كتاب : لمسات بيانية
المؤلف : الدكتور فاضل صالح السامرائي


يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
 وبعد، فهذه جملة من نصوص التنزيل العزيز سُئلت عن سر التعبير في بعضها واخترت بعضها من سور متعددة لأبيّن طرفاً مما فيها من أسرار تعبيرية ولمسات فنية لعل فيها نفعاً لدارسي القرآن ولتكون خطوة أخرى بعد كتاب التعبير القرآني في بيان شيء من أسرار هذا السِّفر العظيم كتاب الله الخالد.
قال لي بعضهم بعد أن اطلع على كتاب (التعبير القرآني) لو أسميته (الإعجاز القرآني) .
فقلت له: هذا عنوان أكبر مني وأنا لا أستطيع أن أنهض ببيان الإعجاز القرآني ولا بشيء منه وإنما هو دراسة في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني العظيم الذي لا تنتهي عجائبه.
إن هذا الكتاب وكذلك كتاب التعبير القرآني ليس في بيان الإعجاز القرآني وليس هو خطوة واحدة في هذا الطريق وإنما هو خطوة في طريق قد يُصل السالك إلى طريق الإعجاز أو شيء من الإعجاز.
إن إعجاز القرآن أمر متعدد النواحي متشعب الإتجاهات ومن المتعذر أن ينهض لبيان الإعجاز القرآني شخص واحد ولا حتى جماعة في زمن ما مهما كانت سَعَةُ علمهم واطلاعهم وتعدد اختصاصاتهم إنما هم يستطيعون بيان شيء من أسرار القرآن في نواح متعددة حتى زمانهم هم، ويبقى القرآن مفتوحاً للنظر لمن يأتي بعدنا في المستقبل ولما يجدّ من جديد. وسيجد فيه أجيال المستقبل من ملامح الإعجاز وإشاراته ما لم يخطر لنا على بال.
وأضرب مثلاً لتعدد نواحي الإعجاز فإني سمعت وقرأت لأشخاص مختصين بالتشريع والقانون يبيّنون إعجاز القرآن التشريعي، ويبينون اختيارات الألفاظ التشريعية في القرآن ودقتها في الدلالة على دقة التشريع ورفعته ما لا يصح استبدال غيرها بها، وإن اختيار هذه الألفاظ في بابها أدق وأعلى مما نبيّن نحن من اختيارات لغوية وفنية وجمالية.

وقرأت وسمعت لأشخاص متخصصين بعلم التشريح والطب في بيان شيء من أسرار التعبير القرآني من الناحية الطبية التشريحية ودقتها يفوق ما نذكره في علم البلاغة. فألفاظه مختارة في منتهى الدقة العلمية. من ذلك على سبيل المثال إن ما ذكره القرآن من مراحل تطور الجنين في الرحم هي الذي انتهى إليها العلم مما لم يكن معروفاً قبل هذا العصر مما دعا علماء أجانب إلى أن يعلنوا إسلامهم. وليس ذلك فقط، بل إن اختيار تعبير (العلقة) و (المضغة) – مثلاً أعجب اختيار علمي.
فاختيار التعبير بـ (العلقة) اختيار له دلالته، فإن المخلوق في هذه المرحلة أشبه شيء بالعلقة وهي الطفيلية المعروفة. وكذلك التعبير بـ (المضغة) فالمضغة كما قرأنا في كتب التفسير، هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ. ولكن لاختيار كلمة (مضغة) سبب آخر، ذلك أن المضغة هي قطعة اللحم الممضوغة أي التي مضغتها الأسنان، وقد أثبت العلم الحديث أن الجنين في هذه المرحلة ليس قطعة لحم عادية بل هو كقطعة اللحم التي مضغتها الأسنان، فاختيار لفظ المضغة اختيار علمي دقيق. إنه لم يقل "قطعة لحم صغيرة" ولو قال ذلك لكان صواباً ولكن قال: مضغة لما ذكرت وربما لغيره أيضاً والله أعلم.
وقرأت فيما توصل إليه علم التاريخ وما دلت عليه الحفريات الحديثة من أخبار ذي القرنين أدق الكلام وأدق الأخبار ما لم يكن يعرفه جميع مفسري القرآن فيما مضى من الزمان. وأن الذي اكتشفه المؤرخون والآثاريون وما توصلوا إليه في هذا القرن منطبق على ما جاء في القرآن الكريم كلمةً كلمة ولم يكن ذلك معلوماً قبل هذا القرن البتة.

وقرأت في اختيار التعبير القرآني لبعض الكلمات التاريخية كـ (العزيز) في قصة يوسف، وكاختيار تعبير الملك في القصة نفسها، واختيار كلمة (فرعون) في قصة موسى، فعرفت أن هذه ترجمات دقيقة لما كان يُستعمل في تلك الأزمان السحيقة فـ (العزيز) أدق ترجمة لمن يقوم بذلك المنصب في حينه، وأن المصريين القدامى كانوا يفرقون بين الملوك الذين يحكمونهم فيها إذا كانوا مصريين أو غير مصريين، فالملك غير المصري الأصل كانوا يسمونه الملك والمصري الأصل يسمونه فرعون وأن الذي كان يحكم مصر في زمن يوسف - عليه السلام - غير مصري، وهو من الهكسوس فسماه الملك، وأن الذي كان يحكمها في زمن موسى - عليه السلام - هو مصري فسماه فرعون، فسمى كل واحد بما كان يُسمى في الأزمنة السحيقة.
وعرفت من الإشارات الإعجازية في مختلف العلوم كما في أسرار البحار والضغط الجوي وتوسع الكون وبداية الخلق ما دعا كثيراً من الشخصيات العلمية إلى إعلان إسلامهم.
بل إن هناك أموراً لم تُعرف إلا بعد صعود الإنسان ف الفضاء واختراقه الغلاف الجوي للأرض، وقد أشار إليه القرآن إشارات في غاية العجب ذلك أن الإنسان إذا اخترق الغلاف الجوي للأرض، وجد نفسه في ظلام دامس وليل مستديم ولم تُر الشمس، إلا كبقية النجوم التي نراها في الليل. فالنهار الذي نعرفه نحن، لا يتعدى حدود الغلاف الجوي فإن تجاوزناه كنا في ظلام لا يعقبه نهار. وقد أشار إلى ذلك القرآن إشارة عجيبة في قوله (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) يس) فجعل النهار كالجلد الذي يُسلخ وأما الليل فهو الأصل وهو الكل، فشبّه الليل بالذبيحة، والنهار جلدها، فإن سلخ الجلد ظهر الليل فجعل النهار غلافاً والليل هو الأصل.

وقال: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) الحجر) أي لو مكنّاهم من الصعود إلى السماء لانتهوا إلى ظلام وقالوا : ( سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) وغير ذلك وغيره.
وعلى هذا فالإعجاز القرآني متعدد النواحي ؛ متشعب الاتجاهات ولا يزال الناس يكتشفون من مظاهر إعجازه الشيء الكثير فلا غرو أن أقول إذن أن الإعجاز أكبر مما ينهض له واحد أو جماعة في زمن ما.
إن التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازاً لغوياً جمالياً وترى فيه في الوقت نفسه إعجازاً علمياً أو إعجازاً تاريخياً أو إعجازاً نفسياً أو إعجازاً تربوياً أو إعجازاً تشريعياً أو غير ذلك.
فيأتي اللغوي ليبيّن مظاهر إعجازه اللغوي وأنه لا يمكن استبدال كلمة بأخرى ولا تقديم ما أُخّر ولا تأخير ما قُدّم أو توكيد ما نُزع منه التوكيد أو عمد توكيد ما أُكّد. ويأتيك العالم في التشريع ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون ويأتيك المؤرخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم ليقول مثل ذلك من وجهة نظر علمه.
إننا ندل على شيء من مواطن الفن والجمال في هذا التعبير الفني الرفيع ونضع أيدينا على شيء من سُمو هذا التعبير ونبيّن إن هذا التعبير لا يقدر على مجاراته بشر بل ولا البشر كلهم أجمعون، ومع ذلك لا نقول إن هذه هي مواطن الإعجاز ولا بعض مواطن الإعجاز وإنما هي ملامح ودلائل تأخذ باليد وإضاءات توضع في الطريق، تدل السالك على أن هذا القرآن كلام فني مقصود وُضع وضعاً دقيقاً ونُسج نسجاً محكماً فريدا، لا يشابهه كلام، ولا يرقى إليه حديث (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) الطور).

أما شأن الإعجاز فهيهات ؛ إنه أعظم من كل ما نقول وأبلغ من كل ما نصف وأعجب من كل ما نقف عليه من دواعي العجب. إن هذا القادم من الملأ الأعلى والذي نزل به سيدٌ من كبار سادات الملأ الأعلى فيه من الأسرار ودواعي الإعجاز ما تنتهي الدنيا ولا ينتهي.
قد ترى أن في قولي مبالغة وادعاء أو انطلاقاً من عاطفة دين أو التهاب وجدان وليس بوسعي أن أمنعك من هذا التصور، ولا أن أرد عنك ما ترى.
ولكن لو فتح القلب المقفل وأُوقد السراج المعطل وأشرقت بالنور حنايا لم تكن تعرف النور ولا مست فؤادك نفحة من روح الملك القدوس وهبّت على أودية نفسك نسمة من عالم الروح وسمعت صوتاً يملأ نفسك قادماً من بعيد من الملأ الأعلى يقول (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) الحديد) و (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) القمر). فقفَّ شعر بدنك واقشعرّ جلدك ومار فؤادك وتحركت السواكن واضطرب بين جنبيك ما اضطرب والتهب فيه ما التهب وانهمرت الدموع تسيل في شعاب القلوب التي قتلها الظمأ وأقفرها الجفاف تغسل الأوضار وتروي حبات القلب وتُنَدّي اليَبَس وتُحيي الموات فعند ذاك تذوق ما لم تعهد له مذاقاً ولا طعماً وتحسّ ما لم يكن لك فيه سابق معرفة ولا إحساس وتصيح بكل جوارحك قائلاً والله لقد آن والله لقد آن! وعند ذاك تعرف ما أقول وتفهم ما أشير إليه ولكن أنّى لي أو أُصلك إلى هذا؟!
وكيف أوصلك وأنا المنقطع ، وأعطيك وأنا المحروم؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إنما هي دلائل أضعها في الطريق وإشارات وصوى وشيء من خافت النور في مصباح ناضب الزيت غير نافع الفتيل عسى الله أن ينفع بها سالكاً ويجنِّب العثار سارياً في الليل البهيم، فتنالنا منه دعوة صالحة تنعنا في عَرَصات القيامة.
وفي الختام لا أجد خيراً من أوصيك ما أوصى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحبه أبا ذر وليكن ذلك منك على ذكر وإياك أن تنساه:
يا أبا ذر أحكِم السفينة فإنّ البحر عميق
وخفِّفِ الحملَ فإنَّ العقبةَ كَؤُود
وأكثرِ الزّاد فإنَّ السفر طويل
وأخلصِ العملَ فإن الناقدَ بصير.

لمسات بيانية

في سورة الفاتحة
الحمد لله:
معنى الحمد : الثناء على الجميل من النعمة أو غيرها مع المحبة والإجلال ، فالحمد أن تذكر محاسن الغير سواء كان ذلك الثناء على صفة من صفاته الذاتية كالعلم والصبر والرحمة أم على عطائه وتفضله على الآخرين. ولا يكون الحمد إلا للحي العاقل.
وهذا أشهر ما فرق بينه وبين المدح فقد تمدح جمادا ولكن لا تحمده ؛ وقد ثبت أن المدح أعم من الحمد. فالمدح قد يكون قبل الإحسان وبعده ؛ أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان ، فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات أو الفعل فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد ؛ أما المدح فقد يكون قبل ذلك فقد تمدح إنساناً ولم يفعل شيئا من المحاسن والجميل ولذا كان المدح منهياً عنه ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"احثوا التراب في وجه المداحين" بخلاف الحمد فإنه مأمور به فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يحمد الناس لم يحمد الله"
وبذا علمنا من قوله: الحمد لله" أن الله حي له الصفات الحسنى والفعل الجميل فحمدناه على صفاته وعلى فعله وإنعامه ولو قال المدح لله لم يفد شيئا من ذلك، فكان اختيار الحمد أولى من اختيار المدح.

ولم يقل سبحانه الشكر لله لأن الشكر لا يكون إلا على النعمة ولا يكون على صفاته الذاتية فانك لا تشكر الشخص على علمه أو قدرته وقد تحمده على ذلك وقد جاء في لسان العرب "والحمد والشكر متقاربان والحمد أعمهما لأنك تحمد الإنسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته.فكان اختيار الحمد أولى أيضاً من الشكر لأنه أعم فانك تثني عليه بنعمه الواصلة إليك والى الخلق جميعا وتثني عليه بصفاته الحسنى الذاتية وان لم يتعلق شيء منها بك. فكان اختيار الحمد أولى من المدح والشكر.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنه قال: الحمد لله ولم يقل أحمد الله أو نحمد الله وما قاله أولى من وجوه عدة:
إن القول " أحمد الله " أو " نحمد الله " مختص بفاعل معين ففاعل أحمد هو المتكلم وفاعل نحمد هم المتكلمون في حين أن عبارة "الحمد لله" مطلقة لا تختص بفاعل معين وهذا أولى فإنك إذا قلت " أحمد الله " أخبرت عن حمدك أنت وحدك ولم تفد أن غيرك حمده وإذا قلت " نحمد الله " أخبرت عن المتكلمين ولم تفد أن غيركم حمده في حين أن عبارة "الحمد لله" لا تختص بفاعل معين فهو المحمود على وجه الإطلاق منك ومن غيرك.
وقول " أحمد الله " تخبر عن فعلك أنت ولا يعني ذلك أن من تحمده يستحق الحمد ؛ في حين إذا قلت " الحمد لله" أفاد ذلك استحقاق الحمد لله وليس مرتبط بفاعل معين.

وقول " أحمد الله " أو " نحمد الله " مرتبط بزمن معين لأن الفعل له دلالة زمنية معينة ، فالفعل المضارع يدل على الحال أو الاستقبال ومعنى ذلك أن الحمد لا يحدث في غير الزمان الذي تحمده فيه ، ولا شك أن الزمن الذي يستطيع الشخص أو الأشخاص الحمد فيه محدود وهكذا كل فعل يقوم به الشخص محدود الزمن فإن أقصى ما يستطيع أن يفعله أن يكون مرتبطا بعمره ولا يكون قبل ذلك وبعده فعل فيكون الحمد أقل مما ينبغي فإن حمد الله لا ينبغي أن ينقطع ولا يحد بفاعل أو بزمان في حين أن عبارة "الحمد لله" مطلقة غير مقيدة بزمن معين ولا بفاعل معين فالحمد فيها مستمر غير منقطع.
جاء في تفسير الرازي أنه لو قال " احمد الله " أفاد ذلك كون القائل قادرا على حمده ، أما لما قال "الحمد لله" فقد أفاد ذلك ، أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين فهؤلاء سواء حمدوا أم لم يحمدوا فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم.
وقول "أحمد الله" جملة فعلية و"الحمد لله" جملة اسمية والجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد في حين أن الجملة الاسمية دالة على الثبوت وهي أقوى وأدوم من الجملة الفعلية. فاختيار الجملة الاسمية أولى من اختيار الجملة الفعلية ههنا إذ هو أدل على ثبات الحمد واستمراره.
وقول "الحمد لله" معناه أن الحمد والثناء حق لله وملكه فانه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد. فقولنا "الحمد لله" معناه أن الحمد لله حق يستحقه لذاته ولو قال "احمد الله" لم يدل ذلك على كونه مستحقا للحمد بذاته ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقاً للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصاً واحداً حمده.

