ ، لِتَصَرُّفِهِ بِالشَّرْعِ ، فَيَتَصَرَّفُ بِالْمَصْلَحَةِ ، وَالْوَكِيلُ يَتْبَعُ لَفْظَ الْأَمْرِ وَيَرْجِعُ مَعَ تَصْدِيقِ رَبِّ الدَّيْنِ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَمَعَ تَصْدِيقِ الْمَدْيُونِ إنْ قَضَى بِإِشْهَادٍ ، وَالْأَصَحُّ أَوْ بِحَضْرَتِهِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَفِي رُجُوعِهِ بِشَاهِدٍ مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ وَشَهَادَةِ عَبِيدٍ وَالرَّدِّ بِفِسْقٍ بَاطِنٍ احْتِمَالَانِ ( م 5 ) .
مَسْأَلَةٌ 5 ) قَوْلُهُ : وَيَرْجِعُ مَعَ تَصْدِيقِ رَبِّ الدَّيْنِ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَمَعَ تَصْدِيقِ الْمَدْيُونِ إنْ قَضَى بِإِشْهَادٍ ، وَالْأَصَحُّ : أَوْ بِحَضْرَتِهِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَفِي رُجُوعِهِ بِشَاهِدٍ مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ وَشَهَادَةِ عَبِيدٍ وَالرَّدِّ بِفِسْقٍ بَاطِنٍ احْتِمَالَانِ ، انْتَهَى .
ذَكَرَ أَرْبَعَ مَسَائِلَ حُكْمُهُنَّ وَاحِدٌ ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالنَّظْمِ فِي الْجَمْعِ .
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَلَوْ أَشْهَدَ فَمَاتُوا أَوْ غَابُوا رَجَعَ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : الصَّوَابُ الرُّجُوعُ مَعَ مَوْتِ الشُّهُودِ وَغَيْبَتِهِمْ إذَا صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ إذَا كَانَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَمَاتَ أَوْ غَابَ ، وَقُلْنَا يُقْبَلُ وَيُرْجَعُ بِشَهَادَتِهِ إذَا كَانَ حَاضِرًا ، وَالْمُصَنِّفُ تَابَعَ الشَّيْخَ فِي الْمُغْنِي .

وَفِي شَاهِدٍ وَدَعْوَاهُ مَوْتَهُمْ وَأَنْكَرَ الْإِشْهَادَ وَجْهَانِ ( م 6 - 7 ) .
( مَسْأَلَةٌ 6 ، 7 ) [ قَوْلُهُ ] وَفِي شَاهِدٍ وَدَعْوَاهُ مَوْتَهُمْ فَأَنْكَرَ الْإِشْهَادَ ، وَجْهَانِ ، انْتَهَى ، فِيهِ مَسْأَلَتَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) إذَا أَشْهَدَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَقَالَا : إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا .
( أَحَدُهُمَا ) لَا رُجُوعَ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يَكْفِي ، قُطِعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَكْفِي ذَلِكَ وَيُرْجَعُ عَلَيْهِ ، وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَيَحْلِفُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبَ ، لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ قَبُولَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، وَهُنَا كَذَلِكَ ، فَعَلَى هَذَا فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 7 ) لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَشْهَدَ وَمَاتُوا وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الْإِشْهَادَ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ الضَّامِنِ وَيُرْجَعُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَلَوْ ادَّعَى مَوْتَ الشُّهُودِ وَأَنْكَرَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ( أَحَدُهُمَا ) يُرْجَعُ ، إذْ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يُرْجَعُ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِشْهَادِ ، وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ يَدَّعِيهِ ( قُلْت ) : الصَّوَابُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الرُّجُوعُ إلَى الْقَرَائِنِ مِنْ صِدْقِ الْمُدَّعِي وَغَيْرِهِ .

وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ ثَانِيًا فَفِي رُجُوعِهِ بِالْأَوَّلِ لِلْبَرَاءَةِ بِهِ بَاطِنًا أَوْ الثَّانِي احْتِمَالَانِ ( م 8 ) .
( مَسْأَلَةٌ 8 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ ثَانِيًا فَفِي رُجُوعِهِ بِالْأَوَّلِ لِلْبَرَاءَةِ مِنْهُ بَاطِنًا أَوْ الثَّانِي احْتِمَالَانِ ، انْتَهَى ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي وَنَظْمِ الزَّوَائِدِ .
( أَحَدُهُمَا ) يَرْجِعُ بِمَا قَضَاهُ ثَانِيًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَقَالَا : هَذَا أَرْجَحُ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي يَرْجِعُ بِمَا قَضَاهُ أَوَّلًا .
وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ طَرِيقَةٌ مُؤَخَّرَةٌ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ فِيهَا أَنَّهُ يُرْجَعُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَكَأَنَّهُ تَبِعَ عِبَارَةَ مَنْ أَطْلَقَهَا ، وَإِلَّا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا قَدَّمَهُ وَبَيْنَ الثَّانِي ، لِأَنَّ كَلَامَ مَنْ أَطْلَقَ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا ، وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ وَغَيْرُهُمَا ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ فَائِدَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
.

وَإِذَا قَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ لِلضَّامِنِ بَرِئْت إلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ وَقِيلَ : أَوْ لَمْ يَقُلْ : إلَيَّ فَهُوَ مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ ، لَا أَبْرَأْتُك ، وَقَوْلُهُ لَهُ : وَهَبْتُك الْحَقَّ تَمْلِيكٌ لَهُ ، فَيَرْجِعُ عَلَى الْمَدْيُونِ ، وَقِيلَ : إبْرَاءٌ ، فَلَا .

فَصْلٌ وَتَصِحُّ كَفَالَتُهُ بِرِضَاهُ بِإِحْضَارِ مَنْ لَزِمَهُ حَقٌّ ، حَضَرَ أَوْ غَابَ ، وَقِيلَ : بِإِذْنِهِ مُعَيَّنٌ ، وَقِيلَ : وَأَحَدُ هَذَيْنِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ { لَتَأْتُنَّنِي بِهِ } ، الْآيَةَ ، فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمَكْفُولِ [ بِهِ ] هُنَا شَيْءٌ ، قِيلَ : بَلْ عَلَيْهِ حَقٌّ ، لِأَنَّهُ إذَا دَعَا وَلَدَهُ لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ ، وَقِيلَ : لَا تَنْعَقِدُ بِحَمِيلٍ وَقَبِيلٍ ، وَعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ كَضَمَانِهَا .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَإِحْضَارُ وَدِيعَةٍ وَكَفَالَةٍ بِزَكَاةٍ وَأَمَانَةٍ ، لِنَصِّهِ فِيمَنْ قَالَ : ادْفَعْ ثَوْبَك إلَى هَذَا الرَّفَّاءِ فَأَنَا ضَامِنُهُ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَيَلْزَمُهُ الْحُضُورُ مَعَهُ إنْ كَفَلَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ طُولِبَ بِهِ ، وَقِيلَ : بِهِمَا وَإِلَّا فَلَا

وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ إنْسَانٍ ] أَوْ عُضْوٍ وَقِيلَ : لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ ، وَقِيلَ : وَجْهُهُ فَقَطْ فَوَجْهَانِ ( م 9 - 11 ) وَلَا تَصِحُّ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ قَوَدٌ ، أَوْ بِزَوْجِهِ ، أَوْ شَاهِدٍ .

مَسْأَلَةٌ 9 - 11 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ أَوْ عُضْوٍ وَقِيلَ : لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ ، وَقِيلَ : وَجْهُهُ فَقَطْ فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى ، ذَكَرَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ .
مَسْأَلَةُ الْكَفَالَةِ لَهُ بِالْجُزْءِ الشَّائِعِ وَمَسْأَلَةُ الْكَفَالَةِ بِعُضْوٍ ، وَمَسْأَلَةُ الْكَفَالَةِ بِوَجْهِهِ .
( أَمَّا مَسْأَلَةُ 9 ) الْكَفَالَةِ بِالْجُزْءِ الشَّائِعِ فَهَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالْمُغْنِي وَغَيْرِهِمَا ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ : هَذَا الْأَظْهَرُ ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالتَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَصِحُّ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي .
( وَأَمَّا مَسْأَلَةُ 10 ) الْكَفَالَةِ بِعُضْوٍ غَيْرَ الْوَجْهِ فَهَلْ تَصِحُّ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ ( أَحَدُهُمَا ) تَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرِهِ ، صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ : هَذَا الْأَظْهَرُ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالتَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَصِحُّ ، قَالَ الْقَاضِي : لَا تَصِحُّ بِبَعْضِ الْبَدَنِ ، انْتَهَى .
وَقِيلَ : إنْ كَانَتْ الْحَيَاةُ تَبْقَى مَعَهُ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَنَحْوِهِمَا لَمْ تَصِحَّ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَبْقَى كَرَأْسِهِ وَكَبِدِهِ وَنَحْوِهِمَا صَحَّ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا ، قَالَ فِي الْكَافِي : قَالَ غَيْرُ الْقَاضِي : إنْ كَفَلَ بِعُضْوٍ لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ

كَالرَّأْسِ وَالْقَلْبِ وَالظَّهْرِ صَحَّ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهَا كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى .
( وَأَمَّا مَسْأَلَةُ 11 ) الْكَفَالَةِ بِالْوَجْهِ فَقَطْ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهَا ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَالْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِمْ .
قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ : وَهُوَ الظَّاهِرُ .
وَقِيلَ : لَا تَصِحُّ .
قَالَ الْقَاضِي : لَا تَصِحُّ بِبَعْضِ الْبَدَنِ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ الْكَفَالَةُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ : فَقَطْ .
( تَنْبِيهٌ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إطْلَاقُ الْخِلَافِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لَا سِيَّمَا مَسْأَلَةُ الْوَجْهِ فَقَطْ ، إذْ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِيهِ ضَعِيفٌ جِدًّا ، فَمَا اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ حَتَّى يُطْلَقَ الْخِلَافُ فِيهِ ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْعِبَارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ : وَإِنْ كَفَلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ فَوَجْهَانِ ، وَيَصِحُّ بِعُضْوٍ .
وَقِيلَ : لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ ، وَقِيلَ : وَجْهُهُ فَقَطْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَفِي صِحَّةِ تَعْلِيقٍ ضَمَانٌ وَكَفَالَةٌ بِغَيْرِ سَبَبِ الْحَقِّ وَتَوْقِيتِهِمَا وَجْهَانِ ( م 12 و 13 ) .

( مَسْأَلَةُ 12 و 13 ) قَوْلُهُ وَفِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ ضَمَانٍ وَكَفَالَةٍ بِغَيْرِ سَبَبِ الْحَقِّ وَتَوْقِيتِهِمَا وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ .
( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 12 ) لَوْ عُلِّقَ الضَّمَانُ أَوْ الْكَفَالَةُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْحَقِّ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُذْهَبِ وَالْفَائِقِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ إطْلَاقُ الْخِلَافِ أَيْضًا .
( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، وَنَقَلَ مُهَنَّا الصِّحَّةَ فِي كَفِيلٍ بِهِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْكَفَالَةِ عَلَى شَرْطٍ وَتَوْقِيتِهَا فِي بَابِ الْكَفَالَةِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَصِحُّ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 13 ) تَوْقِيتُ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ تَوْقِيتِهِمَا حُكْمُ تَعْلِيقِهِمَا بِغَيْرِ سَبَبِ الْحَقِّ خِلَافًا وَمَذْهَبًا ، لَكِنْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَسْأَلَةِ التَّوْقِيتِ ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الصِّحَّةِ ، وَهُوَ أَقْيَسُ ، لِأَنَّهُ وَعَدَ مَعَ تَقْدِيمِهِ الصِّحَّةَ فِي تَعْلِيقِهِمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( تَنْبِيهٌ ) لَعَلَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَقْصًا وَتَقْدِيرُهُ " وَفِي صِحَّةِ تَعْلِيقِ ضَمَانٍ وَكَفَالَةٍ بِشَرْطٍ " ، فَقَوْلُهُ " بِشَرْطٍ " نَقْصٌ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ ، وَالتَّعْلِيقُ لَا يَكُونُ إلَّا بِشَرْطٍ هُنَا .
وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْحَقِّ مِثَالُ تَعْلِيقِهِمَا بِسَبَبِ الْحَقِّ ، الْعُهْدَةُ وَالدَّرَكُ ، وَمَا لَمْ يَجِبْ وَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُهُ ، وَقَوْلُهُ : إنْ أَقْرَضْت فُلَانًا كَذَا فَضَمَانُهَا عَلَيَّ أَوْ مَا أَعْطَيْته فَأَنَا ضَامِنُهُ ، فَهَذَا تَعَلَّقَ بِشَرْطٍ ، لَكِنَّهُ

سَبَبٌ لِلْحَقِّ ، فَذَلِكَ يَصِحُّ .

فَلَوْ تَكَفَّلَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِغَيْرِهِ أَوْ كَفِيلٌ بِهِ أَوْ كَفَلَهُ شَهْرًا فَوَجْهَانِ ( م 14 ) وَنَقَلَ مُهَنَّا الصِّحَّةَ فِي كَفِيلٍ بِهِ ، وَإِنْ قَالَ : أُبْرِئُ الْكَفِيلَ وَأَنَا كَفِيلٌ فَسَدَ الشَّرْطُ ، فِي الْأَصَحِّ ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ ، وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ ، وَمَتَى أَحْضَرَهُ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ ، وَلَمْ يَكُنْ حَائِلٌ بَرِئَ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَعَنْهُ : وَيَبْرَأُ مِنْهُ ، وَقِيلَ : إنْ امْتَنَعَ أَشْهَدَ ، وَقِيلَ : إنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا ، وَكَذَا قَبْلَ أَجَلِهِ ، وَلَا ضَرَرَ ، وَيَتَعَيَّنُ مَكَانُ الْعَقْدِ ، وَقِيلَ : مَعَ ضَرَرٍ ، وَقِيلَ : يَبْرَأُ بِبَقِيَّةِ الْبَلَدِ ، وَعَنْهُ : وَغَيْرُهُ وَفِيهِ سُلْطَانٌ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ .
( مَسْأَلَةٌ 14 ) قَوْلُهُ : فَلَوْ تَكَفَّلَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِغَيْرِهِ أَوْ كَفِيلٌ بِهِ أَوْ كَفَلَهُ شَهْرًا فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي تَعْلِيقِهِمَا وَتَوْقِيتِهِمَا لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ وَالشَّارِحُ هُنَا : قَوْلُ الْقَاضِي ، وَهُوَ عَدَمُ الصِّحَّةِ أَقْيَسُ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِمَا الصِّحَّةَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمَا الصِّحَّةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .

قَالَ شَيْخُنَا : إنْ كَانَ الْمَكْفُولُ فِي حَبْسِ الشَّرْعِ فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فِيهِ بَرِئَ ، وَلَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُهُ مِنْهُ إلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَيُمَكِّنُهُ الْحَاكِمُ مِنْ إخْرَاجِهِ لِيُحَاكِمَ غَرِيمَهُ ثُمَّ يَرُدَّهُ ، هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ ، كَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : فَإِنْ قِيلَ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ وَإِعْلَامُهُ بِمَكَانِهِ لَا يُعَدُّ تَسْلِيمًا ، قُلْنَا : بَلْ يُعَدُّ ، وَلِهَذَا إذَا دَلَّ عَلَى الصَّيْدِ مُحْرِمًا كَفَرَ ، وَإِذَا تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ أَوْ غَابَ نُصَّ عَلَيْهِمَا وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُهُ رَدُّهُ ، أَوْ مَضَى زَمَنٌ عَيَّنَهُ لِإِحْضَارِهِ الدَّيْنَ لَزِمَهُ الدَّيْنُ أَوْ عِوَضُ الْعَيْنِ ، وَفِي الْمُبْهِجِ وَجْهٌ ، كَشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَلْزَمُهُ إنْ امْتَنَعَ بِسُلْطَانٍ ، وَأُلْحِقَ بِهِ مُعْسِرٌ وَمَحْبُوسٌ ، وَنَحْوُهُمَا ، لِاسْتِوَاءِ الْمَعْنَى ، وَالسَّجَّانُ كَالْكَفِيلِ ، قَالَهُ شَيْخُنَا .
وَمَتَى أَدَّى مَا لَزِمَهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَكْفُولِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ كَضَامِنٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُسَلِّمُهُ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ ثُمَّ يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ ، بِخِلَافِ مَغْصُوبٍ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ مَعَ بَقَائِهِ ، لِامْتِنَاعِ بَيْعِهِ .

وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ فِي الْمَنْصُوصِ أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ ، بَرِئَ الْكَفِيلُ ( م 15 ) لَا بِمَوْتِ الْكَفِيلِ أَوْ الْمَكْفُولِ لَهُ ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَقَوْلِهِمْ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ أَوْ الْمَكْفُولِ ، فَدَلَّ أَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ ، بِخِلَافِ الْكَفِيلِ بِالدَّيْنِ ، قُلْنَا : وَكَذَا إذَا مَاتَ الْكَفِيلُ بِالدَّيْنِ بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ ، فَهُمَا سِيَّانِ .
مَسْأَلَةٌ 15 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ فِي الْمَنْصُوصِ أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِفِعْلِ اللَّهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَوْ سَلَّمَ نَفْسَهُ بَرِئَ الْكَفِيلُ ، انْتَهَى .
إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ الْمَكْفُولَةُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَوَارِيِّ وَنَحْوِهِمَا فَهَلْ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوْ لَا يَبْرَأُ ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( أَحَدُهُمَا ) يَبْرَأُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي وَالْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَنَصَرَاهُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَبْرَأُ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : فَإِنْ سَلَّمَهَا وَإِلَّا ضَمِنَ عِوَضَهَا ، وَقِيلَ : إلَّا أَنْ تَتْلَفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَضْمَنُهَا ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ، انْتَهَى .
.

وَمَنْ كَفَلَ أَوْ ضَمِنَ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ صُدِّقَ خَصْمُهُ ، وَفِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ ( م 16 ) .
مَسْأَلَةٌ 16 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ كَفَلَ أَوْ ضَمِنَ ثُمَّ قَالَ : لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ ، صُدِّقَ خَصْمُهُ ، وَفِي يَمِينِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَكَذَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي وَقَالَ : مَعْنَى تَوْجِيهِهِمَا فِي الرَّهْنِ يَعْنِي إذَا أَقَرَّ بِالرَّهْنِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ .
وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ أَيْضًا هُنَاكَ .
( أَحَدُهُمَا ) عَلَيْهِ الْيَمِينُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَقَالَا : هَذَا أَوْلَى .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ

وَمَنْ كَفَلَهُ اثْنَانِ فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا فِي الْمَنْصُوصِ أَوْ كَفَلَ لَهُمَا فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا بَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ

وَمَنْ عَلَيْهِمَا مِائَةٌ فَضَمِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا نِصْفَهَا أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ وَلَا نِيَّةَ ، فَقِيلَ : إنْ شَاءَ صَرَفَهُ إلَى الْأَصْلِ أَوْ الضَّمَانِ ، وَقِيلَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ( م 17 ) .

( مَسْأَلَةٌ 17 ) قَوْلُهُ : وَمَنْ عَلَيْهِمَا مِائَةٌ فَضَمِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا نِصْفَهَا أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ وَلَا نِيَّةَ فَقِيلَ : إنْ شَاءَ صَرَفَهُ إلَى الْأَصْلِ أَوْ الضَّمَانِ ، وَقِيلَ : بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، انْتَهَى .
هُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْفُصُولِ وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَابَعَ صَاحِبَ الْمُغْنِي ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ قَضَى بَعْضَ دَيْنِهِ أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ وَبِبَعْضِهِ رَهْنٌ أَوْ ضَمِينٌ كَانَ عَمَّا نَوَاهُ الدَّافِعُ أَوْ الْمُبَرِّئُ مِنْ الْقِسْمَيْنِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي النِّيَّةِ .
وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا صَرَفَهُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَالْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا ، وَقِيلَ : يُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالْحِصَصِ .
وَمَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ هُنَا مِثْلُ هَذِهِ ، بَلْ هِيَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا ، فَإِنَّ أَحَدَ الضَّامِنِينَ إذَا قَضَى نِصْفَهَا دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْرَأَهُ الْمَضْمُونُ لَهُ مِنْ نِصْفِهَا وَأَطْلَقَ كَانَ لَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا أَرَادَ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِذَنْ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ وَاضِحٌ ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَذَكَّرْ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا هُوَ وَغَيْرُهُ ، فَتَابَعَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي هُنَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَبْيَضَّ هَذَا الْجُزْءَ ، وَلَعَلَّ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ تِلْكَ فَرْقًا لَمْ يُحَرِّرْهُ ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْمُغْنِي ذَكَرَ هُنَا احْتِمَالَيْنِ ، وَقَطَعَ هُنَاكَ ، لَكِنَّ صَاحِبَ الْمُغْنِي لَمْ يَشْتَرِطْ فِي كِتَابِهِ مَا اشْتَرَطَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَإِنْ أَحَالَ عَلَيْهِمَا لِيَقْبِضَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ [ صَحَّ ] ، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجْهًا : لَا كَحَوَالَتِهِ عَلَى اثْنَيْنِ لَهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مِائَةٌ ، وَإِنْ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا مِنْ الْمِائَةِ بَقِيَ عَلَى الْآخَرِ خَمْسُونَ أَصَالَةً .

وَإِنْ ضَمِنَ ثَالِثٌ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ وَقَضَاهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِهَا ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْآخَرِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ( م 18 ) وَإِنْ ضَمِنَ مَعْرِفَتَهُ أُخِذَ بِهِ ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ .
( مَسْأَلَةٌ 18 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ ضَمِنَ ثَالِثٌ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ وَقَضَاهَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِهَا ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْآخَرِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : الصَّوَابُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَى الْآخَرِ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ أَدَّى حَقًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ وَنَوَى الرُّجُوعَ ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ مَسْأَلَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ قَرِيبًا ، وَأَطْلَقَ فِيهَا الْخِلَافَ ، وَهِيَ مَا إذَا ضَمِنَ الضَّامِنُ آخَرَ فَإِنَّهُ قَالَ : وَإِنْ قَضَاهُ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إذَا كَانَ وَاحِدٌ أَذِنَ ، وَإِلَّا فَفِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّ الصَّحِيحَ لَهُ الرُّجُوعُ ، وَأَنَّ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْخِلَافَ شَيْئًا ، عَلَى الصَّحِيحِ ، فَكَذَا هَذِهِ ، هَذَا مَا يَظْهَرُ لِي ، بَلْ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الضَّامِنَ الثَّالِثَ ضَامِنٌ عَنْهُ خَمْسِينَ بِالْأَصَالَةِ ، فَهُوَ ضَامِنٌ أَوَّلٌ ، وَخَمْسِينَ بِالضَّمَانِ هُوَ فِيهَا ضَامِنٌ ثَانٍ ، فَهِيَ كَتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَمْسِينَ الَّتِي ضَمِنَهَا الشَّرِيكُ .
فَهَذِهِ ثَمَانِ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً قَدْ أَطْلَقَ فِيهَا الْخِلَافَ .

وَمَتَى أَحَالَ رَبُّ الْحَقِّ أَوْ أُحِيلَ أَوْ زَالَ الْعَقْدُ بَرِئَ الْكَفِيلُ ، وَبَطَلَ الرَّهْنُ وَيَثْبُتُ لِوَارِثِهِ ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ .
وَفِي الرِّعَايَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى احْتِمَالُ وَجْهَيْنِ فِي بَقَاءِ الضَّمَانِ ، وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيهَا يَبْرَأُ

وَأَنَّهُ إنْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ رَقَّ وَسَقَطَ الضَّمَانُ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ أَقَالَهُ فِي سَلَمٍ بِهِ رَهْنٌ حَبَسَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ ، جَعَلَهُ أَصْلًا لِحَبْسِ رَهْنٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ بِالْمُتْعَةِ .

تَصِحُّ بِلَفْظِهَا أَوْ مَعْنَاهَا الْخَاصِّ بِرِضَا الْمُحِيلِ بِشَرْطِ الْمُقَاصَّةِ وَعِلْمِ الْمَالِ ، وَفِي مَذْرُوعٍ وَمَعْدُودٍ وَجْهَانِ ( م 1 ) وَاسْتِقْرَارُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : وَالْمُحَالُ بِهِ ، جَزَمَ بِهِ الْحَلْوَانِيُّ .
بَابُ الْحَوَالَةِ ( مَسْأَلَةٌ 1 ) [ قَوْلُهُ ] تَصِحُّ بِلَفْظِهَا أَوْ مَعْنَاهَا الْخَاصِّ بِرِضَا الْمُحِيلِ بِشَرْطِ الْمُقَاصَّةِ وَعِلْمِ الْمَالِ ، وَفِي مَذْرُوعٍ وَمَعْدُودٍ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
يَعْنِي يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمَالِ وَأَنْ يَكُونَ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ ، فَفِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ مِنْ الْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ الْوَجْهَانِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفَائِقِ وَالزَّرْكَشِيِّ ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ : إنَّمَا يَصِحُّ فِي دَيْنٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ .
وَأَطْلَقَا فِي إبِلِ الدِّيَةِ الْوَجْهَيْنِ .
( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ فِي الْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ .
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ : تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِكُلِّ مَا صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ ، وَهُوَ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مِثْلٌ كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ وَالثِّمَارِ ، أَوْ لَا مِثْلَ لَهُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ .
وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، قَالَ النَّاظِمُ : يَصِحُّ فِيمَا فِيهِ السَّلَمُ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ فِي الْإِبِلِ .
قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا يُقْضَى بِهِ قَرْضُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : قَدْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَرْضِ ، وَصَحَّحْنَاهَا هُنَاكَ ، فَلْيُرَاجَعْ .
.

فَلَا يَصِحَّانِ فِي دَيْنِ سَلَمٍ وَفِي رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَجْهَانِ ( م 2 ) وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِهِمْ فِي لُحُوقِ الزِّيَادَةِ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مُنَزَّلٌ كَمَوْجُودٍ ، لِصِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ وَبِهِ .
مَسْأَلَةٌ 2 ) قَوْلُهُ : فَلَا يَصِحَّانِ فِي دَيْنِ سَلَمٍ ، وَفِي رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ فَسْخِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَشَرْحِهِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالنَّظْمِ وَالْفَائِقِ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَصِحُّ .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ الْقَبْضِ وَالضَّمَانِ فِي الْبَيْعِ : وَلَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ مَعَ الْمَدْيُونِ وَعَلَيْهِ بِحَالٍ فِي دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَكَذَا رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ بَعْدَ فَسْخِهِ مَعَ اسْتِقْرَارِهِ أَيْضًا .
وَقِيلَ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ، انْتَهَى .
فَقَدَّمَ عَدَمَ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَصِحُّ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ ، ثُمَّ وَجَدْته فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ قَالَ : وَهُوَ أَصَحُّ ، عَلَى مَا يَظْهَرُ لِي ، قَالَ : وَمُسْتَنَدِي عُمُومُ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ أَوْ جُمْهُورِهِمْ ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَشْتَرِطُ فِي الدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا ، وَهَذَا مُسْتَقِرٌّ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : يَصِحُّ فِي كُلِّ دَيْنٍ عَدَا كَذَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْمُسْتَثْنَى ، وَهَذَا دَيْنٌ ، فَصَحَّتْ الْحَوَالَةُ بِهِ وَعَلَيْهِ عَلَى الْعِبَارَتَيْنِ ، انْتَهَى .

وَلَا يَصِحُّ عَلَى دَيْنِ كِتَابَةٍ وَلَوْ حَلَّ فِي الْمَنْصُوصِ ، وَمَهْرٍ وَأُجْرَةٍ بِالْعَقْدِ ، وَفِيهِنَّ بِهَا وَجْهَانِ ( م 3 ) .

