كتاب : الجامع لأحكام القرآن
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي

وقال الإمام ابن فورَك: أي: كلا لما يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان، بل أمره بما لم يقض له. ابن الأنباري: الوقف على "كلا" قبيح، والوقف على "أمره" و"نشره" جيد؛ فـ "كلا" على هذا بمعنى حقا.
24- {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}.
25- {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً}.
26- {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً}.
27- {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً}.
28- {وَعِنَباً وَقَضْباً}.
29- {وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً}.
30- {وَحَدَائِقَ غُلْباً}.
31- {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً}.
32- {مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.
قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان، ذكر ما يسر من رزقه؛ أي فلينظر كيف خلق الله طعامه. وهذا النظر نظر القلب بالفكر؛ أي ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، ليستعد بها للمعاد. وروي عن الحسن ومجاهد قالا: {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} أي إلى مدخله ومخرجه. وروى ابن أبي خيثمة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "يا ضحاك ما طعامك" قلت: يا رسول الله! اللحم واللبن؛ قال: "ثم يصير إلى ماذا" قلت إلى ما قد علمته؛ قال: "فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا" . وقال أبي بن كعب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وإن قزحه وملحه فانظر إلى ما يصير" . وقال أبو الوليد: سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه؛ قال: يأتيه الملك فيقول أنظر ما بخلت به إلى ما صار؟

قوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً} قراءة العامة "إناء" بالكسر، على الاستئناف، وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب "أنا" بفتح الهمزة، فـ"أنا" في موضع خفض على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه؛ كأنه قال: "فلينظر الإنسان إلى طعامه" إلى "أنا صببنا" فلا يحسن الوقف على "طعامه" من هذه القراءة. وكذلك إن رفعت "أنا" بإضمار هو أنا صببنا؛ لأنها في حال رفعها مترجمة عن الطعام. وقيل: المعنى: لأنا صببنا الماء، فأخرجنا به الطعام، أي كذلك كان. وقرأ الحسين بن علي "أني" فقال، بمعنى كيف؟ فمن أخذ بهذه القراءة قال: الوقف على "طعامه" تام. ويقال: معنى "أني" أين، إلا أن فيها كناية عن الوجوه؛ وتأويلها: من أي وجه صببنا الماء؛ قال الكميت:
أني ومن أين آبك الطرب ... من حيث لا صبوة ولا ريب
"صببنا الماء صبا": يعني الغيث والأمطار. {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً} أي بالنبات {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً} أي قمحا وشعيرا وسلتا وسائر ما يقصد ويدخر {وَعِنَباً وَقَضْباً} وهو القت والعلف، عن الحسن: سمو، بذلك لأنه يقضب أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة. قال القتبي وثعلب: وأهل مكة يسمون القت القضب. وقال ابن عباس: هو الرطب لأنه يقضب من النخل: ولأنه ذكر العنب قبله. وعنه أيضا: أنه الفصفصة وهو القت الرطب. وقال الخليل: القضب الفِصْفِصْة الرطبة. وقيل: بالسين، فإذا يبست فهو قت. قال: والقضب: اسم يقع على ما يقضب من أغصان الشجرة، ليتخذ منها سهام أو قسي. ويقال: قضبا،يعني جميع ما يقضب، مثل القت والكراث وسائر البقول التي تقطع فينبت أصلها. وفي الصحاح: والقضة والقضب الرطبة، وهي الإسفست بالفارسية، والموضع الذي ينبت فيه مقضبة. {وَزَيْتُوناً} وهي شجرة الزيتون {وَنَخْلاً} يعني النخيل {وَحَدَائِقَ} أي

بساتين وأحدها حديقة. قال الكلبي: وكل شيء أحيط عليه من نخيل أو شجر فهو حداقة، وما لم يحط عليه فليس بحديقة. {غُلْباً} عظاما شجرها؛ يقال: شجرة غلباء، ويقال للأسد: الأغلب؛ لأنه مصمت العنق، لا يلتفت إلا جميعا؛ قال العجاج:
ما زلت يوم البين ألوي صَلَبي ... والرأس حتى صرت مثل الأغلب
ورجل أغلب بين الغلب إذا كان غليظ الرقبة. والأصل في الوصف بالغلب: الرقاب فاستعير؛ قال قال عمرو بن معدي كرب:
يمشي بها غُلب الرقاب كأنهم ... بزل كُسِين من الكحيل جِلالا
وحديقة غلباء: ملتفة وحدائق غلب. وأغلولب العشب: بلغ وألتف البعض بالبعض.
قال ابن عباس: الغلب: جمع أغلب وغلباء وهي الغلاظ. وعنه أيضا الطوال. قتادة وابن زيد: الغلب: النخل الكرام. وعن ابن زيد أيضا وعكرمة: عظام الأوساط والجذوع. مجاهد: ملتفة. {وَفَاكِهَةً} أي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ وغيرهما {وَأَبّاً} هو ما تأكله البهائم من العشب، قال ابن عباس والحسن: الأب: كل ما أنبتت الأرض، مما لا يأكله الناس، ما يأكله الآدميون هو الحصيد؛ ومنه قول الشاعر في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:
له دعوة ميمونة ريحها الصبا ... بها ينبت الله الحصيدة والأبا
وقيل: إنما سمي أبا؛ لأنه يؤب أي يوم وينتجع. والأب والأم: أخوان؛ قال:
جذمنا قيس ونجد دارنا ... ولنا الأب به والمكرع
وقال الضحاك: والأب: كل شيء ينبت على وجه الأرض. وكذا قال أبو رزين: هو النبات. يدل عليه قول ابن عباس قال: الأب: ما تنبت الأرض مما يأكل الناس والأنعام.

وعن ابن عباس أيضا وابن أبي طلحة: الأب: الثمار الرطبة. وقال الضحاك: هو التين خاصة. وهو محكي عن ابن عباس أيضا؛ قال الشاعر:
فما لهم مرتع للسوا ... م والأب عندهم يقدر
الكلبي: هو كل نبات سوى الفاكهة. وقيل: الفاكهة: رطب الثمار، والأب يابسها.
وقال إبراهيم التيمي: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير الفاكهة والأب فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت: في كتاب الله ما لا أعلم.
وقال أنس: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا ابن أم عمر ألا تدري ما الأب؟ ثم قال: اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خلقتم من سبع، ورزقتم من سبع، فاسجدوا لله على سبع" . وإنما أراد بقول: "خلقتم من سبع" يعني {مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ} الآية، والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً} إلى قوله: "وفاكهة" ثم قال: "وأبا" وهو يدل على أنه ليس برزق لابن آدم، وأنه مما تختص به البهائم. والله أعلم. {مَتَاعاً لَكُمْ} نصب على المصدر المؤكد، لأن إنبات هذه الأشياء إمتاع لجميع الحيوانات. وهذا ضرب مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من قبورهم، كنبات الزرع بعد دثوره، كما تقدم بيانه في غير موضع. ويتضمن آمتنانا عليهم بما أنعم به، وقد مضى في غير موضع أيضا.
33- {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ}.
34- {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ}
35- {وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ}.
36- {وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}.
37- {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}.
38- {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ}.
39- {ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ}.
40- {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ}.
41- {تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ}.
42- {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ}

قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق مما أمتن به عليهم. والصاخة: الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، تصخ الأسماع: أي تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للأحياء. وذكر ناس من المفسرين قالوا: تصيخ لها الأسماع، من قولك: أصاخ إلى كذا: أي استمع إليه، ومنه الحديث: "ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة إلا الجن والإنس" . وقال الشاعر:
يصيخ للنبأة أسماعه ... إصاخة المنشد للمنشد
قال بعض العلماء: وهذا يؤخذ على جهة التسليم للقدماء، فأما اللغة فمقتضاها القول الأول، قال الخليل: الصاخة: صيحة تصخ الآذان صخا أي تصمها بشدة وقعتها. وأصل الكلمة في اللغة: الصك الشديد. وقيل: هي مأخوذة من صخه بالحجر: إذا صكه قال الراجز:
يا جارتي هل لك أن تجالدي ... جلادة كالصك بالجلامد
ومن هذا الباب قول العرب: صختهم الصاخة وباتتهم البائتة، وهي الداهية. الطبري: وأحسبه من صخ فلان فلانا: إذا أصماه. قال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم، وإنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة، حتى لقد قال بعض حديثي الأسنان حديثي الأزمان:
أَصَمَّ بك الناعي وإن كان أسمعا
وقال آخر:
أَضَمَّني سِرُّهم أيام فرقتهم ... فهل سمعتم بسر يورث الصمما
لعمر الله إن صيحة القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا، وتسمع أمور الآخرة.
قوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} أي يهرب، أي تجيء الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه؛ أي من موالاة أخيه ومكالمته؛ لأنه لا يتفرغ لذلك، لاشتغاله بنفسه؛ كما قال بعده: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} أي يشغله عن غيره. وقيل: إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه، لما بينهم من التبعات. وقيل: لئلا يروا ما هو

فيه من الشدة. وقيل: لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا؛ كما قال: {يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً} . وقال عبدالله بن طاهر الأبهري: يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى ربه تعالى.
وذكر الضحاك عن ابن عباس قال: يفر قابيل من أخيه هابيل، ويفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ونوح عليه السلام من ابنه، ولوط من امرأته، وآدم من سوأة بنيه. وقال الحسن: أول من يفر يوم القيامة من، أبيه: إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح؛ وأول من يفر من امرأته لوط. قال: فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم وهذا فرار التبرؤ. {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} . في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا" قلت، يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "يا عائشة، الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض" . خرجه الترمذي. عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشرون حفاة عراة غرلا" فقالت امرأة: أينظر بعضنا، أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة" "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" . قال: حديث حسن صحيح. وقراءة العامة بالغين المعجمة؛ أي حال يشغله عن الأقرباء. وقرأ ابن محيصن وحميد "يعنيه" بفتح الياء، وعين غير معجمة؛ أي يعنيه أمره. وقال القتبي: يعنيه: يصرفه ويصده عن قرابته، ومنه يقال: أعن عني وجهك: أي أصرفه واعن عن السفيه؛ قال خفاف:
سيعنيك حرب بني مالك ... عن الفحش والجهل في المحفل
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} أي مشرقة مضيئة، قد علمت مالها من الفوز والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. " ضَاحِكَةٌ " أي مسرورة فرحة. " مُسْتَبْشِرَةٌ ": أي بما

آتاها الله من الكرامة. وقال عطاء الخراساني: "مسفرة" من طول ما اغبرت في سبيل الله جل ثناؤه. ذكره أبو نعيم. الضحاك: من آثار الوضوء. ابن عباس: من قيام الليل؛ لما روي في الحديث: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" يقال: أسفر الصبح إذا أضاء. {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} أي غبار ودخان {تَرْهَقُهَا} أي تغشاها {قَتَرَةٌ} أي كسوف وسواد. كذا قال ابن عباس. وعنه أيضا: ذلة وشدة. والقتر في كلام العرب: الغبار، جمع القترة، عن أبي عبيد؛ وأنشد الفرزدق:
متوج برداء الملك يتبعه ... موج ترى فوقه الرايات والقترا
وفي الخبر: إن البهائم إذا صارت ترابا يوم القيامة حول ذلك التراب في وجوه الكفار. وقال زيد بن أسلم، القترة: ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة: ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغبرة: واحد. {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ} جمع كافر {الْفَجَرَةُ} جمع فاجر، وهو الكاذب المفتري على الله تعالى. وقيل: الفاسق؛ [يقال]: فجر فجورا: أي فسق، وفجر: أي كذب. وأصله: الميل، والفاجر: المائل. وقد مضى بيانه والكلام فيه. والحمد لله وحده.
سورة التكويرمكية في قول الجميع. وهي تسع وعشرون آية
وفي الترمذي: عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلي يوم القيامة "كأنه رأي عين" فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت" . قال: هذا حديث حسن [غريب].

بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}. 2- {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ}.
3- {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ}. 4- {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}.
5- {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ}. 6- {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ}.
7- {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}. 8- {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ}.
9- {بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}. 10- {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ}.
11- {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ}. 12- {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}.
13- {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}. 14 - {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}.
قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال ابن عباس: تكويرها: إدخالها في العرش. والحسن: ذهاب ضوئها. وقاله قتادة ومجاهد: وروي عن ابن عباس أيضا. سعيد بن جبير: عورت. أبو عبيدة: كورت مثل تكوير العمامة، تلف فتمحى. وقال الربيع بن خيثم: "كورت رمي بها؛ ومنه: كورته فتكور؛ أي سقط.
قلت: وأصل التكوير: الجمع، مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها أي لاثها وجمعها فهي تكور ويمحى ضوءها، ثم يرمى بها في البحر. والله أعلم. وعن أبي صالح: كورت: نكست. {وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ} أي تهافتت وتناثرت. وقال أبو عبيدة: أنصبت كما تنصب العقاب إذا انكسرت. قال العجاج يصف صقرا:
أبصر خربان فضاء فانكدر ... تقضِّيَ البازي إذا البازي كسر

وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى في السماء يومئذ نجم إلا سقط في الأرض، حتى يفزع أهل الأرض السابعة مما لقيت وأصاب العليا" ، يعني الأرض. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: تساقطت؛ وذلك أنها قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة من نور، فإذا جاءت النفخة الأولى مات، من في الأرض ومن في السموات، فتناثرت تلك الكواكب وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. ويحتمل أن يكون انكدارها طمس آثارها. وسميت النجوم نجوما لظهورها في السماء بضوئها. وعن ابن عباس أيضا: انكدرت تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها. والمعنى متقارب.
قوله تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} يعني قلعت من الأرض، وسيرت في الهواء؛ وهو مثل قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً} . وقيل: سيرها تحولها عن منزلة الحجارة، فتكون كثيبا مهيلا أي رملا سائلا وتكون كالعهن، وتكون هباء منثورا، وتكون سرابا، مثل السراب الذي ليس بشيء. وعادت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمنا. وقد تقدم في غير موضع والحمد لله. {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} أي النوق الحوامل التي في بطونها أولادها؛ الواحدة عشراء أو التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعدما تضع أيضا. ومن عادة العرب أن يسموا الشيء باسمه المتقدم وإن كان قد جاوز ذلك؛ يقول الرجل لفرسه وقد قرح: هاتوا مهري وقربوا مهري، ويسميه بمتقدم اسمه؛ قال عنترة:
لا تذكري مهري وما أطمعته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
وقال أيضا:
وحملت مهري وسطها فمضاها
وإنما خص العشار بالذكر؛ لأنها أعزما تكون على العرب، وليس عطلها أهلها إلا حال القيامة. وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل؛ أن هول

يوم القيامة بحال لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. وقيل: إنهم إذا قاموا من قبورهم، وشاهد بعضهم بعضا، ورأوا الوحوش والدواب محشورة، وفيها عشارهم التي كانت أنفس أموالهم، لم يعبؤوا بها، ولم يهمهم أمرها. وخوطبت العرب بأمر العشار؛ لأن مالها وعيشها أكثره من الإبل. وروى الضحاك عن ابن عباس: عطلت: عطلها أهلها، لاشتغالهم بأنفسهم. وقال الأعشى:
هو الواهب المائة المصطفا ... ة إما مخاضا وإما عشارا
وقال آخر:
ترى المرء مهجورا إذا قل ماله ... وبيت الغني يهدي له ويزار
وما ينفع الزوار مال مزورهم ... إذا سرحت شول له وعشار
يقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوان، نوق عشار وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا. وقد عشرت الناقة تعشبوا: أي صارت عشراء. وقيل: العشار: السحاب يعطل مما يكون فيه وهو الماء فلا يمطر؛ والعرب تشبه السحاب بالحامل. وقيل: الديار تعطل فلا تسكن. وقيل: الأرض التي يعشر زرعها تعطل فلا تزرع. والأول أشهر، وعليه من الناس الأكثر. {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} أي جمعت والحشر: الجمع. عن الحسن وقتادة وغيرهما. وقال ابن عباس: حشرها: موتها. رواه عنه عكرمة. وحشر كل شيء: الموت غير الجن والإنس، فإنهما يوافيان يوم القيامة. وعن ابن عباس أيضا قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. قال ابن عباس: تحشر الوحوش غدا: أي تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها كوني ترابا فتموت. وهذا أصح مما رواه عنه عكرمة، وقد بيناه في كتاب "التذكرة" مستوفى، ومضى في سورة "الأنعام" بعضه. أي إن الوحوش إذا كانت هذه حالها فكيف ببني آدم. وقيل: عني بهذا أنها مع نفرتها اليوم من الناس وتنددها

في الصحاري، تنضم غدا إلى الناس من أهوال ذلك اليوم. قال معناه أبي بن كعب. {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} أي ملئت من الماء؛ والعرب تقول: سجرت الحوض أسجره سجرا: إذا ملأته، وهو مسجور والمسجور والساجر في اللغة: الملآن. وروى الربيع بن خيثم: سجرت: فاضت وملئت. وقاله الكلبي ومقاتل والحسن والضحاك. قال ابن أبي زمنين: سجرت: حقيقته ملئت، فيفيض بعضها إلى بعض فتصير شيئا واحدا. وهو معنى قول الحسن. وقيل: أرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها، حتى امتلأت. عن الضحاك ومجاهد: أي فجرت فصارت بحرا واحدا. القشيري: وذلك بأن يرفع الله الحاجز الذي ذكره في قوله تعالى: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} ، فإذا رفع ذلك البرزخ تفجرت مياه البحار، فعمت الأرض كلها، وصارت البحار بحرا واحدا. وقيل: صارت بحرا واحدا من الحميم لأهل النار. وعن الحسن أيضا وقتادة وابن حيان: تيبس فلا يبقى من مائها قطرة. القشيري: وهو من سجرت التنور أسجره سجرا: إذا أحميته وإذا سلط عليه الإيقاد نشف ما فيه من الرطوبة وتسير الجبال حينئذ وتصير البحار والأرض كلها بساطا واحدا، بأن يملأ مكان البحار بتراب الجبال. وقال النحاس: وقد تكون الأقوال متفقة؛ يكون تيبس من الماء بعد أن يفيض، بعضها إلى بعض، فتقلب نارا. قلت: ثم سير الجبال حينئذ، كما ذكر القشيري، والله أعلم. وقال ابن زيد وشمر وعطية وسفيان ووهب وأبي وعلي بن أبي طالب وابن عباس في رواية الضحاك عنه: أوقدت فصارت نارا. قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم في البحر، ثم يبعث الله عليها ريحا دبورا، فتنفخه حتى يصير نارا. وكذا في بعض الحديث: "يأمر الله جل ثناؤه الشمس والقمر والنجوم فينتثرون في البحر، ثم يبعث الله جل ثناؤه الدبور فيسجرها نارا، فتلك نارا، فتلك نار الله الكبرى، التي يعذب بها الكفار" . قال القشيري: قيل في تفسير قول ابن عباس "سجرت" أوقدت، يحتمل أن تكون جهنم في قعور من البحار، فهي الآن غير مسجورة لقوام الدنيا، فإذا أنقضت الدنيا سجرت، فصارت كلها نارا يدخلها الله أهلها. ويحتمل أن تكون تحت البحر نار، ثم يوقد الله البحر كله فيصير نارا. وفي الخبر: البحر نار. في نار.

وقال معاوية بن سعيد: بحر الروم وسط الأرض، أسفله آبار مطبقة بنحاس يسجر نارا يوم القيامة. وقيل: تكون الشمس في البحر، فيكون البحر نارا بحر الشمس. ثم جميع ما في هذه الآيات يجوز أن يكون في الدنيا قبل يوم القيامة ويكون من أشراطها، ويجوز أن يكون يوم القيامة، وما بعد هذه الآيات فيكون في يوم القيامة. قلت: روي عن عبدالله بن عمرو: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم. وقال أبي بن كعب: ست آيات من قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم ذهب ضوء الشمس وبدت النجوم فتحيروا ودهشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم وتساقطت، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واحترقت، فصارت هباء منثورا، ففزعت الإنس إلى الجن والجن إلى الإنس، واختلطت الدواب والوحوش والهوام والطير، وماج بعضها في بعض؛ فذلك قوله تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} ثم قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحار فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلي، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم. وقيل: معنى "سجرت": هو حمرة مائها، حتى تصير كالدم؛ مأخوذ من قولهم: عين سجراء: أي حمراء. وقرأ ابن كثير "سجرت" وأبو عمرو أيضا، إخبارا عن حالها مرة واحدة. وقرأ الباقون بالتشديد إخبارا عن حالها في تكرير ذلك منها مرة بعد أخرى.
قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قال النعمان بن بشير: قال النبي صلى الله عليه وسلم "وإذا النفوس زوجت" قال: "يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله" . وقال عمر بن الخطاب: يقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح. وقال ابن عباس: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة، السابقون زوج - يعني صنفا - وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج. وعنه أيضا قال: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرن الكافر

بالشياطين، وكذلك المنافقون وعنه أيضا: قرن كل شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار، فيضم المبرز في الطاعة إلى مثله، والمتوسط إلى مثله، وأهل المعصية إلى مثله؛ فالتزويج أن يقرن الشيء بمثله؛ والمعنى: وإذا النفوس قرنت إلى أشكالها في الجنة والنار. وقيل: يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان، كما قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} . وقال عبدالرحمن بن زيد: جعلوا أزواجا على أشباه أعمالهم ليس بتزويج، أصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج، والسابقون زوج؛ وقد قال جل ثناؤه: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي أشكالهم. وقال عكرمة: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} قرنت الأرواح بالأجساد؛ أي ردت إليها. وقال الحسن: ألحق كل امرئ بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين، والمؤمنون بالمؤمنين. وقيل: يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان، على جهة البغض والعداوة، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين. وقيل: قرنت النفوس بأعمالها، فصارت لاختصاصها به كالتزويج.
قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} الموؤودة المقتولة؛ وهي الجارية تدفن وهي حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيوءدها أي يثقلها حتى تموت؛ ومنه قوله تعالى: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} أي لا يثقله؛ وقال متمم بن نويرة:
وموؤودة مقبورة في مفازة ... بآمتها موسودة لم تمهد
وكانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين: إحداهما كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به. الثانية إما مخافة الحاجة والإملاق، وإما خوفا من السبي والاسترقاق. وقد مضى

في سورة "النحل" هذا المعنى، عند قوله تعالى: {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} مستوفى. وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا، ويمنعون منه، حتى افتخر به الفرزدق، فقال:
ومنا الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم يوأَد
يعني جده صعصعة كان يشتريهن من آبائهن. فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موؤودة. وقال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة، وتمخضت على رأسها، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وردت التراب عليها، وإن ولدت غلاما حبسته، ومنه قول الراجز:
سميتها إذ ولدت تموت ... والقبر صهر ضامن زميت
الزميت الوقور، والزميت مثال الفسيق أوقر من الزميت، وفلان أزمت الناس أي أوقرهم، وما أشد تزمته؛ عن الفراء. وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم الله على ذلك، وتوعدهم بقوله: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} قال عمر في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} قال: جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني وأدت ثماني بنات كن لي في الجاهلية، قال: "فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة" قال: يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: "فأهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت" .
وقوله تعالى: {سُئِلَتْ} سؤال الموؤودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل إذا ضرب: لم ضربت؟ وما ذنبك؟ قال الحسن: أراد الله أن يوبخ قاتلها؛ لأنها قتلت بغير ذنب. وقال ابن أسلم: بأي ذنب ضربت، وكانوا يضربونها. وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى: {سُئِلَتْ} قال: طلبت؛ كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل. قال: وهو كقوله: {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً} أي مطلوبا. فكأنها طلبت منهم، فقيل أين أولادكم؟ وقرأ الضحاك وأبو الضحا عن جابر بن زيد وأبي صالح "وإذا الموؤودة سألت" فتتعلق الجارية بأبيها، فتقول: بأي ذنب

قتلتني؟! فلا يكون له عذر؛ قال ابن عباس وكان يقرأ "وإذا الموؤودة سألت" وكذلك هو في مصحف أبي. وروى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقا ولدها بثدييها، ملطخا بدمائه، فيقول يا رب، هذه أمي، وهذه قتلتني" . والقول الأول عليه الجمهور، وهو مثل قوله تعالى لعيسى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} على جهة التوبيخ والتبكيت لهم، فكذلك سؤال الموؤودة توبيخ لوائدها، وهو أبلغ من سؤالها عن قتلها؛ لأن هذا مما لا يصح إلا بذنب، فبأي ذنب كان ذلك، فإذا ظهر أنه لا ذنب لها، كان أعظم في البلية وظهور الحجة على قاتلها. والله أعلم. وقرئ "قتلت" بالتشديد، وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب.
قوله تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} أي فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوي بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، فيقول: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} . وروى مرثد بن وداعة قال: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} إلى قوله: {الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} وتقع صحيفة الكافر في يده {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} إلى قوله {وَلا كَرِيمٍ}. وروي عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة" فقلت: يا رسول الله فكيف بالنساء؟ قال: "شغل الناس يا أم سلمة" . قلت: وما شغلهم؟ قال: "نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل" . وقد مضى في سورة"الإسراء" قول أبي الثوار العدوي: هما نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك المنشورة فأمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت، حتى إذا بعثت نشرت {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} . وقال مقاتل: إذا مات المرء طويت صحيفة عمله، فإذا كان يوم القيامة نشرت. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق

الأمر يا ابن آدم. وقرأ نافع وابن عام وعاصم وأبو عمرو "نشرت" مخففة، على نشرت مرة واحدة، لقيام الحجة. الباقون بالتشديد، على تكرار النشر، للمبالغة في تقريع العاصي، وتبشير المطيع. وقيل: لتكرار ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه.
قوله تعالى: {وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ} الكشط: قلع عن شدة التزاق؛ فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الكبش وغيره والقشط: لغة فيه. وفي قراءة عبدالله "وإذا السماء قشطت" وكشطت البعير كشطا: نزعت جلده ولا يقال سلخته؛ لأن العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته، وانكشط: أي ذهب؛ فالسماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء. وقيل: تطوى كما قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِْ} فكأن المعنى: قلعت فطويت. والله أعلم.
قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} أي أو قدت فأضرمت للكفار وزيد في إحمائها. يقال: سعرت النار وأسعرتها. وقراءة العامة بالتخفيف من السعير. وقرأ نافع وابن ذكوان ورويس بالتشديد لأنها أوقدت مدة بعد مرة. قال قتادة: سعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وفي الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أوقد على النار ألف سنة حتى أحمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى أبيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى أسودت، فهي سوداء مظلمة" وروي موقوفا.
قوله تعالى: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} أي دنت وقربت من المتقين. قال الحسن: إنهم يقربون منها؛ لا أنها تزول عن موضعها. وكان عبدالرحمن بن زيد يقول: زينت: أزلفت؟ والزلفى في كلام العرب: القربة قال الله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} ، وتزلف فلان تقرب.
قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} وما بعدها. قال عمر رضي الله عنه لهذا أجري الحديث. وروي

عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما أنهما قرآها، فلما بلغا {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} قالا لهذا أجريت القصة؛ فالمعنى على هذا إذا الشمس كورت وكانت هذه الأشياء، علمت نفس ما أحضرت من عملها. وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدمه "وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم" بين يديه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن: يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل" وقال الحسن: "إذ الشمس كورت" وقع على قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} كما يقال: إذا نفر زيد نفر عمرو. والقول الأول أصح. وقال ابن زيد عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } إلى قوله: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} اثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة؛ وقد بينا الستة الأولى بقول أبي بن كعب.
15- {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ}.
16- {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}.
17- {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ}.
18- {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}.
19- {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}.
20- {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}.
21- {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}.
22- {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}
قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ} أي أقسم، و"لا" زائدة، كما تقدم. {بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} هي الكواكب الخمسة الدراري: زحل والمشتري وعطارد والمريخ والزهرة، فيما ذكر أهل التفسير. والله أعلم. وهو مروي عن علي كرم الله وجهه. وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم وجهان: أحدهما : لأنها تستقبل الشمس؛ قاله بكر بن عبدالله المزني. الثاني: لأنها تقطع المجرة؛ قال ابن عباس. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت، وقاله علي رضي الله عنه، قال: هي النجوم تخنس

بالنهار، وتظهر بالليل؛ وتكنس في وقت غروبها؛ أي تتأخر عن البصر لخفائها، فلا ترى. وفي الصحاح: "الخنس": الكواكب كلها. لأنها تخنس في آن قيب، أو لأنها تخنس نهارا. ويقال: هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة. وقال الفراء في قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} :إنها النجوم الخمسة؛ زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد؛ لأنها تخنس في مجراها، وتكنس، أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار، وهو الكناس. ويقال: سميت خنسا لتأخرها، لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم، يقال: خنس عنه يحنس بالضم خنوسا: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه ومضى عنه. والخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، والرجل أخنس، والمرأة خنساء، والبقر كلها خنس. وقد روي عن عبدالله بن مسعود في قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} هي بقر الوحش. روى هشيم عن زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: قال لي عبدالله بن مسعود: إنكم قوم عرب فما الخنس؟ قلت: هي بقر الوحش؛ قال: وأنا أرى ذلك. وقال إبراهيم وجابر بن عبدالله. وروي عن ابن عباس: إنما أقسم الله ببقر الوحش. وروى عنه عكرمة قال: "الخنس": البقر و"الكنس": هي الظباء، فهي خنس إذا رأين الإنسان خنسن وأنقبضن وتأخرن ودخلن كناسهن. القشيري: وقيل على هذا "الخنس" من الخنس في الأنف، وهو تأخرن الأرنبة وقصر القصبة، وأنوف البقر والظباء خنس. والأصح الحمل على النجوم، لذكر الليل والصبح بعد هذا، فذكر النجوم أليق بذلك.
قلت: لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته من حيوان وجماد، وإن لم يعلم وجه الحكمة في ذلك. وقد جاء عن ابن مسعود وجابر بن عبدالله وهما صحابيان والنخعي أنها بقر الوحش. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنها الظباء. وعن الحجاج بن منذر قال: سألت جابر بن زيد عن الجواري الكنس، فقال: الظباء والبقر، فلا يبعد أن يكون المراد

النجوم. وقد قيل: إنها الملائكة؛ حكاه الماوردي. والكنس الغيب؛ مأخوذة من الكناس، وهو كناس الوحش الذي يختفي فيه. قال أوس بن حجر:
ألم تر أن الله أنزل مزنه ... وغفر الظباء في الكناس تقمع
وقال طرفة:
كأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطرقسي تحت صلب مؤيد
وقيل: الكنوس أن تأوي إلى مكانسها، وهي المواضع التي تأوي إليها الوحوش والظباء. قال الأعشى في ذلك:
فلما أتينا الحي أتلع أنس ... كما أتلعت تحت المكانس ربرب
يقال: تلع. النهار ارتفع وأتلعت الظبية من كناسها: أي سمت بجيدها. وقال أمرو القيس:
تعشى قليلا ثم أنحى ظلوفه ... يثير التراب عن مبيت ومكنس
والكنس: جمع كانس وكانسة، وكذا الخنس جمع خانس وخانسة. والجواري: جمع جارية من جرى يجري. "والليل إذا عسعس" قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر؛حكاه الجوهري. وقال بعض أصحابنا: إنه دنا من أوله وأظلم وكذلك السحاب إذا دنا من الأرض. المهدوي: "والليل إذا عسعس" أدبر بظلامه؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وروي عنهما أيضا وعن الحسن وغيره: أقبل بظلامه. زيد بن أسلم: "عسعس" ذهب. الفراء: العرب تقول عسعس وسعسع إذا لم يبق منه إلا اليسير. الخليل وغيره: عسعس الليل إذا أقبل أو أدبر. المبرد: هو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره؛ وقال علقمة بن قرط:
حتى إذا الصبح لها تنفسا ... وأنجاب عنها ليلها وعسعسا

وقال رؤبة:
يا هند ما أسرع ما تسعسعا ... من بعد ما كان فتى سرعرعا
وهذه حجة الفراء. وقال امرؤ القيس:
عسعس حتى لو يشاء ادَّنا ... كان لنا من ناره مقبس
فهذا يدل على الدنو. وقال الحسن ومجاهد: عسعس: أظلم، قال الشاعر:
حتى إذا ما ليلهن عسعسا ... ركبن من حد الظلام حندسا
الماوردي: وأصل العس الامتلاء؛ ومنه قيل للقدح الكبير عس لامتلائه بما فيه، فأطلق على إقبال الليل لابتداء امتلائه؛ وأطلق على إدباره لانتهاء امتلائه على ظلامه؛ لاستكمال امتلائه به. وأما قول امرئ القيس:
ألما على الربع القديم بعسعسا
فموضع بالبادية. وعسعس أيضا اسم رجل؛ قال الرجز:
وعسعس نعم الفتى تبياه
أي تعتمده. ويقال للذئب العسعس والعسعاس والعساس؛ لأنه يعس بالليل ويطلب. ويقال للقنافذ العساعس لكثرة ترددها بالليل. قال أبو عمرو: والتعسعس الشم، وأنشد:
كمنخر الذنب إذا تعسعسا
والتعسعس أيضا: طلب الصيد [بالليل].

قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} أي امتد حتى يصير نهارا واضحا؛ يقال للنهار إذا زاد: تنفس. وكذلك الموج إذا نضح الماء. ومعن التنفس: خروج النسيم من الجوف. وقيل: "إذا تنفس" أي انشق وانفلق؛ ومنه تنفست القوس أي تصدعت. {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هذا جواب القسم. والرسول الكريم جبريل؛ قال الحسن وقتادة والضحاك. والمعنى "إنه لقول رسول" عن الله "كريم" على الله. وأضاف الكلام إلى جبريل عليه السلام، ثم عداه عنه بقول {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ليعلم أهل التحقيق في التصديق، أن الكلام لله عز وجل. وقيل: هو محمد عليه الصلاة والسلام {ذِي قُوَّةٍ} من جعله جبريل فقوته ظاهرة فروى الضحاك عن ابن عباس قال: من قوته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه. {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} أي عند الله جل ثناؤه {مَكِينٍ} أي ذي منزلة ومكانة؛ فروي عن أبي صالح قال: يدخل سبعين سرادقا بغير إذن. {مُطَاعٍ ثَمَّ} أي في السموات؛ قال ابن عباس: من طاعة الملائكة جبريل، أنه لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه السلام لرضوان خازن الجنان: افتح له، ففتح، فدخل ورأى ما فيها، وقال لمالك خازن النار: افتح له جهنم حتى ينظر إليها، فأطاعه وفتح له. {أَمِينٍ} أي مؤتمن على الوحي الذي يجيء به. ومن قال: إن المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالمعنى "ذي قوة" على تبليغ الرسالة "مطاع" أي يطيعه من أطاع الله جل وعز. {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بمجنون حتى يتهم في قول. وهو من جواب القسم. وقيل: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى جبريل في الصورة التي يكون بها عند ربه جل وعز فقال: ما ذاك إلي؛ فإذن له الرب جل ثناؤه، فأتاه وقد سد الأفق، فلما نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فقال المشركون: إنه مجنون، فنزلت: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} وإنما رأى جبريل على صورته فهابه، وورد عليه ما لم تحتمل بنيته، فخر مغشيا عليه.