والحمد : عبارة عن صفة القلب وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال. فإذا تلفظ الإنسان بقوله : "أحمد الله" مع أنه كان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامدا مع انه ليس كذلك. أما إذا قال "الحمد لله" سواء كان غافلاً أو مستحضراً لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقاً لأن معناه: أن الحمد حق لله وملكه وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلاً بمعنى التعظيم والإجلال أو لم يكن. فثبت أن قوله "الحمد لله" أولى من قوله أحمد الله أو من نحمد الله. ونظيره قولنا "لا اله إلا الله" فانه لا يدخل في التكذيب بخلاف قولنا "اشهد أن لا اله إلا الله" لأنه قد يكون كاذبا في قوله "أشهد" ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" (المنافقون، آية 1)
فلماذا لم يقل " الحمدَ لله " بالنصب؟
الجواب أن قراءة الرفع أولى من قراءة النصب ذلك أن قراءة الرفع تدل على أن الجملة اسمية في حين أن قراءة النصب تدل على أن الجملة فعلية بتقدير نحمد أو احمد أو احمدوا بالأمر. والجملة الاسمية أقوى وأثبت من الجملة الفعلية لأنها دالة على الثبوت.
وقد يقال أليس تقدير فعل الأمر في قراءة النصب أقوى من الرفع بمعنى "احمدوا الحمد لله" كما تقول "الإسراع في الأمر" بمعنى أسرعوا؟ والجواب لا فإن قراءة الرفع أولى أيضاً ذلك لان الأمر بالشيء لا يعني أن المأمور به مستحق للفعل. وقد يكون المأمور غير مقتنع بما أمر به فكان الحمد لله أولى من الحمد لله بالنصب في الاخبار والأمر.

ولماذا لم يقل " حمداً لله " ؟ الحمد لله معرفة بأل و" حمداً " نكرة ؛ والتعريف هنا يفيد ما لا يفيده التنكير ذلك أن "أل" قد تكون لتعريف العهد فيكون المعنى : أن الحمد المعروف بينكم هو لله ، وقد يكون لتعريف الجنس على سبيل الاستغراق فيدل على استغراق الأحمدة كلها. ورجح بعضهم المعنى الأول ورجح بعضهم المعنى الثاني بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك الحمد كله" فدل على استغراق الحمد كله فعلى هذا يكون المعنى: أن الحمد المعروف بينكم هو لله على سبيل الاستغراق والإحاطة فلا يخرج عنه شيء من أفراد الحمد ولا أجناسه.
"الحمد لله" أهي خبر أم إنشاء؟ الخبر هو ما يحتمل الصدق أو الكذب والإنشاء هو ما لا يحتمل الصدق أو الكذب.
قال أكثر النحاة والمفسرين : أن الحمد لله إخبار كأنه يخبر أن الحمد لله سبحانه وتعالى ، وقسم قال : أنها إنشاء لأن فيها استشعار المحبة وقسم قال : أنها خبر يتضمن إنشاء.
أحيانا يحتمل أن تكون التعبيرات خبرا أو إنشاء بحسب ما يقتضيه المقام الذي يقال فيه.فعلى سبيل المثال قد نقول (رزقك الله) ونقصد بها الدعاء وهذا إنشاء وقد نقول (رزقك الله وعافاك) والقصد منها أفلا تشكره على ذلك؟ وهذا خبر.
والحمد لله هي من العبارات التي يمكن أن تستعمل خبرا وإنشاء بمعنى الحمد لله خبر ونستشعر نعمة الله علينا ونستشعر التقدير كان نقولها عندما نستشعر عظمة الله سبحانه في أمر ما فنقول الحمد لله.
فلماذا لم يقل سبحانه " إن الحمد لله " ؟ لا شك أن الحمد لله لكن هناك فرق بين التعبيرين أن نجعل الجملة خبراً محضا في قول الحمد لله (ستعمل للخبر أو الإنشاء) ولكن عندما تدخل عليه " إن " لا يمكن إلا أن يكون إنشاء ، لذا فقول " الحمد لله " أولى لما فيه من الإجلال والتعظيم والشعور بذلك. لذا جمعت الحمد لله بين الخبر والإنشاء ومعناهما ، مثلا نقول رحمة الله عليك (هذا دعاء) وعندما نقول إن رحمة الله عليك فهذا خبر وليس دعاء

من المعلوم انه في اللغة قد تدخل بعض الأدوات على عبارات فتغير معناها مثال: رحمه الله (دعاء) ، قد رحمه الله (إخبار) ، رزقك الله (دعاء) ، قد رزقك الله (إخبار) .
لماذا لم يقل سبحانه " لله الحمد " ؟
الحمد الله تقال إذا كان هناك كلام يراد تخصيصه (مثال : لفلان الكتاب) تقال للتخصيص والحصر فإذا قدم الجار والمجرور على اسم العلم يكون بقصد الاختصاص والحصر (لإزالة الشك أن الحمد سيكون لغير الله)
الحمد لله في الدنيا ليست مختصة لله سبحانه وتعالى ، الحمد في الدنيا قد تقال لأستاذ أو سلطان عادل ، أما العبادة فهي قاصرة على الله سبحانه وتعالى ، المقام في الفاتحة ليس مقام اختصاص أصلاً وليست مثل ( إياك نعبد ) أو ( إياك نستعين ). فقد وردت في القران الكريم (فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين) الجاثية (لآية 36)
لا أحد يمنع التقديم لكن التقديم والتأخير في القرآن الكريم يكون حسب ما يقتضيه السياق ، المقام في سورة الفاتحة هو مقام مؤمنين يقرون بالعبادة ويطلبون الاستعانة والهداية ؛ أما في سورة الجاثية فالمقام في الكافرين وعقائدهم وقد نسبوا الحياة والموت لغير الله سبحانه لذا اقتضى ذكر تفضله سبحانه بأنه خلق السموات والأرض وأثبت لهم أن الحمد الأول لله سبحانه على كل ما خلق لنا فهو المحمود الأول لذا جاءت فلله الحمد مقدمة حسب ما اقتضاه السياق العام للآيات في السورة.

فلماذا التفصيل في الجاثية (رب السموات والأرض) ولم ترد في الفاتحة؟ في الجاثية تردد ذكر السموات والأرض وما فيهن وذكر ربوبية الله تعالى لهما فقد جاء في أول السورة ( إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين ) فلو نظرنا في جو سورة الجاثية نلاحظ ربوبية الله تعالى للسموات والأرض والخلق والعالمين مستمرة في السورة كلها. (ولله ملك السموات والأرض) يعني هو ربهما ( ويوم تقوم الساعة يخسر المبطلون) إذن هو رب العالمين ( وخلق الله السموات والأرض بالحق) فهو ربهما ( لتجزى كل نفس..) فهو رب العالمين. (فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين) جمع الربوبية في السموات والأرض والعالمين في آية واحدة ، أما في الكلام في الفاتحة فهو عن العالمين فقط وذكر أصناف الخلق من العالمين (المؤمنين، الضالين..) لذا ناسب التخصيص في الجاثية وليس في الفاتحة.
(وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) (الجاثية الآية 37) ولم يذكر الكبرياء في الفاتحة لأنه جاء في الجاثية ذكر المستكبرين بغير حق ( ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم . وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) (الجاثية الآيات 7-9) دل على مظهر من مظاهر الاستكبار لذا ناسب أن يرد ذكر الكبرياء في السموات والأرض. فسبحانه وتعالى يضع الكلام بميزان دقيق بما يتناسب مع السياق العام للآيات.
الحمد لله: جاء سبحانه وتعالى باسمه العلم (الله) ،لم يقل الحمد للخالق أو القدير أو أي اسم آخر من أسمائه الحسنى فلماذا جاء باسمه العلم؟ لأنه إذا جاء بأي اسم آخر غير العلم لدل على انه تعالى استحق الحمد فقط بالنسبة لهذا الاسم خاصة فلو قال الحمد للقادر لفهمت على انه يستحق الحمد للقدرة فقط لكن عند ذكر الذات (الله) فإنها تعني انه سبحانه يستحق الحمد لذاته لا لوصفه.

من ناحية أخرى " الحمد لله " مناسبة لما جاء بعدها (إياك نعبد) لأن العبادة كثيرا ما تختلط بلفظ الله. فلفظ الجلالة (الله) يعنى الإله المعبود مأخوذة من أله (بكسر اللام) ومعناها عبد ولفظ الله مناسب للعبادة وأكثر اسم اقترن بالعبادة هو لفظ الله تعالى (أكثر من 50 مرة اقترن لفظ الله بالعبادة في القرآن) لذا فالحمد لله مناسب لأكثر من جهة.
" الحمدُ لله " أولى من قول الحمد للسميع أو العليم أو غيرها من أسماء الله الحسنى. وقول الحمد لله أولى من قول أحمد الله أو الحمدَ لله أو حمداً لله أو إن الحمد لله أو الحمد للحي أو القادر أو السميع أو البصير. جلت حكمة الله سبحانه وتعالى وجل قوله العزيز.
رب العالمين:
الرب هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيِّم ، فإذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقيُمهم لذا فهو أولى بالحمد من غيره وذكر (رب العالمين) هي أنسب ما يمكن وضعه بعد (الحمد لله)
رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل أسماء الله الحسنى ، العالمين : جمع عالم والعالم هو كل موجود سوى الله تعالى ؛ والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين لكن اختيار العالمين على العوالم أمر بلاغي يعني ذلك أن العالمين خاص للمكلفين وأولي العقل (لا تشمل غير العقلاء) بدليل قوله تعالى (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) (الفرقان آية 1) ومن المؤكد انه ليس نذيرا للبهائم والجماد. وبهذا استدلوا على أن المقصود بالعالمين أولي العقل وأولي العلم أو المكلفون.
والعالمين جمع العالم بكل أصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم العالمين لا يقال لعالم الحشرات أو الجماد أو البهائم العالمين وعليه فلا تستعمل كلمة العالمين إلا إذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم.
أما العوالم قد يطلق على أصناف من الموجودات ليس منهم البشر أو العقلاء أو المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات)

اختيار كلمة العالمين له سببه في سورة الفاتحة فالعالمين تشمل جيلا واحدا وقد تشمل كل المكلفين أو قسما من جيل (قالوا أولم ننهك عن العالمين) (الحجر آية 70) في قصة سيدنا لوط جاءت هنا بمعنى قسم من الرجال.
واختيار " العالمين " أيضاً لأن السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية وإظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص بأولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار " العالمين " على غيرها من المفردات أو الكلمات. وقد ورد في آخر الفاتحة ذكر المغضوب عليهم وهم اليهود ، والعالمين رد على اليهود الذين ادعوا أن الله تعالى هو رب اليهود فقط فجاءت رب العالمين لتشمل كل العالمين لا بعضهم.
أما اختيار كلمة رب فلأنها تناسب ما بعدها (اهدنا الصراط المستقيم) لأن من معاني الرب المربي وهي أشهر معانيه وأولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيراً بلفظ الرب كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى (قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه آية 49-50) (فاجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (طه آية 122) (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) (الأعلى آية 1-3) (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) (الأنعام آية 161) (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) (الكهف آية 24) (قال كلا إن معي ربي سيهدين) (الشعراء آية 62) (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) (الصافات آية 99) (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) (القصص آية 22) لذا ناسب لفظ " رب " مع " اهدنا الصراط المستقيم " وفيها طلب الهداية.
الرحمن الرحيم:

الرحمن على وزن فعلان والرحيم على وزن فعيل ومن المقرر في علم التصريف في اللغة العربية أن الصفة فعلان تمثل الحدوث والتجدد والامتلاء والاتصاف بالوصف إلى حده الأقصى فيقال غضبان بمعنى امتلأ غضبا (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) لكن الغضب زال (فلما سكت عن موسى الغضب) ومثل ذلك عطشان ، ريان ، جوعان ، يكون عطشان فيشرب فيذهب العطش
أما صيغة فعيل فهي تدل على الثبوت سواء كان خلقة ويسمى تحول في الصفات مثل طويل، جميل، قبيح فلا يقال خطيب لمن ألقى خطبة واحدة وإنما تقال لمن يمارس الخطابة وكذلك الفقيه.
هذا الإحساس اللغوي بصفات فعلان وفعيل لا يزال في لغتنا الدارجة إلى الآن فنقول بدا عليه الطول (طولان) فيرد هو طويل (صفة ثابتة) فلان ضعفان (حدث فيه شيء جديد لم يكن) فيرد هو ضعيف (هذه صفته الثابتة فهو أصلاً ضعيف)
ولذا جاء سبحانه وتعالى بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معا فلو قال الرحمن فقط لتوهم السامع أن هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان وغيره. ولو قال رحيم وحدها لفهم منها أن صفة رحيم مع أنها ثابتة لكنها ليست بالضرورة على الدوام ظاهرة إنما قد تنفك مثلا عندما يقال فلان كريم فهذا لا يعني انه لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة إنما الصفة الغالبة عليه هي الكرم.
وجاء سبحانه بالصفتين مجتمعتين ليدل على أن صفاته الثابتة والمتجددة هي الرحمة ويدل على أن رحمته لا تنقطع وهذا يأتي من باب الاحتياط للمعنى وجاء بالصفتين الثابتة والمتجددة لا ينفك عن إحداهما ، إنما هذه الصفات مستمرة ثابتة لا تنفك البتة غير منقطعة.
فلماذا إذاً قدم سبحانه الرحمن على الرحيم ؟

قدم صيغة الرحمن والتي هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لأبعد حدودها لأن الإنسان في طبيعته عجول وكثيراً ما يؤثر الإنسان الشيء الآتي السريع وان قل على الشيء الذي سيأتي لاحقاً وإن كثر (بل تحبون العاجلة) لذا جاء سبحانه بالصفة المتجددة ورحمته قريبة ومتجددة وحادثة إليه ولا تنفك لأن رحمته ثابتة. ووقوع كلمة " الرحيم " بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها إشارة إلى أن المربي يجب أن يتحلى بالرحمة وتكون من أبرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي أن يتصف بالرحمة سواء كان مربياً أو سيداً أو قيما وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة.
مالك يوم الدين:
هناك قراءة متواترة (ملك يوم الدين) بعض المفسرين يحاولون تحديد أي القراءتين أولى وتحديد صفة كل منهما لكن في الحقيقة ليس هناك قراءة أولى من قراءة فكلتا القراءتين متواترة نزل بهما الروح الأمين ليجمع بين معنى المالك والملك.
المالك من التملك والملك بكسر الميم (بمعنى الذي يملك الملك)
وملك بكسر اللام من الملك بضم الميم والحكم (أليس لي ملك مصر) الملك هنا بمعنى الحكم والحاكم الأعلى هو الله تعالى.
المالك قد يكون ملكا وقد لا يكون والملك قد يكون مالكا وقد لا يكون. المالك يتصرف في ملكه كما لا يتصرف الملك (بكسر اللام) والمالك عليه أن يتولى أمر مملوكه من الكسوة والطعام والملك ينظر للحكم والعدل والإنصاف. المالك أوسع لشموله العقلاء وغيرهم والملك هو المتصرف الأكبر وله الأمر والإدارة العامة في المصلحة العامة فنزلت القراءتين لتجمع بين معنى المالك والملك وتدل على انه سبحانه هو المالك وهو الملك (قل اللهم مالك الملك) الملك ملكه سبحانه وتعالى فجمع بين معنى الملكية والملك
مالك يوم الدين ، لِمَ لمْ يذكر الدنيا ؟ سواء كان مالكا أو ملكا فلماذا لم يقل مالك يوم الدين والدنيا؟

أولا قال " الحمد لله رب العالمين " فهو مالكهم وملكهم في الدنيا وهذا شمل الدنيا. مالك يوم الدين هو مالك يوم الجزاء يعني ملك ما قبله من أيام العمل والعمل يكون في الدنيا فقد جمع في التعبير يوم الدين والدنيا وبقوله " يوم الدين " شمل فيه الدنيا أيضاً.
لم قال يوم الدين ولم يقل يوم القيامة؟
الدين بمعنى الجزاء وهو يشمل جميع أنواع القيامة من أولها إلى آخرها ويشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلها من معاني الدين وكلمة الدين انسب للفظ رب العالمين وانسب للمكلفين (الدين يكون لهؤلاء المكلفين) فهو أنسب من يوم القيامة لأن القيامة فيها أشياء لا تتعلق بالجزاء أما الدين فمعناه الجزاء وكل معانيه تتعلق بالمكلفين لان الكلام من أوله لآخره عن المكلفين لذا ناسب اختيار كلمة الدين عن القيامة.
لماذا قال مالك يوم واليوم لا يملك إنما ما فيه يملك ؟ والسبب لقصد العموم ومالك اليوم هو ملك لكل ما فيه وكل من فيه فهو أوسع وهو ملكية كل ما يجري وما يحدث في اليوم وكل ما فيه ومن فيه فهي إضافة عامة شاملة جمع فيها ما في ذلك اليوم ومن فيه وإحداثه وكل ما فيه من باب الملكية (بكسر الميم) والملكية (بضم الميم)
اقتران الحمد بهذه الصفات أحسن وأجمل اقتران. الحمد لله فالله محمود بذاته وصفاته على العموم والله هو الاسم العلم) ثم محمود بكل معاني الربوبية (رب العالمين) لان من الأرباب من لا تحمد عبوديته وهو محمود في كونه رحمن رحيم، محمود في رحمته لان الرحمة لو وضعت في غير موضعها تكون غير محمودة فالرحمة إذا لم توضع في موضعها لم تكن مدحا لصاحبها، محمود في رحمته يضعها حيث يجب أن توضع وهو محمود يوم الدين محمود في تملكه وفي مالكيته (مالك يوم الدين) محمود في ملكه ذلك اليوم (في قراءة ملك يوم الدين)