( مَسْأَلَةٌ 3 ) قَوْلُهُ : وَلَا يَصِحُّ عَلَى دَيْنِ كِتَابَةٍ ، وَمَهْرٍ وَأُجْرَةٍ بِالْعَقْدِ ، وَفِيهِنَّ بِهَا وَجْهَانِ ، انْتَهَى ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ فِي الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ وَالْمَهْرِ .
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ : يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ بِدَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ وَعَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ .
وَقَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ : وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ مُسْتَقِرٌّ عَلَى مُسْتَقِرٍّ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ : إنَّ مَا يَصِحُّ بِدَيْنٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ مُسْتَقِرٌّ ، فِي الْأَشْهَرِ ، عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ .
وَقَالَ فِي الْفَائِقِ : وَيَخْتَصُّ صِحَّتُهَا بِدَيْنٍ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ ، وَيُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عَلَى مُسْتَقِرٍّ .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ مُسْتَقِرٍّ وَلَا غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ ، فَلَا تَصِحُّ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ : تَصِحُّ حَوَالَةُ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَيَبْرَأُ الْعَبْدُ وَيَعْتِقُ وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْمُحَرَّرِ : الدُّيُونُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : دَيْنُ سَلَمٍ ، وَدَيْنُ كِتَابَةٍ ، وَمَا عَدَاهُمَا وَهُوَ قِسْمَانِ : مُسْتَقِرٌّ وَغَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، كَثَمَنِ الْبَيْعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَنَحْوِهِ ، فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِدَيْنِ السَّلَمِ وَلَا عَلَيْهِ ، وَتَصِحُّ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ عَلَى الصَّحِيحِ دُونَ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ ، وَيَصِحَّانِ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ مُسْتَقِرِّهَا وَغَيْرِ مُسْتَقِرِّهَا .
وَقِيلَ : لَا تَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مُسْتَقِرٍّ بِحَالٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ .
وَقِيلَ : وَلَا بِمَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي

الْمُجَرَّدِ ، وَتَبِعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالسَّامِرِيُّ ، انْتَهَى .
وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ : يُشْتَرَطُ أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ ، فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ أَوْ السَّلَمِ أَوْ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ أَوْ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ صَحَّ ، انْتَهَى .
وَقَالَ فِي الْكَافِي : يُشْتَرَطُ أَنْ يُحِيلَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ ، وَلَا يُعْتَبَرُ اسْتِقْرَارُ الْمُحَالِ بِهِ ، فَلَوْ أَحَالَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِصَدَاقِهَا ، أَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، أَوْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ بِنَجْمٍ قَدْ حَلَّ ، صَحَّ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ أَحَالَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ الْبَائِعُ أَوْ السَّيِّدُ وَالْحَالَةُ مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَصِحَّ ، انْتَهَى ، مُلَخَّصًا ، وَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ ، وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَالَ : نُصَّ عَلَيْهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِقْرَارُ الْمُحَالِ بِهِ ، كَمَا هُوَ مُخْتَارُ الشَّيْخِ الْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ الَّذِي فِي التَّلْخِيصِ ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَالزَّرْكَشِيِّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ اشْتِرَاطَ اسْتِقْرَارِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَالْمُحَالِ بِهِ ، كَالْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَالْحَلْوَانِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَالسَّامِرِيِّ وَالْفَخْرِ بْنِ تَيْمِيَّةَ وَأَبِي الْمَعَالِي وَابْنِ حَمْدَانَ وَصَاحِبِ الْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ ، وَتَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ عِدَّةَ طُرُقٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( تَنْبِيهَاتٌ ) ( الْأَوَّلُ ) أَخَلَّ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فِي الْمَهْرِ وَالْأُجْرَةِ بِالْعَقْدِ ، فَإِنَّ فِيهِمَا قَوْلًا كَبِيرًا بِجَوَازِ الْجَهَالَةِ عَلَيْهِمَا ، قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالزَّرْكَشِيِّ وَغَيْرِهِمَا ،

وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِغَيْرِهِ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ .
( الثَّانِي ) فِي إطْلَاقِهِ الْخِلَافَ مَعَ تَقْدِيمِهِ أَوَّلًا اشْتِرَاطَ اسْتِقْرَارِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُحَالِ بِهِ نَظَرٌ .
( الثَّالِثُ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَفِيهِنَّ بِهَا وَجْهَانِ " صَوَابُهُ " وَفِيهَا بِهِنَّ وَجْهَانِ " يَعْنِي وَفِي الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ وَالْمَهْرِ وَالْأُجْرَةِ وَجْهَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
.

وَمَتَى رَضِيَ الْمُحْتَالُ بَرِئَ مُحِيلُهُ ، وَكَذَا إنْ رَضِيَ وَجَهِلَهُ أَوْ ظَنَّهُ مَلِيئًا فَبَانَ مُفْلِسًا ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَعَنْهُ : يَرْجِعُ ، كَشَرْطِهَا ، وَكَمَا لَوْ بَانَ مُفْلِسًا بِلَا رِضًا ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ أُجْبِرَ عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى قَبُولِهَا عَلَى مَلِيءٍ بِمَالِهِ ، وَقَوْلُهُ وَبِدَيْنِهِ فَقَطْ ، وَيَبْرَأُ بِهَا مُحِيلُهُ وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَوْ جَحَدَ أَوْ مَاتَ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ، وَعَنْهُ : إذَا أَجْبَرَهُ حَاكِمٌ ، فَيَتَوَجَّهُ قَبْلَهُ مُطَالَبَةُ مُحِيلِهِ ، وَذَكَرَ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُهُ أَبُو يَعْلَى : لَا ، كَتَعْيِينِهِ كِيسًا فَيُرِيدُ غَيْرَهُ ، قَالَ أَبُو يَعْلَى : وَالْوَكَالَةُ فِي الْإِيفَاءِ يَحْرُمُ امْتِنَاعُهُ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِهَا بَلْ مُطَالَبَتُهُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَمَتَى صَحَّتْ فَرَضِيَا بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ بِدُونِهِ أَوْ تَعْجِيلِهِ أَوْ تَأْجِيلِهِ أَوْ عِوَضِهِ جَازَ ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ، وَذَكَرَ فِي التَّرْغِيبِ الْأُولَى فَظَاهِرُهُ مَنْعُ عِوَضِهِ ، وَنَقَلَ سِنْدِيٌّ فِيمَنْ أَحَالَهُ عَلَيْهِ بِدِينَارٍ فَأَعْطَاهُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا لَا يَنْبَغِي إلَّا مَا أَعْطَاهُ

وَإِذَا أُحِيلَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِ الْمَبِيعِ أَوْ أَحَالَ بِهِ فَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى فُسِخَ الْبَيْعُ بِخِيَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ ، كَأَخْذِ الْبَائِعِ بِحَقِّهِ عِوَضًا ، وَقِيلَ : بَلَى ، كَمَا لَوْ بَانَ بَاطِلًا ، بِبَيِّنَةٍ أَوْ اتِّفَاقِهِمَا ، فَعَلَى هَذَا فِي بُطْلَانِ إذْنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ وَجْهَانِ ( م 4 ) وَأَبْطَلَ الْقَاضِي الْحَوَالَةَ بِهِ لَا عَلَيْهِ ، لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ ، وَكَذَا إنْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ .
مَسْأَلَةٌ 4 ) قَوْلُهُ : وَإِذَا أُحِيلَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِ الْمَبِيعِ أَوْ أَحَالَ بِهِ فَلَمْ يَقْبِضْ حَتَّى فُسِخَ الْبَيْعُ بِخِيَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تَبْطُلْ الْحَوَالَةُ ، وَقِيلَ : بَلَى ، فَعَلَى هَذَا فِي بُطْلَانِ إذْنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
أَطْلَقَ الْخِلَافَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَبْطُلُ ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَبْطُلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : فَعَلَى وَجْهِ بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَبْضُ ، فَإِنْ فَعَلَ اُحْتُمِلَ أَنْ لَا يَقَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ انْفَسَخَتْ فَبَطَلَ الْإِذْنُ الَّذِي كَانَ ضَمِنَهَا .
وَاحْتُمِلَ أَنْ يَقَعَ عَنْهُ ، لِأَنَّ الْفَسْخَ وَرَدَ عَلَى خُصُوصِ جِهَةِ الْحَوَالَةِ دُونَ مَا تَضَمَّنَهُ الْإِذْنُ ، فَيُضَاهِي تَرَدُّدَ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَمْرِ ، إذَا فُسِخَ الْوُجُوبُ هَلْ يَبْقَى الْجَوَازُ ؟ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بَقَاؤُهُ ، وَإِذَا صَلَّى الْفَرْضَ قَبْلَ وَقْتِهَا انْعَقَدَ نَفْلًا ، انْتَهَى .
قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ : هَذَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ ، وَهِيَ إذَا بَطَلَ الْوَصْفُ هَلْ يَبْطُلُ الْأَصْلُ أَمْ لَا ؟ وَيَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ ، وَهِيَ إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ هَلْ يَبْطُلُ الْعُمُومُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ ، ذَكَرَهَا فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ ، انْتَهَى .

وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَوْلِهِ : أَحَلْتُك أَوْ أَحَلْتُك بِدَيْنِي وَقَالَ أَحَدُهُمَا الْمُرَادُ بِهِ الْوَكَالَةُ ، فَقِيلَ : يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَقِيلَ : مُدَّعِي الْحَوَالَةِ ، كَقَوْلِهِ أَحَلْتُك بِدَيْنِك ( م 5 وَ 6 ) .
مَسْأَلَةٌ 5 وَ 6 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَوْلِ أَحَلْتُك أَوْ أَحَلْتُك بِدَيْنِي .
وَقَالَ أَحَدُهُمَا الْمُرَادُ بِهِ الْوَكَالَةُ ، فَقِيلَ : يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَقِيلَ : مُدَّعِي الْحَوَالَةِ ، كَقَوْلِهِ أَحَلْتُك بِدَيْنِك ، انْتَهَى .
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 5 ) إذَا اتَّفَقَا عَلَى قَوْلِهِ أَحَلْتُك ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا : الْمُرَادُ بِهِ الْوَكَالَةُ ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؟ وَجْهَانِ ، وَأَطْلَقَهَا فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالْمُقْنِعِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَالنَّظْمِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ ، صَحَّحَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَالْفَائِقِ وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهِمْ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 6 ) لَوْ اتَّفَقَا عَلَى قَوْلِهِ أَحَلْتُك بِدَيْنِي ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا : الْمُرَادُ بِهِ الْوَكَالَةُ ، فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؟ وَجْهَانِ ، وَالْحُكْمُ هُنَا كَالْحُكْمِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا ، وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، فَكَذَا يَكُونُ فِيهَا ، لَكِنْ قَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى هُنَا : أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ ، وَفِيهِ قُوَّةٌ .
.

وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو : أَحَلْتنِي بِدَيْنِي عَلَى بَكْرٍ وَاخْتَلَفَا فِي جَرَيَانِ لَفْظِ الْحَوَالَةِ [ فَقِيلَ ] يُصَدَّقُ عَمْرٌو ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ ، فَلَا يَقْبِضُ زَيْدٌ مِنْ بَكْرٍ ، لِعَزْلِهِ بِالْإِنْكَارِ ، وَفِي طَلَبِ [ زَيْدٍ ] دَيْنَهُ مِنْ عَمْرٍو وَجْهَانِ لِأَنَّ دَعْوَاهُ الْحَوَالَةَ بَرَاءَةٌ ، وَمَا قَبَضَهُ وَهُوَ قَائِمٌ لِعَمْرٍو أَخَذَهُ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَالتَّالِفُ مِنْ عَمْرٍو ، وَقِيلَ يُصَدَّقُ زَيْدٌ فَيَأْخُذُ مِنْ بَكْرٍ ( م 7 ، 8 ) وَلَوْ قَالَ زَيْدٌ : وَكَّلْتنِي ، وَقَالَ عَمْرٌو : أَحَلْتُك ، فَمَنْ رَجَّحَ فِي الْأُولَى قَوْلَ عَمْرٍو رَجَّحَ هُنَا قَوْلَ زَيْدٍ ، وَمَنْ رَجَّحَ فِي الْأُولَى قَوْلَ زَيْدٍ رَجَّحَ هُنَا قَوْلَ عَمْرٍو ( م 9 ) وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَوْلِهِ أَحَلْتُك أَوْ أَحَلْتُك بِدَيْنِي ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا الْمُرَادُ بِهِ الْوَكَالَةُ فَقِيلَ : يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَقِيلَ : مُدَّعِي الْحَوَالَةِ كَقَوْلِهِ أَحَلْتُك بِدَيْنِك .
قَالَ شَيْخُنَا : وَالْحَوَالَةُ عَلَى مَالِهِ فِي الدِّيوَانِ إذْنٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَقَطْ ، وَلِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ وَمُطَالَبَةُ [ مُحِيلِهِ ] وَإِحَالَةُ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مَنْ دَيْنُهُ عَلَيْهِ وَكَالَةً ، وَمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ عَلَى مِثْلِهِ وَكَالَةً فِي اقْتِرَاضٍ ، وَكَذَا مَدِينٌ عَلَى بَرِيءٍ فَلَا يُصَادِفُهُ ، نُصَّ عَلَيْهِ .
وَفِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ إنْ رَضِيَ الْبَرِيءُ بِالْحَوَالَةِ صَارَ ضَامِنًا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ .

مَسْأَلَةٌ 7 و 8 ) قَوْلُهُ : فَإِنْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو : أَحَلْتنِي بِدَيْنِي عَلَى بَكْرٍ ، وَاخْتَلَفَا فِي جَرَيَانِ لَفْظِ الْحَوَالَةِ ، فَقِيلَ : يُصَدَّقُ عَمْرٌو ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ ، فَلَا يَقْبِضُ زَيْدٌ مِنْ بَكْرٍ ، لِعَزْلِهِ بِالْإِنْكَارِ ، وَفِي طَلَبِ دَيْنِهِ مِنْ عَمْرٍو وَجْهَانِ ، لِأَنَّ دَعْوَى الْحَوَالَةِ بَرَاءَةٌ وَمَا قَبَضَهُ وَهُوَ قَائِمٌ لِعَمْرٍو أَخَذَهُ فِي الْأَصَحِّ وَالتَّالِفُ مِنْ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : يُصَدَّقُ زَيْدٌ فَيَأْخُذُ مِنْ بَكْرٍ ، انْتَهَى ذِكْرُ مَسْأَلَتَيْنِ .
( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) إذَا اخْتَلَفَا فِي جَرَيَانِ لَفْظِ الْحَوَالَةِ وَمَعْنَاهُ هَلْ جَرَى بَيْنَهُمَا لَفْظُ الْحَوَالَةِ أَوْ غَيْرُهُ بِدَلِيلِ عَكْسِهَا ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ وَبِدَلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا ، نَبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا ، فَإِذَا قَالَ الْمُحِيلُ وَهُوَ عَمْرٌو لِلْمُحْتَالِ وَهُوَ زَيْدٌ : إنَّمَا وَكَّلْتُك فِي الْقَبْضِ لِي بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ .
وَقَالَ زَيْدٌ : بَلْ أَحَلْتنِي بِدَيْنِي عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ بَكْرٌ ، فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ وَهُوَ عَمْرٌو ، أَوْ قَوْلُ الْمُحْتَالِ وَهُوَ زَيْدٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، أَطْلَقَهُمَا الْمُصَنِّفُ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
( أَحَدُهُمَا ) الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ وَهُوَ عَمْرٌو ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا : جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ وَهُوَ زَيْدٌ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَحْلِفُ الْمُحِيلُ وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا تَبَعًا لِصَاحِبِ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : لَا يَقْبِضُ الْمُحْتَالُ وَهُوَ زَيْدٌ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَكْرٌ ، لِعَزْلِهِ بِالْإِنْكَارِ ، وَفِي طَلَبِ دَيْنِهِ مِنْ عَمْرٍو وَهُوَ الْمُحِيلُ وَجْهَانِ ، وَهِيَ : ( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 8 )

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ .
( أَحَدُهُمَا ) لَهُ طَلَبُهُ مِنْهُ ، لِإِنْكَارِهِ الْحَوَالَةَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ ، لِأَنَّ دَعْوَى الْحَوَالَةِ بَرَاءَةٌ وَهُوَ مُدَّعِيهَا .
مَسْأَلَةٌ 9 ) قَوْلُهُ : وَلَوْ قَالَ زَيْدٌ : وَكَّلْتنِي ، وَقَالَ عَمْرٌو : أَحَلْتُك ، فَمَنْ رَجَّحَ فِي الْأُولَى قَوْلَ عَمْرٍو رَجَّحَ هُنَا قَوْلَ زَيْدٍ ، وَمَنْ رَجَّحَ فِي الْأُولَى قَوْلَ زَيْدٍ رَجَّحَ هُنَا قَوْلَ عَمْرٍو ، انْتَهَى .
فَالْمُصَنِّفُ قَدْ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، وَكَذَا يَكُونُ فِي هَذِهِ ، لَكِنَّ التَّرْجِيحَ يَخْتَلِفُ ، لِأَنَّهَا عَكْسُهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ ، فَقَدْ قُطِعَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ : أَنَّ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ ، وَهُوَ زَيْدٌ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا رَجَّحُوا قَوْلَ عُمَرَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فَإِنَّهُ قَالَ : وَلَوْ قَالَ زَيْدٌ : وَكَّلْتنِي ، وَقَالَ عَمْرٌو : أَحَلْتُك ، فَمَنْ رَجَّحَ فِي الْأَوَّلِ قَوْلَ عَمْرٍو رَجَّحَ هُنَا قَوْلَ زَيْدٍ ، فَإِذَا حَلَفَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَنَّهُ وَكِيلٌ رَجَعَ عَلَى عَمْرٍو ، وَفِي رُجُوعِ عَمْرٍو عَلَى بَكْرٍ وَجْهَانِ ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ ، وَإِنْ كَانَ تَلِفَ بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهُ وَيَرْجِعْ بِدَيْنِهِ عَلَى عَمْرٍو ، وَمَنْ رَجَّحَ فِي الْأَوَّلِ قَوْلَ زَيْدٍ رَجَّحَ هُنَا قَوْلَ عَمْرٍو ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ أَحَالَهُ قَبَضَ زَيْدٌ مِنْ بَكْرٍ بِالْوَكَالَةِ عَلَى قَوْلِهِ ، وَبِالْحَوَالَةِ عَلَى قَوْلِ عَمْرٍو ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا ، انْتَهَى .
فَهَذِهِ تِسْعُ مَسَائِلَ قَدْ أَطْلَقَ فِيهَا الْخِلَافَ فِي هَذَا الْبَابِ .
.

إذَا أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ فَوَهَبَ أَوْ أَسْقَطَ بَعْضَهُ وَطَلَبَ بَاقِيَهُ صَحَّ ، لَا بِلَفْظِ الصُّلْحِ ، عَلَى الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ ، خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ ، أَوْ جَعَلَهُ شَرْطًا فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ مَنَعَهُ الْمَدْيُونُ حَقَّهُ بِدُونِهِ ، وَيَصِحُّ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ مَعَ إنْكَارٍ وَلَا بَيِّنَةَ ، وَكَذَا مِنْ وَلِيٍّ ، وَقِيلَ : لَا .
قَطَعَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ ، وَيَصِحُّ عَمَّا ادَّعَى عَلَى مُوَلِّيهِ وَبِهِ بَيِّنَةٌ ، وَقِيلَ : أَوْ لَا .

وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا لَمْ يَصِحَّ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ .
وَفِي الْإِرْشَادِ وَالْمُبْهِجِ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا شَيْخُنَا ، لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ هُنَا ، وَكَدَيْنِ الْكِتَابَةِ ، جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا ، فَدَلَّ أَنَّهُ إنَّمَا جَوَّزَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، وَالْأَشْهَرُ عَكْسُهُ ، وَنَقَلَ ابْنُ ثَوَابٍ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِرِبْحٍ إلَى أَجَلٍ : عَجِّلْ لِي وَأَضَعُ عَنْك ، قَالَ : مَنْ أَخَذَ دَرَاهِمَهُ بِعَيْنِهَا فَلَا بَأْسَ ، وَكُرِهَ أَكْثَرُ .
وَسَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْ هَذِهِ الصُّورَةِ ، فَقَالَ : كَذَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا لَهُ يَضَعُ مِنْهُ مَا شَاءَ .
قُلْت : مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : هُوَ رِبًا .

وَلَوْ وَضَعَ بَعْضَ الْحَالِّ وَأَجَّلَ بَاقِيَهُ صَحَّ الْإِسْقَاطُ ، وَعَنْهُ : لَا ، كَالتَّأْجِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ وَعْدٌ ، وَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ مِائَةٍ صِحَاحٍ بِخَمْسِينَ مُكَسَّرَةٍ هَلْ هُوَ إبْرَاءٌ مِنْ الْخَمْسِينَ وَوَعْدٌ فِي الْأُخْرَى ؟ .

وَلَوْ صَالَحَ عَنْ حَقٍّ كَدِيَةِ خَطَإٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ غَيْرَ مِثْلِيٍّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ لَمْ يَصِحَّ ، وَصَحَّحَهُ شَيْخُنَا وَأَنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، كَعَرَضٍ وَكَالْمِثْلِيِّ ، وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ تَأْجِيلُ الْقِيمَةِ ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ : إنْ صَالَحَ عَنْ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ بِالتَّلَفِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ رِوَايَةً : يَصِحُّ ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا رِوَايَةً بِتَأْجِيلِ الْحَالِّ فِي الْمُعَاوَضَةِ لَا التَّبَرُّعِ ( و هـ ) ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ .

وَلَوْ صَالَحَهُ عَنْ بَيْتٍ أَقَرَّ بِهِ عَلَى سُكْنَاهُ سَنَةً أَوْ بِنَاءِ غَرْفَةٍ لَهُ فَوْقَهُ ، أَوْ ادَّعَى رِقَّ مُكَلَّفٍ ، أَوْ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ، فَأَقَرَّ لَهُ بِعِوَضٍ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ بَذَلَتْهُ الزَّوْجَةُ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَدَفَعَتْ لَهُ مَالًا لِيُقِرَّ بِهِ فَقِيلَ يَجُوزُ كَبَذْلِ الْمُدَّعَى رِقُّهُ ، وَفِي إنَابَتِهَا بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجْهَانِ وَقِيلَ : لَا .
( م 1 و 2 ) .

بَابُ الصُّلْحِ ( مَسْأَلَةٌ 1 وَ 2 ) قَوْلُهُ : وَلَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَقَرَّتْ لَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ بَذَلَتْهُ الزَّوْجَةُ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَدَفَعَتْ لَهُ مَالًا لِيُقِرَّ بِهِ فَقِيلَ : يَجُوزُ ، كَبَذْلِ الْمُدَّعَى رِقُّهُ ، وَفِي إبَانَتِهَا بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجْهَانِ ، وَقِيلَ : لَا ، انْتَهَى .
ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) إذَا ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَقَرَّتْ لَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ بَذَلَتْ الزَّوْجَةُ الْعِوَضَ لِيُقِرَّ لَهَا بِأَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَتِهِ أَوْ لِيُقِرَّ لَهَا بِالطَّلَاقِ فَهَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
وَالْأَحْسَنُ فِي الْعِبَارَةِ ، " فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا " ؟ وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَصِحُّ ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ قَطَعُوا بِالصِّحَّةِ فِي دَفْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعُبُودِيَّةُ مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا دَفْعَ الْمَرْأَةِ إلَيْهِ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 2 ) إذَا بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ لِلزَّوْجِ مَالًا لِيُقِرَّ بِأَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَتِهِ وَيَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْهَا فَفَعَلَ وَقُلْنَا يَصِحُّ ، فَهَلْ تَبِينُ بِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِيهِ ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
( أَحَدُهُمَا ) تَبِينُ مِنْهُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نِكَاحِهَا فَكَانَ خُلْعًا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالزَّوْجِيَّةِ فَخَالَعَهَا .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا تَبِينُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ طَلَاقٌ وَلَا خُلْعٌ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ

، وَهُوَ قَوِيٌّ جِدًّا .
وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ الْخِلَافَ فِيهِ شَيْءٌ .
( تَنْبِيهٌ ) قَوْلُهُ : " وَإِنْ بَذَلَتْهُ الزَّوْجَةُ لِيُقِرَّ بِهِ " فِي فَهْمِهِ غُمُوضٌ ، وَالْمَعْنَى لِيُقِرَّ لَهَا أَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَةٍ ، وَلَا يُفْهَمُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ كَلَامِهِ إلَّا بِتَقْدِيرٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَلَوْ قَالَ : أُقِرُّ بِدَيْنِي وَخُذْ مِائَةً ، صَحَّ إقْرَارُهُ ، لَا الصُّلْحُ ، وَالْمُصَالَحَةُ بِنَقْدٍ عَنْ نَقْدِ صَرْفٌ ، وَبِعَرَضٍ ، أَوْ عَنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ عَرَضِ بَيْعٌ ، وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ عَلَى [ ظَاهِرِ ] كَلَامِهِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ .
وَقَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ ، وَعَنْ دَيْنٍ يَجُوزُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُطْلَقًا ، وَيَحْرُمُ بِجِنْسِهِ بِأَكْثَرَ أَوْ بِأَقَلَّ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَبِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ يَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَبِمَنْفَعَةٍ كَسُكْنَى وَخِدْمَةِ إجَارَةٍ .
.

وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ وَالْمُحَرَّرِ : لَوْ صَالَحَ الْوَرَثَةُ مَنْ وَصَّى لَهُ بِخِدْمَةٍ أَوْ سُكْنَى أَوْ حَمْلِ أَمَتِهِ ( م ) بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ جَازَ لَا بَيْعًا ( و هـ م ) .

وَلَوْ صَالَحَ عَنْ عَيْبِ مَبِيعٍ بِشَيْءٍ [ صَحَّ ] وَيَرْجِعُ بِهِ إنْ زَالَ [ الْعَيْبُ ] فَلَوْ صَالَحَتْ عَنْهُ الْمَرْأَةُ بِتَزْوِيجِهَا صَحَّ ، وَأَرْشُهُ مَهْرُهَا [ وَرَجَعَتْ إنْ زَالَ بِأَرْشِهِ لَا بِمَهْرِهَا ] .

وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ مَجْهُولٍ يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ بِمَعْلُومٍ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ كَبَرَاءَةٍ مِنْ مَجْهُولٍ ، وَجَزَمَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ بِالْمَنْعِ ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ ، كَالْبَيْعِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ ، وَظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ ( وَ م ) وَخَرَّجَ فِي التَّعْلِيقِ وَالِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِمَا فِي صُلْحِ الْمَجْهُولِ وَالْإِنْكَارِ مِنْ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ عَدَمَ الصِّحَّةِ ، وَخَرَّجَهُ فِي التَّبْصِرَةِ مِنْ الْإِبْرَاءِ مِنْ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمَا بِهِ ، وَقِيلَ : لَا يَصِحُّ عَنْ أَعْيَانٍ مَجْهُولَةٍ ، لِكَوْنِهِ إبْرَاءً ، وَهِيَ لَا تَقْبَلُهُ ، وَفِي التَّرْغِيبِ : هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ .

وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ فَسَكَتَ أَوْ أَنْكَرَ وَهُوَ يَجْهَلُهُ ثُمَّ صَالَحَ بِمَالٍ صَحَّ ، وَهُوَ لِلْمُدَّعِي بَيْعٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِشُفْعَةٍ وَيُرَدُّ مَعِيبُهُ وَيُفْسَخُ الصُّلْحُ ، فَإِنْ صَالَحَ بِبَعْضِ عَيْنِ الْمُدَّعِي فَهُوَ فِيهِ كَمُنْكِرٍ ، وَفِيهِ خِلَافٌ ، وَهُوَ لِلْآخَرِ إبْرَاءٌ ، فَلَا شُفْعَةَ وَلَا رَدَّ ، وَفِي الْإِرْشَادِ : يَصِحُّ هَذَا الصُّلْحُ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ ، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مُلْجِئٌ إلَى التَّأْخِيرِ بِتَأْخِيرِ خَصْمِهِ ، قَالَ فِي التَّرْغِيبِ : وَظَاهِرُهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ إلَّا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ مِنْ شُفْعَةٍ عَلَيْهِ وَأَخْذِ زِيَادَةٍ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ ، وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ : إذَا صَالَحَهُ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ بِتَأْخِيرٍ جَازَ ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى : الصُّلْحُ جَائِزٌ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ ( م ) وَمَعْنَاهُ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّهُ قَالَ الصُّلْحُ بِالنَّسِيئَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةً مِنْهَا : يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ صُلْحًا بِتَأْخِيرٍ ، فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ لَمْ يُطَالِبْهُ بِالْبَقِيَّةِ ، وَإِنْ كَذَّبَ أَحَدَهُمَا فَحَرَامٌ عَلَيْهِ مَا أَخَذَ ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ إنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ .

وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ وَالْمُدَّعَى دَيْنٌ صَحَّ ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمُنْكِرَ وَكَّلَهُ فَوَجْهَانِ ( م 3 ) .
مَسْأَلَةٌ 3 ) قَوْلُهُ : وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ وَالْمُدَّعَى دَيْنٌ صَحَّ ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمُنْكِرَ وَكَّلَهُ فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَصِحُّ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْحَاوِيَيْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ ، وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ .

وَيَرْجِعُ مَعَ الْإِذْنِ ، وَفِيهِ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ وَجْهَانِ ( م 4 ) .
( مَسْأَلَةٌ 4 ) قَوْلُهُ : وَيَرْجِعُ مَعَ الْإِذْنِ ، وَفِيهِ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ وَجْهَانِ ، انْتَهَى وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَرْجِعُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، صَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : أَظْهَرُهُمَا لَا يَرْجِعُ ، وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ قَالَ : وَرَجَعَ إنْ كَانَ إذْنٌ .
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ وَالنَّظْمِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَرْجِعُ .
قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَمَنْ تَبِعَهُ : خَرَّجَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ النَّائِبُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، قَالَ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ : وَهَذَا التَّخْرِيجُ لَا يَصِحُّ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، قَالَ فِي الْفَائِقِ : هَذَا التَّخْرِيجُ بَاطِلٌ ، انْتَهَى .
فَقَدْ لَاحَ لَك مِنْ هَذَا أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ الْخِلَافَ فِيهِ شَيْءٌ .

وَلَوْ قَالَ : صَالِحْنِي عَنْ الْمِلْكِ الَّذِي تَدَّعِيهِ ، فَفِي كَوْنِهِ مُقِرًّا بِهِ وَجْهَانِ ( م 5 ) .
( مَسْأَلَةٌ 5 ) قَوْلُهُ : وَلَوْ قَالَ صَالِحْنِي عَنْ الْمِلْكِ الَّذِي تَدَّعِيهِ ، فَفِي كَوْنِهِ مُقِرًّا بِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : مِنْ عِنْدِهِ ، قُلْت : وَإِنْ قَالَ صَالِحْنِي عَنْ الْمِلْكِ الَّذِي تَدَّعِيهِ فَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، فَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَابَعَ صَاحِبَ الرِّعَايَةِ ، فَحِينَئِذٍ يَبْقَى فِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ عَلَى مُصْطَلَحِهِ ، خُصُوصًا وَلَمْ يَعْزُهُ إلَى صَاحِبِ الرِّعَايَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اطَّلَعَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ ، وَأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي التَّرْجِيحِ ، فَأَطْلَقَهُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ قَدْ صَرَّحَ أَنَّهُ هُوَ خَرَّجَ الْوَجْهَيْنِ ، وَلَمْ نَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُقِرًّا بِذَلِكَ .
( تَنْبِيهٌ ) قَوْلُهُ : وَلَوْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ فَبَانَ عِوَضُهُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ بِهَا ، وَقِيلَ : بِقِيمَتِهِ مَعَ إنْكَارٍ لِأَنَّهُ بَيْعٌ ، انْتَهَى ، ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ إدْخَالُ صُلْحِ الْإِنْكَارِ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بِالدَّارِ فِيهِ عَلَى الْمُقَدَّمِ عِنْدَهُ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ [ كَذَلِكَ ] وَإِنَّمَا مَحَلُّ الرُّجُوعِ بِالدَّارِ فِي صُلْحِ الْإِقْرَارِ لَا غَيْرُ ، وَأَمَّا صُلْحُ الْإِنْكَارِ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ إذَا بَانَ عِوَضُهُ مُسْتَحَقًّا بِالدَّعْوَى أَوْ بَقِيَّةِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَهُوَ اخْتِيَارُهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، نَبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ وَأَطْنَبَ فِيهَا ( اُنْظُرْ عَنْ هَذَا التَّنْبِيهِ آخِرَ هَذِهِ الصَّفْحَةِ وَأَوَّلَ ص 271 ) .

وَلَوْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ لِيَكُونَ الْحَقُّ لَهُ مَعَ تَصْدِيقِهِ لِلْمُدَّعِي فَهُوَ شِرَاءُ دَيْنٍ أَوْ مَغْصُوبٍ ، تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ قَوَدٍ ، وَلَمْ يُفَرَّقُوا بَيْنَ إقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ ، قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ : يَجُوزُ عَنْ قَوَدٍ وَسُكْنَى دَارٍ وَعَيْبِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بِيَعُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ .
وَقَالَهُ فِي الْفُصُولِ فِي فُصُولِ صُلْحِ الْإِنْكَارِ ، وَأَنَّ الْقَوَدَ لَهُ بَدَلٌ هُوَ الدِّيَةُ كَالْمَالِ ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي فُصُولِ الْإِنْكَارِ قَالَ إنْ أَرَادَا بَيْعَهَا مِنْ الْغَيْرِ صَحَّ ، وَمِنْهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ ( وَ م ) فَإِنَّهُ مَعْنَى الصُّلْحِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، وَأَنَّهُ يَتَخَرَّجُ فِيهِ كَالْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، وَأَنَّهُ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِصِحَّةِ الصُّلْحِ عَنْ الْمَجْهُولِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي صُبْرَةٍ أَتْلَفَهَا جَهْلًا كَيْلِهَا ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَالْمَنْعُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَصِحُّ بِمَا يَثْبُتُ مَهْرًا ، وَيَصِحُّ بِفَوْقِ دِيَةٍ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : لَا يَصِحُّ عَلَى جِنْسِ الدِّيَةِ إنْ قِيلَ مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ ، وَلَمْ يَخْتَرْ الْوَالِي شَيْئًا إلَّا بَعْدَ تَعْيِينِ الْجِنْسِ مِنْ إبِلٍ أَوْ غَنَمٍ ، حَذَرًا مِنْ الرِّبَا ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا ، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَفِي الْمُفْرَدَاتِ مُصَالَحَتُهُ بِفَوْقِ دِيَةٍ لَيْسَتْ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَمَعَ جَهَالَتِهِ تَجِبُ دِيَةٌ أَوْ أَرْشُ الْخَرْجِ ، وَمَعَ خُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا قِيمَتُهُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعٌ .

وَلَوْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ فَبَانَ عِوَضُهُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ بِهَا ، وَقِيلَ : بِقِيمَتِهِ مَعَ إنْكَارٍ ، لِأَنَّهُ فِيهِ بَيْعٌ .

وَلَا يَصِحُّ صُلْحٌ بِعِوَضٍ عَنْ خِيَارٍ ، وَلَا عَنْ حَدِّ قَذْفٍ ، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الْعِوَضُ ، أَوْ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ وَشُفْعَةٌ .
نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : الشُّفْعَةُ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ ، وَفِي سُقُوطِهَا بِهِ وَجْهَانِ ( م 6 وَ 7 ) وَلَا عَنْ شَهَادَةٍ أَوْ سَارِقًا أَوْ شَارِبًا لِيُطْلِقَهُ .
.

مَسْأَلَةٌ 6 وَ 7 ) قَوْلُهُ : وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ ، شُفْعَةٍ وَفِي سُقُوطِهَا بِهِ [ وَجْهَانِ ، انْتَهَى ] .
[ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ تَسْقُطُ ، قَالَهُ ] فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ : وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ ، فِي الْأَصَحِّ ، قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ : وَتَسْقُطُ ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا تَسْقُطُ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ، قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ : وَتَسْقُطُ فِي وَجْهٍ .
( تَنْبِيهٌ ) الْمَوْجُودُ فِي النُّسَخِ " وَفِي سُقُوطِهَا " بِإِفْرَادِ الضَّمِيرِ ، الْمُؤَنَّثِ فِي سُقُوطِهَا " فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الشُّفْعَةِ .
وَقَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الثَّلَاثَةِ ، وَهِيَ الْخِيَارُ وَحَدُّ الْقَذْفِ وَالشُّفْعَةُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، لَكِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ ، وَهِيَ قِيَاسُ الشُّفْعَةِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ " وَفِي سُقُوطِهِمَا " بِالتَّثْنِيَةِ ، كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلَى حَدِّ الْقَذْفِ وَالشُّفْعَةِ .
وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ ، فَدَلَّ كَلَامُ هَؤُلَاءِ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ كَالشُّفْعَةِ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا ، مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَشْهُورٌ أَكْثَرُ مِنْ الشُّفْعَةِ ، إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَفِي سُقُوطِ الْحَدِّ وَجْهَانِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ ، بَنَاهَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ .
وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لِلَّهِ ، لَمْ يَسْقُطْ ، وَإِلَّا سَقَطَ .

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرُهُ ، وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ هُنَاكَ ، فَيَسْقُطُ هُنَا عَلَى الصَّحِيحِ ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي سُقُوطِ حَدِّ الْقَذْفِ .
وَقِيلَ : إنْ جُعِلَ حَقُّ آدَمِيٍّ سَقَطَ وَإِلَّا وَجَبَ ، انْتَهَى .
وَالْمُصَنِّفُ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الْعِوَضُ ، أَوْ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَحَلَّ الْحُكْمِ إذَا قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ حَقِّ آدَمِيٍّ .
( وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ 7 ) أُخْرَى قَدْ صُحِّحَتْ أَيْضًا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ أَوْ جَمْعِهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ، وَأَنَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ أَوْ لِلْآدَمِيِّ يَكُونُ فِي إطْلَاقِهِ الْخِلَافَ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ، وَهُوَ قَدْ قَدَّمَ فِي الْقَذْفِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ .
.

فَصْلٌ مَنْ صُولِحَ بِعِوَضٍ عَلَى إجْرَاءِ مَاءٍ مَعْلُومٍ فِي مِلْكِهِ صَحَّ ، وَيَحْرُمُ بِلَا إذْنِهِ ، كَتَضَرُّرِهِ أَوْ أَرْضِهِ ، وَعَنْهُ : لَا ، قِيلَ : لِضَرُورَةٍ ، وَقِيلَ : حَاجَةٍ وَلَوْ مَعَ ، حَفْرٍ ( م 8 ) وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ فِي حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ إجْرَاءِ نَهْرٍ أَوْ قَنَاةٍ ، نَقَلَ أَبُو الصَّقْرِ : إذَا أَسَاحَ عَيْنًا تَحْتَ أَرْضٍ فَانْتَهَى حَفْرُهُ إلَى أَرْضٍ لِرَجُلٍ أَوْ دَارٍ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ظَهْرِ الْأَرْضِ وَلَا بَطْنِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ [ عَنْ ] النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ } هَذَا لِلْجَارِ الْقَرِيبِ لَا يُمْنَعُ ، وَمَتَى صَالَحَهُ بِعِوَضٍ فَإِنْ كَانَ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا فَإِجَارَةٌ ، وَإِلَّا فَبَيْعٌ ، وَلَا يُعْتَبَرُ بَيَانُ عُمْقِهِ ، وَيُعْلَمُ قَدْرُ الْمَاءِ بِتَقْدِيرِ السَّاقِيَّةِ ، وَمَاءِ مَطَرٍ بِرُؤْيَةِ مَا يَزُولُ عَنْهُ الْمَاءُ أَوْ مِسَاحَتِهِ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ مَا يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ لَا قَدْرُ الْمُدَّةِ ، لِلْحَاجَةِ ، كَالنِّكَاحِ .
مَسْأَلَةٌ 8 ) [ قَوْلُهُ ] : وَمَنْ صُولِحَ بِعِوَضٍ عَلَى إجْرَاءِ مَاءٍ مَعْلُومٍ فِي مِلْكِهِ صَحَّ ، وَيَحْرُمُ بِلَا إذْنِهِ كَتَضَرُّرِهِ ، أَوْ أَرْضِهِ ، وَعَنْهُ : لَا ، فَقِيلَ : لِضَرُورَةٍ ، وَقِيلَ : حَاجَةٍ وَلَوْ مَعَ حَفْرٍ ، انْتَهَى .
يَعْنِي إذَا قُلْنَا لَا يَحْرُمُ فَهَلْ الْمُجَوِّزُ لِذَلِكَ الضَّرُورَةُ أَوْ الْحَاجَةُ ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ .
( الْوَجْهُ الثَّانِي ) يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ ، فَإِنَّهُمَا إنَّمَا حَكَيَا الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ الْحَاجَةِ .
.

وَلِمُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرِ الصُّلْحِ عَلَى سَاقِيَّةٍ مَحْفُورَةٍ لَا عَلَى مَاءِ الْمَطَرِ عَلَى سَطْحٍ ، وَفِيهِ عَلَى أَرْضٍ بِلَا ضَرَرٍ احْتِمَالَانِ ( م 9 ) وَلَا يُحْدِثُ سَاقِيَّةً فِي وَقْفٍ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ، قَالَا : لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، كَالْمُؤَجَّرَةِ ، وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ ، لِأَنَّهَا لَهُ ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ مَا لَمْ يَنْتَقِلْ ، الْمِلْكُ ، فَدَلَّ أَنَّ الْبَابَ وَالْخَوْخَةَ وَالْكُوَّةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي مُؤَجَّرَةٍ ، وَفِي مَوْقُوفَةٍ الْخِلَافُ ، أَوْ يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ أَوْلَى ، لِأَنَّ تَعْلِيلَ الشَّيْخِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَلَّمًا لَمْ يَفِدْ ، وَظَاهِرُهُ لَا يَعْتَبِرُ الْمَصْلَحَةَ وَإِذْنَ الْحَاكِمِ ، بَلْ عَدَمَ الضَّرَرِ وَأَنَّ إذْنَهُ يُعْتَبَرُ لِدَفْعِ الْخِلَافِ ، وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْوَقْفِ ، وَفِيهِ إذْنُهُ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْذُونِ الْمُمْتَازِ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ ، فَلِمَصْلَحَةِ الْمَوْقُوفِ أَوْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْلَى ، وَهُوَ مَعْنَى نَصِّهِ فِي تَجْدِيدِهِ لِمَصْلَحَةٍ ، وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فِي تَغْيِيرِ صِفَاتِهِ لِمَصْلَحَةٍ ، كَالْحَكُّورَةِ ، وَعَلَيْهِ حُكَّامُ أَصْحَابِنَا بِالشَّامِ ، حَتَّى صَاحِبُ الشَّرْحِ فِي الْجَامِعِ الْمُظَفَّرِيِّ ، وَقَدْ زَادَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَيَّرَا بِنَاءَهُ ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَزَادَ فِيهِ أَبْوَابًا ، ثُمَّ الْمَهْدِيُّ ثُمَّ الْمَأْمُونُ ، نَقَلَ أَبُو دَاوُد فِيمَنْ أَدْخَلَ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ أَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ ؟ قَالَ : لَا إذَا أَذِنَ ، قَالَ الْحَارِثِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ الزِّيَادَةَ فِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَخَبَرِ عَائِشَةَ { لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ } قَالَ : إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا فَيَطَّرِدُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَافِ بِالْأَوْلَى وَالْأَحْرَى .

مَسْأَلَةٌ 9 ) قَوْلُهُ : وَلِمُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرٍ الصُّلْحُ عَلَى سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ لَا عَلَى مَاءِ الْمَطَرِ عَلَى سَطْحٍ ، وَفِيهِ عَلَى الْأَرْضِ بِلَا ضَرَرٍ احْتِمَالَانِ ، انْتَهَى .
يَعْنِي هَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُصَالِحَا غَيْرَهُمَا عَلَى إجْرَاءِ مَاءِ سَطْحٍ يَمُرُّ فِي أَرْضَيْهِمَا الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَجُوزُ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِصَاحِبِ السَّطْحِ رَسْمًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَرُبَّمَا ادَّعَى اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ بَعْدَ تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَدَّمَ ذَلِكَ ، بَلْ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْإِجَارَةَ وَالْإِعَارَةَ لَمْ تَقَعْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا تَنَاوَلَاهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُمَا فِي الْإِعَارَةِ الْمُؤَقَّتَةِ لَا فِي مُطْلَقِ الْإِعَارَةِ .
( وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي ) يَجُوزُ ، لِأَنَّهُمَا مَالِكَانِ الْمَنَافِعَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَابَعَهُ فِي الْمُغْنِي ( قُلْت ) : وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ فِي الْإِجَارَةِ دُونَ الْإِعَارَةِ ، وَلَعَلَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْإِعَارَةِ إذَا كَانَتْ مُدَّةً وَقُلْنَا يَتَعَيَّنُ بِتَعَيُّنِهَا ، وَإِلَّا فَالْجَوَازُ ضَعِيفٌ جِدًّا .
.

وَإِنْ صُولِحَ عَلَى سَقْيِ أَرْضِهِ مِنْ نَهْرِهِ أَوْ عَيْنِهِ يَوْمًا وَنَحْوَهُ حَرُمَ لِعَدَمِ مِلْكِهِ ، وَقِيلَ : لَا ، لِلْحَاجَةِ ، وَكَسَهْمٍ مِنْهُمَا تَبَعًا .

وَإِنْ صُولِحَ عَلَى مَمَرٍّ فِي مِلْكِهِ أَوْ فَتْحِ بَابٍ فِي حَائِطٍ أَوْ وَضْعِ خَشَبٍ عَلَيْهِ أَوْ عُلُوِّ بَيْتٍ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ أَوْ إذَا بَنَى وَكَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا صَحَّ .
وَفِي الْمُغْنِي [ فِي ] وَضْعِ خَشَبٍ أَوْ بِنَاءِ مَعْلُومٍ يَجُوزُ إجَارَةً مُدَّةً مَعْلُومَةً ، وَيَجُوزُ صُلْحًا أَبَدًا ، وَمَتَى زَالَ فَلَهُ إعَادَتُهُ مُطْلَقًا ، وَرَجَعَ بِأُجْرَةِ مُدَّةِ زَوَالِهِ عَنْهُ ، وَالصُّلْحُ عَلَى زَوَالِهِ أَوْ عَدَمِ عَوْدِهِ ، قَالَ فِي الْفُنُونِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِذَا فَرَغَتْ الْمُدَّةُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْجِدَارِ مُطَالَبَتُهُ بِقَلْعِ خَشَبِهِ ، قَالَ : وَهُوَ الْأَشْبَهُ ، كَإِعَادَتِهِ لِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ حُكْمِ الْعُرْفِ ، لِأَنَّ الْعُرْفَ وَضْعُهَا لِلْأَبَدِ وَهُوَ كَإِعَادَةِ الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ لِمَا كَانَ يُرَادُ ، لِإِحَالَةِ الْأَرْضِ لِلْأَجْسَامِ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ قَبْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ إمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ بِحُكْمٍ لِعُرْفٍ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَى حِينِ نَفَاذِ الْخَشَبِ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ فِيهِ ، كَالزَّرْعِ إلَى حَصَادِهِ ، لِلْعُرْفِ ، أَوْ يُجَدِّدَ إجَارَةً بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ، وَهِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالدَّوَامِ بِلَا عَقْدٍ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَمْلِيكِ الْمُؤَجِّرِ مَا يُفْضِي إلَى الْقَلْعِ ، وَهُوَ زِيَادَةٌ لِلْأُجْرَةِ ، فَيُلْجِئَهُ إلَى الْقَلْعِ ، كَمَا لَوْ غَابَ الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنَّهُ يَتْرُكُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ، لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْضِي عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تُسْتَأْجَرُ لِذَلِكَ إلَّا لِلتَّأْبِيدِ ، وَمَعَ التَّسَاكُتِ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ .

وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ إزَالَتُهُ [ فَإِنْ أَبَى فَلَهُ إزَالَتُهُ ] بِلَا حُكْمٍ ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا ، وَقِيلَ لِأَحْمَدَ : يَقْطَعُهُ هُوَ ؟ قَالَ : لَا ، يَقُولُ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يَقْطَعَ .
وَفِي إجْبَارِهِ وَضَمَانِ مَا تَلِفَ بِهِ وَجَوَازِ صُلْحِهِ بِعِوَضٍ وَفِي التَّبْصِرَةِ : مَعَ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الزِّيَادَةِ بِالْأَذْرُعِ وَقِيلَ : مَعَ يُبْسِهِ أَوْ جَعْلِ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا أَوْ لَهُ ، وَجْهَانِ ( م 10 - 13 ) قَالَ أَحْمَدُ فِي جَعْلِ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا : لَا أَدْرِي .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَكْحُولٍ مَرْفُوعًا : فَصَاحِبُهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَطْعِ مَا ظَلَّلَ أَوْ أَكْلِ ثَمَرِهَا .
وَعِرْقُهَا فِي أَرْضِهِ كَغُصْنٍ ، وَقِيلَ عَنْهُ : وَتَضَرُّرُ وَصُلْحُ مَنْ مَالَ حَائِطُهُ أَوْ زَلَقَ مِنْ خَشَبِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ كَغُصْنٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ .
وَفِي الْمُبْهِجِ فِي الْأَطْعِمَةِ ثَمَرَةُ غُصْنٍ فِي هَوَاءِ طَرِيقٍ عَامٍّ لِلْمُسْلِمِينَ .

مَسْأَلَةٌ 10 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ إزَالَتُهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلَهُ إزَالَتُهُ بِلَا حُكْمٍ ، وَفِي إجْبَارِهِ وَضَمَانِ مَا تَلِفَ ، بِهِ وَجَوَازِ صُلْحٍ بِعِوَضٍ ، وَقِيلَ مَعَ يُبْسِهِ وَجَعْلِ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا أَوْ لَهُ ، وَجْهَانِ .
انْتَهَى ، فِيهِ مَسَائِلُ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 10 ) إذَا امْتَنَعَ مِنْ إزَالَةِ ذَلِكَ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِزَالَةِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي النَّظْمِ وَالْفَائِقِ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يُجْبَرُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَالْحَاوِي ، فَعَلَى هَذَا يُكْتَفَى بِإِزَالَةِ صَاحِبِ الْهَوَاءِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يُجْبَرُ ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ، وَقُطِعَ بِهِ فِي فُصُولِ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 11 ) هَلْ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( أَحَدُهُمَا ) يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ : وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ إنْ أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَضْمَنُ ( قُلْت ) : وَهُوَ ضَعِيفٌ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ 12 ) لَوْ صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَصِحُّ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَصِحُّ .
قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي : اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا صِحَّتُهُ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْغُصْنُ عَلَى مُجَرَّدِ الْهَوَاءِ ،

وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْفُصُولِ : أَنَّ مَحَلَّ هَذَا الْخِلَافِ .
( الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ 13 ) لَوْ جَعَلَ الثَّمَرَةَ بَيْنَهُمَا أَوْ لَهُ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ : " وَجَعْلِ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا أَوْ لَهُ " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي أَطْلَقَ فِيهَا الْخِلَافَ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ " وَقِيلَ : مَعَ يُبْسِهِ " لَكِنَّهُ بَعِيدٌ ، بَلْ لَا يَصِحُّ .
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَدْ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
( أَحَدُهُمَا ) لَوْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ جَازَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : جَازَ ، فِي الْأَصَحِّ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَصِحُّ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي جَعْلِ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا : لَا أَدْرِي ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُصُولِ .
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ : وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ إبَاحَةٌ لَا صُلْحٌ .
.

وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ جَنَاحٍ أَوْ مِيزَابٍ وَنَحْوِهِ إلَى دَرْبٍ نَافِذٍ ، فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ ، وَحُكِيَ عَنْهُ : يَجُوزُ بِلَا ضَرَرٍ ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ ، وَفِي سُقُوطِ نِصْفِ الضَّمَانِ بِتَآكُلِ أَصْلِهِ وَجْهَانِ ( م 14 ) وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُ بِإِذْنِ إمَامٍ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : وَأَمْكَنَ عُبُورُ مَحْمَلٍ ، وَقِيلَ : وَرُمْحٌ قَائِمًا بِيَدِ فَارِسٍ ، وَقِيلَ : وَكَذَا دُكَّانٌ ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَوِّزُوا حَفْرَ الْبِئْرِ وَالْبِنَاءِ ، وَكَأَنَّهُ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الدَّوَامِ ، وَيُتَوَجَّهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ تَخْرِيجٌ ، وَيَحْرُمُ إلَى هَوَاءِ جَارِهِ أَوْ دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ ، وَيَصِحُّ صُلْحُهُ عَنْ مَعْلُومِهِ بِعِوَضٍ ، فِي الْأَصَحِّ
مَسْأَلَةٌ 14 ) قَوْلُهُ : وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ جَنَاحٍ ، وَنَحْوِهِ إلَى دَرْبٍ نَافِذٍ ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ ، وَفِي سُقُوطِ نِصْفِ الضَّمَانِ بِتَأَكُّلِ أَصْلِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ بَلْ يَضْمَنُ الْكُلَّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ لِمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا النِّصْفَ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ يَضْمَنُ بِهِ الْبَعْضَ فَضَمِنَ بِهِ الْكُلَّ ، لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فِي الضَّمَانِ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ : قَالَ الْأَصْحَابُ وَبِأَنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ فَأَوْجَبَ كُلَّ الضَّمَانِ ، انْتَهَى .
فَظَاهِرُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ وَهُوَ الصَّوَابُ ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا النِّصْفَ .
.

وَيَحْرُمُ فَتْحُ بَابٍ فِي ظَهْرِ دَارِهِ فِي دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ إلَّا لِغَيْرِ الِاسْتِطْرَاقِ ، فِي الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا ، وَيَصِحُّ صُلْحُهُ عَنْهُ ، وَيَجُوزُ فِي دَرْبٍ نَافِذٍ ، وَيَجُوزُ نَقْلُ بَابِهِ فِي دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ إلَى أَوَّلِهِ بِلَا ضَرَرٍ .
وَفِي التَّرْغِيبِ ، وَقِيلَ : لَا مُحَاذِيًا لِبَابِ غَيْرِهِ ، وَيَحْرُمُ إلَى صَدْرِهِ ، فِي الْمَنْصُوصِ ، بِلَا إذْنِ مَنْ فَوْقَهُ ، وَقِيلَ : وَأَسْفَلَ مِنْهُ ، وَتَكُونُ إعَارَةً فِي الْأَشْبَهِ ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ سَدَّ الْأَوَّلَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ يَعْقُوبُ ، وَيَحْرُمُ تَصَرُّفُهُ فِي جِدَارٍ لِجَارٍ أَوْ لَهُمَا حَتَّى بِضَرْبِ وَتَدٍ وَلَوْ بِسُتْرَةٍ ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ ، وَحَمَلَ الْقَاضِي نَصَّهُ يَلْزَمُ الشَّرِيكَ النَّفَقَةُ مَعَ شَرِيكِهِ عَلَى السُّتْرَةِ عَلَى سُتْرَةٍ قَدِيمَةٍ فَانْهَدَمَتْ ، وَاخْتَارَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وُجُوبَهَا مُطْلَقًا عَلَى نَصِّهِ ، وَلَهُ وُضِعَ خَشَبٌ ، فِي الْمَنْصُوصِ ، بِلَا ضَرَرٍ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، لِضَرُورَةٍ .
وَفِي الْمُغْنِي : لِحَاجَةٍ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَاجَةَ ، وَأَطْلَقَهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالْمُحَرَّرُ وَغَيْرُهُمَا ، كَعَدَمِهَا دَوَامًا ، بِخِلَافِ خَوْفِ سُقُوطِهِ ، وَلِرَبِّهِ هَدْمُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ، وَمَنْ لَهُ حَقُّ مَاءٍ يَجْرِي عَلَى سَطْحِ جَارِهِ لَمْ يَجُزْ لِجَارِهِ تَعْلِيَةُ سَطْحِهِ لِيَمْنَعَ الْمَاءَ وَلَا لَهُ تَعْلِيَتُهُ لِكَثْرَةِ ضَرَرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ ، وَلَهُ الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ أَوْ إسْنَادُ قُمَاشِهِ .
وَفِي النِّهَايَةِ : فِي مَنْعِهِ احْتِمَالَانِ ، وَلَهُ الْجُلُوسُ فِي ظِلِّهِ وَنَظَرُهُ فِي ضَوْءِ سِرَاجِهِ ، نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ : يَسْتَأْذِنُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ ، فَإِنْ مَنَعَهُ حَاكَمَهُ ، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ : يَضَعُهُ وَلَا يَسْتَأْذِنُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ إيشِ يَسْتَأْذِنُهُ ؟ قَالَ شَيْخُنَا : الْعَيْنُ وَالْمَنْفَعَةُ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا عَادَةً لَا يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهَا عَقْدُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ ، اتِّفَاقًا كَمَسْأَلَتِنَا ، وَهَلْ جِدَارُ مَسْجِدٍ كَجَارٍ أَوْ يُمْنَعُ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَقِيلَ

: وَجْهَانِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَرْكٌ لِلْخَبَرِ ، وَهُوَ فِي مَالِكٍ مُعَيَّنٌ ، فَمَنْعُهُ فِي جِدَارِ جَارِهِ أَوْلَى ، وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ أَنَّهُ لَا يَضَعُ ( م 15 ) وَمَتَى وَجَدَهُ أَوْ بَنَاهُ أَوْ مَسِيلَ مَائِهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ وَضْعُهُ بِحَقٍّ ، وَلَهُ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْهُ .
مَسْأَلَةٌ 15 ) قَوْلُهُ : وَهَلْ جِدَارُ الْمَسْجِدِ كَجَارٍ أَوْ يُمْنَعُ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَقِيلَ : وَجْهَانِ ، وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ أَنَّهُ لَا يَضَعُ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
إحْدَاهُمَا ) الْمَنْعُ مِنْهُ ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فِي حَائِطِ الْجَارِ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ .
( وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ) حُكْمُهُ حُكْمُ جِدَارِ الْجَارِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ الشَّيْخُ فِي كِتَابِ الْمُقْنِعِ وَالْحَاوِيَيْنِ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ مُنَجَّى ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفُصُولِ وَقَالَ : بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ جِدَارِ الْجَارِ بِالْوَضْعِ عَلَيْهِ .
.

وَإِنْ انْهَدَمَ جِدَارُهُمَا وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَمِّرَ مَعَهُ الْآخَرُ أُجْبِرَ [ عَلَيْهِ ] اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا كَنَقْضِهِ عِنْدَ خَوْفِ سُقُوطِهِ ، وَعَنْهُ : لَا ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، كَبِنَاءِ حَاجِزٍ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا ، لَكِنْ لِشَرِيكِهِ بِنَاؤُهُ ، فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ [ مِنْ ] الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ أَخْذِهِ نِصْفَ قِيمَةِ تَأْلِيفِهِ ، فِي الْأَشْهَرِ ، كَمَا لَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ ، وَإِنْ بَنَاهُ بِغَيْرِهَا فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِ رَسْمِ طَرْحِ خَشَبٍ حَتَّى يَدْفَعَ نِصْفَ قِيمَةِ حَقِّهِ ، وَعَنْهُ : مَا يَخُصُّهُ لِغَرَامَةٍ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ مَعْنًى ، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهَا ، فَيَمْتَنِعُ إذَنْ نَقْضُهُ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَوْ نَقَضَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَائِبِهِ وَلَهُ طَلَبُ نَفَقَتَهُ مَعَ إذْنٍ ، وَفِيهِ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ عَلَى الْأُولَى الْخِلَافُ .
( تَنْبِيهٌ ) قَوْلُهُ : وَفِيهِ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ عَلَى الْأُولَى الْخِلَافُ ، انْتَهَى يَعْنِي الْخِلَافَ الَّذِي فِيمَنْ أَدَّى حَقًّا وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ ، وَالْمَذْهَبُ الرُّجُوعُ ، وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ إذَا قُلْنَا يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ مَعَ شَرِيكِهِ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، وَامْتَنَعَ وَتَعَذَّرَ إجْبَارُهُ ، أَوْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ كَذَلِكَ وَعَمَّرَ الشَّرِيكُ وَنَوَى الرُّجُوعَ ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا .

وَإِنْ بَنَيَا جِدَارًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالنَّفَقَةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ ثُلُثَهُ لِوَاحِدٍ وَثُلُثَيْهِ لِآخَرَ وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحَمِّلُهُ مَا احْتَاجَ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ وَصَفَا الْحِمْلَ فَالْوَجْهَانِ ( م 16 ) وَكَذَا بِئْرٌ وَقَنَاةٌ لَهُمَا وَنَحْوُهُمَا وَمَاءُ مَعْدِنٍ جَارٍ عَلَى مَا كَانَ مُطْلَقًا .
( مَسْأَلَةٌ 16 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ بَنَيَا جِدَارًا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالنَّفَقَةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ ثُلُثَهُ لِوَاحِدٍ وَثُلُثَيْهِ لِآخَرَ ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحَمِّلُهُ مَا احْتَاجَ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ وَصَفَا الْحِمْلَ فَالْوَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُحَمِّلَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا شَاءَ لَمْ يَجُزْ ، لِجَهَالَةِ الْحِمْلِ ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ جَازَ ، انْتَهَى .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَصِحُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
( تَنْبِيهٌ ) لَمْ يَظْهَرْ لِي عَوْدُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إلَى أَيِّ مَسْأَلَةٍ ، فَإِنَّهُ أَتَى بِهِمَا مُعَرَّفَيْنِ .

وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى [ بِنَاءِ ] حَائِطِ بُسْتَانٍ فَبَنَى أَحَدُهُمَا ، فَمَا تَلِفَ مِنْ الثَّمَرَةِ بِسَبَبِ إهْمَالِ الْآخَرِ ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ ، قَالَهُ شَيْخُنَا ، وَسَأَلَهُ حَرْبٌ : قَوْمٌ لَهُمْ فِي قَنَاةٍ حَقٌّ فَعَجَزُوا عَنْهَا فَأَعْطَوْهَا رَجُلًا لِيُعَمِّرَهَا لَهُمْ وَلَهُ مِنْهَا الثُّلُثُ أَوْ الرُّبْعُ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ ، وَتَتَوَجَّهُ الرِّوَايَتَانِ ، وَإِنْ أَخَذَهَا أَوْ أَخَذَ قَرْيَةَ قَوْمٍ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا وَيَأْخُذَهَا كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي .
وَإِنْ هَدَمَ أَحَدُهُمَا جِدَارَهُمَا لَزِمَتْهُ إعَادَتُهُ ، وَقِيلَ : لِحَاجَةٍ فَقَطْ .

وَفِي إجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ لِبِنَاءِ السُّفْلِ بِطَلَبِ الْآخَرِ رِوَايَاتٌ ، الثَّالِثَةُ يُجْبَرُ صَاحِبُهُ وَيَنْفَرِدُ بِهِ ( م 17 وَ 18 ) وَعَنْهُ : يُشَارِكُهُ صَاحِبُ الْعُلْوِ فِيمَا يَحْمِلُهُ ، وَمَنْ لَهُ طَبَقَةٌ ثَالِثَةٌ فِي اشْتِرَاكِ الثَّلَاثَةِ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ ، ثُمَّ الِاثْنَانِ فِي الْوَسَطِ الرِّوَايَتَانِ ( م 19 وَ 20 ) فَإِنْ بَنَى رَبُّ الْعُلْوِ فَفِي مَنْعِهِ رَبَّ السُّفْلِ الِانْتِفَاعَ بِالْعَرْصَةِ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ احْتِمَالَانِ ( م 21 ) وَيَلْزَمُ الْأَعْلَى بِنَاءُ سُتْرَةٍ تَمْنَعُ مُشَارَفَةَ الْأَسْفَلِ ، نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ .
وَقِيلَ : وَيُشَارِكُهُ ، كَاسْتِوَائِهِمَا .

مَسْأَلَةٌ 17 وَ 18 ) قَوْلُهُ : وَفِي إجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ لِبِنَاءِ السُّفْلِ بِطَلَبِ الْآخَرِ رِوَايَاتٌ ، الثَّالِثَةُ يُجْبَرُ صَاحِبُهُ وَيَنْفَرِدُ بِهِ ، انْتَهَى فِي ضِمْنِ هَذَا الْكَلَامِ مَسْأَلَتَانِ .
( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 17 ) هَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ بِنَاءِ السُّفْلِ بِطَلَبِ الْآخَرِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ .
( إحْدَاهُمَا ) يُجْبَرُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ : أُجْبِرَ ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .
وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ .
( الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ) لَا يُجْبَرُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 18 ) إذَا قُلْنَا يُجْبَرُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ، فَهَلْ يَنْفَرِدُ بِالْبِنَاءِ أَوْ يُشَارِكُهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِ إطْلَاقُ الْخِلَافِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْفَائِقِ وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ .
إحْدَاهُمَا ) يَنْفَرِدُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ .
( وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ) يُشَارِكُهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ فِيمَا يَحْمِلُهُ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ : وَهُوَ الْمَنْصُوصُ .
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : وَفِي إجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ لِبِنَاءِ السُّفْلِ بِطَلَبِ الْآخَرِ رِوَايَاتٌ .
( إحْدَاهُنَّ ) لَا يُجْبَرُ .
( وَالثَّانِيَةُ ) يُجْبَرُ وَيُشَارِكُهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَيُجْبَرُ إنْ امْتَنَعَ ( وَالثَّالِثَةُ ) يُجْبَرُ صَاحِبُ السُّفْلِ وَيَنْفَرِدُ بِهِ .
هَذَا مَا ظَهَرَ لِي ، فَإِذَا جَمَعْت الرِّوَايَاتِ وَجَعَلْتهَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً كَانَتْ ثَلَاثًا ، وَإِذَا جَعَلْتهَا مَسْأَلَتَيْنِ كَانَتْ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ ، وَاَللَّهُ

أَعْلَمُ .
( مَسْأَلَةٌ 19 وَ 20 ) قَوْلُهُ : وَمَنْ لَهُ طَبَقَةٌ ثَالِثَةٌ فِي اشْتِرَاكِ الثَّلَاثَةِ فِي بِنَاءِ السُّفْلِ ثُمَّ الِاثْنَانِ فِي الْوَسَطِ الرِّوَايَتَانِ ، يَعْنِي بِهِمَا اللَّتَيْنِ تَقَدَّمَتَا قَرِيبًا حُكْمًا وَمَذْهَبًا ، وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ مِنْهُمَا ، فَهَذِهِ كَذَلِكَ وَفِي ضِمْنِهَا مَسْأَلَتَانِ .
( مَسْأَلَةٌ 19 ) اشْتِرَاكُ الثَّلَاثَةِ .
( مَسْأَلَةٌ 20 ) اشْتِرَاكُ الِاثْنَيْنِ .
وَحُكْمُهُمَا وَاحِدٌ .
( مَسْأَلَةٌ 21 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ بَنَى رَبُّ الْعُلُوِّ فَفِي مَنْعِهِ رَبَّ السُّفْلِ الِانْتِفَاعَ بِالْعَرْصَةِ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ احْتِمَالَانِ ، انْتَهَى .
وَهُمَا مُطْلَقَانِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
( أَحَدُهُمَا ) لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَإِنْ عَمَّرَهُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ فَلَهُ فِي الْأَصَحِّ مَنْعُ صَاحِبِ السُّفْلِ مِنْ سُكْنَاهُ قَبْلَ وَزْنِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْغَرَامَةِ ، وَقَالَ فِيمَا إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً ، وَاحِدٌ فَوْقَ وَاحِدٍ .
وَإِنْ قُلْنَا لَا ؛ يُجْبَرُ صَاحِبُ السُّفْلِ فَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ بِنَاؤُهُ وَمَنْعُ صَاحِبِ السُّفْلِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ وَزْنِ الْقِيمَةِ أَوْ بَعْضِهَا ، انْتَهَى قَدْ يُقَالُ ظَاهِرُهُ : أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ الِانْتِفَاعَ بِالْعَرْصَةِ .
( وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي ) لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فِي الرِّعَايَةِ ، فَهَذِهِ إحْدَى وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً قَدْ صُحِّحَتْ .

وَمَنْ أَحْدَثَ فِي مِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ كَحَمَّامٍ وَكَنِيفٍ وَرَحًى وَتَنُّورٍ فَلَهُ مَنْعُهُ ، كَابْتِدَاءِ إحْيَائِهِ ، بِإِجْمَاعِنَا ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ، وَكَدَقٍّ وَسَقْيٍ يَتَعَدَّى إلَيْهِ ، بِخِلَافِ طَبْخِهِ فِي دَارِهِ وَخُبْزِهِ ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ ، وَعَنْهُ : لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ ، كَتَعْلِيَةِ دَارِهِ ، فِي ظَاهِرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ، وَلَوْ أَفْضَى إلَى سَدِّ الْفَضَاءِ عَنْ جَارِهِ ، قَالَهُ شَيْخُنَا ، وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِالْخَبَرِ { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } فَيُتَوَجَّهُ مِنْهُ مَنْعُهُ ، وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مِنْ حَقِّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ أَنْ لَا يَرْفَعَ الْبُنْيَانَ عَلَى جَارِهِ لِيَسُدَّ عَلَيْهِ الرِّيحَ } قَالَ شَيْخُنَا : وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ خَوْفًا مِنْ نَقْصِ أُجْرَةِ مِلْكِهِ ، بِلَا نِزَاعٍ ، كَذَا قَالَ .
وَفِي الْفُنُونِ : مَنْ أَحْدَثَ فِي دَارِهِ دِبَاغَ الْجُلُودِ أَوْ عَمَلَ الصِّحْنَاةِ ، هَلْ يُمْنَعُ ؟ يُحْتَمَلُ الْمَنْعُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ ضَرَرَ الْبَدَنِ ، بَلْ يَتَعَدَّى إلَى الْإِضْرَارِ بِالْعَقَارِ بِنُقْصَانِ أُجْرَةِ الدُّورِ ، وَفِيهَا أَيْضًا : هَلْ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ قَنَاةً فِي مِلْكِهِ تَنِزُّ إلَى حِيطَانِ النَّاسِ ؟ جَوَّزَهُ قَوْمٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ لَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي يَوْمِ رِيحٍ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَجُزْ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى حَمْلِهَا إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَكَذَا هُنَا .

قَالَ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ : وَمَنْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَلَحِقَ رَبَّ الْأَرْضِ مِنْ دُخُولِهِ ضَرَرٌ ، رَوَى حَنْبَلٌ { أَنَّ سَمُرَةَ كَانَ لَهُ نَخْلٌ فِي حَائِطِ أَنْصَارِيٍّ ، فَآذَاهُ بِدُخُولِهِ ، فَشَكَاهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِسَمُرَةَ بِعْهُ فَأَبَى ، فَقَالَ نَاقِلْهُ فَأَبَى ، فَقَالَ هَبْهُ لِي وَلَك مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ فَأَبَى ، فَقَالَ أَنْتَ مُضَارٌّ اذْهَبْ فَاقْلَعْ نَخْلَهُ } .
قَالَ أَحْمَدُ : كُلَّمَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ وَفِيهِ ضَرَرٌ يُمْنَعُ مِنْهُ وَإِلَّا أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ ، وَلَا يَضُرُّ بِأَخِيهِ إذَا كَانَ مُرْفِقًا لَهُ ، وَقَالَهُ شَيْخُنَا مُحْتَجًّا بِهَذَا الْخَبَرِ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ عَنْ سَمُرَةَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمَاتَ سَمُرَةُ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ [ عَنْ سَمُرَةَ ] وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ : لَا ، قَالَ شَيْخُنَا : الضِّرَارُ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَشَاقَّةَ وَالْمَضَارَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ أَوْ عَلَى فِعْلِ ضَرَرٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَمَتَى قَصَدَ الْإِضْرَارَ وَلَوْ بِالْمُبَاحِ أَوْ فَعَلَ الْإِضْرَارَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ [ فَهُوَ مُضَارٌّ ] وَأَمَّا إذَا فَعَلَ الضَّرَرَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ لَا لِقَصْدِ الْإِضْرَارِ فَلَيْسَ بِمُضَارٍّ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ النَّخْلَةِ الَّتِي كَانَتْ تَضُرُّ صَاحِبَ الْحَدِيقَةِ لَمَّا طَلَبَ مِنْ صَاحِبِهَا الْمُعَاوَضَةَ عَنْهَا بِعِدَّةِ طُرُقٍ فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَقَالَ { إنَّمَا أَنْتَ مُضَارٌّ ثُمَّ أَمَرَ بِقَلْعِهَا } ، قَالَ : فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الضِّرَارَ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُ صَاحِبِهِ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
.

بَابُ التَّفْلِيسِ الْفَلَسُ : لُغَةً الْعَدَمُ ، وَالْمُفْلِسُ الْمُعْدَمُ ، وَمِنْهُ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ { مَنْ تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ } ؟ وَمِنْهُ قَوْلُهُ { : أَفْلَسَ بِالْحُجَّةِ إذَا عَدِمَهَا } .
وَشَرْعًا : مَنْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِمَّا لَهُ يَحْرُمُ طَلَبٌ وَحَجْرٌ وَمُلَازَمَةٌ بِدَيْنٍ حَالٍّ عَجَزَ عَنْ وَفَاءِ بَعْضِهِ ، لِلْآيَةِ ، وَكَذَا بِمُؤَجَّلٍ ، فَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ قَبْلَ مُدَّتِهِ وَعَلَى الْأَصَحِّ وَبَعْدَهَا ، كَجِهَادٍ وَأَمْرٍ مَخُوفٍ .
وَفِي الْوَاضِحِ : وَحَجٍّ فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ وَلَا يَمْلِكُ تَحْلِيلَهُ وَقَالَ شَيْخُنَا : وَلَهُ مَنْعُ عَاجِزٍ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلًا بِبَدَنِهِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ ، وَمِنْ مَالِهِ قَدْرُ دَيْنِهِ الْحَالِّ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ ، وَيَتَعَيَّنُ دَفْعُهُ بِطَلَبِهِ .

قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْمَدِينِ : يَجِبُ أَدَاءُ الدَّيْنِ عِنْدَ طَلَبِهِ ، وَالْمُرَادُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ [ يَجِبُ ] إذَنْ عَلَى الْفَوْرِ ، وَقِيلَ : وَقَبْلَهُ ، وَيُهْمَلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، اتِّفَاقًا ، لَكِنْ إنْ خَافَ غَرِيمُهُ مِنْهُ احْتَاطَ عَلَيْهِ بِمُلَازَمَتِهِ أَوْ كَفِيلٍ أَوْ تَرْسِيمٍ عَلَيْهِ ، قَالَهُ شَيْخُنَا : وَكَذَا لَوْ طَلَبَ تَمْكِينَهُ مِنْهُ مَحْبُوسٌ أَوْ مُوَكَّلٌ فِيهِ ، وَإِنْ أَبَى حُبِسَ ، وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ إخْرَاجُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ أَوْ يُبْرِئَهُ غَرِيمُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُبْرِئْهُ وَصَحَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَمْرُهُ أَخْرَجَهُ ، وَلَمْ يَسَعْهُ حَبْسُهُ ، نَقَلَ ذَلِكَ حَنْبَلٌ ، فَإِنْ أَصَرَّ ضُرِبَ ، ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَا قَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ : يَحْبِسُهُ ، فَإِنْ أَبَى عَزَّرَهُ ، قَالَ : وَيُكَرِّرُ حَبْسَهُ وَتَعْزِيرَهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ ، كَقَوْلِنَا فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، قَالَ شَيْخُنَا : نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا ، لَكِنْ لَا يُزَادُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى أَكْثَرَ [ مِنْ ] التَّعْزِيرِ إنْ قِيلَ : يَتَقَدَّرُ وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِ وَيَقْضِيَهُ .
وَقَالَ شَيْخُنَا : وَلَا يَلْزَمُهُ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُحْبَسُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ بَاعَ حَاكِمٌ وَقَضَاهُ ، وَظَاهِرُهُ : يَجِبُ ، نَقَلَ حَرْبٌ إذَا تَقَاعَدَ بِحُقُوقِ النَّاسِ يُبَاعُ عَلَيْهِ وَيُقْضَى .

وَمَنْ طُلِبَ مِنْهُ دَيْنٌ حَالٌّ يُقَدَّرُ عَلَيْهِ بِلَا سَفَرٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ أَوْ يَحِلَّ فِي سَفَرِهِ فَقِيلَ : لَهُ السَّفَرُ وَالْقَصْرُ وَالتَّرَخُّصُ ، لِكَيْ لَا يُحْبَسَ قَبْلَ طَلَبِهِ كَحَبْسِ الْحَاكِمِ ، وَقِيلَ : لَا ، إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ ، لِئَلَّا يَمْنَعَ بِهِ وَاجِبًا ، وَقِيلَ : إنْ سَافَرَ وَكِيلٌ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَهُ لَمْ يَتَرَخَّصْ ( م 1 ) .

بَابُ التَّفْلِيسِ ( مَسْأَلَةٌ 1 ) قَوْلُهُ : وَمَنْ طُلِبَ مِنْهُ دَيْنٌ حَالٌّ يُقَدَّرُ عَلَيْهِ بِلَا سَفَرٍ لَمْ يُتَرَخَّصْ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ لَمْ يُطْلَبْ أَوْ يَحِلَّ فِي سَفَرِهِ فَقِيلَ : لَهُ السَّفَرُ وَالْقَصْرُ وَالتَّرَخُّصُ لِئَلَّا يُحْبَسَ قَبْلَ طَلَبِهِ كَحَبْسِ الْحَاكِمِ ، وَقِيلَ : لَا ، إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ لِئَلَّا يَمْنَعَ بِهِ وَاجِبًا ، وَقِيلَ : إنْ سَافَرَ وَكِيلٌ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَهُ لَمْ يَتَرَخَّصْ ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) لَهُ السَّفَرُ وَالْقَصْرُ وَالتَّرَخُّصُ ، لِمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ فِي قَضَائِهِ ، لِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ( قُلْت ) وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي أَنَّهُ يُسَافِرُ ، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ ، وَأَطْلَقَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَكَذَا ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتِهِ ( قُلْت ) : وَيُحْتَمَلُ بِنَاءُ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا لَمْ يُطَالِبْهُ عَلَى وُجُوبِ الدَّفْعِ قَبْلَ الطَّلَبِ ، وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ .
( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) إنْ سَافَرَ وَكِيلٌ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَهُ لَمْ يَتَرَخَّصْ .
( تَنْبِيهٌ ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الْآخَرَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا هَذَا الْقَوْلُ مِنْ مَفْهُومِ مَسْأَلَةٍ قَدَّمَ فِيهَا حُكْمًا ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ وَوَكَّلَ مَنْ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَسَافَرَ الْوَكِيلُ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَهَلْ يَتَرَخَّصُ أَمْ لَا ؟ قَدَّمَ أَنَّهُ يَتَرَخَّصُ ، بِدَلِيلِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْإِفْصَاحِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مِنْ إفْرَادِ الْبُخَارِيِّ : الْحَبْسُ عَلَى الدَّيْنِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُحْدَثَةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ حَبِسَ عَلَى الدَّيْنِ شُرَيْحٌ الْقَاضِي ، وَمَضَتْ السُّنَّةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ عَلَى الدُّيُونِ وَلَكِنْ يَتَلَازَمُ الْخَصْمَانِ ، فَأَمَّا الْحَبْسُ الَّذِي هُوَ الْآنَ عَلَى الدَّيْنِ لَا أَعْرِفُ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُجْمَعُ [ الْجَمْعُ ] الْكَثِيرُ بِمَوْضِعٍ يَضِيقُ عَنْهُمْ غَيْرُ مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ ، وَرُبَّمَا رَأَى بَعْضُهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ ، وَإِنْ كَانُوا فِي الصَّيْفِ آذَاهُمْ الْحَرُّ ، وَفِي الشِّتَاءِ آذَاهُمْ الْقُرُّ ، وَرُبَّمَا يُحْبَسُ أَحَدُهُمْ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ ، وَرُبَّمَا يَتَحَقَّقُ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ الْمَحْبُوسَ لَا جُدَّةَ لَهُ ، وَأَنَّ أَصْلَ حَبْسِهِ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْحِيلَةِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْكَاتِبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ كَتَبَ مَا لَمْ يَعْلَمْ لِجَهْلِهِ فَأَسْجَلَ فِيهِ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْمَلَاءَةِ ، وَأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ حَاكِمٌ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ ، وَأَنَّهُ قَدْ وَكَّلَ فُلَانًا الْمُدِيرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَا الْمَقْصُودُ بِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } وَقَالَ { وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } وَقَالَ { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا قَدْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَقَدْ حَرَصْت مِرَارًا عَلَى فَكِّ ذَلِكَ فَحَالَ دُونَهُ مَا قَدْ اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْهُ ، وَأَنَا فِي إزَالَتِهِ حَرِيصٌ .
هَذَا كَلَامُهُ .
وَلَا عُذْرَ بِفَوْتِ رُفْقَةٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ .

قَالَ شَيْخُنَا : مَنْ أَقَرَّ بِالْقُدْرَةِ فَادَّعَى إعْسَارًا وَأَمْكَنَ عَادَةً قُبِلَ ، وَلَيْسَ لَهُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ غَيْرِ مَنْ حَبَسَهُ بِلَا إذْنِهِ ، فَدَلَّ أَنَّ حَاكِمًا لَا يَثْبُتُ بِسَبَبِ نَقْضِ حُكْمِ ] حَاكِمٍ آخَرَ وَيَنْقُضُهُ بَلْ مِنْ حُكْمٍ ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ فِي الْأَعْذَارِ : إنْ كَانَ قَادِحٌ فَبَيِّنْهُ عِنْدِي ، وَحَكَمَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ الزَّوَاوِيُّ الْمَالِكِيُّ بِإِرَاقَةِ دَمِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ جَمَالِ الدِّينِ الْبَاجِرْبَقِيُّ وَإِنْ تَابَ وَأَسْلَمَ ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ حَكَمَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ سُلَيْمَانُ الْمَقْدِسِيُّ بِحَقْنِ دَمِهِ [ بَعْدَ ] أَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ عَدَاوَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ ، وَنَفَّذَ حُكْمَهُ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ الْأَذْرَعِيُّ ، فَقَالَ الزَّوَاوِيُّ : أَنَا مُقِيمٌ عَلَى حُكْمِي ، فَاخْتَفَى الْبَاجِرْبَقِيُّ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْحُكَّامِ .

وَيُقْضَى دَيْنُ الْغَرِيمِ بِمَالٍ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ ، ذَكَرَهُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ شَيْخُنَا : لِأَنَّهُ تَبْقَى شُبْهَةٌ بِتَرْكِ وَاجِبٍ ، وَكُلُّ الْخَلْقِ عَلَيْهِمْ وَاجِبَاتٌ مِنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَقَرِيبِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَتَرْكُ ذَلِكَ ظُلْمٌ مُحَقَّقٌ ، وَفِعْلُهُ بِشُبْهَةٍ غَيْرُ مُحَقَّقٍ ، فَكَيْفَ يَتَوَرَّعُ عَنْ ظُلْمٍ مُحْتَمَلٍ بِظُلْمٍ مُحَقَّقٍ ؟ وَلِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُّ الْمَالَ يَعْبُدُ بِهِ رَبَّهُ وَيُؤَدِّي بِهِ أَمَانَتَهُ ، وَيَصُونُ بِهِ نَفْسَهُ ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ الْخَلْقِ .

وَمَنْ مَطَلَ غَرِيمَهُ حَتَّى أَحْوَجَهُ إلَى الشِّكَايَةِ فَمَا غَرِمَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ لَزِمَ الْمُمَاطِلَ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ : لَا أَرَى بَيْعَ السَّوَادِ فِي حَجٍّ وَلَا غَيْرِهِ .

وَإِنْ ادَّعَى الْإِعْسَارَ حَلَفَ وَخُلِّيَ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : يُحْبَسُ ، إلَى ظُهُورِ إعْسَارِهِ .
وَفِي الْبُلْغَةِ : إلَى أَنْ يَثْبُتَ ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ كَمَنْ عُرِفَ بِمَالٍ أَوْ دَيْنِهِ عَنْ عِوَضٍ أَخَذَهُ ، كَبَيْعٍ وَقَرْضٍ ، فَيُحْبَسُ ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِتَلَفِ مَالِهِ ، وَيَحْلِفُ مَعَهَا ، فِي الْأَصَحِّ ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ خَبِيرَةٍ بِبَاطِنِهِ بِعُسْرَتِهِ ، وَلَمْ يَحْلِفْ ، فِي الْأَصَحِّ ، لِئَلَّا يَكُونَ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : يَحْلِفُ مَعَ بَيِّنَتِهِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ ، لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِالظَّاهِرِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : إنْ حَلَفَ أَنَّهُ قَادِرٌ حَبَسَهُ ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُنْكِرُ عَلَيْهِمَا وَخُلِّيَ ، نَقَلَ حَنْبَلٌ : يُحْبَسُ إنْ عُلِمَ لَهُ مَا يَقْضِي .
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ : إنْ عُرِفَ بِمَالٍ أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ مَلِيءٌ بِهِ وَحَلَفَ غَرِيمُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُسْرَتَهُ حُبِسَ .
وَفِي الْمُغْنِي : إذَا حَلَفَ أَنَّهُ ذُو مَالٍ حُبِسَ .
وَفِي الْكَافِي : يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُسْرَتَهُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَحْلِفُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمَطْلُوبُ تَلَفًا أَوْ إعْسَارًا أَوْ يَسْأَلُ سُؤَالَهُ فَتَكُونُ دَعْوَى مُسْتَقِلَّةً ، فَإِنْ كَانَ لَهُ بِبَقَاءِ مَالِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ بَيِّنَةٌ فَلَا كَلَامَ ، وَإِلَّا فَيَمِينُهُ بِحَسْبِ جَوَابِهِ ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَهَذَا أَظْهَرُ ، وَهُوَ مُرَادُهُمْ ، لِأَنَّهُ ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَأَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَأَنْكَرَهُ ، وَمَتَى لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ فَطَلَبَهَا فَنَكَلَ لَمْ يُحْبَسْ ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُحَلِّفْهُ فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ حَبْسِهِ .
.

قَالَ شَيْخُنَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا : فَإِذَا حُبِسَ لَمْ يَسْقُطْ مِنْ حُقُوقِهِ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَبْلَ الْحَبْسِ يَسْتَحِقُّهَا عَلَيْهَا بَعْدَ الْحَبْسِ ، كَحَبْسِهِ فِي دَيْنِ غَيْرِهَا ، فَلَهُ إلْزَامُهَا مُلَازَمَةَ بَيْتِهِ وَلَا يَدْخُلُ إلَيْهِ أَحَدٌ بِلَا إذْنِهِ ، فَإِنْ خَافَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ بِلَا إذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا حَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ ، كَمَا لَوْ سَافَرَ عَنْهَا أَوْ حَبَسَهُ غَيْرُهَا ، وَلَا يَجِبُ حَبْسُهُ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ ، بَلْ الْمَقْصُودُ تَعْوِيقُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ ، فَيَجُوزُ حَبْسُهُ فِي دَارٍ وَلَوْ فِي دَارِ نَفْسِهِ ، بِحَيْثُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْخُرُوجِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ وَتُرَسَّمَ هِيَ عَلَيْهِ إذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْغَرِيمَ بِمُلَازَمَةِ غَرِيمِهِ وَقَالَ لَهُ { مَا فَعَلَ أَسِيرُك } وَإِنَّمَا الْمُرَسَّمُ وَكِيلُ الْغَرِيمِ فِي الْمُلَازَمَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْ يَحْفَظُ امْرَأَتَهُ غَيْرُ نَفْسِهِ ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَحْبِسَهُمَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، فَتَمْنَعَهُ هِيَ مِنْ الْخُرُوجِ ، وَيَمْنَعَهَا هُوَ مِنْ الْخُرُوجِ ، فَعَلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ لَهُ عَلَيْهَا حَبْسَهَا فِي مَنْزِلِهِ ، وَلَهَا عَلَيْهِ حَبْسَهُ فِي دَيْنِهَا ، وَحَقُّهُ عَلَيْهَا أَوْكَدُ ، فَإِنَّ حَقَّ نَفْسِهِ فِي الْمَبِيتِ ثَابِتٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، بِخِلَافِ حَبْسِهَا لَهُ فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ إعْسَارِهِ ، لَا يَكُونُ حَبْسُهُ مُسْتَحَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ حَبْسُ الْعَاجِزِ لَا يَجُوزُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } وَلِأَنَّ حَبْسَهَا لَهُ عُقُوبَةٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ، وَحَبْسُهُ لَهَا حَقٌّ يَثْبُتُ بِمُوجَبِ الْعَقْدِ ، وَلَيْسَ بِعُقُوبَةٍ ، بَلْ حَقُّهُ عَلَيْهَا كَحَقِّ الْمَالِكِ عَلَى الْمَمْلُوكِ ، وَلِهَذَا كَانَ النِّكَاحُ بِمَنْزِلَةِ الرِّقِّ وَالْأَسْرِ لِلْمَرْأَةِ .
قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ

عَنْهُ : النِّكَاحُ رِقٌّ ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يَرِقُّ كَرِيمَتَهُ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : الزَّوْجُ سَيِّدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَرَأَ قَوْلَهُ { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ } وَالْعَانِي : الْأَسِيرُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَبْسِ أَعْظَمُ مِمَّا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ ، إذْ غَايَةُ الْغَرِيمِ أَنْ يَكُونَ كَالْأَسِيرِ ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَعَ حَبْسِهَا فِي مَنْزِلِهِ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مَتَى شَاءَ ، فَحَبْسُهُ لَهَا دَائِمًا يَسْتَوْفِي فِي حَبْسِهَا مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا ، وَحَبْسُهَا لَهُ عَارِضٌ إلَى أَنْ يُوفِيَهَا حَقَّهَا .
وَالْحَبْسُ الَّذِي يَصْلُحُ لِتَوْفِيَةِ الْحَقِّ مِثْلُ الْمَالِكِ لِأَمَتِهِ ، بِخِلَافِ الْحَبْسِ إلَى أَنْ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ ، فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ حَبْسِ الْحُرِّ لِلْحُرِّ ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْغَرِيمُ مَنْعَ الْمَحْبُوسِ مِنْ تَصَرُّفٍ يُوفِي بِهِ الْحَقَّ ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ حَوَائِجِهِ إذَا احْتَاجَ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَبْسِ مَعَ مُلَازَمَتِهِ لَهُ ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَحْبُوسِ أَنْ يَقْبَلَ مَا يَبْذُلُهُ لَهُ الْغَرِيمُ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَّةٌ فِيهِ .
وَيَمْلِكُ الرَّجُلُ مَنْعَ امْرَأَتِهِ مِنْ الْخُرُوجِ مُطْلَقًا إذَا قَامَ بِمَا لَهَا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ ، وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهَا وَيَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ أَكْثَرَ مِمَّا لَهَا أَنْ تُلْزِمَهُ وَتَمْنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ حَبْسِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ مُلَازَمَتِهَا ، وَهَذَا حَرَامٌ بِلَا رَيْبٍ .
وَلَا يُنَازِعُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حَبْسَ الرَّجُلِ إذَا تَوَجَّهَ تَتَمَكَّنُ مَعَهُ امْرَأَتُهُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ ، وَإِسْقَاطُ حَقِّهِ عَلَيْهَا حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْحُكَّامِ فِعْلُ ذَلِكَ ، حُرَّةً عَفِيفَةً كَانَتْ أَوْ

فَاجِرَةً ، فَإِنَّ مَا يُفْضِي إلَى تَمْكِينِهَا مِنْ الْخُرُوجِ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَا سِيَّمَا وَذَلِكَ مَظِنَّةٌ لِمُضَارَّتِهَا لَهُ أَوْ فِعْلِهَا لِلْفَوَاحِشِ إلَى أَنْ قَالَ : فَرِعَايَةُ مِثْلِ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إهْمَالُهَا ، قَالَ : وَهِيَ إنَّمَا تَمْلِكُ مُلَازَمَتَهُ ، وَمُلَازَمَتُهُ تَحْصُلُ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ وَهُوَ فِي مَكَان وَاحِدٍ ، وَلَوْ طَلَبَ مِنْهَا الِاسْتِمْتَاعَ فِي الْحَبْسِ فَعَلَيْهَا أَنْ تُوفِيَهُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِالْحَبْسِ أَوْ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْغَرِيمَ يُلَازِمُهُ حَتَّى يُوفِيَهُ حَقَّهُ ، وَلَوْ لَازَمَهُ فِي دَارِهِ جَازَ ، فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَمْطُلَهَا وَلَا يُوفِي ، فَالْجَوَابُ أَنَّ تَعْوِيقَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ هُوَ الْحَبْسُ ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْمَقْصُودِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ امْتِنَاعُهُ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَادِرٌ وَامْتَنَعَ ظُلْمًا ، عُوقِبَ بِأَعْظَمَ مِنْ الْحَبْسِ بِضَرْبٍ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرُهُمْ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ } وَالظَّالِمُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ ، فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ تُسْتَحَقُّ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ } وَمَعَ هَذَا لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ الَّذِي عَلَى امْرَأَتِهِ ، بَلْ يَمْلِكُ حَبْسَهَا فِي مَنْزِلِهِ .
وَأَمَّا تَمْكِينُ مِثْلِ هَذَا يَعْنِي الْمُمْتَنِعَ عَنْ الْوَفَاءِ ظُلْمًا مِنْ فَضْلِ الْأَكْلِ وَالنِّكَاحِ فَهَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ ، فَإِنَّهُ مِنْ نَوْعِ التَّعْزِيرِ ، فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يُعَزِّرَهُ بِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، إذْ التَّعْزِيرُ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِي تَنَوُّعِهِ وَقَدْرِهِ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ، وَلَكِنْ الْمَحْبُوسُونَ عَلَى حُقُوقِ

النِّسَاءِ لَيْسُوا مِنْ هَذَا الضَّرْبِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِحَبْسِهِمَا جَمِيعًا إمَّا لِعَجْزِ أَحَدِهِمَا عَنْ حِفْظِ الْآخَرِ أَوْ لِشَرٍّ يَحْدُثُ بَيْنَهُمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَمْكَنَ أَنْ تَسْكُنَ فِي مَوْضِعٍ لَا تَخْرُجُ مِنْهُ ، وَهُوَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا ، مِثْلُ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي رِبَاطِ نِسَاءٍ أَوْ بَيْنَ نِسْوَةٍ مَأْمُونَاتٍ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَجُوزُ حَبْسُهَا لَهُ وَتَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ وَرِعَايَةِ الْمَصْلَحَتَيْنِ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ ذَهَابُهَا مَظِنَّةً لِلْفَاحِشَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ حَقًّا لِلَّهِ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ رِعَايَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الزَّوْجُ .