23- {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ}.
24- {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}.
25- {وما هو بقول شيطان رجيم}.
26- {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ}.
27- {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}.
28- {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}.
29- {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} أي رأى جبريل في صورته، له ستمائة جناح . {بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} أي بمطلع الشمس من قبل المشرق؛ لأن هذا الأفق إذا كان منه تطلع الشمس فهو مبين. أي من جهته ترى الأشياء. وقيل: الأفق المبين: أقطار السماء ونواحيها؛ قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
الماوردي: فعلى هذا، فيه ثلاثة أقاويل أحدها: أنه رآه في أفق السماء الشرقي؛ قاله سفيان. الثاني: في أفق السماء الغربي، حكاه ابن شجرة. الثالث: أنه رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة؛ قاله مجاهد. وحكى الثعلبي عن ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: "إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء" قال: لن تقدر على ذلك. قال: "بلى" قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: "بالأبطح" قال: لا يسعني. قال: "فبمنى" قال: لا يسعني. قال: "فبعرفات" قال: ذلك بالحري أن يسعني. فواعده فخرج صلى الله عليه وسلم للوقت، فإذا هو قد أقبل بخشخشة وكلكلة من جبال عرفات، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم خر مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورته، وضمه إلى صدره. وقال: يا محمد لا تخف؛ فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من خشية الله، حتى يصير مثل الوصع - يعني العصفور حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. وقيل: إن محمدا

عليه السلام رأى ربه عز وجل بالأفق المبين. وهو معنى قول ابن مسعود. وقد مضى القول في هذا في "والنجم" مستوفى، فتأمله هناك. وفي"المبين" قولان: أحدهما- أنه صفة الأفق؛ قال الربيع. الثاني- أنه صفة لمن رآه؛ قاله مجاهد. "وما هو على الغيب بظنين": بالظاء، قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، أي بمتهم، والظنة التهمة؛ قال الشاعر:
أما وكتاب الله لا عن سناءة ... هجرت ولكن الظنين ظنين
واختاره أبو عبيد؛ لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه؛ ولأن الأكثر من كلام العرب: ما هو بكذا، ولا يقولون: ما هو على كذا، إنما يقولون: ما أنت على هذا بمتهم. وقرأ الباقون "بضنين" بالضاد: أي ببخيل من ضننت بالشيء أضن ضنا [فهو] ضنين. فروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا يضن عليكم بما يعلم، بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه. وقال الشاعر:
أجود بمكنون الحديث وإنني ... بسرك عمن سالني لضنين
والغيب: القرآن وخبر السماء. ثم هذا صفة محمد عليه السلام. وقيل: صفة جبريل عليه السلام. وقيل: بظنين: بضعيف. حكاه الفراء والمبرد؛ يقال: رجل ظنين: أي ضعيف. وبئر ظنون: إذا كانت قليلة الماء؛ قال الأعشى:
ما جعل الجد الظنون الذي ... جنب صوب اللجب الماطر
مثل الفراتي إذا ما طما ... يقذف بالبوصي والماهر
والظنون: الدين الذي لا يدري أيقضيه آخذه أم لا؟ ومنه حديث علي عليه السلام في الرجل يكون له الدين الظنون، قال: يزكيه لما مضى إذا قبضه إن كان صادقا. والظنون: الرجل السيء الخلق؛ فهو لفظ مشترك. {وَمَا هُوَ} يعني القرآن {بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} أي مرجوم ملعون، كما قالت قريش. قال عطاء: يريد بالشيطان الأبيض الذي كان

يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه. {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} قال قتادة: فإلى أين تعدلون عن هذا القول وعن طاعته. كذا روى معمر عن قتادة؛ أي أين تذهبون عن كتابي وطاعتي. وقال الزجاج: فأي طريقة تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم. ويقال: أين تذهب؟ وإلى أين تذهب؟ وحكى الفراء عن العرب: ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق: أي إليها. قال: سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة؛ وأنشدني بعض بني عقيل:
تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا ... وأي الأرض تذهب بالصياح
يريد إلى أي أرض تذهب، فحذف إلى. وقال الجنيد: معنى الآية مقرون بآية أخرى؛ وهي قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} المعنى: أي طريق تسلكون أبين من الطريق الذي بينه الله لكم. وهذا معنى قول الزجاج. " إِنْ هُوَ " يعني القرآن {إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} أي موعظة وزجر. و"إن" بمعنى "ما". وقيل: ما محمد إلا ذكر. {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} أي يتبع الحق ويقيم عليه. وقال أبو هريرة وسليمان بن موسى: لما نزلت {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم - وهذا هو القدر؛ وهو رأس القدرية - فنزلت:"وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين"، فبين بهذا أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق الله، ولا شرا إلا بخذلانه. وقال الحسن: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها. وقال وهب بن منبه: قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر. وفي التنزيل: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} . وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} . وقال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} والآي في هذا كثير، وكذلك الأخبار، وأن الله سبحانه هدى بالإسلام، وأضل بالكفر، كما تقدم في غير موضع. ختمت السورة والحمد لله.

سورة الانفطار
مكية عند الجميع، وهي تسع عشرة آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ}.
2- {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ}.
3- {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}.
4- {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}.
5- {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}
قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} أي تشققت بأمر الله؛ لنزول الملائكة؛ كقول: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً} . وقيل: تفطرت لهيبة الله تعالى. والفطر: الشق؛ يقال: فطرته فانفطر؛ ومنه فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر الشيء: شقق، وسيف فطار أي فيه شقوق؛ قال عنترة:
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفل ولا فطارا
وقد تقدم في غير موضع. {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ} أي تساقطت؛ نثرت الشيء أنثره نثرا، فانتثر،والاسم النثار. والنثار بالضم: ما تناثر من الشيء، ودر منثر، شدد للكثرة. {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} أي فجر بعضها في بعض، فصارت بحرا واحدا، على ما تقدم. قال الحسن: فجرت: ذهب ماؤها ويبست؛ وذلك أنها أولا راكدة مجتمعة؛ فإذا فجرت تفرقت، فذهب ماؤها. وهذه الأشياء بين يدي الساعة، على ما تقدم في {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} . {وإذا القبور بعثرت} أي قلبت وأخرج ما فيها من أهلها أحياء؛ يقال: بعثرت المتاع: قلبته ظهرا لبطن، وبعثرت الحوض وبحثرته: إذا هدمته وجعلت أسفله أعلاه. وقال قوم منهم الفراء: "بعثرت": أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة. وذلك من أشراط الساعة: أن تخرج الأرض

ذهبها وفضتها. {علمتْ نفسٌ ما قدَّمتْ وأخَّرتْ} مثل: {يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} . وتقدم. وهذا جواب {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} لأنه قسم في قول الحسن وقع على قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ} يقول: إذا بدت هذه الأمور من أشراط الساعة ختمت الأعمال فعلمت كل نفس ما كسبت؛ فإنها لا ينفعها عمل بعد ذلك. وقيل: أي إذا كانت هذه الأشياء قامت القيامة، فحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها، فتذكرت عند قراءته جميع أعمالها. وقيل: هو خبر، وليس بقسم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
6- {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}.
7- {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}.
8- {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}.
9- {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ} خاطب بهذا منكري البعث. وقال ابن عباس: الإنسان هنا: الوليد بن المغيرة. وقال عكرمة: أبي بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي. عن ابن عباس أيضا: "ما غرك بربك الكريم" أي ما الذي غرك حتى كفرت؟ "بربك الكريم" أي المتجاوز عنك. قال قتادة: غرة شيطانه المسلط عليه. الحسن: غرة شيطانه الخبيث. وقيل: حمقه وجهله. رواه الحسن عن عمر رضي الله عنه. وروى غالب الحنفي قال: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} قال: "غره الجهل" وقال صالح بن مسمار: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه قرأ {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}؟ فقال: "غره جهله" . وقال عمر رضي الله عنه: كما قال الله تعالى {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} . وقيل: غره عفو الله، إذ لم يعاقبه في أول مرة. قال إبراهيم بن الأشعث: قيل: للفضيل بن عياض: لو أقامك الله تعالى

يوم القيامة بين يديه، فقال لك: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} ؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول غرني ستورك المرخاة، لأن الكريم هو الستار. نظمه ابن السماك فقال:
يا كاتم الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا
وقال ذو النون المصري: كم من مغرور تحت الستر وهو لا يشعر.
وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري:
يا من غلا في العجب والتيه ... وغره طول تماديه
أملى لك الله فبارزته ... ولم تخف غب معاصيه
وروي عن علي رضي الله عنه أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه فنظر فإذا هو بالباب، فقال: مالك لم تجبني؟ فقال. لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك. فاستحسن جوابه فأعتقه. وناس يقولون: ما غرك: ما خدعك وسول لك حتى أضعت ما وجب عليك؟ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وسيخلو الله به يوم القيامة، فيقول له: يا ابن آدم ماذا غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ {الَّذِي خَلَقَكَ} أي قدر خلقك من نطفة {فَسَوَّاكَ} في بطن أمك، وجعل لك يدين ورجلين وعينين وسائر أعضائك {فَعَدَلَكَ} أي جعلك معتدلا سوى الخلق؛ كما يقال: هذا شيء معدل. وهذه قراءة العامة وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ قال الفراء: وأبو عبيد: يدل عليه قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . وقرأ الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي: "فعدلك" مخففا أي: أمالك وصرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنا وإما قبيحا، وإما طويلا وإما قصيرا. وقال [موسى بن علي بن أبي رباح اللخمي عن أبيه عن جده] قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم "إن النطفة

إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم" . أما قرأت هذه الآية {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} فيما بينك وبين آدم، وقال عكرمة وأبو صالح: "في أي صورة ما شاء ركبك" إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وقال مكحول: إن شاء ذكرا، وإن شاء أنثى. قال مجاهد: "في أي صورة" أي في أي شبه من أب أو أم أو عم أو خال أو غيرهم. و"في" متعلقة بـ"ركب"، ولا تتعلق بـ"عدلك"، على قراءة من خفف؛ لأنك تقول عدلت إلى كذا، ولا تقول عدلت في كذا؛ ولذلك منع الفراء التخفيف؛ لأنه قدر "في" متعلقة بـ"عدلك"، و"ما" يجوز أن تكون صلة مؤكدة؛أي في أي صورة شاء ركبك. ويجوز أن تكون شرطية أي إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة قرد أو حمار أو خنزير، فـ"ما" بمعنى الشرط والجزاء؛ أي في صورة ما شاء يركبك ركبك.
قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} يجوز أن تكون "كلا" بمعنى حقا و"ألا" فيبتدأ بها. ويجوز أن تكون بمعنى "لا"، على أن يكون المعنى ليس الأمر كما تقولون من أنكم في عبادتكم غير الله محقون. يدل على ذلك قوله تعالى: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } وكذلك يقول الفراء: يصير المعنى: ليس كما غررت به. وقيل: أي ليس الأمر كما يقولون، من أنه لا بعث. وقيل: هو بمعنى الردع والزجر. أي لا وقتروا بحلم الله وكرمه، فتتركوا التفكر في آياته. ابن الأنباري: الوقف الجيد على "الدين"، وعلى "ركبك"، والوقف على "كلا" قبيح. {بَلْ تُكَذِّبُونَ} يا أهل مكة {بِالدِّينِ} أي بالحساب، و"بل" لنفي شيء تقدم وتحقيق غيره. وإنكارهم للبعث كان معلوما، وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة.
10- {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ}.
11- {كِرَاماً كَاتِبِينَ}.
12- {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}
قوله تعالى: " وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ " أي رقباء من الملائكة {كِرَاماً} أي علي؛ كقوله: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 16]. وهنا ثلاث مسائل:

الأولى: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند حدى حالتين: الخراءة أو الجماع، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم [حائط] أو بغيره، أو ليستره أخوه" . وروي عن علي رضي الله عنه قال: "لا يزال الملك موليا عن العبد ما دام بادي العورة" وروي "إن العبد إذا دخل الحمام بغير مئزر لعنه ملكاه" .
الثانية: واختلف الناس في الكفار هل عليهم حفظة أم لا؟ فقال بعضهم: لا؛ لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد؛ قال الله تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} . وقيل: بل عليهم حفظة؛ لقوله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ. وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَاماً كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} . وقال: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} وقال: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} ، فأخبر أن الكفار يكون لهم كتاب، ويكون عليهم حفظة. فإن قيل: الذي على يمينه أي شيء يكتب ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن شمال يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدا على ذلك وإن لم يكتب. والله أعلم.
الثالثة: سئل سفيان: كيف تعلم الملائكة أن العبد قد هم بحسنة أو سيئة؟ قال: إذا هم العبد بحسنة وجدوا منه ريح المسك، وإذا هم بسيئة وجدوا منه ريح النتن. وقد مضى في "ق" قوله: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} زيادة بيان لمعنى هذه الآية. وقد كره العلماء الكلام عن الغائط والجماع، لمفارقة الملك العبد عند ذلك. وقد مضى في آخر "آل عمران" القول في هذا. وعن الحسن: يعلمون لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم. وقيل: يعلمون ما ظهر منكم دون ما حدثتم به أنفسكم. والله أعلم.

13- {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}.
14- {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}.
15- {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ}.
16- {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}.
17- {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}.
18- {ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}.
19- {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}
قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تقسيم مثل قوله: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} وقال: {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} الآيتين. "يصلونها" أي يصيبهم لهبها وحرها "يوم الدين" أي يوم الجزاء والحساب، وكرر ذكره تعظيما لشأنه؛ نحو قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} وقال ابن عباس فيما روي عنه: كل شيء من القرآن من قوله: "وما أدراك" فقد أدراه. وكل شيء من قوله "وما يدريك" فقد طوي عنه. {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو "يوم" بالرفع على البدل من "يوم الدين" أو ردا على اليوم الأول، فيكون صفة ونعتا لـ "يوم الدين". ويجوز أن يرفع بإضمار هو. الباقون بالنصب على أنه في موضع رفع إلا أنه، نصب، لأنه مضاف غير متمكن؛ كما تقول: أعجبني يوم يقوم زيد. وأنشد المبرد:
من أي يومي من الموت أفر ... أيومَ لم يقدر أم يوم قدر
فاليومان الثانيان مخفوضان بالإضافة، عن الترجمة عن اليومين الأولين، إلا أنهما نصبا في اللفظ؛ لأنهما أضيفا إلى غير محض. وهذا اختيار الفراء والزجاج. وقال قوم: اليوم الثاني منصوب على المحل، كأنه قال في يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. وقيل: بمعنى: إن هذه الأشياء تكون يوم، أو على معنى يدانون يوم؛ لأن الدين يدل عليه، أو بإضمار اذكر. {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} لا ينازعه فيه أحد، كما قال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ} . تمت السورة والحمد لله.

سورة المطففين
مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل
ومدنية في قول الحسن وعكرمة وهي ست وثلاثون آية
قال مقاتل: وهي أول سورة نزلت بالمدينة. وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا ثماني آيات من قوله: "إن الذين أجرموا" إلى آخرها، مكي. وقال الكلبي وجابر بن زيد: نزلت بين مكة والمدينة.
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}.
2- {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ}.
3- {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}
فيه أربع مسائل:
الأولى- روى النسائي عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} فأحسنوا الكيل بعد ذلك. قال الفراء: فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. وعن ابن عباس أيضا قال: هي: أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة نزل المدينة، وكان هذا فيهم؛ كانوا إذا اشتروا استوفوا بكيل راجح، فإذا باعوا بخسوا المكيال والميزان، فلما نزلت هذه السورة انتهوا، فهم أو في الناس كيلا إلى يومهم هذا. وقال قوم: نزلت في رجل يعرف بأبي جهينة، واسمه عمرو؛ كان له صاعان يأخذ بأحدهما، ويعطي بالآخر؛ قاله أبو هريرة رضي الله عنه.
الثانية- قوله تعالى: {وَيْلٌ} أي شدة عذاب في الآخرة. وقال ابن عباس: إنه واد في جهنم يسيل فيه صديد. أهل النار، فهو قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} أي الذين ينقصون مكاييلهم وموازينهم. وروي عن ابن عمر قال: المطفف: الرجل يستأجر المكيال

وهو يعلم أنه يحيف في كيله فوزره عليه. وقال آخرون: التطفيف في الكيل والوزن والوضوء والصلاة والحديث. في الموطأ قال مالك: ويقال لكل شيء وفاء وتطفيف. وروى عن سالم ابن أبي الجعد قال: الصلاة بمكيال، فمن أوفى له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله عز وجل في ذلك: "ويل للمطففين".
الثالثة- قال أهل اللغة: المطفف مأخوذ من الطفيف، وهو القليل، والمطفف هو المقل حق صاحبه بنقصانه عن الحق، في كيل أو وزن. وقال الزجاج: إنما قيل للفاعل من هذا مطفف؛ لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف، وإنما أخذ من طف الشيء وهو جانبه. وطفاف المكوك وطفافه بالكسر والفتح: ما ملا أصباره، وكذلك طف المكوك وطففه؛ وفي الحديث: "كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملؤوه" . وهو أن يقرب أن يمتلئ فلا يفعل، والمعنى بعضكم من بعض قريب، فليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى. والطفاف والطفافة بالضم: ما فوق المكيال. وإناء طفاف: إذا بلغ الملء طفافه؛ تقول منه: أطففت. والتطفيف: نقص المكيال وهو ألا تملأه إلى أصباره، أي جوانبه؛ يقال: أدهقت الكأس إلى أصبارها أي إلى رأسها. وقول ابن عمر حين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سبق الخيل: كنت فارسا يومئذ فسبقت الناس حتى طفف بي الفرس مسجد بني زريق، حتى كاد يساوي المسجد. يعني: وثب بي.
الرابعة- لمطفف: هو الذي يخسر في الكيل والوزن، ولا يوفي حسب ما بيناه؛ وروى ابن القاسم عن مالك: أنه قرأ "ويل للمطففين" فقال: لا تطفف ولا تخلب، ولكن أرسل وصب عليه صبا، حتى إذا استوفى أرسل يدك ولا تمسك. وقال عبدالملك بن الماجشون: نهى، رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسح الطفاف، وقال: إن البركة في رأسه. قال: وبلغني أن كيل فرعون كان مسحا بالحديد.

قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} قال الفراء: أي من الناس يقال: اكتلت منك: أي استوفيت منك ويقال أكتلت ما عليك: أي أخذت ما عليك. وقال الزجاج: أي إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل؛ والمعنى: الذين إذا استوفوا أخذوا الزيادة، وإذا أوفوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا، فلا يرضون للناس ما يرضون لأنفسهم. الطبري: "على" بمعنى عند.
قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} .
فيه مسألتان:
الأولى- قوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذفت اللام، فتعدى الفعل فنصب؛ ومثله نصحتك ونصحت لك، وأمرتك به وأمرتكه؛ قاله الأخفش والفراء. قال الفراء: وسمعت أعرابية تقول إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل. وهو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج: لا يجوز الوقف على "كالوا" و"وزنوا" حتى تصل به "هم" قال: ومن الناس من يجعلها توكيدا، ويجيز الوقف على "كالوا" و"وزنوا" والأول الاختيار؛ لأنها حرف واحد. وهو قول الكسائي. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين، ويقف على "كالوا" و"وزنوا" ويبتدئ "هم يخسرون" قال: وأحسب قراءة حمزة كذلك أيضا. قال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين: إحداهما: الخط؛ وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا "كالوا" و"وزنوا" بالألف، والأخرى: أنه يقال: كلتك ووزنك بمعنى كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربي؛ كما يقال: صدتك وصدت لك، وكسبتك وكسبت لك، وكذلك شكرتك ونصحتك ونحو ذلك. قوله: "يخسرون": أي ينقصون؛ والعرب تقول: أخسرت الميزان وخسرته. و"هم" في موضع نصب، على قراءة العامة، راجع إلى الناس، تقديره "وإذا كالوا" الناس "أو وزنوهم يخسرون" وفيه وجهان: أحدهما: أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار، وأوصل الفعل، كما قال:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر

أراد: جنيت لك، والوجه الآخر: أن يكون على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل والموزون. وعن ابن عباس رضي الله عنه: إنكم معاشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم: المكيال والميزان. وخص الأعاجم، لأنهم كانوا يجمعون الكيل والوزن جميعا، وكانا مفرقين في الحرمين؛ كان أهل مكة يزنون، وأهل المدينة يكيلون. وعلى القراءة الثانية "هم" في موضع رفع بالابتداء؛ أي وإذا كالوا للناس أو وزنوا لهم فهم يخسرون. ولا يصح؛ لأنه تكون الأولى ملغاة، ليس لها خبر، وإنما كانت تستقيم لو كان بعدها: وإذا كالوا هم ينقصون، أو وزنوا هم يخسرون.
الثانية- قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا ظهر فيهم الطاعون، وما طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله عنهم المطر" خرجه أبو بكر البزار بمعناه، ومالك بن أنس أيضا من حديث ابن عمر. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة. وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي قد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، أكيل بأحدهما، كلما ضربت أحدهما بالآخر آزداد عظما، فمات من وجعه. وقال عكرمة: أشهد على كل كيال أو وزان أنه في النار. قيل له: فإن ابنك كيال أو وزان. فقال: أشهد أنه في النار. قال الأصمعي: وسمعت أعرابية تقول: لا تلتمس المروءة ممن مروءته في رؤوس المكاييل، ولا ألسنة الموازين. وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وقال عبد خير: مر علي رضي الله عنه على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح، فأكفأ الميزان، ثم قال: أقم الوزن بالقسط؛ ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها، ويفضل الواجب من النفل. وقال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: أتق الله وأوف الكيل

والوزن بالقسط، فإن المطففين يوم القيامة يوقفون حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم. وقد روي أن أبا هريرة قدم المدينة وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، فقال أبو هريرة: فوجدناه في صلاة الصبح فقرأ في الركعة الأولى "كهيعص" وقرأ في الركعة الثانية "ويل للمطففين" قال أبو هريرة: فأقول في صلاتي: ويل لأبي فلان، كان له مكيالان إذا أكتال أكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص.
4- {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ}.
5- {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}.
6- {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}.
قوله تعالى: {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ} إنكار وتعجيب عظيم من حالهم، في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون التطفيف ببالهم، ولا يخمنون تخمينا {أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} فمسؤولون عما يفعلون. والظن هنا بمعنى اليقين؛ أي ألا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والوزن. وقيل: الظن بمعنى التردد، أي إن كانوا لا يستيقنون بالبعث، فهلا ظنوه، حتى يتدبروا ويبحثوا عنه، ويأخذوا بالأحوط {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} شأنه وهو يوم القيامة.
قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .فيه أربع مسائل:
الأولى- العامل في "يوم" فعل مضمر، دل عليه "مبعوثون" والمعنى يبعثون {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . ويجوز أن يكون بدلا من يوم في "ليوم عظيم"، وهو مبني. وقيل: هو في موضع خفض؛ لأنه أضيف إلى غير متمكن. وقيل: هو منصوب على الظرف أي في يوم، ويقال: أقم إلى يوم يخرج فلان، فتنصب يوم، فإن أضافوا إلى الاسم فحينئذ يخفضون ويقولون: أقم إلى يوم خروج فلان. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، التقدير إنهم مبعوثون يوم يقوم الناس لرب العالمين ليوم عظيم.

الثانية- وعن عبدالملك بن مروان: أن أعرابيا قال لي: قد سمعت ما قال الله تعالى في المطففين؛ أراد بذلك أن المطففين قد توجه عليهم هذا الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن. وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصف ذاته برب العالمين، بيان بليغ لعظم الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف، وفيما كان في مثل حاله من الحيف، وترك القيام بالقسط، والعمل على التسوية والعدل، في كل أخذ وإعطاء، بل في كل قول وعمل.
الثالثة- قرأ ابن عمر: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} حتى بلغ {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} فبكى حتى سقط، وامتنع من قراءة ما بعده، ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "يوم يقوم الناس لرب العالمين، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ حقويه، ومنهم من يبلغ صدره، ومنهم من يبلغ أذنيه، حتى إن أحدهم ليغيب في رشحه كما يغيب الضفدع" . وروى ناس عن ابن عباس قال: يقومون مقدار ثلثمائة سنة. قال: ويهون على المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة. وروي عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقومون ألف عام في الظلة" . وروى مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى إن أحدهم ليقوم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" . وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يقوم مائة سنة" . وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير الغفاري: "كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه مقدار ثلثمائة سنة لرب العالمين، لا يأتيهم فيه خبر، ولا يؤمر فيه بأمر" قال بشير: المستعان الله.
قلت: قد ذكرناه مرفوعا من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه ليخفف عن المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا" في "سأل سائل". وعن ابن عباس: يهون على المؤمنين قدر صلاتهم الفريضة. وقيل:

إن ذلك المقام على المؤمن كزوال الشمس؛ والدليل على هذا من الكتاب قول الحق: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ثم وصفهم فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} جعلنا الله منهم بفضله وكرمه وجوده. ومنه آمين. وقيل: المراد بالناس جبريل عليه السلام يقوم لرب العالمين؛ قال ابن جبير وفيه بعد؛ لما ذكرنا من الأخبار في ذلك، وهي صحيحة ثابتة، وحسبك بما في صحيح مسلم، والبخاري والترمذي من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم "يوم يقوم الناس لرب الله العالمين" قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى نصف أذنيه" . ثم قيل: هذا القيام يوم يقومون من قبورهم. وقيل: في الآخرة بحقوق عباده في الدنيا. وقال يزيد الرشك: يقومون بين يديه للقضاء.
الرابعة- القيام لله رب العالمين سبحانه حقير بالإضافة إلى عظمته وحقه، فأما قيام الناس بعضهم لبعض فاختلف فيه الناس؛ فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى جعفر بن أبي طالب واعتنقه، وقام طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار حين طلع عليه سعد بن معاذ: "قوموا إلى سيدكم" . وقال أيضا: "من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار" . وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته، فإن أنتظر ذلك وأعتقده لنفسه، فهو ممنوع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة فإنه جائز، وخاصة عند الأسباب، كالقدوم من السفر ونحوه. وقد مضى في آخر سورة "يوسف" شيء من هذا.
7- {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}.
8- {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ}.
9- { كِتَابٌ مَرْقُومٌ}.
10- {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}.
11- {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}.
12- {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}.
13- {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}

قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} قال قوم من أهل العلم بالحربية: "كلا" ردع وتنبيه، أي ليس الأم على ما هم عليه من تطفيف الكيل والميزان، أو تكذيب بالآخرة، فليرتدعوا عن ذلك. فهي كلمة ردع وزجر، ثم استأنف فقال: {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ} . وقال الحسن: "كلا" بمعنى حقا. وروى ناس عن ابن عباس "كلا" قال: ألا تصدقون؛ فعلى هذا: الوقف {لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} . وفي تفسير مقاتل: إن أعمال الفجار. وروى ناس عن ابن عباس قال: إن أرواح الفجار وأعمالهم {لَفِي سِجِّينٍ} . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة، تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها. ونحوه عن ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير ومقاتل وكعب؛ قال كعب: تحتها أرواح الكفار تحت خد إبليس. وعن كعب أيضا قال: سجين صخرة سوداء تحت الأرض السابعة، مكتوب فيها اسم كل شيطان، تلقى أنفس، الكفار عندها. وقال سعيد بن جبير: سجين تحت خد إبليس. يحيى بن سلام: حجر أسود تحت الأرض، يكتب فيه أرواح الكفار. وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السابعة السفلى، وفيها إبليس وذريته. وعن ابن عباس قال: إن الكافر يحضره الموت، وتحضره رسل الله، فلا يستطيعون لبغض الله له وبغضهم إياه، أن يؤخروه ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه، ورفعوه إلى ملائكة العذاب، فأروه ما شاء الله أن يروه من الشر، ثم هبطوا به إلى الأرض السابعة، وهي سجين، وهي آخر سلطان إبليس، فأثبتوا فيها كتابه. وعن كعب الأحبار في هذه الآية قال: إن روح الفاجر إذا قبضت يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل في سبع أرضين، حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو خد إبليس. فيخرج لها من سجين من تحت خد إبليس رق، فيرقم فيوضع تحت خد إبليس. وقال الحسن: سجين في الأرض السابعة. وقيل: هو ضرب مثل وإشارة إلى أن الله تعالى يرد أعمالهم التي ظنوا أنها تنفعهم. قال مجاهد: المعنى عملهم تحت الأرض السابعة لا يصعد منها شيء. وقال:

سجين صخرة في الأرض السابعة. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سجين جب في جهنم وهو مفتوح" وقال في الفلق: "إنه جب مغطى" . وقال أنس: هي دركة في الأرض السفلي. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "سجين أسفل الأرض السابعة" . وقال عكرمة: سجين: خسار وضلال؛ كقولهم لمن سقط قدره: قد زلق بالحضيض. وقال أبو عبيدة والأخفش والزجاج: {لَفِي سِجِّينٍ} لفي حبس وضيق شديد، فعيل من السجين؛ كما يقول: فسيق وشريب؛ قال ابن مقبل:
ورفقة يضربون البيض ضاحية ... ضربا تواصت به الأبطال سجينا
والمعنى: كتابهم في حبس؛ جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم، أو لأنه يحل من الإعراض عنه والإبعاد له محل الزجر والهوان. وقيل: أصله سجيل، فأبدلت اللام نونا. وقد تقدم ذلك. وقال زيد بن أسلم: سجين في الأرض السافلة، وسجيل في السماء الدنيا. القشيري: سجين: موضع في السافلين، يدفن فيه كتاب هؤلاء، فلا يظهر بل يكون في ذلك الموضع كالمسجون. وهذا دليل على خبث أعمالهم، وتحقير الله إياها؛ ولهذا قال في كتاب الأبرار: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} . {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} أي ليس ذلك مما كنت تعلمه يا محمد أنت ولا قومك. ثم فسره فقال: "كتاب مرقوم" أي مكتوب كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى. وقال قتادة: مرقوم أي مكتوب، رقم لهم بشر: لا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد. وقال الضحاك: مرقوم: مختوم، بلغة حمير؛ وأصل الرقم: الكتابة؛ قال:
سأرقم في الماء القراح إليكم ... على بعدكم إن كان للماء راقم
وليس في قوله: "وما أدراك ما سجين؟" ما يدل على أن لفظ سجين ليس عربيا، كما لا يدل في قوله: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} بل هو تعظيم لأمر سجين، وقد مضى في مقدمة الكتاب - والحمد لله - أنه ليس في القرآن غير عربي.
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ}

أي شدة وعذاب يوم القيامة للمكذبين. ثم بين تعالى أمرهم فقال: {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي بيوم الحساب والجزاء والفصل بين العباد. {وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} أي فاجر جائز عن الحق، معتد على الخلق في معاملته إياهم وعلى نفسه، وهو أثيم في ترك أمر الله. وقيل هذا في الوليد بن المغيرة وأبي جهل ونظرائهما لقوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} وقراءة العامة "تتلى" بتاءين، وقراءة أبي حيوة وأبي سماك وأشهب العقيلي والسلمي: "إذا يتلى" بالياء. وأساطير الأولين: أحاديثهم وأباطيلهم التي كتبوها وزخرفوها. وأحدها أسطورة وإسطارة، وقد تقدم.
14- {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.
15- {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}.
16- {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ}.
17- {ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}.
قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} "كلا": ردع وزجر، أي ليس هو أساطير الأولين. وقال الحسن: معناها حقا {رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} . وقيل: في الترمذي: عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب، صقل قلبه، فإن عاد زيا. فيها، حتى تعلو على قلبه" ، وهو(الران) الذي ذكر الله في كتابه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }. قال: هذا حديث حسن صحيح. وكذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب. قال مجاهد: هو الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم يذنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه، حتى تغشي الذنوب قلبه. قال مجاهد: هي مثل الآية التي في سورة البقرة: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } الآية. ونحوه عن الفراء؛ قال: يقول كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. وروي عن مجاهد أيضا قال: القلب مثل الكهف ورفع كفه، فإذا أذنب العبد الذنب انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذب الذنب انقبض، وضم

أخرى، حتى ضم أصابعه كلها، حتى يطبع على قلبه. قال: وكانوا يرون أن ذلك هو الرين، ثم قرأ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . ومثله عن حذيفة رضي الله عنه سواء. وقال بكر بن عبدالله: إن العبد إذا أذنب صار في قلبه كوخزة الإبرة، ثم صار إذا أذنب ثانيا صار كذلك، ثم إذا كثرت الذنوب صار القلب كالمنخل، أو كالغربال، حتى لا يعي خيرا، ولا يثبت فيه صلاح. وقد بينا في "البقرة" القول في هذا المعنى بالأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا معنى لإعادتها. وقد روى عبدالغني بن سعيد عن موسى بن عبدالرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن موسى عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس شيئا الله أعلم بصحته؛ قال: هو الران الذي يكون على الفخذين والساق والقدم، وهو الذي يلبس في الحرب. قال: وقال آخرون: الران: الخاطر الذي يخطر بقلب الرجل. وهذا مما لا يضمن عهدة صحته. فالله أعلم. فأما عامة أهل التفسير فعلى ما قد مضى ذكره قبل هذا. وكذلك أهل اللغة عليه؛ يقال: ران على قلبه ذنبه يرين رينا وريونا أي غلب. قال أبو عبيدة في قوله: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي غلب؛ وقال أبو عبيد: كل ما غلبك [وعلاك] فقد ران بك، ورانك، وران عليك؛ وقال الشاعر:
وكم ران من ذنب على قلب فاجر ... فتاب من الذنب الذي ران وانجلى
ورانت الخمر على عقله: أي غلبته، وران عليه النعاس: إذا غطاه؛ ومنه قول عمر في الأسيفع - أسيفع جهينة -: فأصبح قد رين به. أي غلبته الديون، وكان يدان؛ ومنه قول أبي زبيد يصف رجلا شرب حتى غلبه الشراب سكرا، فقال:
ثم لما رآه رانت به الخمـ ... ـر وأن لا ترينه باتقاء
فقوله: رانت به الخمر، أي غلبت على عقله وقلبه. وقال الأموي: قد أران القوم فهم مرينون: إذا هلكت مواشيهم وهزلت. وهذا من الأمر الذي أتاهم مما يغلبهم، فلا يستطيعون احتماله. قال أبو زيد يقال: قد رين بالرجل رينا: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قبل له

