كتاب : بدائع البدائه
المؤلف : ابن ظافر الأزدي

واستخلانا المعز يوماً وقال: أريد أن تصنعا شعراً تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء، فإني أستحسنته، وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به، وكلهن قارئات كاتبات، فأحب أن أريهن هذا، وأدعي أنه قديم لأحتج به على من عابه، وأسر به من عيب عليه؛ فانفرد كل منا، وصنع في الوقت؛ فكان الذي قلت:
وبلقيسيةٍ زينت بشعرٍ ... يسيرٍ مثلما يهب الشحيح
رقيق في خدلجةٍ رداحٍ ... خفيف مثل جسم فيه روح
حكى زغب الخدود كل خد ... به زغب فمعشوق مليح
فإن يك صرح بلقيسٍ زجاجاً ... فمن حدق العيون لها صروح
وكان الذي قال ابن رشيق:
يعيبون بلقيسية أن رأوا بها ... كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا
وقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما ... يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا
فنتقد المعز على ابن رشيق قوله: يعيبون، وقال: قد أجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه. وهذا نقد ما كنت فطنت له.

وروى ابن بسام في كتاب الذخيرة
وهو روايتي عنه بالإسناد المتقدم قال: حكى أبو صفوان العتكي قال: كان أو إسحاق الحصري يختلف إلى بعض المشيخة من القيروان، وكان ذلك الشيخ كلفاً بالمعذرين، وهو القائل فيهم:
ومعذرين كأن نبت عذارهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا
قرنوا البنفسج الشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا
قال وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان وكان به كلفا
ً فبينا هو يوماً والحصري جالس عنده
وقد أخذ في الحديث إذا أقبل الغلام:
في صورةٍ كملت تخال بأنها ... بدر السماء لستةٍ وثمان
يعشى العيون ضياؤها فكأنها ... شمس الضحى تعشى بها العينان
فقال له الشيخ: يا أبا إسحاق، ما تقول فيمن هام، في هذا الغلام، وصبا لهذا القد والقوام؟ فقال الحصري: الهيمان به والله غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف؛ لا سيما وقد شاب كافور خده هذا المسك الفتيت، وهجم على صبحه هذا الليل البهيم، والله ما خلت بياضه في سواده إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر؛ فقال: صفه يا حصري، فقال: من ملك رق القول حتى ذلت له صعابه، وانقاد له جموحه وسطع له شهابه، أقعد مني بوصفه؛ فقال: صفه فإني معمل فكري في ذلك. ثم أطرق كل منهما لحظة؛ فكان الذي صنعه الحصري:
أورد قلبي الردى ... لام عذارٍ بدا
أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى
فقال الشيخ: أتراك اطلعت على ضميري، أم خضت بين جوانحي! فقال له: ولم ذلك أيها الشيخ؟ قال: لأني قلت:
حرك قلبي فطار ... صولج لام العذار
أسود كالليل في ... أبيض مثل النهار
وأنبأني العماد أبي حامد
قال: حكى أن شرف الدين أبا المنذر بن الوزير عون الدين بن هبيرة نظر إلى القمر في بعض الليالي وهو يدخل تحت السحاب تارة، وينكشف أخرى، فقال للحاضرين: ليقل كل منكم في وصفه شيئاً، فقال الأديب مقبل:
كأنما البدر حين يبدو ... لنا ويستحجب السحابا
خريدة من بني هلالٍ ... لاثت على وجهها نقابا
وقال شرف الدين:
إذا تطلع بدر التم من فرجٍ ... دون السحاب وحالت دونه سحب
تخاله في رثيثٍ من ملاءته ... خرقاء تسفر أحياناً وتنتقب
وقال عمه الأكرم أبو العباس عبد الواحد بن محمد بن هبيرة:
وكأن هذا البدر حين تظلمه ... سحب فيخفى تارة ويئوب
حسناء تبدو من خلال سجوفها ... طوراً فتنظر نحونا وتغيب
وقال ابن ظافر

أخبرني أبو عبد الله بن المنجم بما معناه: صعدت إلى سطوح الجامع بمصر آخر شهر رمضان مع جماعة، فصادفت الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس وعلي بن مفرج بن المنجم وابن مؤمن وشجاعاً المغربي، فانضفت إليهم، فلما غابت الشمس وفاتت، ودفنت في المغرب حين ماتت، وتطرز حداد الظلام بعلم هلاله، وتجلى زنجي الليل بخلخاله، اقترح الجماعة علي ابن قلاقس وابن المنجم أن يصنعا في صفة الحال، فأطرق كل منهما مفكراً، وميز ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متخيراً، فلم يكن إلا كرجعة طرف، أو وثبة طرف حتى أنشدا، فكان ما صنعه ابن المنجم:
وعشاء كأنما الأفق فيه ... لازورد مرصع بنضار
قلت لما دنت لمغربها الشم ... س ولاح الهلال للنظار
أقرض الشرق صنوه الغرب دينا ... راً فأعطاه الرهن نصف سوار
وكان الذي صنعه أبو الفتوح بن قلاقس:
لا تظن الظلام قد أخذ الشم ... س وأعطى النهار هذا الهلالا
إنما الشرق أقرض الغرب دينا ... راً فأعطاه رهنه خلخالا
وقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعز لتنصيفه السوار؛ وعل كل حال فقد أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا.

قال ابن ظافر
وقد لي مثل ذلك مع القاضي الأعز ابن أبي الحسن علي بن المؤيد - رحمه الله - وذلك أنا مررنا في عيشة على بستان مجاور للنيل، فرأيناه فيه بئراً عليها دولابان يتجاذبان، قد دارت عليهما أفلاكهما بنجوم القواديس، ولعبت بقلوب ناظريهما لعب الأماني بالمفاليس، وهما يئنان أنين أهل الأشواق، ويفيضان ماءً أغزر من دموع العشاق، والروض قد جلا للأعين زبرجده، والأصيل قد راقه حسنه فنثر عليه عسجده، والزهر قد نظم جواهره في أجياد الغصون، والسواقي قد أذالت من سلاسل قبضها كل مصون، والنبت قد اخضر شاربه وعارضه، وطرف النسيم قد ركضه في ميادين الزهر راكضه، ورضاب الماء قد استتر من الظل في لمى، وحيات المجاري حائرة تخاف من زمرد النبات أن يدركها العمى، والنهر قد صقل صيقل النسيم درعه، وزعفران العشى قد ألقى في ذيل الجو ردعه، فاستحوذ علينا ذلك الموضع استحواذا، وملأ أبصارنا حسناً وقلوبنا التذاذ، وملنا إلى الدولابين شاكين أزمرا حين سجعت قيان الطير بألحانها، وشدت على عيدانها، أم ذكر أيام نعمى وطابا، وكانا أغصانا رطابا، فنفينا عنهما لذة الهجوع، ورجعا النوح وأفاضا الدموع طلباً للرجوع، وجلسنا نتذاكر ما في تركيب الدواليب من الأعاجيب، وتناشدنا ما وصفت به من الأشعار الغالية الأسعار، فأفضى بنا الحديث الذي هو شجون، إلى ذكر الأعمى التطيلي، وقوله في أسد نحاس يقذف الماء:
أسد ولو أني أنا ... قشه الحساب لقلت صخره
فكأنه أسد السما ... ء يمج من فيه المجره
فقال لي - رحمه الله - يتولد من هذا معنى في الدولاب يأخذ بمجامع المسامع، ويطرب الرائي والسامع، فتأملته فملئت إطرباً، وأوسعت إغرابا، وأخذ كل منا ينظم ما جاش به غمر بحره، وأنبأه به شيطان فكره، فلم يكن إلا كنقر العصفور، الخائف من الناطور، حتى كمل ما أردناه من غير أن يقف أحد منا على صنعه الآخر، فكان الذي قال:
حبذا ساعة المجرة والدو ... لاب يهدي النفوس مسره
أدهم لا يزال يعدو ولكن ... ليس يعدو مكانه قدر ذره
ذو عيون من القواديس تبدى ... كل عين من فائض الماء عبره
فلك دائر يرينا نجوماً ... كل نجمٍ منها يرينا المجره
وكان الذي قلت:
ودولابٍ يئن أنين ثكلى ... ولا فقداً شكاه ولا مضره
ترى الأزهار في ضحكٍ إذا ما ... بكى بدموع عينٍ منه ثره
حكى فلكاً تدور به نجوم ... تؤثر في سرائرنا المسره
يظل النجم يغرب بعد نجمٍ ... ويطلع بعد ما تجري المجره
فعجبنا من اتفاقنا، وقضى العجب منا سائر رفاقنا.
قال ابن ظافررحمه الله

ومن هذا الاتفاق أيضاً ما أخبرني به ابن المؤيد رحمه الله - بمعناه، قال: اجتمعت مع جماعة من أدباء أهل الإسكندرية في بستان لبعض أهلها، فحللنا روضاً تثنت قامات أشجاره، وتغنت قينات أطياره، وبين أيدينا بركة ماء كجو سماء، أو مرقعة مراء، فنثر عليها بعض الحاضرين ياسميناً زان سماءها بزواهر منيرة، وأهدى إلى لجتها جواهر نثيرة، فتعاطينا القول في تشبيهه، وأطرق كل منا لتحريك خاطره وتنبيهه، ثم أظهرنا ما حررنا، ونشرنا ما حبرنا، فأنشد العباس بن طريف الخراط الإسكندري:
نثروا الياسمين لما جنوه ... عبثاً فاستقر فوق الماء
فحسبنا زهر الكواكب تحكي ... زهر الأرض في أديم السماء
وأنشد الأديب أبو الحسن علي بن سيف الدين الحصري:
نثروا الياسمين لما جنوه ... فوق ماءٍ أحبب به من ماء!
فحكى زهره لنا إذ تبدى ... زهر الشهب في أديم السماء
قال: وكان الذي صنعته:
نثروا الياسمين في لجة الما ... ء فخلنا النجوم وسط السماء
فكأن السماء في باطن الأر ... ض أو الدر طف فوق الماء
قال: وسمع أبو عبد الله بن الزين النحوي القصة، ولم يكن حاضراً معنا فقال:
نثر الغلام الياسمين ببركةٍ ... مملوءةٍ من مائها المتدفق
فكأنما نثر النجوم بأسرها ... في يوم صحوٍ في سماء أزرق
قال علي بن ظافر: وسألني الأعز - رحمه الله تعالى - أن أصنع في مثله، فصنعت:
زهر الياسمين ينثر في الما ... ء أم الزهر في أديم السماء
أم هما مبسم شنيب شتيت ... في رضاب الخريدة الحسناء
ظل يحكي عقود در على صد ... ر فتاةٍ في حلة زرقاء
وإذا خلته حباباً حسبت السماء طيباً كالقهوة الصهباء
وهذا آخر ما وقع لي مما فيه توارد للمعاني وتوافق المباني.
ومما يشبه هذا الباب أن يتفق الشعراء على نظم معنى مخصوص:

أنبأنا العماد أبو حامد الأصبهاني إجازة
قال: صنع الشريف أبو المحاسن بن الشريف ضياء الدين فضل الله بن علي بن عبد الله الحسني الراوندي القاشاني في تعريب شعر أعجمي:
إني لأحسد فيه المشط والنشفه ... لذاك فاضت دموع العين مختلفة
هذا يعلق في صدغيه أنمله ... وذا يقبل رجليه بألف شفه
قال: وتسامع الناس بهذا المعنى، فاجتمع على العمل فيه جماعة منهم شمس الدين شاد الغزنوني، وكان حينئذ بأصبهان، فقال:
أني أغار على مشطٍ يعالجه ... ونشفةٍ حظيت من قربه زمنا
هذا يغازل صدغيه وأحرمه ... وذا يقبل رجليه ولست أنا!
وقال أيضاً:
المشط والنشفة المحمود شأنهما ... كلاهما في الهوى بالسعد ملحوظ
فتلك باللثم من رجليه فائزة ... وذاك بالمسك من صدغيه محظوظ
وقال فخر الدين القسام:
أغار منه على مشطٍ ومنشفةٍ ... حتى أغص بدمعٍ فيه منسجم
فذا يمد يديه نحو طرته ... وذي يقبل فوها صفحة القدم
قال العماد: وعملت وأنا في سن الصبا، وشعري حينئذ لا أرضاه:
مشط ومنشفة فيه حسدتهما ... دمعي لذا بهما فياض عارضة
فتلك حاظية من مس إخصمه ... وذاك مستغرق في مسك عارضه
وأخبرني بعض أصحابنا الممصرين
أن بعض جلساء الصالح بن رزيك أنشد بمجلسه بيتاً من الأوزان التي يسميها المصريون الزركالش، وسميها العراقيون كان وكان:
النار بين ضلوعى ... ونا غريق في دموعي
كنى فتيله قنديل ... أموت غريق وحريق
وكان عنده القاضي الجليس أبو المعالي عبد العزيز بن الحباب، والقاضي المهذب بن الزبير فتقدم إليهما بنظم معناه، فصنعا بديهاً؛ فكان مما صنعه الجليس:
هل عاذر إن رمت خلع عذاري ... في شم سالفةٍ ولثم عذار
متألف الأضداد فيه ولم تزل ... في سالف الأيام ذات نفار
وله من الزفرات لفح صواعق ... وله من العبرات لج بحار
كذبالة القنديل قدر هلكها ... ما بين ماء في الزجاج ونار
وكان ما صنعه ابن الزبير:

كأني وقد سالت سيول مدامعي ... فأذكت حريقاً في الحشا والترائب
ذبالة قنديلٍ تعوم بمائها ... وتشعل فيها النار من كل جانب
وصنع الصالح:
وإذا تشب النار بين أضالعي ... قابلتها من عبرتي بسيول
فأنا الحريق بل الغريق أموت في ... هذا وذا كذبالة القنديل

قال علي بن ظافر
أخبرني الأمير الأجل عضد الدين مرهف ابن أسامة بن منقذ، قال: كان لي مملوك اسمه ياقوت، فقصدت أنا وابن عمي عبد الرحمن بن محمد نظم المعنى المشهور من أن النار لا تعدو على الياقوت، فكان الذي قلته:
أسكنته قلبي وأصبح حبه ... من دون أقوات البرية قوتي
قالوا: وكيف يقيم من أحببته ... في نار قلبٍ بالجوي منعوت
فأجبتهم لا تعجبوا لمقامه ... فالنار ليس تضر بالياقوت
وكان الذي قاله ابن عمي:
يا عجباً للذي كلفت به ... تدنيه مني إن غاب أفكاري
يسكن قلباً من الجحيم ويزدا ... د ضراماً بدمعي الجاري
لا تعجبوا منه حين يسكنه ... فما يبالي الياقوت بالنار
الفصل الثاني
فيما لم يقع فيه توارد
فمن ذلك ما ذكره صاحب العقد والعهدة عليه
قال: بينما الأمير محمد بن زبيدة يطوف في قصره إذ بصر بجارية له سكرى، وعليها كساء خز نسجت أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على ما ترى، ولكن في غدٍ إن شاء الله. فلما كان من الغد سار إليها، فقال لها: الميعاد! فقالت: يا أمير المؤمنين؛ أما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار، فضحك ثم خرج إلى مجلسه، فقال: من بالباب من الشعراء؟ فقيل له: مصعب والرقاشي والحسن بن هانئ، فأمر بهم فأدخلوا؛ فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل منكم شعرا يكون آخره: كلام الليل يمحوه النهار؛ فمن أصاب ما في نفسي فله حكمه؛ فارتجل الرقاشي:
متى تصحو وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صبا مستهاماً ... فتاة لا تزور ولا تزار
إذا استنجزت منها الوعد قالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال مصعب:
أتعذلني وقلبي مستطار ... كئيب ما يقر له قرار!
بحب مليحةٍ صادت فؤادي ... بألحاظ يخالطها احورار
ولما أن مددت يدي إليها ... لألمسها بدا منها نفار
فقلت لها عديني منك وعداً ... فقالت في غدٍ منك المزار
فلما جئت مقتضياً أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس:
وليلة أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمان صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التكريه وانحل الإزار
فقلت: الوعد سيدتي فقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
فقال: أخزاك الله! أكنت معنا مطلعا علينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، عرفت ما في نفسك فعبرت عما في ضميرك. فأمر له بأربعة آلاف دينار، ولصاحبيه بمثليهما.
ومن ذلك ما أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن حمدون الصوري
عن الإمام الحافظ أبي طاهر السلفي رحمه الله، عن أبي غالب شجاع الذهلي، قال لنا أبو منصور بن أبي الضوء العلوي: كنت في قريةٍ يقال لها بشيناء، وبها أبو محمد النامي، وهناك ناعورتان للزرع، فقال فيها وأنا حاضر:
أنا عورتي شطى بشيناء إنني ... نظير كما في الوجد والهيمان
أنينكما يحكى أنيني وعبرتي ... كمائكما في شدة الجريان
فلا زلتما في خفض عيش يمده ... أمان من التفريق والحدثان
وعملت أنا في الحال:
بشيني لها ناعورتان كلاهما ... تسح بدمعٍ دائم الهملان
مخافة دهرٍ أن يصيب بعينه ... لإحداهما يوماً فيفترقان
وذكر أبو علي بن رشيق في كتاب الأنموذج
قال: كان لمحمد بن حبيب التنوخي معشوق لا يزال يزوره إذا غاب عن منزله، فإذا حضر لم يأته؛ وكثر ذلك منهما، فقال لي يوماً: تعال حتى نضع في ذلك، فصنعت:

ما بالنا نجفى فلا نوصل ... إلا خلافاً مثلما تفعل
تأتي إذا غبنا فإن لم نغب ... جعلت لا تأتي ولا تسأل
كهاجرٍ أحبابه زائرٍ ... أطلالهم من بعد أن يرحلوا
وصنع هو:
يا تاركاً إن لم أغب زورتي ... وزائري دأباً إذا غبت
وددت أن ودك لا ينثني ... يزور فقداني لم مت
قال علي بن ظافر: وذكرت بهاتين القطعتين قول ابن خفاجة الأندلسي في مثل هذه الواقعة، وهو أحسن ما سمعت فيها:
صح الهوى منك ولكنني ... أعجب من بينٍ لنا يقدر
كأننا في فلك دائرٍ ... فأنت تخفى وأنا أظهر

قال ابن رشيق
وكان كثيراً ما ينتابني غلام وضيء الوجه، وخال تحت لحيته، فنظر إليه يوماً بعض أصحابي، ثم أطرق، فعلمت أنه يعمل فيه، فصنعت بيتين وسكت عنهما خوف الوقوع دونه، فلما رفع رأسه قال: اسمع، وأنشد:
يقولون لي من تحت صفحة خده ... تنزل خال كان مسكنه الخد
فقلت:
رأى ذاك الجمال فهابه ... فحط خضوعاً مثل ما خضع العبد
فقلت : أحسنت، ولكن اسمع، وأنشدت:
حبذا الخال كامناً منه بين الجيد والخد رقبةً وحذرا
رام تقبيله اختلاساً ولكن ... خاف من سيف لحظه فتوارى
فقال: فضحتني، قطع الله لسانك، واشتد ضجره.
وذكر الباخرزي في كتاب الدمية
أنه اجتمع هو وأبو عاصم الفضل بن محمد الفضيلي الهرري في مجلس الإمام عبد الله الأنصاري - قال: وكان غايةً في الكلام على المنبر، فتعاطينا القول، فقال الفضيلي:
عيون الناس لا تلقى ... من الناس كعبد الله
ولا ينكر هذا غير من مال عن المله
فقال الباخرزي:
مجلس الأستاذ عبد الله روض العارفينا
ألحق الفخر بنا بعد احتكام العارفينا!
قال علي بن ظافر
وذكر الفتح بن خاقان، قال: ركب عبد الجليل بن وهبون المرسي وأبو الحسن الحكم بن محمد المعروف بغلام البكري زورقاً بنهر إشبيلية في ليلة أظلم من قلب الكافر، وأشد سواداً من طرف الظافر، ومعهما غلام وضيء قد أطلع وجهه البدر ليلة تمامه، على غصن بانٍ من قوامه، وبين أيديهم شمعتان قد أزرتا بنجوم السماء، ومزقتا رداء الظلماء، وموهتا بذهب نورهما لجين الماء، فقال عبد الجليل ارتجالاً:
كأنما الشمعتان إذا سمتا ... خدا غلامٍ مجانس الغيد
وفي حشا النهر من شعاعهما ... طريق نار الهوى إلى كبدي
فقال غلام البكري:
أحبب بمنظر ليلةٍ ليلاء ... تجنى بها اللذات فوق الماء
في زورقٍ يزهى بغرة أغيدٍ ... يختال مثل البانة الغناء
قرنت يداه الشمعتين بوجهه ... كالبدر بين النسر والجوزاء
والتاج فوق الماء ضوء منهما ... كالبرق يخفق في أديم سماء
وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام
قال: دخل الأديبان أبو جعفر ابن هريرة التطيلي المعروف بالأعيمي، وأبو بكر بن بقي الحمام، فتعاطيا العمل فيه، فقال الأعيمي:
يا حسن حمامنا وبهجته ... مرأى من السحر كله حسن
ماء ونار حماهما كنف ... كالقلب فيه السرور والحزن
ثم أعجبه المعنى فقال:
ليس على لهونا مزيد ... ولا لحمامنا ضريب
ماء وفيه لهيب نارٍ ... كالشمس في ديمةٍ تصوب
وأبيضٍ تحته رخام ... كالثلج حين ابتدا يذوب
وقال ابن بقي:
حمامنا فيه فصل القيظ يحتدم ... وفي للبرد عسر غير ذي ضرر
ضدان ينعم جسم المرء بينهما ... كالغصن ينعم بين الشمس والمطر
وقال الأعيمي وقد نظر فيه إلى فتى صبيح:
هل استمالك جسم ابن الأمين وقد ... سالت عليه من الحمام أنداء
كالغصن باشر حر النار من كثبٍ ... فظل يقطر من أعطافه الماء
قال علي بن ظافر
وذكر لي أن جماعةً من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام ليروا عجائب مبانيها، ويقرءوا ما سطر الدهر من العبر فيها، فصنع أبو الصلت أمية بن عبد العزيز، وأنشد:

بعيشك هل أبصرت أعجب منظراً ... على ما رأت عيناك من هرمي مصر
أنافا بأكنان السماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك على النسر
وقد وافيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نهدان قاما على صدر
وصنع أبو منصور ظافر بن الحداد:
تأمل هيئة الهرمين وانظر ... وبينهما أبو الهول العجيب
كعمارتين على رحيلٍ ... بمحبوبين بينهما رقيب
وفيض البحر عندهما دموع ... وصوت الريح بينهما نحيب
وظاهر سجن يوسف مثل صبٍ ... تخلف، فهو محزون كئيب

وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي
قال: اجتمع مهذب الدين أبو الحسين بن منير والشيخ أبو عبد الله محمد بن صغير القيسراني، الشاعران بحلب، فمر عليهما صبي سراج يسمى يوسف، مشهور بالحسن، فسئلا القول فيه فصنعا، فكان ما صنع ابن منير:
يا سمي المرمي في ظلمة الج ... ب لمن ساقه القضاء إليها
والذي قطع النساء له الأي ... دي ومكن حبله من يديها
لك وجه مياسم الحسن فيه ... سكة تطبع البدور عليها
وكان مما صنع القيسراني:
لاتخدعن فما الحسام المرهف ... إلا الذي يحويه جفن أوطف
وإذا رأيت اللحظ يعمل في الحشى ... عمل الأسنة فالقوام مثقف
ويح المحب أما يخالس نظرةً ... إلا هفا بالقلب ظبي أهيف
بالله يا نفحات أنفاس الصبا ... ما بال غصن البان لا يتعطف!
يا مسكري وجداً بخمر جفونه ... قل لي: أتلك لواحظ أم قرقف!
بادر جمالك بالجميل فربما ... ذوت المحاسن، أو أبل المدنف
واسبق عذارك باعتذارك قبل أن ... يأتي بعزل هواك منه ملطف
إن جاز أن يرث الملاحة باسمه ... أحد فإنك يوسف يا يوسف
قال علي بن ظافر
وروي أن الأعز أبا الفتوح بن قلاقس، ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم، اجتمعا في منار الجامع ليلة فطر، ظهر بها الهلال للعيون، وبرز في صفحة بحر النيل كالنون، ومعهما جماعة من غواة الأدب، الذين ينسلون من كل حدب، فحين رأوا الشمس فوق النيل غاربة، وإلى مستقرها جارية ذاهبة، قد شمرت للمغيب الذيل، واصفرت خوفاً من هجوم الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق، اقترحوا عليهما وصف تلك الحال، فصنع ابن قلاقس:
انظر إلى لشمس فوق النيل غاربة ... وانظر لما بعدها من حمرة الشفق
غابت وأبقت شعاعاً منه يخلفها ... كأنما احترقت بالماء في الغرق
وللهلال فهل وافى لينقذها ... في إثرها زورق قد صيغ من ورق
وصنع نشو الملك:
يا رب ساميةٍ في الجو قمت بها ... أمد طرفي في أرضٍ من الأفق
حيث العشية في التمثيل معركة ... إذا رآها جبان مات للفرق
والشمس هاربة للغرب دارعة ... بالنيل مصفرة من هجمة الغسق
وللهلال انعطاف كالسنان بدا ... من سورة الطعن ملقىً في دم الشفق
وهذا - لعمري - من البديع لذي لا يلحظ سواه، ولا يحفظ إلا إياه.
قال علي بن ظافر
والحكاية المشهورة عن ابن قلاقس، والوجيه أبي الحسن علي بن الذروي، أنهما طلعا منارة الإسكندرية، والوجيه يومئذ في عنفوان شبابه وصباه، وهبوب شماله في الجمال وصباه.
وابن قلاقس مغرىً به، دائب في تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه، ولم تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة، فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة، فقال بديهاً:
وسامية الأرجاء تهدى أخا السرى ... ضياءً إذا ما حندس الليل أظلما
لبست بها برداً من الأنس ضافياً ... فكان بتذكار الأحبة معلما
وقد ظلتني من ذراها بقيةٍ ... ألاحظ فيها من صحابي أنجما
فخيلت أن البحر تحتي غمامة ... وأني قد حيمت في كبد السما

فحين رأى الأعز ما أتى به، اشتد سروره وفرحه، وقال يصفها ويمدحه:
ومنزلٍ جاوز الجوزاء مرتقباً ... كأنما فيه للنسرين أوكار
راسي القرار وسامي الفرع، في يده ... للنون والنور أخبار وآثار
أطلقت فيه عنان الفكر فاطردت ... خيل لها في بديع الشعر مضمار
ولم يدع حسناً فيه أبو حسنٍ ... إلا تحكم فيه كيف يختار
حلى المنارة لما حل ذروتها ... بجوهر الشعر بحر منه زخار
وما زال يذكى بها نار الذكاء إلى ... أن أصبحت علماً في رأسه نار

وأخبرني الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي وابن شيث من أصحابنا
قالا: مضى الوجيه علي بن الذروي، والنجيب هبة الله بن وزير في جماعة إلى الحمام المعروف بأبي فروة، فجرى بينهما تنازع أدى إلى تناكر فضيلة الأدب، ثم تراضيا بأن يحكم بينهما الشريف العروف بأنكدودة، فحكم بأن يصنعا قطعتين في صفة الحمام على البديهة، ثم يقع التفضيل بينهما بقدر التفاوت بين القطعتين، فصنع ابن الذروي بديهاً
إن عيش الحمام عيش هنئ ... غير أن المقام فيه قليل
جنة تكره الإقامة فيها ... وجحيم يطيب فيه الدخول
فكأن الغريق فيه كليم ... وكأن الحريق فيه خليل
وصنع ابن وزير - بعد بطء:
لله يوم بحامٍ نعمت به ... والماء من حوضها ما بيننا جار
كأنه فوق شفاف الرخام بها ... ماء يسيل على أثواب قصار
فانتقد عليه الجماعة تشبيهه الماء بالماء، واستبردوا ما أتى به، فقال ابن الذروي:
وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... أوكاد يحرقه من فرط إذ كاء
أقام يجهد أياماً رويته ... وفسر الماء بعد الجهد بالماء
وأخبرني الفقيه شجاع الغزلي رحمه الله
قال: جلست يوماً بالوراقين على دكان الأديب أبي الفضل جعفر بن مفضل القرشي المنبوز بشلعلع، وثالثنا ذخيرة الملك المشهور خبره، المشكور أثره، وهو شيخ كان يغني ويلفق كلاماً من جنس كلام الحمقى والمعتوهين تلفيقاً موزوناً على أنه شعر؛ إلا أنه بلغ به عند الصالح وذويه ما لم يبلغه الأخطل عند عبد الملك وبنيه، وقد اجتمع الناس عليه، ووقفوا صفوفاً بين يديه، وهو يطرفهم بشعره، ويملأ آذانهم بنعره. قال: فمر بنا ابن وزير، فلما رأى الجمع جلس إلينا، ثم أخذ يقول أنصافاً من الشعر، وأبياتاً متفرقة في مدح ذخيرة الملك تارة والطنز به أخرى، يتباهى بها على العوام، ويملأ بها قلوب أولئك الطغام، ففهم الأديب أبو الفضل مقصده، وأراد أن يفضحه، ويظهر عيبه ويوضحه، فقال له: ما هذا الفتور، والشعر المقذور؟ والعجب منك أن تتباهى بالشعر ونحن حضور! وجر هذا الكلام خصاماً كان آخره أن استقر الأمر على أن يصنع كل منا قطعة في مدح ذخيرة الملك على روي يختاره أول خارج من الجامع، فكان حرف الذال، فابتدر جعفر وقال:
من كان في درك الغرام ولم يكن ... لحشاه من أسر الهوى إنقاذ
فذخيرة الملك الأجل بشعره ... ترقى القلوب من الهوى وتعاذ
وإذا بدا مترنماً فله على ... كل القلوب بشدوه استحواذ
قال: وصنعت:
ذخيرة الملك أنت شاعرنا ... فكل شعرٍ عداك منبوذ
وكل لفظٍ فمنك مسترق ... وكل معنى فعنك مأخوذ
قال: وأبى ابن وزير أن ينشد ما عمله، بل كتبه في رقعة وقال: إنما أنشده بحضرة أبي الحسن بن بري - رحمه الله - فأتيناه جميعاً، فأنشدته أنا وجعفر ما صنعنا، فأثنى خيراً، ثم ناوله ابن وزير الرقعة فإذا أولها يقول:
هذا الفتى ذخي ... رة الملك نعيذه
فلما قرأه الشيخ جمع وجهه، ثم قرأ الثاني، فإذا هو:
إذا تغنى منشداً ... قلوبنا منفوذه
فزاد في تجمعه، ثم قرأ الثالث، فإذا هو:
من كل هم بيننا ... يبدو لنا شذوذه
فرمى الرقعة من يده، فكأنما ألقمه حجراً. ثم ادعى أننا غيرنا سبكه، وكتب بذلك محضراً منظوماً كتب عليه الشعراء شهاداتهم بقطع من الشعر، أنشدني كثيراً منها، ثم توفى قبل أن أكتبها عنه.
وأخبرني بهاء الدين أسعد بن يحيى بن منصور بن عبد العزيز ابن وهبان
السلمى المعروف بابن السنجاري بحماة، وكتبه لي بخطه
قال: اجتمع عندي جماعة منهم جمال الدين بن رواحة وعلم الدين الشاباني الشاعر المعروف بقاع، وضياء الدين سعيد بن حياة المقري، وضياء الدين الحوراني، وهو في ذلك الوقت مشهور بعشق البهاء على بن محمد الخرساني المعروف بابن الساعاتي؛ فبينما نحن مجتمعون إذ دخل علينا ابن الساعاتي، وهو في عنفوان شبابه، ونهاية حسنه، وسنه حينئذ أربع عشرة سنة، فداعبناه، فجرد سيفا، وجعل يريد ضرب عنق الضياء الحوراني مداعباً له، وذلك بعد أن عصب عينيه بطرف عمامته، فكشف الضياء عن وجهه، وقال: أنتم كلكم تدعون أنكم فضلاء الوقت، فقولوا في هذا شيئاً، فعمل كل منا قطعة، وخبأها في بيقاره، فقال الضياء - وكانت فيه دعابة: أراكم قد عملتم عمل القطاط، فأنشدونا ما علمتم، فقلنا على سبيل الهزء: لا يتقدم أحد على علم الدين، فجعل الشاباني يصف شعره ويقول: قد علمت بيتين ما يقدر أحد أن يعمل مثلهما، وزاد في الدعوى، ثم أنشد:
قمر عندنا به ... نهر جيرون كوثر
لو تراءى لسنجرٍ ... قبل الأرض سنجر
فجرى بينه وبيت الحوراني من المشاغبة ما ضاق به الوقت، وقال له: ويحك! أين هذا مما نحن فيه! وأي مناسبةٍ بينه وبين المعنى الذي اقترح عليك! وكان جمال الدين بن رواحة فاضلاً لطيفاً، فقال لي: بالله عليك إلا أنشدت قبلي، فقد رأيتك عملت أكثر مني، وكنت إلى جانبه فأنشدت ما قلت، وهو:
ختام عذلك قد اسرفت في عذلي ... قلبي من الوجد ملآن وأنت خلي
أعاذك الله من وجدي ومن كلفي ... ومن غرامي ومن خوفي ومن وجلي
لو كان يا سعد لطوفان ما ذرفت ... عيناي ما استعصم المغرور بالجبل
بمهجتي راشق لي قوس حاجبه ... كأنما الطرف رامٍ من بني ثعل
يميل عطفاه من سكر الصبا مرحاً ... كما تمايل عطف الشارب الثمل
ما لاحت الشمس في رأد الضحى وبدا ... للشمس إلا رماها الطفل بالطفل
يا حامل الصارم الهندي منتصراً ... ضع السلاح قد استغنيت بالكحل
ما يفعل الظبي بالسيف الصقيل وما ... ضرب الصوارم مع ضربٍ من المقل!
قد كنت في الناس سنياً فما برحت ... بي شيعة الحسن حتى صرت عبد علي
وأخبرني الأديب راجح بن إسماعيل الحلي
قال: خرجنا مع مهذب الدين أبي الحسن علي بن نظيف أيام كتابته للملك المعز إسحاق بن عبد الملك الناصر - رحمه الله تعالى - إلى الأهرام للتنزه، ومعه الأديب بهاء الدين ابن الساعاتي، والجمال؟ ابن تاج البغدادي والمهذب ابن الخيمي والأوحد المعروف بالواسطي، فاتفق أن كبت به بغلته، ثم وثبت ورفعت يديها، فتعاطينا القول في ذلك، فبدر بهاء الدين ابن الساعاتي، فقال:
قيل مادت من تحت ذا السيد الأر ... ض ولم تأتنا بمثال
هو طود النهى ومن أعجب الأشياء أرض تميد تحت الجبال
وقال ابن التاج:
جلست بغلة الأمين ترينا ... صدق حس كأنه إلهام
أظهرت ميزة على النوع إذ أصبح في الحسن ذا علا لا يرام
نحن في خدمة قيام لديه ... ثم بغلاتنا لديه قيام
وقال الواسطي:
لم تكب بغلتك الخضراء من خورٍ ... يا من هو اليوم للإسلام مسعده
لكنما الأرض مادت تحتها طرباً ... إذ شرفت بك يامن طاب محتده
وقال ابن الخيمي:
أقسمت بغلة الرئيس المفدى ... حين حطت لعجزها عنه صدرا
إنما رفعت يديها قنوتاً ... بعد أن قبلت ثرى الأرض عشرا
إذ غدت من حجاه حاملةً طو ... داً ومن جود كفه العذب بحراً
قال: وقلت أنا:
وحسام ملكٍ يستضاء برأيه ... ويفل حد النائبات بحده
لم تكب بغلته لخون قوائمٍ ... تطأ الصفا فترض صفحة صلده
لكنها حملت مشرع سودد ... بذ الأكارم في إمامة مجده
سجدت وقد ظلت صفوف وفوده ... من خلفه يتلون آية حمده

قال علي بن ظافر: وقد رأيت هذه القطعة التي نسبها الحلي لنفسه في ديوان الساعاتي، وكان الحلي مع جودته كثير الإغارة عليه.