وَفِي إنْظَارِ الْمُعْسِرِ فَضْلٌ عَظِيمٌ ، وَأَبْلَغُ الْأَخْبَارِ فِيهِ عَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلُهُ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ } رَوَاهُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَهُ ، إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ نُفَيْعٍ أَبِي دَاوُد وَهُوَ مَتْرُوكٌ عَنْ بُرَيْدَةَ .
وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِمُعَيَّنٍ لَهُ فَأَنْكَرَ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدٍ ، أَوْ قَالَ : لِزَيْدٍ ، فَكَذَّبَهُ ، قُضِيَ مِنْهُ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ فَوَجْهَانِ ( م 2 ) وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَدِينِ ، لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ .
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا لَا يُعْتَبَرُ لَهَا تَقَدُّمُ دَعْوَى ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُدِّمَتْ لِإِقْرَارِ رَبِّ الْيَدِ .
وَفِي الْمُنْتَخَبِ : بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي ، لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ .
مَسْأَلَةٌ 2 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِمُعَيَّنٍ لَهُ فَأَنْكَرَ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدٍ ، أَوْ قَالَ : لِزَيْدٍ ، وَكَذَّبَهُ ، قُضِيَ مِنْهُ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) يَكُونُ لِزَيْدٍ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ ، وَيَحْلِفُ .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِزَيْدٍ مُضَارَبَةً قَبْلَ قَوْلِهِ بِيَمِينِهِ إنْ صَدَّقَهُ زَيْدٌ أَوْ كَانَ غَائِبًا .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَكُونُ لَهُ ، وَهُوَ قَوِيٌّ ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْقَرَائِنِ خَوْفًا مِنْ التُّهْمَةِ .

وَيَحْرُمُ أَنْ يَحْلِفَ مُعْسِرٌ لَا حَقَّ عَلَيْهِ وَبِتَأَوُّلٍ نُصَّ عَلَيْهِ ، وَمَنْ سَأَلَ عَنْ غَرِيبٍ وَظَنَّ إعْسَارَهُ شَهِدَ .
وَإِنْ وَفَّى مَالَهُ بِبَعْضِ دَيْنِهِ لَزِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِطَلَبِ غُرَمَائِهِ ، وَالْأَصَحُّ : أَوْ بَعْضِهِمْ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : إنْ زَادَ دَيْنُهُ عَلَى الْمَالِ وَقِيلَ : أَوْ هُوَ مِنْ الْحَاكِمِ .
وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ نَافِذٌ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ إنْ أَضَرَّ بِغَرِيمِهِ ، ذَكَرَهُ الْآدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ .
وَقِيلَ : لَا يَنْفُذُ ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا وَاخْتَارَهُ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا [ فِي أَفْرَادٍ مِنْ الْفَتَاوَى ] رِوَايَةً .

وَسَأَلَهُ جَعْفَرٌ : مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَيَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : الشَّيْءُ الْيَسِيرُ ، وَقَضَاءُ دَيْنِهِ أَوْجَبُ عَلَيْهِ .

وَعَنْهُ : لَهُ مَنْعُ ابْنِهِ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِ بِمَا يَضُرُّهُ .

وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ تَصَدَّقَ وَأَبَوَاهُ فَقِيرَانِ : رُدَّ عَلَيْهِمَا ، إلَّا لِمَنْ دُونَهُمَا ، لِلْخَبَرِ ، وَلَا يَصِحُّ بَعْدَهُ ، نُصَّ عَلَيْهِ ، إلَّا فِي ذِمَّتِهِ ، وَعَنْهُ : وَعِتْقٌ كَتَدْبِيرٍ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ : وَصَدَقَةٌ بِيَسِيرٍ .

وَإِنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ قُبِلَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَنَقَلَ مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ إنْ تَصَرَّفَ قَبْلَ طَلَبِ رَبِّ الْعَيْنِ لَهَا جَازَ ، لَا بَعْدَهُ .

وَإِنْ بَاعَ مَالَهُ لِغَرِيمٍ بِكُلِّ الدَّيْنِ فَوَجْهَانِ ( م 3 ) .
مَسْأَلَةٌ 3 ) قَوْلُهُ فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ : وَإِنْ بَاعَ مَالَهُ لِغَرِيمٍ بِكُلِّ الدَّيْنِ فَوَجْهَانِ ، انْتَهَى .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : فَإِنْ بَاعَ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ أَوْ بَعْضِهِمْ بِكُلِّ الدَّيْنِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَصِحُّ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ ، لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ غَرِيمٍ آخَرَ ، وَلِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَصِحُّ بَيْعُ ذَلِكَ ، لِرِضَاهُمَا بِهِ ( قُلْت ) : يَتَوَجَّهُ الصِّحَّةُ إنْ عُلِمَ الدَّيْنُ ، وَإِلَّا فَلَا .

وَمِنْ دَيْنِهِ ثَمَنُ مَبِيعٍ وَجَدَهُ وَلَوْ هَزَلَ ، وَقِيلَ : وَنَسِيَ صَنْعَةً وَقِيلَ : أَوْ صَارَ الْحَبُّ زَرْعًا وَعَكْسُهُ ، أَوْ النَّوَى شَجَرًا ، وَلَوْ بَاعَهُ بَعْدَ حَجْرِهِ جَاهِلًا بِهِ ، وَقِيلَ : أَوْ عَالِمًا ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِحَقِّهِ ، لِتَعْيِينِهِ كَوَدِيعَةٍ ، وَقِيلَ : بِحَاكِمٍ ، بِنَاءً عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ ، مُتَرَاخِيًا ، وَقِيلَ : فَوْرًا .
وَفِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ : وَعَلَى الْأَصَحِّ أَوْ مَاتَ الْبَائِعُ وَلَوْ مَعَ بَذْلِ غَرِيمٍ ثَمَنَهُ ، نُصَّ عَلَيْهِ .

وَإِنْ قَالَ الْمُفْلِسُ : إنَّمَا لَك ثَمَنُهُ فَأَنَا أَبِيعُهُ وَأُعْطِيك ، فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ ، نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ .
وَإِنْ مَاتَ الْمُفْلِسُ ، أَوْ بَرِئَ مِنْ بَعْضِ ثَمَنِهِ ، أَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ بَعْضِهِ بِتَلَفٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَعَنْهُ : وَلَوْ أَنَّهُ عَيْنَانِ ، أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ شُفْعَةٍ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : مَعَ طَلَبِهِ ، أَوْ جِنَايَةٌ أَوْ رَهْنٌ ، أَوْ تَغَيَّرَ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهُ ، أَوْ خَلَطَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ ، أَوْ وَطِئَ الْبِكْرَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ، وَقِيلَ : أَوْ الثَّيِّبَ ، أَوْ صَبَغَهُ ، أَوْ قَصَّرَهُ ، فِي وَجْهٍ فِيهِمَا ، كَنَقْصِهِ بِهِمَا ، فِي الْأَصَحِّ ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ .
وَفِي الْمُوجَزِ : إنْ أَحْدَثَ صَنْعَةً كَنَسْجِ غَزْلٍ وَعَمَلِ الدُّهْنِ صَابُونًا فَرِوَايَتَانِ .
وَفِي التَّبْصِرَةِ : لَا يَأْخُذُهُ ، وَعَنْهُ : بَلَى ، قَالَ : وَيُشَارِكُهُ الْمُفْلِسُ فِي الزِّيَادَةِ .

.
وَلَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى مِلْكِهِ ، فَقِيلَ : لَا يَرْجِعُ ، وَقِيلَ : بَلَى إنْ رَجَعَ بِفَسْخٍ ، وَقِيلَ : مُطْلَقًا ، فَلَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ بَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا ، فَقِيلَ : الْبَائِعُ الْأَوَّلُ ، لِسَبْقِهِ ، وَقِيلَ : يُقْرَعُ ( م 4 وَ 5 ) وَيَأْخُذُهُ بِزِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ وَمُتَّصِلَةٍ ، نُصَّ عَلَيْهِ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ : الْمُنْفَصِلَةُ لِلْمُفْلِسِ ، وَالْمُتَّصِلَةُ تُمْنَعُ .
وَفِي الْإِرْشَادِ وَالْمُوجَزِ : تُمْنَعُ مُتَّصِلَةً ، وَفِي مُنْفَصِلَةٍ رِوَايَتَانِ ، وَهُمَا فِي التَّبْصِرَةِ .

مَسْأَلَةٌ 4 وَ 5 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى مِلْكِهِ ، فَقِيلَ : لَا يَرْجِعُ ، وَقِيلَ : بَلَى إنْ رَجَعَ بِفَسْخٍ ، وَقِيلَ : مُطْلَقًا ، فَلَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ بَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَقِيلَ : الْبَائِعُ الْأَوَّلُ ، لِسَبْقِهِ ، وَقِيلَ : يُقْرَعُ ، انْتَهَى .
ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ .
( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 4 ) إذَا أَفْلَسَ بَعْدَ رُجُوعِ السِّلْعَةِ إلَى مِلْكِهِ ، فَهَلْ لَهُ بِهَا الرُّجُوعُ أَمْ لَا ؟ أَوْ يَرْجِعُ إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بِفَسْخٍ وَإِلَّا فَلَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَالزَّرْكَشِيِّ ، وَأَطْلَقَ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ فِي الْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) لَهُ الرُّجُوعُ .
قَالَ النَّاظِمُ : عَادَ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَوِيِّ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ .
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : هُوَ كَعَوْدِ الْمَوْهُوبِ إلَى الِابْنِ بَعْدَ زَوَالِهِ هَلْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ أَمْ لَا ؟ انْتَهَى .
( قُلْت ) : الصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا ، لِأَنَّهُ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) لَهُ الرُّجُوعُ إنْ عَادَتْ السِّلْعَةُ إلَيْهِ بِفَسْخٍ ، كَالْإِقَالَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ وَنَحْوِهِ ، وَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَإِرْثٍ وَوَصِيَّةٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَرْجِعْ ، وَهُوَ قَوِيٌّ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 5 ) إذَا قُلْنَا لَهُ الرُّجُوعُ فَاشْتَرَاهَا ثُمَّ بَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهَا الْبَائِعُ الْأَوَّلُ لِسَبْقِهِ أَوْ يُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَائِعِ الثَّانِي ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( أَحَدُهُمَا ) يَخْتَصُّ بِهَا الْبَائِعُ الْأَوَّلُ لِسَبْقِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ .
( قُلْت ) : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا الْبَائِعُ الثَّانِي وَيَكُونَ الْقَوْلُ بِالرُّجُوحِ مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الْبَيْعِ .
.

وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى يُمْنَعُ الْوَلَدُ الرُّجُوعَ فِي أُمٍّ إنْ كَانَ حَمْلًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَكَذَا عِنْدَ الرُّجُوعِ فَوَجْهَانِ ( م 6 وَ 7 ) وَالْأَصَحُّ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَلْعِ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ ، فَيَضْمَنُ غَرِيمٌ نَقْصًا حَصَلَ بِهِ ، وَيُسَوِّي حَفْرًا ، وَإِنْ أَبَى قَلْعَهُ فَلِلْبَائِعِ فِي الْأَصَحِّ أَخْذُهُ وَقَلْعُهُ وَضَمَانُ نَقْصِهِ ، وَإِنْ أَبَى فَلَا رُجُوعَ وَيَرْجِعُ عِنْدَ الْقَاضِي فِي أَرْضٍ ، وَهَلْ يُبَاعُ الْغَرْسُ مُفْرَدًا أَوْ الْجَمِيعَ وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى الْقِيمَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( م 8 ) وَلَوْ كَانَ ثَمَنُهُ مُؤَجَّلًا أَخَذَهُ عِنْدَ الْأَجَلِ ، وَقِيلَ : فِي الْحَالِ ، وَقِيلَ : يُبَاعُ .

مَسْأَلَةٌ 6 وَ 7 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ حَمْلًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَكَذَا عِنْدَ الرُّجُوعِ فَوَجْهَانِ .
انْتَهَى ، شَمِلَ مَسْأَلَتَيْنِ .
( مَسْأَلَةٌ 6 ) مَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ .
( وَمَسْأَلَةٌ 7 ) مَا إذَا حَدَثَ حَمْلٌ وَوُجِدَ عِنْدَ الرُّجُوعِ .
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَبْنَى الْوَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، وَالْمُنْفَصِلَةَ لَا تَمْنَعُ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ فِيهِمَا ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَلْحَقُ الْحَمْلُ بِالْمُتَّصِلَةِ أَوْ الْمُنْفَصِلَةِ ؟ أَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ ، فَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْمُتَّصِلَةِ مَنَعَ الرُّجُوعَ وَمَنْ أَلْحَقَهُ بِالْمُنْفَصِلَةِ لَمْ يَمْنَعْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ مُنْفَصِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ فِي الْأُولَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ إذَا كَانَتْ حَائِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ ، لَا أَنَّهَا تَكُونُ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ مُتَّصِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ .
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : إنْ كَانَ حَمْلًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَالرُّجُوعِ لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ ، كَالسِّمَنِ ، وَإِنْ كَانَ حَمْلًا عِنْدَ الْبَيْعِ مُنْفَصِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ فَوَجْهَانِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ : وَالْحَمْلُ كَالسِّمَنِ ، فَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ فَوَجْهَانِ .
وَقَالَ فِي الْكُبْرَى وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ فَوَجْهَانِ ، وَمَعَ الرُّجُوعِ لَا أَرْشَ ، انْتَهَى .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ فَهُوَ كَالسِّمَنِ .
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الرُّجُوعِ كَمَا يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ ، انْتَهَى .
وَقَطَعَ فِي الْفُصُولِ أَنَّهُ لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ ، وَكَذَا قَطَعَ : لَوْ كَانَتْ حَامِلًا حِينَ الْبَيْعِ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ .
وَقَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحُ : لَوْ اشْتَرَاهَا حَامِلًا وَأَفْلَسَ وَهِيَ حَامِلٌ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ قَدْ زَادَ بِكِبَرٍ

وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا بِسَبَبِهِ فَيَكُونُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ ، وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ وَضْعِهَا فَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِمَا بِكُلِّ حَالٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ .
قَالَ الشَّيْخُ : وَالصَّحِيحُ أَنَّا إنْ قُلْنَا لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ فَهُوَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ ، وَإِنْ قُلْنَا لَهُ حُكْمٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَإِنْ كَانَ هُوَ وَالْأُمُّ قَدْ زَادَا بِالْوَضْعِ فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَزِيدَا جَازَ الرُّجُوعُ فِيهِمَا ، وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ تَلِفَ بَعْضُ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ الْبَيْعِ حَائِلًا وَحَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ وَزَادَتْ قِيمَتُهَا فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ الْوَضْعِ فَزِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ .
وَقَالَ الْقَاضِي : وَإِنْ وَجَدَهَا حَامِلًا انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ لَهُ حُكْمٌ فَيَكُونُ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً يُتَرَبَّصُ بِهِ حَتَّى تَضَعَ ، أَوْ لَا حُكْمَ لَهُ فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ مُلَخَّصًا ، وَقَدْ اخْتَارَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ : أَنَّ الْحَامِلَ فِي الْمَبِيعِ وَغَيْرِهِ كَأَحَدِ عَيْنَيْنِ ، فَنُلَخِّصُ أَنَّ ابْنَ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، وَأَنَّ صَاحِبَ التَّلْخِيصِ جَعَلَ الْحَمْلَ عِنْدَ الرُّجُوعِ كَالسِّمَنِ .
وَاخْتَارَ أَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الرُّجُوعِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ : إنَّ الْحَمْلَ كَالسِّمَنِ ، فَمُرَادُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا تَجَدَّدَ بَعْدَ الْبَيْعِ ، سَوَاءٌ بَقِيَ حَمْلًا إلَى الرُّجُوعِ أَوْ لَا ، فَشَمِلَ مَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفِ الثَّانِيَةَ ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا كَانَ حَمْلًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَمَوْلُودًا عِنْدَ الرُّجُوعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهِمَا مُطْلَقًا ، وَأَنَّ الشَّيْخَ فَصَّلَ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ .
( مَسْأَلَةٌ 8 ) قَوْلُهُ : وَهَلْ يُبَاعُ الْغَرْسُ مُفْرَدًا أَوْ الْجَمِيعَ وَيُقَسَّمُ

الثَّمَنُ عَلَى الْقِيمَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ ، وَظَاهِرُ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ إطْلَاقُ الْخِلَافِ أَيْضًا .
أَحَدُهُمَا ) يُبَاعُ الْجَمِيعُ ، قَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يُبَاعُ الْغِرَاسُ مُفْرَدًا ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى .

وَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ قَرْضِهِ [ أَوْ غَيْرَهُ ] فَكَمَبِيعٍ ، وَكَذَا عَيْنًا مُؤَجَّرَةً ، وَقِيلَ : وَلَوْ مَضَى بَعْضُ الْمُدَّةِ وَكَذَا مُكْرٍ نَفْسَهُ .

وَرُجُوعُ الْبَائِعِ فَسْخٌ لِلْمَبِيعِ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ وَلَا إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَلَوْ رَجَعَ فِيمَنْ أَبَقَ صَحَّ وَصَارَ لَهُ ، فَإِنْ قَدَرَ أَخَذَهُ ، وَإِنْ تَلِفَ فَمِنْ مَالِهِ وَإِنْ بَانَ تَلَفُهُ حِينَ اسْتَرْجَعَهُ بَطَلَ اسْتِرْجَاعُهُ .

وَإِنْ رَجَعَ فِي مَبِيعٍ اشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ قُدِّمَ تَعْيِينُ الْمُفْلِسِ ، لِإِنْكَارِهِ دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ الْبَائِعِ ، وَإِنْ مَاتَ بَائِعٌ مَدِينًا فَمُشْتَرٍ أَحَقُّ بِطَعَامٍ وَغَيْرِهِ ، وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ ، نُصَّ عَلَيْهِ .

يَلْزَمُ الْحَاكِمَ قِسْمَةُ مَالِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ [ إذَا كَانَ ] مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَإِلَّا بَاعَهُ عَلَى الْفَوْرِ ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَخْرَبْ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ بِلَا إذْنِهِ ، وَلَا يُبَاعُ إلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ الْمُسْتَقِرِّ فِي وَقْتِهِ أَوْ أَكْثَرَ [ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ ] وَيُسْتَحَبُّ إحْضَارُهُ وَغُرَمَائِهِ وَبَيْعُ كُلِّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ ، وَيَبِيعُ أَوَّلًا أَقَلَّهُ بَقَاءً وَأَكْثَرَهُ كُلْفَةً ، وَنَفَقَتُهُ أَدْنَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ وَكِسْوَتُهُ وَعِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ حَتَّى يُقَسَّمَ ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَا كَسْبٍ ، وَيَتْرُكُ لَهُمْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَسْكَنٍ لَا سَعَةَ فِيهِ وَخَادِمٍ لَيْسَا نَفِيسَيْنِ ، نُصَّ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا عَيْنَ مَالِ غَرِيمٍ وَآلَةَ حِرْفَةٍ ، وَمَا يُتَّجَرُ بِهِ إنْ عَدِمَهَا ، وَنُصَّ عَلَيْهِ .
وَفِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ : وَفَرَسٌ يَحْتَاجُ رُكُوبَهَا .
وَفِي الرَّوْضَةِ : وَدَابَّةٌ يَحْتَاجُهَا ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ : يُبَاعُ الْكُلُّ إلَّا الْمَسْكَنَ وَمَا يُوَارِيهِ مِنْ ثِيَابٍ ، وَخَادِمًا يَحْتَاجُهُ ، وَأُجْرَةَ الْمُنَادِي وَنَحْوِهِ ، وَلَا مُتَبَرِّعَ مِنْ الثَّمَنِ ، وَقِيلَ : مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ إمْكَانِهِ ، وَإِنْ عَيَّنَا مُنَادِيًا غَيْرَ ثِقَةٍ رَدَّهُ ، بِخِلَافِ بَيْعِ الْمَرْهُونِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَ تَعْيِينُهُمَا ضَمَّهُمَا إنْ تَبَرَّعَا ، وَإِلَّا قَدَّمَ مَنْ شَاءَ ، وَيُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِرَهْنٍ لَازِمٍ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ جَمَاعَةٌ كَالْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ بِاللُّزُومِ وَعَنْهُ : إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ أَفْلَسَ فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُ قَبْضِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ .
وَفِي الرِّعَايَةِ : يَخْتَصُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ ، وَعَلَى الْأَصَحِّ ، وَذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ فِي صُورَةِ الْمَوْتِ ، لِعَدَمِ رِضَاهُ بِذِمَّتِهِ ، بِخِلَافِ مَوْتِ بَائِعٍ وُجِدَ مَتَاعُهُ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عِنْدَهُ بِثَمَنِهِ ، وَيُشَارِكُ الْمُرْتَهِنُ بِالْفَضْلِ ، وَصَاحِبُ الْعَيْنِ أَوْ مُسْتَأْجِرُهَا يَأْخُذُهَا وَيُقَسَّمُ الْبَاقِيَ بِقَدْرِ دُيُونِ غُرَمَائِهِ ،

وَلَا يَلْزَمُهُمْ بَيَانُ أَنْ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ ، وَيَلْزَمُ الْوَرَثَةَ بَيِّنَةٌ تُشْهَدُ : لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُمْ ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالْفُصُولِ وَغَيْرِهَا ، لِئَلَّا يَأْخُذَ أَحَدُهُمْ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ .

ثُمَّ إنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ لَمْ يُنْقَضْ وَيُرْجَعْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ [ بِقَدْرِ ] حِصَّتِهِ وَفِي الْمُغْنِي : قِسْمَةٌ بَانَ الْخَطَأُ فِيهَا كَقَسْمِهِ أَرْضًا أَوْ مِيرَاثًا ثُمَّ بَانَ شَرِيكٌ أَوْ وَارِثٌ ، قَالَ الْأَزَجِيُّ : فَلَوْ كَانَ لَهُ أَلْفٌ اقْتَسَمَهَا غَرِيمَاهُ نِصْفَيْنِ ثُمَّ ظَهَرَ ثَالِثٌ دَيْنُهُ كَدَيْنِ أَحَدِهِمَا رُجِعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِثُلُثِ مَا قَبَضَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ أَتْلَفَ مَا قَبَضَهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الثَّالِثَ يَأْخُذُ مِنْ الْآخَرِ ثُلُثَ مَا قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، وَأَصْلُ هَذَا مَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ بِوَارِثٍ ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَا فِي يَدِهِ إذَا كَانَ ابْنًا وَهُمَا ابْنَانِ ، كَذَا قَالَ : وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ مَا قَبَضَهُ بِحِصَّتِهِ ، وَيَتَوَجَّهُ كَمَفْقُودٍ رَجَعَ بَعْدَ قِسْمَةِ مَالِهِ وَتَلَفِهِ .

وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ : لَوْ وَصَلَ مَالُ الْغَائِبِ فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً [ عَلَيْهِ ] أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا ، وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً [ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا أَيْضًا ] إنْ طَالَبَا جَمِيعًا اشْتَرَكَا ، وَإِنْ طَالَبَ أَحَدُهُمَا اُخْتُصَّ بِهِ ، لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ وَعَدَمَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ ، وَمُرَادُهُ : وَلَمْ يُطَالِبْ أَصْلًا ، وَإِلَّا شَارَكَهُ ، مَا لَمْ يَقْبِضْهُ ، وَلَا مُشَارَكَةَ فِيهِ بِمَا ادَّانَهُ بَعْدَ حَجْرِهِ ، وَذَكَرَ فِي الْمُبْهِجِ فِي جَاهِلٍ بِهِ وَجْهَيْنِ ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ ، وَعَنْهُ : بَلَى إنْ أَضَافَ [ إلَى ] إقْرَارِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ ادَّانَهُ عَامِلٌ قَبْلَ قِرَاضِهِ : قَالَهُ شَيْخُنَا ، وَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ ، وَيُشَارِكُهُمْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ حَجْرِهِ وَبَعْدَهُ .

وَلَا يَحِلُّ دَيْنٌ بِفَلَسٍ وَلَا مَوْتٍ إذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ الْأَقَلَّ مِنْ تَرِكَةٍ أَوْ دَيْنٍ ، فَيَخْتَصُّ بِهِ الْحَالُّ ، وَعَنْهُ : يَحِلُّ ، فَيُشَارِكُ بِهِ ، وَقِيلَ عَلَى الْأَوَّلِ فِي مَوْتِهِ هَلْ فِي تَرْكِهِ حِصَّتَهُ لِيَأْخُذَهُ إذَا حَلَّ دَيْنُهُ ؟ أَوْ يَخْتَصُّ بِهِ الْحَالُّ ؟ أَوْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا حَلَّ ؟ يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا ، وَعَنْهُ : يَحِلُّ بِمَوْتٍ وَلَوْ قَتَلَهُ رَبُّهُ لَا بِفَلَسٍ ، وَعَنْهُ : بَلَى إنْ عُدِمَ التَّوْثِيقُ ، وَعَنْهُ : لَا يَحِلُّ بِهِمَا ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ [ كَدَيْنِهِ ] وَفِي التَّلْخِيصِ : وَكَذَا فِي حِلِّهِ بِجُنُونٍ وَفِي الِانْتِصَارِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِمْ وَذَكَرَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي الْحَوَالَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَلِيَّةً وَإِلَّا وَثَّقُوا .