وقال أبو معاذ النحوي: الرين: أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب، وهذا أشد من الرين، والإقفال أشد من الطبع. الزجاج: الرين: هو كالصدأ يغشي القلب كالغيم الرقيق، ومثله الغين، يقال: غين على قلبه: غطي. والغين: شجر ملتف، الواحدة غيناء، أي خضراء، كثيرة الورق، ملتفة الأغصان. وقد تقدم قول الفراء أنه إحاطة الذنب بالقلوب. وذكر الثعلبي عن ابن عباس: {رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} : أي غطى عليها. وهذا هو الصحيح عنه إن شاء الله. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش وأبو بكر والمفضل "ران" بالإمالة؛ لأن فاء الفعل الراء، وعينه الألف منقلبة من ياء، فحسنت الإمالة لذلك. ومن فتح فعلى الأصل؛ لأن باب فاء الفعل في (فعل) الفتح، مثل كال وباع ونحوه. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ووقف حفص "بل" ثم يبتدئ "ران" وقفا يبين اللام، لا للسكت.
قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ} أي حقا"إنهم" يعني الكفار {عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة {لَمَحْجُوبُونَ} وقيل: "كلا" ردع وزجر، أي ليس كما يقولون، بل {ِإنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} . قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون. وقال جل ثناؤه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، لَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} فأعلم الله جل ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم أن الكفار محجوبون عنه، وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي: لما حجب قوما بالسخط، دل على أن قوما يرونه بالرضا. ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا. وقال الحسين بن الفضل: لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وقال مجاهد في قوله تعالى: {لَمَحْجُوبُونَ} : أي عن كرامته ورحمته ممنوعون. وقال قتادة: هو أن الله لا ينظر إليهم برحمته، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وعلى الأول الجمهور، وأنهم محجوبون عن رؤيته فلا يرونه. {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} أي

ملازموها، ومحترقون فيها غير خارجين منها، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} و {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} . ويقال: الجحيم الباب الرابع من النار. "ثم يقال" لهم أي تقول لهم خزنة جهنم {هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} رسل الله في الدنيا.
18- {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}.
19- {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}.
20- {كِتَابٌ مَرْقُومٌ}.
21- {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}.
قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} "كلا" بمعنى حقا، والوقف على "تكذبون". وقيل أي ليس الأمر كما يقولون ولا كما ظنوا بل كتابهم في سجين، وكتاب المؤمنين في عليين. وقال مقاتل: كلا، أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يصلونه. ثم استأنف فقال: {إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ} مرفوع في عليين على قدر مرتبتهم. قال ابن عباس: أي في الجنة. وعنه أيضا قال: أعمالهم في كتاب الله في السماء. وقال الضحاك ومجاهد وقتادة: يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين. وروى ابن الأجلح عن الضحاك قال: هي سدرة المنتهى، ينتهي إليها كل شيء من أمر الله لا يعدوها، فيقولون: رب عبدك فلان، وهو. أعلم به منهم، فيأتيه كتاب من الله عز وجل مختوم بأمانه من العذاب. فذلك قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ} . وعن كعب الأحبار قال: إن روح المؤمن إذا قبضت صعد بها إلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم يخرجون معها حتى ينتهوا إلى العرش، فيخرج لهم من تحت العرش، رق فيرقم ويختم فيه النجاة من الحساب يوم القيامة ويشهده المقربون. وقال قتادة أيضا: "في عليين" هي فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى. وقال البراء بن عازب قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليون في السماء السابعة تحت العرش" . وعن ابن عباس أيضا: هو لوح من زبر جدة خضراء معلق بالعرش، أعمالهم مكتوبة فيه. وقال الفراء: عليون ارتفاع بعد ارتفاع. وقيل: عليون أعلى الأمكنة. وقيل: معناه علو في علو مضاعف، كأنه لا غاية له؛ ولذلك جمع بالواو والنون. وهو معنى قول الطبري. قال الفراء: هو اسم موضوع على صفة الجمع، ولا واحد له من

لفظه؛ كقولك: عشرون وثلاثون، والعرب إذا جمعت جمعا ولم يكن له بناء من واحده ولا تثنية، قالوا في المذكر والمؤنث بالنون. وهي معنى قول الطبري. وقال الزجاج: إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، كما تقول: هذه قنسرون، ورأيت قنسرين. وقال يونس النحوي وأحدها: علي وعلية. وقال أبو الفتح: عليين: جمع على، وهو فعيل من العلو. وكان سبيله أن يقول علية كما قالوا للغرفة علية؛ لأنها من العلو، فلما حذف التاء من علية عوضوا منها الجمع بالواو والنون، كما قالوا في أرضين. وقيل: إن عليين صفة للملائكة، فإنهم الملأ الأعلى؛ كما يقال: فلان في بني فلان؛ أي هو في جملتهم وعندهم. والذي في الخبر من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل عليين لينظرون إلى الجنة من كذا، فإذا أشرف رجل من أهل عليين أشرقت الجنة لضياء وجهه، فيقولون: ما هذا النور؟ فيقال أشرف رجل من أهل عليين الأبرار أهل الطاعة والصدق" . وفي خبر آخر: "إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى الكوكب الدري في أفق السماء" يدل على أن عليين اسم الموضع المرتفع. وروى ناس عن ابن عباس في قوله "عليين" قال: أخبر أن أعمالهم وأرواحهم في السماء الرابعة.ثم قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} أي ما الذي أعلمك يا محمد أي شيء عليون؟ على جهة التفخيم والتعظيم له في المنزلة الرفيعة. ثم فسره له فقال: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} . وقيل: إن "كتاب مرقوم" ليس تفسيرا لعليين، بل تم الكلام عند قوله"عليون" ثم ابتدأ وقال: "كتاب مرقوم" أي كتاب الأبرار كتاب مرقوم ولهذا عكس الرقم في كتاب الفجار؛ قال القشيري. وروي: أن الملائكة تصعد بعمل العبد، فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم: إنكم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص لي عمله، فاجعلوه في عليين، فقد غفرت له، وإنها لتصعد بعمل العبد، فيتركونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله، فاجعلوه في سجين.

قوله تعالى: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} أي يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء من الملائكة. وقال وهب وابن إسحاق: المقربون هنا إسرافيل عليه السلام، فإذا عمل المؤمن عمل البر، صعدت الملائكة بالصحيفة وله نور يتلألأ في السموات كنور الشمس في الأرض، حتى ينتهي بها إلى إسرافيل، فيختم عليها ويكتب فهو قوله: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} أي يشهد كتابتهم.
22- {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ}.
23- {عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ}.
24- {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ}.
25- {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ}.
26- {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}.
27- {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ}.
28- {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}.
قوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ} أي أهل الصدق والطاعة. {لَفِي نَعِيمٍ} أي نعمة، والنعمة بالفتح: التنعيم؛ يقال: نعمه الله وناعمه فتنعم وامرأة منعمة ومناعمة بمعنى. أي إن الأبرار في الجنات يتنعمون. {عَلَى الْأَرَائِكِ} وهي الأسرة في الحجال {يَنْظُرُونَ} أي إلى ما أعد الله لهم من الكرامات؛ قال عكرمة وابن عباس ومجاهد. وقال مقاتل: ينظرون إلى أهل النار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "ينظرون إلى أعدائهم في النار" ذكره المهدوي. وقيل: على أرائك أفضاله ينظرون إلى وجهه وجلاله.
قوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} أي بهجته وغضارته ونوره؛ يقال: نضر النبات: إذا آزهر ونور. وقراءة العامة "تعرف" بفتح التاء وكسر الراء "نضرة" نصبا؛ أي تعرف يا محمد. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويعقوب وشيبة وابن أبي إسحاق: "تعرف" بضم التاء وفتح الراء على الفعل المجهول "نضرة" رفعا. {يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} أي من شراب لا غش فيه. قاله الأخفش والزجاج. وقيل، الرحيق الخمر الصافية. وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر. والمعنى واحد. الخليل: أقصى الخمر وأجودها. وقال مقاتل وغيره: هي الخمر العتيقة البيضاء الصافية من الغش النيرة، قال حسان:

يسقون من ورد البريص عليهم ... بردي يصفق بالرحيق السلسل
وقال آخر:
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إلي من الرحيق السلسل
قوله تعالى: {مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ} المختوم الممزوج. وقيل: مختوم أي ختمت ومنعت عن أن يمسها ماس إلى أن يفك ختامها الأبرار. وقرأ علي وعلقمة وشقيق والضحاك وطاوس والكسائي "خاتمه" بفتح الخاء والتاء وألف بينهما. قاله علقمة: أما رأيت المرأة تقول للعطار: أجعل خاتمه مسكا، تريد آخره. والخاتم والختام متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر؛ قال الفراء. وفي الصحاح: والختام: الطين الذي يحتم به. وكذا قال مجاهد وابن زيد: ختم إناؤه بالمسك بدلا من الطين. حكاه المهدوي. وقال الفرزدق:
وبت أفض أغلاق الختام
وقال الأعشى:
وأبرزها وعليها ختم
أي عليها طينة مختومة؛ مثل نفض بمعنى منفوض، وقبض بمعنى مقبوض. وذكر ابن المبارك وابن وهب، واللفظ لابن وهب، عن عبدالله. بن مسعود في قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} : خلطه، ليس بخاتم يختم، ألا ترى إلى قول المرأة من نسائكم: إن خلطه من الطيب كذا وكذا.

إنما خلطه مسك؛ قال: شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر أشربتهم، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها، لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها. وروى أبي بن كعب قال: قيل يا رسول الله ما الرحيق المختوم؟ قال: "غدران الخمر". وقيل: مختوم في الآنية، وهو غير الذي يجري في الأنهار. فالله أعلم. {وَفِي ذَلِكَ} أي وفي الذي وصفناه من أمر الجنة {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} أي فليرغب الراغبون يقال: نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة: أي ضننت به، ولم أحب أن يصير إليه. وقيل: الفاء بمعنى إلى، أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل؛ نظيره: "لمثل هذا فليعمل العاملون".
قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ} أي ومزاجه ذلك الرحيق {مِنْ تَسْنِيمٍ} وهو شراب ينصب عليهم من علو، وهو أشرف شراب في الجنة. وأصل التسنيم في اللغة: الارتفاع فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل؛ ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه، وكذلك تسنيم القبور. وروي عن عبدالله قال: تسنيم عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب. وقال ابن عباس في قول عز وجل: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} قال: هذا مما قال الله تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} وقيل: التسنيم عين تجري في الهواء بقدرة الله تعالى، فتنصب في أواني أهل الجنة على قدر مائها، فإذا امتلأت أمسك الماء، فلا تقع منه قطرة على الأرض، ولا يحتاجون إلى الاستقاء؛ قال قتادة، ابن زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش. وكذا في مراسيل الحسن. وقد ذكرناه في سورة "الإنسان".
{عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} أي يشرب منها أهل جنة عدن، وهم أفاضل أهل الجنة صرفا، وهي لغيرهم مزاج. و"عينا" نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال من تسنيم، وتسنيم معرفة، ليس يعرف له أشتقاق، وإن جعلته مصدرا مشتقا من السنام فـ "عينا" نصب؛ لأنه مفعول به؛ كقوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيماً} وهذا قول الفراء إنه منصوب بتسنيم. وعند الأخفش بـ "يسقون" أي يسقون عينا أو من عين. وعند المبرد بإضمار أعني على المدح.

29- {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون}
30- {وإذا مروا بهم يتغامزون}
31- {وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين}
32- {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون}
33- {وما أرسلوا عليهم حافظين}
34- {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون}
35- {على الأرائك ينظرون}
36- {هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون}
قوله تعالى: "إن الذين أجرموا" وصف أرواح الكفار في الدنيا مع المؤمنين باستهزائهم بهم والمراد رؤساء قريش من أهل الشرك. روى ناس عن ابن عباس قال: هو الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث؛ وأولئك "كانوا من الذين آمنوا" من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل عمار، وخباب وصهيب وبلال "يضحكون" على وجه السخرية."وإذا مروا بهم" عند إتيانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "يتغامزون" يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم. وقيل: أي يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به يقال: غمزت الشيء بيدي؛ قال:
وكنت إذا غمزت فتاة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
وقالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد غمزني، فقبضت رجلي. الحديث؛ وقد مضى في "النساء". وغمزته بعيني. وقيل: الغمز: بمعنى العيب، يقال غمزه: أي عابه، وما في فلان غمزة أي عيب. وقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب جاء في نفر من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلمزهم المنافقون، وضحكوا عليهم وتغامزوا.
قوله تعالى: "وإذا انقلبوا" أي أنصرفوا إلى أهلهم وأصحابهم وذويهم "انقلبوا فكهين" أي معجبين منهم. وقيل: معجبون بما هم عليه من الكفر، متفكهون بذكر المؤمنين. وقرأ ابن القعقاع وحفص والأعرج والسلمي: "فكهين" بغير ألف. الباقون بألف. قال الفراء: هما لغتان مثل

طمع وطامع وحذر وحاذر، وقد تقدم في سورة "الدخان" والحمد لله. وقيل: الفكه: الأشر البطر والفاكه: الناعم المتنعم. "وإذا رأوهم" أي إذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم "قالوا إن هؤلاء لضالون" في اتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم "وما أرسلوا عليهم حافظين" لأعمالهم، موكلين بأحوالهم، رقباء عليهم.
قوله تعالى: "فاليوم" يعني هذا اليوم الذي هو يوم القيامة "الذين آمنوا" بمحمد صلى الله عليه وسلم "من الكفار يضحكون" كما ضحك الكفار منهم في الدنيا. نظيره في آخر سورة "المؤمنين" وقد تقدم. وذكر ابن المبارك: أخبرنا محمد بن بشار عن قتادة في قوله تعالى: "فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون" قال: ذكر لنا أن كعبا كان يقول إن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى؛ قال الله تعالى في آية أخرى: "فاطلع فرآه في سواء الجحيم" قال: ذكر لنا أنه أطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر ابن المبارك أيضا: أخبرنا الكلبي عن أبي صالح في قوله تعالى: "الله يستهزئ بهم" قال: يقال لأهل النار وهم في النار: أخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم؛ فذلك قوله: "الله يستهزئ بهم" ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم فذلك قوله تعالى: "فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك ينظرون. هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون" قد مضى هذا في أول سورة "البقرة". ومعنى "هل ثوب" أي هل جوزي بسخريتهم في الدنيا بالمؤمنين إذا فعل بهم ذلك. وقيل: إنه متعلق بـ "ينظرون" أي ينظرون: هل جوزي الكفار؟ فيكون معنى هل [التقرير] وموضعها نصبا بـ "ينظرون". وقيل: استئناف لا موضع له من الأعراب. وقيل: هو إضمار على القول، والمعنى؛ يقول بعض المؤمنين لبعض: "هل ثوب الكفار" أي أثيب وجوزي. وهو من ثاب يثوب أي رجع؛ فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر. تمت السورة والله أعلم.

سورة الانشقاق
مكية في قول الجميع، وهي خمس وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1- {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}
2- {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}
3- {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ}
4- {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}
5- {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}
قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} أي انصدعت، وتفطرت بالغمام، والغمام مثل السحاب الأبيض. وكذا روي أبو صالح عن ابن عباس. وروي عن علي عليه السلام قال: تشق من المجرة وقال: المجرة باب السماء. وهذا من أشراط الساعة وعلامتها. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} أي سمعت، وحق لها أن تسمع، روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن" أي ما استمع الله لشيء؛ قال الشاعر:
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
أي سمعوا. وقال قعنب ابن أم صاحب:
إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا ... وما هم أذنوا من صالح دفنوا
وقيل: المعنى وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق. وقال الضحاك: حقت: أطاعت، وحق لها أن تطيع ربها، لأنه خلقها؛ يقال: فلان محقوق بكذا. وطاعة السماء: بمعنى أنها لا تمتنع مما أراد الله بها، ولا يبعد خلق الحياة فيها حتى تطيع وتجيب. وقال قتادة: حق لها أن تفعل ذلك؛ ومنه قول كثير:
فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا
وحقت لها العتبى لدينا وقلت

قوله تعالى: {وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ} أي بسطت ودكت جبالها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تمد مد الأديم" لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه وامتد واستوى. قال ابن عباس وابن مسعود: ويزاد وسعتها كذا وكذا؛ لوقوف الخلائق عليها للحساب حتى لا يكون لأحد من البشر إلا موضع قدمه، لكثرة الخلائق فيها. وقد مضى في سورة "إبراهيم" أن الأرض تبدل بأرض أخرى وهي الساهرة في قول ابن عباس على ما تقدم عنه. {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} أي أخرجت أمواتها، وتخلت عنهم. وقال ابن جبير: ألقت ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء. وقيل: ألقت ما في بطنها من كنوزها ومعادنها، وتخلت منها. أي خلا جوفها، فليس في بطنها شيء، وذلك يؤذن بعظم الأمر، كما تلقى الحامل ما في بطنها عند الشدة. وقيل: تخلت مما على ظهرها من جبالها وبحارها. وقيل: ألقت ما استودعت، وتخلت مما استحفظت؛ لأن الله تعالى استودعها عباده أحياء وأمواتا، واستحفظها بلاده مزارعة وأقواتا. {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا} أي في إلقاء موتاها {وَحُقَّت} أي وحق لها أن تسمع أمره. واختلف في جواب "إذا" فقال الفراء: {وَأَذِنَتْ} . والواو زائدة، وكذلك {وَأَلْقَتْ} . ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: جواب {إذا السماء انشقت} أذنت، وزعم أن الواو مقحمة وهذا غلط؛ لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع "حتى - إذا" كقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} ومع "لما" كقوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ} معناه "ناديناه" والواو لا تقحم مع غير هذين. وقيل: الجواب فاء مضمرة كأنه قال: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فيا أيها الإنسان إنك كادح. وقيل: جوابها ما دل عليه {فَمُلاقِيهِ} أي إذا السماء انشقت لاقي الإنسان كدحه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} {إذا السماء انشقت}. قاله المبرد. وعنه أيضا: الجواب {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} وهو قول الكسائي؛ أي إذا السماء أنشقت فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح

ما قيل فيه وأحسنه. قيل: هو بمعنى اذكر {إذا السماء انشقت}. وقيل: الجواب محذوف لعلم المخاطبين به؛ أي إذا كانت هذه الأشياء علم المكذبون بالبعث ضلالتهم وخسرانهم. وقيل: تقدم منهم سؤال عن وقت القيامة، فقيل لهم: إذا ظهرت أشراطها كانت القيامة، فرأيتم عاقبة تكذيبكم بها. والقرآن كالآية الواحدة في دلالة البعض على البعض. وعن الحسن: إن قوله: {إذا السماء انشقت} قسم. والجمهور على خلاف قول من أنه خبر وليس بقسم.
6- {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}
7- {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}
8- {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}
9- {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً}
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً} المراد بالإنسان الجنس أي يا ابن آدم. وكذا روى سعيد عن قتادة: يا ابن آدم، إن كدحك لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله. وقيل: هو معين: قال مقاتل: يعني الأسود بن عبدالأسد. ويقال: يعني أبي بن خلف. ويقال: يعني جميع الكفار، أيها الكافر إنك كادح. والكدح في كلام العرب: العمل والكسب؛ قال ابن مقبل:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقال آخر:
ومضت بشاشة كل عيش صالح ... وبقيت أكدح للحياة وأنصب
أي أعمل. وروى الضحاك عن ابن عباس: {إِنَّكَ كَادِحٌ} أي راجع {إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً} أي رجوعا لا محالة {فَمُلاقِيهِ} أي ملاق ربك. وقيل: ملاق عملك. القتبي {إِنَّكَ كَادِحٌ} أي عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك. والملاقاة بمعنى اللقاء أن تلقى ربك بعملك. وقيل أي تلاقي كتاب عملك؛ لأن العمل قد انقضى ولهذا قال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} .

قوله تعالي: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} وهو المؤمن {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} لا مناقشة فيه. كذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حوسب يوم القيامة عذب" قالت: فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله "فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا" فقال: "ليس ذاك الحساب؛ إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب" أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. {وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أزواجه في الجنة من الحور العين {مَسْرُوراً} أي مغتبطا قرير العين. ويقال إنها نزلت في أبي سلمة بن عبدالأسد، هو أول من هاجر من مكة إلى المدينة. وقيل: إلى أهله الذين كانوا له في الدنيا، ليخبرهم بخلاصه وسلامته. والأول قول قتادة. أي إلى أهله الذين قد أعدهم الله له في الجنة.
10- {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ}
11- {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً}
12- {وَيَصْلَى سَعِيراً}
13- {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً}
14- {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ}
15- {بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً}
قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} نزلت في الأسود بن عبدالأسد أخي أبي سلمة قال ابن عباس. ثم هي عامة في كل مؤمن وكافر. قال ابن عباس: يمد يده اليمنى ليأخذ كتابه فيجذبه ملك، فيخلع يمينه، فيأخذ كتابه بشمال من وراء ظهره. وقال قتادة ومقاتل: يفك ألواح صدره وعظامه ثم تدخل يده وتخرج من ظهره، فيأخذ كتابه كذلك. {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً} أي بالهلاك فيقول: يا ويلاه، يا ثبوراه. {وَيَصْلَى سَعِيراً} أي ويدخل النار حتى يصلى بحرها. وقرأ الحرميان وابن عامر والكسائي {وَيُصَلَّى} بضم الياء وفتح الصاد، وتشديد اللام، كقوله تعالى: {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} وقوله: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} الباقون {وَيَصْلَى} بفتح الياء مخففا، فعل لازم غير متعد؛ لقوله: {إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} وقوله: {يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} وقوله {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} . وقراءة ثالثة رواها أبان

عن عاصم وخارجة عن نافع وإسماعيل المكي عن ابن كثير "ويُصْلَي" بضم الياء وإسكان الصاد وفتح اللام مخففا؛ كما قرئ {وسيُصلون} بضم الياء، وكذلك في {الغاشية} قد قرئ أيضا:"تُصْلَى ناراً" وهما لغتان صلى وأصلى؛ كقوله: "نزل. وأنزل".
قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} أي في الدنيا {مسرورا} قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء والشفقة في الدنيا فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، وقرأ قول الله تعالى: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} . قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها والتفكه. فقال: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً} . {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} أي لن يرجع حيا مبعوثا فيحاسب، ثم يثاب أو يعاقب. يقال: حار يحور إذا رجع؛ قل لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذا هو ساطع
وقال عكرمة وداود بن أبي هند، يحور كلمة بالحبشية، ومعناها يرجع. ويجوز أن تتفق الكلمتان فإنهما كلمة اشتقاق؛ ومنه الخبز الحوارة؛ لأنه يرجع إلى البياض. وقال ابن عباس: ما كنت أدري: ما يحور؟ حتى سمعت أعرابية تدعو بنية لها: حوري، أي ارجعي إلي، فالحور في كلام العرب الرجوع؛ ومنه قول عليه السلام: "اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور" يعني: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وكذلك الحور بالضم. وفي المثل "حور في محارة" أي نقصان في نقصان. يضرب للرجل إذا كان أمره يدبر، قال الشاعر:
واستعجلوا عن خفيف المضغ فازدردوا ... والذم يبقى وزاد القوم في حور
والحور أيضا: الاسم من قولك: طحنت الطاحنة فما أحارت شيئا؛ أي ما ردت شيئا من الدقيق. والحور أيضا الهلكة؛ قال الراجز:
في بئر لا حور سرى ولا شعر

قال أبو عبيدة: أي بئر حور، و"لا" زائدة. وروى "بعد الكون" ومعناه من انتشار الأمر بعد تمامه. وسئل معمر عن الحور بعد الكون، فقال: هو الكنتي. فقال له عبدالرزاق: وما الكنتي؟ فقال: الرجل يكون صالحا ثم يتحول رجل سوء. قال أبو عمرو: يقال للرجل إذا شاخ: كنتي، كأنه نسب إلى قوله: كنت في شبابي كذا. قال:
فأصبحت كنتياً وأصبحت عاجناً ... وشر خصال المرء كنت وعاجن
عجن الرجل: إذا نهض معتمدا على الأرض من الكبر. وقال ابن الأعرابي: الكنتي: هو الذي يقول: كنت شابا، وكنت شجاعا، والكاني هو الذي يقول: كان لي مال وكنت أهب، وكان لي خيل وكنت أركب.
قوله تعالى: {بَلَى} أي ليس الأمر كما ظن، بل يحور إلينا ويرجع. {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} قبل أن يخلقه، عالما بأن مرجعه إليه. وقيل: بلى ليحورن وليرجعن. ثم ستأنف فقال: {إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً} من يوم خلقه إلى أن بعثه. وقيل: عالما بما سبق له من الشقاء والسعادة.
16- {فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ}
17- {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ}
18- {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ}
19- {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ}
20- {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}
21- {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ}
قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ} أي فأقسم و"لا" صلة. {بِالشَّفَقِ} أي بالحمرة التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة. قال أشهب وعبدالله بن الحكم ويحيى بن يحيى وغيرهم، كثير عددهم عن مالك: الشفق الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد خرجت من وقت المغرب ووجبت صلاة العشاء. وروى بن وهب قال: أخبرني غير واحد عن علي ابن أبي طالب ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس

وأبي هريرة: أن الشفق الحمرة، وبه قال مالك بن أنس. وذكر غير ابن وهب من الصحابة: عمر وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنسا وأبا قتادة وجابر بن عبدالله وابن الزبير، ومن التابعين: سعيد بن جبير، وابن المسيب وطاوس، وعبدالله بن دينار، والزهري، وقال به من الفقهاء الأوزاعي ومالك والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وأبو عبيدة وأحمد وإسحاق وقيل: هو البياض؛ روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة أيضا وعمر بن عبدالعزيز والأوزاعي وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه. وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه. وروي عن ابن عمر أيضا أنه البياض والاختيار الأول؛ لأن أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء عليه، ولأن شواهد كلام العرب والاشتقاق والسنة تشهد له. قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول لثوب عليه مصبوغ: كأنه الشفق وكان أحمر، فهذا شاهد للحمرة؛ وقال الشاعر:
وأحمر اللون كمحمر الشفق
وقال آخر:
قم يا غلام أعني غير مرتبك ... على الزمان بكأس حشوها شفق
ويقال للمغرة الشفق. وفي الصحاح: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العتمة. قال الخليل: الشفق: الحمرة، من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، إذا ذهب قيل: غاب الشفق. ثم قيل: أصل الكلمة من رقة الشيء؛ يقال: شيء شفق أي لا تماسك له لرقته. واشفق عليه. أي رق قلبه عليه، والشفقة: الاسم من الإشفاق، وهو رقة القلب، وكذلك الشفق؛ قال الشاعر:
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم
فالشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها فكأن تلك الرقة عن ضوء الشمس. وزعم الحكماء أن البياض لا يغيب أصلا. وقال الخليل: صعدت منارة الإسكندرية فرمقت البياض، فرأيته يتردد من أفق إلى أفق ولم أره يغيب. وقال ابن أبي أويس: رأيته يتمادى إلى طلوع الفجر

قال علماؤنا: فلما لم يتحدد وقته سقط اعتباره. وفي سنن أبي داود عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلمكم بوقت صلاة العشاء الآخرة؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها لسقوط القمر الثالثة. وهذا تحديد، ثم الحكم معلق بأول الاسم. لا يقال: فينقض عليكم بالفجر الأول، فإنا نقول الفجر الأول لا يتعلق به حكم من صلاة ولا إمساك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين الفجر بقوله وفعله فقال: "وليس الفجر أن تقول هكذا - فرفع يده إلى فوق - ولكن الفجر أن تقول هكذا وبسطها" وقد مضى بيانه في آية الصيام من سورة "البقرة"، فلا معنى للإعادة. وقال مجاهد: الشفق: النهار كله ألا تراه قال "والليل وما وسق" وقال عكرمة: ما بقي من النهار. والشفق أيضا: الرديء من الأشياء؛ يقال: عطاء مشفق أي مقلل قال الكميت:
ملك أغر من الملوك تحلبت ... للسائلين يداه غير مشفق
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} أي جمع وضم ولف، وأصله من سورة السلطان وغضبه فلولا أنه خرج إلى العباد من باب الرحمة ما تمالك العباد لمجيئه ولكن خرج من باب الرحمة فمزح بها، فسكن الخلق إليه ثم انذعروا والتفوا وانقبضوا، ورجع كل إلى مأواه فسكن فيه من هوله وحشا، وهو قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} أي بالليل " {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} أي بالنهار على ما تقدم. فالليل يجمع ويضم ما كان منتشرا بالنهار في تصرفه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم؛ قال ضابئ بن الحارث البرجمي:
فإني وإياكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله
يقول: ليس في يده من ذلك شيء كما أنه ليس في يد القابض على الماء شيء؛ فإذا جلل الليل الجبال والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له، فقد وسقها. والوسق: ضمك الشيء

بعضه إلى بعض، تقول: وسقته أسقه وسقا. ومنه قيل للطعام الكثير المجتمع: وسق، وهو ستون صاعا. وطعام موسق: أي مجموع، وإبل مستوسقة أي مجتمعة؛ قال الراجز:
إن لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا
وقال عكرمة: "وما وسق" أي وما ساق من شيء إلى حيث يأوي، فالوسق بمعنى الطرد، ومنه قيل للطريدة من الإبل والغنم والحمر: وسيقة، قال الشاعر:
كما قاف آثار الوسيقة قائف
وعن ابن عباس: "وما وسق" أي وما جن وستر. وعنه أيضا: وما حمل، وكل شيء حملته فقد وسقته، والعرب تقول: لا أفعله ما وسقت عيني الماء، أي حملته. ووسقت الناقة تسق وسقا: أي حملت وأغلقت رحمها على الماء، فهي ناقة واسق، ونوق وساق مثل نائم ونيام، وصاحب وصحاب، قال بشر بن أبي خازم:
ألظ بهن يحدوهن حتى ... تبينت الحيال من الوساق
ومواسيق أيضا. وأوسقت البعير: حملته حمله، وأوسقت النخلة: كثر حملها. وقال يمان والضحاك ومقاتل بن سليمان: حمل من الظلمة. قال مقاتل: أو حمل من الكواكب. القشيري: ومعنى حمل: ضم وجمع، والليل يجلل بظلمته كل شيء فإذا جللها فقد وسقها. ويكون هذا القسم قسما بجميع المخلوقات، لاشتمال الليل عليها، كقوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ} . وقال ابن جبير: {وَمَا وَسَقَ} أي وما عمل فيه، يعني التهجد والاستغفار بالأسحار، قال الشاعر:
ويوما ترانا صالحين وتارة ... تقوم بنا كالواسق المتلبب
أي كالعامل.

قوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي تم واجتمع واستوى. قال الحسن: اتسق: أي امتلأ واجتمع. ابن عباس: استوى. قتادة: استدار. الفراء: اتساقه: امتلاؤه واستواؤه ليالي البدر، وهو افتعال من الوسق الذي هو الجمع، يقال: وسقته فاتسق، كما يقال: وصلته فاتصل، ويقال: أمر فلان متسق: أي مجتمع على الصلاح منتظم. ويقال: اتسق الشيء: إذا تتابع: "لتركبن طبقا عن طبق" قرأ أبو عمر وابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومسروق وأبو وائل ومجاهد والنخعي وابن كثير وحمزة والكسائي "لتركبن" بفتح الباء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لتركبن يا محمد حالا بعد حال، قال ابن عباس. الشعبي: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء، ودرجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى. ابن مسعود: لتركبن السماء حالا بعد حال، يعني حالاتها التي وصفها الله تعالى بها من الانشقاق والطي وكونها مرة كالمهل ومرة كالدهان. وعن إبراهيم عن عبدالأعلى: "طبقا عن طبق" قال: السماء تقلب حالا بعد حال. قال: تكون وردة كالدهان، وتكون كالمهل؛ وقيل: أي لتركبن أيها الإنسان حالا بعه حال، من كونك نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حيا وميتا وغنيا وفقيرا. فالخطاب للإنسان المذكور في قوله: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ} هو اسم للجنس، ومعناه الناس. وقرأ الباقون "لتركبن" بضم الباء، خطابا للناس، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال: لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وسلم، لما ذكر قبل هذه الآية فمن أوتي كتابه بيمينه ومن أوتي كتابه بشماله. أي لتركبن حالا بعد حال من شدائد القيامة، أو لتركبن سنة من كان قبلكم في التكذيب واختلاق على الأنبياء.
قلت: وكله مراد، وقد جاءت بذلك أحاديث، فروى أبو نعيم الحافظ عن جعفر بن محمد بن علي عن جابر رضي الله عنه، قال سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل؛ إن الله لا إله غيره إذا أراد خلقه قال للملك اكتب رزقه وأثره وأجله، واكتب شقيا أو سعيدا، ثم يرتفع ذلك الملك، ويبعث الله ملكا

آخر فيحفظه حتى يدرك، ثم يبعث الله ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا جاءه الموت ارتفع ذانك الملكان، ثم جاءه ملك الموت عليه السلام فيقبض روحه، فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده، ثم يرتفع ملك الموت، ثم جاءه ملكا، القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات، فأنشطا كتابا معقودا في عنقه، ثم حضرا معه، واحد سائق والآخر شهيد " ثم قال الله عز وجل {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ} قال: "حالا بعد حال" ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم" فقد أشتمل هذا الحديث على أحوال تعتري الإنسان، من حين يخلق إلى حين يبعث، وكله شدة بعد شدة، حياة ثم موت، ثم بعث ثم جزاء، وفي كل حال من هذه شدائد. وقال صلى الله عليه وسلم: "لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن"؟ خرجه البخاري: وأما أقوال المفسرين، فقال عكرمة: حالا بعد حال، فطيما بعد رضيع، وشيخا بعد شباب، قال الشاعر:
كذلك المرء إن ينسأ له أجل ... يركب على طبق من بعده طبق
وعن مكحول: كل عشرين عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه: وقال الحسن: أمرا بعد أمر، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا بعد غني، وصحة بعد سقم، وسقما بعد صحة: سعيد بن جبير: منزلة بعد منزلة، قوم كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا مرتفعين فاتضعوا في الآخرة: وقيل: منزلة عن منزلة، وطبقا عن طبق، وذلك، أن من كان على صلاح دعاه إلى صلاح فوقه، ومن كان على فساد دعاه إلى فساد فوقه، لأن كل شيء يجري إلى شكله: ابن زيد: ولتصيرن من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة: وقال ابن عباس: الشدائد والأهوال: الموت، ثم البعث، ثم العرض،

والعرب تقول لمن وقع في أم شديد: وقع في بنات طبق، وإحدى بنات طبق، ومنه قيل للداهية الشديدة: أم طبق، وإحدى بنات طبق: وأصلها من الحيات، إذ يقال: للحية أم طبق لتحويها: والطبق في اللغة: الحال كما وصفنا، قال الأقرع بن حابس التميمي:
إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منه إلى طبق
وهذا أدل دليل على حدوث العالم، وإثبات الصانع، قالت الحكماء: من كان اليوم على حالة، وغدا على حالة أخرى فليعلم أن تدبيره إلى سواه: وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على أن لهذا العالم صانعا؟ فقال: تحويل الحالات، وعجز القوة، وضعف الأركان، وقهر النية: ونسخ العزيمة: ويقال: أتانا طبق من الناس وطبق من الجراد: أي جماعة: وقول العباس في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
أي قرن من الناس. يكون طباق الأرض أي ملأها. والطبق أيضا: عظم رقيق يفصل بين الفقارين ويقال: مضى طبق من الليل، وطبق من النهار: أي معظم منه. والطبق: واحد الأطباق، فهو مشترك. وقرئ "لتركبن" بكسر الباء، على خطاب النفس و"ليركبن" بالياء على ليركبن الإنسان. و"عن طبق" في محل نصب على أنه صفة لـ "طبقا" أي طبقا مجاوزا لطبق. أو حال من الضمير في "لتركبن" أي لتركبن طبقا مجاوزين لطبق، أو مجاوزا أو مجاوزة على حسب القراءة.
قوله تعالى: {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} يعني أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات. وهذا استفهام إنكار. وقيل: تعجب أي أعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} أي لا يصلون. وفي الصحيح: إن أبا هريرة قرأ {إذا السماء أنشقت} فسجد فيها، فلما أنصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وقد قال مالك: إنها ليست من عزائم السجود؛ لأن [المعنى]

لا يذعنون ولا يطيعون في العمل بواجباته. ابن العربي: والصحيح أنها منه، وهي رواية المدنيين عنه، وقد أعتضد فيها القرآن والسنة. قال ابن العربي: لما أممت بالناس تركت قراءتها؛ لأني إن سجدت أنكروه، وإن تركتها كان تقصيرا مني، فاجتنبتها إلا إذا صليت وحدي. وهذا تحقيق وعد الصادق بأن يكون المعروف منكرا، والمنكر معروفا؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: "لولا حدثان قومك بالكفر لهدمت البيت، ولرددته على قواعد إبراهيم" . ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو مذهب مالك والشافعي ويفعله الشيعة، فحضر عندي يوما في محرس ابن الشواء بالثغر - موضع تدريسي - عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف وأنا في مؤخره قاعدا على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعي في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلع على مراكب تخت الميناء، فلما رفع الشيخ يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وأرموا به إلى البحر، فلا يراكم أحد. فطار قلبي من بين جوانحي وقلت: سبحان الله هذا الطرطوشي فقيه الوقت. فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وهذا مذهب مالك، في رواية أهل المدينة عنه. وجعلت أسكنهم وأسكتهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك وقال: ومن أين لي أن أقتل على سنة؟ فقلت له: ولا يحل لك هذا، فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك وربما ذهب دمك. فقال: دع هذا الكلام، وخذ في غيره.
22- {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ}
23- {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ}
24- {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}
25- {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}

قوله تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ} محمدا صلى الله عليه وسلم وما جاء به. وقال مقاتل: نزلت في بني عمرو بن عمير وكانوا أربعة، فأسلم آثنان منهم. وقيل: هي في جميع الكفار. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} أي بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب. كذا روى الضحاك عن ابن عباس. وقال مجاهد: يكتمون من أفعالهم. ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة؛ مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه؛ يقال: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء؛ قال الشاعر:
الخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد
ووعاه أي حفظه؛ تقول: وعيت الحديث أعيه وعيا، وأذن واعية. وقد تقدم.
{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي موجع في جهنم على تكذيبهم. أي أجعل ذلك بمنزلة البشارة. {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذين صدقوا بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وعملوا الصالحات، أي أدوا الفرائض المفروضة عليهم {لَهُمْ أَجْرٌ} أي ثواب {غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي غير منقوص ولا مقطوع؛ يقال: مننت الحبل: إذا قطعته. وقد تقدم. {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: فقال: غير مقطوع. فقال: هل تعرف ذلك العرب؟ قال: نعم قد عرفه أخو يشكر حيث يقول:
فترى خلفهن من سرعة الرجـ ... ـع مَنِينا كأنه أهباء
قال المبرد: المنين: الغبار؛ لأنها تقطعه وراءها. وكل ضعيف منين وممنون. وقيل: "غير ممنون" لا يمن عليهم به. وذكر ناس من أهل العلم أن قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ليس استئناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه قال: والذين آمنوا. وقد مضى في "البقرة" القول فيه والحمد لله.

سورة البروج
مكية باتفاق. وهي ثنتان وعشرون آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}
قسم أقسم الله به جل وعز وفي "البروج" أقوال أربعة: أحدها: ذات النجوم؛ قاله الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. الثاني: القصور، قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد أيضا. قال عكرمة: هي قصور في السماء. مجاهد: البروج فيها الحرس. الثالث: ذات الخلق الحسن؛ قال المنهال بن عمرو. الرابع: ذات المنازل؛ قال أبو عبيدة ويحيى بن سلام. وهي اثنا عشر برجا، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر. يسير القمر في كل برج منها يومين وثلت يوم؛ فذلك ثمانية وعشرون يوما، ثم يستسر ليلتين؛ وتسير الشمس في كل برج منها شهرا. وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس والجدي، والدلو، والحوت. والبروج في كلام العرب: القصور؛ قال الله تعالى؛ {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} . وقد تقدم.
2- {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ}
3- {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ}
قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} أي الموعود به. وهو قسم آخر، وهو يوم القيامة؛ من غير اختلاف بين أهل التأويل. قال ابن عباس: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} اختلف فيهما؛ فقال علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وهو قول الحسن.

ورواه أبو هريرة مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة..." خرجه أبو عيسى الترمذي في جامعه، وقال: هذا حديت [حسن] غريب، لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وغيره. وقد روى شعبة وسفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عنه. قال القشيري فيوم الجمعة يشهد على كل عامل بما عمل فيه.
قلت: وكذلك سائر الأيام والليالي؛ فكل يوم شاهد، وكذا كل ليلة؛ ودليله ما رواه أبو نعيم الحافظ عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادى فيه: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك شهيد، فاعمل في خيرا أشهد لك به غد، فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك" . حديث غريب من حديث معاوية، تفرد به عنه زيد العمري، ولا أعلمه مرفوعا. عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد. وحكى القشيري عن ابن عمر وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى. وقال سعيد بن المسيب: الشاهد: التروية، والمشهود: يوم عرفة. وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر. وقاله النخعي. وعن علي أيضا: المشهود يوم عرفة. وقال ابن عباس والحسين بن علي رضي الله عنهما: المشهود يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} .

قلت: وعلى هذا اختلفت أقوال العلماء في الشاهد، فقيل: الله تعالى؛ عن ابن عباس والحسن وسعيد - بن جبير؛ بيانه: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} ، {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} . وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم؛ عن ابن عباس أيضا والحسين ابن علي؛ وقرأ ابن عباس {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} وقرأ الحسين {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} .
قلت: وأقرأ أنا {ويكون الرسول عليكم شهيدا} .وقيل: الأنبياء يشهدون على أممهم؛ لقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} . وقيل: آدم. وقيل: عيسى بن مريم؛ لقوله: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ} . والمشهود: أمته. وعن ابن عباس أيضا ومحمد بن كعب: الشاهد الإنسان؛ دليله: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} . مقاتل: أعضاؤه؛ بيانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم؛ بيانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} . وقيل: الشاهد: الحفظة، والمشهود: بنو آدم. وقيل: الليالي والأيام. وقد بيناه.
قلت: وقد يشهد المال على صاحبه، والأرض بما عمل عليها؛ ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم القيامة" . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} قال: "أتدرون ما أخبارها" ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على

كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا كذا كذا وكذا. قال: فهذه أخبارها" . قال حديث حسن غريب صحيح. وقيل: الشاهد الخلق، شهدوا لله عز وجل بالوحدانية. والمشهود له بالتوحيد هو الله تعالى. وقيل: المشهود يوم الجمعة؛ كما روى أبو الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة..." وذكر الحديث. خرجه ابن ماجه وغيره.
قلت: فعلى هذا يوم عرفة مشهود، لأن الملائكة تشهده، وتنزل فيه بالرحمة. وكذا يوم النحر إن شاء الله. وقال أبو بكر العطار: الشاهد الحجر الأسود؛ يشهد لمن لمسه بصدق وإخلاص ويقين. والمشهود الحاج. وقيل: الشاهد الأنبياء، والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم؛ بيانه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} إلى قوله تعالى :{وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} .
4- {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ}.
5- {النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}.
6- {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}.
7 -{وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}.
قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُود} أي لعن. قال ابن عباس: كل شيء في القرآن "قتل" فهو لعن. وهذا جواب القسم في قول الفراء - واللام فيه مضمرة؛ كقوله: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ثم قال {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} : أي لقد أفلح. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج؛ قاله أبو حاتم السجستاني. ابن الأنباري: وهذا غلط لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: والله قام زيد على معنى قام زيد والله. وقال قوم: جواب القسم {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال بينهما. وقيل: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} . وقيل: جواب القسم محذوف، أي والسماء ذات البروج لتبعثن. وهذا اختيار ابن الأنباري. والأخدود: الشق العظيم

المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد. ومنه الخد لمجاري الدموع، والمخدة؛ لأن الخد يوضع عليها. ويقال: تخدد وجه الرجل: إذا صارت فيه أخاديد من جراح. قال طرفة:
ووجه كأن الشمس حلت رداءها
عليه نقي اللون لم يتخدد
{النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ} "النار" بدل من "الأخدود" بدل الاشتمال. و"الوقود" بفتح الواو قراءة العامة وهو الحطب. وقرأ قتادة وأبو رجاء ونصر بن عاصم (بضم الواو) على المصدر؛ أي ذات الاتقاد والالتهاب. وقيل: ذات الوقود بأبدان الناس. وقرأ أشهب العقيلي وأبو السمال العدوي وابن السميقع "النار ذات" بالرفع فيهما؛ أي أحرقتهم النار ذات الوقود.
قوله تعالى: {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } أي الذين خددوا الأخاديد وقعدوا عليها يلقون فيها المؤمنين، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقد اختلفت الرواة في حديثهم. والمعنى متقارب. ففي صحيح مسلم عن صهيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر؛ فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلى غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاما يعلمه؛ فكان في طريقه إذا سلك، راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فاعجبه؛ فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه؛ فإذا أتى الساحر ضربه؛ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي. وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضى الناس؛ فرماها فقتلها ومضى الناس. فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني؟ أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلي؛ فإن أبتليت فلا تدل علي. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما

يشفي الله؛ فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك؟ فآمن بالله فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس؛ فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال ربي. قال: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام؛ فجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني! أقد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل؟ ! قال: أنا لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب؛ فجيء بالراهب، فقيل له: أرجع عن دينك. فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع سقاه. ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك؛ فأبي فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه. ثم جيء بالغلام فقيل له: أرجع عن دينك، فأبي فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه؛ فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت؛ فرجف بهم الجبل، فسقطوا. وجء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه؛ فذهبوا به فقال: اللهم أكفنيهم بما شئت؛ فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني؛ فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام؛ ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات؛ فقال الناس: آمنا برب الغلام! آمنا برب الغلام! آمنا برب

الغلام فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت، تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس؛ فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فحدث، وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها - أو قيل له أقتحم - ففعلوا؛ حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال، لها الغلام: يا أمة اصبري فإنك على الحق" . خرجه الترمذي بمعناه.
وفيه: "وكان على طريق، الغلام راهب في صومعة" قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين. وفيه: "أن الدابة التي حبست الناس كانت أسدا، وأن الغلام دفن - قال -: فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل" . وقال: حديث حسن غريب. ورواه الضحاك عن ابن عباس قال: كان ملك بنجران، وفي رعيته رجل له فتى، فبعثه إلى ساحر يعلمه السحر، وكان طريق الفتى على راهب يقرأ الإنجيل؛ فكان يعجبه ما يسمعه من الراهب، فدخل في دين الراهب؛ فأقبل يوما فإذا حية عظيمة قطعت على الناس طريقهم، فأخذ حجرا فقال باسم الله رب السموات والأرض وما بينهما؛ فقتلها. وذكر نحو ما تقدم. وأن الملك لما رماه بالسهم وقتله قال أهل مملكة الملك: لا إله إلا إله عبدالله بن ثامر، وكان اسم الغلام، فغضب الملك، وأمر فخدت أخاديد، وجمع فيها حطب ونار، وعرض أهل مملكته عليها، فمن رجع عن التوحيد تركه، ومن ثبت على دينه قذفه في النار. وجيء بامرأة مرضع فقيل لها ارجعي عن دينك وإلا قذفناك وولدك - قال - فأشفقت وهمت بالرجوع، فقال لها الصبي المرضع: يا أمي، اثبتي على ما أنت عليه، فإنما هي غميضة؛ فألقوها وابنها. وروى أبو صالح عن ابن عباس أن النار ارتفعت من الأخدود فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعا فأحرقتهم. وقال الضحاك: هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفا وثمانين رجلا، وحفر لهم أخدودا وأحرقهم فيه. حكاه الماوردي، وحكى الثعلبي عنه أن أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالا

ونساء، فخدوا لهم الأخاديد، ثم أوقدوا فيها النار، ثم أقيم المؤمنون عليها. وقيل لهم: تكفرون أو تقذفون في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه؛ وقال عطية العوفي. وروي نحو هذا عن ابن عباس. وقال علي رضي الله عنه: إن ملكا سكر فوقع على أخته، فأراد أن يجعل ذلك شرعا في رعيته فلم يقبلوا؛ فأشارت إليه أن يخطب بأن الله - عز وجل - أحل نكاح الأخوات، فلم يسمع منه. فأشارت إليه أن يخد لهم الأخدود، ويلقي فيه كل من عصاه. ففعل. قال: وبقاياهم ينكحون الأخوات وهم المجوس، وكانوا أهل كتاب.
وروي عن علي أيضا أن أصحاب الأخدود كان سببهم أن نبيا بعثه الله تعالى إلى الحبشة، فاتبعه ناس، فخد لهم قومهم أخدودا، فمن اتبع النبي رمي فيها، فجيء بامرأة لها بني رضيع فجزعت، فقال لها: يا أماه، أمضى ولا تجزعي. وقال أيوب عن عكرمة قال: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} قال: كانوا من قومك من السجستان. وقال الكلبي: هم نصارى نجران، أخذوا بها قوما مؤمنين، فخدوا لهم سبعة أخاديد، طول كل أخدود أربعون ذراعا، وعرضه أثنا عشر ذراعا. ثم طرح فيه النفط والحطب، ثم عرضوهم عليها؛ فمن أبى قذفوه فيها. وقيل: قوم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين. وقال مقاتل: أصحاب الأخدود ثلاثة؛ واحد بنجران، والآخر بالشام، والآخر بفارس. أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما الذي بفارس فبختنصر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس. فلم ينزل الله في الذي بفارس والشام قرآنا، وأنزل قرآنا في الذي كان بنجران. وذلك أن رجلين مسلمين كان أحدهما بتهامة، والآخر بنجران، أجر أحدهما نفسه، فجعل يعمل ويقرأ الإنجيل؛ فرأت ابنة المستأجر النور في قراءة الإنجيل، فأخبرت أباها فأسلم. وبلغوا سبعة وثمانين بين رجل وامرأة، بعد ما رفع عيسى، فخد لهم يوسف بن ذي نواس بن تبع الحميري أخدودا، وأوقد فيه النار؛ وعرضهم على الكفر، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار، وقال: من رجع عن دين عيسى لم يقذف. وإن امرأة معها ولدها صغير لم يتكلم، فرجعت، فقال لها ابنها: يا أماه، إني أرى أمامك

نارا لا تطفأ، فقذفا جميعا أنفسهما في النار، فجعلها الله وأبنها في الجنة. فقذف في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا. وقال ابن إسحاق عن وهب بن منبه: كان رجل من بقايا أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام، يقال له قيميون، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا في القرى، لا يعرف بقرية إلا مضى عنها، وكان بناء يعمل الطين. قال محمد بن كعب القرظي، وكان أهل نجران أهل شرك يعبدون الأصنام، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر؛ فلما نزل بها قيميون، بنى بها خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران يبعثون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث إليه الثامر عبدالله بن الثامر، فكان مع غلمان أهل نجران، وكان عبدالله إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من أمر صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم، فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن آسم الله الأعظم، وكان الراهب يعلمه، فكتمه إياه وقال: يا ابن أخي، إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه؛ وكان أبو الثامر لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان. فلما رأى عبدالله أن الراهب قد بخل عليه بتعليم اسم الله الأعظم، عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله تعالى أسما يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح؛ حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه ثم قام إلى صاحبه، فأخبره أنه علم اسم الله الأعظم الذي كتمه إياه، فقال: وما هو؟ قال: كذا وكذا. قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع. فقال له: يا ابن أخي، قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل.
فجعل عبدالله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال: يا عبدالله، أتوحد الله وتدخل في ديني، فأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم؛ فيوحد الله ويسلم، فيدعوا الله له فيشفي، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه ودعا له فعوفي؛ حتى رفع شأنه إلى ملكهم، فدعاه فقال له:

أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين أبائي، فلأمثلن بك. قال: لا تقدر على ذلك؛ فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح عن رأسه، فيقع على الأرض ليس به بأس. وجعل يبعث به إلى مياه نجران، بحار لا يلقى فيها شيء إلا هلك، فيلقي فيها فيخرج ليس به بأس؛ فلما غلبه قال له عبدالله بن الثامر: والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي وقتلتني. فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادته، ثم ضربه بعصا فشجه شجة صغيرة ليست بكبيرة، فقتله، وهلك الملك مكانه، واجتمع أهل نجران على دين عبدالله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه. ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث؛ فمن، ذلك كان أصل النصرانية بنجران. فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنوده من حمير، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف، ومثل بهم حتى قتل منهم عشرين ألفا. وقال وهب بن منبه: اثني عشر ألفا. وقال الكلبي: كان أصحاب الأخدود خرج ذو نواس هاربا، فاقتحم البحر بفرسه فغرق. قال ابن إسحاق: وذو نواس هذا سمه زرعة بن تبان أسعد الحميري، وكان أيضا يسمى يوسف، وكان له غدائر من شعر تنوس، أي تضطرب، فسمي ذا نواس، وكان فعل هذا بأهل نجران، فأفلت منهم رجل اسمه دوس ذو ثعلبان، فساق الحبشة لينتصر بهم، فملكوا اليمن وهلك ذو نواس في البحر، ألقي نفسه فيه، وفيه يقول عمرو بن معدي كرب:
أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس
وكائن كان قبلك من نعيم ... وملك ثابت في الناس راس
قديم عهده من عهد عاد ... عظيم قاهر الجبروت قاس
أزال الدهر ملكهم فأضحى ... ينقل من أناس في أناس

وذو رعين: ملك من ملوك حمير. ورعين حصن له وهو من ولد الحرث بن عمرو بن حمير بن سبأ.
مسألة: قال علماؤنا: أعلم الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية، ما كان يلقاه من وحد قبلهم من الشدائد، يؤنسهم بذلك. وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام، والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا الغلام، في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظم صبره. وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار. وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم. ابن العربي: وهذا منسوخ عندنا، حسب ما تقدم بيانه في سورة "النحل".
قلت: ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى، قال الله تعالى مخبرا عن لقمان: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} : وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" : خرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وروى ابن سنجر (محمد بن سنجر) عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أوضئ النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل، قال: أوصني فقال: "لا تشرك بالله شيئا وأن قطعت أو حرقت بالنار.." الحديث قال علماؤنا: ولقد امتحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق، وغير ذلك، وقد مضى في "النحل" أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك، فتأمله هناك.

قوله تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} دعاء على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة الله تعالى: وقيل: معناه الإخبار عن قتل أولئك المؤمنين، أي إنهم قتلوا بالنار فصبروا: وقيل: هو إخبار عن أولئك الظالمين، فإنه روي أن الله قبض أرواح الذين ألقوا في الأخدود قبل أن يصلوا إلى النار، وخرجت نار من الأخدود فأحرقت الذين هم عليها قعود: وقيل: إن المؤمنين نجوا، وأحرقت النار الذين قعدوا، ذكره النحاس، ومعنى "عليها" أي عندها وعلى بمعنى عند، وقيل: "عليها" على ما يدنو منها من حافات الأخدود، كما قال:
وبات على النار الندى والمحلق
العامل في "إذ": "قتل"، أي لعنوا في ذلك الوقت: {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} أي حضور: يعني الكفار، كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبى ألقوه في النار وفي ذلك وصفهم بالقسوة ثم بالجد في ذلك: وقيل: "على" بمعنى مع، أي وهم: مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود.
8- {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}.
9- {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
قوله تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ} وقرأ أبو حيوة {نقموا} بالكسر، والفصيح هو الفتح، وقد مضى في "التوبة" القول فيه: أي ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرقهم. {إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ} أي إلا أن يصدقوا. {بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} أي الغالب المنيع. {الْحَمِيدِ}

أي المحمود في كل حال. {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لا شريك له ولا نديد {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي عالم بأعمال خلقه لا تخفي عليه خافية.
10- {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}.
11- {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أي حرقوهم بالنار. والعرب تقول: فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته. ودينار مفتون. ويسمى الصائغ الفتان، وكذلك الشيطان، وورق فتين، أي فضة محترقة. ويقال للحرة فتين، أي كأنها أحرقت حجارتها بالنار، وذلك لسوادها. {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا} أي من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد الغلام. {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} لكفرهم. {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار. وقد تقدم عن ابن عباس. وقيل: {وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} أي ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: لهم عذاب، وعذاب جهنم الحريق. والحريق: اسم من أسماء جهنم؛ كالسعير. والنار دركات وأنواع ولها أسماء. وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم، ثم يعذبون بعذاب الحريق. فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} أي هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله؛ أي صدقوا به وبرسله. {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ} أي بساتين. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى. {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}
أي العظيم، الذي لا فوز يشبهه.

12- {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}.
13- {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}
14- {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ}
15- {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}
16- {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}
قوله تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} أي أخذه الجبابرة والظلمة، كقوله جل ثناؤه: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} . وقد تقدم. قال المبرد: "إن بطش ربك" جواب القسم. المعنى: والسماء ذات البروج إن بطش ربك، وما بينهما معترض مؤكد للقسم. وكذلك قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول: إن القسم واقع عما ذكر صفته بالشدة: {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} يعني الخلق - عن أكثر العلماء - يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث، وروى عكرمة قال: عجب الكفار من إحياء الله جل ثناؤه الأموات، وقال ابن عباس: يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا، ثم يعيده عليهم الآخرة. وهذا اختيار الطبري. {وَهُوَ الْغَفُورُ} أي الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها. {الْوَدُودُ} أي المحب لأوليائه. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: كما يود أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة. وعنه أيضا "الودود" أي المتودد إلى أوليائه بالمغفرة، وقال مجاهد الواد لأوليائه، فعول بمعني فاعل. وقال ابن زيد: الرحيم، وحكى المبرد عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قول الشاعر:
وأركب في الروع عريانة ... ذلول الجناح لقاحا ودودا
أي لا ولد لها تحن إليه، ويكون معنى الآية: إنه يغفر لعباده وليس له ولد يغفر لهم من أجله، ليكون بالمغفرة متفضلا من غير جزاء. وقيل: الودود بمعنى المودود، كركوب وحلوب، أي يوده عباده الصالحون ويحبونه.
قوله تعالى: {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} قرأ الكوفيون إلا عاصما "المجيد" بالخفض، نعتا للعرش. وقيل: لـ "ربك"؛ أي إن بطش ربك المجيد لشديد،

ولم يمتنع الفصل، لأنه جار مجرى الصفة في التشديد. الباقون بالرفع نعتا لـ"ذو" وهو الله تعالى. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه المنعوت بذلك، وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر "المؤمنون". تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار؛ أي تناهيا فيه، حتى يقتبس منهما. ومعنى ذو العرش: أي ذو الملك والسلطان؛ كما يقال: فلان على سرير ملكه؛ وإن لم يكن على سرير. ويقال: ثل عرشه: أي ذهب سلطانه. وقد مضى بيان هذا في "الأعراف" وخاصة في "كتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى". {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} أي لا يمتنع عليه شيء يريده. الزمخشري: "فعال" خبر ابتداء محذوف. وإنما قيل: "فعال" لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. وقال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرة محضة. وقال الطبري: رفع "فعال" وهي نكرة محضة على وجه الاتباع لإعراب "الغفور الودود". وعن أبي السفر قال: دخل ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه يعودونه فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني! قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد.
17- {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ}
18- {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ}
19- {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ}
قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ} أي قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم؛ يؤنسه بذلك ويسليه. ثم بينهم فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ} وهما في موضع جر على البدل من "الجنود". المعنى: إنك قد عرفت ما فعل الله بهم حين كذبوا أبياءه ورسله. {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك. {فِي تَكْذِيبٍ}

لك؛ كدأب من قبلهم. وإنما خص فرعون وثمود؛ لأن ثمود في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك؛ فدل بهما على أمثالهما في الهلاك. والله أعلم.
20- {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ}
21- {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ}
22- {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}
قوله تعالى: {وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ} أي يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون. والمحاط به كالمحصور. وقيل: أي والله عالم بهم فهو يجازيهم. {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} أي متناه في الشرف والكرم والبركة، وهو بيان ما بالناس الحاجة إليه من أحكام الدين والدنيا، لا كما زعم المشركون. وقيل "مجيد": أي غير مخلوق. {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} أي مكتوب في لوح. وهو محفوظ عند الله تعالى من وصول الشياطين إليه. وقيل: هو أم الكتاب؛ ومنه انتسخ القرآن والكتب. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: "اللوح من ياقوتة حمراء، أعلاه معقود بالعرش وأسفله في حجر ملك يقال له ماطريون، كتابه نور، وقلمه نور، ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظره؛ ليس منها نظرة إلا وهو يفعل ما يشاء؛ يرفع وضيعا، ويضع رفيعا، ويغني فقيرا، ويفقر غنيا؛ يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء؛ لا إله إلا هو". وقال أنس بن مالك ومجاهد، إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله تعالى في جبهة إسرافيل. وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش. وقيل: اللوح المحفوظ الذي فيه أصناف الخلق والخليقة، وبيان أمورهم، وهو أم الكتاب. وقال ابن عباس: أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ "إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي

ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ إلها سواي". وكتب الحجاج إلى محمد بن الحنفية رضي الله عنه يتوعده؛ فكتب إليه ابن الحنفية: "بلغني أن لله تعالى في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة في اللوح المحفوظ؛ يعز ويذل، ويبتلى ويفرح، ويفعل ما يريد؛ فلعل نظرة منها تشغلك بنفسك، فتشتغل بها ولا تتفرغ". وقال بعض المفسرين: اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه.
وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة {قرآن مجيد}على الإضافة؛ أي قرآن رب مجيد. وقرأ نافع {في لوح محفوظ} بالرفع نعتا للقرآن؛ أي بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح. الباقون (بالجر) نعتا للوح. والقراء متفقون على فتح اللام من "لوح" إلا ما روي عن يحيى بن يعمر؛ فإنه قرآن "لوح" بضم اللام، أي إنه يلوج، وهو ذو نور وعلو وشرف. قال الزمخشري: واللوح الهواء؛ يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح. وفي الصحاح: لاح الشيء يلوح لوحا أي لمح. ولاحه السفر: غيره. ولاح لوحا ولواحا: عطش، والتاج مثله. واللوح: الكتف، وكل عظم عريض. واللوح: الذي يكتب فيه. واللوح (بالضم): الهواء بين السماء والأرض. والحمد لله.

المجلد العشرون
سورة الطارقسورة الطارق
مكية، وهي سبع عشرة آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}
2- {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ}
3- {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}
قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} قسمان: "السماء" قسم، و"الطارق" قسم. والطارق: النجم. وقد بينه اللّه تعالى بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ} . واختلف فيه؛ فقيل: هو زحل: الكوكب الذي في السماء السابعة؛ ذكره محمد بن الحسن في تفسيره، وذكر له أخبارا، اللّه أعلم بصحتها. وقال ابن زيد: إنه الثريا. وعنه أيضا أنه زحل؛ وقاله الفراء. ابن عباس: هو الجدي. وعنه أيضا وعن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنهما - والفراء: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} نجم في السماء السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم؛ فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط فكان معها. ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد. وحكى الفراء: ثقب الطائر: إذا ارتفع وعلا. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاعدا مع أبي طالب، فانحط نجم، فامتلأت الأرض نورا، ففزع أبو طالب، وقال: أي شيء هذا؟ فقال: "هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات اللّه" فعجب أبو طالب، ونزل: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} . وروي عن ابن عباس أيضا {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} . قال: السماء وما يطرق فيها. وعن

ابن عباس وعطاء: {الثَّاقِبُ} : الذي ترمي به الشياطين. قتادة: هو عام في سائر النجوم؛ لأن طلوعها بليل، وكل من أتاك ليلا فهو طارق. قال:
ومثلك حبلي قد طرقت ومرضعا ... فألهيتها عن ذي تمائم مغيل
وقال:
ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
فالطارق: النجم، اسم جنس، سمي بذلك لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث: "نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يطرق المسافر أهله ليلا، كي تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة" . والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقا. يقال: طرق فلان إذا جاء بليل. وقد طرق يطرق طروقا، فهو طارق. ولابن الرومي:
يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
لا تفرحن بليل طاب أوله ... فرب آخر ليل أجج النارا
وفي الصحاح: والطارق: النجم الذي يقال له كوكب الصبح. ومنه قول هند:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء. الماوردي: وأصل الطرق: الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل طارقا، لاحتياجه في الوصول إلى الدق. وقال قوم: إنه قد يكون نهارا. والعرب تقول؛ أتيتك اليوم طرقتين: أي مرتين. ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم:

"أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن" . وقال جرير في الطروق:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام
ثم بين فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ} والثاقب: المضيء. ومنه {شِهَابٌ ثَاقِبٌ} . يقال: ثقب يثقب ثقوبا وثقابة: إذا أضاء. وثقوبه: ضوئه. والعرب تقول: أثقب نارك؛ أي أضئها. قال:
أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب
الثقوب: ما تشعل به النار من دقاق العيدان. وقال مجاهد: الثاقب: المتوهج. القشيري والمعظم على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم، كما ذكرنا عن مجاهد. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} تفخيما لشأن هذا المقسم به. وقال سفيان: كل ما في القرآن {وَمَا أَدْرَاكَ}؟ فقد أخبره به. وكل شيء قال فيه {وَمَا يُدْرِيكَ} : لم يخبره به.
4- {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}
قال قتادة: حفظة يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك. وعنه أيضا قال: قرينه يحفظ عليه عمله: من خير أو شر. وهذا هو جواب القسم. وقيل: الجواب {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} في قول الترمذي: محمد بن علي. و"إن": مخففة من الثقيلة، و"ما": مؤكدة، أي إن كل نفس لعليها حافظ. وقيل: المعنى إن كل نفس إلا عليها حافظ: يحفظها من الآفات، حتى يسلمها إلى القدر. قال الفراء: الحافظ من اللّه، يحفظها حتى يسلمها إلى المقادير، وقال الكلبي. وقال أبو أمامة: قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك البصر، سبعة أملاك يذبون عنه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب. ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين" . وقراءة ابن عامر وعاصم وحمزة "لما" بتشديد الميم، أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة

هذيل: يقول قائلهم: نشدتك لما قمت. الباقون بالتخفيف، على أنها زائدة مؤكدة، كما ذكرنا. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} ، على ما تقدم. وقيل: الحافظ هو اللّه سبحانه؛ فلولا حفظه لها لم تبق. وقيل: الحافظ عليه عقله، يرشده إلى مصالحه، ويكفه عن مضاره.
قلت: العقل وغيره وسائط، والحافظ في الحقيقة هو اللّه جل وعز؛ قال اللّه عز وجل: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} وقال: {قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} وما كان مثله.
5- {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ}
6- {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ}
7- {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}
8- {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}
قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ} أي ابن آدم {مِمَّ خُلِقَ} وجه الاتصال بما قبله توصية الإنسان بالنظر في أول أمره، وسنته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه؛ فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. و {مِمَّ خُلِقَ} ؟ استفهام؛ أي من أي شيء خلق؟ ثم قال: {خُلِقَ} وهو جواب الاستفهام {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} أي من المني. والدفق: صب الماء، دفقت الماء أدفقه دفقا: صببته، فهو ماء دافق، أي مدفوق، كما قالوا: سر كاتم: أي مكتوم؛ لأنه من قولك: دفق الماء، على ما لم يسم فاعله. ولا يقال: دفق الماء. ويقال: دفق اللّه روحه: إذا دعي عليه بالموت. قال الفراء والأخفش: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} أي مصبوب في الرحم، الزجاج: من ماء ذي اندفاق. يقال: دارع وفارس ونابل؛ أي ذو فرس، ودرع، ونبل. وهذا مذهب سيبويه. فالدافق هو المندفق بشدة قوته. وأراد ماءين: ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما. وعن عكرمة عن ابن عباس: {دَافِقٍ} لزج. {يَخْرُجُ}

أي هذا الماء {مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ} أي الظهر. وفيه لغات أربع: صلب، وصلب - وقرئ بهما - وصلب (بفتح اللام)، وصالب (على وزن قالب)؛ ومنه قول العباس:
تنقل من صالب إلى رحم
"والترائب" أي الصدر، الواحدة: تريبة؛ وهي موضع القلادة من الصدر. قال:
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل
والصلب من الرجل، والترائب من المرأة. قال ابن عباس: الترائب: موضع القلادة. وعنه: ما بين ثدييها؛ وقال عكرمة. وروي عنه: يعني ترائب المرأة: اليدين والرجلين والعينين؛ وبه قال الضحاك. وقال سعيد بن جبير: هو الجيد. مجاهد: هو ما بين المنكبين والصدر عنه: الصدر. وعنه: التراقي. وعن ابن جبير عن ابن عباس: الترائب: أربع أضلاع من هذا الجانب. وحكى الزجاج: أن الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع أضلاع من يسرة الصدر. وقال معمر بن أبي حبيبة المدني: الترائب عصارة القلب؛ ومنها يكون الولد. والمشهور من كلام العرب: أنها عظام الصدر والنحر. وقال دريد بن الصمة:
فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم ... وإن تقبلوا نأخذكم في الترائب
وقال آخر:
وبدت كأن ترائبا من نحرها ... جمر الغضى في ساعد تتوقد
وقال آخر:
والزعفران على ترائبها ... شرق به اللبات والنحر

وعن عكرمة: الترائب: الصدر؛ ثم أنشد:
نظام در على ترائبها
وقال ذو الرمة:
ضرجن البرود عن ترائب حرة
أي شققن. ويروي "ضرحن" بالخاء، أي ألقين. وفي الصحاح: والتربية: واحدة الترائب، وهي عظام الصدر؛ ما بين الترقوة والثندوة. قال الشاعر:
أشرف ثدياها على التريب
وقال المثقب العبدي:
ومن ذهب يسن على تريب ... كلون العاج ليس بذي غضون
[عن غير الجوهري: الثندوة للرجل: بمنزلة الثدي للمرأة. وقال الأصمعي: مغرز الثدي. وقال ابن السكيت: هي اللحم الذي حول الثدي؛ إذا ضممت أولها همزت، وإذا فتحت لم تهمز]. وفي التفسير: يخلق من ماء الرجل الذي يخرج من صلبه العظم والعصب. ومن ماء المرأة الذي يخرج من ترائبها اللحم والدم؛ وقال الأعمش. وقد تقدم مرفوعا في أول سورة "آل عمران". والحمد لله – وفي"الحجرات" {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} وقد تقدم. وقيل: إن ماء الرجل ينزل من الدماغ، ثم يجتمع في الأنثيين. وهذا لا يعارض قوله: {مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ} ؛ لأنه

إن نزل من الدماغ، فإنما يمر بين الصلب والترائب. وقال قتادة: المعنى ويخرج من صلب الرجل وترائب المرأة. وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي عن العرب؛ وعليه فيكون معنى من بين الصلب: من الصلب. وقال الحسن: المعنى: يخرج من صلب الرجل وترائب الرجل، ومن صلب المرأة وترائب المرأة. ثم إنا نعلم أن النطفة من جميع أجزاء البدن؛ ولذلك يشبه الرجل والديه كثيرا. وهذه الحكمة في غسل جميع الجسد من خروج المني. وأيضا المكثر من الجماع يجد وجعا في ظهره وصلبه؛ وليس ذلك إلا لخلو صلبه عما كان محتبسا من الماء. وروى إسماعيل عن أهل مكة {يخرج من بين الصلُب}بضم اللام. ورويت عن عيسى الثقفي. حكاه المهدوي وقال: من جعل المني يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، فالضمير في {يخرج} للماء. ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة، فالضمير للإنسان. وقرئ {الصَلَب}، بفتح الصاد واللام. وفيه أربع لغات: صلب وصلب وصلب وصالب. قال العجاج:
في صلب مثل العنان المؤدم
وفي مدح النبي صلى اللّه عليه وسلم:
تنقل من صالب إلى رحم
الأبيات مشهورة معروفة. {إِنَّهُ} أي إن اللّه جل ثناؤه {عَلَى رَجْعِهِ} أي على رد الماء في الإحليل، {لَقَادِرٌ} كذا قال مجاهد والضحاك. وعنهما أيضا أن المعنى: إنه على رد الماء في الصلب؛ وقال عكرمة. وعن الضحاك أيضا أن المعنى: إنه على رد الإنسان ماء كما كان لقادر. وعنه أيضا أن المعنى: إنه على رد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الكبر، لقادر. وكذا في المهدوي. وفي الماوردي والثعلبي: إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج، لقادر. وقال ابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة أيضا: إنه على رد الإنسان بعد الموت لقادر. وهو اختيار الطبري. الثعلبي: وهو الأقوى؛ لقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} قال الماوردي: ويحتمل أنه على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة؛ لأن الكفار يسألون اللّه تعالى فيها الرجعة.