وأخبرني الأديب أبو القاسم بن نفطويه
قال أنشدني بعض أصحابنا بيتاً وسألني أن أضمنه، وهو:
فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي
فصنعت بديهاً:
ولما أن تلاقينا بكينا ... بكاء القرب من بعد التنائي
وسمت دوام طيب الوصل منه ... فأعرض عند ذاك عن اقتضائي
وواعدني إذا ما الشمس غابت ... وولت لا سبيل إلى اللقاء
فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي
قال: ثم مر بي القاضي أبو الحسن على بن النبيه فأنشدته البيت وسألته أن يضمنه فقال بديهاً:
عسى العيس التي ظعنت بسلمى ... تعود بها وننعم باللقاء
توالت بالعشي ولا عجيب ... مغيب الشمس في وقت العشاء
فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي
ثم جاء الأديب أبو العز الأعيمي، فسألته تضمنيه، فقال بديهاً:
بدت شمس النهار فخيلت لي ... بأنك قد رفعت إلى السماء
فصرت أذوب وهي تزول عني ... إلى أن صرت في حد الفناء
فليت الشمس لو بقيت قليلا ... ففيها كلما بقيت بقائي
قال: ثم مر بي الفقيه أبو محمد القلعي فسألته تضمينه، فقال بديهاً:
إذا هزم الظلام سنا الضياء ... قضى ترحال وصلك بانقضائي
فليت الشمس لو بقيت قليلاً ... ففيها كلما بقيت شفائي
واجتمع يوماً شهاب الدين يعقوب والشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي على أن يصنعا هجاء في صبي مستحسن يسمى يونس فصنع الشريف بديهاً:
يونس يا متلفي بهجرٍ ... قد لج فيه بلا انتهاء
إن بلع الحوت لابن متى ... ثمت ألقاه بالعراء
فرب حوتٍ بلعت أضحى ... مكتسياً منك بالخراء
وصنع الشهاب، وعرض بالحلي:
أدار نون الصدغ في خده ... حتى غدا يونس ذا النون
وأنبت الحلي من فوقه ... لما علاه أصل يقطين
ثم صنع فيه هذا البيت، وهو:
إن بلعت يونس حوت فكم ... بلعت يا يونس من حوت
وكنت في صدر العمر وابتداء قول الشعر
صنعت قطعةً في صدر نارنج عليه طلع مفروط وهي
انظر إلى النارنج والطلع الذي ... جاء الغلام بطلعه متمايلا
فكأنما النارنج قد صاغوه من ... ذهبٍ قناديلاً وذاك سلاسلا
ثم زدت عليه، فقلت:
أتانا بصدر واسعٍ لو بدا لمن ... تعبد أحيا صورة المتعبد
حكى طلعه فيه سلاسل فضةٍ ... ونارنجه يحكى قناديل عسجد
ثم اختصرته، فقلت:
أيا حسن صدرٍ فيه مفروط طلعةٍ ... يقارن نارنجاً به متلالي
لقد أحسن الشخص الذي جمعتها ... يداه وأهدى فيه كل جمال
قناديل تبرٍ في سلاسل فضةٍ ... وإلا عقيق في سموط لآلي
واتفق إنشاد القطع في بعض الليالي بالجامع لجماعة من أصحابنا فيهم ابن
الذروي
فقال: يتولد من هذا معنى في صدر فيه نارنجتان وطلع مفروط، ويشبه ذلك بنهدين في صدر عليهما أسماط در. فاستحسنت المعنى وأطرق كل منا لنظمه، ثم أنشدت:
وصدر به نارنجتان تبدتا ... ومفروط طلع بالملاحة حالي
فخلت بذاك الصدر نهدى خريدةٍ ... وقد وشحت زهواً سموط لآلي
ثم أنشد هو:
أرسلت لي نارنجتين على صد ... رٍ وحفتهما بطلعٍ نضيد
ثم قالت تسل عني فهذا ... مثل صدري والدر فوق نهودي
ثم ذكر معنى آخر فأطرقنا لنظمه، فقلت كالمرتجل:
ألست ترى النارنجتين وقد بدا ... يحفهما طلع نضيد منظم
كخدي غلامٍ قد تأمل حسنه ... جماعة عشاقٍ له فتبسموا
فلم يصنع فيه شيئاً، ثم اقترح معنى غيره، فنظمت فيه:
وطلعٍ بدا المفروط فيه مقارناً ... لنارنجتين يجتلى الحسن منهما

كدمع جرى من جفن ظبيٍ منعم ... فأضحى على الخدين منه منظما
وصنع هو هذا البيت:
وطلعٍ على نارنجتين كأنه ... دموع محب فوق خدي حبيبه
وفي هذه الليلة أمطرت السماء مطراً خفيفاً صقل رخام الصحن حتى لمع وجهه وتعارضت أشعة القناديل عليه فتعاطينا وصفه
فصنعت:
انظر إلى حسن القناديل التي ... لاحت كشهب في متون سماء
والصحن قد أبدى شهاب شعاعه ... إذ صار مصقولا بمر الماء
فكأنما هي أسطر من عسجدٍ ... كتبت بظهر صحيفةٍ بيضاء
ثم صنع ابن الذروي:
أيا حسن جامع مصرٍ وقد ... تروى من الوابل المغدق
وضوء القناديل من فوقه ... كأسطر تبرٍ على مهرق

قال علي بن ظافر
حضرنا يوماً عند الصاحب صفي الدين بمعسكر المنصور على بلبيس عند بروز السلطان لسفرته الثانية حين حوصرت دمشق الحصار الثاني في خيمته بمجلس حفل، لم يعدم فيه أحد من مشايخ الدولة ووجوهها وهم إذ ذاك متوفرون، لم ينقص لهم عدد، ولا فقد منهم أحد، فأنشدني ابن أبي حفصة قصيدة عاتبته في بعض أبياتها، وارتقى الأمر إلى أن قال أسعد بن الخطير - رحمه الله تعالى: إن هاهنا جماعة كلهم يقول الشعر، فلو اقترح عليهم أن يصنعوا شيئاً في بعض ما يقع تعيين الصاحب عليه، لبان الجرئ الجنان من العاجز الجبان؛ ومن جملة من معنا في المجلس ممن يقول الشعر ابن سناء الملك والأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث، فاقترح الصاحب أن نعمل في منجنيق الشمعة - وكان الهواء عاصفاً - فقلت:
أرى شمعةً ضمها المنجنيق ... فجاءتك بالمنظر الأعجب
يجول عليها احمرار الغشاء ... كما جال برق على كوكب
وتبعنى ابن شيث فقال:
وشمعةٍ في المنجني ... ق وهي فيه تشرق
كأنها من تحته ... شمس علاها شفق
ولم يفتح على أحد بكلمة، وانتقدوا عليه تشبيهها بالشمس، وقالوا: النجم أليق. ثم قال الصاحب: فيها معنى آخر، لو نظم لكان مليحاً، وهو أن يشبه بالروح في الجسد، لأن إنارة الجسد وإضاءته بالروح التي في باطنه. فارتجلت وقلت:
وشمعةٍ في المنجني ... ق تلتظى وتتقد
تنير فيه مثلما ... ينير بالروح الجسد
فاستحسن الجماعة ذلك على حسب الوقت، ثم بعد افتراق المجلس صنعت في الشمعة والمنجنيق، وباكرت الصاحب به فأنشدته:
ومجلس أنسٍ ضم شمل جماعةٍ ... تعاطوا من الآداب خير رحيقٍ
لدى شمعةٍ في منجنيقٍ غشاؤه ... كما أخجل التقبيل خد عشيقٍ
ترى نارها من خلفه كبهاره ... تراءت لنا من خلف ثوب شقيقٍ
كما جليت خود بتاجٍ ودونها ... معصفر سترٍ للعيون رقيق
ويحكى عموداً من لجين مقمعاً ... بتبرٍ بدا في وسط بيت عقيق
قال علي بن ظافر
ومما يشبه هذا الباب وليس به، ما ذكره ابن بسام في الذخيرة ورويته بالإسناد المتقدم في أن المتوكل بن الأفطس كان له فرس أدهم أغر محجل، على كفله ست نقط بيض، قندب المتوكل الشعراء لوصفه، فصنع النحلى أبو الوليد فيه بديهاً:
ركب البدر جواداً سابحاً ... تقف الريح لأدنى مهله
لبس الليل قميصاً سابغاً ... والثريا نقط في كفله
وغدير الصبح قد حيض به ... فبدا تحجيله من بلله
كل مطلوبٍ وإن طالت به ... رجله من أجله في أجله
وصنع ابن اللبانة:
لله طرف جال يا بن محمدٍ ... فجنت به حوباؤه التأميلا
لما رأى أن الظلام أديمه ... أهدى لأربعه الهدى تحجيلا
وكأنما في الردف منه مباسم ... تبغى هناك لرجله تقبيلا
وقال فيه عبد الله بن عبد البر الشنتريني من قطعة:
وكأنما عمر على صهواته ... قمر تسير به الرياح الأربع
وأخبرني بعض أصحابنا
أن نشو الملك بن المنجم المقدم ذكره، دخل مجلس القاضي الأجل الفاضل - رحمه الله تعالى - فأنشده لنفسه في ممسحة القلم:
ممسحة نهارها ... يجن ليل الظلم
كأنها قد خلقت ... منديل كم القلم

ثم أمره بالعمل فيها، فصنع بديهاً:
وآلةٍ تضمر النهار فما ... تبديه إلا لوافد الظلم
تودع فيها الأقلام فضلة ما ... تنفثه في مصالح الأمم
وقد وقف القاضي الفاضل على هذه الحكاية في نسخة كان استنسخها من هذا الكتاب وهو يومئذ رسالة لا تتجاوز عشرة كراريس لطاف، فلم ينكرها.

وأخبرني صاحبنا فخر القضاة أبو الفرج نصر الله بن القاضي عز القضاة أبي
العز هبة الله بن بصاقة الكاتب المعظمى
قال: ضرط بعض أصحابنا ونحن مجمتعون في بعض منازلات الفريج، وتبعه آخر؛ فصنع بعضنا في الأول، وصنع بعضنا فيهما جميعاً؛ فصنع بهاء الدين علي بن الساعاتي بديهاً في الأول:
يا من صبوت إلى محا ... سنه، وأصل الحب صبوه
إن كنت خنتك في الهوى ... ما بين يوم نوى ونبوه
فبليت منك بكل ما ... أخشاه من صد وجفوه
أو شاع سرى في الأنا ... م كضرطة الشرف ابن عروه
وصنع المولى الملك المعظم:
الشرف ابن عروةٍ ... تحللت عروته
أحمق من ضراطه ... تعلمت بغلته
قال: ولما ضرط الآخر قلت:
رأيت ابن عروة يتلو الظهير ... وقد ضرطا لاشتداد الجزع
فقلت: أللخوف هذا الضراط؟ ... كأن فؤادكما ينتزع
فقالا: إذا دهمت غارة ... فلا بد من ضرب بوق الفزع
وصنع فيهما شمس الدين إسماعيل بن منكورس - وكان ربما عبث بالبيت أو البيتين:
قد ضرط الفسلان يوم النوى ... عند اشتداد الضنك والضيق
فقلت من عظم ضراطيهما: ... لابد للحرب من البوق
قال علي بن ظافر
واجتمعنا ليلةً في رمضان بالجامع، فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد وقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحاضرين على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي المنبوز بالنعجة، أن يصنع فيه - وإنما طلب بذلك تعجيزه، فصنع وأنشد:
ونجمٍ من الفانوس يشرق ضوءه ... ولكنه دون الكواكب لا يسري
ولم أر نجماً قط قبل طلوعه ... إذا غاب ينهي الصائمين عن الفطر
فانتدبت له من بين الجماعة؛ وقلت: هذا تعجب لا يصح، لأني والحاضرين قد رأينا نجوماً لا تدخل تحت الحصر ولا تحصى بالعد، إذا غابت تنهي الصائمين عن الفطر؛ وهي نجوم الصباح. فأسرف الجماعة بعد ذلك في تقريعه، وأخذوا في تمزيق عرضه وتقطيعه؛ فصنع وأنشد:
هذا لواء سحورٍ يستضاء به ... وعسكر الشهب في الظلماء جرار
والصائمون جميعاً يهتدون به ... كأنه علم في رأسه نار
فلما أصبحنا سمع من كان غائباً من أصحابنا في ليلتنا ما جرى، فصنع الرشيد أبو عبد الله محمد بن متانو رحمه الله تعالى، وأنشدنيه:
أحبب بفانوسٍ غدا صاعداً ... وضوءه دانٍ من العين
يقضى بصوم وبفطر معا ... فقد حوى وصف الهلالين
وصنع الفقيه أبو محمد القلعي:
وكوكبٍ من ضرام الزند مطلعه ... تسري النجوم ولا يسري إذا رقبا
يراقب الصبح خوفاً أن يفاجئه ... فإن بدا طالعاً في أفقه غربا
كأنه عاشق وافى على شرفٍ ... يرعى الحبيب فإن لاح الرقيب خبا
ثم صنعت بعد حين:
ألست ترى شخص المنار وعوده ... عليه لفانوس السحور لهيب
كحامل منظوم الأنابيب أسمرٍ ... عليه سنان بالدماء خضيب
ترى بين زهر الزهر منه شقيقةً ... لها العود غصن والمنار كثيب
وتبدو كخد أحمرٍ والدجى لمى ... بدا فيه ثغر للنجوم شنيب
كأن لزنجي الدجى من لهيبه ... ومن خفقه قلباً عراه وجيب
تراه يراعي الصبح ليلاً، فإن دنا ... طلوع صباحٍ حان منه غروب
فهل كان يرعاها لعشقٍ ففر إذ ... درى أن رومي الصباح قريب!
وقلت في اختصار هذا المعنى:
انظر إلى المنار وال ... فانوس فيسه يرفع
كحاملٍ رمحاً، سنا ... نه خضيب يلمع
وقلت أيضاً:

ألست ترى حسن المنار وضوءه ... يرفع من جنح الدجنة أستارا
تراه إذا جن الظلام مراقباً ... له مضرماً في قلب فانوسه نارا
كصب بخودٍ من بني الزنج سامها ... وصالاً وقد أبدى لترغب دينارا
وقلت فيه:
وليلة صومٍ قد سهرت بجنحها ... على أنها من طولها تعدل الدهرا
حكى الليل فيها سقف ساج مسمرا ... من الشهب قد أضحت مساميره تبرا
وقام المنار المشرق اللون حاملاً ... لفانوسه، والليل قد أظهر الزهرا
كما قام رومي بكأس مدامة ... وحياً بها زنجية وشحت درا
قال: ولما صنعت هذه القطع ندبت أصحابنا للعمل، فصنع شهاب الدين يعقوب:
رأيت المنار وجنح الظلام ... من الجو يسدل أستاره
وحلق في الجو فانوسه ... فذهب بالنور أقطاره
فقلت المحلق قد شب في ... ظلام الدجى للقرى ناره
وخلت الثريا يداً والنجو ... م ورقاً غدا البدر قسطاره
وخلت المنار وفانوسه ... فتى قام يصرف ديناره
وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه:
حبذا في الصيام مئذنة الجا ... مع والليل مسبل أذياله
خلتها والفانوس إذ رفعته ... صائداً واقفاً لصيد الغزاله
وأنشدني ابن نفطويه:
يا حبذا رؤية الفانوس في شرفٍ ... لمن أراد سحوراً وهو يتقد
كأنما الليل والفانوس متقد ... في الجو أعور زنجي به رمد
وأنشدني أيضاً لنفسه:
نصبوا لواء للسحور وأوقدوا ... في رأسه ناراً لمن يترصد
فكأنما سبابة قد قمعت ... ذهباً وقامت في الدجى تتشهد
وأنشدني الفقيه أبو يحيى الستولي - رحمه الله تعالى - لنفسه:
وليلةٍ ملئت أسدافها لعساً ... واستوضحت غرر من ثغرها شنبا
ولاح كوكب فانوس السحور على ... إنسان مقلتها النجلاء واشتهبا
حتى كأن دجاها وهو ملتهب ... زنجية حملت في كفها ذهبا
وصنع الأديب أبو العز مظفر الأعمى، وكتب بها عنه إلى، وقد كان سمع جميع المقاطيع فأخذ معانيها وقال:
أرى علماً للناس في الصوم ينصب ... على جامع ابن العاص أعلاه كوكب
وما هو في الظلماء إلا كأنه ... على رمح زنجي سنان مذهب
ومن عجبٍ أن الثريا سماؤها ... مع الليل تلهى كل من يترقب
فطوراً تحييه بباقة نرجسٍ ... وطوراً يحييها بكأس تلهب
وما الليل إلا قانص لغزالةٍ ... بفانوس نارٍ نحوها يتطلب
ولم أر صياداً على لبعد قبله ... إذا قربت منه الغزالة يهرب
وأنشدني الشريف أبو الفضل جعفر لنفسه:
كأنما الفانوس في ... صاريه لما اتقدا
لواء نصرٍ مذهب ... في رأس رمحٍ عقدا

وكان الملك العزيز رحمه الله تعالى
قد غني بين يديه دوبيت بالعجمية، معناه أنه جعل الليل برد داراً للحبيب ليحجب الشمس؛ فاستحسن المعنى وأرسل إلى وزيره الأجل نجم الدين أبي الفتح يوسف بن المجاور - رحمه الله تعالى - يأمره أن يصنع المعنى في شعر، وأن يأمر الشعراء بالعمل في ذلك، فصنع بديهاً وأرسله إليه:
قال له الليل انصرف راشداً ... فإنه استخدمني برددار
ثم صنعوا بعده، فمن مروٍ ومن باده.
وأخبرني الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير
قال: كنت عند الفاضل - رحمه الله تعالى - إذ دخل الوزير نجم الدين، فأخبره بما طلب السلطان وأنشده ما صنع، فقال الفاضل: هذا معنى كنت نظمته قديماً إلا أني استخدمت الليل بواباً، فقلت:
بتنا على حالٍ تسوء العدا ... وربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح
قال الأسعد: ولم أكن صنعت شيئاً، فصنعت بديهاً:
قلت لليل عندما زارني البد ... ر وأوجست خيفةً للرواح
أنت يا ليل برددار حبيبي ... فتأهب لدفع صدر الصباح

قال: فاستحسن الوزير القسيم الثاني، فقلت: برددار المولى نعلم منه حسن الخلق، يقول: انصرف راشداً، وهذا البرددار فظ غليظ يدفع في الصدر.

وأخبرني أبو الحسن بن النبيه
قال: دخلت على الأجل نجم الدين الوزير - رحمه الله تعالى - فأمرني بالعمل فيما رسمه السلطان فاستمهلته، فأبى فصنعت وأنشدت:
قلت لليل إذ حباني حبيباً ... وغناء يسبي النهى وعقارا
أنا سلطان مجلس فاحجبوا الصب ... ح وكن أنت يا دجى برددارا
وأنشدني القاضي السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك لنفسه:
أباحني الليل وصف طيفٍ ... عهدته منه لا يباح
وحجب العالمين عني ... فلا غدو ولا رواح
يا ليل أمسيت بردداري ... إياك أن يهجم الصباح
وأنشدني شهاب الدين يعقوب ابن أخت نجم الدين - رحمه الله تعالى - لنفسه:
قلت إذ زار من أحب وجنح ال ... ليل روض أبدى النجوم نهارا
ملك الحب زاره ملك الحس ... ن فزادا على الحسود اقتدارا
فافرشوا الورد أطلساً حين يمشي ... واجعلوا عسجد الكؤوس نثارا
واصرفوا حاجب الهلال فقد نم ... بسرى إلى العيون سرارا
واحجبوا قيصر الصباح وقولوا ... لنجاشي الظلام كن برددارا
وأنشدني القاضي الأسعد عبد الرحيم بن شيث ناظر القدس الشريف لنفسه:
زار وقد آنس للقلب نار ... وليس إلا وجهه إذ أنار
طيف وقل ضيف كما أنني ... أبحته قلبي قرى أو قرار
لم أنسه خاض إلى الدجى ... وجاب من شوق إلى القفار
فانشق قلب الصبح غيظاً به ... وغار نجم الأفق منه فغار
وذات قد كالقضيب انثنى ... وأين منها الغصن لولا الثمار
بديعة كم لي بها غرة ... وكم لها في مهجتي من غرار
ورب ليل طاب لي وصلها ... به فلولا وصلها قلت طار
رأيتها ليلاً وصبحاً فما ... عرفت بالليل ولا بالنهار
بتنا ضجيعي عفةٍ ما درت ... منا يد ما يحتويه إزار
يسكرني لثمى لأصداغها ... فهي عناقيد ولثمى اعتصار
يحجب عنا الصبح ستر الدجى ... كأنما الليل لنا برددار
وبعدها فليطل الليل ما ... شاء على رغم الليالي القصار
وبرز أمر الملك العزيز رحمه الله تعالى إلى وزيره
الأجل نجم الدين - رحمه الله تعالى - أن يصنع غزلا في جارية صنعت على خدها بالمسك صورة حية وعقرب، فصنع أبقاه الله بديها:
فديتها من غادةٍ ... مخلوقة من طرب
سألتها في قبلةٍ ... في خدها المذهب
فجاوبت معجبه ... بكفها المخضب:
وابأبى! وابأبىً ... من عظم هذا المطلب
وليس هذا ممكناً ... على ممر الحقب
روضة خدي حرست ... بحيةٍ وعقرب
من رام أن يلثمها ... فلير قها بالذهب
وليشرب الدرياق من ... رضاب ثغري الشنب
وصنع أيضاً:
جعل العذول يقول لي لما بدت ... كالشمس في بعدٍ وفى إحراق
لا نطمعن بوصلها وبلثمها ... هذي مذيبة انفس العشاق
تفاح خديها حمته بعقربٍ ... وبحيةٍ خوفاً من الأحداق
فحذار ثم حذار يا عشاقها ... فلديغها ما إن له من راق
قلت اتئد هذي وتلك تولدا ... في ماء خد مائرٍ رقراق
والله لا خوف على بلثمها ... ما دام خمر رضابها درياقي
ثم أمر الناس بالعمل فأكثروا، وصنع ابن مماتي قطعا كثيرة، تزيد على العشرين، من أحسنها قوله:
نقشت حيةً على ... ورد خد مزخرف
فبدت آية الكلي ... م على وجه يوسف
وقال أيضاً:
في خدها عقرب وحيه ... وأنت يا نفس بعد حيه
قد جال ماء الشباب فيه ... وأرسل الصدغ فيه فيه

وقال ابن سناء الملك أدام الله نعمته:
صفا العيش في ملك العزيز بن يوسفٍ ... فلم يبق فيه للشوائب باق
فلا عقرب إلا بخد مليحةٍ ... ولا جور غلا في ولاية ساق
وقال أيضاً:
ظهرت معجزات ملك العزيز ... فهي في وقته ذوات بروز
حية تحت عقربٍ فوق خد ... أحمرٍ كاللجين والإبريز
فهما مثل قبضةٍ بحسامٍ ... ركبوها في صارمٍ مهزوز

وأخبرني بهاء الدين حسن الخرساني المعروف بابن الساعاتي
قال: أمرني السلطاني أن أصنع فيما رسم من ذلك بديها على وزن قطعة كانت تغنى في ذلك الوقت، فصنعت:
أمعنفى فيمن هويت جهالةً ... انظر بعين العدل فيمن تعذل
أرأيت درياقاً كبرد رضابها ... بعث الصدى وهو الرحيق السلسل
وكحيةٍ وكعقرب في خدها ... أبداً تسئ فعالها وتقبل
تحيا إذا ما باشرت فم عاشقٍ ... وإذا تقابل من بعيد تقتل
قال: ثم صنعت:
وخريدةٍ بيضاء ليلة هجرها ... من شعرها، وجبينها من وصلها
رقمت مواشطها على وجناتها ... صوراً تعبدني الغرام لأجلها
أو ماعجبت لحيةٍ في جنةٍ ... دوني تفوز بمائها وبظلها
فحذار منها ما استطعت فقبلها ... مكرت بآدم أختها في مثلها
قال: ثم صنعت أيضاً:
يا ضرة القمرين في شرفيهما ... من أي شيء منك لم أتعجب
أقبلت مثل الشمس في غسق الدجى ... وحملت صبحاً ضاحكاً عن كوكب
من حيث لا ماء الشباب مكدر ... كلا ولا برق السلاف بخلب
كتبت بخديك المواشط فتنةً ... عمت عموم هواك من لم يكتب
وكأنما رقم الجمال بكفه ... وجه الضحى بحريرةٍ من غيهب
جاء الكليم بآيةٍ من حية ... وأراك جئت بحيةٍ وبعقرب
وصنع شهاب الدين ابن أخت الوزير النجم من قصيدة، وأنشدنيها لنفسه:
خود جلا غرتها شعرها ... بدر بهى في ظلامٍ يهيم
يطيب ذكر الشعر من لفظها ... كأنما ذاك النسيب النسيم
قد رقمت وجنها أرقما ... بالمسك في مذهب ثوب طميم
ما ذاق من قابله غفوة ... واعجباً من ساهرٍ بالرقيم!
مرسلةٍ بالحسن قد أظهرت ... في نار إبراهيم آي الكليم
وصنع القاضي أبو العباس أحمد بن القطرسي، وأنشدنيه:
وغادةٍ زينت بأفعى ... مسكٍ على خدها المصون
فقلت يغنيك سحر لحظٍ ... أنفذ سهماً من المنون
قالت رأيت القلوب ليست ... تطيق ما فيه من فتون
فصاغها الحسن فوق خدي ... تلقف السحر من جفوني
وأنشدني القاضي أبو الحسن بن النبيه لنفسه:
وغادةٍ قالت وفي خدها ... حية مسكٍ سلبتني المنام
حمرة خدي إذا قارنت ... سواد أصداغي هام الهوام
أما ترى الحية تسعى إلى النا ... ر إذا ما أضرمت في الظلام!
وأنشدني أيضاً لنفسه:
في ورد خديك بدت عقرب ... وحية تلسع جانيها
يقول من بات سليماً بها ... يا ويح من أصبح حاويها
وصنع المخلص أبو العباس أحمد، ابن بنت الفقيه أبي الطاهر بن عوف، وأنشدنيه:
حمت ورد خديها بأفعى وعقربٍ ... فردت يدي جانيه عن جلناره
أليس محياها المزخرف جنةً ... فلا غرو أن حفت لنا بالمكاره
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى - :
سألتها تصفح عن هفوةٍ ... من عاشق أقسم ألا يعود
فصورت ملغزةً حية ... وعقرباً من فوق ورد الخدود
فكان تصحيف الذي ألغزت ... خيفةً أن يفهم عنها الحسود
غفرت ما أسلف فلتهنه ... جنة وصلي بعد نار الصدود
وأنشدني الرضى بن أبي حفصة الأحدب لنفسه:
قالوا ترى عقرباً قد قابلت أفعى ... في خد ظبية أنسٍ قط ما ترعى

فقلت لما بدا سحر الجفون لها ... جاءت له حية في خدها تسعى
وتلك عقرب خديها فلا برحت ... لا أنها العقرب المؤذي بها طبعا
فانظر إلى حيةٍ مع عقربٍ ظهرت ... بروض وجنها لم يقتلا شرعا
وزادتا حسنها نفعاً فواعجباً ... من أهل ضر لها قد أظهروا النفعا
لو يكن ريقها الترياق ما سلمت ... وكان لأئمها لا يأمن اللسعا
فقل لمن سامني ترك الغرام بها ... لم أسلها والذي قد أخرج المرعى
قال علي بن ظافر: وصنعت:
قضيب قدك هذا الرطب من هصره ... وخمر ريقك هذا العذب من عصره!
وأطلس الخد من بالمسك صور في ... محمره حبةً بالمسك مقتدره
يا حسنه أفعواناً لا يعض وإن ... أضحى على عضه لعاشقين شره
فلا تظننه رقشاء لاسعةً ... تنساب من وجهها في روضةٍ نضره
بل نفث ألحاظها بالسحر خيل ثعبانا على خدها يلهى الذي نظره
يا ليت شعري مع أني الكليم هوىً ... لم أظهرت آيتي ألحاظها السحرة!
قال: وقلت أيضاً:
وغادةٍ رقمت في خدها صوراً ... لتسلب الناس ألبابا وأذهانا
هل عقرب الصدغ خافت فيك أعيننا ... فاستنجدت عقرباً أخرى وثعبانا!
أم العقارب والحيات قد ألفت ... من وجنتيها بحكم الطبع بستانا

الباب الخامس
في بقية بدائع البدائه
وفيه فصلان
أحدهما ما كان من البدائه باقتراح مقترح كما تقدم في أول الباب الراب
وثانيهما ما ليس باقتراح مقترح
الفصل الأول
فيما كان باقتراح مقترح
فمن ذلك ما روى
أن جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة؛ وهو مرثد بن عمرو بن عامر بن ماء السماء، وهو آخر ملوك جفنة بالشام قال لحسان: حب هذا المدامة، قد استحوذ على فبغضها إلى، فصنع حسان ارتجالا:
ولولا ثلاث هن في الكأس لم يكن ... لها ثمن من شاربٍ حين يشرب
لما نزق مثل الجنون ومصرع ... دنى وأن العقل ينأى ويذهب
فقال: حرمتني لذتها، فحببها إلي، فارتجل وقال:
ولولا ثلاث هن في الكأس أصبحت ... من أكسد شي يستفاد ويجلب
أمانيها والكأس يظهر طيبها ... على حزنها، والهم ينأى ويذهب
فأمر له جبلة بجائزة وحلةٍ من حلله.
ومن ذلك ما روى
أن الفرزدق دخل على عبد الملك في بعض وفاداته عليه، فامتدحه فحباه وأكرمه وأحسن جائزته، فلما خرج من عنده ركب راحلته، وأنشد:
ما حملت ناقة من معشرٍ رجلا ... مثلي إذا الريح ألقتني على الكور
فأنهى ذلك إلى عبد الملك، فأرسل وراءه من رده، فلما دخل عليه قال: إيه يا فرزدق! أنت الذي تقول: ما حملت ناقة... البيت.؟ قال: نعم ا أمير المؤمنين، قال: لتخرجن منها يا بن اللخناء أو لآتين عليك! فقال مرتجلا:
إلا قريشاً فإن الله فضلها ... مع النبوة بالإسلام والخير
ترى وجوه بني مروان مشرقةً ... يوم الندى كشرفات الدنانير
فقال عبد الملك: أولى لك! ورضي عنه.
ومن ذلك ما روى أن أبا الخطاب عمر بن عامر السعدي المعروف بابن الأشد
موسى الهادي
يا خير من عقلت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر
فقال له الهادي: إلا من؟ فقال واصلا كلامه:
إلا النبي رسول الله إن له ... فخراً وأنت بذاك الفخر تفتخر
فظن الهادي والحاضرون أن البيت مستدرك، ونظر في صحيفته فلم يجده. فأضعف صلته.
وروى أن علي بن جبلة الأعمى العكوك لقي طاهر بن الحسين وهو في حراقة له
فقال له طاهر: إنك قد قلت في أبي دلف:
إنما الدتيا أبو دلفٍ ... بين مبداه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره
فاصنع لي مثلهما ولك بكل بيت ألف، فصنع بديهاً:
عجبت لحراقة ابن الحسي ... ن كيف تعوم ولا تغرق
وبحران، من تحتها واحد ... ومن فوقها آخر مطبق

وأعجب من ذاك أعوادها ... وقد مسها كيف لا تورق!
فأمر له بثلاثة آلاف درهم، فأخذها وانصرف.