وَلَوْ وَرِثَهُ بَيْتُ الْمَالِ اُحْتُمِلَ انْتِقَالُهُ ، وَيَضْمَنُ الْإِمَامُ لِلْغُرَمَاءِ ، وَاحْتُمِلَ حِلُّهُ ، وَذَكَرَهُمَا فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ ، وَذَكَرَهُمَا فِي التَّعْلِيقِ ، لِعَدَمِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ ( م 9 ) وَلِهَذَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ الْأَرَاضِيَ وَإِنْ كَانَتْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ كَانَتْ لِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ .
وَفِي الْفُنُونِ : لَوْ تَعَلَّقَ بِالْأَعْيَانِ لَمَا اسْتَحَقَّ مَنْ طَرَأَ حَقُّهُ بِوُقُوعِهِ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا لِمَيِّتٍ حَالَ الْحَيَاةِ ، كَالرَّهْنِ ، وَلَمَا سَقَطَ الْحَقُّ بِالْبَرَاءَةِ .
وَفِي الِانْتِصَارِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ مَيِّتٍ وَالتَّرِكَةُ رَهْنٌ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : الدَّيْنُ وَإِنْ قَلَّ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ نَظَرًا لَهُ .
مَسْأَلَةٌ 9 ) قَوْلُهُ وَلَوْ وَرِثَهُ بَيْتُ الْمَالِ اُحْتُمِلَ انْتِقَالُهُ ، وَيَضْمَنُ الْإِمَامُ لِلْغُرَمَاءِ وَاحْتُمِلَ حِلُّهُ ، وَذَكَرَهُمَا فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ ، وَذَكَرَهُمَا فِي التَّعْلِيقِ ، لِعَدَمِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) يَحِلُّ .
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي : إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ حَلَّ الدَّيْنُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ يَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ وَقَدْ عُدِمَ هُنَا ، وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ ( قُلْت ) : وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ .
( وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي ) انْتِقَالُهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَيَضْمَنُ الْإِمَامُ لِلْغُرَمَاءِ إلَى أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ ، وَهَذَا كَالْمُتَعَذِّرِ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .
.

وَإِنْ ضَمِنَهُ ضَامِنٌ وَحَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ ، وَهَلْ لِلضَّامِنِ مُطَالَبَةُ رَبِّ الْحَقِّ بِقَبْضِهِ مِنْ تَرِكَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُبْرِئُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( م 10 ) .
مَسْأَلَةٌ 10 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ ضَمِنَهُ ضَامِنٌ وَحَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَحِلَّ عَلَى غَيْرِهِ وَهَلْ لِلضَّامِنِ مُطَالَبَةُ رَبِّ الْحَقِّ بِقَبْضِهِ مِنْ تَرِكَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُبَرِّئُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) لَهُ ذَلِكَ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الضَّمَانِ .
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَوْعُ شَبَهٍ بِمَسْأَلَةِ السَّلَمِ وَالْكِتَابَةِ وَالدَّيْنِ إذَا أَتَى أَصْحَابُهُ بِالْحَقِّ قَبْلَ مَحَلِّهِ إلَى رَبِّهِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي قَبْضِهِ ، فَهَذِهِ عَشْرُ مَسَائِلَ فِي هَذَا الْبَابِ .

وَإِنْ أَبَى مُفْلِسٌ أَوْ وَارِثٌ الْحَلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ لَمْ يَحْلِفْ الْغُرَمَاءُ ، وَيَلْزَمُ إجْبَارُ مُحْتَرِفٍ عَلَى الْكَسْبِ فِيمَا يَلِيقُ بِمِثْلِهِ لِبَقِيَّةِ دَيْنِهِ ، كَوَقْفٍ وَأُمِّ وَلَدٍ ، فِي الْأَصَحِّ ، لَا فِي لُزُومِ حَجٍّ وَكَفَّارَةٍ ، وَعَنْهُ : لَا يَجُوزُ ، كَقَبُولِ هِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَتَزْوِيجٍ حَتَّى أُمِّ وَلَدٍ وَخَلْعٍ وَرَدِّ مَبِيعٍ وَإِمْضَائِهِ .
وَفِيهِ وَجْهٌ مَعَ الْأَحَظِّ ، وَأَخْذُ دِيَةٍ عَنْ قَوَدٍ ، فَعَلَى الْأُولَى يَبْقَى الْحَجْرُ بِبَقَاءِ دَيْنِهِ إلَى الْوَفَاءِ وَلَوْ طَلَبُوا إعَادَتَهُ لِمَا بَقِيَ بَعْدَ فَكِّ الْحَاكِمِ لَمْ يُجِبْهُمْ ، وَإِذَا أُعِيدَ وَقَدْ ادَّانَ شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الثَّانِي الْأَوَّلَ ، وَلَوْ فَلَّسَهُ الْقَاضِي ثُمَّ ادَّانَ لَمْ يُحْبَسْ ، لِأَنَّ أَمْرَهُ قَدْ وَضَحَ ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ ، وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا أَوْ مَجَّانًا [ وَجَبَتْ ] عَلَى مُوجِبِ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ وَإِلَّا سَقَطَتْ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : اخْتَارَ الْأَكْثَرُ : لَا يَصِحُّ مَجَّانًا ، وَالْخِلَافُ فِي سَفِيهٍ وَوَارِثٍ مَعَ دُيُونٍ مُسْتَغْرِقَةٍ ، وَمَرِيضٍ ، وَيَصِحُّ مِنْهُ فِي ثُلُثِهِ ، وَلَا يَصِحُّ عَفْوُهُمْ عَنْ الدِّيَةِ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : لِلْمُفْلِسِ الْعَفْوُ مَجَّانًا ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ مُلَازَمَتُهُ .
وَفِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ : وَالْإِشْرَافُ عَلَى تَصَرُّفِهِ [ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ ] .

الْحَجْرِ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ ، وَشَرْعًا الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفِ بِحَجْرٍ عَلَى صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ لِحَظِّهِمْ ، وَمَنْ دَفَعَ إلَيْهِمْ مَالَهُ بَيْعًا أَوْ قَرْضًا رَجَعَ بِعَيْنِهِ وَإِنْ أَتْلَفُوهُ لَمْ يَضْمَنُوا ، وَقِيلَ : مَجْنُونٌ ، وَقِيلَ : يَضْمَنُ سَفِيهٌ جُهِلَ حَجْرُهُ ، وَيَلْزَمُهُمْ أَرْشُ جِنَايَةٍ وَضَمَانُ مَا لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِمْ ، وَمَنْ أَعْطَوْهُ مَالًا ضَمِنَهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ وَلِيُّهُ ، وَإِنْ أَخَذَهُ لِيَحْفَظَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا إنْ أَخَذَ مَغْصُوبًا لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ ، وَإِنْ أَوْدَعَهُمْ أَوْ أَعَارَهُمْ أَوْ عَبْدًا مَالًا فَأَتْلَفُوهُ أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِ سَفِيهٍ وَعَبْدٍ ، فَقِيلَ : بِالضَّمَانِ وَعَدَمِهِ ، وَضَمَانِ عَبْدٍ ، وَقِيلَ : وَسَفِيهٍ ( م 1 و 2 ) وَإِنْ تَمَّ لِصَغِيرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ أَنْزَلَ أَوْ نَبَتَ شَعْرٌ خَشِنٌ حَوْلَ قُبُلِهِ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ، وَحُكِيَ فِيهِ رِوَايَةٌ ، أَوْ عَقَلَ مَجْنُونٌ وَرَشَدَا بِلَا حُكْمٍ ، فُكَّ حَجْرُهُمَا بِلَا حُكْمٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ، وَقِيلَ فِي صَغِيرٍ ، وَسَوَاءٌ رَشَّدَهُ الْوَلِيُّ أَوْ لَا ، قَالَ شَيْخُنَا : وَإِنْ نُوزِعَ فِي الرُّشْدِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ قُبِلَ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ بِالِاسْتِفَاضَةِ ، وَمَعَ عَدَمِهَا لَهُ الْيَمِينُ عَلَى وَلِيِّهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ رُشْدُهُ ، وَلَوْ تَبَرَّعَ وَهُوَ تَحْتَ الْحَجْرِ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرُشْدِهِ نَفَذَ ، وَتَزِيدُ جَارِيَةٌ بِحَيْضٍ ، وَعَنْهُ : لَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا بِغَيْرِهِ ، وَنَقَلَهَا جَمَاعَةٌ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هِيَ قَوْلٌ أَوَّلٌ ، وَحَمْلُهَا دَلِيلُ إنْزَالِهَا ، وَقَدْرُهُ أَقَلُّ مُدَّةِ حَمْلٍ ، وَلَا يَنْفَكُّ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَعَنْهُ : يُعْتَبَرُ لِرُشْدِهَا أَيْضًا تَزَوُّجُهَا وَتَلِدُ أَوْ تُقِيمُ سَنَةً مَعَ زَوْجٍ ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ ، فَلَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَقِيلَ : يَدُومُ ، وَقِيلَ مَا لَمْ تُعَنِّسْ .

بَابُ الْحَجْرِ ( مَسْأَلَةٌ 1 وَ 2 ) [ قَوْلُهُ ] وَإِنْ أَوْدَعَهُمْ أَوْ أَعَارَهُمْ يَعْنِي الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ وَالسَّفِيهَ أَوْ عَبْدًا مَالًا فَأَتْلَفُوهُ ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِ سَفِيهٍ وَعَبْدٍ ، فَقِيلَ : بِالضَّمَانِ وَعَدَمِهِ ، وَضَمَانِ عَبْدٍ ، وَقِيلَ : وَسَفِيهٍ ، انْتَهَى .
اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) إذَا أَوْدَعَ الصَّبِيَّ أَوْ الْمَجْنُونَ أَوْ السَّفِيهَ أَوْ الْعَبْدَ مَالًا فَأَتْلَفُوهُ فَهَلْ يَضْمَنُونَهُ أَمْ لَا ؟ أَمْ يَضْمَنُ الْعَبْدُ وَحْدَهُ ؟ أَمْ هُوَ وَالسَّفِيهُ ؟ ذَكَرَ فِيهِ أَقْوَالًا ، أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
أَمَّا الصَّبِيُّ إذَا أَتْلَفَ الْوَدِيعَةَ فَهَلْ يَضْمَنُهَا أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَطْلَقَهُ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمْ .
أَحَدُهُمَا ) لَا يَضْمَنُ ، قَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ .
قَالَ فِي الْفُصُولِ : وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي .
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ : قَالَ غَيْرُ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا يَضْمَنُ .
قَالَ الْحَارِثِيُّ : قَالَ ابْنُ حَامِدٍ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَضْمَنُ ، وَإِلَيْهِ صَارَ الْقَاضِي أَخِيرًا ، ذَكَرَهُ عَنْهُ وَلَدُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ سِوَاهُ ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَكْرُوسٍ .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي ، انْتَهَى .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَضْمَنُ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ ، قَالَ الْحَارِثِيُّ : وَاخْتَارَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنِ شِهَابٍ ، وَلَمْ يُورِدْ الشَّرِيفَانِ أَبُو جَعْفَرٍ وَالزَّيْدِيُّ وَأَبُو الْمَوَاهِبِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُكْبَرِيُّ وَالْقَاسِمُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادُ سِوَاهُ ، انْتَهَى .
وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ فِي مَوْضِعٍ ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ

الْمَذْهَبِ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ .
تَنْبِيهَاتٌ : ( الْأَوَّلُ ) أَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ السَّفِيهَ بِالصَّغِيرِ ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالْمَجْدُ وَابْنُ حَمْدَانَ وَجَمَاعَةٌ ، وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ إتْلَافَ السَّفِيهِ الْوَدِيعَةَ هَدَرٌ ، وَقَطَعَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ بِأَنَّهُ كَالْبَالِغِ الرَّشِيدِ ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ ، قَالَ الْحَارِثِيُّ : وَإِلْحَاقُهُ بِالرَّشِيدِ أَقْرَبُ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ .
( الثَّانِي ) أَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا الْعَبْدَ بِالصَّغِيرِ ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ ، قَالَ الْحَارِثِيُّ : بِهِ قَالَ الْأَكْثَرُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَالشَّرِيفَانِ أَبُو جَعْفَرٍ وَالزَّيْدِيُّ وَابْنُ بَكْرُوسٍ وَغَيْرُهُمْ : إنَّ الْعَبْدَ يَضْمَنُ إذَا أَتْلَفَ الْوَدِيعَةَ ، وَاخْتَارَهُ الْحَارِثِيُّ ، وَرَدَّ غَيْرَهُ ( الثَّالِثُ ) الْمَجْنُونُ كَالصَّغِيرِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ .
( الرَّابِعُ ) الْعَارِيَّةُ كَالْوَدِيعَةِ ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 2 ) إذَا تَلِفَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَنَحْوِهِمَا بِتَفْرِيطِ الْعَبْدِ وَالسَّفِيهِ فَهَلْ يَضْمَنَانِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَضْمَنَانِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فِي السَّفِيهِ ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْفَائِقِ فِي السَّفِيهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَضْمَنَانِ ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي السَّفِيهِ .

( م 3 ) وَالرُّشْدُ إصْلَاحُ الْمَالِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَالدِّينُ ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِنَا ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَنَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ : وَدَوَامًا ، وَهُوَ أَنْ يَتَصَرَّفَ مِرَارًا فَلَا يُغْبَنُ غَالِبًا ، وَلَا يَصْرِفُهُ فِي حَرَامٍ أَوْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ التَّبْذِيرَ وَالْإِسْرَافَ مَا أَخْرَجَهُ فِي الْحَرَامِ ، لِقَوْلِهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] { لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا لُقْمَةٌ فَوَضَعَهَا الرَّجُلُ فِي فِي أَخِيهِ لَمْ يَكُنْ إسْرَافًا } قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَوْ صَدَقَةٌ تَضُرُّ بِعِيَالِهِ ، أَوْ كَانَ وَحْدَهُ وَلَمْ يَثِقْ بِإِيمَانِهِ عَائِلَتُهُ وَقَالَ شَيْخُنَا : أَوْ مُبَاحٌ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْمَصْلَحَةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ إنْكَارُ صَرْفِهِ فِي الْمُحَرَّمِ ، فَإِنْ أَسْرَفَ فِي إنْفَاقِهِ فِي الْمَلَاذِّ أَوْ الشَّهَوَاتِ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْفَقْرَ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ السَّرَفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : فِي التَّبْذِيرِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ .
قَالَ الزَّجَّاجُ : فِي غَيْرِ طَاعَةٍ ، وَالثَّانِي الْإِسْرَافُ الْمُتْلِفُ لِلْمَالِ { إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } لِأَنَّهُمْ يُوَافِقُونَهُمْ فِيمَا يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ وَيُشَارِكُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } أَيْ جَاحِدًا لِنِعَمِهِ ، قَالَ : وَهَذَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمُسْرِفَ كَفُورٌ لِلنِّعْمَةِ : وَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَيُؤْنَسُ رُشْدُهُ ، قَالَ أَحْمَدُ إذَا أُنِسَ مِنْهُ رُشْدًا أَعْطَاهُ [ مَالَهُ ] وَإِلَّا لَمْ يُعْطِهِ .
ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ ، وَأَنَّ الْغُلَامَ بِالْبُلُوغِ يَمْلِكُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ ، وَنَقَلَ الْبَغَوِيّ أَنَّ وَصِيًّا سَأَلَهُ أَنَّ الْيَتِيمَ يُرِيدُ مَالَهُ وَهُوَ مُفْسِدٌ وَرَفَعَنِي إلَى الْوَالِي [ وَأَبْلَغَ ] قَالَ : إنْ لَمْ

تَقْدِرْ لَهُ عَلَى حِيلَةٍ فَأَعْطِهِ .
وَزَمَنُ الِاخْتِبَارِ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، وَقِيلَ : لَا ، لِلْجَارِيَةِ ، لِنَقْصِ خِبْرَتِهَا بِالْخَفَرِ ، وَعَنْهُ : بَعْدَهُ ، فِيهِمَا ، وَبَيْعُ الِاخْتِبَارِ وَشِرَاؤُهُ صَحِيحٌ : .
مَسْأَلَةٌ 3 ) قَوْلُهُ : وَعَنْهُ : يُعْتَبَرُ لِرُشْدِهَا تَزَوُّجُهَا وَتَلِدُ وَتُقِيمُ سَنَةً مَعَ زَوْجٍ ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ ، فَلَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَقِيلَ : يَدُومُ مَا لَمْ تُعَنِّسْ ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) يَدُومُ الْحَجْرُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلشَّيْخِ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ قَوِيٌّ ، بَلْ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) يَدُومُ مَا لَمْ تُعَنِّسْ .
قَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي أَنَّهَا إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ يَدْفَعُ إلَيْهَا مَا لَهَا إذَا عَنَّسَتْ وَبَرَزَتْ لِلرِّجَالِ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي .
.

وَوَلِيُّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ أَبٌ رَشِيدٌ ، قِيلَ : عَدْلٌ ، وَقِيلَ : وَمَسْتُورٌ ( م 4 ) ثُمَّ وَصِيُّهُ وَلَوْ بِجُعْلٍ وَثَمَّ مُتَبَرِّعٌ ، ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ كَذَلِكَ مَعَ ثُبُوتِ وِلَايَتِهِ ، نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : لَا يَقْبِضُ لِلصَّبِيِّ إلَّا الْأَبُ أَوْ وَصِيٌّ وَقَاضٍ ، وَعَنْهُ : يَلِي الْجَدُّ فَفِي تَقْدِيمِهِ عَلَى وَصِيِّهِ وَجْهَانِ ( م 5 ) .
مَسْأَلَةٌ 4 ) قَوْلُهُ وَوَلِيُّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ أَبٌ رَشِيدٌ ، قِيلَ : عَدْلٌ ، وَقِيلَ : وَمَسْتُورٌ ، انْتَهَى ( أَحَدُهُمَا ) يَكْفِي مَسْتُورُ الْحَالِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِمْ : وَلِيُّهُمَا الْأَبُ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِسْقُهُ ، فَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِمَسْتُورِ الْحَالِ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ .
وَأَطْلَقَ فِي الْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ : وِلَايَةَ الْأَبِ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا .
قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ : وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الْأَبُ ثُمَّ الْوَصِيُّ الْعَدْلَانِ .
وَقَالَ فِي الْكَافِي : وَمَنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ الْعَدَالَةُ ، بِلَا خِلَافٍ ، فَظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا .
( مَسْأَلَةٌ 5 ) قَوْلُهُ : وَعَنْهُ : يَلِي الْجَدُّ ، فَفِي تَقْدِيمِهِ عَلَى وَصِيِّهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالْفَائِقِ .
أَحَدُهُمَا ) يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيِّ ، كَالْأَبِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يُقَدَّمُ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ .

وَقَالَ شَيْخُنَا لَوْ وَصَّى مَنْ فِسْقُهُ ظَاهِرٌ إلَى عَدْلٍ وَجَبَ إنْفَاذُهُ ، كَحَاكِمٍ فَاسِقٍ حَكَمَ بِعَدْلٍ وَكَصِحَّةِ وَصِيَّةِ الْفَاسِقِ بِثُلُثِهِ ( ع ) ثُمَّ حَاكِمٍ ، وَمُرَادُهُمْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ وَإِلَّا أَمِينٌ يَقُومُ بِهِ ، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا [ رَحِمَهُ اللَّهُ ] وَقَالَ فِي حَاكِمٍ عَاجِزٍ كَالْعَدَمِ ، نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ فِيمَنْ عِنْدَهُ مَالٌ يُطَالِبُهُ الْوَرَثَةُ : فَيَخَافُ مِنْ أَمْرِهِ : تُرَى أَنْ يُخْبِرَ الْحَاكِمَ وَيَدْفَعَهُ إلَيْهِ ؟ قَالَ : أَمَّا حُكَّامُنَا هَؤُلَاءِ الْيَوْمَ فَلَا أَرَى أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا يَدْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا ، تَرْجَمَهُ الْخَلَّالُ : الرَّجُلُ بِيَدِهِ مَالٌ فَيَمُوتُ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ .
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : إنْ كَانَ الْقَاضِي جَهْمِيًّا زَوَّجَ وَالِي الْبَلَدِ ، وَنَقَلَ مُهَنَّا إنْ مَاتَ الْمُودِعُ وَلَهُ صَبِيٌّ فَكَأَنَّهُ أَوْسَعَ أَنْ يَدْفَعَ الْمُسْتَوْدَعَ إلَى رَجُلٍ مَسْتُورٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ، وَقَالَهُ الْحَارِثِيُّ ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى عَدَمِ الْحَاكِمِ ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد : لَا يَرُدُّ عَلَى الْمَرْأَةِ شَيْئًا تُعْطَى نَصِيبُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةً فَلْيُتَصَدَّقْ بِهِ ، فَظَاهَرَهُ حَاكِمٌ أَوْ غَيْرُهُ ، وَنَقَلَ أَيْضًا فِيمَنْ عَلَيْهِ مَالٌ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ قَرَابَتُهُ لَا يُعْطِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، فَقَالَ : لَا بَيِّنَةَ ، كَيْفَ أَصْنَعُ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ قَاضِيكُمْ لَا بَأْسَ بِهِ فَأَعْطِهِ ، قَالَ : لَا قَاضِيَ لَنَا ، قَالَ : إنْ لَمْ تَخَفْ تَبَعَةً مِنْ وَارِثٍ فَتَصَدَّقْ [ بِهِ ] .
وَسَأَلَهُ الْأَثْرَمُ عَمَّنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ شَيْءٌ فَمَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ صِغَارٌ كَيْفَ أَصْنَعُ فَقَالَ : إنْ كَانَ لَهُمْ وَصِيٌّ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إنْ كَانَتْ لَهُمْ أُمٌّ مُشْفِقَةٌ دُفِعَ إلَيْهَا .
.

وَفِي إيلَاءِ كَافِرٍ عَدْلٍ فِي دِينِهِ مَالٌ وَلَدِهِ الْكَافِرِ وَجْهَانِ ( م 6 ) وَإِذَا سَفِهَ بَعْدَ رُشْدِهِ لَزِمَ الْحَاكِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ، وَهُوَ وَلِيُّهُ ، وَقِيلَ : أَوْ أَبُوهُ ، وَقِيلَ : وَلِيُّهُ الْأَوَّلُ ، كَبُلُوغِهِ سَفِيهًا .
وَفِي الِانْتِصَارِ : يَلِي عَلَى أَبَوَيْهِ الْمَجْنُونَيْنِ ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ : أَرَى أَنْ يَحْجُرَ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ إذَا أَسْرَفَ يَضَعُهُ فِي الْفَسَادِ وَشِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ ، وَقِيلَ : إنْ زَالَ الْحَجْرُ بِرُشْدِهِ بِلَا حُكْمٍ عَادَ بِالسَّفَهِ وَيُسْتَحَبُّ إظْهَارُ حَجْرِ سَفِيهٍ ، وَفَلِسٍ ، وَيُفْتَقَرُ زَوَالُهُمَا وَقِيلَ : سَفَهٌ إلَى حُكْمٍ ، فِي الْأَصَحِّ ، كَابْتِدَائِهِمَا ، وَفِي سَفَهٍ وَجْهُ ابْتِدَاءٍ .
وَفِي الِانْتِصَارِ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ وَأَنَّهُ أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي حَجْرِ فَلِسٍ ، وَيَحْرُمُ تَصَرُّفُهُ لِمُوَلِّيهِ إلَّا بِمَا فِيهِ حَظُّهُ ، فَيَلْزَمُهُ قَبُولُ وَصِيَّةٍ لَهُ بِقَرِيبٍ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ حُرِّمَ ، وَلَهُ بَيْعُ عَقَارِهِ لِمَصْلَحَةٍ ، وَقِيلَ : بَلْ لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ، وَقِيلَ بِزِيَادَةِ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ فِي ثَمَنِهِ ، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ مَا بَاعَهُ قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ، فَبَاعَهُ الْوَلِيُّ وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ ، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ قِيمَتَهُ وَقْتَ بَيْعِهِ مِائَتَانِ ، فَيَتَوَجَّهُ فِيهَا كَنَظِيرِهَا فِي أَوَّلِ بَابِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ .
وَلَهُ تَزْوِيجُ رَقِيقِهِ ، عَلَى الْأَصَحِّ ، وَعَنْهُ لِخَوْفِ فَسَادٍ ، وَعَنْهُ : لَا يُزَوِّجُ أَمَةً لِتَأَكُّدِ حَاجَتِهِ إلَيْهَا ، وَهِبَتُهُ بِعِوَضٍ ، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ، وَكِتَابَتُهُ ، وَفِيهَا فِي التَّرْغِيبِ لِغَيْرِ حَاكِمٍ ، وَعِتْقُهُ بِمَالٍ ، وَعَنْهُ : وَمَجَّانًا لِمَصْلَحَةٍ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَنْ تُسَاوِي أَمَتُهُ وَوَلَدُهَا مِائَةً وَأَحَدُهُمَا مِائَةً ، وَإِذْنُهُ فِي تِجَارَةٍ وَالسَّفَرِ بِمَالِهِ ، خِلَافًا لِلْمُجَرَّدِ وَالْمُغْنِي وَالْكَافِي .
وَلَهُ بَيْعُهُ نِسَاءً وَقَرْضُهُ ، عَلَى الْأَصَحِّ فِيهَا لِمَصْلَحَتِهِ ،

جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا .
وَفِي الْمُغْنِي يُقْرِضُهُ لِحَاجَةِ سَفَرٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَقِيلَ بِرَهْنٍ ، وَفِي الْمُذْهَبِ وَغَيْرِهِ يُقْرِضُهُ بِرَهْنٍ ، وَسِيَاقُ كَلَامِهِمْ لِحَظِّهِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : فِي قَرْضِهِ بِرَهْنٍ زَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَإِشْهَادٍ رِوَايَتَانِ ، وَلَهُ إيدَاعُهُ مَعَ إمْكَانِ قَرْضِهِ ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي ، وَظَاهِرُهُ مَتَى جَازَ قَرْضُهُ جَازَ إيدَاعُهُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ يَجُوزُ إيدَاعُهُ ، لِقَوْلِهِمْ يَتَصَرَّفُ بِالْمَصْلَحَةِ ، وَقَدْ يَرَاهُ مَصْلَحَةً ، وَلِهَذَا جَازَ مَعَ إمْكَانِ قَرْضِهِ ، أَنَّهُ يَمْلِكُهُ الشَّرِيكُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، دُونَ الْقَرْضِ ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ، الْوَدِيعَةُ اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظٍ ، لَا سِيَّمَا إنْ جَازَ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ ، فَلِهَذَا يَتَوَجَّهُ فِي الْمُودَعِ رِوَايَةً ، وَيَتَوَجَّهُ أَيْضًا فِي قَرْضِ الشَّرِيكِ رِوَايَةً .
وَفِي الْكَافِي : لَا يُودِعُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ ، وَ [ أَنَّهُ ] يُقْرِضُهُ لِحَظِّهِ بِلَا رَهْنٍ ، وَأَنَّهُ إنْ سَافَرَ أَوْدَعَهُ ، وَقَرْضُهُ أَوْلَى ، وَلَا يُقْرِضُهُ لِمَوَدَّةٍ وَمُكَافَأَةٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَلَهُ فِي شِرَاءِ عَقَارٍ بِهِ وَدَفْعِهِ مُضَارَبَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَبِبَعْضِ رِبْحِهِ وَقِيلَ : بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ بِأَقَلِّهِمَا ، وَإِنْ اتَّجَرَ بِنَفْسِهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَتَعْلِيمُهُ الْخَطَّ وَمَا يَنْفَعُهُ وَمُدَاوَاتُهُ بِأُجْرَةٍ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَتُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَحَمْلُهُ بِأُجْرَةٍ لِيَشْهَدَ الْجَمَاعَةُ ، قَالَهُ فِي الْفُصُولِ وَالْمُجَرَّدِ ، وَإِذْنُهُ فِي تَصَدُّقِهِ بِيَسِيرٍ ، قَالَهُ فِي الْمُذْهَبِ ، وَالتَّضْحِيَةُ لَهُ ، عَلَى الْأَصَحِّ ، مَعَ كَثْرَةِ مَالِهِ ، وَيَحْرُمُ صَدَقَتُهُ مِنْهَا .
وَفِي الِانْتِصَارِ عَنْ أَحْمَدَ : تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ ، لِقَوْلِهِ : لِلْوَصِيِّ التَّضْحِيَةُ عَنْ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ ، فَدَلَّ أَنَّهَا كَزَكَاةٍ وَفِطْرَةٍ ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ ، كَصَدَقَةٍ .
وَعَلَّلَ فِي

الْفُصُولِ عَدَمَ التَّضْحِيَةِ بِالتَّبَرُّعِ ، وَلَهُ الْإِذْنُ لِصَغِيرَةٍ فِي لَعِبٍ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ ، وَشِرَاؤُهَا بِمَالِهَا ، نَصَّ عَلَيْهِمَا ، وَقِيلَ : بِمَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْوَلِيَّ تَخْلِيصُ حَقِّ مُوَلِّيهِ إلَّا بِرَفْعِهِ إلَى وَالٍ يَظْلِمُهُ ، فَقَدْ يُقَالُ : يَرْفَعُهُ ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ الظُّلْمَ إلَى نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ .
وَقَدْ يُقَالُ : لَا ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَسْلِيطِ الْوَالِي الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ ، مَضَرَّتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَةِ عَدْلِهِ ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ( م 7 ) .