استغرق الحمد كل الأزمنة ،لم يترك سبحانه زمناً لم يدخل فيه الحمد أبداً من الأزل إلى الأبد فهو حمده قبل الخلق (الحمد لله) حين كان تعالى ولم يكن معه شيء قبل حمد الحامدين وقبل وجود الخلق والكائنات استغرق الحمد هنا الزمن الأول وعند خلق العالم (رب العالمين) واستغرق الحمد وقت كانت الرحمة تنزل ولا تنقطع (الرحمن الرحيم) واستغرق الحمد يوم الجزاء كله ويوم الجزاء لا ينتهي لأن الجزاء لا ينتهي فأهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها لا ينقضي جزاؤهم فاستغرق الحمد كل الأزمنة من الأزل إلى الأبد كقوله تعالى له الحمد في الأولى والآخرة هذه الآيات جمعت أعجب الوصف.
- قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ):
قدم المفعولين لنعبد ونستعين وهذا التقديم للاختصاص لأنه سبحانه وتعالى وحده له العبادة لذا لم يقل نعبدك ونستعينك لأنها لا تدل على التخصيص بالعبادة لله تعالى ، أما قول ( إياك نعبد ) فتعني تخصيص العبادة لله تعالى وحده وكذلك في الاستعانة (إياك نستعين) تكون بالله حصرا (ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير) (الممتحنة آية 4) كلها مخصوصة لله وحده حصرا فالتوكل والإنابة والمرجع كله إليه سبحانه (وعلى الله فليتوكل المتوكلون)(إبراهيم 12)
(قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) (الملك آية 29) تقديم الإيمان على الجار والمجرور هنا لأن الإيمان ليس محصورا بالله وحده فقط بل علينا الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر لذا لم تأت به آمنا. أما في التوكل فجاءت وعليه توكلنا لا توكلنا عليه لان التوكل محصور بالله تعالى.
الآن لماذا كررت إياك مع فعل الاستعانة ولم يقل إياك نعبد ونستعين ؟

التكرار يفيد التنصيص على حصر المستعان به ؛ لو اقتصرنا على ضمير واحد (إياك نعبد ونستعين) لم يعني المستعان إنما عني المعبود فقط ولو اقتصرنا على ضمير واحد لفهم من ذلك انه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة بمعنى انه لا يُعبد بدون استعانة ولا يُستعان به بدون عبادة. يفهم من الاستعانة مع العبادة مجموعة تربط الاستعانة بالعبادة وهذا غير وارد وإنما هو سبحانه نعبده على وجه الاستقلال ونستعين به على وجه الاستقلال وقد يجتمعان لذا وجب التكرار في الضمير إياك نعبد وإياك نستعين. التكرار توكيد في اللغة ، في التكرار من القوة والتوكيد للاستعانة فيما ليس في الحذف.
إياك نعبد وإياك نستعين : أطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شيء أو نستعين على طاعة أو غيره ، إنما أطلقها لتشمل كل شيء وليست محددة بأمر واحد من أمور الدنيا. وتشمل كل شيء يريد الإنسان أن يستعين بربه لان الاستعانة غير مقيدة بأمر محدد. وقد عبر سبحانه عن الاستعانة والعبادة بلفظ ضمير الجمع (نعبد ونستعين) وليس بالتعبير المفرد أعبد وأستعين وفي هذا إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام لذا تلزم قراءة هذه السورة في الصلاة وتلزم أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة ، وفيها دليل على أهمية الجماعة عامة في الإسلام مثل الحج وصلاة الجماعة ، الزكاة ، الجهاد ،الأعياد والصيام. إضافة إلى أن المؤمنين إخوة فلو قال إياك اعبد لأغفل عبادة إخوته المؤمنين وإنما عندما نقول ( إياك نعبد ) نذكر كل المؤمنين ويدخل القائل في زمرة المؤمنين أيضاً.
لماذا قرن العبادة بالاستعانة؟

أولاً ليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله له وتوفيقه فهو إذن شعار وإعلان أن الإنسان لا يستطيع أن يعمل شيئاً إلا بعون الله وهو إقرار بعجز الإنسان عن القيام بالعبادات وعن حمل الأمانة الثقيلة إذا لم يعنه الله تعالى على ذلك ، الاستعانة بالله علاج لغرور الإنسان وكبريائه عن الاستعانة بالله واعتراف الإنسان بضعفه.
لماذا قدم العبادة على الاستعانة؟
العبادة هي علة خلق الإنس والجن (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(الذاريات 56) والاستعانة إنما هي وسيلة للعبادة فالعبادة أولى بالتقديم.
العبادة هي حق الله والاستعانة هي مطلب من مطالبه وحق الله أولى من مطالبه.
تبدأ السورة بالحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين وهذه كلها من أسلوب الغيبة أي كلها للغائب ثم انتقل إلى الخطاب المباشر بقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ). فلو قسنا على سياق الآيات الأولى لكان أولى القول إياه نعبد وإياه نستعين. فلماذا لم يقل سبحانه هذا؟
في البلاغة يسمى هذا الانتقال من الغائب للمخاطب أو المتكلم أو العكس " الإلتفات ". للإلتفات فائدة عامة وفائدة في المقام ، أما الفائدة العامة فهي تطرية لنشاط السامع وتحريك الذهن للإصغاء والانتباه. أما الفائدة التي يقتضيها المقام فهي إذا التفت المتكلم البليغ يكون لهذه الالتفاتة فائدة غير العامة مثال : (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) (يونس آية 22) لم يقل وجرين بكم فيها التفات لأنهم عندما ركبوا في البحر وجرت بهم الفلك أصبحوا غائبين وليسوا مخاطبين.

وعندما قال سبحانه الحمد لله رب العالمين فهو حاضر دائما فنودي بنداء الحاضر المخاطب . الكلام من أول الفاتحة إلى مالك يوم الدين كله ثناء على الله تعالى والثناء يكون في الحضور والغيبة والثناء في الغيبة أصدق وأولى أما ( إياك نعبد وإياك نستعين )فهو دعاء والدعاء في الحضور أولى وأجدى ؛ إذن الثناء في الغيبة أولى والدعاء في الحضور أولى والعبادة تؤدى في الحاضر وهي أولى.
- قوله ( اهدنا الصراط المستقيم )
هذا دعاء ولا دعاء مفروض على المسلم قوله غير هذا الدعاء فيتوجب على المسلم قوله عدة مرات في اليوم وهذا بدوره يدل على أهمية الطلب وهذا الدعاء لان له أثره في الدنيا والآخرة ويدل على أن الإنسان لا يمكن أن يهتدي للصراط المستقيم بنفسه إلا إذا هداه الله تعالى لذلك. إذا ترك الناس لأنفسهم لذهب كل إلى مذهبه ولم يهتدوا إلى الصراط المستقيم وبما أن هذا الدعاء في الفاتحة ولا صلاة بدون فاتحة فلذا يجب الدعاء به في الصلاة الفريضة وهذا غير دعاء السنة في (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) (البقرة آية 201)
والهداية : هي الإلهام والدلالة. وفعل الهداية هدى يهدي في العربية قد يتعدى بنفسه دون حرف جر مثل " اهدنا الصراط المستقيم " (تعدى الفعل بنفسه) وقد يتعدى بإلى (وانك لتهدي إلى صراط مستقيم) (الشورى آية 52) (وأهديك إلى ربك فتخشى) (النازعات آية 19) وقد يتعدى باللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا ) (الأعراف 43) (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) (الحجرات آية 17)

ذكر أهل اللغة أن الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية بالفعل نفسه أن التعدية بالحرف تستعمل عندما لا تكون الهداية فيه بمعنى أن المهدي كان خارج الصراط فهداه الله له فيصل بالهداية إليه. والتعدية بدون حرف تقال لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه كقولنا " هديته الطريق " قد يكون هو في الطريق فنعرفه به وقد لا يكون في الطريق فنوصله إليه. (فاتبعني أهدك صراطا سويا) (مريم آية 43) أبو سيدنا إبراهيم لم يكن في الطريق ، (ولهديناهم صراطا مستقيما) (النساء آية 68) والمنافقون ليسوا في الطريق. واستعملت لمن هم في الصراط (وقد هدانا سبلنا) (إبراهيم آية 12) قيلت في رسل الله تعالى وقال تعالى مخاطبا رسوله (ويهديك صراطا مستقيما) (الفتح آية 2) والرسول مالك للصراط. استعمل الفعل المعدى بنفسه في الحالتين.
التعدية باللام وإلى لمن لم يكن في الصراط (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط) (ص آية 22) (هل من شركائكم من يهدي إلى الحق) (يونس آية 35)
وتستعمل هداه له بمعنى بينه له والهداية على مراحل وليست هداية واحدة فالبعيد عن الطريق، الضال، يحتاج من يوصله إليه ويدله عليه (نستعمل هداه إليه) والذي يصل إلى الطريق يحتاج الى هاد يعرفه بأحوال الطريق وأماكن الأمن والنجاة والهلاك للثقة بالنفس ثم إذا سلك الطريق في الأخير يحتاج إلى من يريه غايته واستعمل سبحانه اللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (الأعراف آية 43) وهذه خاتمة الهدايات.
ونلخص ما سبق على النحو التالي:
-إنسان بعيد يحتاج من يوصله إلى الطريق نستعمل الفعل المتعدي بإلى .
-إذا وصل ويحتاج من يعرفه بالطريق وأحواله نستعمل الفعل المتعدي بنفسه .
-إذا سلك الطريق ويحتاج إلى من يبلغه مراده نستعمل الفعل المتعدي باللام .

الهداية مع اللام لم تستعمل مع السبيل أو الصراط أبدا في القرآن لان الصراط ليست غاية إنما وسيلة توصل للغاية واللام إنما تستعمل عند الغاية. وقد اختص سبحانه الهداية باللام له وحده أو للقرآن لأنها خاتمة الهدايات كقوله (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (الإسراء آية 9) وقوله (يهدي الله لنوره من يشاء) (النور آية 35)
قد نقول جاءت الهدايات كلها بمعنى واحد مع اختلاف الحروف.
- (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع امن لا يهدي إلا أن يهدى) (يونس آية 35)
جاءت يهدي للحق المقترنة بالله تعالى لان معنى الآيات تفيد هل من شركائكم من يوصل إلى الحق قل الله يهدي للحق الله وحده يرشدك ويوصلك إلى خاتمة الهدايات ، يعني أن الشركاء لا يعرفون أين الحق ولا كيف يرشدون إليه ويدلون عليه.
- (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) (المائدة آية 16)
استعمل الهداية معداة بنفسها بدون حرف واستعملها في سياق واحد مع الفعل المعدى بإلى ومعنى الآيات انه من اتبع رضوان الله وليس بعيدا ولا ضالا استعمل له الفعل المعدى بنفسه والذي في الظلمات هو بعيد عن الصراط ويحتاج إلى من يوصله إلى الصراط لذا قال يهديهم إلى صراط مستقيم (استعمل الفعل المعدى بإلى)
نعود إلى الآية " اهدنا الصراط المستقيم " (الفعل معدى بنفسه) وهنا استعمل هذا الفعل المعدى بنفسه لجمع عدة معاني فالذي انحرف عن الطريق نطلب من الله تعالى أن يوصله إليه والذي في الطريق نطلب من الله تعالى أن يبصره بأحوال الطريق والثبات والتثبيت على الطريق.

وهنا يبرز تساؤل آخر ونقول كما سبق وقدم سبحانه مفعولي العبادة والاستعانة في (إياك نعبد وإياك نستعين) فلماذا لم يقل سبحانه إيانا اهدي؟ هذا المعنى لا يصح فالتقديم بـ ( إياك نعبد وإياك نستعين ) تقيد الاختصاص ولا يجوز أن نقول إيانا اهدي بمعنى خصنا بالهداية ولا تهدي أحداً غيرنا فهذا لا يجوز لذلك لا يصح التقديم هنا. المعنى تطلب التقديم في المعونة والاستعانة ولم يتطلبه في الهداية لذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم ) .
فلم قال ( اهدنا ) ولم يقل اهدني؟
لأنه مناسب لسياق الآيات السابقة وكما في آيات الاستعانة والعبادة اقتضى الجمع في الهداية أيضاً.
فيه إشاعة لروح الجماعة وقتل لروح الأثرة والأنانية وفيه نزع الأثرة والاستئثار من النفس بان ندعو للآخرين بما ندعو به لأنفسنا.
الاجتماع على الهدى وسير المجموعة على الصراط دليل قوة فإذا كثر السالكون يزيد الأنس ويقوى الثبات فالسالك وحده قد يضعف وقد يمل أو يسقط أو تأكله الذئاب ، فكلما كثر السالكون كان ادعى للاطمئنان والاستئناس.
والاجتماع رحمة والفرقة عذاب يشير لله تعالى إلى أمر الاجتماع والأنس بالاجتماع وطبيعة حب النفس للاجتماع كما ورد في قوله الكريم (ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) (النساء آية 13) خالدين جاءت بصيغة الجمع لان المؤمنين في الجنة يستمتعون بالأنس ببعضهم وقوله (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (النساء آية 14) في العذاب فيزيد على عذاب الكافر عذاب الوحدة فكأنما عذبه الله تعالى بشيئين النار والوحدة.