9- {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}
فيه مسألتان:
الأولى- العامل في {يَوْمَ} - وفي قول من جعل المعنى إنه على بعث الإنسان - قوله {لَقَادِرٌ} ، ولا يعمل فيه {رَجْعِهِ} لما فيه من التفرقة بين الصلة والموصول بخبر "إن". وعلى الأقوال الأخر التي في {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} ، يكون العامل في {يَوْمَ} فعل مضمر، ولا يعمل فيه {لَقَادِرٌ} ؛ لأن المراد في الدنيا. و {تُبْلَى} أي تمتحن وتختبر؛ وقال أبو الغول الطهوي:
ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين
ويروى تبلى بسالتهم. فمن رواه {تبلى} - بضم التاء - جعله من الاختبار؛ وتكون البسالة على هذه الرواية الكراهة؛ كأنه قال: لا يعرف لهم فيها كراهة. و"تبلى" تعرف. وقال الراجز:
قد كنت قبل اليوم تزدريني ... فاليوم أبلوك وتبتليني
أي أعرفك وتعرفني. ومن رواه {تَبلى} - بفتح التاء - فالمعنى: أنهم لا يضعفون عن الحرب وإن تكررت عليهم زمانا بعد زمان. وذلك أن الأمور الشداد إذا تكررت على الإنسان هدته وأضعفته. وقيل: {تُبْلَى السَّرَائِرُ} : أي تخرج مخبآتها وتظهر، وهو كل ما كان استسره الإنسان من خير أو شر، وأضمره من إيمان أو كفر؛ كما قال الأحوص:
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود يوم تبلى السرائر

الثانية- روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "ائتمن اللّه تعالى خلقه على أربع: على الصلاة، والصوم، والزكاة، والغسل، وهي السرائر التي يختبرها اللّه عز وجل يوم القيامة" . ذكره المهدوي. وقال ابن عمر قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "ثلاث من حافظ عليها فهو ولي اللّه حقا، ومن اختانهن فهو عدو اللّه حقا: الصلاة؛ والصوم، والغسل من الجنابة" ذكره الثعلبي. وذكر الماوردي عن زيد ابن أسلم: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "الأمانة ثلاث: الصلاة والصوم، والجنابة. استأمن اللّه عز وجل ابن آدم على الصلاة؛ فإن شاء قال صليت ولم يصل. استأمن اللّه عز وجل ابن آدم على الصوم، فإن شاء قال صمت ولم يصم. استأمن اللّه عز وجل ابن آدم على الجنابة؛ فإن شاء قال اغتسلت ولم يغتسل، اقرؤوا إن شئتم {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} " ، وذكره الثعلبي عن عطاء. وقال مالك في رواية أشهب عنه، وسألته عن قوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} : أبلغك أن الوضوء من السرائر؟ قال: قد بلغني ذلك فيما يقول الناس، فأما حديث أحدث به فلا. والصلاة من السرائر، والصيام من السرائر، إن شاء قال صليت ولم يصل. ومن السرائر ما في القلوب؛ يجزي اللّه به العباد. قال ابن العربي: قال ابن مسعود يغفر للشهيد إلا الأمانة، والوضوء من الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، والوديعة من الأمانة؛ وأشد ذلك الوديعة؛ تمثل له على هيئتها يوم أخذها؛ فيرمي بها في قعر جهنم، فيقال له: أخرجها، فيتبعها فيجعلها في عنقه، فإذا رجا أن يخرج بها زلت منه، فيتبعها؛ فهو كذلك دهر الداهرين. وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. قال أشهب: قال لي سفيان: في الحيضة والحمل، إن قالت لم أحض وأنا حامل صدقت، ما لم تأت بما يعرف فيه أنها كاذبة. وفي الحديث: "غسل الجنابة من الأمانة" . وقال ابن عمر: يبدي اللّه يوم القيامة كل سر خفي، فيكون زينا في الوجوه، وشينا في الوجوه. واللّه عالم بكل شيء، ولكن يظهر علامات الملائكة والمؤمنين.

10- {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ}
قوله تعالى: {فَمَا لَهُ} أي للإنسان {مِنْ قُوَّةٍ} أي منعة تمنعه. {وَلا نَاصِرٍ} ينصره مما نزل به. وعن عكرمة {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ} قال: هؤلاء الملوك، ما لهم يوم القيامة من قوة ولا ناصر. وقال سفيان: القوة: العشيرة. والناصر: الحليف. وقيل: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ} في بدنه. {وَلا نَاصِرٍ} من غيره يمتنع به من اللّه. وهو معنى قول قتادة.
11- {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ}
12- {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ}
13- {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ}
14- {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ}
15- {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً}
16- {وَأَكِيدُ كَيْداً}
قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} أي ذات المطر. ترجع كل سنة بمطر بعد مطر. كذا قاله عامة المفسرين. وقال أهل اللغة: الرجع: المطر، وأنشدوا للمتنخل يصف سيفا شبهه بالماء:
أبيض كالرجع رسوب إذا ... ما ثاخ في محتفل يختلي
[ثاخت قدمه في الوحل تثوخ وتثيخ: خاضت وغابت فيه؛ قاله الجوهري]. قال الخليل: الرجع: المطر نفسه، والرجع أيضا: نبات الربيع. وقيل: "ذات الرجع". أي ذات النفع. وقد يسمى المطر أيضا أوبا، كما يسمى رجعا، قال:
رباء شماء لا يأوي لقلتها ... إلا السحاب وإلا الأوب والسبل

وقال عبدالرحمن بن زيد: الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء؛ تطلع من ناحية وتغيب في أخرى. وقيل: ذات الملائكة؛ لرجوعهم إليها بأعمال العباد. وهذا قسم. {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} قسم آخر؛ أي تتصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار؛ نظيره {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً} الآية. والصدع: بمعنى الشق؛ لأنه يصدع الأرض، فتنصدع به. وكأنه قال: والأرض ذات النبات؛ لأن النبات صادع للأرض. وقال مجاهد: والأرض ذات الطرق التي تصدعها المشاة. وقيل: ذات الحرث، لأنه يصدعها. وقيل: ذات الأموات: لانصداعها عنهم للنشور. {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} على هذا وقع القسم. أي إن القرآن يفصل بين الحق والباطل. وقد تقدم في مقدمة الكتاب ما رواه الحارث عن علي رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "كتاب فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بعدكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه" . وقيل: المراد بالقول الفصل: ما تقدم من الوعيد في هذه السورة، من قوله تعالى: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} . {وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} أي ليس القرآن بالباطل واللعب. والهزل: ضد الجد، وقد هزل يهزل. قال الكميت:
يُجَد بنا في كل يوم ونهزِل
{إِنَّهُمْ} أي إن أعداء اللّه {يَكِيدُونَ كَيْداً} أي يمكرون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه مكرا. {وَأَكِيدُ كَيْداً} أي أجازيهم جزاء كيدهم. وقيل: هو ما أوقع اللّه بهم يوم بدر من القتل والأسر. وقيل: كيد اللّه: استدراجهم من حيث لا يعلمون. وقد مضى هذا المعنى في أول "البقرة"، عند قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} . مستوفى.

17- {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}
قوله تعالى: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ} أي أخرهم، ولا تسأل اللّه تعجيل إهلاكهم، وارض بما يدبره في أمورهم. ثم نسخت بآية السيف {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}. {أَمْهِلْهُمْ} تأكيد. ومهل وأمهل: بمعنى؛ مثل نزل وأنزل. وأمهله: أنظره، ومهله تمهيلا، والاسم: المهلة. والاستمهال: الاستنظار. وتمهل في أمره أي اتأد. واتمهل اتمهلالا: أي اعتدل وانتصب. والاتمهلال أيضا: سكون وفتور. ويقال: مهلا يا فلان؛ أي رفقا وسكونا. "رويدا" أي قريبا؛ عن ابن عباس. قتادة: قليلا. والتقدير: أمهلهم إمهالا قليلا. والرويد في كلام العرب: تصغير رود. وكذا قاله أبو عبيد. وأنشد:
كأنها ثمل يمشي على رود
أي على مهل. وتفسير {رُوَيْداً} :مهلا، وتفسير "رويدك": أمهل؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل دون غيره، وإنما حركت الدال لالتقاء الساكنين، فنصب نصب المصادر، وهو مصغر مأموو به؛ لأنه تصغير الترخيم من إرواد؛ وهو مصدر أرود يرود. وله أربعة أوجه: اسم للفعل، وصفة، وحال، ومصدر؛ فالاسم نحو قولك: رويد عمرا؛ أي أرود عمرا، بمعنى أمهله. والصفة نحو قولك: ساروا سيرا رويدا. والحال نحو قولك: سار القوم رويدا؛ لما اتصل بالمعرفة صار حالا لها. والمصدر نحو قولك: رويد عمرو بالإضافة؛ كقوله تعالى: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} . قال جميعه الجوهري. والذي في الآية من هذه الوجوه أن يكون نعتا للمصدر؛ أي إمهالا رويدا. ويجوز أن يكون للحال؛ أي أمهلهم غير مستعجل لهم العذاب. ختمت السورة.

سورة الأعلى
مكية في قول الجمهور.وقال الضحاك: مدنية. وهي تسع عشرة آية.
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنَ اْلرَّحِيمِ
1- {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}
يستحب للقارئ إذا قرأ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أن يقول عَقِبَهْ: " سبحان ربي الأعلى" ؛ قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين؛ على ما يأتي. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: "إن لله تعالى ملكا يقال له حِزقيائيل، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام، فخطر له خاطر هل تقدر أن تبصر العرش جميعه؟ فزاده اللّه أجنحة مثلها، فكان له ستة وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام. ثم أوحى اللّه إليه: أيها الملك، أن طر، فطار مقدار عشرين ألف سنة؛ فلم يبلغ رأس قائمة من قوائم العرش. ثم ضاعف اللّه له في الأجنحة والقوة، وأمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى، فلم يصل أيضا؛ فأوحى اللّه إليه أيها الملك، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ ساق عرشي. فقال الملك: سبحان ربي الأعلى؛ فأنزل اللّه تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "اجعلوها في سجودكم" . ذكره الثعلبي في (كتاب العرائس) له. وقال ابن عباس والسدي: معنى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أي عظم ربك الأعلى. والاسم صلة، قصد بها تعظيم المسمى؛ كما قال لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

وقيل: نزه ربك عن السوء، وعما يقول فيه الملحدون. وذكر الطبري أن المعنى نزه اسم ربك عن أن تسمي به أحدا سواه. وقيل: نزه تسمية ربك وذكرك إياه، أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم. وجعلوا الاسم بمعنى التسمية، والأولى أن يكون الاسم هو المسمى. روى نافع عن ابن عمر قال: لا تقل على اسم اللّه؛ فإن اسم اللّه هو الأعلى. وروى أبو صالح عن ابن عباس: صلّ بأمر ربك الأعلى. قال: وهو أن تقول سبحان ربك الأعلى. وروي عن علي رضي اللّه عنه، وابن عباس وابن عمرو وابن الزبير وأبي موسى وعبدالله بن مسعود رضي اللّه عنهم: أنهم كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا: سبحان ربي الأعلى؛ امتثالا لأمره في ابتدائها. فيختار الاقتداء بهم في قراءتهم؛ لا أن سبحان ربي الأعلى من القرآن؛ كما قاله بعض أهل الزيغ. وقيل: إنها في قراءة أُبيّ: {سبحان ربي الأعلى}. وكان ابن عمر يقرؤها كذلك. وفي الحديث: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قرأها قال: "سبحان ربي الأعلى" . قال أبو بكر الأنباري: حدثني محمد بن شهريار، قال: حدثنا حسين بن الأسود، قال: حدثنا عبدالرحمن بن أبي حماد قال: حدثنا عيسى بن عمر، عن أبيه، قال: قرأ علي بن أبي طالب عليه السلام في الصلاة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ثم قال: سبحان ربي الأعلى؛ فلما انقضت الصلاة قيل له: يا أمير المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن؟ قال: ما هو؟ قالوا: سبحان ربي الأعلى. قال: لا، إنما أمرنا بشيء فقلته، وعن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "اجعلوها في سجودكم" . وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأنهم لم يقولوا: سبحان اسم ربك الأعلى. وقيل: إن أول من قال [سبحان ربي الأعلى] ميكائيل عليه السلام. وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لجبريل: "يا جبريل أخبرني بثواب من قال: سبحان ربي الأعلى في صلاته أو في غير صلاته". فقال: "يا محمد، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده، إلا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا، ويقول اللّه تعالى: صدق عبدي، أنا فوق كل شيء، وليس فوقي شيء، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له،

وأدخلته الجنة فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم، فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه، فأوقفه بين يدي اللّه تعالى، فيقول: يا رب شفعني فيه، فيقول قد شفعتك فيه، فاذهب به إلى الجنة". وقال الحسن: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} أي صل لربك الأعلى. وقل: أي صل بأسماء اللّه، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية. وقيل: ارفع صوتك بذكر ربك. قال جرير:
قبح الإله وجوه تغلب كلما ... سبح الحجيج وكبروا تكبيرا
2- {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى}
3- {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}
4- {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى}
5- {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}
قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} قد تقدم معنى التسوية في "الانفطار" وغيرها. أي سوى ما خلق، فلم يكن في خلقه تثبيج. وقال الزجاج: أي عدل قامته. وعن أكثر قامته. ابن عباس: حسن ما خلق. وقال الضحاك: خلق آدم فسوى خلقه. وقيل: خلق في أصلاب الآباء، وسوى في أرحام الأمهات. وقيل: خلق الأجساد، فسوى الأفهام. وقيل: أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف. {الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} قرأ علي رضي اللّه عنه السلمي والكسائي {قدر} مخففة الدال، وشدد الباقون. وهما بمعنى واحد. أي قدر ووفق لكل شكل شكل. {فَهَدَى} أي أرشد. قال مجاهد: قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة. وعنه قال: هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل: قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا. وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله {فَهَدَى} قالوا: عَرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى؛ كما قال في (طه): {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} أي الذكر للأنثى. وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له. وقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه

استخراجها منها. وقيل {قَدَّرَ فَهَدَى} : قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه، وعرفه وجه الانتفاع به. يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها اللّه أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها؛ فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن اللّه تعالى. وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد من مصالحه، ولا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف؛ فسبحان ربي الأعلى. وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم. وقال الفراء: أي قدر، فهدى وأضل؛ فاكتفى بذكر أحدهما؛ كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ} . ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان؛ كقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } . أي لتدعو، وقد دعا الكل إلى الإيمان. وقيل: {فَهَدَى} أي دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا. ولا خلاف أن من شدد الدال من {قدر} أنه من التقدير؛ كقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} . ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى. ويحتمل أن يكون من القدر والملك؛ أي ملك الأشياء، وهدي من يشاء.
قلت: وسمعت بعض أشياخي يقول: الذي خلق فسوى وقدر فهدى. هو تفسير العلو الذي يليق بجلال اللّه سبحانه على جميع مخلوقاته.
قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} أي النبات والكلأ الأخضر. قال الشاعر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا

{فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} الغثاء: ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش. وكذلك الغثاء (بالتشديد). والجمع: الأغثاء، قتادة: الغثاء: الشيء اليابس. ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس: غثاء وهشيم. وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء؛ كما قال:
كأن طمية المجيمر غدوة ... من السيل والأغثاء فلكة مغزل
وحكى أهل اللغة: غثا الوادي وجفا. وكذلك الماء: إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ينتفع به. والأحوى: الأسود؛ أي أن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة كالأسود. والحوة: السواد؛ قال الأعشى:
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثاث وفي أنيابها شنب
وفي الصحاح: والحوة: سمرة الشفة. يقال: رجل أحوى، وامرأة حواء، وقد حويت. وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفوة. وتصغير أحوى أحيو؛ في لغة من قال أسيود. ثم قيل: يجوز أن يكون {أحوى} حالا من {المرعى}، ويكون المعنى: كأنه من خضرته يضرب إلى السواد؛ والتقدير: أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء يقال: قد حوي النبت؛ حكاه الكسائي، وقال:

وغيث من الوسميّ حُوٍّ تلاعه ... تبطنته بشيظم صلتان
ويجوز أن يكون {أحوى} صفة لـ {غثاء}. والمعنى: أنه صار كذلك بعد خضرته. وقال أبو عبيدة: فجعله أسود من احتراقه وقدمه؛ والرطب إذا يبس أسود. وقال عبدالرحمن زيد: أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس أسود من احتراقه، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول. وهو مثل ضربه اللّه تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها.
6- {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى}
7- {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى}
8- {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى}
قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ} أي القرآن يا محمد فنعلمكه {فَلا تَنْسَى} أي فتحفظ؛ رواه ابن وهب عن مالك. وهذه بشرى من اللّه تعالى؛ بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أُمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه. وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: كان يتذكر مخافة أن ينسى، فقيل: كفيتكه. قال مجاهد والكلبي: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي، لم يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأولها، مخافة أن ينساها؛ فنزلت: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} بعد ذلك شيئا، فقد كفيتكه. وجه الاستثناء على، ما قاله الفراء: إلا ما شاء اللّه، وهو لم يشأ أن تنسى شيئا؛ كقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} . ولا يشاء. ويقال في الكلام: لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت، وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية على ألا يمنعه شيئا. فعلى هذا مجاري الإيمان؛ يستثنى فيها ونية الحالف التمام. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات، {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} . وعن سعيد عن قتادة، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى شيئا؛ {إِلَّا

مَا شَاءَ اللَّهُ} . وعلى هذه الأقوال قيل: إلا ما شاء اللّه أن ينسى، ولكنه لم ينسى شيئا منه بعد نزول هذه الآية. وقيل: إلا ما شاء اللّه أن ينسى، ثم يذكر بعد ذلك؛ فاذا قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا. وقد روي أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبي أنها نسخت، فسأله فقال: [إني نسيتها]. وقيل: هو من النسيان؛ أي إلا ما شاء اللّه أن ينسيك. ثم قيل: هذا بمعنى النسخ؛ أي إلا ما شاء اللّه أن ينسخه. والاستثناء نوع من النسخ. وقيل. النسيان بمعنى الترك؛ أي يعصمك من أن تترك العمل به؛ إلا ما شاء اللّه أن تتركه لنسخه إياه. فهذا في نسخ العمل، والأول في نسخ القراءة. قال الفرغاني: كان يغشى مجلس الجنيد أهل البسط من العلوم، وكان يغشاه ابن كيسان النحوي، وكان رجلا جليلا؛ فقال يوما: ما تقول يا أبا القاسم في قول اللّه تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} ؟ فأجابه مسرعا - كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات: لا تنسى العمل به. فقال ابن كيسان: لا يفضض اللّه فاك مثلك من يصدر عن رأيه. وقوله: {فَلا} : للنفي لا للنهي. وقيل: للنهي؛ وإنما أثبتت الياء لأن رؤوس الآي على ذلك. والمعنى: لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه؛ إلا ما شاء اللّه أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة. والأول هو المختار؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتا معلوما. وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، وعليها القراء. وقيل: معناه إلا ما شاء اللّه أن يؤخر إنزاله. وقيل: المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء اللّه أن ينال بنو آدم والبهائم، فإنه لا يصير كذلك.
قوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ} أي الإعلان من القول والعمل. {وَمَا يَخْفَى} من السر. وعن ابن عباس: ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتم: يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك. {وَمَا يَخْفَى} هو ما نسخ من صدرك. {ونيسرك} : معطوف على {سنقرئك} وقوله: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى } اعتراش. ومعنى {لِلْيُسْرَى} أي للطريقة اليسرى؛ وهي عمل الخير. قال ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرا. ابن مسعود: {لِلْيُسْرَى} أي للجنة. وقيل: نوفقك للشريعة اليسرى؛ وهي الحنيفية السمحة السهلة؛ قال معناه الضحاك. وقيل: أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به.

9- {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}
قوله تعالى: {فَذَكِّرْ} أي فعظ قومك يا محمد بالقرآن. {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} أي الموعظة. وروى يونس عن الحسن قال: تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر. وكان ابن عباس يقول: تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي. وقال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع. والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى؛ أو لم تنفع، فحذف؛ كما قال: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} . وقيل: إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم. وقيل: إن "إن" بمعنى ما؛ أي فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون {إن} بمعنى ما، لا بمعنى الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال؛ قال ابن شجرة. وذكر بعض أهل العربية: أن{إن} بمعنى إذ؛ أي إذ نفعت؛ كقوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي إذ كنتم؛ فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم. وقيل: بمعنى قد.
10- {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى}
أي من يتقي اللّه ويخافه. فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: نزلت في ابن أم مكتوم. الماوردي: وقد يذكر من يرجوه، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي؛ فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء، وإن تعلقت بالخشية والرجاء. وقيل: أي عمم أنت التذكير والوعظ، وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء؛ حكاه القشيري.
11- {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}
12- {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}
13- {ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى}
قوله تعالى: {وَيَتَجَنَّبُهَا} أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها. {الْأَشْقَى} أي الشقي في علم اللّه. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}

أي العظمى، وهي السفلى من أطباق النار؛ قاله الفراء. وعن الحسن: الكبرى نار جهنم، والصغرى نار الدنيا؛ وقاله يحيى بن سلام. {ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى} أي لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه؛ كما قال الشاعر:
ألا ما لنفس لا تموت فينقضي ... عناها ولا تحيا حياة لها طعم
وقد مضى في "النساء" وغيرها حديث أبي سعيد الخدري، وأن الموحدين من المؤمنين إذا دخلوا جهنم - وهي النار الصغرى على قول الفراء - احترقوا فيها وماتوا؛ إلى أن يشفع فيهم. خرجه مسلم. وقيل: أهل الشقاء متفاوتون في شقائهم، هذا الوعيد للأشقى، وإن كان ثم شقي لا يبلغ هذه المرتبة.
14- {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى}
15- {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}
قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ} أي قد صادف البقاء في الجنة؛ أي من تطهر من الشرك بإيمان؛ قاله ابن عباس وعطاء وعكرمة. وقال الحسن والربيع: من كان عمله زاكيا ناميا. وقال معمر عن قتادة: {تَزَكَّى} قال بعمل صالح. وعنه وعن عطاء وأبي عالية: نزلت في صدقة الفطر. وعن ابن سيرين {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} . قال: خرج فصلى بعد ما أدى. وقال عكرمة: كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي. فقال سفيان: قال اللّه تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} . وروي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر: أن ذلك في صدقة الفطر، وصلاة العيد. وكذلك قال أبو العالية، وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها، ومن سقاية الماء. وروى كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} قال: "أخرج زكاة الفطر" ، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} قال: "صلاة العيد" . وقال ابن عباس والضحاك: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} في طريق المصلى {فَصَلَّى} صلاة العيد. وقيل: المراد

بالآية زكاة الأموال كلها؛ قال أبو الأحوص وعطاء. وروى ابن جريج قال: قلت لعطاء: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} للفطر؟ قال: هي للصدقات كلها. وقيل: هي زكاة الأعمال، لا زكاة الأموال، أي تطهر في أعماله من الرياء والتقصير؛ لأن الأكثر أن يقال في المال: زكى، لا تزكى. وروى جابر بن عبدالله قال: قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: " {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} أي من شهد أن لا إله إلا اللّه، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول اللّه" . وعن ابن عباس {تَزَكَّى} قال: لا إله إلا اللّه. وروى عنه عطاء قال: نزلت في عثمان بن عفان رضي اللّه عنه. قال: كان بالمدينة منافق كانت له نخلة بالمدينة، مائلة في دار رجل من الأنصار، إذا هبت الرياح أسقطت البسر والرطب إلى دار الأنصاري، فيأكل هو وعياله، فخاصمه المنافق؛ فشكا ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأرسل إلى المنافق وهو لا يعلم نفاقه، فقال: "إن أخاك الأنصاري ذكر أن بسرك ورطبك يقع إلى منزله، فيأكل هو وعياله، فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها" ؟ فقال: أبيع عاجلا بآجل لا أفعل. فذكروا أن عثمان بن عفان أعطاه حائطا من نخل بدل نخلته؛ ففيه نزلت "قد أفلح من تزكى". ونزلت في المنافق "ويتجنبها الأشقى". وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه.
وقد ذكرنا القول في زكاة الفطر في السورة "البقرة" مستوفى. وقد تقدم أن هذه السورة مكية؛ في قول الجمهور، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. القشيري: ولا يبعد أن يكون أثنى على من يمتثل أمره في صدقة الفطر وصلاة العيد، فيما يأمر به في المستقبل.
قوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} أي ذكر ربه. وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ذكر معاده وموقفه بين يدي اللّه جل ثناؤه، فعبده وصلى له. وقيل: ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة، لأنها لا تنعقد إلا بذكره؛ وهو قوله: اللّه أكبر: وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة؛ لأن الصلاة معطوفة عليها. وفيه حجة لمن قال: إن الافتتاح جائز بكل اسم من أسماء اللّه عز وجل. وهذه مسألة خلافية

بين الفقهاء. وقد مضى القول في هذا في أول سورة "البقرة". وقيل: هي تكبيرات العيد. قال الضحاك: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} في طريق المصلى {فَصَلَّى} ؛ أي صلاة العيد. وقيل: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} وهو أن يذكره بقلبه عند صلاته، فيخاف عقابه، ويرجو ثوابه؛ ليكون استيفاؤه لها، وخشوعه فيها، بحسب خوفه ورجائه. وقيل: هو أن يفتتح أول كل سورة ببسم اللّه الرحمن الرحيم. "فصلى" أي فصلى وذكر. ولا فرق بين أن تقول: أكرمتني فزرتني، وبين أن تقول: زرتني فأكرمتني. قال ابن عباس: هذا في الصلاة المفروضة، وهي الصلوات الخمس. وقيل: الدعاء؛ أي دعاء اللّه بحوائج الدنيا والآخرة. وقيل: صلاة العيد؛ قال أبو سعيد الخدري وابن عمر وغيرهما. وقد تقدم. وقيل: هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاته؛ قال أبو الأحوص، وهو مقتضى قول عطاء. وروي عن عبدالله قال: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له.
16- {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}
قراءة العامة {بل تؤثرون} بالتاء؛ تصديقه قراءة أُبيّ {بل أنتم تؤثرون}. وقرأ أبو عمرو ونصر بن عاصم {بل يؤثرون} بالياء على الغيبة؛ تقديره: بل يؤثرون الأشقون الحياة الدنيا. وعلى الأول فيكون تأويلها بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا، للاستكثار من الثواب. وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية، فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها وطعامها وشرابها، ولذاتها وبهجتها، والآخرة غيبت عنا، فأخذنا العاجل، وتركنا الآجل. وروى ثابت عن أنس قال: كنا مع أبي موسى في مسير، والناس يتكلمون ويذكرون الدنيا. قال أبو موسى: يا أنس، إن هؤلاء يكاد أحدهم يفري الأديم بلسانه فريا، فتعال فلنذكر ربنا ساعة. ثم قال: يا أنس، ما ثَبَر الناس ما بطأ بهم؟ قلت الدنيا والشيطان

والشهوات. قال: لا، ولكن عجلت الدنيا، وغيبت الآخرة، أما واللّه لو عاينوها ما عدلوا ولا ميلوا.
17- {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}
أي والدار الآخرة؛ أي الجنة. {خَيْرٌ} أي أفضل. {وَأَبْقَى} أي أدوم من الدنيا. وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع" صحيح. وقد تقدم. وقال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى، على ذهب يفنى. قال: فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى.
18- {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى}
19- {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}
قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} قال قتادة وابن زيد: يريد قوله {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} . وقالا: تتابعت كتب اللّه جل ثناؤه ـ كما تسمعون ـ أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا. وقال الحسن: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} قال: كتب اللّه جل ثناؤه كلها. الكلبي: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} من قوله: {قَدْ أَفْلَحَ} إلي آخر السورة؛ لحديث أبي ذر على ما يأتي. وروى عكرمة عن ابن عباس: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى} قال: هذه السورة. وقال الضحاك: إن هذا القرآن لفي الصحف الأولى؛ أي الكتب الأولى. {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} يعني الكتب المنزلة عليهما. ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما هو على المعنى؛ أي إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وروى الآجري من حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول اللّه، فما

كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت أمثالا كلها: أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم. فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها في صنع اللّه عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، ومرمة لمعاش، ولذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه. ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعينه" . قال: قلت يا رسول اللّه، فما كانت صحف موسى؟ قال: "كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب. وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل" ! قال: قلت يا رسول اللّه، فهل في أيدينا شيء مما كان في يديه إبراهيم وموسى، مما أنزل اللّه عليك؟ قال: "نعم اقرأ يا أبا ذر: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} . وذكر الحديث.
سورة الغاشيةوهي مكية في قول الجميع، وهي ست وعشرون آية.
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}
"هل" بمعنى قد؛ كقوله: {هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ} ؛ قاله قطرب. أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية؛ أي القيامة التي تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها؛ قاله أكثر المفسرين. وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: {الْغَاشِيَةِ} : النار تغشى وجوه الكفار؛ ورواه أبو صالح

عن ابن عباس؛ ودليله قوله تعالى: {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ}. وقيل: تغشى الخلق. وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث؛ لأنها تغشى الخلائق. وقيل: {الْغَاشِيَةِ} أهل النار يغشونها، ويقتحمون فيها. وقيل: معنى "هل أتاك" أي هذا لم يكن من علمك، ولا من علم قومك. قال ابن عباس: لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور ها هنا. وقيل: إنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله؛ ومعناه إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك؛ وهو معنى قول الكلبي.
2- {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}
3- {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ}
قال ابن عباس: لم يكن أتاه حديثهم، فأخبره عنهم، فقال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} أي يوم القيامة. {خَاشِعَةٌ} قال سفيان: أي ذليلة بالعذاب. وكل متضائل ساكن خاشع. يقال: خشع في صلاته: إذا تذلل ونكس رأسه. وخشع الصوت: خفي؛ قال اللّه تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه. وقال قتادة وابن زيد: {خَاشِعَةٌ} أي في النار. والمراد وجوه الكفار كلهم؛ قاله يحيى بن سلام. وقيل: أراد وجوه اليهود والنصارى؛ قاله ابن عباس. ثم قال: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} فهذا في الدنيا؛ لأن الآخرة ليست دار عمل. فالمعنى: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا {خَاشِعَةٌ} في الآخرة. قال أهل اللغة: يقال للرجل إذا دأب في سيره: قد عمل يعمل عملا. ويقال للسحاب إذا دام برقه: قد عمل يعمل عملا. وذا سحاب عمل. قال الهذلي:
حتى شآها كليل موهنا عمل ... باتت طرابا وبات الليل لم ينم