.
مَسْأَلَةٌ 6 ) قَوْلُهُ وَفِي إيلَاءِ كَافِرٍ عَدْلٍ فِي دِينِهِ مَالَ وَلَدِهِ الْكَافِرِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ .
( أَحَدُهُمَا ) يَلِيهِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ : وَيَلِي الْكَافِرُ الْعَدْلُ فِي دِينِهِ مَالَ وَلَدِهِ ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ ، وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَلِيهِ ، وَإِنَّمَا يَلِيهِ الْحَاكِمُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَلِي مَالَ مُوَلِّيَتِهِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِنَا : لَا يُبَاشِرُ عَقْدَهَا لِمُسْلِمٍ .
تَنْبِيهَانِ ) ( أَحَدُهُمَا ) قَوْلُهُ : وَلَهُ السَّفَرُ بِمَالِهِ خِلَافًا لِلْمُجَرَّدِ وَالْمُغْنِي وَالْكَافِي ، انْتَهَى .
ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ سَافَرَ بِهِ لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ السَّفَرُ لِلتِّجَارَةِ يَجُوزُ بِلَا نِزَاعٍ فِي الْمَوَاضِعِ الْآتِيَةِ ، قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا سَافَرَ بِهِ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ ، فَهَذَا الَّذِي خَالَفَ فِيهِ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا ، وَكَلَامُهُ مُطْلَقٌ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ .
وَالثَّانِي ) قَوْلُهُ بَعْدَ ذِكْرِ أَحْكَامِ وَدِيعَةِ مَالِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ يَجُوزُ إيدَاعُهُ ، لِقَوْلِهِمْ : يَتَصَرَّفُ بِالْمَصْلَحَةِ ، وَقَدْ يَرَاهُ مَصْلَحَةً ، وَلِهَذَا جَازَ مَعَ إمْكَانِ قَرْضِهِ أَنْ يَمْلِكَهُ الشَّرِيكُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، دُونَ الْقَرْضِ ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ، الْوَدِيعَةُ اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظٍ ، انْتَهَى ، مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى جَوَازِ إيدَاعِ الْمَوْلَى مَالَ الصَّغِيرِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ قَرْضُهُ ، بِدَلِيلِ مَا قَالَ الْأَصْحَابُ : إنَّ الشَّرِيكَ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ يَمْلِكُ إيدَاعَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ ، وَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَرْضُهُ ، فَذِكْرُهُ لِلرِّوَايَتَيْنِ هُنَا إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِشْهَادِ لِجَوَازِ إيدَاعِ مَالِ الصَّغِيرِ وَعَدَمِ

جَوَازِ قَرْضِهِ ، وَالْمُصَنِّفُ قَدْ أَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ فِي جَوَازِ إيدَاعِ مَالِ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا يَأْتِي هُنَاكَ مُحَرَّرًا مُصَحَّحًا ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّصْحِيحِ لَا هُنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ 7 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْوَالِيَ تَخْلِيصُ حَقِّ مُوَلِّيهِ إلَّا بِرَفْعِهِ إلَى وَالٍ يَظْلِمُهُ فَقَدْ يُقَالُ : يَرْفَعُهُ ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَرَّ الظُّلْمَ إلَى نَفْسِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَقَدْ يُقَالُ : لَا ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَسْلِيطِ الْوَالِي الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ ، مَضَرَّتُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَةِ عَدْلِهِ ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : الصَّوَابُ رَفْعُهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ الْآنَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ : وَلَوْ مَاتَ مَنْ يَتَّجِرُ لِيَتِيمِهِ ، وَلِنَفْسِهِ بِمَالِهِ وَقَدْ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يُعْرَفْ لِمَنْ هُوَ لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَهُمَا ( هـ ) وَلَمْ يُوقَفْ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا ( ش ) بَلْ مَذْهَبُ [ الْإِمَامِ ] أَحْمَدَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] يُقْرَعُ ، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَأَخَذَ ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ وَلَوْ أَفْسَدَهَا دَفَعَهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ ، فَلَوْ أَفْسَدَهَا أَطْعَمَهُ مُعَايَنَةً ، وَلَوْ أَفْسَدَ كِسْوَتَهُ سَتَرَ عَوْرَتَهُ فَقَطْ فِي بَيْتٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّحَيُّلُ وَلَوْ بِتَهْدِيدٍ ، وَمَتَى أَرَاهُ النَّاسَ أَلْبَسَهُ ، فَإِذَا عَادَ نُزِعَ عَنْهُ .
وَسَأَلَهُ مُهَنَّا : الْمَجْنُونُ يُقَيَّدُ بِالْحَدِيدِ إذَا خَافُوا عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِمَا مَا لَمْ تُخَالِفْهُ عَادَةٌ وَعُرْفٌ ، فِي مَصْلَحَةٍ وَتَلَفٍ لَا قَوْلُ وَارِثِهِ وَيَحْلِفُ غَيْرُ حَاكِمٍ ، عَلَى الْأَصَحِّ .

وَلَهُ تَزْوِيجُ سَفِيهٍ بِلَا إذْنِهِ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَفِي إجْبَارِهِ وَجْهَانِ ( م 8 ) .
مَسْأَلَةٌ 8 ) قَوْلُهُ : وَلَهُ تَزْوِيجُ سَفِيهٍ بِلَا إذْنِهِ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَفِي إجْبَارِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْبُلْغَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي النِّكَاحِ .
( أَحَدُهُمَا ) لَيْسَ لَهُ إجْبَارُهُ ( قُلْت ) : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَهُ ذَلِكَ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ زَوَّجَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّ ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَمَلَكَهُ الْوَلِيُّ ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُوزٌ عَلَيْهِ أَشْبَهَ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ تَزْوِيجَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ ، كَالرَّشِيدِ وَالْعَبْدِ الْكَبِيرِ ، وَمَالًا إلَى هَذَا الِاحْتِمَال وَنَصَرَاهُ ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْأَكْثَرَ سَوَّغُوا إجْبَارَهُ عَلَى ذَلِكَ إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً ، وَأَنَّ الشَّيْخَ وَمَنْ تَابَعَهُ نَصَرُوا عَدَمَ الْإِجْبَارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَفِي لُزُومِهِ تَعْيِينَ الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ ( م 9 ) وَيَتَقَيَّدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَيُحْتَمَلُ لُزُومُهُ زِيَادَةَ إذْنٍ فِيهَا ، كَتَزْوِيجِهِ بِهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَالثَّانِي : تَبْطُلُ هِيَ لِلنَّهْيِ عَنْهَا ، فَلَا تَلْزَمُ أَحَدًا ( م 10 ) وَإِنْ عَضَلَهُ اسْتَقَلَّ ، وَإِنْ عَلِمَهُ يُطَلِّقُ اشْتَرَى لَهُ أَمَةً .
( مَسْأَلَةٌ 9 ) قَوْلُهُ : وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَفِي لُزُومِهِ تَعْيِينُ الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَلْزَمُ تَعْيِينُهَا ، بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ : الْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمَرْأَةَ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ مُطْلَقًا ، وَنَصَرَاهُ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ ، وَقَطَعُوا بِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) يَلْزَمُهُ تَعْيِينُ الْمَرْأَةِ لَهُ وَهُوَ قَوِيٌّ ( قُلْت ) : يَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ الْمَسْأَلَةُ بِمَا إذَا تَزَوَّجَ مَنْ تُقَارِبُهُ فِي الْكُلْفَةِ وَنَحْوِهَا ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ ذَلِكَ : وَيَتَقَيَّدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ .
مَسْأَلَةٌ 10 ) قَوْلُهُ : وَيَتَقَيَّدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَيَحْتَمِلُ لُزُومُهُ زِيَادَةَ إذْنٍ فِيهَا لِتَزْوِيجِهِ بِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : وَالثَّانِي تَبْطُلُ هِيَ لِلنَّهْيِ عَنْهَا ، فَلَا تَلْزَمُ أَحَدًا ، انْتَهَى .
( أَحَدُهُمَا ) لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَهُ ذَلِكَ إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ .

وَفِي إجْبَارِ السَّفِيهِ الْخِلَافُ ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ فِي تَفْوِيضِ الْبُضْعِ ( م 11 ) وَإِنْ تَزَوَّجَ بِلَا إذْنِهِ لِحَاجَةٍ صَحَّ ، وَإِلَّا فَلَا ، فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا .
وَيُكَفِّرُ بِصَوْمٍ ، كَمُفْلِسٍ .
وَقِيلَ : إنْ لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ .
وَإِنْ فُكَّ حَجْرُهُ قُبِلَ تَكْفِيرُهُ وَقُدِّرَ أَعْتَقَ ، وَيَسْتَقِلُّ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مَقْصُودُهُ .
وَلَا يَحِلُّ لِلْوَلِيِّ مِنْ مَالِ مُوَلِّيهِ إلَّا الْأَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ كِفَايَتِهِ .
وَفِي الْإِيضَاحِ : إذَا قَدَّرَهُ حَاكِمٌ ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي اعْتِبَارِهِ وَجْهَانِ مَعَ فَقْرِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : أَوْ غِنَاهُ ، وَحَكَاهُ رِوَايَةً .
وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ : يَأْكُلُ فَقِيرٌ وَمَنْ يَمْنَعُهُ عَنْ مَعَاشِهِ بِمَعْرُوفٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِوَضُهُ بِيَسَارِهِ ، عَلَى الْأَصَحِّ .
وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ مِثْلَهُ فِي نَاظِرِ وَقْفٍ ، وَنَصُّهُ فِيهِ : يَأْكُلُ بِمَعْرُوفٍ .
وَعَنْهُ أَيْضًا : إذَا اشْتَرَطَ ، قِيلَ لَهُ : فَيَقْضِي دَيْنَهُ ؟ قَالَ : مَا سَمِعْت .
قَالَ شَيْخُنَا .
لَا يَقْدَمُ بِمَعْلُومِهِ بِلَا شَرْطٍ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ مَعَ فَقْرِهِ ، كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ .
وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُوَافَقَتُهُ عَلَى الْأُجْرَةِ ، وَالْوَكِيلُ يُمْكِنُهُ .
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِي الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ يَقُومَانِ بِأَمْرِهِ : يَأْكُلَانِ بِالْمَعْرُوفِ ، كَأَنَّهُمَا كَالْأَجِيرِ وَالْوَكِيلِ ، قَالَ : وَظَاهِرُ هَذَا النَّفَقَةُ لِلْوَكِيلِ .
وَلَا يَحْجُرُ حَاكِمٌ عَلَى مُقَتِّرٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَاخْتَارَ الْأَزَجِيُّ : بَلَى .
قَالَ الْأَزَجِيُّ : فِي الْإِقْرَارِ لِحَمْلٍ إذَا خَرَجَ أُجْبِرَ الْمُقِرُّ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ إلَى الْوَلِيِّ وَيَبْرَأُ .
لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ شَرْعًا .
وَقَالَ أَيْضًا : الْحَمْلُ لَا يُثْبِتُ لَهُ حَقًّا مِنْ نَاحِيَةِ التَّصَرُّفِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا وَلِيَّ لِحَمْلٍ فِي مَالٍ .
وَقَالَ الشَّيْخُ : إنْ خَرَجَ مَيِّتًا وَكَانَ عَزَاهُ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ

عَادَتْ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَمَوْرُوثِ الطِّفْلِ .
وَقَدْ أَفْتَى أَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَاءِ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي مَدِينٍ مَاتَ : أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ دَيْنُهُ فَلِلْحَاكِمِ بِطَلَبِ رَبِّهِ بَيْعُ عَقَارِهِ بِقَدْرِ دَيْنِهِ وَيَكْتُبُ أَنَّهُ بَاعَهُ فِي دَيْنِهِ الثَّابِتِ عِنْدَهُ ، وَلَا يَعُوقُهُ الْحَمْلُ .
وَلِرَشِيدَةٍ التَّبَرُّعُ مِنْ مَالِهَا بِدُونِ إذْنِ زَوْجٍ .
وَعَنْهُ : لَا ، صَحَّحَهَا فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ .
وَعَنْهُ : بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ ، وَلِامْرَأَتِهِ وَنَحْوِهَا الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْتِهِ بِيَسِيرٍ ، لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْخَاصَّةِ ، وَلِأَنَّهُ الْعُرْفُ ، وَالْمُرَادُ إلَّا أَنْ يَضْطَرِبَ الْعُرْفُ وَيُشَكَّ فِي رِضَاهُ ، أَوْ يَكُونَ بَخِيلًا وَيُشَكَّ فِي رِضَاهُ فَلَا يَجُوزُ ، وَعَنْهُ : لَا ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ، كَهُوَ ، وَكَمَنْ يُطْعِمُهَا بِفَرْضٍ وَلَا تَعْلَمُ رِضَاهُ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ .
( مَسْأَلَةٌ 11 ) قَوْلُهُ : وَفِي إجْبَارِ السَّفِيهِ الْخِلَافُ ، ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ فِي تَفْوِيضِ الْبُضْعِ ، انْتَهَى .
الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِجْبَارِ هُنَا إجْبَارُهُ عَلَى التَّسَرِّي ، لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِيبَهُ ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ ، فَأَحَالَ الْخِلَافَ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْل مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَوْ مُوَلِّيهِ فِي تِجَارَةٍ صَحَّ وَانْفَكَّ حَجْرُهُ فِي قَدْرِهِ ، كَوَكِيلٍ وَوَصِيٍّ فِي نَوْعٍ ، وَتَزْوِيجِ مُعَيَّنٍ ، وَبَيْعِ عَيْنِ مَالِهِ ، وَالْعَقْدُ الْأَوَّلُ .
وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَنْعُ فَكِّ حَجْرِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ انْفَكَّ لَمَا تُصُوِّرَ عَوْدُهُ وَلَمَا اُعْتُبِرَ عِلْمُ الْعَبْدِ بِإِذْنِهِ لَهُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ ، وَلَكَانَ : فَكَكْت عَنْك ، مُطْلَقًا فِي التَّصَرُّفِ ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمُقْتَضَى ، كَقَوْلِهِ : مَلَّكْتُك ، بَدَلَ : بِعْتُك .
وَفِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةٌ : إنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي نَوْعٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ غَيْرِهِ مَلَكَهُ ( وَ هـ ) وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَمُضَارِبٍ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً وَغَيْرِهِ .
وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيهِ : لِلسَّيِّدِ فِدَاؤُهُ ، وَإِلَّا فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ الْعَبْدِ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْهُ ، وَيَتَعَلَّقَ دَيْنُهُ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ .
وَفِي الْوَسِيلَةِ : قَدْرُ قِيمَتِهِ ، وَنَقَلَهُ مُهَنَّا بِمَأْذُونٍ فِيهِ وَغَيْرِهِ ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ ، وَلِهَذَا لَهُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَعْدُ ، وَتَصَرُّفُهُ فِي بَيْعِ خِيَارٍ يُفْسَخُ إمْضَاءً [ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ ] وَثُبُوتُ الْمِلْكِ لَهُ ، وَيَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ بِعَزْلِ سَيِّدٍ لِمَأْذُونٍ كَوَكِيلٍ وَمُضَارِبٍ ، لَا كَصَبِيٍّ وَمُكَاتَبٍ ، وَمُرْتَهِنٍ أَذِنَ لِرَاهِنٍ فِي بَيْعٍ .
وَعَنْهُ : بِرَقَبَتِهِ ، كَجِنَايَتِهِ .
وَعَنْهُ : بِهِمَا .
وَفِي الْوَسِيلَةِ رِوَايَةٌ : بِذِمَّتِهِ .
وَنَقَلَ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ : يُؤْخَذُ السَّيِّدُ بِمَا ادَّانَ لِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَقَطْ .
وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : إذَا ادَّانَ فَعَلَى سَيِّدِهِ ، وَإِذَا جَنَى فَعَلَى سَيِّدِهِ .
وَفِي الرَّوْضَةِ .
إنْ أَذِنَ لَهُ مُطْلَقًا لَزِمَهُ كُلَّمَا ادَّانَ ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِنَوْعٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتِدَانَةً فَبِرَقَبَتِهِ ، كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ ، وَإِنْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ .
وَقِيلَ : بَلَى .
وَقِيلَ وَعَلَيْهِ دَيْنُ قَدْرِ قِيمَتِهِ ، وَإِنْ

لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ ، وَلَوْ رَآهُ يَتَّجِرُ فَسَكَتَ كَتَزْوِيجِهِ وَبَيْعِهِ مَالَهُ ، وَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِرَقَبَتِهِ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ .
وَعَنْهُ بِذِمَّتِهِ ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إنْ أَعْتَقَهُ فَعَلَى مَوْلَاهُ ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ .

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي كُلِّ تِجَارَةٍ لَمْ يَتَوَكَّلْ لِغَيْرِهِ ، وَتَوْكِيلُهُ كَوَكِيلٍ ، وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ وَفِي عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ خِلَافٌ فِي الِانْتِصَارِ ( م 12 ) وَاخْتِصَاؤُهُ وَنَحْوُهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ دَيْنُهُ ، وَفِي صِحَّةِ شِرَاءِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَامْرَأَتِهِ وَزَوْجِ رَبَّةِ الْمَالِ وَجْهَانِ .
م 13 - 15 ) إنْ صَحَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَقِيلَ : يَعْتِقُ ، وَقِيلَ : يُبَاعُ فِيهِ ( م 16 ) وَمِثْلُهُ مُضَارِبٌ ( م 17 ) وَالْأَشْهَرُ يَصِحُّ ، كَمَنْ نَذَرَ عِتْقَهُ وَشِرَائِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُهُ .
وَيَضْمَنُ مُضَارِبٌ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : مَعَ عِلْمِهِ ، جَزَمَ بِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ ، قَالَ : لِأَنَّ الْأُصُولَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ فِي بَابِ الضَّمَانِ كَالْمَعْذُورِ ، وَكَمَنْ رَمَى إلَى صَفِّ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَمَنْ وَطِئَ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ ، فَإِنَّهُ إنْ عَلِمَ بِالْفَسَادِ لَزِمَهُ بِكُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَمَهْرٌ وَاحِدٌ وَيَضْمَنُ ثَمَنَهُ ، وَعَنْهُ : قِيمَتُهُ ، فَفِي الْحَطِّ عَنْهُ قِسْطُهُ مِنْهَا وَجْهَانِ ( م 18 ) وَقِيلَ : يَصِحُّ مَوْقُوفًا ، وَقَالُوا : يَصِحُّ شِرَاؤُهُ زَوْجًا وَزَوْجَةً لِعَدَمِ إتْلَافِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَفِي الْوَسِيلَةِ الْخِلَافُ .

مَسْأَلَةٌ 12 ) قَوْلُهُ فِي تَصَرُّفَاتِ الرَّقِيقِ : وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ ، وَفِي عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ خِلَافٌ ، فِي الِانْتِصَارِ ، انْتَهَى .
وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً ، وَإِلَّا فَلَا ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
مَسْأَلَةٌ 13 - 15 ) قَوْلُهُ فِي أَحْكَامِ الرَّقِيقِ : وَفِي صِحَّةِ شِرَاءِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَامْرَأَتِهِ وَزَوْجِ رَبَّةِ الْمَالِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
شَمَلَ كَلَامُهُ مَسَائِلَ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) إذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ .
أَحَدُهُمَا يَصِحُّ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى .
صَحَّ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، فَقَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَرُءُوسِ الْمَسَائِلِ ، وَأَقَرَّهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَلَيْهِ ، قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ ، وَقَطَعَ بِهِ أَيْضًا فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَصِحُّ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 14 ) إذَا اشْتَرَى امْرَأَةَ سَيِّدِهِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فَقَالَ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ : وَإِنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَإِنْ اشْتَرَى زَوْجَةَ سَيِّدِهِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فِي أَحْكَامِ الْمُضَارَبَةِ وَقَالَا : حُكْمُهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ( قُلْت ) : الصَّوَابُ هُنَا صِحَّةُ الشِّرَاءِ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ 15 ) لَوْ اشْتَرَى زَوْجُ صَاحِبَةَ الْمَالِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ اشْتَرَى بِمَالِ سَيِّدَتِهِ زَوْجَهَا ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ، وَحُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي ، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وَابْنُ رَزِينٍ ، وَقَدْ عَلِمْت الصَّحِيحَ فِي الْمَسْأَلَةِ

الْأُولَى فَكَذَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ .
( تَنْبِيهٌ ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَحِكَايَتُهُ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهَا زَوْجَةَ سَيِّدِهِ ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الْمُضَارِبُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذِهِ مَسْأَلَةَ الْمُضَارِبِ ، وَأَنَّ الْأَشْهَرَ فِيهَا كَمَنْ نَذَرَ عِتْقَهُ .
( مَسْأَلَةٌ 16 ) قَوْلُهُ : فَإِنْ صَحَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَقِيلَ : يَعْتِقُ ، وَقِيلَ : يُبَاعُ فِيهِ ، انْتَهَى .
يَعْنِي ، إذَا صَحَّ الشِّرَاءُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهَلْ يَعْتِقُ أَوْ يُبَاعُ ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ .
أَحَدُهُمَا يَعْتِقُ ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ : إذَا اشْتَرَى الْمَأْذُونُ لَهُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِإِذْنِهِ صَحَّ وَعَتَقَ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَمَا فِي يَدِهِ وَقُلْنَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِرَقَبَتِهِ فَعَلَيْهِ دَفْعُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ إلَى الْغُرَمَاءِ ، لِأَنَّهُ الَّذِي أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمْ بِالْعِتْقِ ، انْتَهَى .
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَعْتِقُ وَلَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ ، وَحَكَمُوا بِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ لَا عَلَى السَّيِّدِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَعْتِقُ ، وَيُبَاعُ فِي الدَّيْنِ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَإِذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ بِلَا إذْنِهِ صَحَّ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَعَتَقَ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِيعَ فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ عِتْقُهُ مُطْلَقًا ، انْتَهَى .
فَقَدَّمَ أَنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ .
( مَسْأَلَةٌ 17 ) قَوْلُهُ : وَمِثْلُهُ مُضَارِبٌ ، يَعْنِي أَنَّ فِيهِ الْخِلَافَ وَالْأَحْكَامَ الَّتِي فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ إذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ

أَوْ زَوْجَ صَاحِبَةِ الْمَالِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُضَارِبَ إذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ .
أَحَدُهُمَا يَصِحُّ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمُذْهَبِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْفُصُولِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهَادِي وَالتَّلْخِيصِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِمْ ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ ، قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ صِحَّةُ الشِّرَاءِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَصِحُّ ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِي الْكَافِي وَاحْتِمَالٌ فِي الْمُقْنِعِ ، وَأَطْلَقَ احْتِمَالَيْنِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ .
تَنْبِيهَانِ : ( الْأَوَّلُ ) قَوْلُهُ : وَالْأَشْهَرُ كَمَنْ نَذَرَ عِتْقَهُ وَشِرَاءَهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُهُ ، انْتَهَى .
يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ مَنْ نَذَرَ رَبُّ الْمَالِ عِتْقَهُ أَوْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُهُ ، فَاشْتَرَاهُ الْعَامِلُ ، وَقَدْ قَطَعَ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ بِصِحَّةِ شِرَاءِ الْمُضَارِبِ مَنْ نَذَرَ رَبُّ الْمَالِ عِتْقَهُ ، وَيَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : لَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِالرَّحِمِ صَحَّ وَعَتَقَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ صَادَفَ مَنْ كَانَ الْمَالِكُ نَذَرَ عِتْقَهُ ، أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ قَبْلَ الْمِلْكِ عَلَيْهِ ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الشِّرَاءُ إلَّا مَا نَذَرَ رَبُّ الْمَالِ عِتْقَهُ أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى شِرَائِهِ ، وَقُلْنَا : يَصِحُّ التَّعْلِيقُ ، انْتَهَى .
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ شِرَاءِ مَنْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُهُ فَلَمْ أَرَهَا ، وَقَدْ حَكَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهَا مِثْلُ مَنْ نَذَرَ عِتْقَهُ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا قَالَهُ

فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَةِ .
( الثَّانِي ) دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَجْلِ تَمْثِيلِهِ لَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ زَوْجَةَ رَبِّ الْمَالِ أَوْ زَوْجَ صَاحِبَةِ الْمَالِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُصُولِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَطَعُوا بِالصِّحَّةِ ، وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ : وَقَالُوا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ زَوْجًا وَزَوْجَةً ، لِعَدَمِ إتْلَافِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ .
وَفِي الْوَسِيلَةِ الْخِلَافُ ، انْتَهَى .
فَإِنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ " وَمِثْلُهُ مُضَارِبٌ " يَعْنِي فِي شِرَاءِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، لَا فِي شِرَاءِ زَوْجَةِ رَبِّ الْمَالِ أَوْ زَوْجِ رَبَّةِ الْمَالِ .
وَقَالَ فِي الْفُصُولِ فِي مَا إذَا اشْتَرَى الْمُضَارِبُ زَوْجَ رَبَّةِ الْمَالِ هِيَ مِثْلُ مَا إذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِالرَّحِمِ وَلَكِنْ يُفَارِقُهَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا إذَا اشْتَرَى زَوْجَ رَبَّةِ الْمَالِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( مَسْأَلَةٌ 18 ) قَوْلُهُ : وَيَضْمَنُ ثَمَنَهُ ، وَعَنْهُ : قِيمَتُهُ ، فَفِي الْحَطِّ عَنْهُ قِسْطُهُ مِنْهَا وَجْهَانِ ، انْتَهَى ، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَهَلْ يَسْقُطُ عَنْ الْعَامِلِ قِسْطُهُ مِنْهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .
أَحَدُهُمَا يُحَطُّ عَنْ الْعَامِلِ قِسْطُهُ مِنْهَا ، اخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ .
فَقَالَ : وَهَلْ يُحَطُّ عَنْ الْمُضَارِبِ قِسْطُهُ مِنْهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُحَطُّ ، انْتَهَى ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُحَطُّ عَنْهُ .

وَلَا يَبْطُلُ إذْنُهُ بِإِبَاقِهِ ، فِي الْأَصَحِّ ، كَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادِ ، وَفِيهِ بِكِتَابَةٍ وَحُرِّيَّةٍ وَأَسْرٍ خِلَافٌ فِي الِانْتِصَارِ وَفِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ : يَزُولُ مِلْكُهُ بِحُرِّيَّةٍ وَغَيْرِهَا ، كَحَجْرٍ عَلَى سَيِّدِهِ ( م 19 ) وَلَيْسَ إبَاقُهُ فُرْقَةً ، نَصَّ عَلَيْهِ .
( مَسْأَلَةٌ 19 ) قَوْلُهُ : وَلَا يَبْطُلُ إذْنُهُ بِإِبَاقِهِ ، فِي الْأَصَحِّ ، كَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ ، وَفِيهِ بِكِتَابَةٍ وَحُرِّيَّةٍ وَأَسْرٍ خِلَافٌ فِي الِانْتِصَارِ .
وَفِي الْمُوجَزِ وَالتَّبْصِرَةِ يَزُولُ مِلْكُهُ بِحُرِّيَّةٍ وَغَيْرِهَا ، كَحَجْرٍ عَلَى سَيِّدِهِ ، انْتَهَى .
ذَكَرَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ حُكْمُهَا وَاحِدٌ عِنْدَهُ ، وَالصَّوَابُ عَدَمُ بُطْلَانِ إذْنِهِ بِذَلِكَ ، وَمَسْأَلَةٌ الْحُرِّيَّةِ قَرِيبَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْوَكَالَةِ ، وَالصَّحِيحُ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ ، فَكَذَا هَذِهِ ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ .

وَلَهُ هَدِيَّةُ مَأْكُولٍ وَإِعَارَةُ دَابَّةٍ وَعَمَلُ دَعْوَةٍ وَنَحْوُهُ بِلَا سَرَفٍ ، وَمَنَعَهُ الْأَزَجِيُّ ، كَهِبَةِ نَقْدٍ وَكِسْوَةٍ ، وَنِكَاحِهِ ، وَكَمُكَاتَبٍ ، فِي الْأَصَحِّ ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ، وَجَوَّزَهُ لَهُ فِي الْمُوجَزِ ، وَفِيهِ فِي التَّرْغِيبِ : لَا يَتَوَسَّعُ فِيهِ ، وَلِغَيْرِ الْمَأْذُونِ الصَّدَقَةُ مِنْ قُوتِهِ بِمَا لَا يَضُرُّهُ .
وَعَنْهُ : لَا ، وَيَأْتِي فِي الْوَلِيمَةِ : هَلْ لَلشَّرِيك الصَّدَقَةُ ؟ .

وَمَا كَسَبَهُ عَبْدٌ غَيْرُ مُكَاتَبٍ فَلِسَيِّدِهِ ، وَفِي مِلْكِهِ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَقِيلَ : وَغَيْرِهِ رِوَايَتَانِ ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ( م 20 ) يَعْتِقُهُ وَلَا يَتَسَرَّى مِنْهُ ، وَلَا بِهِ ، وَلَا يُكَفِّرُ ، وَإِنْ مَلَكَ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ عَقِيلٍ انْعَكَسَ ذَلِكَ .
وَجَوَّزَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ تَسْرِيَةً عَلَيْهِمَا .
وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد وَجَعْفَرٌ : يَتَسَرَّى مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ بِإِذْنِهِ ؟ قَالَ .
نَعَمْ .
وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ : لَا يَتَسَرَّى بِلَا إذْنِهِ ، وَلَهُ التَّسَرِّي بِإِذْنِ وَرَثَةِ مَفْقُودٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ ، وَيَتَوَجَّهُ : لَا .
وَفِي الِانْتِصَارِ : إنْ مَلَكَ اشْتَرَى مِنْهُ وَاقْتَرَضَ وَقَضَى وَغَرِمَ مَا أَتْلَفَهُ بِرِضَاهُ ، وَلَا يُطَالِبُهُ ، كَالْأَبِ ، وَإِنْ تَسَرَّى بِإِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ، قَالَ : كَنِكَاحٍ ، وَقِيلَ : لَا .
وَحَكَى رِوَايَةً ، وَلَوْ بَاعَهُ وَلَهُ سُرِّيَّةٌ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا ، كَامْرَأَتِهِ ، وَهِيَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ ، نَقَلَهُ حَرْبٌ .