وذر الصولي في كتاب الوزراء
قال: حدثنا عيسى بن حماد، قال: شرب الحسن بن وهب عند عبد الله بن طاهر، فعرضت سحابة فأبرقت ثم أمطرت، فقال بعض من حضر المجلس: قل في هذا شيئاً، فقال:
هطلتنا السماء هطلاً دراكا ... عارض المر زمان فيه السماكا
قلت للبرق إذ توقد فيها: ... يا زناد السماء من أوراكا
أحبيباً نأيته فجفاً كا ... فهوذا العارض الذي أبكاكا
أم تشبهت بالأمير أبي العباس في جوده، فلست هناكا؟
وذكر ابن المثنى
قال: قلت لخالد الكاتب: أخبرني عن قولك:
هذا حبيبك مطروق على كمده ... حرى مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به، ويد أخرى على كبده
يا من رأى كلفاً مستبعداً دنفاً ... كانت منيته في عينه ويده
ألا قلت كما قال أبو نواس:
سماه مولاه لاستملاحه سمجاً ... فاختال عجباً بهذا الاسم وابتهجا
ظبي كأن الثريا دون مفرقه ... والمشتري وضياء الشمس والسرجا
محكم الطرف يدني سيف ناظره ... إذا انتضاه لفتك قال لا حرجا
لا فرج الله عني إن مددت يدي ... إليه أسأله من حبه فرجاً
فصنع بديهاً:
قل لظبيٍ كله حسن ... ارث لي من فعلك السمج
عينه سفاكة المهج ... من دمي في أحرج الحرج
أسهرتني وهي راقدة ... باحورار الطرف والدعج
لا أتاح الله لي فرجاً ... يوم أدعو منك بالفرج
وروى أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن المعتصم في حياة أبيه بحضرة يعقوب بن
الصباح الكندي فيلسوف العرب قصيدته التي أولها
ما في وقوفك ساعة من باس ... تقضي رسوم الأربع الأدراس
وانتهى إلى قوله:
إقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
قال له الكندي: ما زدت أن شبهت الأمير بصعاليك العرب، ومن هؤلاء الذين ذكرت ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟وما قدرهم ؟فأطرق أبو تمام يسيراً ثم أنشد:
لا تعجبوا ضربي له من دونه ... مثلا شروداً في الندى والبأس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
فجن الحاضرون استحساناً مما أتى به، وأجزل أحمد صلته. ولما خرج قال ابن الصباح: إن هذا الفتى قصير العمر؛ لأنه ينحت من قلبه؛ فكان كذلك.
وروى حماد بن أحمد الكندي
قال: كان على بن الجهم يقع في مروان بن أبي الجنوب ويثلبه، حسداً له على قبوله ومنزلته عند المتوكل. فقال له المتوكل يوماً: أيكما أشعر يا علي؟ وأراد أن يغري بينهما. فقال علي: أنا أشعر منه. فقال: ما تقول يا مروان؟ كل أحد أشعر مني، وإذا أصيب عرضي في أمير المؤمنين لا أبالي. فقال المتوكل: هذا عدول عن الجواب، قد زعم أنه أشعر منك؛ فإن كان صادقاً قد مناه عليك، وإلا فبرهن عن نفسك. فقال مروان: يا علي، أنت أشعر مني؟ قال: أو تشك في ذلك؟ قال: لشد ما شككت! قال: فالناس يعملون صدقي، قال: فأمير المؤمنين بيننا، قال: إنه يميل إليك. فقال المتوكل: هذا من عيك يا علي. ثم التفت إلى حمدون بن عيسى، وقال له: اقض بينهما. قال: مالي ولما ضغي الأسد! فقال المتوكل: قد أبحت كلاً منكما هجاء صاحبه، فليبين عن نفسه: فقال علي: إنه قد كظني النبيذ فما أقدر على قول الشعر حتى أفيق. فقال مروان: لكنني أقدر يا أمير المؤمنين، قال: قل وعجل، قال:
إن ابن جهمٍ في المغيب يعيبني ... ويقول لي حسناً إذا لاقاني
ويكون حين أغيب عنه شاعراً ... ويضل عنه الشعر حين يراني
وإذا خلونا ناك شعري شعره ... ونزا على شيطانه شيطاني
عظمت حواياه وأربى بطنه ... فكأنما في بطنه ولدان
إن ابن جهم ليس يرحم أمه ... لو كان يرحمها لما هاجاني
فضحك المتوكل والندامى، وانخزل ابن الجهم، فقال المتوكل: بحياتي زد ما حضرك، فقال:
بنت جهمٍ يا عليه ... صرت بعدي قرشيه

قلت ما ليس بحق ... اسكتي يا حلقيه
اسكتي يابنت جهم ... اسكتي يا نبطيه
فجعل المتوكل يضحك ويضرب الأرض برجليه، فقال ابن الجهم: لعمري إن هذا الشعر يشبه قائله. فقال مروان: صدقت إنه لهزل ولكنني أجد بك، ثم قال:
لعمرك ما جهم بن بدر بشاعر ... وهذا علي نجله يدعي الشعرا
ولكن أبي قد كان جاراً لأمه ... فلما ادعى الأشعار أوهمني أمرا
ففضحه في ذلك المجلس. ولم يحر جواباً، إلا أنه قال بعد ذلك بيتين يعنيه بهما، وهما:
بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضاً لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون

قال علي بن ظافر
ولما قدم مؤيد الدولة بن ركن الدولة أتى أبي علي الحسن بن بويه الديلمي إلى بغداد في حياة والده وعمه معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه ليعقد على ابنته زبيدة قدم معه الصاحب القاسم ابن عباد، وهو يومئذ في حداثة سنه وريعان عمره، وفي هذه السنة كتب كتاب الروزنامجه إلى الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد، وفي فصل منه ما معناه: أنه حضر عند الأستاذ أبي محمد المهلبي في ليلة طلعت نجوم سعدها، وأنجزت بها سجف المسرة صادق وعدها، وألحت الكؤوس خاطف برقها، وأسمعت المثاني حثيث رعدها، فجعلوا يتنقلون في شجون، المجون ويعقدون نكاح ابن الغدير على ابنة الزرجون، فاقترح عليه المهلبي أن يصنع شعراً في صفة هذا الحال، فقال بديهاً:
تركت لساقي الريح يا بنة عرعرا ... وزرت لصافي الراح حانة عكبرا
وقلت لعلج يعبد الراح: زفها ... مشعشعةً قد شاهدت عهد قيصرا
فأوسعني آساً وورداً ونرجساً ... وأسمعني ناياً وطبلاً ومزهرا
هنالك أعطيت البطالة حقها ... وألفيت هتك الستر كنزاً ومفخرا
كأنى الصبا جريا إلى حومة الصبا ... أناغي صبياً من جليد مزنرا
فعانقته والراح قد أغبقت بنا ... وكررت تقبيلاً وقد أقبل الكرى
وصد عن العينين النعاس وصدني ... إلى أن تصدى الصبح يلمع مسفرا
وهبت شمال نظمت شمل بعثتي ... فطارت بها عني الشمل تطيرا
وكان الذي لولا الحيا لأذعته ... ولا عيش يصفو للفتى إن تسترا
وذكر القاضي أبو علي التنوخي في كتاب النشوان
قال: حدثني أبو طاهر عبد العزيز بن حامد الواسطي الملقب سيدوك، قال: كنت بحضرة بعض الرؤساء في مجلس شراب، فرمى إلي بنارنجة نصفها أخضر، ونصفها أصفر، وقال: قل في هذه شيئاً، فارتجلت:
وطيبة النشر مسكية ... مرصعة بالسجايا الطياب
فأصفر في لون شمس المسا ... وأخضر في لون قوس السحاب
فلون كوجنة مرعوبةٍ ... ولون كإثر نصول الخضاب
فهذا كمصة خد الحبيب ... وذاك كما عل صرف الشراب
قال وكنت أنا وأبو الفرج الببغاء نشاهد بركة ملئت
وجعل فوقها ورد وبهار وشقائق حتى غطى أكثر الماء، وحضر أبو علي الهائم، فسأل أبا الفرج أن يعمل في ذلك شيئاً، فعمل بحضرتنا، وأنشد:
خجل الورد من جوار البهار ... فمشى باحمراره في اصفرار
وحكى الماء فيهما أحمر اليا ... قوت حسناً مرصعاً بنضار
جمعا بالكمال في بركةً تمت ... ع حسناً نواظر الحضار
أضرم الماء بالشقيق بها النا ... ر وعهدي بالماء ضد النار
فوجدنا أخلاق سيدنا الزه ... ر ذكاء يربي على الأزهار
ظلت منه ومن نداماه للأن ... س نديم الشموس والأقمار
قال وكنت بحضرة عضد الدولة في مجلس أنس في عشية من العشايا
فغنى له من وراء ستارة الخاصة صوت هو:
نحن قوم من قريش ... ما هممنا بفرار
وبعد أبيات ركيكة، فقال: أتعرفون لمن هذه؟ فقال أبو عبد الله بن المنجم: بلغني أن الشعر للمطيع بالله واللحن له، فقال لي اصنع أبياتاً على وزنها وقافيتها ليكون هذا اللحن المليح في شعر جيد، فتباعدت عن المجلس، واستدعيت دواة ودرجاً وعملت:

أيهذا القمر الطا ... لع من دار القماري
رائحاً من خيلاء الحس ... ن في أبهى إزار
والذي يجني ولا يتبع ذنباً باعتذار
أوضح العذر عذارا ... ك على خلع العذار
أنا من هجرك في بع ... دٍ على قرب مزار
فاستحسنها جداً، وأنشد:
نحن قوم نحفظ العه ... د على بعد المزار
ونمير السحب سحبا ... من أكف كالبحار
أبداً ننحر للضي ... ف بدوراً من نضار
وبلغني عن بعض أهل المجلس أنه أمر الستارة بنقل اللحن إلى هذا الشعر، فنقل وغنى به، وبعد هذا أتممت أنا أبيات القصيدة وامتدحته بها.

قال على بن ظافر
وبالإسناد المتقدم ذكر صاحب اليتيمة ما معناه، أن أبا الحسن السلامي الشاعر دخل على الأمير عز الدولة أبي ثعلب فضل الله بن ناصر الدولة بن عبد الله حمدان وبين يديه درع كأنما جمعت من عيون الدبي أو غدير غضنت وجهه الصبا، فقال له: صفها، فارتجل:
يا رب سابغةٍ حبتني نعمةً ... كافأتها بالسوء غير مفند
أضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وغدوت أبذلها لكل مهند
فاستحسن بديهته، وأحسن جائزته.
وذكر ما معناه
أن السلامي سافر في صباه إلى الموصل، وبه جماعة من الشعراء، فلما أنشدهم شعره اتهموه واستصغروا سنه واستعظموه، فقال لهم أبو عثمان الخالدي: أنا أكفيكم أمره، ثم صنع دعوة وجمعهم بها، فلما اجتمعوا أخذوا في سبر صناعته، والبحث عن قدر بضاعته، فاتفق أن أمطرت السماء مطراً أشبه الثغور في لونها وبردها، وجانس بمنثوره منظوم عقدها،، فبادر الخالدي فألقى عليه نارنجاً كأنه كرات ذهب، أو شعل لهب. ثم قال: يا أصحابنا، صفوا هذا ، فارتجل السلامي:
لله در الخالد ... ي الأوحد الندب الخطير
أهدي لماء المزن عن ... د جموده نار السعير
حتى إذا صدر العتا ... ب إليه عن حنق الصدور
بعثت إليه بعذره ... عن خاطري أيدي السرور
لا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثغور
فاعترفوا بفضله، وعرفوا عند ذلك مقدار علمه وعقله
وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي
قال: أخبرني الإمام الحافظ السلفي الأصبهاني - رحمه الله تعالى - قال: أخبرني الرئيس أبو سعد محمد بن عقيل بن عبد الواحد الدسكري في سنة ست وتسعين وأربعمائة، قال: حدثني القاضي التنوخي قال: أصعد أبو الفرج الببغاء هو وجماعة من الشعراء الكبار يمتدحونه، فأخرج يوماً خازنه قدحاً من ياقوت أزرق، فملأه ماء وتركه يتشعشع، فقال له أبو الفرج: يا مولانا، ما رأيت أحسن من هذا! فقال: قل فيه شيئاً وهو لك، فقال أبو الفرج في الحال:
كم منةٍ للظلام في عنقي ... بجمع شملٍ وضم معتنق
وكم صباحٍ للراح أسلمني ... من فلقٍ ساطعٍ إلى فلق
فعاطنيها بكراً مشعشعةً ... كأنها في صفائها خلقي
في أزرق كالهواء يخرقه اللح ... ظ وإن كان غير منخرق
كأن أجزاءه مركبة ... حسناً ولطفاً من زرقة الحدق
ما زلت منه منادماً لعبا ... مذ أسكرتها المدام لم تفق
تختال قبل المزاج في أزرق ال ... فجر وبعد المزاج في شفق
أدهشها سكرنا فإن يكن الصم ... ت حديثاً فذاك عن فرق
تغرق في أبحر المدام فيس ... تنقذها شر بنا من الغرق
ونحن باللهو بين مصطبحٍ ... يمرح أمناً وبين مغتبق
فلو ترى راحتي وصبغتها ... في لونها في معصفرٍ شرقٍ
لخلت أن الهوا لاطفني ... بالشمس في قطعةٍ من الأفق
فاستحسنها سيف الدولة وأعطاه إياه.
وذكر أن السرى الرفاء الموصلي
دخل على أبي الحسن باروخ بن عبد الله صاحب ناصر الدولة بن حمدان، وبين يديه ستارة تستر من يجلس برسم الغناء، فأمره أن يصنع ما يكتب عليها، فصنع بديهاً:
تبين لي سبق الأمير إلى العلا ... وما زال سباقاً إلى الفضل منعما

فصيرني بين القيان إذا شدت ... وبين نداماه حجاباً مكرما
لأظهر من حسن الغناء محللا ... وأستر من حسن الوجوه محرما
وذكر العميد الباخرزي في كتاب دمية القصر، أن أبا الحسن أحمد بن علي البستي أمره بهاء الدولة أن يعمل ما يكتب على تكة إبريسم، فقال ارتجالاً:
لم لا أتيه ومضجعي ... بين الروادف والخصور
وإذا انسجمت فإنني ... بين الترائب والنحور
ولقد نشأت صغيرة ... بأكف ربات الخدور

ومن ذلك ما روى ابن بسام في كتاب الذخيرة
ورويته بالإسناد المتقدم ورواه لي أيضاً جماعة من الأندلسيين متفرقاً، أن أبا الفضل صاعداً اللغوى دخل على المنصور بن أبي عامر المعافري كفيل المؤيد بن الحكم بن الناصر الأموي والمتغلب على دولته، فأهدى إلى المنصور وردة منطبقة في غير أوانها، فقال لصاعد: قل فيها شيئاً، فارتجل:
أتتك أبا عامر وردة ... يذكرك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها
فأفرط المنصور في استحسانها، فحسده ابن العريف أحد الندماء، وقال: إنهما ليسا له، وقد أنشدنيها بعض البغداديين بمصر لنفسه، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه. فقال المنصور: أرنيه، فخرج ابن العريف وركب، وجعل يحث حتى أتى مجلس ابن بدر - وكان أحسن أهل وقته بديهة - فوصف له ماجرى، فقال هذه الأبيات ودس فيها بيتي صاعد:
عشوت إلى قصر عباسة ... وقد جدل النوم حراسها
فقالت: أسارٍ على هجعةٍ ... فقلت: نعم، فرمت كاسها
ومدت يديها إلى وردةٍ ... يحاكي لك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها
فوليت عنها على عفةٍ ... وما خنت ناسي ولا ناسها
فطار ابن العريف بها وعلقها على ظهر كتاب بخط مشرقي، وتحيل حتى غير المداد، ودخل بها على المنصور، فلما رآها اشتد غيظه على صاعد، وقال للحاضرين: غداً أمتحنه، فإن فضحه الامتحان لم يقم في مكان لي فيه سلطان. فلما أصبح طلب فحضر، وأحضر جميع القدماء، فدخل به وبهم إلى مجلس حفل، قد أعد فيه طبقاً عظيما فيه سقائف مصنوعة من جميع النوار، عليها لعب من ياسمين في شكل الجواري، وتحتها بركة ماء قد ألقي فيها لؤلؤ مثل الحصباء، وفيها حية تسبح، فقال لصاعد: بلغنا أنك تكذب في شعرك، وقد وقفنا على حقيقة ذلك، وهذا يوم إما أن تسعد فيه عندنا وإما أن تشقى، وهذا طبق ما أظنه حضر بين يدي ملك قبلي، فصفه حالا، فقال صاعد يديها:
أبا عامر هل غير جدواك واكف ... وهل غير من عاداك في الأرض خائف!
يسوق إليك الدهر كل غريبةٍ ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف
وشائع نورٍ صاغها هامر الحيا ... عليها فمنها عبقر ورفارف
ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف
وأعجب منها أنهن نواظر ... إلى بركة ضمت إليها الظرائف
حصاها اللآلي سابح في عبابها ... من الرقش مسموم اللعابين راجف
ترى ما تشاء العين في جنباتها ... من الوحش حتى بينهن السلاحف
فاستغربت له يومئذ تلك البديهة في مثل ذلك الموضع، وكتبها المنصور بخطه، وكان إلى ناحية من تلك السقائف سقيفة، فيها جارية من النوار تجدف بمجاديف من ذهب لم يرها صاعد؛ فقال له المنصور: إلا أنك لم تصف هذه الجارية، فارتجل:
وأعجب منها غادة في سفينةٍ ... مكللة تصبو إليها المهاتف
إذا راعها موج من الماء تتقي ... بسكانها ما أنذرته الرواجف
متى كانت الحسناء ربان مركبٍ ... تصرف في الكفين منها المجاذف!
ولم تر عيني في البلاد حديقةً ... زهتها أزاهير الربا والزخارف
ولا غرو أن شاقت معاليك روضة ... تقلبها في الراحتين الوصائف
فأنت امرؤ لو رمت نقل متالعٍ ... ورضوى ذرتها من سطاك العواصف
إذا رمت قولاً أو طلبت بديهة ... فكلني لها إني لمجدك واصف

فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين دينارا، وألحقه في ديوان الندماء.
وروى أنه خرج معه يوماً إلى الزهراء
فمد المنصور يده إلى شيء من الريحان المعروف بالترنجان، فرمى به، وأشار إليه أن يقول فيه، فارتجل:
لم أدر قبل ترنجانٍ عبثت به ... أن الزمرد أغصان وأوراق
من طيبه سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتى من الأزهار سراق!
كأنما الحاجب المنصور علمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق
من ليس يقعده عن سؤددٍ قدم ... ولا تقوم له في سوءة ساق

وروى أيضا
ً
قال: دخل صاعد اللغوي على بعض أصحابه في مجلس شراب، فملأ الساقي قدحاً من إبريق، فتكونت قطرة من الراح في فم الإبريق ووقفت ولم تبرح، فاقترح عليه الحاضرون وصف ذلك، فقال بديهاً:
وقهوةٍ من فم الإبريق صافيةٍ ... كدمع مفجوعةٍ بالإلف معبار
كأن إبريقنا والراح في فمه ... طير تزقق ياقوتاً بمنقار
وقد أخذه من قول الشريف أبي البركات علي بن الحسن العلوي:
كأن ريح الروض لما أتت ... فتت علينا مسك عطار
كأنما إبريقنا طائر ... يحمل ياقوتاً بمنقار
وذكر ابن بسام أيضا
ً
أن أبا عامر بن شهيد حضر ليلةً عند الحاجب بن أبي عامر المظفر بن المنصور بن أبي عامر بقرطبة، فقامت تسقيهم وصيفة صغيرة ظريفة الخلق، ولم تزل تسهر في خدمتهم إلى أن هم جند الليل بالانهزام، وأخذ في تقويض خيام الظلام، وكانت تسمى أسيماء، فعجب الحاضرون من مكابدتها السهر طول ليلها على صغر سنها، فسأله المظفر وصفها، فصنع ارتجالا:
أفدي أسيماء من نديمٍ ... ملازم للكئوس راتب
قد عجبوا في السهاد منها ... وهي لعمري من العجائب
كيف تجافى الرقاد عنها ... فقلت لاترقد الكواكب
وذكر ابن بسام أيضا
ً
أنه كان يوماً مع جماعة من الأدباء عند القاضي ابن ذكوان، فجئ بباكورة باقلاء، فقال ابن ذكوان: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال ابن شهيد: أنا لهما، وارتجل:
إن لآليك أحدثت صلفاً ... فاتخذت من زمردٍ صدفا
تسكن ضراتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضةً أنفا
هامت بلحف الجبال فاتخذت ... من سندسٍ في جنانها لحفا
شبهتها بالثغور في لطفٍ ... حسبك هذا من زمر من لطفا
حاز ابن ذكوان في مكارمه ... حدود كعبٍ وما به وصفا
قدم در الرياض منتخباً ... منه لأفراس مدحه علفا
أكل ظريفٍ وطعم ذي أدبٍ ... والفول يهواه كل من ظرفا
رخص فيه شيخ له حسب ... فكان حسبي من المنى وكفى
قال ابن بسام
وحكى أن جماعة من أصحاب ابن شهيد قالوا له: يا أبا عامر إنك لآت بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتى منك، هاز لعطفك عند النادر يتاح لك، ونحن نريد منك أن تصف لنا مجلسنا هذا. وكان الذي طلبوه منه زبدة التعنيت، لأن المعنى إذا كان جلفاً ثقيلاً على النفس، قبيح الصورة عند الحس، كملت الفكرة عنه وإن كانت ماضية، وأساءت القريحة في وصفه وإن كانت محسنة، وكان في المجلس باب مخلوع معترض على الأرض، ولبد أحمر مبسوط قد صففت نعالهم عند حاشيته، فقال مسرعاً:
وفتيةٍ كالنجوم حسنا ... وكلهم شاعر نبيل
متقد الجانبين ماضٍ ... كأنه الصارم الصقيل
راموا انصرافي عن المعالي ... والحد من دونها كليل
فالشد في أمرها فسيح ... كل كثير له قليل
في مجلسٍ زانه التصابي ... وطاردت وصفه العقول
كأنما بابه أسير ... تعرض من دونه النصول
يراد منه المقال قسراً ... وهو على ذاك لايقول
ينظر من لبده لدينا ... بحر دمٍ تحتنا يسيل
كأن أخفافنا عليه ... مراكب مالها دليل
ضلت فلم تدر أين تجري ... فهي على شطه تقيل

فعجب القوم من أمره، ثم خرج من عندهم فمر على بعض معارفه من الطوافين وبين يديه زنبيل ملآن حرشفا، فجعل يده في لجام بغلته وقال: لا أتركك حتى تصف الحرشف فقد وصفه صاعد فلم يحسن، فقال له ابن شهيد: ويحك! أعلى مثل هذه الحال؟ قال: نعم فثنى رجله ثم قال:
هل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذاً تباع في زنبيل
كأنها أنياب بنت الغول ... لو نسخت في است أمري ثقيل
لقفزته نحو أرض النيل ... ليست ترى طي حشا منديل
نقل السخيف المائق الجهول ... وأكل قوم نازحي العقول
أقسمت لاأطعمها أكيلي ... ولا طعمها على شمول

وأنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن بن المقدسي عن أبي القاسم مخلوف
بن علي القيرواني السرقسطي عن الحميدي
قال: ذكر أبو عامر بن سلمة أن إسحاق بن إسماعيل المنادي حضر مجلساً من أهل الأدب، فدخل عليهم فتى يكنى أبا الوليد، وبيده تفاحة غضة، فتنافسوا فيها، وجعل كل يستهديها. فقال: لا يستحقها بالأصالة إلا من وصفها فأحسن وصفها، فقال المنادي: هاتها فأنا زعيم بما أردته فيها، فأعطاه إياها فقال:
مجال العين في ورد الخدود ... يذكر طيب جنات الخلود
وأطيب ما تمنى النفس إلف ... يجدد وصله بعد الصدود
وآرجةٍ من التفاح تزهو ... بطيب النشر والحسن الفريد
فقلت لها: فضحت المسك طيباً ... فقالت لي: بطيب أبي الوليد
وروى ابن بسامٍ في كتاب الذخيرة ورويناه بالإسناد المتقدم
قال: حدث أبو عبد الله الصفار لصقلي قال: كنت ساكناً بصقلية وأشعار ابن رشيق ترد على، فكنت أتمنى لقاءه حتى قدم الروم علينا، فخرجت فاراً بمهجتي، تاركا لكل ما ملكت يدي، وقلت: أجتمع بأبي علي، فبرقة شمائله، وطيب مشاهدته، سيذهب عني بعض ما أجد من الحزن على مفارقة الأهل والوطن. فجئت القيروان، ولم أقدم شيئاً على الدخول إلى منزله، فاستأذنت ودخلت، فقام إلى وهو ثاني اثنين، فأخذ بيدي، وجعل يسألني، فأخبرته بأمري فارتمض. وبعد أن تمكن أنسى بمجالسته، قال لي يوماً: يا أبا عبد الله، إن هاهنا بالقيروان غلاماً قد سلب كبدي، واستولى هواه على خلدي منذ عشرة أعوام، فانهض بنا إليه، فإن أنت ساعدتني عليه، قدمت عندي يداً لا يعدلها إلا رضاه. فقلت: سمعاً وطاعة، وسرت معه، حتى جئنا صاغة الجوهريين، فإذا غلام كأنه بدر تمام، صافي الأديم، عطر النسيم، كأنما يبسم عن در، ويسفر عن بدر، قد ركب كافور عارضيه، على بياض يحرحه الوهم بخاطره، ويدميه الطرف بناظره، فأنشدته قول الصنوبري:
إنه من علامة العشاق ... اصفرار الوجوه عند التلاقي
وانقطاع يكون من غير عي ... وولوع بالصمت والإطراق
فقال لي: والله ما واجهته قط قبل يومي هذا إلا غشي على، ولكني أنست بك، وشغلت بعذوبة لفظك، مع أني لم أرو طرفي عن وجهه المقمر، ولا متعته بفده المثمر، لتنكيسه رأسه عند طلوعي إليه، فقلت: ولم ينكس رأسه؟ فوالله ما رأيت أشبه بالبدر منه خداً، وبالغصن قداً، ولا بالدر ثغرا، ولا بالمسك شعرا! فقال: يا أبا عبد الله، ما أصبرك بمحاسن الغلمان؛ لاسيما من فضضت كف الجمال صفحته، وذهبت وجنته، وخفت على تفاح خده العيون، فوكلت بها الجفون. يا أبا عبد الله، ينكس رأسه لأني علقته وحده هلالي، وطرفه غزالي، وفرعه ظلامي، ولحظه بابلي، وقده قضيبي، وردفه كثيبي، وخصره ساجي، وصدره عاجي؛ فكأن طرفي يشوب كافوره بالعقيق، فيحرج لذلك صدر العشيق؛ حتى بدا عداره فأبدي من يميمه نقشا على فضى أديمة، فتوهم لذلك الطاهر الأعراق، الطيب الأخلاق، أن ذلك مما يضعف قوى محبته، ويمحو رسوم مودته، فقلت له: بحقي عليك يا أبا علي، ألا قلت في هذا المعنى شيئا! فأطرق قليلاً ثم أنشد:
وأسمر اللون عسجدي ... يكاد يستمطر الجهاما
ضاق بحمل العذار ذرعاً ... كالمهر لا يعرف اللجاما
ونكس الرأس إذ رآني ... كآبة واكتسى احتشاما
وظن أن العذار مما ... يزيح عن قلبي الغراما
وما دري أنه نبات ... أنبت في جسمي السقاما

وهل ترى عارضيه إلا ... حمائلا حملت حساما!
وهذا كما قال ابن المعتز:
ومستحسنٍ وصلي جعلت وصاله ... شعاري، فما أنفك دأباً أوصله
كأن بعينيه إذا ما أدارها ... حساماً صقيلاً والعذار حمائله