{نَاصِبَةٌ} أي تعبة. يقال: نصب (بالكسر) ينصب نصبا: إذا تعب، ونصبا أيضا، وأنصبه غيره. فروى الضحاك عن ابن عباس قال: هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية اللّه عز وجل، وعلى الكفر؛ مثل عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل اللّه جل ثناؤه منهم إلا ما كان خالصا له.
وقال سعيد عن قتادة: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} قال: تكبرت في الدنيا عن طاعة اللّه عز وجل، فأعملها اللّه وأنصبها في النار، بجر السلاسل الثقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في الدنيا، ولم تنصب له، فأعملها وأنصبها في جهنم. وقال الكلبي: يجرون على وجوههم في النار. وعنه وعن غيره: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب، بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض في النار؛ كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقائها في صعود من نار، وهبوطها في حدور منها؛ إلى غير ذلك من عذابها. وقال ابن عباس. وقرا ابن محيصن وعيسى وحميد، ورواها عبيد عن شبل. عن ابن كثير {ناصبة} بالنصب على الحال. وقيل: على الذم. الباقون (بالرفع) على الصفة أو على إضمار مبتدأ، فيوقف على {خاشعة}. ومن جعل المعنى في الآخرة، جاز أن يكون خبرا بعد خبر عن {وجوه} فلا يوقف على {خاشعة}. وقيل: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} أي عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة. وعلى هذا يحتمل وجوه يومئذ عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، خاشعة. قال عكرمة والسدي: عملت في الدنيا بالمعاصي. وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: هم الرهبان أصحاب الصوامع؛ وقاله ابن عباس. وقد تقدم في رواية الضحاك عنه. وروى عن الحسن قال: لما قدم عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - الشام أتاه راهب شيخ كبير متقهل، عليه سواد، فلما رآه عمر بكى. فقال له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك؟ قال: هذا المسكين طلب أمرا فلم يصبه، ورجا رجاء فأخطأه، - وقرأ قول اللّه عز وجل - {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} . قال الكسائي:

التقهل: رثاثة الهيئة، ورجل متقهل: يابس الجلد سيء الحال، مثل المتقحل. وقال أبو عمرو: التقهل: شكوى الحاجة. وأنشد:
لعوا إذا لاقيته تقهلا
والقهل: كفران الإحسان. وقد قهل يقهل قهلا: إذا أثنى ثناء قبيحا. وأقهل الرجل تكلف ما يعيبه ودنس نفسه. وانقهل ضعف وسقط؛ قال الجوهري. وعن علي رضي اللّه عنه أنهم أهل حروراء؛ يعني الخوارج الذين ذكرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرميَّة..." الحديث.
4- {تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}
قوله تعالى: {تَصْلَى} أي يصيبها صلاؤها وحرها. {حَامِيَةً} شديدة الحر؛ أي قد أوقدت وأحميت المدة الطويلة. ومنه حمي النهار (بالكسر)، وحمي التنور حميا فيهما؛ أي اشتد حره. وحكى الكسائي: اشتد حمي الشمس وحموها: بمعنى. وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب {تُصلى} بضم التاء. الباقون بفتحها. وقرئ {تُصلّى} بالتشديد. وقد تقدم القول فيها في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} . الماوردي: فإن قيل فما معنى وصفها بالحمي، وهي لا تكون إلا حامية، وهو أقل أحوالها، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟ قيل: قد اختلف في المراد بالحامية ها هنا على أربعة أوجه: أحدها: أن المراد بذلك أنها دائمة الحمي، وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها. الثاني: أن المراد بالحامية أنها حمى من ارتكاب المحظورات، وانتهاك المحارم؛ كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "إن لكل ملك حمى، وإن حمى اللّه محارمه. ومن

لا الناس، فإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع، وهلكت هزلا. والصحيح ما قاله الجمهور: أنه نبت. قال أبو ذؤيب:
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ... وعاد ضريعا بأن منه النحائص
وقال الهذلي وذكر إبلا وسوء مرعاها:
وحبسن في هزم الضريع فكلها ... حدباء دامية اليدين حرود
وقال الخليل: الضريع: نبات أخضر منتن الريح، يرمي به البحر. وقال الوالبي عن ابن عباس: هو شجر من نار، ولو كانت في الدنيا لأحرقت الأرض وما عليها. وقال سعيد بن جبير: هو الحجارة، وقاله عكرمة. والأظهر أنه شجر ذو شوك حسب ما هو في الدنيا. وعن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "الضريع: شيء يكون في النار، يشبه الشوك، أشد مرارة من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأحر من النار، سماه اللّه ضريعا" . وقال خالد بن زياد: سمعت المتوكل بن حمدان يسأل عن هذه الآية {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} قال: بلغني أن الضريع شجرة من نار جهنم، حملها القيح والدم، أشد مرارة من الصبر، فذلك طعامهم.
وقال الحسن: هو بعض ما أخفاه اللّه من العذاب. وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون عنده ويذلون، ويتضرعون منه إلى اللّه تعالى، طلبا للخلاص منه؛ فسمي بذلك، لأن أكله يضرع في أن يعفى منه، لكراهته وخشونته. قال أبو جعفر النحاس: قد يكون مشتقا من الضارع، وهو الذليل؛ أي ذو ضراعة، أي من شربه ذليل تلحقه ضراعة. وعن الحسن أيضا: هو الزقوم. وقيل: هو واد في جهنم. فاللّه أعلم. وقد قال اللّه تعالى في موضع

آخر: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} . وقال هنا: {إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} وهو غير الغسلين. ووجه الجمع أن النار دركات؛ فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد. قال الكلبي: الضريع في درجة ليس فيها غيره، والزقوم في درجة أخرى. ويجوز أن تحمل الآيتان على حالتين كما قال: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} . القتبي: ويجوز أن يكون الضريع وشجرة الزقوم نبتين من النار، أو من جوهر لا تأكله النار. وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما نعلم ما بقيت على النار. قال: وإنما دلنا اللّه على الغائب عنده، بالحاضر عندنا؛ فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة. وكذلك ما في الجنة من شجرها وفرشها. القشيري: وأمثل من قول القتبي أن نقول: إن الذي يبقي الكافرين في النار ليدوم عليهم العذاب، يبقي النبات وشجرة الزقوم في النار، ليعذب بها الكفار. وزعم بعضهم أن الضريع بعينه لا ينبت في النار، ولا أنهم يأكلونه. فالضريع من أقوات الأنعام، لا من أقوات الناس. وإذا وقعت الإبل فيه لم تشبع، وهلكت هزلا، فأراد أن هؤلاء يقتاتون بما لا يشبعهم، وضرب الضريع له مثلا، أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع. قال الترمذي الحكيم: وهذا نظر سقيم من أهله وتأويل دنيء، كأنه يدل على أنهم تحيروا في قدرة اللّه تعالى، وأن الذي أنبت في هذا التراب هذا الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار، جعل لنا في الدنيا من الشجر الأخضر نارا، فلا النار تحرق الشجر، ولا رطوبة الماء في الشجر تطفئ النار؛ فقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} . وكما قيل حين نزلت {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} : قالوا يا رسول اللّه، كيف يمشون على وجوههم؟ فقال: "الذي

أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" . فلا يتحير في مثل هذا إلا ضعيف القلب. أو ليس قد أخبرنا أنه {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا} ، وقال: {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} ، وقال: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً} أي قيودا. {وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ} قيل: ذا شوك. فإنما يتلون عليهم العذاب بهذه الأشياء.
7- {لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ}
يعني الضريع لا يسمن آكله. وكيف يسمن من يأكل الشوك! قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن بالضريع، فنزلت: {لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} . وكذبوا، فإن الإبل إنما ترعاه رطبا، فإذا يبس لم تأكله. وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبت النافع، لأن المضارعة المشابهة. فوجدوه لا يسمن ولا يغني من جوع.
8- {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ}
9- {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}
10- {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}
قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} أي ذات نعمة. وهي وجوه المؤمنين؛ نعمت بما عاينت من عاقبة أمرها وعملها الصالح. {لِسَعْيِهَا} أي لعملها الذي عملته في الدنيا. {رَاضِيَةٌ} في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها. ومجازه: لثواب سعيها راضية. وفيها واو مضمرة. المعنى: ووجوه يومئذ، للفصل بينها وبين الوجوه المتقدمة. والوجوه عبارة عن الأنفس. {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي مرتفعة، لأنها فوق السموات حسب ما تقدم. وقيل: عالية القدر، لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وهم فيها خالدون.

11- {لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً}
قوله تعالى: {لاغِيَةً} أي كلاما ساقطا غير مرضي. وقال: {لاغِيَةً} ، واللغو واللغا واللاغية: بمعنى واحد. قال:
عن اللَّغا ورفث التكلم
وقال الفراء والأخفش أي لا تسمع فيها كلمة لغو. وفي المراد بها ستة أوجه: أحدها: يعني كذبا وبهتانا وكفرا باللّه عز وجل؛ قاله ابن عباس. الثاني: لا باطل ولا إثم؛ قاله قتادة. الثالث: أنه الشتم؛ قاله مجاهد. الرابع: المعصية؛ قاله الحسن. الخامس: لا يسمع فيها حالف يحلف بكذب؛ قاله الفراء. وقال الكلبي: لا يسمع في الجنة حالف بيمين برة ولا فاجرة. السادس: لا يسمع في كلامهم كلمة بلغو؛ لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد اللّه على ما رزقهم من النعيم الدائم؛ قاله الفراء أيضا. وهو أحسنها لأنه يعم ما ذكر. وقرأ أبو عمرو وابن كثير {لا يسمع} بياء غير مسمى الفاعل. وكذلك نافع، إلا أنه بالتاء المضمومة؛ لأن اللاغية اسم مؤنث فأنث الفعل لتأنيثه. ومن قرأ بالياء فلأنه حال بين الاسم والفعل الجار والمجرور. وقرأ الباقون بالتاء مفتوحة "لاغية" نصا على إسناد ذلك للوجوه، أي لا تسمع الوجوه فيها لاغية.
12- {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ}
13- {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ}
14- {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}
15- {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ}
16- {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}
قوله تعالى: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} أي بماء مندفق، وأنواع الأشربة اللذيذة على وجه الأرض من غير أخدود. وقد تقدم في سورة "الإنسان" أن فيها عيونا. فـ {عَيْنٌ} : بمعنى عيون. واللّه أعلم. {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} أي عالية. وروي أنه كان ارتفاعها قدر ما بين

السماء والأرض، ليرى ولي اللّه ملكه حوله. {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} أي أباريق وأوان. والإبريق: هو ماله عروة وخرطوم. والكوب: إناء ليس له عروة ولا خرطوم. وقد تقدم هذا في سورة "الزخرف" وغيرها. {وَنَمَارِقُ} أي وسائد، الواحدة نمرقة. {مَصْفُوفَةٌ} أي واحدة إلى جنب الأخرى. قال الشاعر:
وإنا لنجري الكأس بين شروبنا ... وبين أبي قابوسَ فوق النمارق
وقال آخر:
كهول وشبان حسان وجوهم ... على سرر مصفوفة ونمارق
وفي الصحاح: النُّمرق والنمرقة: وسادة صغيرة. وكذلك النِّمرِقة (بالكسر) لغة حكاها يعقوب. وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة؛ عن أبي عبيد. {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} قال أبو عبيدة: الزرابي: البسط. وقال ابن عباس: الزرابي: الطنافس التي لها حمل رقيق، واحدتها: زربية؛ وقال الكلبي والفراء. والمبثوثة: المبسوطة؛ قال قتادة. وقيل: بعضها فوق بعض؛ قال عكرمة. وقيل كثيرة؛ قاله الفراء. وقيل: متفرقة في المجالس؛ قاله القتبي.
قلت: هذا أصوب، فهي كثيرة متفرقة. ومنه {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} . وقال أبو بكر الأنباري: وحدثنا أحمد بن الحسين، قال حدثنا حسين بن عرفة، قال حدثنا عمار بن محمد، قال: صليت خلف منصور بن المعتمر، فقرأ: "هل أتاك حديث الغاشية"، وقرأ فيها: {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } : متكئين فيها ناعمين.
17- {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ}
قال المفسرون: لما ذكر اللّه عز وجل أمر أهل الدارين، تعجب الكفار من ذلك، فكذبوا وأنكروا؛ فذكرهم اللّه صنعته وقدرته؛ وأنه قادر على كل شيء، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض. ثم ذكر الإبل أولا، لأنها كثيرة في العرب، ولم يروا الفيلة، فنبههم جل

ثناؤه على عظيم من خلقه؛ قد ذلله للصغير، يقوده وينيخه وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره. فأراهم عظيما من خلقه، مسخرا لصغير من خلقه؛ يدلهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته. وعن بعض الحكماء: أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها؛ ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق. وحين أراد بها أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش؛ حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العشر فصاعدا، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما لا يرعاه سائر البهائم. وقيل: لما ذكر السرر المرفوعة قالوا: كيف نصعدها؟ فأنزل اللّه هذه الآية، وبين أن الإبل تبرك حتى يحمل عليها ثم تقوم؛ فكذلك تلك السرر تتطامن ثم ترتفع. قال معناه قتادة ومقاتل وغيرهما. وقيل: الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب؛ قاله المبرد. قال الثعلبي: وقيل في الإبل هنا: السحاب، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة.
قلت: قد ذكر الأصمعي أبو سعيد عبدالملك بن قريب، قال أبو عمرو: من قرأها {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} بالتخفيف: عنى به البعير، لأنه من ذوات الأربع، يبرك فتحمل عليه الحمولة، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم. ومن قرأها بالتثقيل فقال: {الإبل}، عني بها السحاب التي تحمل الماء والمطر. وقال الماوردي: وفي الإبل وجهان: أحدهما: وهو أظهرهما وأشهرهما: أنها الإبل من النعم. الثاني: أنها السحاب. فإن كان المراد بها السحاب، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته، والمنافع العامة لجميع خلقه. وإن كان المراد بها الإبل من النعم، فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان؛ لأن ضروبه أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة. والإبل تجمع هذه الخلال الأربع؛ فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة فيها أتم. وقال الحسن: إنما خصها اللّه بالذكر لأنها تأكل النوى والقَتّ، وتخرج اللبن. وسئل الحسن أيضا عنها وقالوا: الفيل أعظم في الأعجوبة: فقال: العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه، ولا يركب ظهره، ولا يحلب

دره. وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت. والإبل: لا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها دخلتها الهاء، فقلت: أبيلة وغنيمه، ونحو ذلك. وربما قالوا للإبل: إبل، بسكون الباء للتخفيف، والجمع: آبال.
18- {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ}
19- {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ}
20- {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}
قوله تعالى: {وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ} أي رفعت عن الأرض بلا عمد. وقيل: رفعت، فلا ينالها شيء. {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ} أي كيف نصبت على الأرض، بحيث لا تزول؛ وذلك أن الأرض لما دحيت مادت، فأرساها بالجبال. كما قال: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} . {وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} أي بسطت ومدت. وقال أنس: صليت خلف علي رضي اللّه عنه، فقرأ {كَيْفَ خُلِقَتُ} و{رفعتُ} و{نصبتُ} و{سطحتُ}، بضم التاءات؛ أضاف الضمير إلى اللّه تعالى. وبه كان يقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية؛ والمفعول محذوف، والمعنى خلقتها. وكذلك سائرها. وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو رجاء: {سطّحت} بتشديد الطاء وإسكان التاء. وكذلك قرأ الجماعة، إلا أنهم خففوا الطاء. وقدم الإبل في الذكر، ولو قدم غيرها لجاز. قال القشيري: وليس هذا مما يطلب فيه نوع حكمة. وقد قيل: هو أقرب إلى الناس في حق العرب، لكثرتها عندهم، وهم من أعرف الناس بها. وأيضا: مرافق الإبل أكثر من مرافق الحيوانات الأخر؛ فهي مأكولة، ولبنها مشروب، وتصلح للحمل والركوب، وقطع المسافات البعيدة عليها، والصبر على العطش، وقلة العلف، وكثرة الحمل، وهي معظم أموال العرب. وكانوا يسيرون على الإبل منفردين مستوحشين عن الناس، ومن هذا حاله تفكر فيما يحضره، فقد ينظر

في مركوبه، ثم يمد بصره إلى السماء ثم إلى الأرض. فأمروا بالنظر في هذه الأشياء، فإنها أدل دليل على الصانع المختار القادر.
21- {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} 22- {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}
23- {إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} 24- {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ}
25- {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} 26- { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ}
قوله تعالى: {فَذَكِّرْ} أي فعظهم يا محمد وخوفهم. {إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} ، أي واعظ. {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} أي بمسلط عليهم فتقتلهم. ثم نسختها آية السيف. وقرأ هارون الأعور {بمسيطَر} (بفتح الطاء)، و{المسيطَرون}. وهي لغة تميم. وفي الصحاح: "المسيطر والمصيطر: المسلِّط على الشيء، ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السطر، لأن من معنى السطر ألا يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر؛ يقال: سيطرت علينا، وقال تعالى: {لست عليهم بمسيطر}. وسطره أي صرعه. {إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} استثناء منقطع، أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير. {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ} وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال: {الْأَكْبَرَ} لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: {إلا من تولى وكفر فإنه يعذبه اللّه}. وقيل: هو استثناء متصل. والمعنى: لست بمسلط إلا على من تولى وكفر، فأنت مسلط عليه بالجهاد، واللّه يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير. وروي أن عليا أتى برجل ارتد، فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الإسلام، فضرب عنقه، وقرأ {إلا من تولى وكفر}. وقرأ ابن عباس وقتادة {ألا} على الاستفتاح والتنبيه، كقول امرئ القيس:
ألا رب يوم لك منهن صالح

و {مَنْ} على هذا: للشرط. والجواب {فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ} والمبتدأ بعد الفاء مضمر، والتقدير: فهو يعذبه اللّه، لأنه لو أرتد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان: إلا من تولى وكفر يعذبه اللّه. {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ} أي رجوعهم بعد الموت. يقال: آب يؤوب؛ أي رجع. قال عبيد:
وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
وقرأ أبو جعفر {إيابهم} بالتشديد. قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد، ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام. وقيل: هما لغتان بمعنى. الزمخشري: وقرأ أبو جعفر المدني {إيابهم} بالتشديد؛ ووجهه أن يكون فيعالا: مصدر أيب، قيل من الإياب. أو أن يكون أصله إوابا فعالا من أوب، ثم قيل: إيوابا كديوان في دوان. ثم فعل ما فعل بأصل سيد ونحوه.
سورة الفجرمكية، وهي ثلاثون آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {وَالْفَجْرِ}
2- {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}
قوله تعالى: {وَالْفَجْر} أقسم بالفجر. {وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} أقسام خمسة. واختلف في {وَالْفَجْرِ} ، فقال قوم: الفجر هنا: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم؛ قاله علي وابن الزبير وابن عباس رضي اللّه عنهم. وعن ابن عباس أيضا أنه النهار كله، وعبر عنه بالفجر لأنه أوله. وقال ابن محيصن عن عطية عن ابن عباس: يعني الفجر يوم المحرم. ومثله قال قتادة. قال: هو فجر أول يوم من المحرم، منه تنفجر السنة.

وعنه أيضا: صلاة الصبح. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: {وَالْفَجْرِ} : يريد صبيحة يوم النحر؛ لأن اللّه تعالى جل ثناؤه جعل لكل يوم ليلة قبله؛ إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان: ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف ليلة بعد عرفة، فقد أدرك الحج إلى طلوع الفجر، فجر يوم النحر. وهذا قول مجاهد. وقال عكرمة: {وَالْفَجْرِ} قال: انشقاق الفجر من يوم جمع. وعن محمد بن كعب القرظي: {وَالْفَجْرِ} آخر أيام العشر، إذا دفعت من جمع. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة، لأن اللّه تعالى قرن الأيام به فقال: {وَلَيَالٍ عَشْر} أي ليال عشر من ذي الحجة. وكذا قال مجاهد والسدي والكلبي في قوله: {وَلَيَالٍ عَشْر} هو عشر ذي الحجة، وقال ابن عباس. وقال مسروق هي العشر التي ذكرها اللّه في قصة موسى عليه السلام {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} ، وهي أفضل أيام السنة. وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: " {وَالْفَجْر وَلَيَالٍ عَشْرٍ} - قال: عشر الأضحى" فهي ليال عشر على هذا القول؛ لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه، إذ قد خصها اللّه بأن جعلها موقفا لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة. وإنما نكرت ولم تعرف لفضيلتها على غيرها، فلو عرفت لم تستقبل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، فنكرت من بين ما أقسم به، للفضيلة التي ليست لغيرها. واللّه اعلم. وعن ابن عباس أيضا: هي العشر الأواخر من رمضان؛ وقاله الضحاك. وقال ابن عباس أيضا ويمان والطبري: هي العشر الأول من المحرم، التي عاشرها يوم عاشوراء. وعن ابن عباس {وَلَيَالٍ عَشْرٍ} بالإضافة يريد: وليالي أيام عشر.
3- {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}
الشفع : الاثنان، والوتر: الفرد. واختلف في ذلك؛ فروي مرفوعا عن عمران بن الحصين عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال "الشفع والوتر: الصلاة، منها شفع، ومنها وتر" .

وقال جابر بن عبداللّه: قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: " {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} - قال: هو الصبح، وعشر النحر، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر" . وهو قول ابن عباس وعكرمة. واختاره النحاس، وقال: حديث أبي الزبير عن جابر هو الذي صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهو أصح إسنادا من حديث عمران بن حصين. فيوم عرفة وتر، لأنه تاسعها، ويوم النحر شفع لأنه عاشرها. وعن أبي أيوب قال: سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى: "والشفع والوتر" فقال: "الشفع: يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر" . وقال مجاهد وابن عباس أيضا: الشفع خَلْقُهُ، قال اللّه تعالى: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً} والوتر هو اللّه عز وجل. فقيل لمجاهد: أترويه عن أحد؟ قال: نعم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. ونحوه قال محمد بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة، قالوا: الشفع: الخلق، قال اللّه تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}: الكفر والإيمان.، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والسماء والأرض، والجن والإنس. والوتر: هو اللّه عز وجل، قال جل ثناؤه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ} . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسما، واللّه وتر يحب الوتر" . وعن ابن عباس أيضا: الشفع: صلاة الصبح" والوتر: صلاة المغرب. وقال الربيع بن أنس وأبو العالية: هي صلاة المغرب، الشفع فيها ركعتان، والوتر الثالثة. وقال ابن الزبير: الشفع: يوما منى: الحادي عشر، والثاني عشر. والثالث عشر الوتر؛ قال اللّه تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} . وقال الضحاك: الشفع: عشر ذي الحجة، والوتر: أيام منى الثلاثة. وهو قول عطاء. وقيل: إن الشفع والوتر: آدم وحواء؛ لأن آدم كان فردا فشفع بزوجته حواء، فصار شفعا بعد وتر. رواه ابن أبي نجيح، وحكاه القشيري عن ابن عباس. وفي رواية: الشفع: آدم وحواء، والوتر هو اللّه تعالى. وقيل: الشفع والوتر: الخلق؛ لأنهم شفع ووتر،

فكأنه أقسم بالخلق. وقد يقسم اللّه تعالى بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم بأفعاله لقدرته، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} . ويقسم بمفعولاته، لعجائب صنعه؛ كما قال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} ، {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} . وقيل: الشفع: درجات الجنة، وهي ثمان. والوتر، دركات النار؛ لأنها سبعة. وهذا قول الحسين بن الفضل؛ كأنه أقسم بالجنة والنار. وقيل: الشفع: الصفا والمروة، والوتر: الكعبة. وقال مقاتل بن حيان: الشفع: الأيام والليالي، والوتر: اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة. وقال سفيان بن عيينه: الوتر: هو اللّه، وهو الشفع أيضا؛ لقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} . وقال أبو بكر الوراق: الشفع: تضاد أوصاف المخلوقين: العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والحياة والموت، والبصر والعمى، والسمع والصمم، والكلام والخرس. والوتر: انفراد صفات اللّه تعالى: عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت، وبصر بلا عمى، وكلام بلا خرس، وسمع بلا صمم، وما وازاها. وقال الحسن: المراد بالشفع والوتر: العدد كله؛ لأن العدد لا يخلو عنهما، وهو إقسام بالحساب. وقيل: الشفع: مسجدي مكة والمدينة، وهما الحرمان. والوتر: مسجد بيت المقدس. وقيل: الشفع: القرن بين الحج والعمرة، أو التمتع بالعمرة إلى الحج. والوتر: الإفراد فيه. وقيل: الشفع: الحيوان؛ لأنه ذكر وأنثى. والوتر: الجماد. وقيل: الشفع: ما ينمي، والوتر: ما لا ينمي. وقيل غير هذا. وقرأ ابن مسعود وأصحابه والكسائي وحمزة وخلف {والوتر} بكسر الواو. والباقون بفتح الواو، وهما لغتان بمعنى واحد. وفي الصحاح: الوتر بالكسر: الفرد، والوتر بفتح الواو: الذحل. هذه لغة أهل العالية. فأما لغة أهل الحجاز فبالضد منهم. فأما تميم فبالكسر فيهما.

4- {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}
5- {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} وهذا قسم خامس. وبعد ما أقسم بالليالي العشر على الخصوص، أقسم بالليل على العموم. ومعنى {يسري} أي يسرى فيه؛ كما يقال: ليل نائم، ونهار صائم. قال:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم
ومنه قوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} . وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتبي والأخفش. وقال أكثر المفسرين: معنى {يسري}: سار فذهب. وقال قتادة وأبو العالية: جاء وأقبل. وروي عن إبراهيم: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} قال: إذا استوى. وقال عكرمة والكلبي ومجاهد ومحمد بن كعب في قوله: {وَاللَّيْلِ} : هي ليلة المزدلفة خاصة؛ لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة اللّه. وقيل: ليلة القدر؛ لسراية الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها. وقيل: إنه أراد عموم الليل كله.
قلت: وهو الأظهر، كما تقدم. واللّه أعلم. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب {يسري} بإثبات الياء في الحالين، على الأصل؛ لأنها ليست بمجزومة، فثبتت فيها الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباتها في الوصل، وبحذفها في الوقف، وروي عن الكسائي. قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول مرة بإثبات الياء في الوصل، وبحذفها في الوقف، اتباعا للمصحف. ثم رجع إلى حذف الياء في الحالين جميعا؛ لأنه رأس آية، وهي قراءة أهل الشام والكوفة، واختيار أبي عبيد، اتباعا للخط؛ لأنها وقعت في المصحف بغير ياء. قال الخليل: تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي. قال الفراء: قد تحذف العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها. وأنشد بعضهم:
كفاك كفٌّ ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما

يقال: فلان ما يليق درهما من جوده؛ أي ما يمسكه، ولا يلصق به. وقال المؤرج: سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من {يسر} فقال: لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة، فبت على باب داره سنة؛ فقال: الليل لا يَسْرِي وإنما يَسْرَى فيه؛ فهو مصروف، وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } ، لم يقل بغية، لأنه صرفها عن باغية. الزمخشري: وياء {يسري} تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة. وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم، والجواب محذوف، وهو ليعذبن؛ يدل عليه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} إلى قوله تعالى: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} . وقال ابن الأنباري هو {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} . وقال مقاتل: {هَلْ} هنا في موضع إن؛ تقديره: إن في ذلك قسما لذي حجر. فـ{هَلْ} على هذا، في موضع جواب القسم. وقيل: هي على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير؛ كقولك: ألم أنعم عليك؛ إذا كنت قد أنعمت. وقيل: المراد بذلك التأكيد لما أقسم به وأقسم عليه. والمعنى": بل في ذلك مقنع لذي حجر. والجواب على هذا: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} . أو مضمر محذوف. قوله تعالى: {لِذِي حِجْرٍ} أي لذي لب وعقل. قال الشاعر:
وكيف يرجى أن تتوب وإنما ... يرجى من الفتيان من كان ذا حجر
كذا قال عامة المفسرين؛ إلا أن أبا مالك قال: {لِذِي حِجْرٍ} : لذي ستر من الناس. وقال الحسن: لذي حلم. قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد: لذي حجر، ولذي عقل، ولذي حلم، ولذي ستر؛ الكل بمعنى العقل. وأصل الحجر: المنع. يقال لمن ملك نفسه ومنعها: إنه لذو حجر؛ ومنه سمي الحجر، لامتناعه بصلابته: ومنه حجر الحاكم على فلان، أي منعه وضبطه عن التصرف؛ ولذلك سميت الحجرة حجرة، لامتناع ما فيها بها. وقال الفراء: العرب تقول: إنه لذو حجر: إذا كان قاهرا لنفسه، ضابطا لها؛ كأنه أخذ من حجرت على الرجل.

6- {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}
7- {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ}
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} أي مالكك وخالقك. {بِعَادٍ إِرَمَ} قراءة العامة {بِعَادٍ} منونا. وقرأ الحسن وأبو العالية {بعادِ إرمَ}مضافا. فمن لم يضف جعل {إرم} اسمه، ولم يصرفه؛ لأنه جعل عادا اسم أبيهم، وإرم اسم القبيلة؛ وجعله بدلا منه، أو عطف بيان. ومن قرأه بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم، أو اسم بلدتهم. وتقديره: بعاد أهل إرم. كقوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ولم تنصرف - قبيلة كانت أو أرضا - للتعريف والتأنيث. وقراءة العامة {إرم} بكسر الهمزة. وعن الحسن أيضا {بعادَ إرَمَ} مفتوحتين، وقرئ{بعاد إِرْمَ} بسكون الراء، على التخفيف؛ كما قرئ {بورِقكم}. وقرئ {بعادٍ إرَمَ ذات العماد} بإضافة {إرم} - إلى –{ذات العماد}. والإرم: العلم. أي بعاد أهل ذات العلم. وقرئ {بعادٍ إرَمَ ذات العماد} أي جعل اللّه ذات العماد رميما. وقرأ مجاهد والضحاك وقتادة {أَرَمَ} بفتح الهمزة. قال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام، التي هي الأعلام، واحدها: أرم. وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي والفجر وكذا وكذا إن ربك لبالمرصاد ألم تر. أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد. وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم، والمراد عام. وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهورا؛ إذ كانوا في بلاد العرب، وحِجر ثمود موجود اليوم. وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. وقد تقدم هذا المعنى في سورة "البروج" وغيرها {بعاد} أي بقوم عاد. فروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. و{إرم} قيل هو سام بن نوح؛ قاله ابن إسحاق. وروى عطاء عن ابن عباس - وحكى عن ابن إسحاق

أيضا - قال: عاد بن إرم. فإرم على هذا أبو عاد، وعاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح. وعلى القول الأول: هو اسم جد عاد. قال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد، إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام. فمن ولد إرم بن سام العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك الطغاة والعصاة. وقال مجاهد: {إرم} أمة من الأمم. وعنه أيضا: أن معنى إرم: القديمة، ورواه ابن أبي نجيح. وعن مجاهد أيضا أن معناها القوية. وقال قتادة: هي قبيلة من عاد. وقيل: هما عادان. فالأولى هي إرم؛ قال اللّه عز وجل: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى} . فقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد؛ كما يقال لبني هاشم: هاشم. ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، وإرم: تسمية لهم باسم جدهم. ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليدا بناه أولهم ... أدرك عادا وقبله إرما
وقال معمر: {إرم}: إليه مجمع عاد وثمود. وكان يقال: عاد إرم، وعاد ثمود. وكانت القبائل تنتسب إلى إرم. {ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل منهم طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم طوله ثلثمائة ذراع بذراع نفسه. وروي عن ابن عباس أيضا أن طول الرجل منهم كان سبعين ذراعا. ابن العربي: وهو باطل؛ لأن في الصحيح: "إن اللّه خلق آدم طوله ستون ذراعا في الهواء، فلم يزل الخلق ينقص إلى الآن" . وزعم قتادة: أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعا. قال أبو عبيدة: {ذَاتِ الْعِمَادِ} ذات الطول. يقال: رجل معمد إذا كان طويلا. ونحوه عن ابن عباس ومجاهد. وعن قتادة أيضا: كانوا عمادا لقومهم؛ يقال: فلان عميد القوم وعمودهم: أي سيدهم. وعنه أيضا: قيل لهم ذلك، لأنهم كانوا ينتقلون بأبياتهم للانتجاع، وكانوا أهل خيام وأعمدة، ينتجعون الغيوث، ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم. وقيل: {ذَاتِ الْعِمَادِ} أي ذات الأبنية المرفوعة على العمد. وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور. قال ابن زيد:

{ذَاتِ الْعِمَادِ} يعني إحكام البنيان بالعمد. وفي الصحاح: والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر وتؤنث. قال عمرو بن كلثوم:
ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأحفاض نمنع من يلينا
والواحدة عمادة. وفلان طويل العماد: إذا كان منزل معلما لزائره. والأحفاض: جمع حفض - بالتحريك - وهو متاع البيت إذا هيئ ليحمل؛ أي خرت على المتاع. ويروى؛ عن الأحفاض أي خرت عن الإبل التي تحمل خرثي البيت. وقال الضحاك: {ذَاتِ الْعِمَادِ} ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة؛ دليله قوله تعالى: {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} . وروى عوف عن خالد الربعي {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} قال: هي دمشق. وهو قول عكرمة وسعيد المقبري. رواه ابن وهب وأشهب عن مالك. وقال محمد بن كعب القرظي: هي الإسكندرية.
8- {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ}
قوله تعالى: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} الضمير في {مِثْلُهَا} يرجع إلى القبيلة. أي لم يخلق مثل القبيلة في البلاد: قوة وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة؛ عن الحسن وغيره. وفي حرف عبدالله {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} . وقيل: يرجع للمدينة. والأول أظهر، وعليه الأكثر، حسب ما ذكرناه. ومن جعل {إرم} مدينة قدر حذفا؛ المعنى: كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم، أو بعد صاحبه إرم. وإرم على هذا: مؤنثة معرفة. واختار ابن العربي أنها دمشق، لأنه ليس في البلاد مثلها. ثم أخذ ينعتها بكثرة مياهها وخيراتها. ثم قال: وإن في الإسكندرية لعجائب، لو لم يكن إلا المنارة، فإنها مبنية الظاهر والباطن على العمد، ولكن لها أمثال، فأما دمشق فلا مثل لها. وقد روى معن عن مالك أن كتابا وجد بالإسكندرية، فلم يدر ما هو؟ فإذا فيه: أنا شداد بن عاد، الذي رفع العماد، بنيتها حين لا شيب ولا موت. قال مالك: إن كان لتمر بهم