لذا فعندما قال سبحانه وتعالى (اهدنا الصراط المستقيم ) فيه شيء من التثبيت والاستئناس ، هذا الدعاء ارتبط بأول السورة وبوسطها وآخرها. الحمد لله رب العالمين مهمة الرب هي الهداية وكثيرا ما اقترنت الهداية باسم الرب فهو مرتبط برب العالمين وارتبط بقوله الرحمن الرحيم لان من هداه الله فقد رحمه وأنت الآن تطلب من الرحمن الرحيم الهداية أي تطلب من الرحمن الرحيم أن لا يتركك ضالا غير مهتد ثم قال ( إياك نعبد وإياك نستعين )فلا تتحقق العبادة إلا بسلوك الطريق المستقيم وكذلك الاستعانة ومن الاستعانة طلب الهداية للصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أي صراط الذين سلكوا الصراط المستقيم، ولا الضالين، والضالون هم الذين سلكوا غير الصراط المستقيم فالهداية والضلال نقيضان والضالين نقيض الذين سلكوا الصراط المستقيم.
لماذا اختار كلمة الصراط بدلا من الطريق أو السبيل؟ لو لاحظنا البناء اللغوي للصراط هو على وزن (فعال بكسر الفاء) وهو من الأوزان الدالة على الاشتمال كالحزام والشداد والسداد والخمار والغطاء والفراش، هذه الصيغة تدل على الاشتمال بخلاف كلمة الطريق التي لا تدل على نفس المعنى. الصراط يدل على انه واسع رحب يتسع لكل السالكين ، أما كلمة طريق فهي على وزن فعيل بمعنى مطروق أي مسلوك والسبيل على وزن فعيل ونقول أسبلت الطريق إذا كثر السالكين فيها لكن ليس في صيغتها ما يدل على الاشتمال. فكلمة " الصراط " تدل على الاشتمال والوسع هذا في أصل البناء اللغوي (قال الزمخشري في كتابه الكشاف : الصراط من صرط كأنه يبتلع السبل كلما سلك فيه السالكون وكأنه يبتلعهم من سعته).
- قوله ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )

لماذا جاءت كلمة الصراط معرفة بأل مرة ومضافة مرة أخرى (صراط الذين أنعمت عليهم)؟ جاءت كلمة الصراط مفردة ومعرفة بتعريفين: بالألف واللام والإضافة وموصوفا بالاستقامة مما يدل على انه صراط واحد (موصوف بالاستقامة لأنه ليس بين نقطتين إلا طريق مستقيم واحد والمستقيم هو أقصر الطرق وأقربها وصولا إلى الله) وأي طريق آخر غير هذا الصراط المستقيم لا يوصل إلى المطلوب ولا يوصل إلى الله تعالى. والمقصود بالوصول إلى الله تعالى هو الوصول إلى مرضاته فكلنا واصل إلى الله وليس هناك من طريق غير الصراط المستقيم. (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (المزمل آية 19) (الإنسان آية 29) (إن ربي على صراط مستقيم) (هود آية 56) (قال هذا صراط علي مستقيم) (الحجر آية 41)
وردت كلمة الصراط في القرآن مفردة ولم ترد مجتمعة أبداً بخلاف السبيل فقد وردت مفردة ووردت جمعا (سبل) لان الصراط هو الأوسع وهو الذي تفضي إليه كل السبل (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (الأنعام 153) (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) (المائدة 16) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (العنكبوت 69) (هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) (يوسف آية 108) الصراط هو صراط واحد مفرد لأنه هو طريق الإسلام الرحب الواسع الذي تفضي إليه كل السبل واتباع غير هذا الصراط ينأى بنا عن المقصود (1)
__________
(1) يقول الدكتور أحمد الكبيسي في كلمة الصراط وأخواتها في القرآن الكريم في برنامجه الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم على قناة دبي الفضائية في شرح كلمة الصراط وأخواتها في القرآن الكريم وكيف أن كل كلمة منها وردت في القرآن في مكانها المناسب والمعنى الذي تأتي به كل كلمة لا يمكن أن يكون إلا من عند العلي العظيم الذي وضع كل كلمة بميزانها وبمكانها الذي لا يمكن لكلمة أخرى أن تأتي بنفس معناها :

مرادفات كلمة الطريق تأتي على النحو التالي: إمام – صراط – طريق - سبيل – نهج – فج - جدد (جمع جادة) – نفق
وجاء معنى كل منها العام على النحو التالي:
إمام: وهو الطريق العام الرئيسي الدولي الذي يربط بين الدول وليس له مثيل وتتميز أحكامه في الإسلام بتميز تخومه. وقدسية علامات المرور فيه هي من أهم صفاته وهو بتعبيرنا الحاضر الطريق السريع بين المدن (Highway). وقد استعير هذا اللفظ في القرآن الكريم ليدل على الشرائع (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) (الإسراء آية 71 ) أي كل ما عندهم من شرائع وجاء أيضا بمعنى كتاب الله (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) (يس آية 12)
صراط: هو كل ممر بين نقطتين متناقضتين كضفتي نهر أو قمتي جبلين أو الحق والباطل والضلالة والهداية في الإسلام أو الكفر والإيمان. والصراط واحد لا يتكرر في مكان واحد ولا يثنى ولا يجمع. وقد استعير في القرآن الكريم للتوحيد فلا إله إلا الله تنقل من الكفر إلى الإيمان (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) ( الأنعام آية 161) (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) ( الأنعام آية 39) (اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة آية 7) (فاتبعني أهدك صراطا سويا) (مريم آية 43 ) (وان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) (المؤمنون آية 74 )
والصراط عموما هو العدل المطلق لله تعالى وما عداه فهو نسبي. (إن ربي على صراط مستقيم) ( هود آية 56 ) والتوحيد هو العدل المطلق وما عداه فهو نسبي.
سبيل: الطريق الذي يأتي بعد الصراط وهو ممتد طويل آمن سهل لكنه متعدد (سبل جمع سبيل) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ( العنكبوت آية 69 )السبل متعددة ولكن شرطها أن تبدأ من نقطة واحدة وتصب في نقطة واحدة عند الهدف. وفيه عناصر ثلاث: ممتد، متحرك ويأخذ إلى غاية.
و المذاهب في الإسلام من السبل كلها تنطلق من نقطة واحدة وتصل إلى غاية واحدة. وسبل السلام تأتي بعد الإيمان والتوحيد بعد عبور الصراط المستقيم. ولتقريب الصورة إلى الأذهان فيمكن اعتبار السبل في عصرنا الحاضر وسائل النقل المتعددة فقد ينطلق الكثيرون من نقطة واحدة قاصدين غاية واحدة لكن منهم من يستقل الطائرة ومنهم السيارة ومنهم الدراجة ومنهم الدواب وغيرها.
واستخدمت كلمة السبيل في القرآن بمعنى حقوق في قوله (ليس علينا في الأميين سبيل) (آل عمران آية 75 )
وابن السبيل في القرآن هو من انقطع عن أهله انقطاعا بعيدا وهدفه واضح ومشروع كالمسافر في تجارة أو للدعوة فلا تعطى الزكاة لمن انقطع عن أهله بسبب غير مشروع كالخارج في معصية أو ما شابه.
طريق:الطريق يكون داخل المدينة وللطرق حقوق خاصة بها وقد سميت طرقا لأنها تطرق كثيرا بالذهاب والإياب المتكرر من البيت إلى العمل والعكس. والطريق هي العبادات التي نفعلها بشكل دائم كالصلاة والزكاة والصوم والحج والذكر. (يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) (الأحقاف آية 30)
نهج: وهو عبارة عن ممرات خاصة لا يمر بها إلا مجموعة خاصة من الناس وهي كالعبادات التي يختص بها قوم دون قوم مثل نهج القائمين بالليل ونهج المجاهدين في سبيل الله ونهج المحسنين وأولي الألباب وعباد الرحمن فكل منهم يعبد الله تعالى بمنهج معين وعلى كل مسلم أن يتخذ لنفسه نهجا معينا خاصا به يعرف به عند الله تعالى كبر الوالدين والذكر والجهاد والدعاء والقرآن والإحسان وغيرها (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ( المائدة آية 48 ) وإذا لاحظنا وصفها في القرآن وجدنا لها ثلاثة صفات والإنفاق فيها صفة مشتركة.
1- نهج المستغفرين بالأسحار: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) ( الذاريات آية 17 - 19 )
2- ونهج أهل التهجد: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون) (السجدة آية 16)
3- ونهج المحسنين: (الذين ينفقون بالسراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) ( آل عمران آية 134 )
فج: وهو الطريق بين جبلين (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) (الحج آية 27)
جادة: وتجمع على جدد كما وردت في القرآن الكريم (ومن الجبال جدد بيض وحمر) (فاطر آية 27 ) والجادة هي الطريق الذي يرسم في الصحراء أو الجبال من شدة الأثر ومن كثرة سلوكه.
نفق: وهو الطريق تحت الأرض (فان استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض) (الأنعام آية 35 )

.
ثم زاد هذا الصراط توضيحا وبيانا بعد وصفه بالاستقامة وتعريفه بأل بقول (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) جمعت هذه الآية كل أصناف الخلق المكلفين ولم تستثني منهم أحداً فذكر:
الذين انعم الله عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم وعرفوا الحق وعملوا بمقتضاه.
الذين عرفوا الحق وخالفوه (المغضوب عليهم) ويقول قسم من المفسرين أنهم العصاة.
الذين لم يعرفوا الحق وهم الضالين (قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (الكهف آية 103-104) هذا الحسبان لا ينفعهم إنما هم من الأخسرين.
ولا يخرج المكلفون عن هذه الأصناف الثلاثة فكل الخلق ينتمي لواحد من هذه الأصناف.
وقال تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) ولم يقل تنعم عليهم فلماذا ذكر الفعل الماضي؟
اختار الفعل الماضي على المضارع أولاً: ليتعين زمانه ليبين صراط الذين تحققت عليهم النعمة (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) (النساء آية 69) صراط الذين أنعمت عليهم يدخل في هؤلاء. وإذا قال تنعم عليهم لأغفل كل من انعم عليهم سابقا من رسل الله والصالحين ولو قال تنعم عليهم لم يدل في النص على انه سبحانه انعم على احد ولاحتمل أن يكون صراط الأولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل بين زمر المؤمنين من آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة. مثال: اذا قلنا أعطني ما أعطيت أمثالي فمعناه أعطني مثل ما أعطيت سابقا، ولو قلنا أعطني ما تعطي أمثالي فهي لا تدل على أنه أعطى أحداً قبلي.

ولو قال " تنعم عليهم " لكان صراط هؤلاء اقل شأنا من صراط الذين أنعم عليهم فصراط الذين انعم عليهم من أولي العزم من الرسل والأنبياء والصديقين أما الذين تنعم عليهم لا تشمل هؤلاء. فالإتيان بالفعل الماضي يدل على انه بمرور الزمن يكثر عدد الذين انعم الله عليهم فمن ينعم عليهم الآن يلتحق بالسابقين من الذين انعم الله عليهم فيشمل كل من سبق وانعم الله عليهم فهم زمرة كبيرة من أولي العزم والرسل وأتباعهم والصديقين وغيرهم وهكذا تتسع دائرة المنعم عليهم ، أما الذين تنعم عليهم تختص بوقت دون وقت ويكون عدد المنعم عليهم قليل لذا كان قوله سبحانه أنعمت عليهم أوسع وأشمل واعم من الذين تنعم عليهم.
لماذا قال صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين؟
أي لماذا عبر عن الذين أنعم عليهم باستخدام الفعل (أنعمت) والمغضوب عليهم والضالين بالاسم؟
الاسم يدل على الشمول ويشمل سائر الأزمنة من المغضوب عليهم والدلالة على الثبوت. أما الفعل فيدل على التجدد والحدوث فوصفه أنهم مغضوب عليهم وضالون دليل على الثبوت والدوام.
إذن فلماذا لم يقل المنعم عليهم للدلالة على الثبوت؟

لو قال صراط المنعم عليهم بالاسم لم يتبين المعنى أي من الذي أنعم إنما بين المنعِم (بكسر العين) في قوله ( أنعمت عليهم ) لأن معرفة المنعِم مهمة فالنعم تقدر بمقدار المنعِم (بكسر العين) لذا أراد سبحانه وتعالى أن يبين المنعم ليبين قدرة النعمة وعظيمها ومن عادة القرآن أن ينسب الخير إلى الله تعالى وكذلك النعم والتفضل وينزه نسبة السوء إليه سبحانه (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) (الجن آية 10) والله سبحانه لا ينسب السوء لنفسه فقد يقول (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون) (النمل آية 4) لكن لا يقول زينا لهم سوء أعمالهم (زين لهم سوء أعمالهم) (التوبة آية 37) (زين للناس حب الشهوات ) (آل عمران آية 14) (وزين لفرعون سوء عمله). (غافر آية 37) (أفمن زين له سوء عمله) (فاطر آية 8) (وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) (الأنفال آية 48) أما النعمة فينسبها الله تعالى إلى نفسه لأن النعمة كلها خير (ربي بما أنعمت علي) (القصص آية 17) (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه) (الزخرف آية 59) (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا) (الإسراء آية 83) ولم ينسب سبحانه النعمة لغيره إلا في آية واحدة (وإذ تقول للذي انعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك) (الأحزاب آية 37) فهي نعمة خاصة بعد نعمة الله تعالى عليه.
لماذا قال " المغضوب عليهم " ولم يقل أغضبت عليهم؟ جاء باسم المفعول وأسنده للمجهول ولذا ليعم الغضب عليهم من الله والملائكة وكل الناس حتى أصدقاؤهم يتبرأ بعضهم من بعض حتى جلودهم تتبرأ منهم ولذا جاءت المغضوب عليهم لتشمل غضب الله وغضب الغاضبين.

غير المغضوب عليهم ولا الضالين: لم كرر لا؟ وقال غير المغضوب عليهم والضالين؟ إذا حذفت (لا) يمكن أن يُفهم أن المباينة والابتعاد هو فقط للذين جمعوا الغضب والضلالة فقط ، أما من لم يجمعها (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فلا يدخل في الاستثناء ، فإذا قلنا مثلا : لا تشرب الحليب واللبن الرائب (أي لا تجمعهما) أما إذا قلنا : لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كليهما إن اجتمعا أو انفردا.
فلماذا قدم إذن المغضوب عليهم على الضالين؟ المغضوب عليهم : الذين عرفوا ربهم ثم انحرفوا عن الحق وهم اشد بعدا لان ليس من علم كمن جهل لذا بدأ بالمغضوب عليهم وفي الحديث الصحيح أن المغضوب عليهم هم اليهود وأما النصارى فهم الضالون. واليهود أسبق من النصارى ولذا بدأ بهم واقتضى التقديم.
وصفة المغضوب عليهم هي أول معصية ظهرت في الوجود وهي صفة إبليس عندما أُمر بالسجود لآدم عليه السلام وهو يعرف الحق ومع ذلك عصى الله تعالى وهي أول معصية ظهرت على الأرض أيضاً عندما قتل ابن آدم أخاه فهي إذن أول معصية في الملأ الأعلى وعلى الأرض (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه) (النساء آية 93) ولذا بدأ بها.
أما جعل المغضوب عليهم بجانب المنعم عليهم فلأن المغضوب عليهم مناقض للمنعم عليهم والغضب مناقض للنعم.
خاتمة سورة الفاتحة هي مناسبة لكل ما ورد في السورة من أولها إلى آخرها فمن لم يحمد الله تعالى فهو مغضوب عليه وضال ومن لم يؤمن بيوم الدين وأن الله سبحانه وتعالى مالك يوم الدين وملكه ومن لم يخص الله تعالى بالعبادة والاستعانة ومن لم يهتد إلى الصراط المستقيم فهم جميعاً مغضوب عليهم وضالون.
ولقد تضمنت السورة الإيمان والعمل الصالح، الإيمان بالله (الحمد لله رب العالمين) واليوم الآخر (مالك يوم الدين) والملائكة والرسل والكتب (اهدنا الصراط المستقيم) لما تقتضيه من إرسال الرسل والكتب. وقد جمعت هذه السورة توحيد الربوبية (رب العالمين) وتوحيد الإلوهية (إياك نعبد وإياك نستعين) ولذا فهي حقاً أم الكتاب.