قال علي بن ظافر
وذكر أن أبا علي حسن بن رشيق دخل على المعز بن بادبس يوماً، وفي يده أترجة كأنها واسطة ذهب، أو جذوة لهب، فأشار إلى وصفها، فارتجل:
أترجة سبطة الأطراف ناعمة ... تلقى النفوس بحظ غير منحوس
كأنما بسطت كفاً لخالقها ... تدعو بطول بقاءٍ لابن باديس
وذكر ابن رشيق في كتاب الأنموذج
أن كتاب الخراج بالقيروان اجتمعوا في الديوان يوماً، فوقعت بينهم جرادة، فوضعها بعضهم في يده، وقال: من يصفها؟ فقال عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي قد علمتم أني امرء مرو، ولست بصاحب بديهة، فبدرهم يعلى بن إبراهيم الأريس، وهو أصغرهم سناً إذ ذاك، فقال:
وخيفانةٍ صفراء مسودة القرا ... أتتك بلون أسودٍ تحت أصفر
وأجنحةٍ حمر كأمثال ردنةٍ ... تقاصر عن أطراف بردٍ محبر
وروى أن الشيخ أبا الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي
دخل على بعض الرؤساء، وبين يديه طبق قد ملئ ورداً أحمر وأبيض فاستدعى منه وصفه، فقال بديهاً:
كأنما الورد الذي نشره ... يعبق من طيب معانيكا
دماء أعدائك مسفوكة ... قد قارنت بيض أياديكا
وذكر صاحب الدمية الباخرزي أن الشريف محمد ابن علي بن الحسين الهمداني
قال: دخلت على عمي الرئيس أبي الحسن وقد دخل عليه غلام فحياه بنرجسة، فقال لي: قل فيه شيئاً صفه به، فقلت:
ومكحلٍ بالسحر أحور شادنٍ ... حيا بنرجسةٍ أوان بكور
فكأنه وكأنها في كفه ... بدر يريك التبر في الكافور
وتركبت فوق الزبرجد حلقة ... تحكي فتور اللحظ من مخمور
قال علي بن ظافر
وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة أن أبا الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي البغدادي، حضر مجلس المعز بن باديس يوماً، وبالمجلس ساقٍ وسيم، قد مسك عذاره ورد خديه، وعجزت الراح أن تفعل في الندمان فعل عينيه، فأمر المعز بوصفه، فقال بديهاً:
ومعذرٍ نقش الجمال بمسكة ... خدا له بدم القلوب مضرجا
لما تيقن أن سيف جفونه ... من نرجس جعل النجاد بنفسجا
قال علي بن ظافر
ذكر ابن خاقان في كتاب قلائد العقيان ما معناه قال: حضر الاستاذ. أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي عند المأمون ابن ذي النون ببعض متنزهاته، في يوم طاب نسيمه، وسرت بالسعود نجومه، والروض قد أجاد وشيه راقمة، والماء قد جرت بين الأعشاب أرقامه؛ وثم بركة مملوءة، كأنها مرآة مجلوة، قد اتخذت سباع الطير بشاطها غاباً، ومجت بها من سائغ الماء لعابا، لا تزال تقذف الماء ولا تفتر، وتنظم لآلئ الحباب بعدما تنثر، فأمره بوصف ذلك الموضع الذي تحب، إليه ركاب القلوب وتوضع، فقال بديهاً:
يا منظراً إن نظرت بهجته ... ذكرني حسن جنة الخلد
تراب مسكٍ وجو عنبرةٍ ... وغيم بد وطل ما ورد
والماء كاللازورد قد نظمت ... فيه اللآلي فواغر الأسد
كأنما جائل الحباب به ... يلعب في جانبيه بالنرد
تراه يزهو إذ يحل به المأمون زهو الفتاة بالعقد
تخاله إن بدا به قمراً ... تماً بدا في مطالع السعد
كأنما ألبست حدائقه ... ما حاز من شيمةٍ ومن مجد
كأنما جادها وأمطرها ... بوابلٍ من يمينه رغد
وأخبرني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي
قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن مروان بن أبي الحجاج بن علي القضاعي، قال: اقترحت على أبي محمد عبد الجبار بن أبي بكر بن حمديس الصقلي الأزدي، وقد وقف ليود عنى، وكنت عازماً على سفر أن يصنع لي أبياتاً غزلية في الوداع فصنع في الحال، وقال:
ولما رأت طير الفراق نواعباً ... وقد هم بالتوديع كل مودع

شكت ما شكا المخزون من غربة النوى ... وأبكت لها عيني غزالٍ مروع
ولم أر في خد يزرر قبلها ... من الغيد شمساً في غمامة برقع
وقد سفرت عن برقع عبر الأسى ... لعيني بها عن وجد قلب مفجع
وأقبل در البحر من فوق نحرها ... يصافحه من خدها در مدمعي
فيارب إن البين أخنت صروفه ... علي ومالي من معينٍ فكن معي
على قرب عذالي وبعد أحبتي ... وأمواه أجفاني ونيران أضلعي

قال علي بن ظافر
وبالإسناد المتقدم روى ابن بسام في كتاب الذخيرة ما معناه، قال: دخل الوزير أبو العلاء زهر بن الوزير أبي مروان عبد الملك بن زهر، على الأمير عبد الملك بن رزين في مجلس أنس وبين يديه ساق يسقي خمرين من كأسه ولحظه، ويبدي من حبابه ولفظه، وقد بدا عذاره في صفحة خده، وكمل حسنة باجتماع الضد مع ضده، فكأنه بسحر لحظه أبدي ليلا في شمس، وجعل يومه في الحسن أحسن من أمس، فسأله ابن رزين أن يصنع فيه، فقال بديهاً:
تضاعف وجدى إذ تبدى عذاره ... ونم فخان القلب مني اصطباره
وقد كان ظني أن سيمحق ليله ... بدائع حسن هام فيها نهاره
فأظهر ضد ضده إذ وشت به ... بعنبره في صفحة الخد ناره
وزاد بجفنيه ذبولاً بنرجسٍ ... زها فيه لما أمه جلناره
واستزاده، فقال بديهاً:
محيت آية النهار فأضحى ... بدر تم وكان شمس نهار
كان يغشى العيون نوراً إلى أن ... شغل الله خده بالعذار
ثم استزاده فقال:
عذار ألم فأبدى لنا ... بدائع كنا لها في عما
ولو لم يجن النهار الظلا ... م لم يستبن كوكب في السما
ثم استزاده فقال:
تمت محاسن وجهه وتكاملت ... لما استدار به عذار مونق
وكذلك البدر استنار جماله ... في أن تكنفة غمام أزرق
وأنبأني العماد أبو حامد
قال: ذكر لي صفوة الدين النابلسي أن الأمير أبا الحسن علي بن منقذ كان راكباً في جماعة منهم ابن حيوس، فنزلوا بروضة غناء فيها شقائق وأقحوان، فاستحسنوها وقالوا: ننظم فيها شعراً، وقالوا للأمير: ابدأ أنت، فقال في الحال:
كأن الشقائق والأقحوان ... خدود تقبلهن الثغور
فهاتيك يخجلهن الحياء ... وهاتيك يضحكهن السرور
قال العماد وذكر لي أن معز الدولة قال علي بن ظافر
يعنى تمثال بن صالح الكلابي صاحب حلب - جلس على نهر قويق زمن المد وقد خيم به، فذكر ابن النوت الشاعر وهو الرضى عبد الواحد بن الفرج بن النوت المعري، وذكر سرعة بديهته واقتداره على الارتجال، فأرسل إليه على البر فحضر، فقال بديهاً:
رأيت قويقاً إذ تجاوز حده ... له زجل في جريه وضجيج
وكان ثمال جالساً بشفيره ... فشبهته بحراً لديه خليج
فقال معز الدولة: قد زعم الحلبيون أن هذا ليس بشعرك - وكان فيهم ابن سنان الخفاجي - فإن قلت بديهة أعطيتك جوائزهم، ثم نظر إلى غرابين على نشز، فقال: صفهما، فقال:
يا غرابين أنتما سبب البي ... ن فكيف اجتمعتما بمكان!
إنما قد وقفتما في خلو ... في فراق الأحباب تشتوران
فاحذرا أن تفرقا بين إلفي ... ن فما تدريان ما يلقيان
قال علي بن ظافر
وكان أبو سعد الخير البلنسي الشاعر كثير الذهول، مفرط النسيان ظاهر التغفل، على جودة نظمه ورطوبة طبعه، وكان كثيراً ما يسلك سكة الخفافين على بغلته، فاتخذت البغلة النفور من أطراف الأدم وفضلات الجلود الملقاة في السكة عادة لها، فعبر السكة يوماً مع أصحابه راجلاً، فلما رأى الجلود الملقاة نفر ونكص على عقبه، فقال له أصحابه: ما هذا أيها الأستاذ! فقال: البغلة نفرت بي. فعجبوا من تغفله، كيف ظن مع ما يقاسيه من ألم المشي أنه راكب، وأن حركته الاختيارية منه هي حركة البغلة الاضطرارية له، فكان تغفله ربما أوقعه في مهمةٍ عند من لا يعرفه. واقترح عليه بعض الأمراء أن يضع بيتين أول أحدهما كتاب وآخره ذيب، وأول الثاني جوارح وآخره أنابيب، فصنع بديهاً:

كتابي نجيع لاح في حومة الوغى ... وقارنه نسر هناك وذيب
جوارح أهليه حروف وربما ... تولته من نقط الطعان أنابيب

قال علي بن ظافر
وذكر لي بعض أصحابنا ما معناه، أن القاضي الموفق محمود بن قادوس، دخل على الأمير فرج الظهير، فعرض عليه دبوس صيني الحديد، عديم النظير والنديد لا تحصن منه خوذة ولا نثرة، ولا تقال لضربته عثرة، تجفل لصولته آساد الحرب إجفال الأنعام، وتتضاءل لهيبته البيض حتى تعود أوهى من بيض النعام، فأمره بوصفه، فقال على لسانه:
ما ضر من كنت في الهيجاء عدته ... ألا يعوج على بيض ولا أسل
إذ لا تحصن مني البيض لابسها ... ولا الدروع ولا مستأخر الأجل
قال علي بن ظافر
ودخل أبو خالد بن صغير القيسراني على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفاً، وجر النسيم عليها ما رق من أذياله وصفا، فهو تارةً يرشف رضابها، ويجعد ثيابها، وتارة يسبكها مبرداً ويحكيها مسرداً، فأمر بوصفها فقال:
أو ما ترى طرب الغدير إلى النسيم إذا تحرك
بل لو رأيت الماء يلعب في جوانبه لسرك
وإذا الصبا هبت عليه أتاك في ثوبٍ مفرك
وأخبرني الشريف فخر الدين أبو البركات العباس بن عبد الله العباسي الحلبي
الكاتب
قال: أخبرني القاضي كمال الدين أبو فخر عبد القاهر ابن المهنأ التنوخي المعري المعروف بخصى البغل قال: كنت بحماة، فأتيت حانوت رجل يعرف بالحكيم أبو الخير، فصادفت عنده رجلا يعرف بالسديد، فطلبت منه يرنية ورد مربى، فقال: لن تراها حتى تقول في شعرا، فقلت: أما المدح فلا، وأما الهجاء فنعم، فقال: هات، فقلت:
أبو الخير أبي الخير ... فلا خير ولا مير
ضئيل ناحل الجسم ... ولكن كله أير
فقال: اصنع في السديد - وكان كبير الأنف، فقلت:
كما أن سديد الدين أنف بس لا غير
تراه بين عينيه ... كناقوسٍ على دير
فقال: وفيك أيضاً، فقلت:
فخذها من خصى البغل ... كمثل البرق في السير
قال علي بن ظافر
ودخل الأعز أبو الفتوح بن قلاقس على بلال بن رافع بن بلال الفزاري، فعرض عليه سيفاً قد نظم الفرند في صفحته جوهره ناره وجمد نهره، وألبسه من جلد الأفاعي رداء، وجسمه ردىً أو داء، لا يمنع من برقه بدر مجن ولا ثريا مغفر، ولا يسلم من حده من ثبت ولا ينجو لطوله من فر، وهو يبكي للنفاق ويضحك، ويرعد للغيظ ويفتك، فأمره بصفة شأنه، فقال بديهاً على لسانه:
أروق كما أروع فإن تصفني ... فإني رائق الصفحات رائع
تدافع بي خطوب الدهر حتى ... نقلت إلى بلال عن مدافع
وقال أيضاً:
رب يومٍ له من النقع سحب ... ماله غير سائل الدم ودق
قد جلته يمنى بلالٍ بحدي ... وكأني في راحة الشمس برق
وقال فيه:
أنا في الكريهة كالشهاب الساطع ... من صفحةٍ تبدو وحد قاطع
فكأنما استمليت تلك وهذه ... من وصف كف بلالٍ بن مدافع
وقال أيضاً:
انظر لمطرد المياه بصفحتي ... ولنار خدي كم لها من وصال
قد عاد شدي في المضايق شيمتي ... كبلالٍ بن مدافع بن بلال
وسأله صاحب له وصف مشط عاج قد أشبه الثريا شكلاً ولوناً وشق ليلاً من الشعر جوناً فقال
ومتيمٍ بالآبنوس وجسمه ... عاج ومن أدهانه شرفاته
كتمت دياجي الشعر منه بدرها ... فوشت به للعين عيوقاته
وقال فيه:
وأبيض ليل الآبنوس إذا سرى ... تمزق عن صبح من العاج باهر
وإن غاص في بحر لشعور رأيته ... تبشرنا أطرافه بالجواهر
وقال فيه:
ومشرقٍ يشبه لون الضحى ... حسناً ويسرى في الدجى الفاحم
وكلما قلب في لمةٍ ... أضحكها عن ثغرٍ باسم
قال وجلس بمصر في دار الأنماط يوما مع جماعة

فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك، كشمس تحت سحاب الثقاب، وغصن في أوراق الشباب، فحدقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب، فجعلت تتلفت تلفت ظبي مذعور، أفرقه القانص فهرب، وتتثنى تثنى غصن ممطور، عانقه النسيم فاضطرب، فسالوه وصفها، فقال: هذا يصلح أن يعكس فيه قول ابن القطان الأزدي القيرواني:
أعرضن لما أن عرضن فإن يكن ... حذراً فأين تلفت الغزلان
ثم صنع فقال:
لها ناظر في ذرى ناضرٍ ... كما ركب السن فوق القناة
لوت حين ولت لنا جيدها ... فأي حياةٍ بدت من وفاة
كما ذعر الظبي من قانصٍ ... فمر وكرر في الالتفات
ثم صنع بديهاً:
ولطيفة الألفاظ لكن قلبها ... لم أشك منه لوعةً إلا عتا
كملت محاسنها فود البدر أن ... يحظى ببعض صفاتها أو ينعتا
قد قلت لما أعرضت وتعرضت: ... يا مؤيساً يا مطعماً قل لي متى!
قالت أنا الظبي الفريد وإنما ... ولي وأوحش نبوة فتلفتا

قال علي بن ظافر
وحضر يوماً عند بني خليف بظاهر الإسكندرية في قصرٍ رسا بناؤه وسما، وكاد يمزق بمزاحمته أثواب السما، وقد ارتدى جلابب السحائب ولاث عمائم الغمائم، وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته، وأشرق على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما ائتمنت عليه من ودائع أمطارها، والرمل بفنائه قد نثر تبره في زبرجد كرومه، والجو قد بعث إليه لطيمةً نسيمة، والنخل قد أظهرت جواهرها، ونثرت غدائرها، والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد غيظاً من عبث الرياح به. فسئل وصف ذلك الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه، فجاشت لذلك لجج بحره، فألقت إليه جواهرها لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال:
قصر بمدرجة النسيم تحدثت ... فيه الرياض بسرها المستور
خفض الخورنق والسدير سموه ... وثنى قصور الروم ذات قصور
لاث الغمام عمامة مسكيةً ... وأقام في أرضٍ من الكافور
غنى الربيع به محاسن وجهه ... فافتر عن نورٍ يروق ونور
فالروض يسحب حلةً من سندس ... تزهو بلؤلؤ طله المنثور
والنحل كالغيد الحسان تقرطت ... بسبائك المنظوم والمنثور
والرمل في حبك النسيم كأنما ... أبدى غصون سوالف المهجور
والبحر يرعد متنه فكأنه ... درع يشن بمعطفي مقرور
وكأننا والقصر يجمع شملنا ... في الأفق بين كواكب وبدور
وكذاك دهر بني خليف لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور
وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطرسي المعروف بابن السيوري الإسكندري
النحوي بما هذا معناه
قال: كنت مع الأعز ابن قلاقس في جماعة، فمر بنا أبو الفضائل بن فتوح المصري وه عائد من المكتب، ومه دواته، وهو في تلك الأيام قرة العين ظرفاً وجمالاً، وراحة القلب قرباً ووصالا، كل عينٍ إلى وجهه محدقة، ولمشهد خديه بخلوق الخجل محملقة، فاقترحنا عليه أن يتغزل فيه، فصنع بديهاً:
علقته متعلقاً ... بالخط منعكفاً عليه
حمل الدواة ولا دوا ... ء لعاشقٍ يرجى لديه
فدماء حبات القلو ... ب تلوح صبغاً في يديه
لم أدر ما أشكو إليه: ... أهجره أم مقلتيه؟
والحب يخرسني على ... أني ألكع سيبويه
مالي إذا قابلته ... شغل سوى نظري إليه
وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي اليحصبي القرموني بدمشق
قال: اصطحبت أنا والوزير أبو عبدا لله محمد بن الشيخ الأجل أبي الحسن بن عبد ربه حفيد صاحب كتاب العقد في مركب إلى الإسكندرية، فلما قربنا منها هاج علينا البحر حتى أشرفنا على الغرق، فلاح لنا ونحن على هذا الحال منار إسكندرية، فسررنا برؤيته، وطمعنا في السلامة، فقال لي: لابد أن أعمل في المنارة شيئاً، فقلت له: أعلى مثل هذا الحال الذي نحن فيه! قال: نعم، فقلت: فاصنع، فأطرق ثم عمل:

لله در منار الإسكندرية كم ... يسمو إليه على بعد من الحدق
من شامخ لأنف في عرنينه شمم ... كأنه باهت في دارة الأفق
يكسر الموج منه جانبي رجلٍ ... مشمر لذيل لا ينجو من الغرق
لا يبرح الدهر من ورد على سفن ... ما بين مصطبحٍ منها ومغتبق
للمنشآت الجواري عند رؤيته ... كموقع النوم من أجفان ذي أرق
تهوى إليه وعنه الفلك طائرة ... بمثل أجنحة صيغت من الخرق
كأنه وعليه الفلك حائمة ... برج الحمام، فمن آتٍ ومنطلق

وأخبرني القاضي الأسعد بن الخطير رحمه الله
قال: أمرني الملك العزيز رحمه الله تعالى أن أصنع له في فرس أشهب قطعةً أشبهه فيها بالقمر في لونه وسرعته وقال رحمه الله: ان الناس شبهوه باشهاب والقمر اسرع أسرع جرياً منه فصنعت في الحال:
وأشهب يقطع عر ... ض الأرض في لمح البصر
ما مثله في لونه ... وجريه إلا القمر
وأخبرني القاضي الأسعد أبو القاسم عبد الرحيم بن شيث
قال: اجتمعا ليلة عند القاضي محيى الدين ولد قاضي القضاة صدر الدين بن درباس - رحمه الله - فتذاكرنا البديهة، فاقترح على أن أصنع له في شمعة كانت بين أيدينا، فصنعت:
وأنيسةٍ باتت تساهر مقلتي ... تبكي وتبدي فعل صب عاشق
سرقت دموعي والتهاب جوانحي ... فغدا لها بالقط قطع السارق
وأخبرني الشريف أبو الفضل جعفر الشاعر المنبوز بالقرطم
قال: لقيت القاضي النفيس أبا العباس أحمد بن عبد الغني القطرسي، وأنا عائد من الحمام، ومعي سطل نحاس أحمر، فمر بنا بعض الشعراء، فسألتهما أن يصنعا شعراً في صفة السطل، فصنع النففيس بديهاً:
أنا كافل للري إن بخل الحيا ... ومهدي الحميا من مراشفي اللعس
إذا حملتني راحة فكأنني ... هلال منيرٍ حامل كرة الشمس
قال علي بن ظافر
دخلت مع جماعة من أصحابنا على صديق لنا نعوده، وبين يديه بركة قد راق ماؤها، وصحت سماؤها، وقد رص تحت دساتيرها نارنج فتن قلوب الحضار، وملأ بالمحاسن عيون النظار، فكأنما رفعت صوالج فضة على كرات من النضار. فأشار الحاضرون إلى وصفها، فقلت بديهاً:
أبدعت يابن هلال في فسقيةٍ ... جاءت محاسنها بما لم يعهد
عجباً لأمواه الدساتير التي ... فاضت على نارنجها المتوقد
فكأنهن صوالج من فضةٍ ... رفعت لضرب كرات خالص عسجد
قال ومن أعجب ما دهيت به ورميت إلا أن الله بفضله نصر وأعطى الظفر وأعان
خاطري الكليل حتى مضى مضاء السيف الصقيل
أني كنت في خدمة مولانا الملك العادل خلد الله ملكه بالإسكندرية، سنة إحدى وستمائة، مع من ضمته حاشية العسكر المنصور من الكتاب، ودخلت سنة اثنتين ونحن مقيمون بالخدمة، مرتضعون لأفاويق النعمة، فحضرت مع من حضر للهناء، من الفقهاء والعلماء والمشايخ والكبراء، وجماعة الديوان والأمراء، في يوم من أيام الجلوس للأحكام، والعرض لطوائف الأجناد بالتمام، فلم يبق أحد من أهل البلد ولا من العسكر، إلا حضر مهنئاً، ومثل شاكراً وداعياً. فلما غص المجلس بأهله، وشرق بجمع الناس وحفله، وخرج مولانا السلطان - خلد الله ملكه - إلى محله، واستقر في دسته، أخرج كتاباً ناوله إلى الصاحب الأجل صفي الدين أبي محمد عبد الله بنعلي وزير دولته وكبير حملته، وهو مفضوض الختام، مفكوك الفدام، ففتحه فإذا فيه قطعة وردت من المولى الملك المعظم - أبقاه الله - كتبها إليه يتشوقه ويستعطفه لزيارته ويرققه، ويستحث عود ركابه إلى الشام للمثاغرة بها وقمع عدوها، ويعرض بذكر مصر وشدة حرها ووقد جمرها، وذلك بعد أن كان وصل إلى خدمته بالثغور ثم رجع:
أروى رماحك من دماء عداكا ... وانهب بخيلك من أطاع سواكا
واركب خيولاً كالسعالي شزباً ... واضرب بسيفك من يشق عصاكا
واجلب من الأبطال كل سميدعٍ ... يفري بعزمك كل من يشناكا
واسترعف السمر اللدان وروها ... واسق المنية سيفك السفاكا

وسر الغداة إلى العداة مبادراً ... بالضرب في هام العدو دراكا
وانكح رماحك للثغور فإنها ... مشتاقة أن تبتني بعلاكا
فالعز في نصب الخيام على العدا ... تردى الطغاة وتدفع الملاكا
والنصر مقرون بهمتك التي ... قد أصبحت فوق السماك سماكا
فإذا عزمت وجدت من هو طائع ... وإذا نهضت وجدت من يخشاكا
والنصر في الأعداء يوم كريهة ... أحلى من الكأس الذي رواكا
والعجز أن تمسي بمصر مخيماً ... وتحل من تلك العراص عراكا
فأرح حشاشتك الكريمة من لظى ... مصرٍ لكي نحظى الغداة بذاكا
فلقد غدا قلبي عليك بحرقةٍ ... شغفاً، ولا حر البلاد هناكا
وانهض إلى راجي لقاك مسارعاً ... فمناى من كل الأمور لقاكا
وابرد فؤاد المستهام بنظرةٍ ... وأعد عليه العيش من رؤياكا
واشف الغداة غليل صب هائمٍ ... أضحى مناه من الحياة مناكا
فسعادتي بالعادل الملك الذي ... ملك الملوك وقارن الأفلاكا
فبقيت لي يا مالكي في غبطةٍ ... وجعلت في كل الأمور فداكا
فلما تلا الصاحب على الحاضرين محكم آياتها، وجلا منها العروس التي حازت من المحاسن أبعد غاياتها، أخذوا في استحسان نظامها، وتناسق غريب التئامها والثناء على الخاطر الذي نظم محكم ابياتها وأطلع من مشرق فكره آياتها. فقال السلطان - خلد الله ملكه: نريد من يجيب عنها بأبيات على قافيتها. فالتفت مسرعاً إلى وأنا على يمينه وقال: يا مولانا مملوكك فلان وهو فارس هذا الميدان، والمعتاد للتخلص في مضايق هذا الشان. ثم قطع وصلا من درج كان بين يديه، وألقاه إلي، وعمد إلى دواته فأدارها بين يدي، فقال السلطان - خلد الله ملكه - : على مثل هذه الحال؟ قال: نعم، أنا جربته فوجدته متقد الخاطر حاضر الذهن، سريع إجابة الفكر. فقال السلطان: وعلى كل حال، قم إلى هاهنا لتنكف عنك أبصار الناظرين، وتنقطع غاغاء الحاضرين. وأشار إلى مكان عن يمين البيت الخشب الذي هو منفرد به. فقمت وقد فقدت رجلي انخزالا، وذهني اختلالا، لهيبة المجلس في صدري، وكثرة من حضره من المترقبين لي، المنتظرين حلول فاقرة الشماتة بي، فما هو إلا أن جلست حتى ثاب إلى خاطري، وانثال الشعر على ضمائري، فكنت أرى فكري كالبازي الصيود، لايرى كلمة إلا أنشب فيها منسره، ولا معنى إلا شك فيه ظفره، فقلت في أسرع وقت:
وصلت من الملك المعظم تحفة ... ملأت بفاخر درها الأسلاكا
أبيات شعرٍ كالنجوم جلالةً ... فلذا حكت أوراقها الأفلاكا
عجباً وقد جاءت كمثل الروض إذ ... لم تذوها بالحر نار ذكاكا
جلت الهموم عن الفؤاد كمثل ما ... تجلو بغرة وجهك الأحلاكا
كقميص يوسف إذ سفت يعقوب رباه، شفتني مثله رياكا
قد أعجزت شعراء أهل زماننا ... حسناً فلم لا تعجز الأملاكا!
ما كان هذا الفضل يمكن مثله ... أن يحتويه من الأنام سواكا
لم لا أغيب عن الشآم وهل له ... من حاجةٍ عندي وأنت هناكا
أم كيف أخشى والبلاد جميعها ... محمية في جاه طعن قناكا
يكفي الأعادي حر بأسك فيهم ... أضعاف ما يكفي الولي نداكا
مازرت مصر لغير ضبط ثغورها ... فلذا صبرت فديت عن رؤياكا
أم البلاد علا عليها قدرها ... لا سيما مذ شرفت بخطاكا
طابت وحق لها ولم لا وهي قد ... حوت المعلى في الفخار أخاكا
أنا كالسحاب أزور أرضاً ساقياً ... حيناً وأمنح غيرها سقياكا
مكثي جهاد للعدو لأنني ... أغذوه بالرأى السديد دراكا
لولا الرباط وفضله لقصدت بال ... سير الحثيث إليك نيل رضاكا
ولئن أتيت إلى الشآم فإنما ... يحتثني شوقي إلى لقياكا

إني لأمنحك المحبة جاهداً ... وهواي فيما تشتهيه هواكا
فافخر فقد أصبحت بي وببأسك ال ... حامي وكل مملكٍ يخشاكا
لا زلت تقهر من يعادي ملكنا ... أبداً، ومن عاداك كان فداكا
وأعيش أنظر إبنك الباقي أباً ... وتعيش تخدم في السعود أباكا
ثم عدت إلى مكاني، وقد بيضتها وحليت بزهرها ساحة القرطاس الأبيض وروضتها. فلما رآني السلطان - خلد الله ملكه - قد عدت قال: أعملت شيئاً؟ ظنا منه أن العمل في تلك اللمحة متعذر، وبلوغ الغرض فيها غير متصور، فقلت: نعم، فقال: أنشدنا. فصمت الناس وحدقت الأبصار، وأصاخت الأسماع، وظن الناس بي الظنون، وترقبوا مني ما يكون. فما هو إلا أن توالي إنشادي حتى صفقت الأيدي إعجاباً، وتغامزت الأعين استغراباً، وحين انتهيت إلى ذكر مولانا الملك الكامل بأنه المعلى إذ ضربت قداحهم، وسردت أمداحهم. اغرورقت عيناه لذكره، وبان منه نخفى المحبة فأعلن بسره. وحين انتهيت إلى آخرها فاض دمعه ولم يمكنه دفعه، فمد يده مستدعياً للورقة، فناولتها إلى يد الصاحب، فناولها له ثم نهض.
وإنما حمل الصاحب على هذا الفعل الذي غرر بي في التعريض له، أمور كان يقترحها علي فأنفذ فيها بين يديه، ويخف الأمر منها على، لدالتي عليه؛ منها أنني كنت معه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة بدمشق، فورد كتاب من الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين صاحب حماة، وقد بعث صحبته نسخة من ديوان شعره، فتشاغل بتسويد كتابه جوابه، فلما كتب بعضه التفت إلي وقال: اصنع أبياتاً أكتبها إليه في صدر الجواب، وأذكر فيها شعره، فقلت له: على مثل هذا الحال؟ قال: نعم. فقلت: بقدر ما أنجز بقية النسخة:
أيا ملكاً قد أوسع الناس نائلاً ... وأغرقهم بذلاً وعمهم عدلا
فديناك هب للناس فضلاً يزينهم ... فقد حزت دون الناس كلهم الفضلا
ودونك فامنحهم من العلم والحجا ... كما منحتهم كفك الحود والبدلا
إذا حزت أوفى الفضل عفواً فما الذي ... تركت لمن كان القريض له شغلا!
وماذا عسى من ظل بالشعر قاصداً ... لبابك أن يأتي به قل أو جلا
فلا زلت في عز يدوم ورفعة ... تحوز ثناءً يملأ الوعر والسهلا

قال وكنت عند المولى الملك الأشراف أبقاه الله تعالى في سنة ثلاث وستمائة
بالرها
وقد وردت إليه في رسالة، فجعلني بين سمعه وبصره، وأنزلني في بعض دوره بالقلعة بحيث يقرب عليه حضوري في وقت طلبتي، أو إرادة الحديث معي. فلم أشعر في بعض الليالي - وأنا نائم في فراشي - إلا وهو قائم على رأسي، والسكر قد غلب عليه، والشموع تزهو بين يديه، وقد حفت به مماليكه كأنهم الأقمار الزواهر، في ملابس كرياض ذات أزاهر. فقمت مروعاً، فأمسكني وبادر بالجلوس إلى جانبي، ومنعني من القيام عن الوساد، وأبدى من جميله ما أبدلني بالنفاق بعد الكساد. ثم قال: غلبني الشوق إليك، ولم أرد بإزعاجك التثقيل عليك ثم استدعى من بمجلسه من المغنين فحضروا وأخذوا من الغناء فيما يملأ المسامع التذاذاً، ويجعل القلوب من الوجد جذاذا. وكان له في ذلك الوقت مملوكان هما نيرا سماء ملكه، وواسطتا در سلكه، وقطبا فلك طربه وزهوه، وركنا بيت سروره ولهوه، وكانا يتناوبان في خدمته، فحضر أحدهما في تلك الليلة وغاب الآخر، وكان كثيراً ما يداعبني في شأنهما، ويستدعي مني القول فيهما، والكلام في التفضيل بينهما، فصنعت في الوقت:
يا مالكاً لم يحك سيرته ... ماضٍ ولا آتٍ من البشر
اجمع لنا تفديك أنفسنا ... في الليل بين الشمس والقمر
فطرب، وأمر في الحال باستدعاء الغائب منهما، فحضر، والنوم قد زاد أجفانه تفتيرا، ومعاطفه تكسيرا، فقلت بين يديه بديها في صفة المجلس:
سقى الرحمن عصراً قد مضى لي ... بأكناف الرها صوب الغمام
وليلاً باتت الأنوار فيه ... تعاون في مدافعة الظلام
فنور من شموعٍ أو ندامى ... ونور من سقاةٍ أو مدام
يطوف بأنجم الكاسات فيه ... سقاة مثل أقمار التمام

تريك به الكثوس جمود ماء ... فتحسب راحها ذوب الضرام
يميل به غصوناً من قدودٍ ... غناء مثل أصوات الحمام
فكم من موصلي فيه يشدو ... فينسى النفس عادية الحمام
وكم من زلزلٍ للضرب فيه ... وكم للزمر فيه من زنام
لدى موسى بن أيوب المرجي ... إذا ماضن غيث بانسجام
ومن كمظفر الدين المليك ال ... أجل الأشرف الندب الهمام
فما شمس تقاس إلى نجوم ... تحاكي قدره بين الكرام
فدام مخلداً في الملك يبقى ... إذا ما ضن دهر بالدوام
فلما أنشدتها قام، فوضع فرجية من خاص ملابسه كنت عليه على كتفي، ووضع شربوسة بيده على رأس مملوك صغير كان لي.
؟؟؟؟؟قال: ومررت أيضاً عليه وقد أنفذني السلطان خلد الله تعالى ملكه في رسالة إلى الموصل في سنة سبع وستمائة
فلما عدت أمسكني عنده نحو شهر بالرها، وجرت لي عنده بدائه كثيرة، من جملتها أنه غنى بين يديه بشعر أعجمي ليس على أوزان العروض، فأعجبه واقترح على أن أصنع له على وزنه ليغني له به ما يفهمه، وأرسل إلي بذلك، فعملت في الوقت بالمعنى الذي اقترحه:
مالذة المعنى ... إلا مدامته
ووصل من عليه ... قامت قيامته
ظبي صريعه ... ما ترجى سلامته
والٍ على غرامي ... دامت ولا يته
في السلم لينه ... وفي الهيجا صرامته
كالسيف مقلتاه ... كالرمح قامته
كالبدر وجهه ... والأصداغ هالته
كالغصن حين تز ... هو به غلالته
كالليث حين تب ... دو عليه لامته
وليس مثل قلبي تخشى سآمته
إن الوفاء منه ... والصبر عادته
وولائمي عليه ... بانت لآمته
كالريح لم تؤثر ... عندي ملامته
فقم أدر شراباً ... لذت مرارته
قد جلت الدياجي ... عنا إنارته
فما السرور عندي ... إلا إدارته
وأنفذته إليه وهو في مجلس أنه مع مملوك لي للوقت، فعاد مخلوعاً عليه خلعة خاصة