مائة سنة لا يرون فيها جنازة. وذكر عن ثور بن زيد أنه قال: أنا شداد بن عاد، وأنا رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي بطن الواد، وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم. وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد؛ فملكا وقهرا، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا، ودانت له ملوكها؛ فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها. فبنى إرم في بعض صحاري عدن، في ثلثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة. وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة. ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث اللّه عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبداللّه بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له؛ ثم التفت فأبصر ابن قلابة، وقال: هذا واللّه ذلك الرجل. وقيل: أي لم يخلق مثل أبنية عاد المعروفة بالعمد. فالكناية للعماد. والعماد على هذا: جمع عمد. وقيل: الإرم: الهلاك؛ يقال: أرم بنو فلان: أي هلكوا؛ وقال ابن عباس. وقرأ الضحاك: {أرَمَّ ذاتَ العمادِ}؛ أي أهلكهم، فجعلهم رميما.
9- {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}
ثمود: هم قوم صالح. و{جَابُوا} قطعوا. ومنه: فلان يجوب البلاد، أي يقطعها. وإنما سمي جيب القميص لأنه جيب؛ أي قطع. قال الشاعر وكان قد نزل على ابن الزبير بمكة، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة. فقال:

راحت رواحا قلوصي وهي حامد ... آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا
راحت بستين وسقا في حقيبتها ... ما حملت حملها الأدنى ولا السددا
ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت ... ستين وسقا ولا جابت به بلدا
أي قطعت. قال المفسرون: أول من نحت الجبال والصور والرخام: ثمود. فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبعمائة ألف، كلها من الحجارة. وقد قال تعالى: {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين} . وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها بيوتا لأنفسهم. "بالوادي" أي بوادي القرى؛ قاله محمد بن إسحاق. وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة قال: أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزاة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال: "أسرعوا السير، فإنكم في واد ملعون" . وقيل: الوادي بين جبال، وكانوا ينقبون في تلك الجبال بيوتا ودورا وأحواضا. وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكا للسيل ومنفذا فهو واد.
10- {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ}
أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه؛ قاله ابن عباس. وقيل: كان يعذب الناس بالأوتاد، ويشدهم بها إلى أن يموتوا؛ تجبرا منه وعتوا. وهكذا فعل بامرأته آسية وماشطة ابنته؛ حسب ما تقدم في آخر سورة "التحريم". وقال عبدالرحمن بن زيد: كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ الإنسان فتوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه. وقد مضى في سورة "ص" من ذكر أوتاده ما فيه كفاية. والحمد لله.
11- {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ}
12- {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}
13- {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}

قوله تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ} يعني عادا وثمودا وفرعون {طَغَوْا} أي تمردوا وعتوا وتجاوزوا القدر في الظلم والعدوان. {فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} أي الجور والأذى. و {الَّذِينَ طَغَوْا} أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن يكون مرفوعا على: هم الذين طغوا، أو مجرورا على وصف المذكورين: عاد، وثمود، وفرعون. {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ} أي أفرغ عليهم وألقى؛ يقال: صب على فلان خلعة، أي ألقاها عليه. وقال النابغة:
فصب عليه الله أحسن صنعه ... وكان له بين البرية ناصرا
{سَوْطَ عَذَابٍ} أي نصيب عذاب. ويقال: شدته؛ لأن السوط كان عندهم نهاية ما يعذب به. قال الشاعر:
ألم تر أن الله أظهر دينه ... وصب على الكفار سوط عذاب
وقال الفراء: وهي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب. وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب؛ إذ كان فيه عندهم غاية العذاب. وقيل: معناه عذاب يخالط اللحم والدم؛ من قولهم: ساطه يسوطه سوطا أي خلطه، فهو سائط. فالسوط: خلط الشيء بعضه ببعض؛ ومنه سمي المسواط. وساطه أي خلطه، فهو سائط، وأكثر ذلك يقال: سوط فلان أموره. قال:
فسطها ذميم الرأي غير موفق ... فلست على تسويطها بمعان
قال أبو زيد: يقال أموالهم سويطة بينهم؛ أي مختلطة. حكاه عنه يعقوب. وقال الزجاج: أي جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب. يقال: ساط دابته يسوطها؛ أي ضربها

بسوطه. وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند اللّه أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. وقال قتادة: كل شيء عذب اللّه تعالى به فهو سوط عذاب.
14- {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}
أي يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به؛ قال الحسن وعكرمة. وقيل: أي على طريق العباد لا يفوته أحد. والمرصد والمرصاد: الطريق. وقد مضى في سورة "التوبة" والحمد لله. فروى الضحاك عن ابن عباس قال: إن على جهنم سبع قناطر، يُسأل الإنسان عند أول قنطرة عن الإيمان، فإن جاء به تاما جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يُسأل عن الصلاة، فإن جاء بها جاز إلى الثالثة، ثم يُسأل عن الزكاة، فإن جاء بها جاز إلى الرابعة. ثم يُسأل عن صيام شهر رمضان، فإن جاء به جاز إلى الخامسة. ثم يُسأل عن الحج والعمرة، فإن جاء بهما جاز إلى السادسة. ثم يُسأل عن صلة الرحم، فإن جاء بها جاز إلى السابعة. ثم يُسأل عن المظالم، وينادي مناد: ألا من كانت له مظلمة فليأت؛ فيقتص للناس منه، يقتص له من الناس؛ فذلك قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} وقال الثوري: {لَبِالْمِرْصَادِ} يعني جهنم؛ عليها ثلاث قناطر: قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب تبارك وتعالى.
قلت: أي حكمته وإرادته وأمره. واللّه أعلم. وعن ابن عباس، أيضا {لَبِالْمِرْصَادِ} "لبالمرصاد" أي يسمع ويرى.
قلت: هذا قول حسن؛ "يسمع" أقوالهم ونجواهم، و"يرى" أي يعلم أعمالهم وأسرارهم، فيجازي كلا بعمله. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه الآية، فقال: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} يا أبا جعفر! قال الزمخشري: عرض له في هذا النداء، بأنه بعض من

توعد بذلك من الجبابرة؛ فلله دره. أي أسد فراس كان بين يديه؟ يدق الظلمة بإنكاره، ويقمع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه
15- {فَأَمَّا الْإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}
قوله تعالى: {فَأَمَّا الْإنْسَانُ} يعني الكافر. قال ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة وأبا حذيفة بن المغيرة. وقيل: أمية بن خلف. وقيل: أبي بن خلف. {إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ} أي امتحنه واختبره بالنعمة. و{ما}: زائدة صلة. {فَأَكْرَمَهُ} بالمال. {وَنَعَّمَهُ} بما أوسع عليه. {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} فيفرح بذلك ولا يحمده. {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ} أي امتحنه بالفقر واختبره. {فَقَدَرَ} أي ضيق {عَلَيْهِ رِزْقَهُ} على مقدار البُلغة. {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} أي أولاني هوانا. وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث: وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته. فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه اللّه بطاعته وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره.
قلت: الآيتان صفة كل كافر. وكثير من المسلمين يظن أن ما أعطاه اللّه لكرامته وفضيلته عند اللّه، وربما يقول بجهله: لو لم أستحق هذا لم يعطينه اللّه. وكذا إن قتر عليه يظن أن ذلك لهوانه على اللّه. وقراءة العامة {فقدر} مخففة الدال. وقرأ ابن عامر مشددا، وهما لغتان. والاختيار التخفيف؛ لقوله: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} . قال أبو عمرو:{قدر} أي قتر. و{قدر} مشددا: هو أن يعطيه ما يكفيه، ولو فعل به ذلك ما قال {ربي أهانن}. وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو {ربي} بفتح الياء في الموضعين. وأسكن الباقون. وأثبت البزي

وابن محيصن ويعقوب الياء من {أكرمن}، و{أهانن} في الحالين؛ لأنها اسم فلا تحذف. وأثبتها المدنيون في الوصل دون الوقف، اتباعا للمصحف. وخير أبو عمرو في إثباتها في الوصل أو حذفها؛ لأنها رأس آية، وحذفها في الوقف لخط المصحف. الباقون بحذفها، لأنها وقعت في الموضعين بغير ياء، والسنة ألا يخالف خط المصحف؛ لأنه إجماع الصحابة.
17- {كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}
18- {وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}
19- {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً}
20- {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}
قوله تعالى: {كَلَّا} ردّ، أي ليس الأمر كما يُظَن، فليس الغنى لفضله، ولا الفقر لهوانه، وإنما الفقر والغنى من تقديري وقضائي. وقال الفراء: {كلا} في هذا الموضع بمعنى لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد اللّه عز وجل على الغنى والفقر. وفي الحديث: "يقول اللّه عز وجل: كلا إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلتها، إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي" . {بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} إخبار عن ما كانوا يصنعونه من منع اليتيم الميراث، وأكل ماله إسرافا وبدارا أن يكبروا. وقرأ أبو عمرو ويعقوب {يكرمون}، و{يحضون} و{يأكلون}، و{يحبون} بالياء، لأنه تقدم ذكر الإنسان، والمراد به الجنس، فعبر عنه بلفظ الجمع. الباقون بالتاء في الأربعة، على الخطاب والمواجهة؛ كأنه قال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا. وترك إكرام اليتيم بدفعه عن حقه، وأكل ماله كما ذكرنا. قال مقاتل: نزلت في قدامة بن مظعون وكان يتيما في حجر أمية بن خلف.قوله تعالى: {ولا تَحُضون على طعام المسكين} أي لا يأمرون أهليهم بإطعام مسكين يجيئهم. وقرأ الكوفيون {ولا تحاضون} بفتح التاء والحاء والألف. أي يحض بعضهم بعضا. وأصله تتحاضون، فحذف إحدى التاءين لدلالة الكلام عليها. وهو اختيار أبي عبيد. وروي عن إبراهيم والشيزري عن الكسائي والسلمي {تحاضون} بضم

التاء، وهو تفاعلون من الحض، وهو الحث. {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ } أي ميراث اليتامى. وأصله الوراث من ورثت، فأبدلوا الواو تاء؛ كما قالوا في تجاه وتخمة وتكأة وتودة ونحو ذلك. وقد تقدم. {أَكْلاً لَمّاً} أي شديدا؛ قاله السدي. قيل {لَمّاً} : جمعا؛ من قولهم: لممت الطعام لما إذا أكلته جمعا؛ قاله الحسن وأبو عبيدة. وأصل اللم في كلام العرب: الجمع؛ يقال: لممت الشيء ألمه لما: إذا جمعته، ومنه يقال: لم اللّه شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. قال النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
ومنه قولهم: إن دارك لَمُومَة، أي تلم الناس وتربهم وتجمعهم. وقال المرناق الطائي يمدح علقمة ابن سيف:
لأَحَبَّني حُبَّ الصبي ولَمَّني ... لمَّ الهُدِيّ إلى الكريم الماجد
وقال الليث: اللم الجمع الشديد؛ ومنه حجر ملموم، وكتيبة ملمومة. فالآكل يلم الثريد، فيجمعه لقما ثم يأكله. وقال مجاهد: يسفه سفا: وقال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب غيره. قال الحطيئة:
إذا كان لما يتبع الذم ربه ... فلا قدّس الرحمن تلك الطواحنا
يعني أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم ونصيب غيرهم. وقال ابن زيد: هو أنه إذا أكل ماله ألم بمال غيره فأكله، ولا يفكر: أكل من خبيث أو طيب. قال: وكان أهل الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم مع ميراثهم، وتراثهم مع تراثهم. وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلم وهو عالم بذلك، فيَلُمُ في الأكل بين حرامه وحلاله. ويجوز

أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا، مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا، جامعا بين المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الوراث البطالون.
قوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً} " أي كثيرا، حلاله وحرامه. والجم الكثير. يقال: جم الشيء يجم جموما، فهو جم وجام. ومنه جم الماء في الحوض: إذا اجتمع وكثر. وقال الشاعر:
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
والجمة: المكان الذي يجتمع فيه ماؤه. والجموم: البئر الكثيرة الماء. والجمُومُ: المصدر؛ يقال: جم الماء يجم جموما: إذا كثر في البئر واجتمع، بعد ما استقي ما فيها.
21- {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً}
قوله تعالى: {كَلَّا} أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو رد لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها؛ فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض، ولا ينفع الندم. والدك: الكسر والدق؛ وقد تقدم. أي زلزلت الأرض، وحركت تحريكا بعد تحريك. وقال الزجاج: أي زلزلت فدك بعضها بعضا. وقال المبرد: أي ألصقت وذهب ارتفاعها. يقال ناقة دكاء، أي لا سنام لها، والجمع دُكٌ. وقد مضى في سورة "الأعراف" و"الحاقة" القول في هذا. ويقولون: دك الشيء أي هدم. قال:
هل غير غار دك غارا فانهدم
{دَكّاً دَكّاً} أي مرة بعد مرة؛ زلزلت فكسر بعضها بعضا؛ فتكسر كل شيء على ظهرها. وقيل: دكت جبالها وأنشازها حتى استوت. وقيل: دكت أي استوت في الانفراش؛ فذهب دورها وقصورها وجبالها وسائر أبنيتها. ومنه سمي الدكان، لاستوائه في الانفراش. والدك: حط المرتفع من الأرض بالبسط، وهو معنى قول ابن مسعود وابن عباس: تمد الأرض مد الأديم.

22- {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}
23- {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}
قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} أي أمره وقضاؤه؛ قاله الحسن. وهو من باب حذف المضاف. وقيل: أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة؛ وهو كقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} ، أي بظلل. وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات. ومنه قوله تعالى في الحديث: "يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني" . وقيل: {وَجَاءَ رَبُّكَ} أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه. قال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، واللّه جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان؛ لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز.
قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ} أي الملائكة. {صَفّاً صَفّاً} أي صفوفا. {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} قال ابن مسعود ومقاتل: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيظ وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش. وفي صحيح، مسلم عن عبداللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يؤتى بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" . وقال أبو سعيد الخدري: لما نزلت {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} تغير لون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وعرف في وجهه. حتى اشتد على أصحابه، ثم قال: "أقرأني جبريل {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} ـ الآية ـ {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ} " . قال علي رضي اللّه عنه: قلت يا رسول اللّه، كيف يجاء بها؟ قال: "تؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، يقود بكل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع

ثم تعرض لي جهنم فتقول: ما لي ولك يا محمد، إن اللّه قد حرم لحمك علي" فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه يقول: "رب أمتي رب أمتي"
قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ} أي يتعظ ويتوب. وهو الكافر، أو من همته معظم الدنيا. {وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} أي ومن أين له الاتعاظ والتوبة وقد فرط فيها في الدنيا. ويقال: أي ومن أين له منفعة الذكرى. فلا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ} وبين {وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} أي تناف، قاله الزمخشري.
24- {يقول يا ليتني قدمت لحياتي}
أي في حياتي. فاللام بمعنى في. وقيل: أي قدمت عملا صالحا لحياتي، أي لحياةٍ لا موت فيها. وقيل: حياة أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم؛ فالمعنى: يا ليتني قدمت من الخير لنجاتي من النار، فأكون فيمن له حياة هنيئة.
25- {فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}
قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} أي لا يعذب كعذاب اللّه أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد. والكناية ترجع إلى اللّه تعالى. وهو قول ابن عباس والحسن. وقرأ الكسائي {لا يعذب} {ولا يوثق} بفتح الذال والثاء، أي لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب اللّه الكافر يومئذ، ولا يوثق كما يوثق الكافر. والمراد إبليس؛ لأن الدليل قام على أنه أشد الناس عذابا، لأجل إجرامه؛ فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من التفسير. وقيل: إنه أمية بن خلف؛ حكاه الفراء. يعني أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد؛ لتناهيه في كفره وعناده. وقيل: أي لا يعذب مكانه

أحد، فلا يؤخذ منه فداء. والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى الإيثاق. ومنه قول الشاعر:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
وقيل: لا يعذب أحد ليس بكافر عذاب الكافر. واختار أبو عبيد وأبو حاتم فتح الذال والثاء. وتكون الهاء ضمير الكافر؛ لأن ذلك معروف: أنه لا يعذب أحد كعذاب اللّه. وقد روى أبو قلابة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قرأ بفتح الذال والثاء. وروي أن أبا عمرو رجع إلى قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم. وقال أبو علي: يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءه الجماعة؛ أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر؛ فتكون الهاء للكافر. والمراد بـ{أحد} الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار.
27- {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}
28- {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}
29- {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي}
30- {وادخلي جنتي}
قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} لما ذكر حال من كانت همته الدنيا فاتهم اللّه في إغنائه، وإفقاره، ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى اللّه تعالى. فسلم لأمره، واتكل عليه. وقيل: هو من قول الملائكة لأولياء اللّه عز وجل. {النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} الساكنة الموقنة؛ أيقنت أن اللّه ربها، فأخبتت لذلك؛ قال مجاهد وغيره. وقال ابن عباس: أي المطمئنة بثواب اللّه. وعنه المؤمنة. وقال الحسن: المؤمنة الموقنة. وعن مجاهد أيضا: الراضية بقضاء اللّه، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقال مقاتل: الآمنة من عذاب اللّه. وفي حرف أُبي بن كعب {يأيتها النفس الآمنة المطمئنة}. وقيل: التي عملت على يقين بما وعد اللّه في كتابه. وقال ابن كيسان: المطمئنة هنا: المخلصة.

وقال ابن عطاء: العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين. وقيل: المطمئنة بذكر اللّه تعالى؛ بيانه {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} . وقيل: المطمئنة بالإيمان، المصدقة بالبعث والثواب. وقال ابن زيد: المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، ويوم الجمع. وروى عبداللّه بن بريدة عن أبيه قال: يعني نفس حمزة. والصحيح أنها عامة في كل نفس مؤمن مخلص طائع. قال الحسن البصري: إن اللّه تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن، اطمأنت النفس إلى اللّه تعالى، واطمأن اللّه إليها. وقال عمرو بن العاص: إذا توفي المؤمن أرسل اللّه إليه ملكين، وأرسل معهما تحفة من الجنة، فيقولان لها: اخرجي أيتها النفس المطمئنة راضية مرضية، ومرضيا عنك، اخرجي إلى ووح وريحان، ورب راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك وجَد أحد من أنفه على ظهر الأرض. وذكر الحديث. وقال سعيد بن زيد: قرا رجل عند النبي صلى اللّه عليه وسلم {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} ، فقال أبو بكر: ما أحسن هذا يا رسول اللّه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "إن الملك يقولها لك يا أبا بكر" . وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم ير على خلقته طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر - لا يدري من تلاها -: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} . وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي اللّه عنه حين وقف بئر رومة. وقيل: نزلت في خُبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه إلى المدينة؛ فحول اللّه وجهه نحو القبلة. واللّه أعلم.
قوله تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} أي إلى صاحبك وجسدك؛ قال ابن عباس وعكرمة وعطاء. واختاره الطبري؛ ودليله قراءة ابن عباس {فادخلي في عبدي} على التوحيد، فيأمر اللّه تعالى الأرواح غدا أن ترجع إلى الأجساد. وقرأ ابن مسعود {في جسد عبدي}. وقال الحسن: ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته. وقال أبو صالح: المعنى: ارجعي إلى اللّه. وهذا عند الموت.

{فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} أي في أجساد عبادي؛ دليله قراءة ابن عباس وابن مسعود. قال ابن عباس: هذا يوم القيامة؛ وقال الضحاك. والجمهور على أن الجنة هي دار الخلود التي هي مسكن الأبرار، ودار الصالحين والأخيار. ومعنى {فِي عِبَادِي} " أي في الصالحين من عبادي؛ كما قال: {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} وقال الأخفش: {فِي عِبَادِي} أي في حزبي؛ والمعنى واحد. أي انتظمي في سلكهم. {وَادْخُلِي جَنَّتِي} مع عبادي.
سورة البلدمكية باتفاق. وهي عشرون آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}
يجوز أن تكون {لا} زائدة، كما تقدم في {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ؛ قاله الأخفش. أي أقسم؛ لأنه قال: "بهذا البلد" وقد أقسم به في قوله: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} فكيف يَجْحَد القسم به وقد أقسم به. قال الشاعر:
تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتقطع
أي يتقطع، ودخل حرف "لا" صلة؛ ومنه قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} بدليل قوله تعالى في ص: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} . وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير {لأقسم} من غير ألف بعد اللام إثباتا. وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى {ألا}. وقيل: ليست بنفي القسم، وإنما هو كقول العرب: لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان

كذا، ولا والله لأفعلن كذا. وقيل: هي نفي صحيح؛ والمعنى: لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه، بعد خروجك منه. حكاه مكي. ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: {لا} رد عليهم. وهذا اختيار ابن العربي؛ لأنه قال: وأما من قال إنها رد، فهو قول ليس له رد، لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد. فهو رد لكلام من أنكر البعث ثم ابتدأ القسم. وقال القشيري: قوله "لا" رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور بالدنيا. أي ليس الأمر كما يحسبه، من أنه لن يقدر عليه أحد، ثم ابتدأ القسم. و{البلد}: هي مكة، أجمعوا عليه. أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه، لكرامتك علي وحبي لك. وقال الواسطي أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا، وبركتك ميتا، يعني المدينة. والأول أصح؛ لأن السورة نزلت بمكة باتفاق.
2- {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}
يعني في المستقبل؛ مثل قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} . ومثله واسع في كلام العرب. تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو. وهو في كلام الله واسع، لأن الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة؛ وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة باتفاق مكية قبل الفتح. فروى منصور عن مجاهد: {وَأَنْتَ حِلٌّ} قال: ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل. وكذا قال ابن عباس: أحل له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما. ولم يحل لأحد من الناس أن يقتل بها أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى السدي قال: أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: أُحلت له ساعة من نهار، ثم أُطبقت وحُرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح مكة. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، فلم

تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار" الحديث. وقد تقدم في سورة "المائدة" ابن زيد: لم يكن بها أحد حلالا غير النبي صلى الله عليه وسلم: وقيل: وأنت مقيم فيه وهو محلك. وقيل: وأنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راض. وذكر أهل اللغة أنه يقال: رجل حل وحلال ومحل، ورجل حرام ومحل، ورجل حرام ومحرم. وقال قتادة: أنت حل به: لست بأثم. وقيل: هو ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي إنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه، معرفة منك بحق هذا البيت؛ لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه. أي أقسم بهذا البيت المعظم الذي قد عرفت حرمته، فأنت مقيم فيه معظم له، غير مرتكب فيه ما يحرم عليك. وقال شرحبيل بن سعد: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} أي حلال؛ أي هم يحرمون مكة أن يقتلوا بها صيدا أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلون إخراجك وقتلك.
3- {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}
قال مجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو صالح: {وَوَالِدٍ} آدم: عليه السلام. {وَمَا وَلَدَ} أي وما نسل من ولده. أقسم بهم لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض؛ لما فيهم من البيان والنطق والتدبير، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى. وقيل: هو إقسام بآدم والصالحين من ذريته، وأما غير الصالحين فكأنهم بهائم. وقيل: الوالد إبراهيم. وما ولد: ذريته؛ قال أبو عمران الجوني. ثم يحتمل أنه يريد جميع ذريته. ويحتمل أنه يريد المسلمين من ذريته. قال الفراء: وصلحت{ما} للناس؛ كقوله: {مَا طَابَ لَكُمْ} وكقوله: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} وهو الخالق للذكر والأنثى، وقيل: {ما} مع ما بعدها في موضع المصدر؛ أي ووالد وولادته؛ كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} . وقال عكرمة وسعيد بن جبير: {وَوَالِدٍ} يعني الذي يولد له، {وَمَا وَلَدَ}

يعني العاقر الذي لا يولد له؛ وقال ابن عباس. و{ما} على هذا نفي. وهو بعيد؛ ولا يصح إلا بإضمار الموصول؛ أي ووالد والذي ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين. وقيل: هو عموم في كل والد وكل مولود؛ قاله عطية العوفي. وروي معناه عن ابن عباس أيضا. وهو اختيار الطبري. قال الماوردي: ويحتمل أن الوالد النبي صلى الله عليه وسلم، لتقدم ذكره، وما ولد أمته: لقوله عليه السلام: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم" . فأقسم به وبأمته بعد أن أقسم ببلده؛ مبالغة في تشريفه عليه السلام.
4- {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}
إلى هنا انتهى القسم؛ وهذا جوابه. ولله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته لتعظيمها، كما تقدم. والإنسان هنا ابن آدم. {فِي كَبَدٍ} أي في شدة وعناء من مكابدة الدنيا. وأصل الكبد الشدة. ومنه تكبد اللبن: غلظ وخثر وأشتد. ومنه الكبد؛ لأنه دم تغلظ واشتد. ويقال: كابدت هذا الأمر: قاسيت شدته: قال لبليد:
يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد
قال ابن عباس والحسن: {فِي كَبَدٍ} أي في شدة ونصب. وعن ابن عباس أيضا: في شدة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه، وغير ذلك من أحواله. وروى عكرمة عنه قال: منتصبا في بطن أمه. والكبد: الاستواء والاستقامة. فهذا امتنان عليه في الخلقة. ولم يخلق الله جل ثناؤه دابة في بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصابا؛ وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما. ابن كبسان: منتصبا رأسه في بطن أمه؛ فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه. وقال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وعنه أيضا: يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء؛ لأنه لا يخلو من أحدهما. ورواه ابن عمر. وقال يَمانٌ: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم؛ وهو مع ذلك أضعف الخلق. قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا

قمط قماطا، وشد رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم الأذن. ويكابد محنا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضى عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته؛ ثم البعث والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار؛ قال الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه الشدائد. ودل هذا على أن له خالقا دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال؛ فليمتثل أمره. وقال ابن زيد: الإنسان هنا آدم.وقوله: {فِي كَبَدٍ} أي في وسط السماء. وقال الكلبي: إن هذا نزل في رجل من بني جمح؛ كان يقال ل أبو الأشدين، وكان يأخذ الأديم العكاظي فيجعله تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا. فيجذبه عشرة حتى يتمزق ولا تزول قدماه؛ وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه نزل {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} يعني: لقوته. وروي عن ابن عباس. "في كبد" أي شديدا، يعني شديد الخلق؛ وكان من أشد رجال قريش. وكذلك ركانة ابن هشام بن عبدالمطلب، وكان مثلا في البأس والشدة. وقيل: {فِي كَبَدٍ} أي جريء القلب، غليظ الكبد، مع ضعف خلقته، ومهانة مادته. ابن عطاء: في ظلمة وجهل. الترمذي: مضيعا ما يعنيه، مشتغلا بما لا يعنيه.

5- {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}
6- {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً}
7- {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}
8- {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ}
9- {وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}
قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ} أي أيظن ابن آدم أن لن يعاقبه الله عز وجل: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ} أي أنفقت. {مَالاً لُبَداً} أي كثيرا مجتمعا. {أَيَحْسَبُ} أي أيظن. {أَنْ لَمْ يَرَهُ} أي أن لم يعاينه {أَحَدٌ} بل علم الله عز وجل ذلك منه، فكان كاذبا في قوله: أهلكت ولم يكن أنفقه. وروى أبو هريرة قال: يوقف العبد، فيقال ماذا عملت في المال الذي رزقتك؟ فيقول: أنفقته وزكيته. فيقال: كأنك إنما فعلت ذلك ليقال سخي، فقد قيل ذلك. ثم يؤمر به إلى النار. وعن سعيد عن قتادة: إنك مسؤول عن مالك من أين جمعت؟ وكيف أنفقت؟ وعن ابن عباس قال: كان أبو الأشدين يقول: أنفقت في عداوة محمد مالا كثيرا وهو في ذلك كاذب. وقال مقاتل: نَزَلتْ في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يُكَفِّر. فقال: لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات، منذ دخلت في دين محمد. وهذا القول منه يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغيانا منه، أو أسفا عليه، فيكون ندما منه. وقرأ أبو جعفر {مَالاً لُبَّداً} بتشديد الباء مفتوحة، على جمع لا بد؛ مثل راكع وركع، وساجد وسجد، وشاهد وشهد، ونحوه. وقرأ مجاهد وحميد بضم الباء واللام مخففا، جمع لبود. الباقون بضم اللام وكسرها وفتح الباء مخففا، جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد؛ يريد الكثرة. وقد مضى في سورة "الجن" القول فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ {أيحسُب} بضم السين في الموضعين. وقال الحسن: يقول أتلفت مالا كثيرا، فمن يحاسبني به، دعني أحسبه. ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله عز وجل يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه فقال: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ} يبصر بهما {وَلِسَاناً} ينطق به. {وَشَفَتَيْنِ} يستر بهما

ثغره. والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه ونحصي عليه ما عمله. وقال أبو حازم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى قال: يا ابن آدم، إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق؛ وإن نازعك بصرك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق؛ وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق " . والشفة: أصلها شفهة، حذفت منها الهاء، وتصغيرها: شفيهة، والجمع: شفاه. ويقال: شفهات وشفوات، والهاء أقيس، والواو أعم، تشبيها بالسنوات. وقال الأزهري: يقال هذه شفة في الوصل وشفه، بالتاء والهاء. وقال قتادة: نعم الله ظاهرة، يقررك بها حتى تشكر.
10- {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}
يعني الطريقين: طريق الخير وطريق الشر. أي بيناهما له بما أرسلناه من الرسل. والنجد. الطريق في ارتفاع. وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما. وروى قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "يا أيها الناس، إنما هما النجدان: نجد الخير، ونجد الشر، فلم تجعل نجد الشر أحب إليك من نجد الخير" . وروي عن عكرمة قال: النجدان: الثديان. وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك، وروي عن ابن عباس وعلي رضي الله عنهما؛ لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه. فالنجد: العلو، وجمعه نجود؛ ومنه سميت "نجد"، لارتفاعها عن انخفاض تهامة. فالنجدان: الطريقان العاليان. قال امرؤ القيس:
فريقان منهم جازع بطن نخلة ... وآخر منهم قاطع نجد كبكب
11- {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}
أي فهلا أنفق ماله الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد، هلا أنفقه لاقتحام العقبة فيأمن والاقتحام: الرمي بالنفس في شيء من غير روية؛ يقال منه: قحم في الأمر قحوما: أي رمى

بنفسه فيه من غير روية. وقحم الفرس فارسه. تقحيما على وجهه: إذا رماه. وتقحيم النفس في الشيء: إدخالها فيه من غير روية. والقُحمة بالضم المهلكة، والسنة الشديدة. يقال: أصابت الأعراب القُحمة: إذا أصابهم قحط، فدخلوا الريف. والقُحم: صعاب الطريق. وقال الفراء والزجاج: وذكر {لا} مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد {لا} مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع، حتى يعيدوها في كلام آخر؛ كقوله تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى} {وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} . وإنما أفردوها لدلالة آخر الكلام على معناه؛ فيجوز أن يكون قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} قائما مقام التكرير؛ كأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن. وقيل: هو جار مجرى الدعاء؛ كقوله: لا نجا ولا سلم. وقال: معنى {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} أي فلم يقتحم العقبة، كقول زهير:
وكان طوى كشحا على مستكِنَّة ... فلا هو أبداها ولم يتقدم
أي فلم يبدها ولم يتقدم. وكذا قال المبرد وأبو علي: {لا}: بمعنى لم. وذكره البخاري عن مجاهد. أي فلم يقتحم العقبة في الدنيا، فلا يحتاج إلى التكرير. ثم فسر العقبة وركوبها فقال {فَكُّ رَقَبَةٍ} وكذا وكذا؛ فبين وجوها من القرب المالية. وقال ابن زيد وجماعة من المفسرين: معنى الكلام الاستفهام الذي معناه الإنكار؛ تقديره: أفلا اقتحم العقبة؛ أو هلا اقتحم العقبة. يقول: هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغْبَان، ليجاوز به العقبة، فيكون خيرا له من إنفاقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قيل: اقتحام العقبة ها هنا ضرب مثل، أي هل تحمل عظام الأمور فغي إنفاق ماله في طاعة ربه، والإيمان به. وهذا إنما يليق بقول من حمل {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} على الدعاء؛ أي فلا نجا ولا سلم من لم ينفق ماله في كذا وكذا. وقيل: شبه عظم الذنوب وثقلها وشدتها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله. قال

ابن عمر: هذه العقبة جبل في جهنم. وعن أبي رجاء قال: بلغنا أن العقبة مصعدها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة. وقال الحسن وقتادة: هي عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله. وقال مجاهد والضحاك والكلبي: هي الصراط يضرب على جهنم كحد السيف، مسيرة ثلاثة آلاف سنة، سهلا وصعودا وهبوطا. واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء. وقيل: اقتحامه عليه قدر ما يصلي صلاة المكتوبة. وروي عن أبي الدرداء أنه قال: إن وراءنا عقبة، أنجى الناس منها أخفهم حملا. وقيل: النار نفسها هي العقبة. فروى أبو رجاء عن الحسن قال: بلغنا أنه ما من مسلم يعتق رقبة إلا كانت فداءه من النار. وعن عبدالله بن عمر قال: من أعتق رقبة أعتق الله عز وجل بكل عضو منها عضوا منه. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه" . وفي الترمذي عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما، كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوا منها". قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقيل: العقبة خلاصه من هول العرض. وقال قتادة وكعب: هي نار دون الجسر. وقال الحسن: هي والله عقبة شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. وأنشد بعضهم:
إني بليت بأربع يرمينني ... بالنبل قد نصبوا علي شراكا
إبليس والدنيا ونفسي والهوى ... من أين أرجو بينهن فكاكا
يا رب ساعدني بعفو إنني ... أصبحت لا أرجو لهن سواكا
12- {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ}
فيه حذف، أي وما أدراك ما اقتحام العقبة. وهذا تعظيم لالتزام أمر الدين؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ليعلمه اقتحام العقبة. قال القشيري: وحمل العقبة على

عقبه جهنم بعيد؛ إذ أحد في الدنيا لم يقتحم عقبة جهنم؛ إلا أن يحمل على أن المراد فهلا صير نفسه بحيث يمكنه اقتحام عقبة جهنم غدا. واختار البخاري قول مجاهد: إنه لم يقتحم العقبة في الدنيا. قال ابن العربي: وإنما اختار ذلك لأجل أنه قال بعد ذلك في الآية الثانية: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} ؟ ثم قال في الآية الثالثة: {فَكُّ رَقَبَةٍ} ، وفي الآية الرابعة {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} ، ثم قال في الآية الخامسة: {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} ، ثم قال في الآية السادسة: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} ؛ فهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا. المعنى: فلم يأت في الدنيا بما يسهل عليه سلوك العقبة في الآخرة. وقال سفيان ابن عيينة: كل شيء قال فيه "وما أدراك"؟ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه "وما يدريك"؟ فإنه لم يخبر به.
13- {فَكُّ رَقَبَةٍ}
فيه ثلاث مسائل:
الأولى- قوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} فكها: خلاصها من الأسر. وقيل: من الرق. وفي الحديث: "وفك الرقبة أن تعين في ثمنها" . من حديث البراء، وقد تقدم في سورة "التوبة". والفك: هو حل القيد؛ والرق قيد. وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. وسمي عنقها فكا كفك الأسير من الأسر. قال حسان:
كم من أسير فككناه بلا ثمن ... وجز ناصية كنا مواليها
وروى عقبة بن عامر الجُهَني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار" قال الماوردي: ويحتمل ثانيا أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات؛ ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب.
الثانية- قوله تعالى: {رَقَبَةٍ} قال أصبغ: الرقبة الكافرة ذات الثمن أفضل في العتق من الرقبة المؤمنة القليلة الثمن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل أي الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها" . ابن العربي: والمراد في هذا الحديث: من

المسلمين؛ بدليل قوله عليه السلام: "من أعتق امرأ مسلما" و "من أعتق رقبة مؤمنة" . وما ذكره أصبغ وهلة؛ وإنما نظر إلى تنقيص المال، والنظر إلى تجريد المعتق للعبادة، وتفريغه للتوحيد، أولى.
الثالثة- العتق والصدقة من أفضل الأعمال. وعن أبي حنيفة: أن العتق أفضل من الصدقة. وعند صاحبيه الصدقة أفضل. والآية أدل على قول أبي حنيفة؛ لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذي قرابة أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا من النار" .
14- {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}
15- {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ}
16- {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}
قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} أي مجاعة. والسغب: الجوع. والساغب الجائع. وقرأ الحسن {أو إطعام في يوم ذا مسغبة} بالألف في {ذا} - وأنشد أبو عبيدة:
فلو كنت جارا يا ابن قيس بن عاصم ... لما بت شبعانا وجارك ساغبا
وإطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. وقال النخعي في قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} قال: في يوم عزيز فيه الطعام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان" . {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} أي قرابة. يقال: فلان ذو قرابتي وذو مقربتي. يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله. وأهل اللغة يقولون: سمي يتيما لضعفه. يقال: يتم الرجل يتما: إذا ضعف.