لمسات بيانية

في آية الكرسي
( اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )
آية الكرسي هي سيّدة آي القرآن الكريم. بدأت الآية بالتوحيد ونفي الشرك وهو المطلب الأول للعقيدة عن طريق الإخبار عن الله. بدأ الإخبار عن الذات الإلهية ونلاحظ أن كل جملة في هذه الآية تصح أن تكون خبراً للمبتدأ (الله) لآن كل جملة فيها ضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى: الله لا تأخذه سنة ولا نوم، الله له ما في السموات وما في الأرض، الله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، الله يعلم مابين أيديهم وما خلفهم، الله لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء، الله وسع كرسيّه السموات والأرض، الله لا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم.
- قوله ( اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) :

الحيّ معرّفة والقيّوم معرّفة. والحيّ هو الكامل الإتصاف بالحياة ولم يقل حيّ لأنها تفيد أنه من جملة الأحياء. فالتعريف بـ(ال) هي دلالة على الكمال والقصر لأن ما سواه يصيبه الموت. والتعريف قد يأتي بالكمال والقصر، فالله له الكمال في الحياة وقصراً كل من عداه يجوز عليه الموت وكل ما عداه يجوز عليه الموت وهو الذي يفيض على الخلق بالحياة. فالله هو الحيّ لا حيّ سواه على الحقيقة لآن من سواه يجوز عليه الموت.
القيّوم: من صيغ المبالغة (على وزن فيعال وفيعول من صيغ المبالغة وهي ليست من الأوزان المشهورة) هي صيغة المبالغة من القيام ومن معانيها القائم في تدبير أمر خلقه في إنشائهم وتدبيرهم، ومن معانيها القائم على كل شيء ، ومن معانيها الذي لا ينعس ولا ينام لأنه إذا نعس أو نام لا يكون قيّوماً ومن معانيها القائم بذاته وهو القيّوم جاء بصيغة التعريف لأنه لا قيّوم سواه على الأرض حصراً.
- قوله ( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) :
سنة هي النعاس الذي يتقدم النوم ولهذا جاءت في ترتيب الآية قبل النوم وهذا ما يعرف بتقديم السبق، فهو سبحانه لا يأخذه نعاس أو ما يتقدم النوم من الفتور أو النوم. المتعارف عبيه يأتي النعاس ثم ينام الإنسان. ولم يقل سبحانه لا (تأخذه سنة ونوم) أو (سنة أو نوم) ففي قوله سنة ولا نوم ينفيهما سواءً اجتمعا أو افترقا لكن لو قال سبحانه سنة ونوم فإنه ينفي الجمع ولا ينفي الإفراد فقد تأخذه سنة دون النوم أو يأخذه النوم دون السنة.
- قوله ( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )

دلالة (ما): ما تفيد ذوات غير العاقل وصفات العقلاء، إذن لمّا قال (له ما) جمع العقلاء وغيرهم ولو قال (من) لخصّ العقلاء. (ما) أشمل وعلى سبيل الإحاطة. قال (ما في السموات وما في الأرض) أولاً بقصد الإحاطة والشمول، وثانياً قدّم الجار والمجرور على المبتدأ (له ما في السموات) إفادة القصر أن ذلك له حصراً لا شريك له في الملك (ما في السموات والأرض ملكه حصراُ قصراً فنفى الشرك). وجاء ترتيب (له ما في السموات وما في الأرض) بعد (الحيّ القيّوم) له دلالة خاصة: يدلّ على أنه قيوم على ملكه الذي لا يشاركه فيه أحد غيره وهناك فرق بين من يقوم على ملكه ومن يقوم على ملك غيره فهذا الأخير قد يغفل عن ملك غيره أما الذي يقوم على ملكه لا يغفل ولا ينام ولا تأخذه سنة ولا نوم سبحانه. فله كمال القيومية. وفي قوله (له ما في السموات وما في الأرض) تفيد التخصيص فهو لا يترك شيئاً في السموات والأرض إلا هو قائم عليه سبحانه.
- قوله ( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ )
دلالة واضحة على تبيان ملكوت الله وكبريائه وأن أحداً لا يملك أن يتكلم إلا بإذنه ولا يتقدم إلا بإذنه مصداقاً لقوله تعالى: (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) هذا الجزء من الآية والجزء الذي قبلها (له ما في السموات وما في الأرض) يدل على ملكه وحكمه في الدنيا والآخرة لأنه لمّا قال (له ما في السموات وما في الأرض) يشمل ما في الدنيا وفي قوله (لمن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) هذا في الآخرة فدلّ هذا على ملكوته في الدنيا والآخرة وأخرجه مخرج الإستفهام الإنكاري لأنه أقوى من النفي. فدلّ هذا على أنه حيّ قيّوم كيف؟ لأن الذي يَستشفع عنده حيّ والذي لا يستطيع أحد أن يتقدم إلا بإذنه يجعله قائم بأمر خلقه وكلها تؤكد معنى أنه الحيّ القيّوم.

من ذا: فيها احتمالين كما يذكر أهل النحو: فقد تكون كلمة واحدة بمعنى (من) استفهامية لكن (من ذا) أقوى من (من) لزيادة مبناها (يقال في النحو: زيادة المبنى زيادة في المعنى)ز فقد نقول من حضر ، ومن ذا حضر؟
لماذا الإختلاف في التعبير في قصة إبراهيم في سورة الصافات (ماذا تعبدون) وفي سورة الشعراء (ما تعبدون)؟ في الأولى استعمال (ماذا) أقوى لأن إبراهيم لم يكن ينتظر جواباً من قومه فجاءت الآية بعدها (فما ظنكم برب العالمين)، أما في الشعراء فالسياق سياق حوار فجاء الرد (قالوا نعبد أصناماً). إذن (من ذا) و(ماذا) أقوى من (من) و(ما).
(من ذا) قد تكون كلمتان (من) مع اسم الإشارة ذا (من هذا) يقال : من ذا الواقف؟ من الواقف؟ ومن هذا الواقف؟ فـ (من ذا الذي) تأتي بالمعنيين (من الذي) و(من هذا الذي) باعتبار ذا اسم إشارة فجمع المعنيين معاً.

في سورة الملك قوله: (أمّن هذا الذي هو جند لكم) هذا مكون من (هـ) للتنبيه والتوكيد و(ذا) اسم الإشارة وكذلك (هؤلاء) هي عبارة عن (هـ) و(أولاء) . فالهاء تفيد التنبيه والتوكيد فإذا كان الأمر لا يدعو إليها لا يأتي بها فلنستعرض سياق الآيات في سورة الملك مقابل آية الكرسي: آيات سورة الملك في مقام تحدّي فهو أشد وأقوى من سياق آية الكرسي لأن آية سورة الملك هي في خطاب الكافرين أما آية الكرسي فهي في سياق المؤمنين ومقامها في الشفاعة والشفيع هو طالب حاجة يرجو قضاءها ويعلم أن الأمر ليس بيده وإنما بيد من هو أعلى منه. أما آية سورة الملك فهي في مقام الندّ وليس مقام شفاعة ولذلك جاء بـ(هـ) التنبيه للإستخفاف بالشخص الذي ينصر من دون الرحمن (من هو الذي ينصر من دون الرحمن) وهذا ليس مقام آية الكرسي. والأمر الآخر أن التعبير في آية الكرسي اكتسب معنيين: قوة الإستفهام والإشارة بينما آية الملك دلت على الإشارة فقط ولو قال من الذي لفاتت قوة الإشارة. ولا يوجد تعبير آخر أقوى من (من ذا) لكسب المعنيين قوة الإستفهام والإشارة معاً بمعنى (من الذي يشفع ومن هذا الذي يشفع).
- قوله ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ )
يعلم ما أمامهم مستقبلاً وما وراءهم والمقصود إحاطة علمه بأمورهم الماضية والمستقبلية ويعلم أحوال الشافع الذي يشفع ودافعه ولماذا طلب الشفاعة ويعلم المشفوع له وهل يستحق استجابة الطلب هذا عام فهذه الدلالة الأولية.

في سورة مريم قال تعالى: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك) فما الحكمة أنها لم ترد على هذا الأسلوب في آية الكرسي؟ في سورة مريم سياق الآيات عن الملك (ولهم رزقهم فيها، تلك الجنة التي نورث من عبادنا، رب السموات والأرض..) الذي يرزق هو الذي يورّث فهو مالك وقوله رب السموات فهو مالكهم) أما في سورة آية الكرسي فالسياق عن العلم (يعلم ما بين أيدينا) وبعد هذه الجملة يأتي قوله (ولا يحيطون بلمه إلا بما شاء) أي أن السياق في العم لذا كان أنسب أن تأتي (يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا) وهذه الجملة هي كما سبق توطئة لما سيأتي بعدها.
- قوله ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء )

ما هي فائدة (ما)؟ هي تحتمل معنيين في اللغة هنا تحتمل أن تكون مصدرية بمعنى (لا يحيطون بشيء من علمه إلا بمشيئته) وتحتمل أن تكون اسماًً موصولاً بمعنى (إلا بالذي شاء) وهنا جمع المعنيين أي لا يحيطون بعلمه إلا بمشيئته وبالذي يشاؤه أي بالعلم الذي يريد وبالمقدار الذي يريد. المقدار الذي يشاؤه نوعاً وقدراً. فمن سواه لا يعلم شيئاً إلا إذا ما أراده الله بمشيئته وبما أراده وبالقدر الذي يشاؤه والبشر لا يعلمون البديهيات ول أنفسهم ولا علّموا أنفسهم، فهو الذي شاء أن يعلّم الناس أنفسهم ووجودهم والبديهيات التي هي أساس كل علم. من سواه ما كان ليعلم شيئاً لولا أن أراد الله تماماً كما في قوله في سورة طه: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) أي بذاته في المعنى. إذن لماذا ذكر نفي الإحاطة بالذات في سورة طه ونفى الإحاطة بالعلم في آية الكرسي؟ في سورة طه جاءت الآية تعقيباً على عبادة بني إسرائيل للعجل وقد صنعوه بأيديهم وأحاطوا به علماً والله لا يحاط به، لقد عبدوا إلهاً وأحاطوا به علما فناسب أن لا يقول العلم وإنما قال (ولا يحيطون به علما) أما في آية الكرسي فالسياق جاء في العلم لذا قال تعالى (لا يحيطون بشيء من علمه) .
- قوله ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ )
دلّ أولاً على أنه من ملكه (السموات والأرض من ملكه) وقبل هذه الجملة قال تعالى (له ما في السموات وما في الأرض) فدلّ على أن الذي فيهما هو ملكه أيضاً لأن المالك قد يملك الشيء لكن لا يملك ما فيه وقد يكون العكس. فبدأ أولاً ( له ما في السموات وما في الأرض) أي أن ما فيهما ملكه لم يذكر أن السموات والأرض ملكه وهنا ذكر أن السموات والأرض وما فيهما هو ملكه. وإن الكرسي وسع السموات والأرض كما ورد في الحديث القدسي (السموات والأرض كحلقة في فلاة في العرش، والكرسي كحلقة في فلاة في العرش)

فما الحكمة من استخدام صيغة الماضي في فعل (وسع)؟ الحكمة أن صيغة الماضي تدلّ على أنه وسعهما فعلاً فلو قال يسع لكان فقط إخبار عن مقدار السعة فعندما نقول تسع داري ألف شخص فليس بالضرورة أن يكون فيها ألف شخص ولكن عندما نقول وسعت داري ألف شخص فهذا حصل فعلاً .تسع : تعني إخبار ليس بالضرورة حصل، لكن وسع بمعنى حصل فعلاً وهذا أمر حاصل فعلاً.
- قوله ( وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )
أي لا يثقله ولا يجهده وجاء بـ (لا) للدلالة على الإطلاق لا تدل على الزمن المطلق وإن كان كثير من النحاة يجعلونها للمستقبل لكن الأرجح أنها تفيد الإطلاق (لا يمكن أن يحصل) . والعليّ من العلو والقهر والتسلط والغلبة والملك والسلطان والعلو عن النظير والمثيل. والعظيم من العظمة وقد عرّفهما ـ (أل التعريف) لأنه لا علليّ ولا عظيم على الحقيقة سواه فهو العليّ العظيم حصراً.
وهذين الوصفين وردا مرتين في ملك السموات والأرض في آية الكرسي في سورة البقرة، وفي سورة الشورى (له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم) والأمرين في ملك السموات والأرض بما يدلّ على العلو والعظمة حصراً له سبحانه.

الملاحظ في آية الكرسي أنها ذكرت في بدايتها صفتين من صفات الله تعالى (الحيّ القيّوم) وانتهت بصفتين (العليّ العظيم) وكل حملة في الآية تدل على أنه الحيّ القيّوم والعليّ العظيم سبحانه تقدست صفاته. فالذي لا إله إلا هو ؛ هو الحي القيوم ؛ والذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو حيّ وقيّوم والذي له ما في السموات وما في الأرض أي المالك والذي يدبر أمر ملكه هو الحيّ القيوم والذي لا يشفع عنده هو الحي القيوم ولا يشفع إلا بإذنه والذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحاط بشيء من علمه هو الحيّ القيّوم القيّم على الآخرين والذي وسع كرسيه السموات والأرض هو الحيّ القيّوم والذي لا يؤده حفظهما هو الحيّ القيّوم لأن الذي يحفظ هو الحي القيوم وهو العلي العظيم.
والحي القيوم هو العلي العظيم والذي لا تأخذه سنة ولا نوم والذي له ما في السموات والأرض والذي لا يشفع عنده إلا بإذنه والذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم والذي لا يحاط بعلمه إلا بما شاء هو العليّ العظيم فكل جملة في آية الكرسي المباركة تدلّ على أنه الحيّ القيّوم والعلي العظيم.
الخطوط التعبيرية في الآية: الملاحظ في الآية أنها تذكر من كل الأشياء اثنين اثنين، بدأها بصفتين من صفات الله تعالى (الحي القيوم) وذكر اثنين من النم(سنة ونوم) وكرّر (لا) مرتين (لا تأخذه سنة ولا نوم) وذكر اثنين في الملكية(السموات والأرض) وكرر (ما) مرتين وذكر اثنين من علمه في (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) وذكر اثنين مما وسعه الكرسي (وسع كرسيه السموات والأرض) وختم الآية باثنين من صفاته (العليّ العظيم).
وقد ورد اسمين من أسماء الله الحسنى مرتين في القرآن: في سورة البقرة (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ومرة في سورة (آل عمران) في الآية الثانية (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (لاحظ الرقم 2). والعلي العظيم وردت في القرآن مرتين في القرآن أيضاً مرة في سورة البقرة ومرة (له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم) في سورة الشورى في الآية الرابعة (أربع أسماء في الآية الرابعة).
الدلالة: القرآن هو تعبير فني مقصود كل لفظة وكل عبارة وردت فيه لعظة على حروفها وهو مقصود قصداً.

لمسات بيانية في الإسراء والمعراج
أولاً : الإسراء:
{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } سورة الإسراء آية 1
حُفّت السورة كلها بالتسبيح والتحميد قبلها وبعدها ولعلّ في هذا إشارة إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - سينُقل إلى مكان وعالَم كله تسبيح: سورتي النحل (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) وسورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا )، وآياتها حُفّت بالتسبيح والتحميد في بدايتها بالآية 1 وفي آخرها (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) آية 111. وقد سُبقت السورة بالمعيّة في أواخر سورة النحل (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ) آية 128 ومن أعلى أنواع المعيّة أن يُعرج به - صلى الله عليه وسلم - إلى حيث من يُحبه بعدما لاقى من الأذى ما لاقاه من قومه وهذه أعلى معيّة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وكأنه هو أعلى من الذين اتقوا والذين هم محسنون.
بداية السورة: سبحان: كما هو معروف لغوياً سبحان هي إما اسم مصدر أو عَلَمٌ على التسبيح. ولقد ورد التسبيح في القرآن الكريم في سور شتّى فورد بصيغة الفعل الماضي (سبّح لله ) وفعل مضارع (يُسبح لله) أو فعل أمر (فسبّح باسم ربك) وورد بتعدية الفعل نفسه (سبّح اسم ربك الأعلى) (وتسبّحوه بكرة وأصيلا) وبالباء (فسبّح باسم ربك) وورد بلفظ تسبيح وتسبيح اسمه (سبّح اسم ربك) فنحن نسبّحه ونسبّح له ونسبّح باسمه ونسبّح بحمده (فسبّح بحمد ربك واستغفره) وباللام.

سبحان الذي أسرى: المجيء بالمصدر يفيد الإطلاق بدون تقيّد بزمن أو بفعل أو بفاعل تسبيح مطلق قبل تسبيح أحد لا بفاعل معين ولا بزمن معين قبل خَلق المسبّحين أصلاّ. والإفتتاح بـ "سبحان " طبع السورة بجو التسبيح وشاع فيه ذكر التسبيح (سبحانه وتعالى عمّا يقولون علواً كبيرا) (تسبح له السموات السبع والأرض) (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وهي أوسع وأشمل توسيع على الإطلاق.
الفعل عادة مقيّد بزمن ومقيّد بفاعل فعندما قال تعالى (سبحان الذي أسرى) كان مطلقاً قبل وبعد تسبيح المسبّحين لا بفاعل معين وزمن معيّن إنما له التسبيح المطلق قبل أن يخلق المسبحين أصلاً. فالإطلاق في التسبيح في السورة متناسب جداً مع ما جاء في أول السورة (سبحان الذي) وهو التسبيح المطلق. وليس هناك في القرآن كله سورة شاع فيها التسبيح كما شاع في سورة الإسراء ولا توجد سورة تضاهيها في التسبيح ولعلها إشارة إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سينتقل إلى عالم وجو مليء بالتسبيح (الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون) فالسورة إذن مشحونة بالتسبيح. وأسرى تفيد المشي ليلاً وقد يكون من معانيها التسرية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعدما لاقاه في عام الحزن وما حصل له في الطائف فأراد الله تعالى أن يُسرّي عن رسوله ويريه كيف تكون حفاوته في السماء بعد أن هان على الكفّار في قريش والطائف فآذوه ولم ينصروه هذا والله أعلم.