الفصل الثاني
فيما وقع من بدائع البدائه من غير اقتراح
روى مرة أن بن محكان السعدي تميم
قدم بين يدي مصعب بن الزبير أيام ولايته العراق لأخيه عبد الله بن الزبير - وأظن ذلك بعد وقعة الحرة، ودخول مصعب البصرة - فأمر رجلا من بني أسد بقتله، فقال مرة بن محكان بديهاً:
بني أسدٍ إن تقتلوني تحاربوا ... تميماً إذا الحرب العوان اشمعلت
ولست وإن كانت إلى حبيبةً ... بباكٍ على الدنيا إذا ما تولت
وذكر الطبري
أن الوليد بن عبد الملك - أو سليمان - مضى إلى الحج، فلما وصل إلى المدينة أتى له بجماعة من أسرى الروم ففرقهم على أشرافها ليقتلوهم، فأعطى عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أسيراً منهم ليقتله، فقام وحسر عن ساعديه، وطلب سيفاً فلم يجسر أحد أن يعطيه سيفاً، فناوله بعض الحرس سيفاً كليلا، فضرب به الأسير ضربةً أطارت رأسه وبعض كتفه، فعجب الناس وقالوا: ما قطعها إلا حسبه. ثم أعطى أسيراً لجرير، فقام إليه بعض بني عبس سيفاً صارماً فضرب به الأسير فأطار رأسه، ثم أعطى أسيراً للفرزدق. فدس اليه بعض بني عبس سيفاً كهاماً ضرب به الأسير نباً فضحكوا وخجل الفرزدق ثم قال: يا أمير المؤمنين، هبه لي ففعل. فأعتقه، ثم قال مرتجلا يعتذر، ويعير بني عبس:
فإن يك خان أو قدر نبا ... لتأخير نفسٍ حينها غير شاهد
فسيف بني عبسٍ وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد
- عيرهم بنبو سيف ورقاء بن زهير بن جذيمة عن رأس خالد بن جعفر الكلابي قاتل أبيه زهير، وقد كان ضربه عدة ضربات، وهو ملقٍ نفسه على زهير، فلم يصنع شيئاً، وفي ذلك يقول جرير يهجو الفرزدق:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشعٍ ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم

فأجابه الفرزدق بقوله:
ولا تقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
وروى أنه سكر يوماً فتكشف فمرت به امرأة فسخرت منه
فأنشأ يقول:
وأنت لو باكرت مشمولةً ... صهباء مثل الفرس الأشقر
عدت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر

وروى أبو الغراف
قال: إن الحجاج قال لجرير والفرزدق، وهو في قصره بجزيز البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهلية؛ فلبس الفرزدق الديباج والخز، وقعد في قبة وشاور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: مالباس آبائنا إلا الحديد. فلبس درعاً، وتقلد سيفا، وتابط رمحاً، وركب فرساً لعباد بن الحصين الحبطى، وأقبل في أربعين فارساً، من بني يربوع، وجاء الفرزدق في هيئته، فقال جرير:
لبست سلاحي والفرزدق لعبة ... عليه وشاح كرجٍ وخلاخله
أعدوا مع الخز الملاب فإنما ... جرير لكم بعل وأنتم حلائله
ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن، ووقف الفرزدق في المربد.
وروى أن الحجاج لما أتى بالحكم بن المنذر الجارود
قال: أنت الذي قال فيك الشاعر:
ياحكم بن المنذر الجارود ... سرادق العز عليكً ممدود
قال: نعم، قال: والله لأجعلن سرادقك السجن، فقال الحكم مرتجلا:
متى ماأكن في السجن في حبس ماجدٍ ... فإني على ريب الزمان صبور
فلو كنت النكث والغدر لم أجب ... دعاك؛ ولو منك الأمان غرور
لقد كنت دهراً لا أخوف بالتي ... أخاف، ولايسطو على أمير
فقال الحجاج: لله أبوك! إن زعارة العرب لبنية فيك؛ خلوا سبيله.
وروى عن عبد الأعلى الشيباني أن حماد عجرد ومطيع ابن إياس اجتمعا في مجلس
محمد بن خالد، وهو أمير الكوفة للسفاح، فتمازحا
فقال حماد:
يا مطيع يا مطيع ... أنت إنسان رقيع
وعن الخير بطئ ... وإلى الشر سريع
فقال مطيع:
إن حماداً لئيم ... سفلة الأصل عديم
لا تراه الدهر إلا ... بهن العير يهيم
فقال له حماد: ويحك! أترميني بدائك! والله لولا كراهتي لتمادى الشر ولجاج الهجاء، لقلت لك قولا يبقى، ولكن لا أفسد مودتك، ولا أكافئك إلا بالمدح، ثم قال:
كل شيء لي فداء ... لمطيع بن إياسٍ
رجل مستملح في ... كل لينٍ وشماس
عدل روحي بين جنبي ... وعيني وراسي
غدس الله له ... كبدي أوفي غراس
ذاك إنسان له فضل على كل أناس
وروى إسحاق الموصلي أن يحيى بن زياد الحارثي قال لمطيع بن إياس
امض بنا إلى فلانة صديقتي، فإن بيني وبينها مغاضبة، لتصلح بيننا، ولكن - بئس المصلح أنت! فدخلا إليهما، وجعلا ملياً يتعاتبان ومطيع ساكت، حتى إذا أكثرا قال له يحيى: ما يسكتك أسكت الله نأمتك! فقال مطيع:
أنت معتلة عليه وما زا ... ل مهيناً لنفسه في رضاك
فأعجب يحيى ما سمع وهش، فقال مطيع:
فدعيه وواصلي ابن إياسٍ ... جعلت روحه الغداة فداك
فقام يحيى بوسادة في البيت، فما زال يصدع بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك يابن الزانية! ومطيع يغوث، والجارية تضحك منهما.
وروى أن أبا دلامة تاب وعزم على الحج
فلما صار بطبرتاباذ لقيه علج من الخمارين الذين كان يألفهم، اسمه أبو بشر، فدعاه إلى منزله وأضافه وأحضر له نبيذاً، فامتنع أبو دلامة منه وأخبره بتوبته، وما عزم عليه، فقال العلج: إنه مطبوخ، فشرب منه، فلم يلبث أن دبت فيه سورته، فرفع عقيرته وأنشد:
سقاني أبو بشرٍ من الراح شربةً ... لها سورة ما ذقها لشراب
وما طبخوها غير أن غلامهم ... مشى في نواحي كرمها بشهاب
وروى انه كان منحرفاً عن علي بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس
فاتفق أن خرج المهدي إلى الصيد، ومعه علي وأبو دلامة، فرمى المهدي ظبيا عن له فأنفذ مقاتله، ورمى علي بن سليمان فأصاب كلباً من كلاب الصيد، فارتجل أبو دلامة:
قد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده
وعلى بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده

فهنيئاً لهام ك ... ل فتىً يأكل زاده
فخجل علي بن سليمان، وضحك المهدي، وأمر له بجائزة.

وذكر دعبل بن علي
قال: كان لأبي الشمقمق على بشار مائتا درهم في كل سنة، فأتاه أبو الشمقمق في بعض السنين فقال: هلم الجزية يا أبا معاذ، فقال: ويحك! أوجزية هي؟ قال: نعم هو ما تسمع، فقال له بشار يمازحه: أنت أفصح أو أحكم مني؟ قال: لا، قال: فلم أعطيك؟ قال: لئلا أهجوك، قال: لئن هجوتني لأهجونك، قال أبو الشمقمق: أو هكذا هو؟ قال: نعم ما بدالك. فقال أبو الشمقمق:
إني إذا ما شاعر هاجانيه ... ولج في القول له لسانيه
أدخلته في است أمه علانيه ... بشار يا بشار...
أراد أن يقول: يا بن الزانية. فوثب إليه بشار وأمسك فاه، ثم قال: أراد والله أن يشتمني، ثم دفع إليه مائتي درهم وقال: لا يسمع هذا منك الصبيان.
وروى أن أبا نواس لما وفد على الخصيب
قال له مرة يمازحه وهو بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في قول الشعر، ولكنك لا تخطب، فقام من فوره وصعد المنبر وأنشد مرتجلا:
محضتكمم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصحٍ بنصيب
رماكم أمير المؤمنين بحيةٍ ... أكولٍ لحيات البلاد شروب
فإن يك باق سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب
ثم التفت إليه وقال: لا يأتى بها والله خطيب مصقع. فاعتذر إليه، وحلف أنه إنما كان يمازحه.
وروى أنه كان تنزه مرة مع عيسى بن الرشيد بالقفص في أواخر شعبان
فلما كان في اليوم الموفى ثلاثين قيل لأبي نواس: هذا يوم شك، وبعض الناس يصومه احتياطاً. فقال: ليس الشك حجة على اليقين، حدثنا أبو جعفر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " ، ثم التفت إلى عيسى وارتجل:
لو شئت لم نبرح من القفص ... نشربها حمراء كالفص
نسرق هذا اليوم من شهرنا ... فالله قد يعفو عن اللص
وذكر يزيد بن أبي اليسر الرياضي في أمثاله
قال: حدثنا أبو سهل الحاسب، ونحن معه في بعض حوانيت الفسطاط، قال: كان أكثر قعود الحسن بن هانئ في هذا الحانوت، فمر به في بعض الأيام ابن عبد الحكم، وكان في يده سوط، فسلم علينا به، فقال الحسن:
سلم السوط إذ مررت علينا ... فعلى السوط لا عليك السلام
فقال ابن عبد الحكم لمن معه: من هذا؟ فقيل: هذا الحسن بن هانئ. فرجع إليه ونزل واعتذر، فقبل الحسن بن هانئ عذره وألطفه.
وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين
أنه كان بالكرخ مغن يقال له أبو عمير، وكان له قيان حسان، وكان عبد الله بن محمد. أظنه التيمي - قد عشق جارية منهن، يقال لها عبادة فكان يغشى منزله وينفق فيه. ثم أضاق إضافة شديدة حملته على انقطاع عنهم، وكره أن يقصر عما كان عليه من برهم، ثم نازعته نفسه إلى لقائها وزيارتها، فأتاها فأصاب عندها جماعة ممن كان يألف منزل مولاها، فرحبت به الجارية وسيدها، واستبطئو زيارته وعاتبوه على تأخره عنهم، فجعل يجمجم في عذره، ولا يصرح، فلما سكر رفع عقيرته منشداً:
لو تشكى أبو عمير قليلاً ... لأتيناه من طريق العياده
وقضينا من الزيارة حقا ... ونظرنا لمقلتي عباده
فقال له أبو عمير: مالي ولك يا بن أخي! انظر إلى مقلتي عبادة كيف شئت غير ممنوع...، ولا تتمن لي المرض.
وذكر أيضاً فيه برواية تتصل بعلي بن هشام
قال: قدمت على جدتي شاهك من خراسان، فقالت لي: اعرض على جواريك، فعرضتهن عليها، ثم جلسنا على الشراب، ومتيم تغني، فأطالت جدتي الجلوس عندنا، فلم أنبسط للجواري إجلالاً لها، فأخذت الدواة وصنعت في الحال، وكتبت به رقعة ورمت بها إلى متيم:
أنبقى على هذا وأنت قريبة ... وقد منع الزوار بعض التكلم!
سلام عليكم لا سلام مودعٍ ... ولكن سلام من محب متيم
فأخذته ثم نهضت إلى الصلاة، وعادت وقد صنعت لحناً فغنته، ففطنت جدتي، وقالت: أظن أننا ثقلنا عليكم، وأمرت الخدم فحملوا محفتها، وأمرت للجواري بصلاتٍ، وأمرت لمتيم بثلاثين ألف درهم.
أنبأني الفقيه النبيه

أبو الحسن المفضل علي بن الحسين المقدسي عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس البغدادي. قال: حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري، حدثنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج، قال حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: لما وصل المأمون إلى بغداد، وقر بها، قال ليحيى ابن أكثم: وددت لووجدت رجلا مثل الأصمعي ممن يعرف أخبا العرب وأيامها وأشعارها، فيصحبني كما صحب الأصمعي الرشيد؛ فقال يحيى: ها هنا شيخ يعرف الأخبار، يقال له غياث بن ورقاء الشيباني، قال: أحضره، فلما حضر قال له يحيى: إن أمير المؤمنين يرغب في حضورك مجلسه فقال: أنا شيخ كبير، لاطاقة لي بذلك؛ لأنه قد ذهب مني الأطيبان، فقال له المأمون: لابد من ذلك؛ فقال الشيخ: فاسمع ما حضرني، وأنشد اقتضاباً:
أبعد شيبي أصبو ... والشيب للمرء حرب
شيب وسن وإثم ... أمر لعمرك صعب
يابن الإمام فهلا ... أيام عودي رطب
وإذ شفاء الغواني ... منى حديث وقرب
وإذ مشى قليل ... ومنهل العيش عذب
والآن حين رأى بي ... عواذلي ما أحبوا
آليت أشرب راحاً ... ماحج لله ركب
فقال المأمون: اكتبوها بالذهب؛ وأمر له بجائزة وتركه.

وبهذا الإسناد عن الحميدي
قال: أخبرنا أبو محمد على بن أحمد، قال: أخبرنا عبد الله بن ربيع التيمي، قال: حدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي، قال: حدثني أبو معاذ عبدان الخوبي المتطبب، قال: دخلنا يوماً بسر من رأى علي عمرو بن بحر الجاحظ نعوده، وقد فلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل إليه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل، ولعاب سائل! ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان، أحدهما لو غرر بالمسال ما أحسن، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث! وأكثر ما أشكوه الثمانون، ثم أنشدنا بيتاً من قصيدة عوف بن ملحم الخزاعي. قال أبو معاذ: وكان سبب هذه القصيدة أن عوفاً دخل على عبد الله بن طاهر، فسلم علي عبد الله فلم يسمع فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة وأنشد:
يابن الذي دان له المشرقان ... طرا وقد دان له المغربان
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط الحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وأبدلتني من زمان الفتى ... وهمتي هم الجبان الهدان
وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقارباتٍ وثنت من عنان
وأنشأت بيني وبين الورى ... عنانةً من غير نسج العنان
ولم تدع في لمستمتعٍ ... إلا لساني، وبحسبي لسان
أدعو به الله وأثني به ... على الأمير المصعبي الهجان
فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوةٍ ... أوطانها حران والرقتان
وذكر أن تميم بن جميل التغلبي عاث ببعض الأعمال
فحمله مالك بن طوق إلى المعتصم، فلما قدم بين يديه، وأحضر السيف والنطع لقتله،رآه المعتصم جميلا وسيما، فاحب أن يعلم كيف منطقة، فقال له: تكلم، فقال بعد أن حمد الله تعالى ودعا للمعتصم: إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي الأفئدة، وقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن، ولم يبق إلا العفو أو الانتقام، وأرجو أن يكون أقربهما مني وأسرعهما إليك، أشبهها بك، وأولاك يكرمك ألقيهما بك، ثم ارتجل:
أرى الموت بين النطع والسيف كامناً ... يلاحظني من حيثما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... ومن ذا الذي مما قضى الله يفلت
وأي امرئ يدلي بعذرٍ وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت!
يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل على السيف فيه وأسكت

وما جزعي من أن أموت، وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبيةً قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطةٍ ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا
وكم قائل: لا يبعد الله داره ... وآخر جذلانٍ يسر ويشمت
فعفا عنه المعتصم وقلده عملا.
وهذه بديعة لو وقعت لمرو ثابت الجأش، مع طول المدة وحصول الأمن لكانت عظيمة، فكيف بالبديهة في هذه الساعة التي يحول فيها الجريض دون القريض، وحسبك بحال لم يقدر عبيد بن الأبرص فيها على الروية. وكذلك على بن الجهم قال ارتجالا وقد صلب:
لم يغصبوا بالشاذياخ عشيةال ... إثنين مسبوقاً ولا مجهولا
نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسناً وملء قلوبهم تبجيلا
ما ضره أن بز عنه ثيابه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا
وهذا من أحسن شعره وأبدعه.

وروى عن خالد الكاتب أنه
قال: دخلت الدير يوماً فإذا أنا بشاب مغلول مربوط إلى سارية، فملت إليه وسلمت عليه، فقال: من تكون؟ قلت: خالد الكاتب، قال: صاحب المقطعات؟ قلت: نعم، قال: أنشدني، فأنشدته:
ترشفت من شفتيه عقاراً ... وقبلت من خده جلنارا
وعانت منه قضيباً رطيباً ... وردفاً مهيلاً وبدراً أنارا
وعاينت من حسنه في الظلام ... إذا ما تبدى نهاراً جهارا
فأطرق ثم أنشد:
رب ليلٍ أمد من نفس العا ... شق طولاً قطعته بانتخاب
ونعيم ألذ من وصل معشو ... ق تبدلته بيوم عتاب
قال خالد: فوالله إني منذ ثلاثين سنة لا أحسن إجازتهما.
وروى أبو الفرج
أن شحنة بغداد كسر نبيذاً كثيراً حتى ملأ الطريق، فمر به بكر بن خارجة، فلما رآه جلس يبكي فمر عليه بعض أصحابه، فسأله عن سبب بكائه، فقال بديهاً:
يا لقومي لما جنى السلطان ... لم يكن للذي أهان هوان
صبها في الطريق من حلب الكر ... م عقاراً كأنها زعفران
صبها في مكان سوءٍ لقد أد ... رك سعد السعود ذاك المكان
قال الكرماني: أنشدتها الجاحظ فقال: إن من حق الفتوة والمروءة ألا أكتبها إلا قائما، فعمدته لأنه كان مفلوجاً حتى كتبها.
وذكر ابن العباس بن إبراهيم الصولي
كان قد ولى بعض النواحي للمتوكل، فأخرج إليه أحمد بن المدبر جملة كبيرة، وجلسا للمناظرة بين يدي المتوكل، ولم يكن إبراهيم من رجال أحمد في كتابة الخراج، ولا واحدٍ من رجاله في البلاغة والشعر؛ فكاد يفتضح، فوقعت قضية للمتوكل أوجبت أن ارتجل إبراهيم:
صد عني وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدودٍ ... وعلى وجهه رأيت الهلالا
فطرب المتوكل، وأقره على عمله، وسوغه ما عليه.
وذكر أبو الفرج في كتاب القيان والمغنين
انه كان يعشق جارية لبعض الهاشميين يقال لها أمل، فدعا إخواناً له من أجلاء الكتاب، ودعاها ودعا قياناً غيرها، فحضروا وتأخرت، فتنغص عليه يومه من أجلها، ثم جاءت فسرى عنه، وطرب وشرب، وكتب ارتجالا:
ألم تريا يومنا إذ نأت ... فلم تأت من بين أترابها
وقد غمرتنا دواعي السرور ... بإلهائها وبإطرابها
ومدت علينا خيام النعيم ... وكان المني بعض أطنابها
ونحن فتور إلى أن دنت ... وبدر الدجى بين أثوابها
فلما نأت كيف كنا لها ... ولما دنت كيف صرنا بها
وقرئت عليها الأبيات، فقالت: ليس الأمر كذلك، قد كنتم قبلي في لذة، وإنما تجملتم بهذا لما حضرت، فقال:
يامن حنيني إليه ... ومن فؤادي لديه
ومن إذا غاب من بي ... نهم أسفت عليه
من غاب غيرك منهم ... فإذنه في يديه
فرضيت عنهم، وأتموا يومهم.
وحكى أن علي بن الجهم

قال: كنت بين يدي المتوكل، وقد أتاه رسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقال علي بن الجهم يخطر بين يدي الرسول، وهو يرتجز:
أهلاً وسهلا بك من رسول ... جئت بما يشفى من الغليل
برأس إسحاق بن إسماعيل
فقال المتوكل: التقطوا هذا الجوهر لا يضيع.
قال علي بن ظافر: إسحاق بن إسماعيل هذا مولى لبني أمية، خرج بتفليس في سنة سبع وثلاثين ومائتين، حين وثب أهل أرمينية بعاملهم من جهة المتوكل يوسف بن محمد بن يوسف. وتولى قتل إسحاق هذا بغا الكبير في سنة سبع وثلاثين؛ ولم يكن بين اغتباط المتوكل بعلى هذا الاغتباط وبين نفيه إلا نحو سنة، لأنه نفاه إلى خرسان في سنة ثمان وثلاثين.

وذكر ابن أبي طاهر في أخبار بغداد
عن محمد بن عبدوس الفارسي أنه قال: سرت يوماً إلى علي بن الجهم، فأنشدني لنفسه في العناق:
ولم أنسى ليلاً ضمنا بعد فرقةٍ ... وأدنى فؤاداً من فؤادٍ معذب
وبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرب
فانقدح زني لإيراد مثله، فأطرقت وقلت بديهاً:
لا والمنازل من نجدٍ وليلتنا ... بفيد إذ جسدانا في الهوى جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... سيراً فما أنفك لاخد ولا عضد
ما أنصفوني، دعوني فاستجبت لهم ... حتى إذا قربوني منهم بعدوا
أنبأني المقدسي
عن القيروان عن السرقسطي عن الحميدي، قال: حكوا أن عبد الله بن عاصم صاحب الشرطة كان أديباً شاعراً سريع البديهة، كثير النوادر من جلساء الأمير عبد الرحمن - ذكره غير واحد - وحكوا أنه دخل عليه في يوم غيم، وبين يديه غلام حسن المحاسن، جميل الزي، لين الأخلاق. فقال له: ما يصلح ليومنا هذا؟ فقال: عقار تنفر الذبان وتؤنس الغزلان، وحديث كقطع الروض قد سقطت فيه مؤنة التحفظ وأرخي علي عنان التبسط، يديرها هذا الأغيد المليح. فضحك ثم أمر بالغناء وآلات الصهباء، فلما دارت الكئوس واستمطر الأمير نوادره واستطرد بوادره. وأشار إلى الغلام أن يلح عليه، فلما أكثر رفع رأسه إليه وقال على البديهة:
يا حسن الوجه لا تكن صلفاً ... ما لحسان الوجوه والصلف
تحسن أن تحسن القبيح ولا ... ترثي لصبٍ متيمٍ دنف
فاستبدع الأمير بديهته، وأمر له ببدرة. ويقال إنه خيرة بينها وبين الوصيف فاختارها نفياً للظنة عنه.
وذكر أن الخليع حضر مجلس المتوكل في جملة الندماء
وقد كبر سنه، وضعف جسمه، وبين يديه شفيع خادمه ينضد ورداً، وعليه قراطق موردة، ولم يكن في عصره خادم أحسن منه، فأمره المتوكل أن يحييه بوردة، ويغمز يده ليحرك خاطره، ففعل فارتجل:
وكالوردة البيضاء حيا بوردةٍ ... من الحمر يمشي في قراطق كالورد
سقاني بعينيه وكفيه شربةً ... فأذكرني ما قد نسيت من العهد
له عبثات عند كل تحيةٍ ... بكفيه تستدعي الخلي إلى الوجد
سقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةً ... من الدهر إلا من حبيب على وعد
قال علي بن ظافر
وهذه الحكاية تشبه حكاية ذكرها الفتح ابن خاقان في قلائد العقيان أوردتها ها هنا قاطعاً ترتيب الحكايات طلباً للمجانسة حتى إذا نجزت عدنا لترتيب الأخبار على ترتيب الأعصار، قال الفتح بن خاقان: أخبرني الوزير أبو عامر بن يشتغير أنه حضر مجلس القائد أبي عيسى بن لبون في يوم سفرت فيه أوجه المسرات، ونامت عنه أعين المضرات، وأظهر سقاته غصونا تحمل بدوراً، وتطوف من المدام بنار مازحت من الماء نوراً، وشموس الكاسات تشرق في أكف سقاتها كالورد في السوسان، وتغرب بين أقاحي نجوم الثغور فتذبل نرجس الأجفان. وعنده الوزير أبو الحسن بن الحاج اللورقي، وهو يومئذٍ قد بذل الجهد، في التحلي بالزهد، فأمر القائد ساقيه أن يعرض عليه ذهب كاسه، ويحييه بزبرجد آسه، ويغازله بطرفه، ويميل عليه بعطفه، ففعل ذلك عجلا، فأنشد أبو الحسن مرتجلا:
ومهفهفٍ مزج الفتور بشدة ... وأقام بين تبذلٍ وتمنع
يثنيه من فعل المدامة والصبا ... سكران: سكر طبيعةٍ وتصنع
والله لو لا أن يقال هوى الهوى ... منه بفضل عزيمةٍ وتمنع

لأخذت في تلك السبيل بمأخذي ... فيما مضى ونزعت فيها منزعي

أخبرنا المسكي
عن السلفي، عن جعفر بن أحمد بن السراج، وابن يعلان الكبير، قالا: أنبأنا أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجستاني،قال: أخبرنا أبو يعقوب النجيرمي، حدثنا أبو الجود العروضي، عن جحظة البرمكي، قال: حدثنا أبو عبادة البحتري الشاعر - وكان المتوكل أدخله في ندمائه - قال: دخلت على المتوكل يوماً، فرأيت في يديه درتين، ما رأيت أشرق من نورهما، ولا أنقى بياضاً ولا أكبر، فأدمت النظر إليهما، ولم أصرف طرفي عنهما، ورآني المتوكل، فرمى إلى التي كانت في يده اليمنى، فقبلت الأرض، وجعلت أفكر فيما يضحكه طمعاً في الأخرى، فعن لي أن قلت:
بسرمرا لنا إمام ... تغرف من كفه البحار
خليفة يرتجى ويخشى ... كأنه جنة ونار
الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... هذي على هذه تغار
وليس تأتي اليمين شيئاً ... إلا أتت مثله اليسار
فرمى بالدرة التي كانت في يده اليسار وقال: خذها يا عيار.
وحكى النميري
قال: كنت عند الأمير عبد الله بن المعتز وعنده قينة قبيحة الصورة، فجعلت أتبرم بها، وجعل يظهر شغفاً بها وعشقاً لها، ليغايظني بذلك، فلما اشتد غيظي منه خلوت به فقلت له: نشدتك الله أيها الأمير، أعشقتها؟ فقال مضاحكاً: نعم، فقلت: ألست ترى قبح وجهها وسماجة خلقها! فارتجل:
قلبي وثاب إلى ذا وذا ... ليس يرى شيئأً فيأباه
يهيم بالحسن كما ينبغي ... ويرحم القبح فيهواه
فسكت عنه تعجباً من سرعة بديهته.
وروى أنه جاء يوماً إلى أبي العباس ثعلب أحمد بن يحيى وهو في المسجد الجامع ليسلم عليه
فقام إليه هو والحاضرون، وأجلسه مكانه، فداس قلماً فكسره، فقال:
لكفي وتر عند رجلي لأنها ... أبادت قتيلاً مالأعظمه جبر
فعجبوا من بديهته وحسنها.
قال يزيد الرياضي في كتابه في الأمثال
سمعت أبا الطيب الكاتب يقول: ذكر المازري أنه كان في مجلس ابن المعتز، وغلام على رأسه يذب، فوقعت المذبة على رأس بعض الجلساء، فقال ابن المعتز:
قل لمن ذب ذب نفسك عنا ... حسبنا منك، أو فحسبك منا
حدثنا المسكي، بالإسناد المتقدم عن النجيرمي
قال: حدثنا العروضي، عن الصولي وذكره. وبهذا الإسناد عن أبي الحسن بندقة، قال: أنشدنا عبد الله بن المعتز بيتي أبي نواس في الخمر وهما:
وعاشقٍ دنفٍ نبهته سحراً ... فقام للكأس والصهباء قاصطبحا
ودارت الكأس من صهباء صافيةٍ ... فما حسا قدحاً إلا بكى قدحا
فاستمد فكتب:
وقهوةٍ كشعاع الشمس صافيةٍ ... مثل السراب يرى من دقةٍ شبحا
إذا تعاطيتها لم تدر من دهشٍ ... راحاً بلا قدحٍ أعطيت أم قدحا
قال يزيد الرياضي: حدثنا أبو عبد الله الكرماني
قال: حدثنا الصولي قال: ذكر المرادي أنه كان في بعض الأيام عند ابن المعتز على شراب، فأكثر القوم كلامهم، فقال:
إذا فتح القوم أفواههم ... لغير شرابٍ ولا مطعم
فلا خير فيهم لشرب المدام ... فدعهم يناموا مع النوم
قال: وذكر المرادي أنه دخل إليه يهنيه ببرء من علة
فقال:
أتاني برء لم أكن واثقاً به ... كحل أسير فك بعد وثاقه
وكان لأحد بني المنجم جارية صفراء مولدة، فبلغ به الوجد بها إلى أن مرض ونحل، فدخل عليه الطبيب فجسه، فقال: هذا الفتى قد أحرقته الصفراء، فقال: أصبت وأحسنت من حيث لا تشعر، واستدعى دواة وكتب في الحال:
قال الطبيب وقد تبين سحنتي ... قد أحرقت هذا الفتى الصفراء
فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... والحق أبلج ليس فيه مراء
ومثل هذه الحكاية ما روى من أن العباس الفارسي
كان يهوى مدام الشاعرة الكوفية، وكان مداوماً للشرب، فاعتل واشتدت حماه، فدخل عليه صديق له طبيب يكنى بأبي بشر، فجس يده فوجد حماه حادة، فقال له: ما يتلفك إلا مداومتك مدامك. فقال للوقت:

عجبت من قول أبي بشر ... وقوله ضرب من السحر
مدامك الهلك فلا تكثرن منها وأني لي بالكثر!
أصابك في اللفظ ولكنه ... أخطأ في المعنى ولم يدر

قال القاضي علي التنوخي في كتاب النشوان، أخبرني أبي
قال: حدثني المعوج الرقي، قال: كبا الفرس ببدر الجمالي فافتصد، فدخلت عليه فأنشدته أبياتاً عملتها في الحال وهي:
لا ذنب للطرف إن زلت قوائمه ... وليس يلحقه من عائب دنس
حملت بأساً وجوداً فوقه وندى ... وليس يقوى لهذا كله الفرس
قالوا افتصدت فما عقل العلا معها ... خوفاً عليك ولا نفس بها نفس
كف الطبيب دعا كفا نقبلها ... ونطلب الرزق منها حين ينحبس
قال: وحدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم
قال حدثني أبي قال: كنا في دعوة أبي علي الحسن بن مروان الكاتب، وحضر فيها الوزير أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي، وهو إذ ذاك يخلف أبا جعفر الصيمري على الأمر ببغداد، فغنت الرقية زوج أبي علي صوتاً من وراء الستارة أحسنت فيه، فأخذ المهلبي الدواة، فكتب في الحال بديهاً وأنشدها لنفسه:
ذات غني في الغناء من نغمٍ ... تنفق في الصوت منه إسرافا
كأنها فارس على فرسٍ ... ينظر في الجرى منه أعطافا
وروى أن نصر بن أحمد الخبز أرزي دخل على أبي الحسن ابن المثني في أثر
حريق المربد
فقال له: هل قلت في هذا شيئاً؟ فقال: ما قلت، ولكن أنشدك ارتجالا.
أتتكم شهود الهوى تشهد ... فما تستطيعون أن تجحدوا
جرى نفسي صعداً بينكم ... فأحرق من ذلك المربد
وهاجت رياح حنيني لكم ... فظلت بها ناره توقد
ولولا أدمعي لم يكن ... حريقكم أبداً يخمد
ومثل هذا ما رويناه بالإسناد المتقدم عن ابن بسام في كتاب الذخيرة
قال: ذكر سليمان بن محمد الصقلي، قال: كان بسوسة إفريقية رجل ظريف يهوى غلاماً، فتجنى الغلام عليه، فبينما هو ذات ليلة يشرب منفردا، وقد غلب عليه السكر، خطر بباله أن يأخذ قبس نار فيحرق به داره، ففعل، ووضع النار في الباب فاحترق، فاتفق أن رآه بعض الجيران، فخرج أهل الدار فأطفئوا الحريق، ولما أصبحوا حملوه إلى القاضي، فسأله: لم فعل؟ فأنشأ يقول:
لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي
ولم أجد من هواه بدا ... ولا معيناً على السهاد
حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد
فطار من بعض نار قلبي ... أقل من لمعة الزناد
فأحرق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك في مرادي
فاستظرفه القاضي واستلطفه، وغرم عنه أرش ما أتلفه.
أنبأني الشيخ الفقيه النبيه أبو الحسن علي المقدسي
عن أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن عبد الله محمد بن أبي عبد الله الحافظ الحميدي، قال أخبرني أحمد بن قاسم، جار لنا كان بالمغرب، أن عبد الملك بن إدريس الحريري كان ليلة بين يدي المنصور بن أبي عامر، والقمر يبدو تارة ويخفيه السحاب تارة أخرى، فارتجل:
أرى بدر السماء يلوح حينا ... فيبدو ثم يلتحف السحابا
وذلك أنه لما تبدي ... وأبصر وجهك استحيا فغابا
مقال لو نمى عني إليه ... لراجعني بتصديقي جوابا
وبهذا الإسناد
قال الحميدي: حضر عقيل بن نصر مجلساً فيه أحداث من الكتاب، فاختلفوا في شيء من الآداب إلى أن أفضى نهم ذلك إلى السباب، فقال عقيل على البديهة، وأنشدنيها بعض الرؤساء ولم يعلم قائلها:
تعس الزمان لقد أتى بعجائبٍ ... ومحا رسوم الفضل والآداب
وأتى بكتابٍ لو انبسطت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
أخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن فاضل بن صمدون الصوري

عن الإمام الحافظ السلفي، عن أبي غالب شجاع بن فارس الرملي، عن أبي منصور محمد المالكي البصري، عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأكفاني البصري قال: خرجت مع عمي أبي عبد الله الأكفاني و أبي الحسين بن لنكك وأبي عبد الله المفجع، وابن الحسين السباك في بطالة العيد، فمشوا حتى انتهوا إلى نصر بن أحمد الخبز أرزي، وهو جالس يخبز على طائفة، فجلسوا عنده ثم قاموا عند تزايد الدخان، فقال نصر لابن لنسكك: متى أراك يا أبا الحسين؟ فقال له أبو الحسين. إذا اتسخت ثيابي - وكانت ثيابهم جدداً قد لبسوها للتجمل بها في العيد - فمشينا في سكة بني سمرة، حتى انتهينا إلى دار أحمد بن المثني، فجلس أبو الحسين بن لنكك وقال: يا أصحابنا إن نصراً لا يخلى هذا المجلس الذي مضى لنا معه من شيء يقوله، ونحن نبدؤه قبل أن يبدأنا، واستدعى بدواة وكتب إليه:
لنصرٍ في فؤادي فرط حب ... يزيد به علي كل الصحاب
قصدناه فبخرنا بخوراً ... من السعف المدخن للثياب
فقال: متى أراك أبا حسينٍ؟ ... فقلت له: إذا اتسخت ثيابي
وأنقذ الأبيات إلى نصر، فأملى جوابها في الحال، فقرأناه فإذا هو قد أجاب:
منحت أبا الحسين صميم ودي ... فداعبني بألفاظٍ عذاب
أتى وثيابه كقتير شيبٍ ... فعدن له كريعان الشباب
وقلت متى أراك أبا حسين؟ ... فجاوبني: إذا اتسخت ثيابي
فإن يكن التقذر فيه فخر ... فلم يكنى الوصي أبا تراب!