وذكروا أن اليتيم في الناس من قبل الأب. وفي البهائم من قبل الأمهات. وقد مضى في سورة "البقرة" مستوفى، وقال بعض أهل اللغة: اليتيم الذي يموت أبواه. وقال قيس بن الملوح:
إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا ... إلى الله فقد الوالدين يتيم
قوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} أي لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب. قال ابن عباس: هو المطروح على الطريق، الذي لا بيت له. مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة: إنه ذو العيال. عكرمة: المديون. أبو سنان: ذو الزمانة. ابن جبير: الذي ليس له أحد. وروى عكرمة عن ابن عباس: ذو المتربة البعيد التربة؛ يعني الغريب البعيد عن وطنه. وقال أبو حامد الخارزنجي: المتربة هنا: من التريب؛ وهي شدة الحال. يقال ترب: إذا افتقر. قال الهذلي:
وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا ... سفكنا دماء البدن في تربة الحال
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: {فكَ} بفتح الكاف، على الفعل الماضي. {رقبة} نصبا لكونها مفعولا {أو أَطعم} بفتح الهمزة نصب الميم، من غير ألف، على الفعل الماضي أيضا؛ لقوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} فهذا أشكل بـ {فك وأطعم}. وقرأ الباقون: {فك} رفعا، على أنه مصدر فككت. {رقبة} خفض بالإضافة. {أو إطعام} بكسر الهمزة وألف ورفع الميم وتنوينها على المصدر أيضا. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنه تفسير لقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} ؟ ثم أخبره فقال: {فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ} . المعنى: اقتحام العقبة: فك رقبة أو إطعام. ومن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى؛ أي ولا فك رقبة، ولا أطعم في يوم ذا مسغبة؛ فكيف يجاوز العقبة. وقرأ الحسن وأبو رجاء: {ذا مسغبة} بالنصب على أنه مفعول {إطعام} أي يطعمون ذا مسغبة و{يتيما} بدل منه. الباقون {ذي مسغبة} فهو صفة لـ {يوم}. ويجوز أن يكون قراءة النصب صفة لموضع الجار والمجرور لأن قوله: {في يوم} ظرف منصوب الموضع، فيكون وصفا له على المعنى دون اللفظ.

17- {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}
18- {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}
19- {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِْ}
20- {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ}
قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبة، أو أطعم في يوم ذا مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا؛ أي صدقوا، فإن شرط قبول الطاعات الإيمان بالله. فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان، قال الله تعالى في المنافقين: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} . وقالت عائشة: يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فعل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: "لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" . وقيل: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي فعل هذه الأشياء وهو مؤمن، ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة؛ نظيره قوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} وقيل: المعنى ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى. وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم أمن بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقد قال حكيم بن حزام بعدما أسلم، يا رسول الله، إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية، فهل لنا منها شيء؟ فقال عليه السلام: "أسلمت على ما أسلفت من الخير" . وقيل: إن {ثُمَّ} بمعنى الواو؛ أي وكان هذا المعتق الرقبة، والمطعم في المسغبة، من الذين أمنوا. {وَتَوَاصَوْا} أي أوصى بعضهم بعضا. {بِالصَّبْرِ} أي بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه؛ وعلى ما أصابهم من البلاء والمصايب. {وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} بالرحمة على الخلق؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين.
قوله تعالى: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم؛ قال محمد بن كعب القرظي وغيره. وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم. ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن. وقيل: لأن منزلتهم عن اليمين؛ قاله ميمون بن مهران. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا

بِآياتِنَا} أي كفروا بالقرآن. {هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} أي يأخذون كتبهم بشمائلهم؛ قال محمد بن كعب. يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم. ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر. ميمون: لأن منزلتهم عن اليسار.
قلت: ويجمع هذه الأقوال أن يقال: إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشأمة أصحاب النار؛ قال الله تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ} ، في سدر مخضود"، وقال: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} وما كان مثله. ومعنى {مُؤْصَدَةٌ} أي مطبقة مغلقة. قال:
تحن إلى جبال مكة ناقتي ... ومن دونها أبواب صنعاء مؤصده
وقيل: مبهمة، لا يدري ما داخلها. وأهل اللغة يقولون: أوصدت الباب وأصدته؛ أي أغلقته. فمن قال أوصدت، فالاسم الوصاد، ومن قال آصدته، فالاسم الإصاد. وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة ويعقوب والشيزري عن الكسائي {موصدة} بالهمز هنا، وفي "الهمزة". الباقون بلا همز. وهما لغتان. وعن أبي بكر بن عياش قال: لنا إمام يهمز {مؤصدة} فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته.
سورة الشمسمكية باتفاق، وهي خمس عشرة آية
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}
قال مجاهد: {وَضُحَاهَا} أي ضوءها وإشراقها. وهو قسم ثان. وأضاف الضحى إلى الشمس، لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس. وقال قتادة: بهاؤها. السدي: حرها. وروى الضحاك عن ابن عباس: {وَضُحَاهَا} قال: جعل فيها الضوء وجعلها حارة. وقال اليزيدي: هو انبساطها. وقيل: ما ظهر بها من كل مخلوق؛ فيكون القسم بها وبمخلوقات الأرض

كلها. حكاه الماوردي والضحا: مؤنثة. يقال: ارتفعت الضحا، وهي فوق الضحو. وقد تذكر. فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة. ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على فعل، نحو صرد ونغر. وهو ظرف غير متمكن مثل سحر. تقول: لقيته ضحا وضحا؛ إذا أردت به ضحا يومك لم تنونه. وقال الفراء: الضحا هو النهار؛ كقول قتادة. والمعروف عند العرب أن الضحا: النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال: إنه نور الشمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلا مع حر الشمس. وقد استدل من قال: إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى: {وَلا تَضْحَى} أي لا يؤذيك الحر. وقال المبرد: أصل الضحا من الضح، وهو نور الشمس، والألف مقلوبة من الحاء الثانية. تقول: "ضحوة وضحوات، وضحوات وضحا، فالواو من ضحوة مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في ضحا مقلوبة عن الواو. وقال أبو الهيثم: الضح: نقيض الظل، وهو نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضحا فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء، فقلبوها ألفا.
2- {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا}
أي تبعها: وذلك إذا سقطت رؤي الهلال. يقال: تلوت فلانا: إذا تبعته. قال قتادة: إنما ذلك ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رؤي الهلال. وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب. القراء: تَلاهَا}: أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. وقال قوم: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا} حين استوى واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور؛ وقاله الزجاج.

3- {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا}
أي كشفها. فقال قوم: جلى الظلمة؛ وإن لم يجر لها ذكر؛ كما تقول: أضحت باردة، تريد أضحت غداتنا باردة. وهذا قول الفراء والكلبي وغيرهما. وقال قوم: الضمير في {جَلَّاهَا} للشمس؛ والمعنى: أنه يبين بضوئه جرمها. ومنه قول قيس بن الخطيم:
تجلت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
وقيل: جلى ما في الأرض من حيوانها حتى ظهر، لاستتاره ليلا وانتشاره نهارا. وقيل: جلى الدنيا. وقيل: جلى الأرض؛ وإن لم يجر لها ذكر؛ ومثله قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} على ما تقدم آنفا.
4- {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}
أي يغشى الشمس، فيذهب بضوئها عند سقوطها؛ قال مجاهد وغيره. وقيل: يغشى الدنيا بالظلم، فتظلم الآفاق. فالكناية ترجع إلى غير مذكور.
5- {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا}
أي وبنيانها. فما مصدرية؛ كما قال: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} أي بغفران ربي؛ قاله قتادة، واختاره المبرد. وقيل: المعنى ومن بناها؛ قاله الحسن ومجاهد؛ وهو اختيار الطبري. أي ومن خلقها ورفعها، وهو الله تعالى. وحكي عن أهل الحجاز: سبحان ما سبحت له؛ أي سبحان من سبحت له.
6- {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}
أي وطحوها. وقيل: ومن طحاها؛ على ما ذكرناه آنفا. أي بسطها؛ كذا قال عامة المفسرين؛ مثل دحاها. قال الحسن ومجاهد وغيرهما: طحاها ودحاها: واحد؛ أي بسطها

من كل جانب. والطحو: البسط؛ طحا يطحو طحوا، وطحى يطحي طحيا، وطحيت: اضطجعت؛ عن أبي عمرو. وعن ابن عباس: طحاها: قسمها. وقيل: خلقها؛ قال الشاعر:
وما تدري جذيمة من طحاها ... ولا من ساكن العرش الرفيع
الماوردي: ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها. ويقال في بعض أيمان العرب: لا، والقمر الطاحي؛ أي المشرف المشرق المرتفع. قال أبو عمرو: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض. يقال: ما أدري أين طحا! ويقال: طحا به قلبه: إذا ذهب به في كل شيء. قال علقمة:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
7- {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}
قيل: المعنى وتسويتها. {فما}: بمعنى المصدر. وقيل: المعنى ومن سواها، وهو الله عز وجل. وفي النفس قولان: أحدهما آدم. الثاني: كل نفس منفوسة. وسوى: بمعنى هيأ. وقال مجاهد: سواها: سوى خلقها وعدل. وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم. أقسم جل ثناؤه بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه.
8- {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}
قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا} أي عرفها؛ كذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد. أي عرفها طريق الفجور والتقوى؛ وقال ابن عباس. وعن مجاهد أيضا: عرفها الطاعة والمعصية. وعن محمد بن كعب قال: إذا أراد الله عز وجل بعبده خيرا، ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به السوء، ألهمه الشر فعمل به. وقال الفراء: "فألهمها" قال: عرفها طريق الخير وطريق الشر؛ كما قال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} . وروى الضحاك عن ابن عباس قال: ألهم المؤمن المتقي تقواه، وألهم الفاجر فجوره. وعن سعيد عن قتادة قال: بين لها فجورها وتقواها. والمعنى

متقارب. وروي عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} قال: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" . ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} رفع صوته بها، وقال: "اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وأنت خير من زكاها" . وفي صحيح مسلم، عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي ومضى عليهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده، فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. فقال لي: يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه: أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم. وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: "لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم . وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: "ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها". والفجور والتقوى: مصدران في موضع المفعول به.
9- {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} 10- {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}
قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} هذا جواب القسم، بمعنى: لقد أفلح. قال الزجاج: اللام حذفت، لأن الكلام طال، فصار طول عوضا منها. وقيل: الجواب محذوف؛ أي والشمس وكذا وكذا لتبعثن. الزمخشري: تقديره ليدمدمن الله عليهم؛ أي على أهل مكة، لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحا. وأما {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} فكلام تابع لأوله؛ لقوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم

في شيء. وقيل: هو على التقديم والتأخير بغير حذف؛ والمعنى: قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها. {أَفْلَحَ} فاز. {مَنْ زَكَّاهَا} أي من زكى الله نفسه بالطاعة. {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} أي خسرت نفس دسها الله عز وجل بالمعصية. وقال ابن عباس: خابت نفس أضلها وأغواها. وقيل: أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وصالح الأعمال، وخاب من دس نفسه في المعاصي؛ قال قتادة وغيره. وأصل الزكاة: النمو والزيادة، ومنه زكا الزرع: إذا كثر ريعه، ومنه تزكية القاضي للشاهد؛ لأنه يرفعه بالتعديل، وذكر الجميل. وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة "البقرة" مستوفى. فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البر، شهر نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الربا وارتفاع الأرض، ليشتهر مكانها للمعتفين، وتوقد النار في الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام، ليخفى مكانها عن الطالبين. فأولئك علوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها. وكذا الفاجر أبدا خفي المكان، زمر المروءة غامض الشخص، ناكس الرأس بركوب المعاصي. وقيل: دساها: أغواها. قال:
وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت ... حلائله منه أرامل ضيعا
قال أهل اللغة: والأصل: دسسها، من التدسيس، وهو إخفاء الشيء، فأبدلت سينه ياء؛ كما يقال: قصيت أظفاري؛ وأصله قصصت أظفاري. ومثله قولهم في تقضض: تقضي. وقال ابن الأعرابي: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم.
11- {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}
12- {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا}
13- {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}
14- {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا}

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} أي بطغيانها، وهو خروجها عن الحد في العصيان؛ قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس {بِطَغْوَاهَا} أي بعذابها الذي وعدت به. قال: وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوي؛ لأنه طغى عليهم. وقال محمد بن كعب: {بِطَغْوَاهَا} بأجمعها. وقيل: هو مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برؤوس الآي. وقيل: الأصل بطغياها، إلا أن "فعلى" إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واوا، ليفصل بين الاسم والوصف. وقراءة العامة بفتح الطاء. وقرأ الحسن والجحدري وحماد بن سلمة (بضم الطاء) على أنه مصدر؛ كالرجعي والحسني وشبههما في المصادر. وقيل: هما لغتان. {إِذِ انْبَعَثَ} أي نهض. {أَشْقَاهَا} لعقر الناقة. واسمه قدار بن سالف. وقد مضى في "الأعراف" بيان هذا، وهل كان واحدا أو جماعة. وفي البخاري عن عبدالله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدري من أشقى الأولين" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "قاتلك" .
قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ} " يعني صالحا. {نَاقَةَ اللَّهِ} {نَاقَةَ} منصوب على التحذير؛ كقولك: الأسد الأسد، والصبي الصبي، والحذار الحذار. أي احذروا ناقة الله؛ أي عقرها. وقيل: ذروا ناقة الله، كما قال: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . {وَسُقْيَاهَا} أي ذروها وشربها. وقد مضى في سورة "الشعراء" بيانه والحمد لله. وأيضا في سورة {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} . فإنهم لما اقترحوا الناقة، وأخرجها لهم من الصخرة، جعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق ذلك عليهم.

{فَكَذَّبُوهُ} أي كذبوا صالحا عليه السلام في قوله لهم: "إنكم تعذبون إن عقرتموها". {فَعَقَرُوهَا} أي عقرها الأشقى. وأضيف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله. وقال قتادة: ذكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم. وقال الفراء: عقرها اثنان: والعرب تقول: هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم؛ فلهذا لم يقل: أشقياها.
قوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} أي أهلكهم وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر والتكذيب والعقر. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: دمدم عليهم قال: دمر عليهم ربهم بذنبهم؛ أي بجرمهم. وقال الفراء: دمدم أي أرجف. وحقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده. ويقال: دممت على الشيء أي أطبقت عليه، ودمم عليه القبر: أطبقه. وناقة مدومة: ألبسها الشحم. فإذا كررت الإطباق قلت: دمدمت. والدمدمة: إهلاك باستئصال؛ قاله المؤرج. وفي الصحاح: ودمدمت الشيء: إذا ألزقته بالأرض وطحطحته. ودمدم الله عليهم: أي أهلكهم. القشيري: وقيل دمدمت على الميت التراب: أي سويت عليه. فقوله: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ} أي أهلكهم، فجعلهم تحت التراب. وقال ابن الأنباري: دمدم أي غضب. والدمدمة: الكلام الذي يزعج الرجل. وقال بعض اللغويين: الدمدمة: الإدامة؛ تقول العرب: ناقة مدمدمة أي سمينة. {فَسَوَّاهَا} أي سوى عليهم الأرض. وعلى الأول {فَسَوَّاهَا} أي فسوى الدمدمة والإهلاك عليهم. وذلك أن الصيحة أهلكتهم، فأتت على صغيرهم وكبيرهم. وقيل: {فَسَوَّاهَا} أي فسوى الأمة في إنزال العذاب بهم، صغيرهم وكبيرهم، وضيعهم وشريفهم، وذكرهم وأنثاهم. وقرأ ابن الزبير {فدمدم} وهما، لغتان؛ كما يقال: امتقع لونه وانتقع.
15- {وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا}
أي فعل الله ذلك بهم غير خائف أن تلحقه تبعة الدمدمة من أحد؛ قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد. والهاء في "عقباها" ترجع إلى الفعلة؛ كقوله: "من اغتسل يوم

الجمعة فبها ونعمت" أي بالفعلة والخصلة. قال السدي والضحاك والكلبي: ترجع إلى العاقر؛ أي لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع. وقال ابن عباس أيضا. وفي الكلام تقديم وتأخير، مجازه: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها. وقيل: لا يخاف رسول الله صالح عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم؛ لأنه قد أنذرهم، ونجاه الله تعالى حين أهلكهم. وقرأ نافع وابن عامر {فلا} بالفاء، وهو الأجود؛ لأنه يرجع إلى المعنى الأول؛ أي فلا يخاف الله عاقبة إهلاكهم. والباقون بالواو، وهي أشبه بالمعنى الثاني؛ أي ولا يخاف الكافر عاقبة ما صنع. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالا: أخرج إلينا مالك مصحفا لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كتب المصاحف، وفيه: {ولا يخاف} بالواو. وكذا هي في في مصاحف أهل مكة والعراقيين بالواو، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اتباعا لمصحفهم.
سورة الليلمكية. وقيل:مدنية. وهي إحدى وعشرون آية بإجماع
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
1- {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}
2- {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}
3- {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}
4- {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} أي يُغطي. ولم يذكر معه مفعولا للعلم به. وقيل: يغشى النهار. وقيل: الأرض. وقيل: الخلائق. وقيل: يغشى كل شيء بظلمته. وروى سعيد عن قتادة قال: أول ما خلق اللّه النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما، والنور نهارا مضيئا مبصرا. {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} أي إذا انكشف ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} قال الحسن: معناه والذي خلق

الذكر والأنثى؛ فيكون قد أقسم بنفسه عز وجل. وقيل: معناه وخلق الذكر والأنثى؛ (فما): مصدرية على ما تقدم. وأهل مكة يقولون للرعد: سبحان ما سبحت له (فما) على هذا بمعنى (من)، وهو قول أبي عبيدة وغيره. وقد تقدم. وقيل: المعنى وما خلق من الذكر والأنثى؛ فتكون "من" مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه، ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفا. وقال أبو عبيدة: "وما خلق" أي من خلق. وكذا قوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} {ما} في هذه المواضع بمعنى من. وروي. ابن مسعود أنه كان يقرأ {والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى} ويسقط {وما خلق}. وفي صحيح مسلم عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبدالله؟ فقلت: نعم، أنا. قال: فكيف سمعت عبدالله يقرأ هذه الآية {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} ؟ قال: سمعته يقرأ {والليل إذا يغشى والذكر والأنثى} قال: وأنا واللّه هكذا سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ {وَمَا خَلَقَ}" فلا أتابعهم.
قال أبو بكر الأنباري: وحدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله قال: أقرأني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم "إني أنا الرازق ذو القوة المتين"؛ قال أبو بكر: كل من هذين الحديثين مردود؛ بخلاف الإجماع له، وأن حمزة وعاصما يرويان عن عبدالله بن مسعود ما عليه جماعة المسلمين، والبناء على سندين يوافقان الإجماع أولى من الأخذ بواحد يخالفه الإجماع والأمة، وما يبني على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه، أخذ برواية الجماعة، وأبطل نقل الواحد؛ لما يجوز عليه من النسيان والإغفال. ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولا معروفا، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي

وسائر الصحابة رضي اللّه عنهم يخالفونه، لكان الحكم العمل بما روته الجماعة، ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد، الذي يسرع إليه من النسيان ما لا يسرع إلى الجماعة، وجميع أهل الملة.
وفي المراد بالذكر والأنثى قولان: أحدهما: آدم وحواء؛ قاله ابن عباس والحسن والكلبي. الثاني: يعني جميع الذكور والإناث من بني آدم والبهائم؛ لأن اللّه تعالى خلق جميعهم من ذكر وأنثى من نوعهم. وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية اللّه وطاعته. {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} هذا جواب القسم. والمعنى: إن عملكم لمختلف. وقال عكرمة وسائر المفسرين: السعي: العمل؛ فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها؛ يدل عليه قوله عليه السلام: "الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها" . وشتى: واحده شتيت؛ مثل مريض ومرضى. وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه. أي إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض؛ لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى. أي فمنكم مؤمن وبر، وكافر وفاجر، ومطيع وعاص. وقيل: {لَشَتَّى} أي لمختلف الجزاء؛ فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار. وقيل: أي لمختلف الأخلاق؛ فمنكم راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل؛ وشبه ذلك.
5- {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى}
6- {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}
7- {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}
8- {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى}
9- {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}
10- {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}
فيه أربع مسائل:
الأولى- قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} قال ابن مسعود: يعني أبا بكر رضي اللّه عنه؛ وقال عامة المفسرين. فروى عن عامر بن عبدالله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام عجائز ونساء، قال: فقال له أبوه قحافة: أي بني لو أنك

أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون معك؟ فقال: يا أبت إنما أريد ما أريد. وعن ابن عباس في قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} أي بذل. {وَاتَّقَى} أي محارم اللّه التي نهى عنها. {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أي بالخلف من اللّه تعالى على عطائه. {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا" . وروى من حديث أبي الدرداء: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ملكان يناديان يسمعهما خلق اللّه كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا" فأنزل اللّه تعالى في ذلك في القرآن {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى}... الآيات. وقال أهل التفسير: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} المعسرين. وقال قتاده: أعطى حق اللّه تعالى الذي عليه. وقال الحسن: أعطى الصدق من قلبه. {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} أي بلا إله إلا اللّه؛ قاله الضحاك والسلمي وابن عباس أيضا. وقال مجاهد: بالجنة؛ دليله قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}... الآية. وقال قتادة: بموعود اللّه الذي وعده أن يثيبه. زيد بن أسلم: بالصلاة والزكاة والصوم. الحسن: بالخلف من عطائه؛ وهو اختيار الطبري. وتقدم عن ابن عباس، وكله متقارب المعنى؛ إذ كله يرجع إلى الثواب الذي هو الجنة.
الثانية- قوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} أي نرشده لأسباب الخير والصلاح، حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد بن أسلم: {لِلْيُسْرَى} للجنة. وفي الصحيحين والترمذي عن علي رضي اللّه عنه قال: كنا في جنازة بالبقيع، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال: "ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مدخلها" فقال القوم: يا رسول اللّه، أفلا نتكل على كتابنا؟ فمن كان من أهل السعادة فانه يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء. قال: "بل

اعملوا فكل ميسر؛ أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر لعمل الشقاء - ثم قرأ - {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} لفظ الترمذي. وقال فيه: حديث حسن صحيح. وسأل غلامان شابان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالا: العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم في شيء يستأنف؟ فقال عليه السلام: "بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير" قالا: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا، فكل ميسر لعمل الذي خلق له" قالا: فالآن نجد ونعمل.
الثالثة- قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} أي ضن بما عنده، فلم يبذل خيرا. وقد تقدم بيانه وثمرته في الدنيا في سورة "آل عمران". وفي الآخرة مآله النار، كما في هذه الآية. روى الضحاك عن ابن عباس {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان باللّه وبرسوله. وعنه عن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف وروى عكرمة عن ابن عباس: "وأما من بخل واستغنى" يقول: بخل بماله، واستغنى ربه. {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} أي بالخلف. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} قال: بالجنة. وبإسناد عنه آخر قال {بِالْحُسْنَى} أي بلا إله إلا اللّه. {فَسَنُيَسِّرُهُ} أي نسهل طريقه... {لِلْعُسْرَى} أي للشر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها. وقد تقدم أن الملك ينادي صباحا ومساء: "اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا". رواه أبو الدرداء.
مسألة: قال العلماء: ثبت بهذه الآية وبقوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ، وقوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً } إلى غير ذلك من الآيات - أن الجود من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها. وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل

الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطي أجرا وحمدا فهو الجواد. وكل من استحق بالمنع ذما أو عقابا فهو البخيل. ومن لم يستفد بالعطاء أجرا ولا حمدا، وإنما استوجب به ذما فليس بجواد، وإنما هو مسوف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم اللّه إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم. ومن لم يستوجب بالمنع عقابا ولا ذما، واستوجب به حمدا، فهو من أهل الرشد، الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم، بحسن تدبيرهم وسداد رأيهم.
قال الفراء: يقول القائل: كيف قال: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} وهل في العسرى تيسير؟ فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله عز وجل: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} والبشارة في الأصل على المفرح والسار، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما. وكذلك التيسير في الأصل على المفرح، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاء التيسير فيهما جميعا. قال الفراء: وقوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ} : سنهيئه. والعرب تقول: قد يسرت الغنم: إذا ولدت أو تهيأت للولادة. قال:
هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا أن يسرت غنماهما
11- {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى}
12- {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى}
13- {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى}
قوله تعالى: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} أي مات. يقال: ردي الرجل يردي ردي: إذا هلك. قال:
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: {إِذَا تَرَدَّى } : سقط في جهنم؛ ومنه المتردية. ويقال: ردي في البئر وتردى: إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل. يقال: ما أدري أين ردي؟ أي أين ذهب. و{ما}: يحتمل أن تكون جحدا؛ أي ولا يغني عنه ماله شيئا؛ ويحتمل أن تكون استفهاما

معناه التوبيخ؛ أيْ أيّ شيء يغني عنه إذا هلك ووقع في جهنم! {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة. فالهدى: بمعنى بيان الأحكام، قاله الزجاج. أي على اللّه البيان، بيان حلال وحرامه، وطاعته ومعصيته؛ قال قتادة. وقال الفراء: من سلك الهدى فعلى اللّه سبيله؛ لقوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} يقول: من أراد اللّه فهو على السبيل القاصد. وقيل: معناه إن علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال؛ كقوله: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} ، و {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} . وكما قال: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} وهي تقي البرد؛ عن الفراء أيضا. وقيل: أي إن علينا ثواب هداه الذي هديناه. {وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى} {لَلْآخِرَةَ} الجنة. {وَالْأُولَى} الدنيا. وكذا روى عطاء عن ابن عباس. أي الدنيا والآخرة لله تعالى. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.
14- {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى}
15- {لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى}
16- {الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}
قوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ} أي حذرتكم وخوفتكم. {نَاراً تَلَظَّى} أي تلهب وتتوقد وأصله تتلظى. وهي قراءة عبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، وطلحة بن مصرف. {لا يَصْلاهَا} أي لا يجد صلاها وهو حرها. {إِلَّا الْأَشْقَى} أي الشقي. {الَّذِي كَذَّبَ} نبي اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم. {وَتَوَلَّى} أي أعرض عن الإيمان. وروى مكحول عن أبي هريرة قال: كل يدخل الجنة إلا من أباها. قال: يا أبا هريرة، ومن يأبىّ أن يدخل الجنة؟ قال: الذي كذب وتولى. وقال مالك: صلى بنا عمر بن عبدالعزيز المغرب، فقرأ {وَاللَّيْلِ

إِذَا يَغْشَى} فلما بلغ {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى} وقع عليه البكاء، فلم يقدر يتعداها من البكاء، فتركها وقرأ سورة أخرى. وقال: الفراء: {إِلَّا الْأَشْقَى} إلا من كان شقيا في علم اللّه جل ثناؤه. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: {لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى} أمية بن خلف ونظراؤه الذين كذبوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم. وقال قتادة: كذب بكتاب اللّه، وتولى عن طاعة اللّه. وقال الفراء: لم يكن كذب برد ظاهر، ولكنه قصر عما أمر به من الطاعة؛ فجعل تكذيبا، كما تقول: لقي فلان العدو فكذب: إذا نكل ورجع عن اتباعه. قال: وسمعت أبا ثروان يقول: إن بني نمير ليس لجدهم مكذوبة. يقول: إذا لقوا صدقوا القتال، ولم يرجعوا. وكذلك قوله جل ثناؤه: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} يقول: هي حق. وسمعت سلم بن الحسن يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: هذه الآية التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر؛ لقوله جل ثناؤه: {لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} وليس الأمر كما ظنوا. هذه نار موصوفة بعينها، لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى. ولأهل النار منازل؛ فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار؛ واللّه سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب فجائز أن يعذب به. وقال جل ثناؤه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، فلو كان كل من لم يشرك لم يعذب، لم يكن في قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فائدة، وكان {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} كلاما لا معنى له.
الزمخشري: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق

إلا له وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالجنة، كأن الجنة لم تخلق إلا له وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف. وأبو بكر رضي اللّه عنه.
17- {سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى}
18- {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى}
قوله تعالى: {سَيُجَنَّبُهَا} أي يكون بعيدا منها. {الْأَتْقَى} أي المتقي الخائف. قال ابن عباس: هو أبو بكر رضي اللّه عنه، يزحزح عن دخول النار. ثم وصف الأتقى فقال:"الذي يؤتي ماله يتزكى" أي يطلب أن يكون عند اللّه زاكيا، ولا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، بل يتصدق به مبتغيا به وجه اللّه تعالى. وقال بعض أهل المعاني: أراد بقوله {الْأَتْقَى} و {الْأَشْقَى} أي التقي والشقي؛ كقول طرفة:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي واحد ووحيد؛ وتوضع (أفعل) موضع فعيل، نحو قولهم: اللّه أكبر بمعنى كبير، {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} بمعنى هين.
19- {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى}
20- {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}
21- {وَلَسَوْفَ يَرْضَى }
قوله تعالى: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى} أي ليس يتصدق ليجازي على نعمة، إنما يبتغي وجه ربه الأعلى، أي المتعالي {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} أي بالجزاء. فروى عطاء والضحاك عن ابن عباس قال: عذب المشركون بلالا، وبلال يقول أحد أحد؛ فمر به النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: "أحد - يعني اللّه تعالى – ينجيك" ثم قال لأبي بكر: "يا أبا بكر إن بلالا يعذب في اللّه" فعرف أبو بكر الذي يريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فانصرف إلى منزله، فأخذ رطلا من ذهب، ومضى به إلى أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني بلالا؟ قال: نعم؛ فاشتراه فأعتقه. فقال المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلا ليد كانت له عنده؛ فنزلت {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ} أي عند أبي بكر {مِنْ نِعْمَةٍ} ، أي من يد ومنة، {تُجْزَى} بل

{ابْتِغَاءَ} بما فعل {وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} . وقيل: اشترى أبو بكر من أمية وأبي بن خلف بلالا، ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله، فنزلت: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} . وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر حين قال له أبو بكر: أتبيعنيه؟ فقال: نعم، أبيعه بنسطاس، وكان نسطاس عبدا لأبي بكر، صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش، وكان مشركا، فحمله أبو بكر على الإسلام، على أن يكون ماله، فأبىّ، فباعه أبو بكر به. فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ببلال هذا إلا ليد كانت لبلال عنده؛ فنزلت "وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء" أي لكن ابتغاء؛ فهو استثناء منقطع؛ فلذلك نصبت. كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا. ويجوز الرفع. وقرأ يحيى بن وثاب {إلا ابتغاء وجه ربه} بالرفع، على لغة من يقول: يجوز الرفع في المستثنى. وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبي خازم:
أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها ... إلا الجاذر والظلمان تختلف
وقول القائل:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
وفي التنزيل: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ} وقد تقدم. {وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} أي مرضاته وما يقرب منه. و {الْأَعْلَى} من نعت الرب الذي استحق صفات العلو. ويجوز أن يكون {ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ} مفعولا له على المعنى؛ لأن معنى الكلام: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمته. {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} أي سوف يعطيه في الجنة ما يرضي؛ وذلك أنه يعطيه أضعاف ما أنفق. وروى أبو حيان التيمي عن أبيه عن علي رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "رحم اللّه أبا بكر زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالا من ماله" . ولما اشتراه أبو بكر قال له بلال: هل اشتريتني لعملك أو لعمل اللّه؟ قال: بل لعمل اللّه

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44