بعبده: لم يقل برسوله ولا بمحمد وإنما قال بعبده. الإختيار لكلمة (بعبده) له جملة معاني أولها: أن الإنسان مهما عظُم لا يعدو أن يكون عبداً لله تعالى لا ينبغي لأحد أن يدّعي مقاماً ليس للآخرين وحتى لا يًعظّم أكثر مما ينبغي (كما فعل النصارى بعيسى - عليه السلام -) فاختيار كلمة عبد حتى لا يُدعى له مقام غير مقام العبودية. فمقام العبودية لله هو أعلى مقام للخلق وأعلى وسام يُنعم الله تعالى به على عباده الصالحين تماماً كما وصفت الآيات نوح - عليه السلام - (إنه كان عبداً شكورا) وأيوب (نعم العبد إنه أوّاب) والرسول - صلى الله عليه وسلم - (وإنه لمّا قام عبد الله يدعوه). والعبودية نوعان: قسرية واختيارية، فالعبودية القسرية تتحقق شاء أم أبى (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) سورة مريم أما العبودية الإختيارية فهي أعلى مقام العبودية ولمّا ذُكر موسى - عليه السلام - ذكره الله تعالى باسمه وأعلى مقام لموسى كان في المناجاة (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) إلى قوله (خرّ موسى صعقا) لم يكن ليقل خرّ عبدنا موسى أو جاء عبدنا موسى فلا يجوز أن ينسب العبودية له ثم يخرّ صعقاً هذا لا يحدث ولا يجوز أصلاً، أما الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما ذكر بصورة العبودية أعقبها أنه عُرِج به إلى السماء وإلى سدرة المنتهى وخاطبه ربه بمقام لم يصل إليه أحد إلاّ هو - صلى الله عليه وسلم - فلذا كان استعمال كلمة (بعبده) دلالة على زيادة التشريف له - صلى الله عليه وسلم - والباء أيضاً إضافة تشريف وهي تدلّ على الرعاية والحفظ مثل قوله تعالى (فأوحى إلى عبده).

ليلاً: كلمة أسرى معناها ليلاً لأن الإسراء لا يكون إلا ليلاً (ظرف مركّب) حتى نفهم أن الرحلة الطويلة من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى والعروج إلى السماء كانت كلها في جزء من الليل وقد جاءت كلمة (ليلاً) بدل الليل لأن الليل تدل على الليل كله أما الإسراء فقد تم في جزء من الليل فقط وليس الليل كله.
من المسجد الحرام: أي من عين المكان ويكفي تسمية المسجد الحرام يعني أن لا يحدث فيه سوء. أكثر العلماء يقولون أن الإسراء لم يتم من المسجد الحرام وإنما من بيت أم هانئ وفي هذا التفاتة إلى أن مكة كلها حرم.
المسجد الأقصى: لم يكن آنذاك مسجداً لكن هذا إشارة إلى أنه سيكون مسجداً.
باركنا حوله: أسند تعالى المباركة لنفسه للدلالة على التعظيم ولم يقل بورك حوله والنون للعظمة لم يقل باركناه بل قال باركنا حوله لأنه لو قال باركناه لانحصرت المباركة بالمسجد فقط أما باركنا حوله فهو يشمل كل ما حوله وهو تعظيم للمسجد نفسه ولكنه إشارة أن المباركة حول المسجد أيضاً. ولم يقل باركنا ما حوله لأنها عندئذ تعني الأشياء فإذا زادت الأشياء زادت المباركة وإذا ذهبت ذهبت المباركة لكن المباركة كانت مطلقة تشمل أشياء معنوية وماديّة وروحانية بما أودع الله تعالى من رزق وخير وإرسال الرسل ولا تختص المباركة بشيء معين واحد وإنما تشمل كل هذه الأشياء.
لنريه: إلتفات لأسلوب المتكلم بعد أن ابتدأ بالغائب (سبحان الذي أسرى) إلتفت سبحانه للمتكلم ليدلّ على أن المتكلّم هو الله تعالى وليس شخصاً يُخبر عنه إنما كان من الله تعالى مباشرة. وكلمة (لنُريه) تدلّ على أن أفعاله سبحانه معلّلة ولغرض معيّن ولحكمة قد يذكرها وقد يخفيها عنّا سبحانه وكأن هذه الرحلة معدّ لها.

من آياتنا: أي مقرر ومُعدّ أن يرى بعض الآيات وليس كلها ولنريه: إسناد الفعل لله تعالى وشدة احتفائه برسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل ليرى أو ليُرى إنما جاءت (لنُريه) وهذا إكرام وتشريف آخر من الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الرحلة. وإضافة الآيات إلى نفسه تعالى تأتي من باب الإحتفاء بالرسول - صلى الله عليه وسلم - .
إنه هو السميع البصير: عودة إلى الإفراد والوحدانية. ضمير التعظيم يأتي بعد أو قبل ضمير الوحدة في القرآن الكريم وهذا حتى لا يلتبس على السامع ويُشرك مع الله أحدا والأمثلة على ذاك كثيرة في القرآن الكريم تماما كما في سورة الكوثر (إنا أعطيناك الكوثر* فصلّ لربك وانحر) إنا تفيد التعظيم والكاف تفيد الوحدانية لأن الربّ واحد لا شريك له. وهي تدل على أنه سبحانه في الحقيقة هو المتفرّد بهذه الصفات ولقصر الصفات له سبحانه جاء بالضمير (هو) .
لماذا خُتمت الآية بـ (السميع البصير)؟ ما دلالة السمع والبصر هنا؟ سياق الآيات تقتضي ذكر قدرة الله تعالى الحقيقة أنه لو قال إنه هو القدير أو إنه على كل شيء قدير لا يزيد شيئاً على معنى الآية لأن ما في الآيات إثبات لقدرة الله تعالى والرسول - صلى الله عليه وسلم - أُسري به ليسمع ويرى أشياء لم يسمعها ولم يرها من قبل لذلك ناسب سياق الآيات أنه ما يراه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يراه ربّه وما يسمعه يسمعه ربّه لذلك إنه هو السميع البصير.

فلماذا لم تأتي الآيات (السميع العليم) مثلاً كما وردت في آيات أخرى في القرآن؟ الذي يسمع ويرى هو عليم ولكن إذا قيل عليم قد يكون غائب عنك فالعليم ليس فيه حضور أما السميع البصير ففيه حضور. ولقد وردت (السميع العليم) في آيات أخرى لأن المقام في تلك الآيات اقتضى ذلك (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة الأعراف آية 200 عندما ذكر نزغات الشيطان، والشيطان لا يُرى ووساوسه لا تُرى كذلك لذلك جاءت الآية (سميع عليم). أما عند ذكر البشر في آية أخرى تأتي ختام الآية بـ (السميع البصير) (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) سورة غافر آية 56.
لماذا قدم السمع على البصر؟
1. لأن من يسمعك أقرب ممن يراك فالشخص الذي تسمعه أنت أقرب إليك من الذي تراه وهذا يُشعر بالطمأنينة والأمن والقرب.
2. السمع هو أهمّ من البصر في مجال الدعوة فاقد البصر يمكن أن يبلّغ في مجال الدعوة أما فاقد السمع فيصعب تبليغه.
3. الإسراء في الليل والليل آيته السمع. وفي القرآن عندما يأتي ذكر الليل تأتي الآيات بـ (أفلا يسمعون) وعند ذكر النهار تأتي (أفلا تبصرون) فكلّ آية تناسب وقتها فالليل للسمع والنهار للإبصار.

4. قُدّم السمع على البصر في القرآن إلا في مواطن قليلة منها في سورة الكهف (أبصر به وأسمع) لأن السياق يقتضي ذلك، فقد خرج أهل الكهف فارّين حتى لا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في ظلمة الكهف وفي تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. وفي سورة السجدة (ربنا أبصرنا وسمعنا) قدّم البصر هنا لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا ويكذبون في الآخرة وأبصروا العذاب والحقيقة وقولهم يعني أنهم موقنون واليقين لا يتأتى إلا بالإبصار وليس بالسمع (عين اليقين) لأنهم رأوا العذاب عين اليقين.
لفتة: وردت كلمة سميع والسميع في القرآن الكريم 46 مرة ووردت كذلك كلمة بصير والبصير 46 مرة.
خلاصة:
1. أن الحياة والقدرة والسمع والبصر والحكمة وصفة الخلق كلها صفات وردت في هذه الآية ثم ذكر الكمال في هذه الصفات بكلمة واحدة هي (سبحانك) فالفرد قد يكون سميعا وبصيرا وذا قدرة ولكن قد يكون أحمقا أما كلمة سبحانك فجاءت نفياً وتنزيهاً لله تعالى عمّا يصفه أهل الجاهلية.
2. ارتباط أوّل السورة بآخرها فقد بدأت بالتسبيح وختمت بالتحميد. نعمة الإسراء نعمة عظيمة جليلة فجاء في ختام السورة قوله تعالى (وقل الحمد لله) حمداً لله على نعمة الإسراء.
3. ختمت السورة بالباقيات الصالحات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) وبعد هذه الآية تبدأ سورة الكهف استجابة لهذا القول (قل الحمد لله فافتتحت سورة الكهف بالآية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا) وفي قوله في سورة الكهف في آية 4 (وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) رد على آخر سورة الإسراء أنه سبحانه ليس له شريك في الملك.

المعراج : (سورة النجم من الآية 1 إلى الآية 18)
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى *
القسم : والنجم إذا هوى: في بداية السورة وعلاقته بما قبله (سورة الطور): سبقت سورة النجم التسبيح في خواتيم سورة الطور (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) فجاء ذكر النجوم والقسم هو بالنجم في هذه السورة. هوى: معناه غرَب ومعناه سقط فإذا كان المعنى الأول في خواتيم سورة الطور (إدبار النجوم) أي غروبها فهي إذن مرتبطة بالتسبيح ومرتبطة بإدبار النجوم فأصبح هناك تناسق بين إدبار النجوم والنجم إذا هوى. ثم ناسب افتتاح السورة خاتمتها (فاسجدوا لله واعبدوا) أولاً لأن السجود هو أهم ركن من أركان الصلاة والصلاة فُرِضت في المعراج وهذه السورة بداية رحلة المعراج وختم السوء بما فُرِض في المعراج. ومن ناحية أخرى إذا كان هوى بمعنى سقط والسقوط هوي إلى الأرض فهي مناسبة للحركة لأن السجود هوي إلى الأرض وكأنما النجم هوى ليسجد لله تعالى والسجود أقرب ما يكون إلى الله تعالى لذا اختار سبحانه أقرب حالة إليه في أقرب معيّة وهي العروج بالرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى سدرة المنتهى (أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد) أقرب حالة من الله لأقرب رحلة إلى الله تعالى.

ما ضلّ صاحبكم وما غوى: نفي شيئين الضلالة والغواية. وهناك فرق بين الضلالة والغواية فالضلالة قد تكون عن قصد أو عن غير قصد (فأضلّه الله على علم) (الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) سورة الكهف، أما الغواية فهي عن قصد وهو الإمعان في الضلال. والضلال عام نقول ضلّت الدابة ولا نقول غوت الدابّة والغواية هي للمكلّف. والضلال نقيض الهدى والغواية نقيض الرشد (يُضلّ من يشاء ويهدي من يشاء) (وأضلّ فرعون قومه وما هدى) سورة طه، (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا) (قد تبيّن الرشد من الغيّ) سورة البقرة.
ما ضل صاحبكم وما غوى: نفى الله تعالى عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - الأمرين الضلالة والغواية وقد ذكر كلمة(صاحبكم) ولم يقل اسمه وقد وردت صاحبكم في ثلاث مواضع في القرآن الكريم: إما لنفي الضلال وإما لنفي الجنون (ما بصاحبكم من جِنّة، وما صاحبكم بمجنون، ما ضل صاحبكم ) وهذا لأن فيها معنى الصحبة فقد لبث الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم عمراً طويلاً وخالطهم وعاشرهم وعرفوا صدقه وأمانته ولا يكذّبونه فهو صاحبهم فكيف يمكن لهم أن يتهموه بالضلال؟ وقد وردت كلمة صاحبكم دائماً لنفي الجنون والغواية وهذا فيه معنى الصحبة أيضاً
ولو لاحظنا القسم في بداية السورة هو دلالة على الهوي والسقوط ، والضلال والغيّ هما سقوط في السلوك ودائماً يأتي في القرآن الضلال مع الحرف (في) (في ضلال مبين) وهذا دليل على السقوط أما عند ذكر الهداية فيأتي بالحرف (على) لأن الهدى تفيد الإستعلاء وهو - صلى الله عليه وسلم - متمكن من وقع قدمه وقادر أن يرى حتى الهمزة تفيد السقوط تأتي مع (في) الظرفية دلالة على السقوط (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) والنجم إذا ضلّ مساره سقط.

تكرار ما في قوله تعالى (ما ضلّ صاحبكم وما غوى): وهذا حتى لا يُتصوّر أنه نفى الجمع بينهما فقط وإنما نفى الجمع بينهما والإفراد. ما ضلّ صاحبكم وما غوى تعني نفي الضلالة والغواية معاً أو كل منهما على حدة. أما القول ما ضلّ صاحبكم وغوى فهي تفيد النفي بالجمع بين الصفتين. وهذا من باب الإحتياط للمعنى نفاهما على سبيل الجمع والإفراد ومعناه أنه - صلى الله عليه وسلم - اهتدى ورشد فهو مهتد رشيد. إذن لماذا لم يقل (هدى ورشد) بدل ما ضلّ وما غوى؟ لو قال اهتدى قد يكون في وقت من الماضي أو لفترة زمنية محددة قد تفيد أنه قد يكون قبل الهداية ضالاً لكنه - صلى الله عليه وسلم - مهتد رشيد لم يسبق له ضلالة (ما ضلّ صاحبكم وما غوى) تفيد أنه مهتد رشيد لم يسبق له ضلالة في أي وقت وزمن كان.
وما ينطق عن الهوى: أولاً نفى الفعلين السابقين بالماضي (ما ضلّ وما غوى) وهنا نفي بالمضارع يفيد الإستمرار والحاضر فلو قال (ما نطق عن الهوى) لاحتمل المعنى أنه نفى عنه الهوى في الماضي فقط ولم ينفه عنه فيما يستقبل من نُطقه. فقد نفى تعالى عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - الضلال والغواية في الماضي كله ونفى عنه الهوى في النطق في الحاضر والمستقبل فهو إذن - صلى الله عليه وسلم - منفيّ عنه الضلال والغواية في السلوك وفيما مضى وفي المستقبل.
ما دلالة الحرف عن في قوله (وما ينطق عن الهوى)؟ فالنطق عادة يكون بالباء (كتابنا ينطق بالحقّ) أما هنا فجاءت (عن) ومعناها ما ينطق صادراً عن هوى يعني إن الدافع للنطق ليس من هوى وهو بمنزلة تزكية للنفس القائلة لأن الإنسان قد ينطق بالحق لكن عن هوى (حق أريد به باطل) يعني الدافع هوى (ناطق عن هوى). وهكذا زكّى الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتزكية الدافع للقول فالدافع له زكي صادق ونطقه صادق أيضاً وعليه جاءت الآية (وما ينطق عن الهوى).

إن هو إلا وحي يوحى: (إن) هي أقوى ما في النفي وأقوى من ذلك أن تأتي (إن) و (إلاّ) معاً. مسألة الوحي هي المسألة الأساسية التي بين الإيمان والكفر فجاء سبحانه بأقوى حالات الإثبات لأن الوحي كان سبب المسألة الخلافية بين الكفّار والرسول - صلى الله عليه وسلم -. والإنسان قد ينطق غير صادق عن هوى لكن ليس بالضرورة أن يكون كلامه كله حقاً وصدقاً حتى ولو كان دافعه دافع إخلاص . فبعد أن زكّى سبحانه الدافع (ما ينطق عن الهوى) ثبّته أنه وحي (إن هو إلا وحي يوحى). واستخدام الضمير (هو) يعود على النطق معناه ما نُطقه إلا وحي يوحى.