وذكر الباخرزي في كتاب دمية القصر
قال: حدثني أبو محمد الحسن بن علي الجوهري ببغداد، قال: أنشدت أبا القاسم الصوري بيتين، كان أبوعبد الله عمر بن يحيى ادعاهما لنفسه في مجلس المهلبي الوزير، فأنكر أبو الفرج الأصبهاني ذلك، وأخرجهما في أناشيد ثعلب وهما:
أقول لها إذ بت في أسر قومها ... وجامعتي عن منكبي تضيق
لما سرني أن بت عني بعيدة ... وأني من هذا الإسار طليق
ثم قلت له: أهما أحسن أم بيتان عملتهما في المعنى، وهما:
أقول لها والحي قد نذروا بنا ... ومالي متأثر المنون براح
لما ساءني أن وشحتني سيوفهم ... وأنك لي دون الوشاح وشاح
فأمسك ساعة ولم يجب، ثم عمل في الحال وأنشدنيه:
ألا مرحباً بالأسر يا أم مالكٍ ... وجامعتي والقد منه قريني
إذا كنت في كسر الخباء قريبةً ... تحسين مني لوعتي وأنيني
وعمل أيضاً في الحال وأنشدنيه:
أقول وقد هز القنالي قوامها ... ومالي من بين الأسنة مذهب
ألا ليت نحري للأسنة ملعب ... وكفي في بحر ابنة القوم يلعب
قال وحدثني أبو إسحاق النجيرمي
عند كافور الإخشيدي، فدخل عليه أبو الفضل بن عياش فقال: أدام الله أيام مولانا، وكسر الميم فتبسم كافور إلى أبي إسحاق، ففطن لذلك، فقال ارتجالا:
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهشٍ بالريق والبهر
فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من دهش ... في موضع النصب لا من قلة البصر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... والفأل مأثوره عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصبٍ ... وأن دولته صفو بلا كدر
فأمر له بثلمائة دينار وللنجيرمي بمائتين.
وذكر صاحب اليتيمة
وقد ذكرنا الإسناد إليه فيما سبق من الكتاب - أنه قدم إلى عضد الدولة فنا خسرو جام بهطة بيضاء عليها لوز منصف، وكان ينادمه رجل من أهل الأدب، قلما يحضر شيء على المائدة إلا قال فيه شعراً له أو لغيره، فاستدعى منه عضد الدولة أن يصفها فأرتج عليه، فارتجل عضد الدولة:
بهطة تعجز عن وصفها ... يا مدعي الأوصاف بالزور
كأنها في الجام غذ زينت ... لآلي في ماء كافور
وشرب السري الموصلي يوماً مع جماعة من أصحابه
بالقفص في حانةٍ لبعض الخمارين، فأقاموا نهارهم يديرون من الكئوس شعلا يلهبها الماء ويزول برشفها الظماء، وبين أيديهم أسد قد نظم من الورد، فقال السري بديهاً:

رب أيامٍ على القفص لنا ... لانرى مثلها طول الأبد
غيضة ريحاننا الغض بها ... أسد من غابة الورد ورد
ما رأى الناس ندامي قبلنا ... شربوا الراح على وجه الأسد
قال علي بن ظافر: ذكرت بهذا قول ابن الخياط الدمشقي بديهاً في مثله:
لنا أسد ورد سبانا به الهوى ... وما كان يهوى قبله الأسد الورد
له وردة حمراء في فيه غضة ... يرى عادياً منها وإن كان لايعدو
كليثٍ قريبٍ بالفريسة عهده ... فباقي دم المفروس في فمه يبدو

وحكى أبو الفضل الهمذاني
قال: قال الصاحب يوماً لجلسائه وأنا فيهم، وقد جرى ذكر أبي فراس: لايقدر أحد أن يزور على أبي فراس شعراً، فقلت: ومن يقدر أن يزور عليه وهو الذي يقول - وارتجلت:
رويدك لا تصل يدها بباعك ... ولا تعن السباع على رباعك
ولا تعن العدو على إني ... يمين إن قطعت، فمن ذراعك
فقال الصاحب: صدقت، فقلت: أيد الله مولانا، قد فعلت.
وروى ابن الصابي في كتاب الوزراء
قال: كان في مجلس الصاحب متكلم يعرف بابن الحضيري، فغلبه النوم يوماً في المجلس، فكانت منه فلتة، فقام خجلا، فقال فيه الصاحب ارتجالا:
يا ابن الحضيري لا تذهب على خجل ... من ضرطةٍ أشبهت ناياً على عود
فإنها الريح لا تسطيع تحبسها ... إذ أنت لست سليمان بن داود
وأنبأني ذو النسبتين الحافظ أبو الخطاب بن دحية
عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خير بقراءته عليه - عن الحافظ أبي القاسم خلف ابن يوسف الشنتريني - عرف بابن الأبرش، - بقراءته على أبي الحسن على ابن بسام، قال: كان أبو العلاء صاعد اللغوي البغدادي كثيراً مل يمدح بلاد العراق بمجلس المنصور بن أبي عامر كفيل المؤيد هشام صاحب الأندلس، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك بن شهيد والد الوزير أبي عامر أحمد صاحب الغرائب الماضية في هذا الكتاب إلى المنصور في يوم برد، وكان أخص وزرائه:
أما ترى برد يومنا هذا ... صيرنا للكمون أفذاذا
قد فطرت صحة الكبود به ... حتى لكادت تعود أفلاذا
فادع بنا للشمول مصطلياً ... نغذ سيراً إليك إغذاذا
وادع المسمى بها وصاحبه ... تدع نبيلاً وتدع أستاذا
ولا تبالي أبا العلاء زها ... بخمر قطربلٍ وكلواذا
ما دام من أرملاط مشربنا ... دع دير عمي وطير ناباذا
وكان المنصور في ذلك اليوم قد عزم على الانفراد بحرمه، فأمر باحضار من جرى رسمه من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة - لنقرس كان يعتاده - وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم لم يعهدوا مثله، وعلا الطرب وسما بهم حتى تهايجوا ورقصوا بالنوبة، حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله بن عباس فجعل يرقص وهو متوكئ عليه وارتجل قائلا:
هاك شيخاً فاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكاً
لم يطق يرقصها مستثبتاً ... فغدا يرقصها مستمسكا
عاقه عن هزها منفرداً ... نقرس أخنى عليه فاتكا
من وزير فيهم رقاصةٍ ... قام للسكر يناغي ملكا
أنا لو كنت كما تعهدني ... قمت إجلالا على رأسي لكا
قهقة الإبريق مني ضاحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكى
وهذه قطعة مطبوعة وطرفها الأخير واسطتها. وكان قد حضرهم ذلك اليوم رجل بغدادي يعرف بالكك، كان حسن النادرة سريعها، وكان ابن شهيد أحضره إلى المنصور فاستطبعه وارتبطه، فلما رأى ابن شهيد يرقص قائماً مع ألم المرض الذي كان منعه من الحركة قال: لله درك يا وزير ترقص قائماً وتصلي قاعداً: فضحك المنصور، وأمر لابن شهيد بما جزيل ولسائر الجماعة وللكك.
وبالإسناد أيضاً قال ابن بسام
ودخل صاعد اللغوي يوماً على المنصور وعليه ثياب جدد وخف جديد، فمشى على جانب البركة لازدحام الحاضرين في الصحن، فزلقت رجله فسقط في الماء، فضحك المنصور وأخرج، وقد كان البرد يقضى عليه، فلما نظر إليه أمر له بثياب وأدنى مجلسه، وقال يا أبا العلاء قل في سقطتك، فأطرق ثم قال:

شيئان كانا في الزمان عجيبةً ... ضرط ابن وهبٍ ثم سقطة صاعد
فاستبرد ما أتى به، وكان أبو مروان الجزيري الكاتب حاضراً فقال:
سروري بغرتك المشرقة ... وديمة راحتك المغدقه
ثناني نشوان حتى سقطت ... في لجة البركة المغرقه
لئن ظل عبدك فيها الغريق ... فجودك من قبلها أغرقه
فقال: لله درك! قسناك بأهل العراق ففضلتهم، فبمن نقيسك بعد؟

وبالإسناد قال ابن بسام
وحدث أبو بكر محمد بن أحمد ابن حعفر بن عثمان، قال: دخلت يوماً على أبي عامر - قال علي بن ظافر: يعني ابن شهيد - وقد ابتدأت به علته التي مات بها، فأنس بي، وجرى الحديث إلى أن شكوت إليه تجني بعض أصحابي علي ونفاره مني، فقال لي: سأسعى في إصلاح ذات البين. فخرجت عنه، فلقيت ذلك المتجني علي مع بعض إخواني وأعزهم علي، فتجنبتهما فسأله عن السبب الموجب فأخبره، فمشى حتى أدركني وعزم علي في مكالمته، وتعاتبنا عتاباً أرق من الهوى، وأشهى من الماء على الظما، حتى جئنا دار أبي عامر، فلما رآنا جميعاً ضحك وقال: من كان هذا الذي تولى إصلاح ماكنا سررنا بفساده؟ قلنا: قد كان ما كان. ثم أطرق قليلا وأنشد:
من لا أسمى ولا أبوح به ... أصلح بيني وبين من أهوى
أرسلت من كان الهوى فدرى ... كيف يداوي مواقع البلوى
ولي حقوق في الحب ثابتة ... لكن إلفي يعدها دعوى
قال علي بن ظافر
وذكر ابن خاقان في كتاب مطمح الأنفس ما معناه: إن أبا عامر كان مع جماعة من أصحابه بجامع قرطبة في ليلة السابع والعشرين، فمرت بهم امرأة من بنات أجلاء قرطبة، قد كملت حسناً وظرفاً، ومعها طفل يتبعها كالظبية تستتبع خشفاً، وقد حفت بها الجواري كالبدر حف بالدراري. فحين رأت تلك الجماعة، المعروفة بالخلاعة، ورمقوا الظبي بعيون أسود رأت فريسة، ارتاعت وتخوفت أن يخطف منها تلك الدرة النفيسة، فاستدنت إليها حشفها، وألزمته عطفها، فارتجل ابن شهيد قائلاً:
وداعيةٍ تحت طي القناع ... دعاها إلى الله بالخير داع
أتت بابنها تبتغي منزلاً ... لوصل التبتل والإنقطاع
فجاءت تهادي كمثل الرءوم ... تراعى غزالا بروض اليفاع
أتتنا تبختر في مشيها ... فحلت بوادٍ كثير السباع
وجالت بأكنافه جولةً ... فحل الربيع بتلك البقاع
وريعت حذاراً على طفلها ... فناديت: يا هذه لا تراعى!
غزالك تفرق منه الليوث ... وتهرب منه كماة المصاع
فولت وللمسك من ذيلها ... على الأرض خط كخط الشجاع
أنبأني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي
عن الفقيه أبي القاسم مخلوف بن علي القيرواني، عن أبي عبد الله محمد بن أبي سعيد السرقسطي، عن أبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أخبرنا أبو الحسن الراشدي، عن أبي عامر بن شهيد أن عبد الله بن فاكان الشاعر تناول نرجسة، فركبها في وردة، ثم قال له ولصاعد - قال علي بن ظافر: يعني أبا العلاء صاعداً اللغوي المقدم ذكره - : صفاها، فأفحما ولم يتجه لهما القول؛ فبيناهم على ذلك إذ دخل الزهيري - قال علي بن ظافر: يعني صاحب أبي العلاء صاعد وتلميذه، وكان أديباً شاعراً أمياً لا يقرأ ولا يكتب - فلما استقر به المجلس أخبر بما هم فيه، فجعل يضحك ويقول بغير روية:
ما للأديبين قد أعيتهما ... مليحة من ملح الجنة
نرجسة في وردةٍ ركبت ... كمقلةٍ تنظر في وجنه
وبهذا الإسناد عن الحميدي قال: أخبرني الرئيس أبو الحسن عبد الرحمن بن
راشد الراشدي
قال: لما نعيت أبا عامر بن شهيد إلى ابن الخياط الشاعر - وقد عرفت ما كان بينهما من المنافسة - بكى وأنشدني لنفسه بديهةً:
لما نعى الناعي أبا عامرٍ ... أيقنت أني لست بالصابر
أودى فتى الظرف وترب الندى ... وسيد الأول والآخر
وبهذا الإسناد قال الحميدي
وذكر أبو بكر المرواني أنه شاهد محبوباً الأديب الشاعر النحوي قال بديهةً في وصف ناعورة.

وذات حنينٍ ما تغيض جفونها ... من اللجج الخضر الصوافي على شط
وتبكي فتحي من دموع عيونها ... لآلي رياضٍ بالأزهر في بسط
فمن أحمرٍ قانٍ وأصفر فاقعٍ ... وأزهر مبيض وأدكن مشمط
كأن ظروف الماء من فوق متنها ... لآلي جمانٍ قد نظمن على قرط

أنبأني ذو النسبتين الحافظ
أن دحية، عن الأستاذ المفيد أبي بكر محمد بن خبر بقراءته عليه، عن الفقيه الحافظ أبي القاسم خلف الشنتريني عرف بابن الأبرش - بقراءته على أبي الحسن على بن بسام، قال: أمر الحاجب المنذر بن يحيى النجيبي صاحب سرقسطة بعرض الجند في بعض الأيام، وأميرهم مملوك له رومي يقال له خيار في نهاية الجمال، فجعل ينفخ في القرن ليجتمع أصحابه على عادتهم في ذلك، فقال ابن هند الدانى فيه ارتجالا:
أعن بابلٍ أجفان عينيك تنفث ... ومن قوم موسى أنت للعهد تنكث
أفي الحق أن تحكى إسرافيل نافخاً ... وأمكث في رمس الصدود وألبث
عساك خيار الناس تأتي بآيةٍ ... فتنفخ في ميت الغرام فيبعث
قال وكان بقرطبة غلام وسيم فمر عليه ابن فرج الجياني ومعه صاحب له
فقال صاحبه: إنه لصبيح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج ارتجالا:
قالوا به صفرة عابت محاسنه ... فقلت: ما ذاك من عيب به نزلا
عيناه تطلب في آثار من قتلت ... فلست تلقاه إلا خائفاً وجلا
قال وكان يوماً مع لمةٍ من أهل الأدب في مجلس أنس
فاحتاج رب المنزل إلى دينار، فوجه من يأتيه به من السوق، فدخل غلام من الصيارف في نهاية الجمال، فرمى بالدينار إليهم من فيه مماجناً، فقال ابن فرج بديهاً:
أبصرت ديناراً بكف مهفهف ... يزهى به من كثرة الإعجاب
أومى به من فيه ثم رمى به ... فكأنه بدر رمى بشهاب
وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في سريرة الألباب وذخيرة الكتاب
قال: دخلت يوما ديوان الإنشاء بمصر ، ومتوليه ولي الدولة ابن خيران ، فلم أجده في الديوان، إلا أني وجدت الكتاب على رسمهم ، والناس على جارى عاداتهم، وإذا سراويله ملقى على طراحة، فجلست أنتظره ، فلم أشعر إلا وقد فتح خزانة وخرج، وقدامه غلام صقلي، كأن الشمس على صفحته، والغصن في قامته، منكسر الأجفان مطرقها ، مورد الوجنة عرقها، وحين وصل الى الطراحة ، لبس السراويل وارتجل:
أنا ممن لايرى للنفس إلا بالصلاح
لاتداوى علة الإنتعاظ إلا بالنكاح
فعلم الحاضرون أنه كان يفسق به، فأطبقوا عند الخروج على لعنه.
وذكر الفرج بن إبراهيم الكاتب في هذا الكتاب
قال : دخلت على الوزير الحسين بن علي بن الحسين ابن المغربي أيام وزارته لشرف الدولة أبي علي الديلمي ، وبيدي جزء من شعر شداد بن إبراهيم الخبز أرزى المعروف بالطاهر ، فسألني عنه فأخبرته ، فاستنشدني فأنشدته :
يامنكراً شغفني به ... ومكذباً طول اشتياقي
في أي أحوال تشك ... فهن أحوال السياق
أمدامعي أم ضر جسمي ... أم ضناي أم احتراقي
كل إذا أنصفتني ... حجج عليك بما ألاقي
فاستحسن القطعة، وصنع في الحال:
الله يعلم أنني ... ألتذ فيكم باشتياقي
وأكاد من أنس التذكر لا أذم يد الفراق
وأغض طرفي بعدما ... ملأته غزلان العراق
وأقر من خجل العتا ... ب إلى مغالطة العناق
وأخبرني ابن المقدسي قال: أخبرني الشيخ الإمام الحافظ السلفي
قال: سمعت أبا الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي يقول: سمعت القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري يقول: كتبت إلى أبي العلاء المعري حين وافى بغداد:
وما ذات در لا يحل لحالبٍ ... تناوله واللحم منها محلل
لمن شاء في الحالين حياً وميتاً ... ومن شاء شرب الدر فهو مضلل
إذا بلغت في السن فاللحم طيب ... وآكله عند الجميع معقل
وخرفانها للأكل فيها كراهة ... فما لحصيف الرأي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرز ... عليم بأسرار القلوب محصل

فأجابني وأملي على الرسول في الحال ارتجالا:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما ... صواب وبعض القائلين مضلل
فمن ظنه كرماً فليس بكاذب ... ومن ظنه بخلاً فليس يجهل
لحومهما الأعناب والرطب الذي ... هو الحل والدار الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضة ... تعاف وغصن الكرم يجنى ويؤكل
يكلفنا القاضي الجليل مسائلاً ... هي النجم قدراً بل أعز وأطول
ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها ... جديراً ولكن من يجيبك يقبل
فأجبته ثانياً بقولي:
أثار ضميري من يعز نظيره ... من الناس طراً بل أعز وأفضل
تساوي له سر المعاني وجهرها ... وسائرها بادٍ لديه مفصل
ومن قلبه كل العلوم بأسرها ... وخاطره في حدة النار تشعل
ولما أثار الحب قاد صنيعه ... أسيراً بأنواع البيان يكبل
وقربة من كل فهمٍ بكشفه ... وإيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعاً ... ومرتجلاً من غير ما يتمهل
فيخرج من بحرٍ ويسمو مكانه ... جلالاً إلى حيث الكواكب تنزل
فهنأه الله الكريم بفضله ... محاسنه والعمر منها مطول
فأجابني مرتجلا وأملاه في الحال:
ألا أيها القاضي الذي بدهائه ... سيوف على أهل الضلال تسلل
فؤادك معمور من العلم آهل ... وجدك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غير ممولٍ ... فأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاصمت الخصوم مجادلاً ... فأنت وهم مثل الحمائم أجدل
كأنك علم الشافعي مخاطباً ... ومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارساً ... وأنت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتى ضاق ذرعي تكرماً ... فقلت وكفى عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثرياً فصاحةً ... وأعلى، ومن يبغى مكانك أسفل
فعذري في أني أحببتك واثقاً ... بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل
وأخطأت في إنقاذ رقعتك التي ... هي المجد لي منها أخير وأول
ولكن عداني أن أروم احتفاظها ... رسولك، وهو الفاضل المتفضل
ومن حقها أن يصبح المسك غامراً ... لها وهي في أعلى المنازل تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلاً ... فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنك فوقها ... ومثلك حقاً من به يتجمل

وبالإسناد المتقدم عن ابن بسام صاحب كتاب الذخيرة
قال: ذكر أبو عبد الله الصفار الصقلي، قال: كان بالقيروان غلام وضيء، كان يختلف إلى أبي علي حسن بن رشيق، فكان يحذره من المخالطة، فخرج يوماً يتنزه مع جماعته، فأشيع عنه ما ينكر، وبلغ أبا علي، فقال بديهاً:
يا سوء ما حاءت به الحال ... إن كان ما قالوا كما قالوا
ما أحذق الناس يصوغ الخنا ... صيغ من الخاتم خلخال
وقد كان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد الدارمي يهوى فتىً ببغداد
وينكر حبه، والغلام يعرف شدة وجده به وكلفه؛ فدمعت عينا أبي الفضل يوماً، فقال الغلام: دمعك شاهد عليك، فارتجل أبو الفضل:
وهبني قد أنكرت حبك جملةً ... وهونت من نفسي العزيزة سخطها
فمن أين لي في الحب جرح شهادةٍ ... سقامي أملاها، ودمعي خطها
قال: وكان أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدرامي ليلة مع بعض
أصحابه وبين أيديهم شمعة، فأفضى حديثهم إلى وصفها فأطرق بعضهم ليصنع فيها، فبدره أبو الفضل فقال:
ذهبنا فأذهبنا الهموم بشمعةٍ ... غنينا بها عن طلعة الشمس والبدر
أقول وجسمي ذائب مثل جسمها ... ودمعتها تجري كما دمعتي تجري
كلانا لعمري ذوب نارٍ من الهوى ... فنارك من حمرٍ وناري من هجر

وأنت على ما قد تقاسين من أذى ... فصدرك في نارٍ وناري في صدري
قال علي بن ظافر: وهذا مثل قول الأعمى التطيلي في شمعة:
بآية ما تبكي وفي النار صدرها ... وقد جمدت عيناي والنار في صدري

وبالإسناد المتقدم قال ابن بسام
اصطبح المعتصم بن صمادح يوماً مع ندمائه فأبرز لهم وصيفة مهدوية متصرفة في أنواع اللعب، وحضر أيضاً هناك لاعب مصري ساحر، فكان لعبه حسنا، فارتجل أبو عبد الله ابن الحداد قائلا:
كذا فلتلح قمراً زاهرا ... وتجنى الهوى ناضراً ناظرا
وإن ليومك ذا رونقاً ... منيراً كنور الضحى باهرا
وسيبك صيب ندى مغدقٍ ... أقام لنا هامياً هامراً
صباح اصطباحٍ بإسفاره ... لحظنا محيا العلا سافرا
وأطلعت فيه نجوم الكئوس ... فما زال كوكبها زاهرا
وأسمعتنا لاحناً فاتناً ... وأحضرتنا لاعباً ساحرا
يرفرف فوق رءوس القيان ... فننظر ما يذهل الناظرا
ويخطفها ذيل سرباله ... فننظر طالعها غائرا
فظاهرها ينثني باطناً ... وباطنها ينثني ظاهرا
وثناه ثانٍ لألعابه ... دقائق تثني الحجا حائرا
وفي سورة الراح من سحره ... خواطر دلهت الخاطرا
إذا ورد اللحظ أثناءها ... فما الوهم عن وردها صادرا
ومن حسن دهرك إبداعه ... فما انفك عارضها ماطرا
وسعدك يجتلب المغربات ... فيجعل غائبها حاضرا
وحضر الأديب أحمد بن الشفاق المنعوت بالمنفتل عند القائد ابن دري بجيان
هو وأبو زيد بن مقانا الأشبوني
فأحضر لهما عنباً أسود مغطى بورق أخضر، فارتجل المنفتل:
عنب تطلع من حشى ورقٍ لنا ... صبغت غلائل جلده بالإثمد
فكأنه من بينهن كواكب ... كسفت فلاحت في سماء زبرجد
قال وحضر ابن مرزقان ليلة عند ذي النون بن خلدون وبحضرته وصيفة تحمل شمعة
فاستحسنها ابن مرزقان
فقال بديهاً:
يا شمعةً تحملها أخرى ... كأنها شمس علت بدرا
امتحنت إحداهما مهجتي ... بمثل ماتمتحن الأخرى
قال ودخل الأديب غانم يوماً على باديس بن حيوس صاحب غرناطة فوسع له على ضيق في المجلس
فقال بديهاً:
صير فؤادك للمحبوب منزلةً ... سم الخياط مجال للمحبين
ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلما تسع الدنيا بغيضين
وإنما نظم ما روى من أن الخليل بن أحمد دخل عليه بعض أصدقائه وهو على نمرقة صغيرة، فرحب به وأجلسه في مكانه، فقال له الرجل: إنها لا تسعنا، فقال له الخليل: ما تضايق سم الخياط بمتحابين، ولا اتسعت الدنيا لمتباغضين.
وخرج الأديب أبو الحسن علي بن حصن الإشبيلي إلى وادي قرطبة في نزهة فتذكر
إشبيلية فقال بديهاً
ذكرتك يا حمص ذكرى هوىً ... أمات الحسود وتعنيته
كأنك والشمس عند الغروب ... عروس من الحسن منحوته
غدا النهر عقدك والطود تا ... جك والشمس أعلاه ياقوته
قال علي بن ظافر
وذكر صاحب قلائد العقيان ما هذا معناه: أن المستعين بالله أحمد بن المؤتمن بن هود الجذامي صاحب سرقسطة والثغور، ركب نهر سرقسطة يوماً لتفقد بعض معاقله المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر رق ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ودجلة والعراق، قد اكتنفته البساتين من جانبه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس أن تنظر إليه، هذا على اتساع عرضه، وبعد سطح الماء من أرضه. وقد توسط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة للغزالة، وقد أعدوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف حتى حوت السماء، وأهلة الهالات طالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كل طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيوداً كصيد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم؛ فقال الوزير أبو الفضل ابن حسداي، والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى استرق هواه:

لله يوم أنيق واضح الغرر ... مفضض مذهب الآصال والبكر
كأنما الدهر لما ساء أعتبنا ... فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر
نسير في زورقٍ حف السفين به ... من جانبيه بمنظومٍ ومنتثر
مد الشراع به نشراً على ملك ... بذ الأوائل في أيامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مؤتمنٍ في هدي مقتدر
تحوى السفينة منه آيةً عجبا ... بحر تجمع حتى صار في نهر
تثار من قعره النينان مصعدةً ... صيداً كما ظفر الغواص بالدرر
وللندامى به عب ومرتشف ... كالراح يعذب في وردٍ وفي صدر
والشرب في ود مولى خلقه زهر ... يذكو وبهجته أبهى من القمر

قال علي بن ظافر
: قوله: نينان غير معروف فإن نوناً لم يجئ جمعها نينان، وقد كان سيبويه لحن بشار بن برد في قوله وصف السفينة:
تلاعب نينان البحور وربما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري
فغيره بشار بتيار البحور، وقد قال أبو الطيب يصف خيلا:
فهن مع السيدان في البحر عسل وهن مع النينان في البحر عوم
وجلس المعتمد بن عباد يوماً فأنشد بعض جلسائه قول أبي الطيب
إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ ... أثاب بها معيي المطي ورزامه
فاستبدعه المعتمد واستحسنه، وجعله أبدع ما للمتنبي وأحسنه، فارتجل عبد الجليل بن وهبون المرسي.
لئن جاد شعرا بين الحسين فإنه ... يجود العطايا واللها تفتح اللها
تنبأ عجباً بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها
فاستحسن المعتمد وأمر له بمائتي دينار.
وجلس يوماً والبزاة تعرض عليه، فاستحث الشعراء في وصفها
فقال عبد الجليل بديهاً:
للصيد قبلك سنة مأثورة ... لكنها بك أبدع الأشياء
تمضي البزاة وكلنا أمضيتها ... عارضها بخواطر الشعراء
قال علي بن ظافر
ذكر صاحب قلائد العقيان ما معناه: خرج ابن وهبون يوماً لنظر هلال شوال وأبو بكر بن القبطرنة الوزير يسايره؛ وهو يومئذٍ غلام يخجل البدر، ويزرى بالغصن النضر، وصفحته لم يسطرها الذار بأنفاسه، ووردة خده لم يسترها الشعر بآسه، فارتجل عبد الجليل:
يا هلال استتر بوجهك عني ... إن مولاك آخذ بشمال
هبك تكي سناه خدا بخد ... قم فجئني لقده بمثال
وبالإسناد المقدم قال ابن بسام
أخبرني الحكيم النديم المطرب الإشبيلي، قال: حضرت مجلس الرشيد بن المعتمد بن عباد، وعنده الوزير أبو بكر بن عمار: فلما دارت الكئوس، وتمكن الأنس، وغنيت أصواتاً ذهب الطرب بابن عامر كل مذهب، فارتجل يخاطب الرشيد:
ما ضر أن قيل إسحاق وموصله ... ها أنت، وذي حمص وإسحاق
أنت الرشيد فدع من قد سمعت به ... وإن تشابه أخلاق وأعراق
لله درك داركها مشعشةً ... واحفر فساقك ما قامت به ساق
قال وساير ابن عمار في بعض أسفاره
وكان معه غلامان من بني جهور أحدهما أشقر العذار، والآخر أخضره، فجعل يميل بحديثه إلى المخضر العذار، فقال ارتجالا:
تعلقته جهوري النجار ... وحلو اللمي جوهري الثنايا
من النفر البيض جرد الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا
ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا
ولا وصل إلا جمان الحديث ... تساقطه من ظهور المطايا
شنئت المثلث للزعفران ... وملت إلى خضرة في التفايا
قال علي بن ظافر: ومعنى هذا البيت أنه أبغض المثلث، لدخول لزعفران فيه، لشبهه بعذار الأشقر منهما، وأحب خضرة التفايا، وهي لون من طعام يعمل بالكزبرة، لشبهها بعذار الأخضر منهما.
قال علي بن ظافر