مَسْأَلَةٌ 20 ) قَوْلُهُ : وَفِي مِلْكِهِ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ ، وَقِيلَ : وَغَيْرِهِ ، رِوَايَتَانِ ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَغَيْرِهِمْ .
إحْدَاهُمَا لَا يَمْلِكُ ، قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا : اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ ( قُلْت ) : مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَغَيْرِهِ ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ فِي هَذَا الْبَابِ : هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَشْهَرُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ .
( وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ) يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا وَابْنُ عَقِيلٍ ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَصَحَّحَهَا الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ : وَهِيَ أَظْهَرُ ، قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفَائِقِ : وَيَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ : لَوْ مُلِّكَ مَلَكَ فِي الْأَقْيَسِ ، انْتَهَى .
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ .
تَنْبِيهَانِ : ( الْأَوَّلُ ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ : ( أَحَدُهَا ) إطْلَاقُهُ لِلْخِلَافِ ، مَعَ قَوْلِهِ عَنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ " اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ " فَمَا اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ حَتَّى يُطْلِقَ الْخِلَافَ ، لِأَنَّ الْأَصْحَابَ اخْتَارُوا إحْدَاهُمَا عَلَى زَعْمِهِ ، وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ .
الثَّانِي ) كَوْنُهُ قَالَ " اخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ " مَعَ اخْتِيَارِ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، لَكِنْ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ شَاقِلَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فَسَبَقَ الْقَلَمُ فَسَقَطَتْ لَفْظَةُ " أَكْثَرُ " أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ الْكَاتِبِ .
( الثَّالِثُ ) قَوْلُهُ

" اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ " وَاَلَّذِي نَقَلَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ إنَّمَا اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ، لَا أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّهُ يَمْلِكُ ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ عَنْهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَذَكَرَ لَفْظَهُ ، وَلَعَلَّ لَهُ اخْتِيَارَيْنِ ، لَكِنْ لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ عَزَا ذَلِكَ إلَيْهِ .
[ التَّنْبِيهُ ] ( الثَّانِي ) قَوْلُهُ " بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَقِيلَ : وَغَيْرِهِ " فَقَدَّمَ أَنَّ مَحَلَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَمْلِيكِ سَيِّدِهِ لَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ ، وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَأَصْحَابُنَا لَمْ يُقَيِّدُوا الرِّعَايَتَيْنِ بِتَمْلِيكِ السَّيِّدِ ، بَلْ ذَكَرُوهُمَا مُطْلَقًا فِي مِلْكِ الْعَبْدِ إذَا مَلَكَ ، قَالَ فِي الْفَوَائِدِ : عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَكْثَرِينَ .

وَيُكَفِّرُ بِإِطْعَامٍ بِإِذْنِهِ .
وَقِيلَ : وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ ، وَفِيهِ بِعِتْقٍ رِوَايَتَانِ ( م 21 ) فَإِنْ جَازَ وَأَطْلَقَ فَفِي عِتْقِهِ نَفْسَهُ وَجْهَانِ ( م 22 ) وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ التَّكْفِيرَ بِصَوْمٍ ؛ نَصَّ عَلَيْهِ .
وَقِيلَ : إنْ حَلَفَ بِإِذْنِهِ ، وَكَذَا النَّذْرُ ، وَلَهُ التَّنَفُّلُ بِهِ بِلَا مَضَرَّةٍ ، وَلَهُ مُعَامَلَةُ عَبْدٍ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ ، خِلَافًا لِلنِّهَايَةِ .
نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ اشْتَرَى مِنْ عَبْدٍ ثَوْبًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَقَالَ الْعَبْدُ : أَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي فِي التِّجَارَةِ ، قَالَ : لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ، إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ .
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ : إنْ حَجَرَ عَلَى عَبْدِهِ فَمَنْ بَايَعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ .
وَنَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنْ قَدِمَ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ فَاشْتَرَاهُ النَّاسُ مِنْهُ ، فَقَالَ : أَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي فِي التِّجَارَةِ ، قَالَ : هُوَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ ، كَانَ مَأْذُونًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ .

.
مَسْأَلَةٌ 21 ) قَوْلُهُ : وَيُكَفِّرُ بِإِطْعَامٍ بِإِذْنِهِ ، وَقِيلَ : وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ ، وَفِيهِ بِعِتْقٍ رِوَايَتَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَالْأُصُولِيَّةِ .
( إحْدَاهُمَا ) يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ بِالْعِتْقِ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَمَالَ إلَيْهِ الشَّيْخُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَعَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِهِ يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ ، انْتَهَى وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ .
( مَسْأَلَةٌ 22 ) قَوْلُهُ : فَإِنْ جَازَ وَأَطْلَقَ فَفِي عِتْقِهِ نَفْسَهُ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَجُوزُ وَيُجْزِئُ ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ : جَازَ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا تُجْزِئُهُ ، فَهَذِهِ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً قَدْ أُطْلِقَ فِيهَا الْخِلَافُ ، وَصُحِّحَ أَكْثَرُهَا .
.

وَلَوْ أَنْكَرَ السَّيِّدُ إذْنَهُ فَيَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ .
وَقَالَ شَيْخُنَا : إنْ عَلِمَ بِتَصَرُّفِهِ لَمْ يُقْبَلْ وَلَوْ قَدْرَ صَدَقَةٍ ، فَتَسْلِيطُهُ عُدْوَانٌ مِنْهُ فَيَضْمَنُ .
وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : التُّجَّارُ أَتْلَفُوا أَمْوَالَهُمْ لَمَّا لَمْ يَسْأَلُوا الْمَوْلَى ، إذْ الْأَصْلُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ الْحَجْرُ ، وَسَكَتَ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْحَجْرُ ، فَلَمْ يَغُرَّهُمْ ، بَلْ الْبَائِعُ اغْتَرَّ لَمَّا قَدِمَ وَلَمْ يَسْأَلْ ، فَإِنْ قِيلَ : يُؤَدِّي إلَى تَلَفِ أَمْوَالِهِمْ لِثُبُوتِهَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَلِهَذَا مَنَعْنَا مِنْ ثُبُوتِ الْحَجْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْإِذْنِ الشَّائِعِ ، لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ ، قِيلَ : هَذَا نَظَرٌ إلَى الْحُكْمِ وَالْمَصَالِحِ ، وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى الْأَسْبَابِ ، وَإِلَّا أَدَّى إلَى إطْرَاحِهَا ، وَيَثْبُتُ الْحَجْرُ الْخَاصُّ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَكَذَا نَقُولُ فِي حَقِّ أَهْلِ قُبَاءَ : وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْإِطْلَاقُ شَائِعًا ، فَكَذَا الْحَجْرُ ، وَلِهَذَا بَنَى أَهْلُ قُبَاءَ عَلَى صَلَاتِهِمْ .
وَهُوَ الْمُطَالِبُ بِالثَّمَنِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ لِتَمَحُّضِ نِيَابَتِهِ ، وَإِنْ تَلِفَ نَقْدٌ اشْتَرَى بِعَيْنِهِ بَطَلَ ، وَإِلَّا لَزِمَ السَّيِّدَ ، فَفِي دَفْعِ الْعَبْدِ لَهُ بِلَا إذْنٍ جَدِيدٍ خِلَافٌ ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ لَا يُطَالِبُ بِثَمَنٍ ، كَوَكِيلٍ ، وَلَا يُعَامَلُ صَغِيرٌ إلَّا فِي مِثْلِ مَا يُعَامَلُ [ بِهِ ] مِثْلُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ .
وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ : لَا فِي نَحْوِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ ، وَلِلْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَطْءُ أَمَةٍ مَلَكَهَا بِجُزْئِهِ الْحُرِّ ، وَالْأَصَحُّ بِلَا إذْنٍ [ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ] .

تَصِحُّ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا [ فَلَا ] فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ مَا سَيَمْلِكُهُ أَوْ طَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا لَمْ يَصِحَّ ، إذْ الطَّلَاقُ لَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ ، ذَكَرَهُ الْأَزَجِيُّ ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ إنْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْتُ هَذِهِ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي طَلَاقِهَا ، وَإِنْ اشْتَرَيْتُ هَذَا الْعَبْدَ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ فِي عِتْقِهِ ، صَحَّ ، إنْ قُلْنَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُمَا عَلَى مِلْكِهِمَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَقِيلَ : بَلَى ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ فَاسِقٍ فِي إيجَابِ نِكَاحٍ ، إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ ، وَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ ( م 1 و 2 ) وَوَكَالَةُ مُمَيِّزٍ فِي طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْهُ ، وَفِيهِ فِي الرِّعَايَةِ رِوَايَتَانِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ ، وَفِيهِ فِي الْمُذْهَبِ لِنَفْسِهِ رِوَايَتَانِ ، وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ عَبْدِ غَيْرِهِ بِإِذْنٍ ، وَفِيهِ فِي نِكَاحٍ بِلَا إذْنٍ وَجْهَانِ .

بَابُ الْوَكَالَةِ ( مَسْأَلَةٌ 1 وَ 2 ) قَوْلُهُ : فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ فَاسِقٍ فِي إيجَابِ نِكَاحٍ إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ ، وَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي النِّكَاحِ ( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ قَبُولُهُ النِّكَاحَ لِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ ، قَالَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ : وَهُوَ الْقِيَاسُ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي ، قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ : أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَصِحُّ ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ، مِنْهُمْ الْقَاضِي ، قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : اخْتَارَهُ أَصْحَابُنَا إلَّا ابْنَ عَقِيلٍ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَغَيْرُهُ ، قَالَ فِي الْوَجِيزِ : وَلَا يُوَكَّلُ فَاسِقٌ فِي نِكَاحٍ ، انْتَهَى .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِعَيْنِهَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ أَرْكَانِ النِّكَاحِ ، فَحَصَلَ التَّكْرَارُ .
تَنْبِيهٌ : قَوْلُهُ : وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ عَبْدِ [ غَيْرِهِ ] بِإِذْنٍ ، وَفِيهِ فِي نِكَاحٍ بِلَا إذْنٍ وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي النِّكَاحِ ، وَالْفَائِقِ فِي صِحَّةِ قَبُولِهِ النِّكَاحَ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الْإِيجَابِ وَلَا الْقَبُولُ ، قَالَ الشَّارِحُ : وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْكَافِي وَالْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَصِحَّانِ مِنْهُ ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ الْقَبُولُ دُونَ الْإِيجَابِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي .

وَهُمَا فِي سَفِيهٍ ( م 3 ) وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ فِيمَا يَمْلِكُهُ وَحْدَهُ ، كَطَلَاقٍ ، كَسَفِيهٍ ، .
( مَسْأَلَةٌ 3 ) قَوْلُهُ : وَهُمَا فِي سَفِيهٍ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي النِّكَاحِ .
( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَذْكِرَتِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا يَصِحُّ فِيهِمَا ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ دُونَ إيجَابِهِ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : قُلْت : إنْ قُلْنَا يَتَزَوَّجُ السَّفِيهُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ فَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَيَتَوَكَّلَ فِي إيجَابِهِ وَقَبُولِهِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ .

وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ إنْسَانٌ عَبْدًا فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ بِإِذْنِهِ وَقِيلَ : أَوْ لَا ؟ رِوَايَتَانِ ( م 4 ) وَكَذَا تَوْكِيلُهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ مِنْ سَيِّدِهِ غَيْرِ نَفْسِهِ ( م 5 ) وَفِي الْمُغْنِي : وَلَا يَتَوَكَّلُ مُكَاتَبٌ بِلَا جُعْلٍ إلَّا بِإِذْنٍ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّلَ وَاجِدٌ لِلطَّوْلِ فِي قَبُولِ نِكَاحِ أَمَةٍ لِمُبَاحٍ لَهُ ، وَغَنِيٍّ لِفَقِيرٍ فِي قَبُولِ زَكَاةٍ ، لِأَنَّ سَلْبَهُمَا الْقُدْرَةِ تَنْزِيهٌ ، وَيُوَكِّلُ مُفْلِسٌ وَيَتَوَكَّلُ فِيمَا يَصِحُّ مِنْهُ ، وَيُوَكِّلُ مُكَاتَبٌ ، وَيُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الْوَكِيلِ ، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ [ فِي مَسْأَلَةِ : تَصَدَّقْ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك ] وَفِي الِانْتِصَارِ : لَوْ وَكَّلَ زَيْدًا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ مُوَكِّلَهُ لَمْ يَصِحَّ وَتَصِحُّ بِكُلِّ قَوْلٍ يُفِيدُ الْإِذْنَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ : إذَا قَالَ : بِعْ هَذَا ، لَيْسَ بِشَيْءٍ ، حَتَّى يَقُولَ : قَدْ وَكَّلْتُكَ ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى التَّأْكِيدِ ، لِنَصِّهِ عَلَى انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِاللَّفْظِ وَالْمُعَاطَاةِ ، كَذَا الْوَكَالَةُ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : هَذَا دَأْبُ شَيْخِنَا أَنْ يَحْمِلَ نَادِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] عَلَى أَظْهَرِهِ وَيَصْرِفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ : كُلُّ لَفْظٍ رِوَايَةٌ وَنُصَحِّحُ الصَّحِيحَ ، قَالَ الْأَزَجِيُّ : يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى هَذَا ، لِئَلَّا يَصِيرَ الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَدَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِهَا بِفِعْلٍ دَالٍّ كَبَيْعٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ ، وَهُوَ أَظْهَرُ ، وَكَالْقَبُولِ ، مُوَقَّتَةً وَمُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، كَوَصِيَّةٍ وَإِبَاحَةِ أَكْلٍ وَقَضَاءٍ وَإِمَارَةٍ ، وَكَتَعْلِيقِ تَصَرُّفٍ ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي تَعْلِيقِ وَقْفٍ بِشَرْطٍ : لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ تَوْكِيلٍ ، لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ وَأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُ تَصَرُّفٍ ، وَقِيلَ : لَا تَعْلِيقُ فَسْخِهَا فَوْرًا وَتَرَاخِيًا

بِقَوْلٍ ، وَالْأَصَحُّ : وَفِعْلٌ دَالٌّ فِيمَا لَا تَدْخُلُهُ نِيَابَةٌ ، كَظِهَارٍ وَلِعَانٍ وَيَمِينٍ وَشَهَادَةٍ وَعِبَادَةٍ بَدَنِيَّةٍ مَحْضَةٍ ، وَمَعْصِيَةٍ ، وَيَصِحُّ : أُخْرِجُ زَكَاةَ مَالِي مِنْ مَالِك .
وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ ، كَشَرِكَةٍ وَجَعَالَةٍ ، تَبْطُلُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ قَالَ : كُلَّمَا عَزَلْتُكَ فَقَدْ وَكَّلْتُكَ ، انْعَزَلَ بِكُلَّمَا وَكَّلْتُكَ فَقَدْ عَزَلْتُكَ ، فَقَطْ ، وَهِيَ الْوَكَالَةُ الدَّوْرِيَّةُ ، وَهُوَ فَسْخٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ ، وَبِمَوْتِهِ وَحَجْرِ سَفَهٍ وَجُنُونٍ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَبْضِ مَا وُكِّلَ فِيهِ ، وَلَوْ كَانَ وَكِيلًا فِي خُصُومَةٍ ، وَكَذَا شَرِكَةٌ وَمُضَارَبَةٌ ، وَلَا تَبْطُلُ وَكَالَةٌ بِإِغْمَاءٍ وَطَلَاقٍ ، وَلَا بِسُكْرٍ ، فَإِنْ فَسَقَ بِهِ بَطَلَتْ فِيمَا يُنَافِيهِ ، وَحُرِّيَّةُ عَبْدِ غَيْرِهِ .

مَسْأَلَةٌ 4 ) [ قَوْلُهُ ] وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ إنْسَانٌ عَبْدًا فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ بِإِذْنِهِ ، وَقِيلَ : أَوْ لَا ؟ رِوَايَتَانِ ، انْتَهَى .
وَكَذَا حَكَاهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُمَا وَجْهَانِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالتَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُقْنِعِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
( إحْدَاهُمَا ) يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمَا ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَالشَّارِحُ وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : صَحَّ ، فِي الْأَصَحِّ ، قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ ، الصَّحِيحُ الصِّحَّةُ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْمُغْنِي وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمْ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَصِحُّ .
( مَسْأَلَةٌ 5 ) وَقَوْلُهُ : وَكَذَا تَوْكِيلُهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ مِنْ سَيِّدِهِ غَيْرِ نَفْسِهِ ، انْتَهَى .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ .
( إحْدَاهُمَا ) يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ ، وَنَصَرَهُ ، قَالَ فِي الْوَجِيزِ : وَمَنْ وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ صَحَّ ، فَظَاهِرُهُ دُخُولُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِحَسَبِ الشَّارِحِ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَصِحُّ ، قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ

، وَفِي جَحْدِهَا مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَقِيلَ : عَمْدًا ، وَبَيْعِ عَبْدِهِ وَحُرِّيَّتُهُ ، وَبَيْعِ عَبْدِ غَيْرِهِ وَتَعَدِّي وَكِيلٍ ، كَلُبْسِ ثَوْبٍ ، وَجْهَانِ ( م 6 - 10 ) .

مَسْأَلَةٌ 6 - 10 ) قَوْلُهُ : وَفِي جَحْدِهَا مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَقِيلَ : عَمْدًا ، وَبَيْعُ عَبْدِهِ وَحُرِّيَّتُهُ ، وَبَيْعُ عَبْدِ غَيْرِهِ ، وَتَعَدِّي وَكِيلٍ ، كَلُبْسِ ثَوْبِهِ ، وَجْهَانِ ، انْتَهَى .
اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَسَائِلَ أَطْلَقَ فِيهَا الْخِلَافَ .
( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 6 ) لَوْ جَحَدَ الْمُوَكِّلُ أَوْ الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ فَهَلْ هُوَ عَزْلٌ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
أَحَدُهُمَا ) تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِيمَا إذَا جَحَدَ التَّوْكِيلَ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا تَبْطُلُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ ، وَقِيلَ : تَبْطُلُ إنْ تَعَمَّدَ الْجَحْدَ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَهُوَ قَوِيٌّ ، وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخِلَافَ الْمُطْلَقَ جَارٍ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ طَرِيقَةٌ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 7 ) لَوْ وَكَّلَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَهَلْ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُقْنِعِ وَالْهَادِي وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا تَبْطُلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالتَّصْحِيحِ وَغَيْرِهِمْ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي تَبْطُلُ ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ 8 ) لَوْ وَكَّلَ عَبْدَهُ ثُمَّ بَاعَهُ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا خِلَافًا وَمَذْهَبًا ، قَالَهُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ ( قُلْت ) : يَتَوَجَّهُ أَنْ تَبْطُلَ فِيمَا إذَا بَاعَهُ دُونَ مَا إذَا أَعْتَقَهُ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : قُلْت : أَوْ وَهَبَهُ أَوْ كَاتَبَهُ ، يَعْنِي أَنَّهُ كَبَيْعِهِ ، وَقَدَّمَ الْبُطْلَانَ هُنَا كَمَا قَدَّمَ فِي

الَّتِي قَبْلَهَا .
( الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ 9 ) لَوْ وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ فَبَاعَهُ سَيِّدُهُ فَهَلْ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ ، خِلَافًا وَمَذْهَبًا ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَيْضًا وَالشَّارِحُ وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمْ .
( الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ 10 ) لَوْ تَعَدَّى الْوَكِيلُ فَلَبِسَ الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ ، فَهَلْ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ وَيَنْعَزِلُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالْمُقْنِعِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى وَابْنِ رَزِينٍ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ ، قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ : وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى : نَفَذَ تَصَرُّفُهُ ، فِي الْأَصَحِّ ، انْتَهَى .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ الِاسْتِئْمَانِ ، فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَزُلْ الْآخَرُ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ ، حَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي نَظَرِيَّاتِهِ وَغَيْرِهِ ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَمَنْ تَابَعَهُ : أَطْلَقَ أَبُو الْخَطَّابِ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ .
وَهَذَا فِيهِ تَفْصِيلٌ ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ إنْ أَتْلَفَ بِتَعَدِّيهِ عَمَّا وُكِّلَ فِيهِ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ ، وَإِنْ كَانَ عَمَّا تَعَدَّى فِيهِ بَاقِيَةٌ لَمْ تَبْطُلْ ، انْتَهَى ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحِ وَالْمُصَنَّفِ وَغَيْرِهِمْ ( قُلْت ) : وَهُوَ مُرَادُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مَحَلُّ وِفَاقٍ .
وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ : وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ

الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنْ الْوَكِيلِ تَقْتَضِي فَسَادَ الْوَكَالَةِ لَا بُطْلَانَهَا ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَيَصِيرُ مُتَصَرِّفًا بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ ، انْتَهَى .

وَبِالرِّدَّةِ فِيهِ الْخِلَافُ وَكَذَا تَوْكِيلُهُ ( م 11 - 14 ) وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ بِتَعَدِّيهِ صَارَ ضَامِنًا ، فَإِذَا تَصَرَّفَ كَمَا قَالَ وَكَّلَهُ بَرِئَ بِقَبْضِهِ الْعِوَضَ ، فَإِنْ رُدَّ بِعَيْبٍ صَارَ مَضْمُونًا ، وَيَبْطُلُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ ، وَدَفْعِهِ عِوَضًا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ ، وَاقْتِرَاضُهُ كَتَلَفِهِ ، وَلَوْ عُزِلَ عَوَّضَهُ .

( مَسْأَلَةٌ 11 - 14 ) قَوْلُهُ : وَبِالرِّدَّةِ فِيهِ الْخِلَافُ ، وَكَذَا تَوْكِيلُهُ ، انْتَهَى .
اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَرْبَعِ مَسَائِلَ : ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى 11 ) هَلْ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِرِدَّةِ الْوَكِيلِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُقْنِعِ وَالنَّظْمِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ .
( أَحَدُهُمَا ) لَا تَبْطُلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالتَّصْحِيحِ وَغَيْرِهِمْ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا ، قَالَ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ : لَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِرِدَّةِ الْوَكِيلِ وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي تَبْطُلُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ 12 ) هَلْ تَبْطُلُ بِرِدَّةِ الْمُوَكِّلِ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَأَطْلَقَهُ مَنْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .
( أَحَدُهُمَا ) تَبْطُلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَالَ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِمْ : هَلْ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِرِدَّةِ الْمُوَكِّلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَصْلُهُمَا هَلْ يَنْقَطِعُ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفُهُ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا .
انْتَهَى ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ : لَوْ ارْتَدَّ الْمُوَكِّلُ لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ فِيمَا لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي مَالِهِ فَيَنْبَنِي عَلَى تَصَرُّفِ نَفْسِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لَمْ يَبْطُلْ تَوْكِيلُهُ ، انْتَهَى .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يَبْطُلُ ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُوَكِّلِ بَعْدَ رِدَّتِهِ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ 13 ) لَوْ وَكَّلَهُ ثُمَّ ارْتَدَّا مَعًا فَهَلْ تَبْطُلُ أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْطَى حُكْمَهُ لَوْ انْفَرَدَ بِالِارْتِدَادِ كَمَا تَقَدَّمَ .
( الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ 14 ) تَوْكِيلُهُ فِي رِدَّتِهِ هَلْ يَصِحُّ

أَمْ لَا ؟ أَطْلَقَ الْخِلَافَ ، هَذَا ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيًّا عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ حَالَ رِدَّتِهِ وَعَدَمِهَا ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ : إنْ حَكَوْا الْخِلَافَ فِي ارْتِدَادٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ وُكِّلَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَفِيهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ ، انْتَهَى .
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .
{ تَنْبِيهٌ } يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " وَبِالرِّدَّةِ فِيهِ الْخِلَافُ وَكَذَا تَوْكِيلُهُ " الْخِلَافَ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي كَلَامِهِ ، وَأَطْلَقَهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا كَوْنُ الْأَصْحَابِ جَعَلُوا الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ ، قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِهِ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ .
وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّى : إنَّ الْمَذْهَبَ الْوَقْفُ ، فَحِينَئِذٍ يَبْقَى فِي إطْلَاقِهِ الْخِلَافَ نَظَرٌ ظَاهِرٌ ، لِكَوْنِهِ قَدَّمَ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ مَنْعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ هُنَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ الْخِلَافُ ، الْخِلَافَ الَّذِي فِي تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَيُقَوِّيهِ كَلَامُهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ ، لَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ وَأَحَالُوهُ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَعَدَمِهَا ، وَأَيْضًا لَوْ أَرَادَ الْخِلَافَ الَّذِي قَبْلَهُ لَقَالَ : " وَكَذَا الرِّدَّةُ وَتَوْكِيلُهُ " لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ ، فِيمَا يَظْهَرُ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا ، أَوْ يُقَالُ : هِيَ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى ، فَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ إنَّمَا قَصَدَ حِكَايَةَ الْخِلَافِ وَإِحَالَةَ الصَّحِيحِ عَلَى الْأَصْلِ ، كَمَا هِيَ عَادَتُهُ ، لَا أَنَّهُ قَصَدَ إطْلَاقَ الْخِلَافِ ، وَهَذَا أَيْضًا صَحِيحٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ ؟ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ : وَذَكَرَ شَيْخُنَا : أَنَّهُ أَشْهَرُ أَمْ لَا يَصِحُّ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ( م 15 ) وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا تَضْمِينُهُ .
قَالَ : شَيْخُنَا : لَا يَضْمَنُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ ، وَقَالَ فِي تَضْمِينِ مُشْتَرٍ لَمْ يَعْلَمْ الْأُجْرَةَ : نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] .
وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ ، وَإِذَا ضَمِنَ رَجَعَ عَلَى الْغَارِّ ، فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ ، وَذَكَرَ وَجْهًا : يَنْعَزِلُ بِالْمَوْتِ لَا بِالْعَزْلِ .
( و هـ م ) قَالَ شَيْخُنَا .
لَوْ بَاعَ أَوْ تَصَرَّفَ فَادَّعَى أَنَّهُ عَزَلَهُ قَبْلَهُ لَمْ يُقْبَلْ ، فَلَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً بِبَلَدٍ آخَرَ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ فَإِنْ لَمْ يَنْعَزِلْ قَبْلَ الْعِلْمِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ ، وَإِلَّا كَانَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ ، وَلَوْ حَكَمَ قَبْلَ هَذَا الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ حَاكِمٌ لَا يَرَى عَزْلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ ذَلِكَ نَفَذَ وَالْحُكْمُ النَّاقِضُ لَهُ مَرْدُودٌ ، وَإِلَّا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَالْحَاكِمُ الثَّانِي إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْعَزْلَ قَبْلَ الْعِلْمِ ، أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يَرَهُ ، أَوْ رَآهُ وَلَمْ يَرَ نَقَضَ الْحُكْمَ الْمُتَقَدِّمَ ، فَحُكْمُهُ كَعَدَمِهِ .
وَقَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ وَكِيلِهِ دَلِيلُ بَقَاءِ وَكَالَتِهِ ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَيَتَوَجَّهُ خِلَافٌ ، وَلَا يَنْعَزِلُ مُودَعٌ قَبْلَ عِلْمِهِ ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فَمَا بِيَدِهِ ، أَمَانَةٌ وَأَنَّ مِثْلَهُ مُضَارِبٌ .
وَمَنْ قِيلَ لَهُ : اشْتَرِ كَذَا بَيْنَنَا ، فَقَالَ : نَعَمْ ، ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ : نَعَمْ ، فَقَدْ عَزَلَ نَفْسَهُ ، فَيَكُونُ لَهُ وَلِلثَّانِي ، وَيَبْطُلُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِوَطْئِهِ ، عَلَى الْأَصَحِّ ، وَفِيهِ بِقُبْلَةٍ خِلَافٌ ، كَرَجْعَةٍ ، وَعِتْقِ عَبْدٍ بِتَدْبِيرِهِ وَكِتَابَتِهِ وَدَلَالَةِ رُجُوعِهِ لَا بِبَيْعِهِ فَاسِدًا أَوْ سُكْنَاهُ ، وَلَهُ التَّوْكِيلُ إنْ جَعَلَهُ لَهُ ، وَعَنْهُ : مُطْلَقًا ، كَمَا لَا يُبَاشِرُهُ مِثْلُهُ أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ ، وَقِيلَ .
فِي زَائِدٍ عَنْ عَمَلِهِ ، أَوْ قِيلَ

لَهُ : اصْنَعْ أَوْ تَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْت ، وَفِيهِ وَجْهٌ ، وَلَعَلَّ ظَاهِرَ مَا سَبَقَ يَسْتَنِيبُ نَائِبًا فِي الْحَجِّ لِمَرَضٍ ، ( هـ ش ) وَيَتَعَيَّنُ أَمِينٌ إلَّا مَعَ تَعْيِينِ مُوَكِّلٍ ، وَإِنْ مَنَعَهُ فَلَا ، وَكَذَا حَاكِمٌ وَوَصِيٌّ وَمُضَارِبٌ وَوَلِيٌّ فِي نِكَاحِ غَيْرِ مُجْبَرٍ .

( مَسْأَلَةٌ 15 ) قَوْلُهُ : وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ ؟ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّهُ أَشْهَرُ ، أَمْ لَا [ يَصِحُّ ؟ ] فِيهِ رِوَايَتَانِ ، انْتَهَى .
وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالْمُقْنِعِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْفَائِقِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَشَرْحِ الْمَجْدِ وَشَرْحِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمْ : ( إحْدَاهُمَا ) يَنْعَزِلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، قَالَ فِي الْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ : انْعَزَلَ ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالشَّرِيفُ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا : اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ، قَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَشْبَهُ بِأُصُولِ الْمُذْهَبِ ، وَقِيَاسٌ لِقَوْلِنَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الْآخَرِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ .
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَنْعَزِلُ ، نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي الْحَارِثِ ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ ، ( قُلْت ) : وَهُوَ الصَّوَابُ .
وَقَالَ الْقَاضِي : مَحَلُّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ بَاقِيًا فِي مِلْكِ الْمُوَكِّلِ ، أَمَّا إنْ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِعِتْقٍ أَوْ بَيْعٍ انْفَسَخَتْ الْوَكَالَةُ ، وَجَزَمَ بِهِ ، ( قُلْت ) : وَهُوَ قَوِيٌّ .
تَنْبِيهَاتٌ : ( الْأَوَّلُ ) قَوْلُهُ : وَتَبْطُلُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِوَطْئِهِ ، عَلَى الْأَصَحِّ ، وَفِيهِ بِقُبْلَةٍ خِلَافٌ ، كَرَجْعَةٍ وَعِتْقِ عَبْدٍ بِتَدْبِيرِهِ وَكِتَابَتِهِ وَكَفَالَةِ رُجُوعِهِ انْتَهَى .
أَحَالَ الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ فِي الْقُبْلَةِ فِي إبْطَالِ الْوَكَالَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقُبْلَةِ فِي حُصُولِ الرَّجْعَةِ بِهَا ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ حُصُولِ الرَّجْعَةِ بِهَا ، فَكَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32