علّمه شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى: الوحي بالعربية قد يكون إلهاماً مثل الوحي لأم موسى بإلقاءه في اليم، والوحي للنحل، ولشياطين الإنس والجنّ) فأراد سبحانه أن يقطع أي فكرة فقال (علّمه شديد القوى) بمعنى أنه ليس إلهاماً ولكنه وحي علّمه إياه شديد القوى (وعلّمك ما لم تعلم) نسب العلم إلى الله سبحانه أنه هو المُعلّم. وفي ذكر الوحي يجب ذكر المسؤول عن إيصال الوحي وهو جبريل عليه السلام ، فالله تعالى هو المُعلّم الأول عندما ذكر أن كلامه وحي كان من الداعي أن يذكر من علّمه وأوصل العلم إليه. وفعل علّمه تفيد المداومة والتكثير على خلاف أُعلّمه. كل الآيات السابقة مبنية على عدم ذكر اسم الفاعل (ما ضل صاحبكم، ما ينطق، علمه شديد القوى) وذكر وصفين (شديد القوى وذو مِرّة) والمِرّة قد تأتي بمعنى العقل والإحكام والحصانة والإستحكام وتأتي بمعنى القوة أيضاً فلماذا اختار سبحانه هذين الوصفين (شديد القوى وذو مِرّة)؟ هاتان الصفتان فيهما إشارة أن الخروج إلى أقطار السموات يحتاج إلى أمرين هما القوة والعلم والرسول - صلى الله عليه وسلم - في رحلته في أقطار السموات يحتاج إلى قوة شديدة وإلى إحكام وعقل وهنا أشارة إلى تمكّن جبريل - عليه السلام - من حفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - في رحلته فكان قوياً في حفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومحكماً في حفظ الوحي وكل حفظ يحتاج إلى قوة وعقل وإحكام. وهذه الرحلة (المعراج) في أقطار السموات والأرض أما في سورة الرحمن (إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) لأن الخروج من أقطار السموات والأرض فيها تحدّي وتحتاج إلى سلطان القوة والعلم.

ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم دنا فتدلّى: تحديد مكان الإستواء. أولا : استوى تعني اعتل واستقام وتهيّأ. ينزل جبريل - عليه السلام - إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتدلّى إليه ويصحبه بعد أن تهيّأ لذلك من الأفق الأعلى (وليس العالي) وهذا حتى يليق بمقام النبوة وهذا فيه ثناء على جبريل - عليه السلام - أنه استعدّ للأمر قبل أن يأتي ويقوم بمهمته وفيه تكريم للرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن مقام الشخصية يستدعي زيادة التهيئة والإستعداد وحسنه واستعد لذلك من الأفق الأعلى (استعد جبريل - عليه السلام - للأمر قبل أن ينزل وفيه إشارة إلى عِظم المهمة وعِظم الزائر وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -).
هذه الآية في سورة النجم ذكرت (الأفق الأعلى) وفي آية سورة التكوير ذكر (الأفق المبين) فما الفرق بينهما؟
في آية سورة النجم يُراد بالآيات والرحلة العروج إلى الأفق الأعلى وهو المكان الذي سيعرُج إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -. أما في آية سورة التكوير (ولقد رآه بالأفق المبين) فالأفق المبين تدل على الإبانة الواضحة وهي مناسبة لما تبعها في قوله تعالى (وما هو على الغيب بضنين) على أنه - صلى الله عليه وسلم - ليس بضنين ولا بخيل فالرسول - صلى الله عليه وسلم - مبين ليس بضنين والأفق مبين أيضاً.

ثم دنا فتدلّى * فكان قاب قوسين أو أدنى: ثم دنا فتدلّى فيها تكريم للرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن الدنو غير التدلي فالدنو هو القرب من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل وغيره أما التدلّي فلا يكون إلا من أعلى لأسفل. ومعنى أن جبريل - عليه السلام - تدلّى للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا في غاية التكريم له. العرب تقول في القرُب أشياء كثيرة كناية عن القرب فلماذا اختار سبحانه قاب قوسين أو أدنى؟ اختيار قاب قوسين تدل على القرب والقوس هي في حد ذاتها لا بد أن تكون قوية شديدة والوتر لا بد أن يكون قوياً شديداً والرامي ينبغي أن يكون قوياً مُسدداً فالقوس يحتاج إلى إحكام في التسديد والإنطلاق وهذه كلها عناصر الرحلة وقد سبق قوله تعالى (شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى) والقوس شديد ويستعمله قوي شديد والرحلة وهي الإنطلاق لذا جاء استعمال قاب قوسين أو أدنى.
فأوحى إلى عبده ما أوحى: نفس الكلام الذي ورد في أسرى بعبده ينطبق على ورود كلمة عبده هنا في هذه الآية. تستخدم كلمة (عبد) على مجموع الجسد والروح وهنا إثبات على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد وإلا فأين المعجزة! ولو كان بالروح فقط لما كذّبه الكفار فهم عرفوا وتأكدوا أن الرحلة تمّت بالروح والجسد معاً.
ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى: ما اللمسة البيانية في اختيار كلمة (المراء) ؟ ورد قبل هذه الآية قوله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) اختيار لفظ الفؤاد هو من التفؤد والتوقّد (يقال فأد اللحم بمعنى شواه) اختار الفؤاد لأن فؤاده - صلى الله عليه وسلم - متوقّد ليرى كل ما حوله. أما في قوله (ما كذب الفؤاد ما رأى) وهو القلب المتوقّد الحار لم يقل لبصره أنه واهم فيما يرى، فؤاده - صلى الله عليه وسلم - صدّق بصره يعني ما رأيته ببصرك لم يشكك به الفؤاد على توقّده فقد صدق الفؤاد البصر وما يراه البصر هو حق صادق.

المرية: فيها شك. لم يقل سبحانه أفتجادلونه إنما قال أفتمارونه لأن المِرية تختلف عن الجدال، فالكفار كانوا يشككون في الرواية وليس في الأفكار كما في قوله (إن الذين يمارونك في الساعة) (يمارون في الساعة) أي يجادلون في الساعة لأن لا أحد رآها، أما الرؤية فهي ليست موضوع نقاش في هذه السورة (أفتمارونه على ما يرى) أي لا يُمارى على رؤيته - صلى الله عليه وسلم - والملاحظ هنا استخدام حرف (على) أما في الآية السابقة استخدم الحرف (في).
ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنّة المأوى: استخدم كلمة نزلة وليس كلمة (مرّة) لأن النزلة من النزول فقال ولقد رآه نزلة أخرى أي عند نزوله - صلى الله عليه وسلم - رأى جبريل وهذا دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - صعد إلى مكان أعلى من الذي وصل إليه جبريل وفي رحلة عودته - صلى الله عليه وسلم - رأى جبريل عند نزوله وهذا مصداق الحديث أن جبريل - عليه السلام - قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - تقدم وقال لو تقدمتُ لاحترقت.
اختيار سدرة المنتهى: المنتهى هي آخر شيء وآخر نقطة ومكانها عند جنّة المأوى.
إذ يغشى السدرة ما يغشى: وفي هذه الآية أمور لا نعرفها نحن فالله أعلم بمجريات هذه الرحلة وما فيها وما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها وما في السدرة وما يغشاها.

ما زاغ البصر وما طغى: زاغ من الزيغان وهو الذهاب يميناً وشمالاً أما الطغيان فهو مجاوزة الحدّ والقدر والتطلع إلى ما ليس له. بمعنى أنه - صلى الله عليه وسلم - في رحلته ما مال بصره ولا جاوز قدره بل وقف في المكان الذي خُصص له وفي هذا مدح للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد وقف بصره في المكان المحدد له مع أن المكان يستدعي أخذ البصر والإلتفات. وقد سبق أن نفى الله تعالى عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - الضلال والغواية في الأرض وكذلك نفى عنه أن يكون زاغ بصره أو طغى في السموات فهو لم يتجاوز لا في الأرض ولا في السماء فسبحان الله تعالى وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لقد رأى من آيات ربه الكبرى: (مِن) يقال لها التبعيضيّة. لم يرى كل شيء لكن الرحلة كان لها منهجاً معيناً وجاء بالكبرى فيه تكريم آخر للرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى بعض الآيات الكبرى. والسورة كلها فيها تكريم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذه الآية مبنية على الإبهام وهذا الإبهام للتعظيم. وأُورد ما فسّره الشيخ الشعراوي رحمه الله فهو في خواطره يرى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأى من آيات ربه الآية الكبرى والله أعلم بها هذا.

بعض اللمسات البيانية في سورة الكهف
سؤال 1:في سورة الكهف قال الله تعالى (ماكثين فيه أبدا) آية 3 فلماذا لم تستخدم كلمة (خالدين)؟
المكث في اللغة : هو الأناة واللبث والإنتظار وليس بمعنى الخلود أصل المكث. الله تعالى يقصد الجنّة (ان لهم أجراً حسنا) والأجر الذي يُدفع مقابل العمل وننظر ماذا يحصل بعد الأجر. والجنّة تكون بعد أن يوفّى الناس أجورهم وفي الآية قال تعالى (أجراً حسناً) فالمقام هنا إذن مقام انتظار وليس مقام خلود بعد وعلى قدر ما تأخذ من الأجر يكون الخلود فيما بعد الأجر وهو الخلود في الجنّة. ومن حيث الدلالة اللغوية الأجر ليس هو الجنّة لذا ناسب أن يأتي بالمكث وليس الخلود للدلالة على الترقّب لما بعد الأجر.
سؤال 2:ما اللمسة البيانية في استخدام (فأردت) (فأردنا) (فأراد ربك) في سورة الكهف في قصة موسى والخضر؟
الملاحظ في القرآن كله أن الله تعالى لا ينسب السوء إلى نفسه ؛ أما الخير والنِعم فكلها منسوبة إليه تعالى كما في قوله (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسّه الشر كان يؤوسا) ولا نجد في القرآن فهل زيّن لهم سوء أعمالهم أبدا إنما نجد (زُيّن لهم سوء أعمالهم) وكذلك في قول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام (الذي يميتني ثم يحيين) وقوله (وإذا مرضت هو يشفين) ولم يقل يمرضني تأدباً مع الله تعالى.(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً {79}) في هذه الآية الله تعالى لا ينسب العيب إلى نفسه أبداً فكان الخضر هو الذي عاب السفينة فجاء الفعل مفرداً.
(فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً {81}) في هذه الآية فيها اشتراك في العمل قتل الغلام والإبدال بخير منه حسن فجاء بالضمير الدالّ على الإشتراك. في الآية إذن جانب قتل وجانب إبدال فجاء جانب القتل من الخضر وجاء الإبدال من الله تعالى لذا جاء الفعل مثنّى.

(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً {82}) في هذه الآية الجدار كلّه خير فنسب الفعل لله وحده وأنه يدلّ على أن الله تعالى هو علاّم الغيوب وسبق في علمه أن هذا الجدار تحته كنز لهما وأنه لو سقط سيأخذ أهل القرية المال من الأولاد اليتامى وهذا ظلم لهم والله تعالى ينسب الخير لنفسه عزّ وجلّ.وهذا الفعل في الآية ليس فيه اشتراك وإنما هو خير محض للغلامين وأبوهما الصالح والله تعالى هو الذي يسوق الخير المحض. وجاء بكلمة رب في الآيات بدل لفظ الجلالة (الله) للدلالة على أن الرب هو المربي والمعلِّم والراعي والرازق والآيات كلها في معنى الرعاية والتعهد والتربية لذا ناسب بين الأمر المطلوب واسمه الكريم سبحانه.
سؤال 3: ما الفرق بين كلمة (قرية) وكلمة (مدينة) في القرآن الكريم كما وردتا في سورة يس وسورة الكهف؟
في اللغة : إذا اتّسعت القرية تُسمى مدينة ، والقرية قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة. وفي سورة يس وردت الكلمتان (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ {13}) و (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ {20}) أي أن أصحاب القرية جدّوا في التبليغ حتى وصل إلى أبعد نقطة في المدينة مع بُعدها. وقوله تعالى (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى) أي أن هذا الرجل جاء يحمل همّ الدعوة والتبليغ. ووصل التبليغ إلى أقصى نقطة في المدينة مع أنها متّسعة وهذا فيه دليل على جهدهم لنشر الدعوة والذي جاء حمل همّ الدعوة من أقصى المدينة.

وفي سورة الكهف (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً {77}) و(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً {82}) استطعم موسى والخضر أهل القرية على سعتها أي أنهما جالا فيها كلها وبلغ بهم الجوع كثيراً حتى استطعموا أهلها.
سؤال 4: في سورة الكهف ما دلالة حرف العطف واو في قوله (سبعة وثامنهم كلبهم) مع أنها لم ترد فيما قبلها (ثلاثة رابعهم كلبهم وخمسة سادسهم كلبهم)؟
الواو تفيد التوكيد والتحقيق كما صرّح المفسرون أي كأنها تدل على أن الذين قالوا أن أصحاب الكهف كانوا سبعة وثامنهم كلبهم هم الذين قالوا القول الصحيح الصواب ومنهم الزمخشري. الواو إذن هي واو الحال ولكنها أفادت التوكيد والتحقيق بأن هذا القول صحيح لأن الواو يؤتى بها إذا تباعد معنى الصفات للدلالة على التحقيق والإهتمام (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) وإذا اقترب معنى الصفات لا يؤتى بالواو (همّاز مشّاء بنميم) هنا الصفات متقاربة فلم يؤتى بالواو.

وفي قوله تعالى في سورة التوبة (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ {112}) نلاحظ أن الواو ذكرت مع الصفة الأخيرة وهي الأشد على النفس والآخرين وباقي الصفات الأولى كلها متقاربة لكن النهي عن المنكر يكون أشدّ على الإنسان وقد يؤدي إلى الإهانة والقتل أحياناً.
سؤال 5: ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى في سورة الكهف (فأتبع سببا) وقوله (ثم أتبع سببا)؟
الحكم العام في النحو: الفاء تفيد الترتيب والتعقيب. وثمّ تفيد الترتيب والتراخي أي تكون المدة أطول.
وفي سورة الكهف الكلام عن ذي القرنين ففي الآية الأولي (فأتبع سببا) لم يذكر قبل هذه الآية أن ذي القرنين كان في حملة أو في مهمة معينة وإنما جاء قبلها الآية (وآتيناه من كل شيء سببا) هذا في الجملة الأولى لم يكن قبلها شيء وإنما حصل هذا الشيء بعد التمكين لذي القرنين مباشرة، أما في الجملة الثانية (ثم أتبع سببا) فهذه حصلت بعد الحالة الأولى بمدة ساق ذو القرنين حملة إلى مغرب الشمس وحملة أخرى إلى مطلع الشمس وحملة أخرى إلى بين السدين وهذه الحملات كلها تأتي الواحدة بعد الأخرى بمدة وزمن ولهذا جاء استعمال ثم التي تفيد الترتيب والتراخي في الزمن.
ما دلالة قوله تعالى (ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً) ولماذا استخدام اللام في (لشيء) ولم يقل (عن شيء)؟

ورود اللام بعد القول له أكثر من دلالة وهو ليس دائماً للتبليغ وإنما تأتي لبيان العِلّّة إما بمعنى عن أو بسبب أمر ما (قال له). وقد جاء في سورة الكهف في قصة الخضر مع موسى قوله تعالى: ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا)، ويقال في اللغة: قلت له كذا وكذا. وقد تأتي اللام مع القول لغير التبليغ وتأتي بمعنى عن كما جاء في قول الشاعر (كضرائر الحسناء قلن لوجهها إنه لدميم) قلن لوجهها بمعنى عن وجهها. وقد تأتي اللام بعد فعل قال للتعليل بمعنى لأجل ذلك أو بسبب ذلك
سؤال 6: ما إعراب كلمة (كلمة) في قوله تعالى (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) سورة الكهف؟
كلمة هي تمييز، الفاعل ضمير مستتر ويأتي التمييز ليفسرها وتسمى في النحو: الفاعل المفسّر بالتمييز.
ما إعراب (أيّ) في الآية (لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أبدا) في سورة الكهف؟
أي: هي مبتدأ. وهي من أسماء الإستفهام وكل الأسماء التي لها صدر الكلام لا يعمل بها ما قبلها إلا حروف الجرّ ولكن يعمل فيها ما بعدها (ولتعلمنّ أيّنا أشدّ عذاباً وأبقى).
ما السبب في تنكير الغلام وتعريف السفينة في سورة الكهف في قوله تعالى (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً {74}) و (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً {71})؟
حسب التفاسير أن الخضر وموسى - عليه السلام - لم يجدا سفينة لما جاءا إلى الساحل ثم جاءت سفينة مارّة فنادوهما فعرفا الخضر فحملوهما بدون أجر ولهذا جاءت السفينة معرّفة لأنها لم تكن أية سفينة. أما الغلام فهما لقياه في طريقهم وليس غلاماً محدداً معرّفاً.