وذكر صاحب قلائد العقبان ما معناه أن ابن عمار تنزه بالدمشق بقرطبة، وهو قصر شيده خلفاء بني أمية وزخرفوه، ودفعوا صرف الدهر عنه وصرفوه، وأجروه على إرادتهم وصرفوه، وذهبوا سقفه وفضضوها، ورخموا أرضه وروضوها، فبات به والسعد يلحظه بطرفه، والروض يحييه بعرفه، فلما استنفد كافور الصبح مسك الغسق، ورصع أبنوس الظلام نضار الشفق، قال مرتجلا:
كل قصرٍ غير الدمشق يذم ... فيه طاب الحيا وفاح المشم
منظر رائق وماء نمير ... وثرى عاطر وقصر أشم
بت فيه والفجر والليل عندي ... عنبر أشهب ومسك أحم

وقال علي بن ظافر
وأخبرني الفقيه أبو العرب إسماعيل ابن معوشة الكناني السبتي، قال: أخبرني شيخ من أهل إشبيلية كان قد أدرك دولة آل عباد، وكان عليه من آثار كبر السن ودلائل التعمير ما يشهد له بالصدق، وينطق بأن قوله الحق. قال: كنت في صباي حسن الصورة بديع الخلقة لا تلمحني عين أحد إلا ملكت قلبه، وخلست خلبه، وسلبت لبه، وأطلت كربه، فبينا أنا واقف على باب دارنا، إذا الوزير أبي بكر بن عمار قد أقبل في موكب زجل على فرس كالصخرة الصماء قدت من قنة الجبل، فحين حاذاني ورآني، أشرأب إلي ينظرني، وبهت يتأملني، ثم دفع بمخصرة كانت في يده في صدري، وأنشد:
كف هذا النهد عني ... فبقلبي منه جرح
هو في صدرك نهد ... وهو في صدري رمح
قال علي بن ظافر
وذكر الفتح بن خاقان في كتاب القلائد ما معناه قال: أخبرني ذو الوزارتين أبو المطرف بن عبد العزيز أنه حضر عند المؤتمن بن هود في يوم أجرى فبه الجو أشقر برقة، ورمى ببندق ودقة، وحملت الرياح فيه أوقار السحاب على أعناقها، وتميلت قامات الغصون في الحلل الخضر من أوراقها، والأزهار قد تفتحت عيونها، والكمائم قد ظهر مكنونها، والأشجار قد انصقلت بمداوس القطر، ونشرت ما يفوق ألوان البز وبثت ما يعلو أرواح العطر، والراح قد أشرقت نجومها في بروج الراح، وحاكت شمسها شمس الأفق فتلفعت بغيوم الأقداح، ومديرها قد ذاب ظرفاً فكاد يسيل من إهابه، وأخجل خده حسناً فتكلل يعرق حبابه؛ إذا بفتىً رومي من فتيان المؤتمن أقبل متدرعاً، كالبدر اجتاب سحاباً، والخمر اكتست حباباً، والطاووس انقلب حبابا، فهو ملك حسناً إلا أنه جسد، وغزال ليناً إلا أنه في هيئة أسد، وقد جاء يريد استشارة المؤتمن في الخروج إلى موضع كان عول فيه عليه، وأمره أن يتوجه إليه، فحين وصل إلى حضرته لمحه ابن عمار، والسكر قد استحوذ على لبه، وانبثت سراياه في نواحي قلبه. فأشار إليه وقربه، واستبدع ذلك اللباس واستغربه، وجد في أن يستخرج الدرة من ماء ذلك الدلاص، وأن يجلي عنه سهكه كما يجلي عنه الخبث عن الخلاص، وأن يوفر على ذلك الوفر نعمة جسمه، ويكون هو الساقي على عادته القديمة ورسمه، فأمره المؤتمن بقبول أمره وامتثاله، واحتذاء مثاله، فحين ظهرت تلك الشمس من حجبها ورميت شياطين النفوس من كمت المدام بشهبها ارتجل ابن عمار يقول:
وهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يدور بكوكبٍ في مجلس
متناوح الحركات يبدي عطفه ... كالغصن هزته الصبا يتنفس
يسقي بكأسٍ في أنامل سوسنٍ ... ويدير أخرى من محاجر نرجس
أيا حامل السيف الطويل نجاده ... ومصرف الفرس القصير المحبس
إياك بادرة الوغى من فارسٍ ... خشن القناع على عذارٍ أملس
جهمٍ وإن كشف القناع فإنما ... كشف الظلام عن النهار المشمس
يطغى ويلعب في دلال عذاره ... كالمهر يلعب في اللجام المخرس
سلم فقد قصف القنا غصن النقا ... وسطا بليث الغاب ظبي المكنس
عنا بكأسك قد كفتنا مقلة ... حوراء قائمة بسكر المجلس
وصنع فيه أيضاً:
وأحور من ظباء الروم عاطٍ ... بسالفتيه من دمعي فريد
قسا قلباً وشن عليه درعاً ... فباطنه وظاهره حديد
بكيت وقد دنا ونأى رضاه ... وقد يبكي من الطرب الجليد
وإن فتى تملكه برقٍ ... وأحرز حسنه لفتى سعيد
وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام

أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد يوماً وقد حمل إليه حمول وافرة من قراريط الفضة، فأمر له بكيسين منها، وكان بين يديه تماثيل عنبر، من جملتها جمل مرصع بالذهب واللآلي، فقال له أبو العرب معرضًا: ما يحمل هذين الكيسين إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر له به، فقال أبو العرب بديهاً:
أجديتني جملا جوناً شفعت به ... حملاً من الفضة البيضاء لو حملا
يناخ جودك في أعطان مكرمةٍ ... لا قد تعرف من منعٍ ولا عقلا
فاعجب بشأني فشأني كله عجب ... رفهتني فحملت الحمل والجملا
فسارت بهذا الركائب، وتهادته المشارق والمغارب.

قال ابن بسام
وكان في قصر المعتمد فيل من فضة على شاطئ بركة يقذف الماء، وهو الذي يقول فيه عبد الجليل بن وهبون المرسي من بعض قصيدة:
ويفرغ فيه مثل النصل بدع ... من الأفيال لا يشكو ملالا
رعى رطب اللجين فجاء صلدا ... تراه قلما يخشى هزالا
فجلس المعتمد يوماً على تلك البركة، والماء يجري من ذلك الفيل، وقد أوقدت شمعتان من جانبيه، والوزير أبو بكر بن الملح عنده، فصنع الوزير فيهما عدة مقاطيع بديهاً منها:
ومشعلين من الأضواء قد قرنا ... بالماء والماء بالدولاب منزوف
لاحا لعيني كالنجمين، بينهما ... خط المجرة ممدود ومعطوف
وقال أيضاً:
كأنما النار فوق الشمعتين سناً ... والماء من نافذ الأنبوب منسكب
غمامة تحت جنح الليل هامعة ... في جانبيها حفاف البرق يضطرب
وقال أيضاً:
وأنبوب ماءٍ بين نارين ضمنا ... هوى لكئوس الراح تحت الغياهب
كأن اندفاع الماء بالماء حية ... يحركها في الماء لمع الحباحب
وقال أيضاً:
كأن سراجي شربهم في التظائها ... وأنبوب ماء الفيل في سيلانه
كريم تولى كبره من كليهما ... لئيمان في إنفاقه يعذلانه
قال علي بن ظافر
خرج المعتصم بن صمادح صاحب المرية يوماً إلى بعض منزهاته فحل بروضة قد سفرت عن وجهها البهيج، وتنفست من مسكها الأريج، وماست معاطف أغصانها، وتكللت بلآلئ الطل أجياد قضبانها، فتشوق إلى الوزير أبي طالب بن غانم أحد وزراء دولته، وسيوف صولته، يكتب إليه بديهاً في وريقة كرنب بعود من شجرة:
أقبل أبا طالبٍ إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا
فنحن عقد بغير وسطى ... ما لم تكن حاضراً لدينا
وجلس يوماً وبين يديه ساقية
قد أخمدت ببردها حر الأوار، والتوى ماؤها التواء السوار، فقال ارتجالا:
انظر إلى الماء كيف انحط في صببه ... كأنه أرقش قد جد في هربه
وقال علي بن ظافر
وذكر الفتح ما معناه، قال: خرج الوزراء بنو القبطرنة إلى المنية المسماة بالبديع، وهو روض قد اخضرت مسارح نباته، واخضلت مساري هباته، ودمعت بماء الطل عيون أزهاره، وذاب على زبرجده بلور أنهاره، وتجمعت فيه المحاسن المتفرقة، وأضحت مقل الحوادث عنه مطرقة، فخيول النسيم تركض في ميادينه فلا تكبو، ونصول السواقي تصول لحسم أدواء الشجر فلا تنبو، والزروع قد ثقبت وجه الثرى، وحجبت الأرض عن العيون فلا تبصر ولا ترى. وكان المتوكل ابن الأفطس يعده غاية الأدب، ويعده منبهة للطرب ومدفعة للكرب، فباتوا ليلتهم يديرون لمع لهب، ينمنون فيه الخلود ويحتسون ذوب ذهب، لا يصهر به ما في بطونهم والجلود، حتى تركتهم ابنة الخابية، كأنهم أعجاز نخل خاوية. فلما هزم رومى الصباح زنجي الظلام، ونادى الديك: حي على المدام، انتبه كبيرهم أبو محمد مستعجلاً، وأنشد مرتجلا:
يا شقيقي واف الصباح بوجهٍ ... ستر الليل نوره وبهاؤه
فانتبه واغتنم مسرة يومٍ ... ليس يدري بما يجيء مساؤه
فانتبه أخوه أبو بكر لصوته، وتخوف لذهاب ذلك الوقت وفوته، وانتبه أخوهما أبو الحسن وهو يرتجل:
يا أخي قم تر النسيم عليلا ... باكر الراح والمدام شمولا
لاتنم واغتنم مسرة يومٍ ... إن تحت التراب نوماً طويلا
فانتبه أخوه لكلامه، رافضاً لذة منامه للذة قيامه، وقال مرتجلا:

يا صاحبي ذرا لومي ومعتبتي ... وبادرا قهوةً من خير ما ذخرا
وبادرا غفلة الأيام واغتنما ... فاليوم خمر وتبدي في غدٍ خبرا

قال علي بن ظافر
وركب الأستاذ أبو محمد بن صارة مع أصحابٍ له في نهر إشبيلية، سال أصيلها على لجين الماء عقباناً، وطارت زوارقها في سماء الماء عقباناً، وأبدى نسيمها من الأمواج والدارات سرراً وأعكانا، ففي زورق يجول جولان الطرف، ويسود اسوداد الطرف، فقال بديهاً:
تأمل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء
وقد جالت بنا عذراء حبلى ... تجاذب مرطها ريح رخاء
بنهر كالسجنجل كوثري ... تعبس وجهها فيه السماء
واتفق أن وقف أبو إسحاق بن خفاجة على القطعة، فاستظرفها واستطابها، فقال يعارضها على وزنها ورويها وطريقها، فأنشد:
ألا يا حبذا ضحك الحميا ... بحانها وقد عبس المساء
وأدهم من جياد الماء نهدٍ ... تنسازع حبله ريح رخاء
إذا بدت الكواكب فيه غرقي ... رأيت الأرض تحسدها السماء
وذكر ابن خفاجة في ديوان شعره
وقد أنبأني به ذو النسبتين الحافظ ابن الخطاب بن دحية إجازة، قال: صاحبت في دهري من الغرب سنة ثلاث وثمانين أبا محمد عبد الجليل بن وهبون شاعر المعتمد، وكان أبو حفص بن رشيق يومئذ قد تمنع ببعض حصون مرسية، وشرع في الشقاق، وقطع السبيل وإخافة الطريق. ولما حاذينا قلعته وقسد احتدمت جمرة الهجير، ومل الراكب رسيمه وذميله، فأخذ كل منا يرتاد مقيله، اتفقنا على ألا نطعم طعاماً، ولا نذوق مناماً، حتى نقول في صورة تلك الحال، وذلك الترحال، ما حضر، وشاء الله أن أجبل ابن وهبون فاعتذر، فقلت أريض نار نزوته، وأعرض بعظيم لحيته:
ألا قل للمريض القلب مهلاً ... فإن السيف قد ضمن الشفاء
ولم أر كالنفاق شكاة حر ... ولا كدم الوريد له دواء
وقد دحى النجيع هناك أرضاً ... وقد سمك العجاج به سماء
وديس به انحطاطاً بطن وادٍ ... قد اعشب شعر لحيته ضراء
وقال ابن خفاجة
وحضرت يوماً مع أصحاب لي، ومعهم صبي متهم في نفسه، واتفق أنهم تباروا في تفضيل الرمان على العنب، فانبرى ذلك الصبي، فأفرط في تفضيل العنب، فقلت بديهاً أعبث به:
صلني لك الخير برمانةٍ ... لم تنتقل عن كرم العهد
لا عنباً أمتص عنقوده ... ثديا كأني بعد في المهد
وهل ترى بينهما نسبةً ... من عدل الخصية بالنهد!
فخجل خجلا شديداً وانصرف.
قال وخرجت يوماً بشاطبة إلى باب السمارين
ابتغاء الفرجة على خرير الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين وأربعمائة، وإذا بالفقيه أبي عمران بن أبي تليد - رحمه الله قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالساً على مصطبة دكان كانت هناك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه وجلست إليه متأنساً به، فجرى أثناء ما تناشدناه ذكر قول ابن رشيق:
يا من يمر ولا تمر به القلوب من الحرق
بعمامةٍ من خده ... أو خده منها استرق
فكأنه وكأنها ... قمر تعمم بالشفق
فإذا بدا وإذا انثنى ... وإذا رنا وإذا نطق
شغل الخواطر والجوا ... رح والمسامع والحدق
فقلت: - وقد أعجبت بها جداً، وأثنى عليها كثيراً: أحسن ما في القطمة سياقة الأعداد والاستنزال، لكنه قد استرسل فلم يقابل بين أطراف البيت الأخير، والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد مناه ما يلائمه، وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: وإذا نطق قوله شغل الحدق، وكأنه نازعني القول في أن هذا غاية الجهل، فقلت بديهاً:
ومهفهفٍ طاوى الحشى ... خنث المعاطف والنظر
ملأ العيون بصورةٍ ... تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر
فصح الغزالة والنعا ... مة والحمامة والقمر
فجن بها.
قال علي بن ظافر: والقطعة الأولى ليست لابن رشيق، هي لأبي الحسين بن علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة.
وبالإسناد المتقدم ذكر ابن بسام

أن أبا عبد الله بن أبي الخصال وقف ببعض القضاة، واستأذن عليه فحجبه، فكتب إليه بديهاً:
جئناك للحاجة الممطول صاحبها ... وأنت تنعم، والإخوان في بوس
وقد وقفنا طويلا عند بابكم ... ثم افترقنا على رأي ابن عبدوس
أشار بهذا القول إلى قول الوزير أبي عامر بن عبدوس:
لنا قاض له خلق ... أقل ذميمه النزق
إذا جئناه يحجبنا ... فنلعنة ونفترق

قال ابن بسام
كان أبو عبد الله بن عائشة البلنسي مع ابن خفاجة في جماعة مع أهل الأدب، تحت دوحة خوخ منورة، فهبت ريح أسقطت عليهم بعض زهر، فقال ابن عائشة ارتجالا:
ودوحةٍ قد علت سماءً ... تطلع أزهارها نجوما
هفا نسيم الصبا عليها ... فخلتها أرسلت رجوما
كأنما الجو غار لما ... بدت فأغرى بها النسيما
وأخبرني أبو عبد الله محمد القرموني المقدم ذكره يدمشق
قال: كان بين السميسر الشاعر وبين بعض رؤساء المرية شيء لمدح مدحه به فلم يجزه عليه، فصنع ذلك الممدوح دعوة للمعتصم بالله أبي يحيى بن صمادح، واحتفل فيها بما يحتفل مثله في دعوة السلطان مثل المعتصم، فصبر السميسر إلى أن ركب السلطان متوجهاً إلى الدعوة، فوقف له في الطريق، فلما حاذاه رفع صوته قائلاً:
يأيها الملك الميمون طائره ... ومن لذي مأتمٍ في وجهه عرس
لا تقربن طعاماً عند غيركم ... إن الأسود على المأكول تفترس
فقال المعتصم: صدق والله، ورجع من الطريق، وفسد على الرجل كل ما عمله.
قال علي بن ظافر
أذكرتني هذه الحكاية حكاية كنت نسيتها وقد تنبهت لها الآن؛ كان عباد ابن الحريش قد مدح رجلا من كبار أصفهان من أرباب الضياع والأملاك والتبع الكثير، كنت أعرف اسمه ونسبته، فمطله بالجائزة، ثم أجازه بما لم يرضه فرده عليه، وبعد ذلك بحين عمل الرجل دعوة عظيمة، غرم عليها ألوف الدنانير لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، على أن يجيء إليه من الكرج، فلما استحق المغرم خرج عباد ليلاً، ووقف بين الكرج وأصقهان، ووصل أبو دلف، فلما وقعت عين عباد عليه، وهو يساير بعض خواصه، أومأ إلى ذلك المساير له، وأنشأ بأعلى صوته:
قل له يا فديته ... قول عباد: ذا سمج
جئت في ألف فارسٍ ... لغداءٍ من الكرج
ما على النفس بعد ذا ... في الدناءات من حرج
فقال أبو دلف: - وكان أخوف الناس من شاعر - صدق والله، أجيء من الكرج إلى أصفهان حتى أتغدى بها! والله ما على هذا مزيد من دناءة النفس. ثم رجع من طريقه وفسد على الرجل كل ماغرمه، وعرف من أين أتى، وتخوف أن يعود عليه عباد بأشد منها، فسير إليه جائزة سنية مع جماعة، فلم يقبل الجائزة، ثم أنشد بديهاً فقال:
وهبت يا قوم لكم عرضه
فقالوا: جزاك الله خيراً، فقال
كرامةً للشعر لا للفتى
لأنه أحرص من ذرةٍ ... على الذي تجمعه في الشتا
قال علي بن ظافر
وذكر أبو الصلت في رسالته ما معناه: أنه عزم هو ورفقاؤه على الاصطباح، فقصدوا بركة الحبش في وقت ولاية الغبش، وحلوا منها روضاً بسم زهره، ونسم عطره، فأداروها كئوساً، تطلع من المدام شموساً، وعاينوها نجوماً، تكون لشياطين الهموم رجوماً، فطرب حتى أظهر الطرب نشاطه، وأبرز ابتهاجه وانبساطه، فقال:
لله يومي ببركة الحبش ... والجو بين الضياء والغبش
والنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارمٍ في يمين مرتعش
ونحن في روضةٍ مفوفةٍ ... دبج بالنور عطفها ووشى
قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نسجها على فرش
فعاطني الراح إن تاركها ... من سورة الهم غير منتعش
وأسقني بالكبار مترعةً ... فهن أروى لشدة العطش
فاثقل الناس كلهم رجل ... دعاه داعي الهوى فلم يطش
وأخبرني الفقيه أبو الحسن بن المفضل القدسي عن الفقيه الشريف أبي محمد
عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى العثماني الديباجي

عن أبي إسحاق إبراهيم بن المنفق اللخمي السبتي، عن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت: كنت مع الحسن بن علي بن تميم بن معد بن باديس بالمهدية في الميدان، وقد رمى بالنشاب، فصنعت بديهاً:
يا ملكاً قد خلقت كفه ... لم تدر إلا الجود والباسا
إن النجوم الزهر مع بعدها ... قد حسدت في قربك الناسا
وودت الأفلاك لو أنها ... تحولت تحتك أفراسا
كما تمنى البدر لو أنه ... أضحى لنشابك برجاسا

أخبرني الشيخ الأديب أبو الحسن علي بن خروف القيسي القرطبي رحمه الله
قال: صنع الوزير أبو جعفر أحمد وزير الرئيس أبي إسحاق ابن همشك صهر الأمير أبي عبد الله محمد بن مروان، في غلام أسود بيده قضيب نور بديهاً:
وزنجي أتى بقضيب نورٍ ... وقد زفت لنا بنت الكروم
فقال فتى من الفتيان صفه ... فقلت: الليل أقبل بالنجوم
وأخبرني أن الأستاذ ابن الطراوة
حضر مجلس شراب، فعجز بعض الندماء عن الشرب كما يشرب الجماعة، ويسألوه في شرب نصيبه من بعض الأدوار ففعل، وقال بديهاً:
يشربها الشيخ وأمثاله ... وكل من تحمد أفعاله
والبكر إن لم يستطع صولةً ... تلقى على النازل أثقاله
أنبأني الشيخان
تاج الدين بن اليمن الكنديوقاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الحافظ أبي القاسم ابن عساكر، قال: وقد ذكر إبراهيم بن سعيد الإسكندري المعروف بالسديد، وذكره لنا أبو عبد الله بن المحلي فيمن لقيه من أهل الأدب قال: كان صاعد قد عمل شخص حديد ينفخ النار ساعات، فأراد السديد اختباره كما يجب، فأطفأ النار، فقال صاعد بديهاً:
نار تيممها السديد فردها ... برداً وكانت قبل وهي جحيم
فكأنما المفتاح آية ربه ... وكأن إبراهيم إبراهيم
وأنبأني جميعاً عن الشيخ الحافظ أبي القاسم
قال: أنشدنا أبو بكر عبد الله بن منصور، قال: أنشدنا أبو الحسن محمد بن علي بن الصفراء الواسطي لنفسه ارتجالا، وقد دخل عزاء لصبي، وهو في عصر المائة، وبه ارتعاش، فتغامز عليه الحاضرون فقال:
إذا دخل الشيخ بين الشباب ... عزاءً وقد مات طفل صغير
رأيت اعتراضاً على الله إذ ... توفى الصغير وعاش الكبير
فقل لابن شهر وقل لابن ألفٍ ... وما بين ذلك: هذا المصير
وبهذا الإسناد قال الجاحظ
أخبرني أبو عبد الله محمد ابن عبد الواحد بن أحمد الغساني قال: سمعت أبي ينشد لنفسه يديهاً في صفة نهر ثوراء بحضرة أبي عبد الله محمد بن الخياط الشاعر:
دمشق دار رعاها الله من بلدٍ ... ونهر ثورا سقاه الله من واد
كأنه ونسيم الريح خمشه ... نقش البارد في سلسساله الهادي
مزجت بالراح منه الراح فاكتسبت ... لوناً وطعماً غريباً غير معتاد
في روضةٍ من رياض الخلد باكرها ... صوب الغمام بإبراقٍ وإرعاد
ظللت فيها رخى البال مع رشاءٍ ... مهفهفٍ كقضيب البان مياد
قالا وأخبرنا الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي
قال: أنشدني أبو البركات الخضر بن هبة الله بن أبي الهمام لنفسه، وكتب لي بخطه مما أنشده، وقد حضر بين يدي أمير المؤمنين الراشد بالله بن المسترشد على البديهة:
ولما شأوت الحاسدين إلى مدىً ... رفيع يزل العصم دون مرامه
ورفعت الأستارلي دون ماجدٍ ... شفا غلتي من بشره وسلامه
سطوت على صرف الزمان بجوده ... وصلت على كيد العدا بانتقامه
وأخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي القرموني

قال: لما أفرط أبو يحيى البكاء في هجاء أهل فاس، تعصبوا عليه وساعدهم واليهم مظفر الخصي من قبل أمير المسلمين علي بن يوسف، والقائد عبد الله بن خيار الجياني، وكان يتولى أموراً سلطانية بها، فقدموا رجلا ادعى عليه بدين، وشهد عليه به رجل، فقيه يعرف بالزناتي، ورجل يكنى بابي الحسين من مشايخ البلد، فأثبت الحق عليه، وأمر به إلى السجن، فرفع إليه، وسيق سوقاً عنيفاً. فلما وصل بابه طلب ورقة من كاتب وكتب فيها، وأنفذها إلى مظفر مع العون الذي أوصله إلى السجن، فكان ما كتب:
ارشوا الزناتي الفقيه ببيضةٍ ... يشهد بأن مظفراً ذا بيضتين
واهدوا إليه دجاجةً يحلف لكم ... ما نال عبد الله عرس أبي الحسين

وأخبرني الشيخان
تاج الدين العلامة أبو اليمن الكندي، والشيخ جمال الدين أبو القاسم بن الحرستاني إجازة، عن الشيخ الحافظ أبي القاسم ابن عساكر قراءة عليه، قال: بلغني أن علقمة بن عبد الرازق العليمي لما قصد بدراً الجمالي بمصر رأى على بابه أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم، فسألهم عن حالهم، فأخبرهم بقدومه قاصداً له، فكل آيسه من لقائه، فبيناهم كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد، فلما رآه مقبلا علا نشزاً من الأرض، ثم جعل في عمامته ريشة نعام ليشهر بها نفسه، فلما قرب إليه أومأ برقعة كانت معه وأنشأ يقول:
نحن التجار وهذه أعلاقنا ... درر وجود يمينك المبتاع
قلب وفتشها بسمعك إنما ... هي جوهر تختاره الأسماع
كسدت علينا بالشآم وكلما ... قل النفاق تعطل الصناع
فأتاك يحملها إليك تجارها ... ومطيها الآمال والأطماع
حتى أناخوها ببابك والرجا ... من دونها السمسار والبياع
فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرم ولا كعب ولا القعقاع
وسبقت هذا الناس في طلب العلا ... فالناس بعدك كلهم أتباع
يا بدر أقسم لوبك اعتصم الورى ... ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا
قال: وكان على يد بدرٍ باز، فدفعه إلى البازدار، فضرب على يده وانفرد به عن الجيش، وجعل يستعيده الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مجلسه، ثم التفت إلى جماعة غلمانه وخاصته وأصحابه وقال: من أحبني فليخلع على هذا الشاعر. قال علقمة: فوالله لقد خرجت من عنده ومعي سبعون بغلا تحمل الخلع، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، فخرجت فقلت لمن ببابه: الحقوني يا متخلفين، فلحقوني بأجمعهم، فما فيهم إلا من خلعت عليه، ووهيت له من جائزتي.
وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسين الآمدي النائب
كان في الحكم بالإسكندرية قال: دخلت على الأمير السعيد بن مظفر في أيام ولايته بالثغر، فوجدته يقطر دهناً على خنصره، فسألته عن سببه: فذكر ضيق خاتمه عليه، وأنه ورم بسببه. فقلت له: الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر فيه، فقال: اختر من يصلح لذلك، فاستدعيت أبا منصور ظافر ابن القاسم الحداد، فقطع الحلقة وأنشد بديهاً:
قصر في أوصافك العالم ... وأكثر الناثر والناظم
من يكن البحر له راحةً ... يضيق عن خنصره الخاتم
فاستحسنه الأمير ووهبه الحلقة، وكانت من ذهب.
وكان بين يدي الأمير غزال متأنس قد ربض، وجعل رأسه في حجره، فقال ظافر:
عجبت لجرأة هذا الغزال ... وأمرٍ تخطى له واعتمد
وأعجب به غدا جاثماً ... وكيف اطمأن وأنت الأسد
فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان.
وتأمل ظافر شباكاً على باب المجلس تمنع الطير من دخولها، فقال:
رأيت ببابك هذا المنيف ... شباكاُ فداخلني بعض شك
وفكرت فيما رأى خاطري ... فقلت: البحار مكان الشبك
وأنبأني العماد أبو حامد
قال: وفد أبو الصقر الواسطي على نظام الملك رحمه الله - فحجب عنه، فكتب إليه بديهاً:
لله درك إن دارك جنة ... لكن خلف الباب منها مالكا
هذا نظام الملك ضد المقتضى ... قد كان يروى عن جهنم ذلكا
أنعم بتيسير الحجاب فإنني ... لاقيت أنواع النكال هنالكا

مالي أصادف في رحابك جفوةً ... وأنا غني راغب عن مالكا!
قال: فلما أذن له قال له: إذا كنت غنياً عن مالنا فانكف عنا، فقال: كلا، أنت شافعي المذهب، وقد جئتك لمذهبك لا لذهبك.

وأنبأني العماد أيضا
ً
قال: ذكر عمارة في كتابه في أشعار أهل اليمن قال: وهب الداعي محمد بن سبالا بن سلمان - رجل من قومه - ألف دينار، والقاضي يحيى بن أحمد بن يحيى حاضر - وبنو يحيى بيت كبير بصنعاء - فارتجل القاضي لوقته:
لا فخر إلا إذا أقبلت مستلماً ... كف المكين ظهير الدين مولانا
هي لتي تهب الآلاف وافيةً ... إن كنت غراً فسل عنها ابن سلمانا
فقال الداعي: أنا أبو عبد الله، أما ابن سلمان فهو ابن عمتي، وإنما المسئول عنها أنت. ثم أمر له بألف دينار، فقبضها في الحال.
وذكر عبد الرحمن بن نصر الدمشقي في كتابه المسمى بالتحفة والطرفة
أن الوزير المزدقاني خرج للتنزه، فرأى امرأة في بعض القصور فأعجبته، فوقف متأملا لها، فأشارت إليه، وآنس منها قبولا، فأرسل إليها رسولا يعلمها بشدة شوقه ووجده بها، فردت رسوله ومعه تفاحة عنبر، فيها زر من ذهب ولم تكلمه بشيء، فلم يفطن هو ومن حضره لتأويل ذلك، فقال له ابنه أحمدك قد فهمت ما أرادت، ونظمه في الحال في بيتين وأنشد:
أهدت لك العنبر في جوفه ... زر من التبر خفى اللحام
فالزر في العنبر معناهما: ... زر هكذا، مختفياً في الظلام
وأنبأني الفقيه أبو الحسن بن المفضل المقدسي
قال: أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن عتيق بن مؤمن القرطبي الأنصاري قال: عمل والدي محملا للكتب من قضبان شبهٍ سلماً، فدخل عليه أبو عبد الله محمد بن مفيد فرآه، فقال ارتجالا مخبراً عن لسان حال السلم:
أيها السيد الذكي الجنان ... لا تقسني بسلم البنيان
فضل شكلى على السلالم أني ... محمل للعلوم والقرآن
حزت من حلية المحبين ضعفي ... واصفراري ورقة الأبدان
فادع للصانع المفيد بفوزٍ ... ثم وال الدعاء للإخوان
ثم عمل أيضاً:
أيها السيد الكريم المساعي ... التقت صنعتي وحسن ابتداعي
أنا للكتب محمل خف حملي ... أنا في الشكل سلم الإطلاع
وأنبأني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي
قال: أنشدني تاج الدين المسعودي أبو سعيد عبد الرحمن قال: أنشدني ظهير الدين أبو النجيب الحسن بن شهراسوب القاضي أبو بكر الأرجاني، وقد دخل عليه من طمع في طيلسانه، فقال ارتجالا:
حسبك مني يا فتى خلعة ... أمسك عن نشر مساويكا
في طيلساني لا تكن طامعاً ... طي لساني عنك يكفيكا
وقد أخبرني العماد أبو حامد، أنه سمع جميع شعر القاضي أبي بكر على ابنه عنه، وطلب مني قراءته عليه، فلم أتفرغ له، وأجازنيه في جملة ما أجازني روايته عنه.
وأخبرني القاضي الوجيه الحسين أبي منصور بن حران الواسطي
قال: كنت مع خالي نجم الدين بن أبي الغنائم بن المعلم الهرني على طعام، فأنهى إليه أن ظهير الدين محمود بن محمد بن بردامسيا ضامن بلاد واسط، قد طرح على قرى كانت في ملكه عدة أكرار أرز، فناولني درجاً، ثم قال لي: اكتب، فكتب:
إيه ظهير الدين إنك في ندى ... ووغى كغيث جداً وليث عرين
وإذا امرؤ ضاقت عليه أموره ... وكأنه في حلقة التسعين
ودعا بك انفرجت سجون صعابها ... عنه بأبلج شامخ العرنين
ثم أتبعها رسالة أملاها لي إليه وأرسلها.
وأنبأنا العماد الأصفهاني إجازة
قال: اجتمعت أنا والمرتضى ابن أبي المؤيد الجعفري الأصفهاني، فجرى بيننا في المحاورة ذكر رجل يقال له ابن عمرو، وكان ينسب إلى كبر، فنظم الجعفري بديهة يخاطب جمال الدين ابن الخجندي فقال:
أيها الصدر كم تشيع فينا ... من تخيرته بما ليس فيه
وإذا ما عددت أبناء فضلٍ ... فابن عمرو كمثل واو أبيه
وأنبأني أيضا
ً
قال: أخبرني أكرم الدين أبو سهيل خازن دار الكتب بالنظامية قال: دخل علي عزيز بن محمد الشلمكي دار الكتب وبيده عصا، فقلت: إن العصا للشيخ رجل ثالثة، فقال بديهاً:

ضعف جسمي لمشيبي ... لم يضع مني وقارا
صار حالي عبرة العا ... قل إن رام اعتبارا
العصا صارت حماري ... ولها صرت حمارا

قال علي بن ظافر
وأخبرني بعض أصحابنا، أن أبا القاسم ابن هانئ الشاعر المحدث، قد هجا الأجل الموفق أبا الحجاج يوسف بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات، هجاءً اتصل به، فأضمر له الحقد بسببه مع إفراط جلالة الرجل ، وفرط رياسته ، وحسن معاشرته للناس وسياسته. واتفق بعض المواسم التي جرت عادة ملوك مصر بالجلوس فيها لاستماع المدائح وبذل المنائح ، وزف بنات القرائح ، فجلس الحافظ لذلك وحضر خواصه في ظاهر الرواق على مراتبهم ، فانتهت النوبة في الإنشاد إلى أبي القاسم بن هانئ ، فأنشد ما اهتزت له المعاطف وفض ختام روضه ليس لها إلا القلب والسمع جانٍ وقاطف ،فمال الحافظ إلى القاضي الموفق متعجباً، وقال له: كيف تسمع ؟ فاستحسن واستجاب ، حتى نسبه إلى الإعجاز أو كاد ، وهو في خلال ذلك يصنع صنع المخاتل ، ويحاول قرطسة المقاتل ، فسأله الحافظ عن الرجل ، فأثنى على أدبه، وثنى بنسبه ، حتى أوهمه الاعتناء به . ثم قال: ولو لم يكن له مما يمت به إلا انتسابه إلى أبي القاسم بن هانئ شاعر هذه الدولة ، ومظهر مفاخرها ، وناظم مآثرها لكفى ، فكيف وفيه هذا الأدب الغض النضير ، والشعر الذي لا ند له ولا نظير ! لولا بيت أ ظهره منه الضجر عند دخوله هذه البلاد ، فقال له الحافظ : ما هو ؟ فتحرج من إنشاده ، وامتنع من إيراده . فأبى الحافظ إلا أن يورده ، ففي أثناء ذلك صنع هذا البيت وأنشده :
تباً لمصر فقد صارت خلافتها ... عظماء تنقل من كلبٍ إلى كلب
فعظم ذلك على الحافظ ، وأمر بقطع صلته ، وكاد أن يفرط في عقوبته ، ولم يحصل له انتعاش من جهته طوال مدته.
قال علي بن ظافر
وأخبرني الفقيه أبو محمد عبد الخالق المسكي، قال: أخبرنا تاج الدين أبو سعيد - وهو أبو عبد الله أيضاً محمد بن عبد الرحمن بن محمد المسعودي، قال: جاء رجل إلى أبي نصر أحمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن شمر الصخديهي - وكان قاضي بلد تعرف بخمس القرى - وكان من العلماء الفضلاء، فقال له في معرض الدعابة والمزاح: اشهد على أنني قد وقفت معدتي على سائر ألوان الطعام. فقال: قد شهدت، فقال: سجل لي، فأمر كاتباً فكتب كتاب وقف، فلما قدم إليه كتب في موضع الشهادة هذه الأبيات - قال: وكان ارتجالها ما بين ابتداء الكتاب وفراغه - وهي:
يقول أبو نصر المبتلى ... بأمر القضاء بخمس القرى
أقر بمضمونه طائعاً ... أبو الأكل ملتقم ابن القرى
وحليته صاحب الطيلسان ... مديد الحوايا قصير القرا
وأخبرني الفقيه الحافظ بن دحية
قال: دخلت على الوزير الفقيه الأجل أبي بكر عبد الرحمن بن محمد مغاور السلمي، فوقع الكلام في علوم لم تكن من جنس فنونه، فقال بديهاً:
أيها العالم أدركني سماحاً ... فلمثلي منك السماح
أن تراني إذا نطقت عيياً ... فبناني إذا كتبت وقاح
أحرز الشأو في نظام ونثرٍ ... ثم أثني وفي العنان جماح
فبهزلٍ كما تأود غصن ... وبجدٍ كما تسل الصفاح
وأخبرني أيضا
ً
قال: دخلت عليه منزله بمدينة شاطبة في اليوم الذي توفي فيه وهو يجود بنفسه، فأنشد بديهاً:
أيها الواقف اعتباراً بقبري ... استمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوا ... من ذنوبٍ كلومها بأديمي
تركوني بما اكتسبت رهيناً ... غلق الرهن عند مولى كريم
وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن أبيه بما معناه
قال: كنت بمجلس الصالح في يوم أسدل الجو به ستور الغمام، واختفت الشمس فيه اختفاء النور في الكمام، ونثرت السماء درر البرد نثراً عم الربا والآكام، حتى وصل إلى أطراف بسط المجلس، فصنع القاضي الموقف بن قادوس قطعة شذت عني لبعدي عنها؛ إلا قوله منها:
ولكن أتتك ثغور السحاب ... تقبل بين يديك البساطا
وأخبرني أيضاً رحمه الله

قال: أخبرني أبي بما معناه، قال: كنت في مجلس فارس المسلمين أخي الصالح، وقد نصب سماطاً بمجلسه لخواصه، ونصب سماطاً آخر في بعض المجالس لجماعة من أمراء العرب، وفي جملتهم الأمير إبراهيم بن شادي بن مرجان؛ وهو يومئذٍ يهتز كالغصن الممطور، ويأبز كالظبي المذعور، قبل أن يصير أحد الأمراء الأمجاد، والكرماء الأنجاد. قال: فبصرت أنا والأمير علو الدولة حاتم بن العسقلاني به، وقد كشف عن معصمه، وهو يشف عن مخه ودمه؛ فكأنه عمود بلور تبدى، وقد حشى ورداً، ووجهه تحت لثامه، كالبدر خلف غمامه، قال: فصنع بديهاً:
سلمت من فتنة العيون ... فارحم فتىً هام بالفتون
قلبي بلي، من بلى بظنيٍ ... يختلس الليث في العرين!
مذ عقد القاف حل مني ... عقدة عزمي وعقد ديني
يقول والقلب في هواه ... بلا مجيرٍ ولا معين
إن كنت فرداً بحسن وجهٍ ... وكنت من ذا على يقين
فاخلع ثيابي وانظر تشاهد ... عساكر الحسن في الكمين

وأنبأني العماد أبو حامد
قال: أنشدني أبو السعادات علي بن بختيار لنفسه في البرغوث والبق، وقد اقترح عليه بحضرة جماعة من الفضلاء، فقال بديهاً:
ولما انتحى البرغوث والبق مضجعي ... ولم يك من أيديهما لي مخلص
صفقت بكفي إذ مدامتها دمي ... فزمر هذا وابتدا ذاك يرقص
قال العماد: وقد كنت عملت أبياتاً ارتجالاً لأصف بها ليلة بتها بنهر دقلا، فقلت:
يالحا الله ليلة قرصتني ... في دياجيرها البراغيث قرصا
شربت بقها دمي فتغنت ... وبراغيثها تواجدن رقصا
قد تعريت من ثيابي لقرصي ... غير أني لبست منهن قمصا
كلما زدت منعهن بحرصٍ ... عن فراشي شربن فازددن حرصا
من براغيث خلتها طافراتٍ ... طائراتٍ جناحها قد قصا
عرضت جيشها الفريقان حولي ... وهي أوفى من أن تعد وتحصى
لو غزا سنجر بها الغز يوما ... لم يدع منهم على الأرض شخصا
ومثل هذا ما أنشدنيه الحافظ ذو النسبتين أبو الخطاب بن دحية الحصري:
ضاقت بلنسية بي ... وذاد عني غموضي
رقص البراغيث فيها ... على غناء البعوض
ومما أنشدنيه أيضاً للسميسير:
بعوض شربن دمي قهوةً ... وغنيني بضروب الأغان
كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القنان
وأحسن من هذا كله قول ابن رشيق القيرواني:
لك مجلس كملت بشارة لهونا ... فيه ولكن تحت ذاك حديث
غنى الذباب فظل يزمر حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث
وأسبق من هؤلاء إلى هذا المعنى أبو أحمد بن أيوب - من شعراء اليتيمة في قوله:
لا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص
إذا تغنى بعوضه طرباً ... أطرب برغوثه الغنا فرقص
وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن الطوسي المعروف بابن السيوري
قال: دخلت على الأديب الأعز أبي الفتوح بن قلاقس، وهو مريض، فقال: صنعت بيتين بديهاً في الحمى، ووصفها بأحسن من صفة أبي الطيب، فأنشدته إياهما، فأنشدهما:
وبغيضةٍ تدنو وما دعيت ... فتبيت بين الجلد والكبد
يصبو الفؤاد لبينها فإذا ... ولت بكاها سائر الجسد
وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن المقدسي
قال: كنت معه - يعني ابن قلاقس - فمر بنا صبي صبيح معروف الاسم في ثوب أحمر، وعمامة زرقاء، فاستحسنه الحاضرون، فصنع في الحال:
هذا أبو الفضل بدر الأرض قد شهدت ... صفاته أنه كالبدر في الأفق
لما تعمم تيها بالسماء بدا ... وفوق أعطافه ثوب من الشفق
ولا تقل لاح في خديه عارضه ... فإنما هو تأثير من الغسق
وأخبرني أبو عبد الله المنجم بن الصواف
قال: دخل منزلي الأديب الأعز أبو الفتوح بن قلاقس وجماعة من أصحابنا، فأحضرت لهم بطيخة صفراء وشققها وفرقتها عليهم، فارتجل الأعز:

أتانا الفقيه ببطخةٍ ... وسكينة قد أجيدت صقالا
فقطع بالبرق بدر الدجى ... وناول كل هلالٍ هلالا

وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد، عن أبيه
قال: كنت عند الأمير شمس الملك نبهان بن عين الزمان، وعنده الأعز بن قلاقس وجماعة ممن يجالسه، وعنده مغن يقال له الحسام؛ وهو ابن صاحب ربع المشهور، فجعل يغني ببليقة لحسام الدين الإسكندراني في هجاء ابن قلاقس أولها:
اسألوا عني فتوح بن قلاقس
كيف رأى ضرب الشلوح بالدرافس
فعز على ابن قلاقس ما فعله، وأوهم أنه يمضي إلى بيت الخلاء، فقام ثم عاد سريعاً، فوقف على باب المجلس، وقال:
ليس الحسام حساماً ... وإنما هو غمد
يشدو فكم من فؤادٍ ... تحت السياط يشد
وقد قلت إذ تاه فينا ... تبظرماً لا يحد
خرا عليك ولو أن معبداً لك عبد
فكأنما ألقم حجراً.
وأخبرني الأنجب السخاوي الساكن بالإسكندرية
قال: لما وصل الأديب الأعز بن قلاقس من صقليه، وكان قد انتجع أبا القاسم بن الحجر، فانبجس بعيون العطاء وانفجر، خرج للسلام عليه جميع معارفه وخرجت في جملتهم، فلما نزل من المركب، وأخذنا في السلام عليه، إذ بأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي الصلاح قد خرج، فحين وقعت عينه عليه - أي على الأعز - أنشد مرتجلاً:
أظل هلال العاشقين فلا أهلا ... ولا مرحباً بالقادمين ولا سهلا
ثم انصرف؛ وتركنا متعجبين لسرعة بديهته وقلة وفائه.
أنبأني العماد أبو حامد رحمه الله
قال: جرى بين يدي القاضي الفاضل رحمه الله يوماً ذكر حب الصغير، فارتجل هذه الأبيات:
طفل كفاه القلب داراً له ... كأنما القلب له قالب
كيوسف الحسن وقلبي له ... سجن وما ثم له صاحب
أصبح والقلب لباس له ... لا قاصر عنه ولا ساحب
وهو بعيني، وهو إنسانها ... وهي له من خارجٍ حاجب
ضاق به ضيق عناقي له ... فلم يسع ما قاله العائب
قال: وجرى بين يديه ذكر سيوف السلطان الملك الناصررحمه الله
فارتجل قطعة، علق بحفظي منها:
ماضيات على الدوام دوامي ... هي في النصر نجدة الإسلام
في يمين السلطان إذا جردتها ... أشبهتها صواعق في غمام
تنثر الهام في الحروب فما أشبه هذي السيوف بالأقلام
في محاريب حربه البيض حلت ... وركوع الظبا سجود الهمام
وأخبرني السعيد أبو القاسم بن سناء الملك رحمه الله
قال: خرجنا للقاء القاضي الفاضل رحمه الله تعالى في بعض قدماته من الشام، فلقيناه وعدنا، فلما كنا في سطح الخشى عن ظبي للموكب، فركض خلفه المسكين بن حيون، طامعاً أن يلحقه، وكان مثل هذا الفعل لا يليق به، لأنه ليس من أهله، ولأن الصدر المتلقى لا ينبغي أن يغلط بين يديه مثله. فعجب الفاضل منه، واتفق أن فاته الصيد الذي طلبه، وسقطت مقرعته من يده، ورجع إلى الموكب، وعليه انكسار الفوات وحجل الغلط، فارتجل الأجل الفاضل:
يا عادياً عدو السفي ... ه وعائداً عود الحليم
ضيعت مقرعةً وعد ... ت سميها من غير ميم
قال: وأخبرني الفقيه أبو العباس أحمد الآبي
وكان كثير الصحبة للأجل الفاضل في صدر عمره أيام كونه بالإسكندرية - قال: كان يصحبه رجل يعرف بابن بليمة، ولا يكاد يفارقه، وكان يحضر عنده رجل مغن من أهل الثغر، يعرف بشهاب؛ وكان يغني الموشحات، فغنى ليلةً، واتفق أن نعس ابن بليمة فأنبه، فضرط، فضحك الأجل الفاضل، وارتجل:
تغنى شهاب لنا ليلةً ... غناء له هجع السمر
فأعجب هذا ابن بليمةٍ ... فأقبل من دبره ينعر
وأخبرني الفقيه شجاع الغزالي المتقدم ذكره
قال: مضيت أنا ونشو الملك على بن مفرج بن المنجم المقدم ذكره إلى دار الكامل شجاع بن أمير الجيوش بن شاور آخر وزراء الدولة المصرية، ومن كان انقضاؤها بموته، ومعنا قصيدتان قد امتدحناه بهما في بعض الأعياد، فرأينا رماحاً قد عملت برسم الموكب، وجعل عليها مكان اللهازم أهلةً من ذهب، فقال نشو الملك: قد مقع لي في هذه الرماح معنى، فصنع في الحال:

فعال الكامل الملك المرجى ... على ما فيه من فضل أدله
نحا برماحه نحو الأعادي ... فكل قد سقاه بها وعله
ولم يرض النجوم لها نصالاً ... فنصلها هنالك بالأهلة
ثم كتبها وبعث بها إلى الكامل، فخرجت جائزته في الحال.

وأخبرني الفقيه الوجيه أبو الفضل جعفر بن جعفر الحموي المقدم ذكره
قال: كان بمصر صبي مستحسن، وضيء الوجه، اسمه أسد، قد شغف به رجل اسمه الفأر، ووقع بينهما ما أدى الرجل إلى أن قتل الصبي وهرب، وخاض الناس في أمره، وأكثروا الحديث فيه، فجلست يوماً بسوق الكتب، إذا بابن المنجم قد مر راكباً، فحين رآني ثنى رجله على معرفة فرسه، ووقف للحديث، فمر علينا في أثناء ذلك شاب مشهور بجمال وانتماء أهل الأدب، فأنشدنا مرثية زعم أنه رثى بها الصبي القتيل، فصنع ابن المنجم في الوقت:
ولم أر قبله أسداً قتيلاً ... لفأر ظل يرثيه غزال
وأخبرني بعض أصحابنا
قال: قال لي نشو الملك بن النجم: ما رأيت أوقح ولا أصغر جواباً من أبي الحسن الذروي - يعني المقدم ذكره رحمه الله - مر يوماً وهو راكب بغلة، وبين يديه عبد له، فصنعت في الحال:
قل لمن تاه حين مر علينا ببغله
بعد أن كان ليس يملك شعاً لنعله
سقت قدامك الغلا ... م جزاءً بفعله
هكذا كل شاعرٍ ... بغله خلف بعله
ثم كررت مسرعاً لألحقه، فتأخر غلامي عني لأجل إسراعي، واستوقفته وجعلت أنشده وهو يحسن الاستماع حتى انتهيت، فقال: ليس كل شاعرٍ كذلك، ها أنت شاعر، وبعلك خلف بغلك، فكلحت والله وانصرفت.
وأخبرني الفقيه القاضي أبو موسى عمران الخندقي رحمه الله
قال: دخلت أنا وجماعة من أصحابنا على الوجيه الذروي المذكور، وهو وجماعة من أصحابنا يشربون، فمزحنا وداعبناهم، فصنع بديهاً:
ويومٍ قاسمتنا اللهو فيه ... أناس ليس يدرون الوقارا
أدرنا الصفع والكاسات فيه ... فعربدت الصحاة على السكارى
وأخبرني الفقيه العفيف شجاع العربي المقدم ذكره
قال: اجتمعت مع الوجيه أبي الحسن بن الذروي، والأديب نشو الملك بن المنجم، وجعفر القرشي المنبوز بشلعلع - المقدم ذكر الجميع - عند القاضي الأسعد بن الخطير بن مماتي في بستانه، فمدحته بقطعة لإحسان كان منه إلي، وكتبتها في ورقة كرم، فحين وقف عليها صنع بديهاً:
أطربنا شعر العفيف الذي ... قد فاق في النبل وفي الفهم
لو لم يكن يسكرنا شعره ... ما صاغه في ورق الكرم
قال علي بن ظافر
وكنت يوماً عند الأمير عضد الدين أبي الصوارم مرهف بن الأمير مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، فدخل عليه رجل من بقايا جند مصر يعلم الرمي بالنشاب، واسمه الليث بن دبوس، وهو معبس الوجه كالحه، ثاني عطفه جامحه، فقال الأمير يداعبه بديهاً:
أصبح الليث يوافينا بتعبيسٍ وتيه
فمتى أنظر في يا ... فوخه اسم أبيه
فاستحسنت البيتين، ثم صنعت في معناهما بعد ذلك بحين، وزدت عليه:
قد جاءنا الليث بن دبوس على ... عادته في الانقباض ورسمه
فمتى أرى اسم أبيه في يا فوخه ... ومتى أرى ناب اسمه في جسمه
وهذه طريقة بديعة، ومن أحسن ما سمعت فيها قول السلامي في صبي يعرف بابن برغوث:
بليت ولا أقول بمن لأني ... إذا ما قلت من هو يعشقوه
غزال قد نفى عني رقادي ... فإن غمضت أيقظني أبوه
وللصاحب بن عباد في مغن يعرف بابن عذاب:
أقول قولاً بلا احتشامٍ ... يفهمه كل من يعيه
ابن عذابٍ إذا تغنى ... فإنني منه في أبيه
ولأبي الوليد النحلي الأندلسي خبر يدخل في بدائع البدائه
قال ابن طوفان: دعا أبي أبا الوليد، فلما قضوا وطرهم من الطعام، جلست أسقيهم وجعلت أترع له الكاسات، فلما مشت فيه سورة الحميا ارتجل قائلاً:
لابن طوفان أيادٍ ... قل فيها مشبهوه
ملأ الكاسات حتى ... قيل في البيت أبوه
وللمعقبل من شعراء كتاب الذخيرة لابن بسام في شاعر يعرف بابن الفراء:
فإذا ما قال شعراً ... نفقت سوق أبيه
أخبرني الفقيه تقي الدين اليوني الشاعر
المعزو إلى ميافارقين سنة ثلاث وستمائة قال: اقترح صاحب قرقيسيا الملك المظفر محمود بن عماد الدين زنكي علي، وعلى جماعة كانوا على بابه من الشعراء أن يعمل في سرج ما يكتب عليه، فصنعوا وصنعت بديهاً:
فقت السروج فمسكي المسك رائحةً ... بغير شك كما عودي هو العود
تحتي البراق متى رمت اللحاق ومن ... فوقي خليفة هذا العصر محمود
قال: فاستحسنه وأجازني.
وأخبرني موفق الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الله البغدادي
بحران
قال: أنشدني أبو عبد الله محمد بن جمل صاحب الجرمي لنفسه ارتجالاً:
وعروس خدر حين نبرزها ... تسطو كأن فؤادها لهب
خلع المزاج على معاطفها ... ثوباً كأن شعاعه الذهب
وأراد يجلوها فصاغ لها ... تاجاً ورصع تاجها الحبب
وأخبرني موفق الدين أبو الحسن علي بن محمد البغدادي الساكن برأس العين
قال: كنت في خدمة السلطان الملك الأشرف - أبقاه الله - بدمشق، فدخل عليه الرشيد عبد الرحمن النابلسي الشاعر الملقب مدلويه، وعلى عينه خرقة، فجرت بيني وبينه معاتبة، فقلت بديهاً:
إن أظلمت عين مدلويه فمن ... كثرة نقص العهود والذمم
يقسم ألا يخون صاحبه ... وهو يصر الفجور في القسم
لو خلق الشعر قيل مسترق ... واللص يمنى بكثرة التهم
أو شرب المسكرين في حلبٍ ... كرسمه بعض ليله لعمي
ولو يكون المجير بعد بها ... حيا لرمى بالعمى وبالصمم
قال علي بن ظافر
: المسكران المشار إليهما. النبيذ والصفع، والمجير رجل من ندماء الملك الظاهر، كان كثير العبث بالمذكور في مجلس الملك الظاهر، وهو الذي عناه الأديب شرف الدين الحلي صاحبنا ببيتين من قوله، وكتب بهما إلى الرشيد المذكور إلى دمشق؛ أنشد فيهما الموفق عنه، وهما قوله:
قدم العزم يا رشيد وبادر ... فلقد آن من نواك الحضور
ما تبقى على قذالك نطع ... تاب سلطاننا ومات المجير
وأخبرني الشهاب ابن أخت نجم الدين بن المجاور المقدم ذكره
قال: حضر ابن عنين الشاعر الدمشقي وابن الرومي البسام عند خالي، فتذاكرت معه في تشبيه الثغر بالثريا، فادكر قليلاً ثم أنشد:
يا غزالاً أرى الغواية رشداً ... في هواه والرشد في الحب غيا
ما رأينا قبل ابتسامك بدر التم يفتر عن نجوم الثريا
وأخبرني القاضي الأعز بن المؤيد المقدم ذكره عن العماد بن ناصر الدولة
رحمه الله
قال: اجتمعنا ليلة بدمشق في دعوة غناء، ومعنا ابن عنين وعمر غلام الحكيم بن المطران، فأخذنا في الحديث باستحسانه واستعظام أمره في الحسن وشانه، وتمني الوصول إلى وصاله. وتشهي الاستمتاع بجماله، فقال له بعض الحاضرين: نبه لها عمر، وأطرق ثم أنشد بديهاً:
وحاجةٍ بت أشكوها إلى ثقةٍ ... وقد تزاحمت الأشجان والفكر
فقال لي مشفقاً: نبه لها عمراً ... فقلت واخيبتي إن لم ينم عمر!
وعمر هذا هو الذي يشير إليه ابن عنين في قصيدته المسماة مقراض الأعراض التي عم فيها أهل دمشق بالهجاء، وأولها:
أضالع تنطوي على كرب ... ومقله مستهلة الغرب
ومنها يعني الحكيم بن مطران:
ترى أن سيدي الموفق يخ ... تال في عراصها الرحب
يمشي الهوينى وخلفه عمر ... يختال مثل المهاة في السرب
وسيدي قلما يشاكله ... في الناس إلا تبظرم الرحبي
المدعى أنه بحكمته ... علم بقراط صنعة الطب
وأخبرني الأعز بن المؤيد رحمه الله
أنه حضر عند بعض الرؤساء، فناوله شمامة ريحان وورد، فصنع في الحال:
سيداً قد أسدى لنا من أيادي ... ه فعالا تنزه الأبصارا
قرنت راحتك بالورد ريحا ... ناً فأهدت إلى الخدود عذارا
قال علي بن ظافر

دخلت يوماً على القاضي الفاضل - رحمه الله - فجرى في مجلسه من فنون المذاكرة ما أداه إلى أن قال: كان الرشيد أحمد ابن الزبير قد اجتمعت فيه صفات وأخلاق تقتضي أن تجود معاني الهجاء فيه، من ذلك أنه كان أسود، ولا يزال يدعي الذكاء، وأن خاطره من نار، فقال فيه ابن قادوس:
إن قلت من نارٍ خلق ... ت وقفت كل الناس فهما
قلنا صدقت فما الذي ... أطفاك حتى صرت فحما
وأرسل إلى اليمن ولقب علم المهتدين، فقال فيه بعض الشعراء من قطعة يخاطب الخليفة:
بعثت لنا علم المهتدين ... ولكنه علم أسود
يعني أن الأعلام السود إنما تكون للعباسيين، وأعلام تلك الدولة بيض. وتولى مطابخ الخليفة، فقال فيه بعض الشعراء يخاطب الخليفة:
تولى على الشيء أشكاله ... فتحسب هذا لهذا أخا
تولى على المطبخ ابن الزبير ... تولى على مطبخ مطبخا
وكان ينافر في سوق الشعر ويسرق المعاني، فقال فيه ابن فادوس:
سلخت أشعار الورى جملةً ... حتى دعوك الأسود السالخا
فأخذ الأسعد الخطير يستحسن هذه القطعة، فقلت له: كما تقول، إلا أنه لحن في قوله: الأسود سالخ، وسام أبرص، فاللحن يقيم الوزن، والصواب يكسره، فهو بين خطتي خسف. فأخذ في المشاغبة إلى أن قال: من أين نقلت هذا؟ فقلت أحضر شاهدي عندك الساعة، كتاب الحيات من كتاب الحيوان للجاحظ، فقال: الجاحظ ليس من أهل اللغة، ونقله في هذا الموضع لا يسمع، فقال الأجل الفاضل: دع هذا، فالصواب معه، وهذا مجمع عليه، ولكن عرفنا كيف يصنع حتى ينظم المعنى؟ فقلت يترك هذا الوزن وينظمه في وزن يستقيم عليه الصواب، فقال: انظمه لنا، فقلت ارتجالا:
وسلخت أشعار البرية كلها ... حتى دعيت لذاك أسود سالخا
فقال: مثلك يقول لذاك: فقلت: حتى دعاك الناس، فقال: إنما كنت أريد أن تنظمه أخصر من بيته.
ودخل عليه من انقطع طلبه لدخوله، فلما سكن المجلس قال: تعرف له وجهاً يذهب النقد عنه، ويخلصه من الطعن عليه؟ قلت: مولانا أعلم، فقال: إنه حكى عن الناس تلقيبهم إياه بالأسود السالخ، فكأنه لحن على الحكاية، لا لأنه حكى عنه هذا. فاستحسناه وإن لم يكن صحيحاً من الأعذار. ثم خرجت فلقيت الأسعد بن عبد الرحمن بن شيث فحكيت له الحكاية، فقال: لما طلب منك اختصاره كنت تقول - وقال على الفور:
وسلخت أشعار الورى ... فدعوك أسود سالخا

قال علي بن ظافر
بت ليلةً أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين في منزل اعترفت له مشيدات القصور، بالانخفاض والقصور، وشهدت له ساميات البروج، بالاعتلاء والعروج، قد ابيضت حيطانه، وطاب استيطانة وابتهج به سكانه وقطانه، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلا محياه في زورقة قناع السماء، وكسا الجدران ثياباً من فضة، ونثر كافوره على وجه الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه. والنسيم قد عانق قامات الغصون فميلها، وغصبها مباسم نورها وقبلها، وعندنا مغن قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا فالشمس طالعة، وإن شدا فالورقاء ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه بتلويح بارقة الموشى بالذهب، ويديم حرفته وسهده، ويبذل في إلطافه طاقته وجهده، فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقة، وآونة يكسوه أثواب شقيقه، فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصباح، واستيقظ نائم الصباح، فصنعت بديهاً في المجلس، وكتبت بما صنعت إلى الأعز بن المؤيد - رحمه الله - أصف تلك الليلة التي ارتفعت على أيام الأعياد كارتفاع الرءوس على الأجياد، بل فضلت على ليالي الدهر، كفضل البدر على النجوم الزهر، فقلت:
غبت عني يابن المؤيد في وق ... تٍ شهى يلهي المحب المشوقا
ليلة ظل بدرها يلبس الجد ... ران ثوباً مفضضا مرموقا
وغدا الطل فيه ينثر كافو ... را فيعلو مسك التراب السحيقا
وتبدى النسيم يعتنق الأغ ... صان لما سرى عناقاً رفيقا
بت فيها منادماً لصديقٍ ... ظل بين الأنام خلا صدوقا

هو مثل الهلال وجهاً صبيحاً ... ومثال النسيم ذهناً رقيقا
وغزال كالبدر وجهاً وغصن ال ... بان قدا والخمرة الصرف ريقا
مظهر للعيون ردفاً مهيلاً ... وحشى ناحلاً وقدار شيقا
إن تغنى سمعت داود أو لا ... ح تأملت يوسف الصديقا
وإذا قابل السراج رأينا ... منه بدراً يقابل العيوقا
وأظن الصباح هام بمرآ ... ه، فأبدى قلباً حريقاً خفوقا
ذاك نجم ما لاح في الجدر كافو ... ر بياض إلا كساه خلوقا
ما بدا نرجس الكواكب إلا ... قام في قومه يرينا الشقيقا
وإذا ما بدت جواهرها في ... الجو أبدى في الأرض منهم عقيقا
فغدونا تحت الدجى نتعاطى ... من رقيق الآداب خمراً حيقا
وجعلنا ريحاتنا طيب ذكرا ... ك فخلناه عنبراً مفتوقا
ذاك وقت لولا مغيبك عنه ... كان بالمدح والثناء خليقا
فأجاب عنها على الوزن دون الروى:
قد أتتني من الجمال قصيد ... يا لها من قصيدةٍ غراء
جمعت رقة الهواء وطيب المس ... ك في سبكها وصفو الماء
فأرتنا طباعه وشذاه ... والذي حاز ذهنه من ذكاء
سيدي هل جمعت فيها اللآلي ... يا أخا المجد أم نجوم السماء
أفحمتني حسناً وحق أيادي ... ك التي لا تعد بالإحصاء
فتركت الجواب والله عجزاً ... فابسط العذر فيه يا مولائي
هل يسامي الثرى الثريا وأنى ... يبلغ النجم فرط نور ذكاء
قال علي بن ظافر: وقد ضمنت هذا الكتاب البديع النظم، الغريب الاسم، ما وقع لي إلى هذا التاريخ من حكايات البدائه، وكل ما فيه من الحكايات المسجوعة فخاطري جالب دره، وحالب دره، وساكب قطره، إلا ما استنبت به، وقد جاء علالة السائر، وأنس المسامر، وملهاة الساهر، ولولا ضيق الصدر بازدحام وفود الهموم، وما ران على البصيرة من تكاثف غيوم الغموم، لتكلفت مشقة الحث، وأنضيت ركائب البحث، فلا أزال في الطلب موضعاً، حتى لا أرى للزيادة موضعاً، إلا ما تنتجه الخواطر في الأزمان الآنفة، وتولده الفكر في الأعصار الرادفة. وقد عقدته عقداً لا يعقبه فسخ، ونظمته نظماً محكماً لا يعرفه نسخ، فمهما اطلعت عليه بعد ذلك من البدائه الواقعة في الأزمنة الخالية، أو مما تجدد في الأزمنة الآتية، جمعته وجعلته كالتتمة له، حتى لا أفض ختامه، ولا أفتق أكمامه، والله تعالى يوقعه عند الجناب المحمول إليه موقع الرضا عنه، والقبول له والإقبال عليه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير وصلى الله على سيدنا محمد زين الملاح، وعلى آله وصحبه أولى الوجوه السماح، وسلم تسليماً كثيراً. آمين.

أقسام الكتاب
1 2