سؤال 7: ما اللمسة البيانية في إختيار كلمة الأخسرين في قوله تعالى في سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103})؟ وما الفرق بين الخاسرون والأخسرون؟
ورد في القرآن الكريم استخدام كلمتي الخاسرون كما جاء في سورة النحل (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ {109}) والأخسرون كما جاء في سورة هود (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ {22})، وفي سورة النمل (أوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ {5}) وآية سورة الكهف أيضاًََ ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً) . وفي اللغة الأخسر هو أكثر خسراناً من الخاسر ، ندرس أولاً ما السبب في إختيار كلمة الأخسرون في سورة هود؟ إذا لاحظنا سياق الآيات في سورة هود نجد أنها تتحدث عن الذين صدوا عن سبيل الله وصدّوا غيرهم أيضاً ، إنما السياق في سورة النحل فهو فيمن صدّ عن سبيل الله وحده ولم يصُدّ أحداً غيره فمن المؤكّد إذن أن الذي يصدّ نفسه وغيره عن سبيل الله أخسر من الذي صدّ نفسه عن سبيل الله لوحده فقط (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {107}).

وإذا قارنّا بين آية سورة هود وآية سورة النمل (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ {4} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ {5}) نجد أنه في سورة هود جاء التوكيد بـ (لا جرم) وهي عند النحاة تعني القسم أو بمعنى حقاً أو حقَّ وكلها تدل على التوكيد وإذا لاحظنا سياق الآيات في سورة هود الآيات (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ {18} الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ {19} أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ {20} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ {21}). أما في سورة النمل فسياق الآيات يدل على أنهم لا يؤمنون بالآخرة فقط أما في سورة هود فقد زاد على ذلك أنهم يصدون عن سبيل الله وأنهم يفترون على الله الكذب وفيها خمسة أشياء إضافية عن آية سورة النمل لذا كان ضرورياً أن يؤتى بالتوكيد في سورة هود باستخدام (لا جرم) والتوكيد بـ (إنهم) ولم يأتي التوكيد في سورة النمل.

ونعود إلى آية سورة الكهف (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً {104}). نلاحظ استخدام كلمة (ضلّ) مع كلمة (سعيهم) ولم يقل ضل عملهم لأن السعي هو العدو أو المشي الشديد دون العدو ، وقال في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يُحسن صنعا ، والإحسان هو الإتقان وليس العمل العادي ، في اللغة لدينا: فعل وعمل وصنع. أما الفعل فقد تقال للجماد (نقول هذا فعل الرياح) والعمل ليس بالضرورة صنعاً فقد يعمل الإنسان بدون صنع، أما الصنع فهو أدقّ وهو من الصَّنعة كما في قوله تعالى (صُنع الله الذي أتقن كل شيء) والصنع لا تستعمل إلا للعاقل الذي يقصد العمل بإتقان.
إذن آية سورة الكهف جاء فيها ضلال وسعي وصُنع لذا استوجب أن يؤتى بكلمة الأخسرين أعمالاً ومن الملاحظ أنه في القرآن كله لم يُنسب جهة الخُسران للعمل إلا في هذه الآية. ولأن هذه الآية هي الوحيدة التي وقعت في سياق الأعمال من أولها إلى آخرها (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
والأخسرين : اسم تفضيل أي أنه هناك اشتراك في الخُسران، يوجد خاسرون كُثُر والأخسرين بعضهم أخسر من بعض أي التفضيل فيما بين الخاسرين أنفسهم.
سؤال 8: ما الفرق من الناحية البيانية بين فعل استطاعوا واسطاعوا وفعل تسطع وتستطع في سورة الكهف؟

قال تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً {97}). زيادة التاء في فعل استطاع تجعل الفعل مناسباً للحث وزيادة المبنى في اللغة تفيد زيادة المعنى. والصعود على السدّ أهون من إحداث نقب فيه لأن السدّ قد صنعه ذو القرنين من زبر الحديد والنحاس المذاب لذا استخدم اسطاعوا مع الصعود على السد واستطاعوا مع النقب. فحذف مع الحدث الخفيف أي الصعود على السد ولم يحذف مع الحدث الشاق الطويل بل أعطاه أطول صيغة له، وكذلك فإن الصعود على السدّ يتطلّب زمناً أقصر من إحداث النقب فيه فحذف من الفعل وقصّر منه ليجانس النطق الزمني الذي يتطلبه كل حدث.
أما عدم الحذف في قوله تعالى (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً {78}) وحذف التاء في الآية (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً {82}) لأن المقام في الآية الأولى مقام شرح وإيضاح وتبيين فلم يحذف من الفعل أما في الآية الثانية فهي في مقام مفارقة ولم يتكلم بعدها الخضر بكلمة وفارق موسى عليه السلام فاقتضى الحذف من الفعل.
سؤال 9: لماذا قدّم البصر على السمع في آية سورة الكهف و سورة السجدة؟

قال تعالى في سورة الكهف (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً {26}) وقال في سورة السجدة (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ {12}) والمعلوم أن الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر لأن السمع أهم من البصر في التكليف والتبليغ لأن فاقد البصر الذي يسمع يمكن تبليغه أما فاقد السمع فيصعب تبليغه ثم إن مدى السمع أقل من مدى البصر فمن نسمعه يكون عادة أقرب ممن نراه ، بالإضافة إلى أن السمع ينشأ في الإنسان قبل البصر في التكوين ؛ أما لماذا قدّم البصر على السمع في الآيتين المذكورتين ؟ فالسبب يعود إلى أنه في آية سورة الكهف الكلام عن أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئلا يراهم أحد ولجأوا إلى ظلمة الكهف لكيلا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في تقلبهم في ظلمة الكهف وكذلك طلبوا من صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراه القوم إذن مسألة البصر هنا أهم من السمع فاقتضى تقديم البصر على السمع في الآية.
وكذلك في آية سورة السجدة، الكلام عن المجرمون الذين كانوا في الدنيا يسمعون عن القيامة وأحوالها ولا يبصرون لكن ما يسمعوه كان يدخل في مجال الشك والظنّ ولو تيقنوا لآمنوا أما في الآخرة فقد أبصروا ما كانوا يسمعون عنه لأنهم أصبحوا في مجال اليقين وهو ميدان البصر (عين اليقين) والآخرة ميدان الرؤية وليس ميدان السمع وكما يقال ليس الخبر كالمعاينة. فعندما رأوا في الآخرة ما كانوا يسمعونه ويشكون فيه تغير الحال ولذا اقتضى تقديم البصر على السمع.
سؤال 10: ما دلالة كلمة (لنعلم) في آية سورة الكهف (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً {12})؟

قال تعالى في سورة الكهف (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً {12}) والعلم قسمان قسم يتعلق بالجزاء وقسم يعلمه الله ابتداء لا يتعلق بالجزاء. ما يفعله الإنسان هو من علم الله لكن حتى ما نفعله يتعلق بالجزاء وهناك علم آخر وهو العلم الذي قضاه الله تعالى وما يفعله الإنسان هو تصديق لعلم الله هذا. وقوله تعالى لنعلم أي الحزبين يعني لنعلم أي منهم يعلم الحقيقة لأن كل قسم قال شيئاً فمن الذي يعلم الحقيقة؟ الله تعالى. هناك علمان علم سابق الذي سجّل فيه الله تعالى القدر وعلم لاحق يحقق هذا العلم وهو الذي يتعلق بالجزاء.
سؤال 11: ماذا عن ربط المستقبل بـ(غد) فقط في قوله تعالى : (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) الكهف) ؟
سبب نزول الآية هو الذي يحدد. سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثلاثة أسئلة من قبل الكفار منها عن أهل الكهف فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : سأجيبكم غداً لأنه لم يكن لديه علم وجاء غد ولم يُجِب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم ينزل عليه الوحي مدة خمس عشرة ليلة فحصل إرجاف لأن الوحي يتنزّل بحكمة الله تعالى ثم نزلت الآية (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23)) فهي مناسبة لأصل سبب النزول وهذا ينسحب لأنه أحياناً سبب النزول لا يتقيّد بشيء. مثلاً في مسألة (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور) ماذا إذا لم يردن تعففاً؟ الحادثة التي حصلت أن عبد الله بن أبيّ أراد إكراههن وهن يردن التحصّن فذكر المسألة كما هي واقعة ثم تأتي أمور أخرى تبيّن المسألة.

غداً في الآية موضع السؤال لا تعني بالضرورة الغد أي اليوم الذي يلي وإنما (قد) تفيد المستقبل وهي مناسبة لما وقع وما سيقع.
سؤال 12 - ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (شيئاً إمرا) و(شيئاً نُكرا) في سورة الكهف؟
قال تعالى على لسان موسى للرجل الصالح عندما خرق السفينة (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)) وقال تعالى عندما قتل الرجل الصالح الغلام (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)).
فوصف خرق السفينة بأنه شيء إمر ووصف قتل الغلام بأنه شيء نُكر وذلك أن خرق السفينة ونزع لوح خشب منها دون قتل الغلام شناعة فإنه إنما خرق السفينة لتبقى لمالكيها وهذا لا يبلغ مبلغ قتل الغلام بغير سبب ظاهر. والإمر دون النُكر فوضع التعبير في كل موضع بما يناسب كل فعل. وعن قتادة: النُكر أشدّ من الإمر. فجاء كل على ما يلائم ولم يكن ليحسن مجيء أحد الوصفين في موضع الآخر.
وهذا الاختلاف يدخل في فواصل الآي في القرآن الكريم.

لمسات بيانية في سورتي النمل والقصص
قصة موسى عليه السلام في سورتي النمل والقصص
أهداف ذكر سورة موسى عليه السلام
قال لي أحدهم مرة لو كتبت في قصة موسى في سورتي النمل والقصص، فإن بينهما تشابها كبيرا ولا يتبين سر الاختلاف في التعبير بينهما من نحو قوله تعالى: "فلما جاءها نودي" و "فلما أتاها نودي" ، وقوله: "وأدخل يدك في جيبك" و "اسلك يدك في جيبك" وما إلى ذلك.
فأنهدني قوله إلى أن أكتب في ذلك، وطلبت من الله أن يعينني على ما عزمتُ عليه، وأن يبصرني بمرامي التعبير في كتابه الحكيم، وأن يفتح عليّ من كنوز علمه الواسع الذي لا يحد فتحا مباركا، إنه سميع مجيب.
من سورة النمل
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ {6} إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ {7} فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {8} يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {9} وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ {10} إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ {11} وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ {12} فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ {13} وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {14}
من سورة القصص
بسم الله الرحمن الرحيم

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)
من هذين النصين تتبين طائفة من الاختلافات في التعبير أدوّن أظهرها:
القصص ........................................... النمل
آنس من جانب الطور نارا ... .....................إني آنست نارا
امكثوا ... .......................................ـــــــ
لعلي آتيكم منها بخبر ... ...........................سآتيكم منها بخبر
أو جذوة من النار ............................. أو آتيكم بشهاب قبس
فلما أتاها ......................................... فلما جاءها
نودي من شاطئ الواد الأيمن ..................... نودي أن بورك
ـ ... .....................................وسبحان الله رب العالمين
أن يا موسى ........................................... يا موسى
إلي أنا الله رب العالمين ......................... إنه أنا الله العزيز الحكيم
وأن ألق عصاك ..................................... وألق عصاك
يا موسى أقبل ولا تخف ............................ يا موسى لا تخف
إنك من الآمنين ............................. إني لا يخاف لدي المرسلون
ـــــ ... .................................إلا من ظلم
اسلك يدك ... .............................وأدخل يدك في جيبك
فذانك برهانان ................................... في تسعِ آيات
واضمم إليك جناحك ممن الرّهْب ... ....................ـ
إلى فرعون وملئه ............................... إلى فرعون وقومه

إن الذي أوردته من سورة النمل، هو كل ما ورد عن قصة موسى في السورة. وأما ما ذكرته من سورة القصص فهو جزء يسير من القصة، فقد وردت القصة مفصلة ابتداء من قبل أن يأتي موسى إلى الدنيا إلى ولادته، وإلقائه في اليم والتقاطه من آل فرعون، وإرضاعه ونشأته وقتله المصري وهربه من مصر إلى مدين، وزواجه وعودته بعد عشر سنين وإبلاغه بالرسالة من الله رب العالمين، وتأييده بالآيات، ودعوته فرعون إلى عبادة الله إلى غرق فرعون في اليم، وذلك من الآية الثانية إلى الآية الثالثة والأربعين.
فالقصة في سورة القصص إذن مفصلة مطولة، وفي سورة النمل موجزة مجملة. وهذا الأمر ظاهر في صياغة القصتين، واختيار التعبير لكل منهما.
هذا أمر، والأمر الثاني أن المقام في سورة النمل، مقامُ تكريم لموسى أوضح مما هو في القصص، ذلك أنه في سورة القصص، كان جو القصة مطبوعا بطابع الخوف الذي يسيطر على موسى عليه السلام، بل إن جو الخوف كان مقترنا بولادة موسى عليه السلام، فقد خافت أمه فرعونَ عليه، فقد قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي" القصص: 7، ويستبد بها الخوف أكثر حتى يصفها رب العزة بقوله: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا" القصص:10
ثم ينتقل الخوف إلى موسى عليه السلام، ويساوره وذلك بعد قتله المصري: "فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 18". فنصحه أحدُ الناصحين بالهرب من مصر لأنه مهدد بالقتل: "فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 21" ، وطلب من ربه أن ينجيه من بطش الظالمين: "قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 21" . فهرب إلى مدين وهناك اتصل برجل صالح فيها، وقص عليه القصص فطمأنه قائلا: " لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 25"

وهذا الطابع ـ أعني طابع الخوف ـ يبقى ملازما للقصة إلى أواخرها، بل حتى إنه لما كلفه ربه بالذهاب إلى فرعون راجعه وقال له: إنه خائف على نفسه من القتل: "قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ 33"، وطلب أخاه ظهيرا له يعينه ويصدقه لأنه يخاف أن يكذبوه: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ 34"
في حين ليس الأمر كذلك في قصة النمل، فإنها ليس فيها ذكر للخوف إلا في مقام إلقاء العصا.
فاقتضى أن يكون التعبير مناسبا للمقام الذي ورد فيه. وإليك إيضاح ذلك:
? قال تعالى في سورة النمل: " إِنِّي آنَسْتُ نَاراً " وقال في سورة القصص: "آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً"
فزاد : " مِنْ جَانِبِ الطُّورِ" وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.
? قال في سورة النمل: "إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً" وقال في سورة القصص: " قَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً" بزيادة "امْكُثُوا". وهذه الزيادة نظيرة ما ذكرناه آنفا، أعني مناسبة لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة بخلاف القصة في النمل المبنية على الإيجاز.
? قال في النمل: " سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ". وقال في القصص: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ". فبنى الكلام في النمل على القطع "سَآتيكُم" وفي القصص على الترجي "لعَلّي آتيكُمْ". وذلك أن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الآمن. ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن ما ذكره في النمل هو المناسب لمقام التكريم لموسى بخلاف ما في القصص.

ومن ناحية ثالثة، ؟إن كل تعبير مناسبٌ لجو السورة الذي وردت فيه القصة، ذلك أن الترجي من سمات سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل. فقد جاء في سورة القصص قوله تعالى: "عَسى أن ينْفَعَنا أوْ نَتّخِذَهُ وَلَدا" وهو ترَجٍّ. وقال: ""عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَني سَوَاءَ السّبيلِ" وهو ترجٍّ أيضا. وقال: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ" وقال "لَعَلّكُم تَصْطَلونَ"، وقال: "لَعَلّي أَطّلِعُ إلى إِلَهِ موسَى"، وقال: "لَعَلّهُمْ يَتَذكّرونَ " ثلاث مرات في الآيات 43، 46، 51، وقال: "فَعَسَى أَنْ يَكونَ مِنَ المُفْلِحينَ"، وقال: "ولَعَلّكُم تَشكُرونَ 73"وهذا كله ترجّ. وذلك في عشرة مواطن في حين لم يرد الترجي في سورة النمل، إلا في موطنين وهما قوله: "لَعَلّكُمْ تَصْطَلونَ"، وقوله: "لَعَلّكُمْ تُرْحَمونَ"
وقد تردد القطع واليقين في سورة النمل، من ذلك قوله تعالى على لسان الهدهد: "أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ"النمل:22 ، وقوله على لسان العفريت لسيدنا سليمان: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ" النمل: 39 وقوله على لسان الذي عنده علم من الكتاب: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ " النمل:40
فانظر كيف ناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في النمل.
ثم انظر بعد ذلك قوله تعالى في القصة: "سَآتيكُمْ مِنْها بِخَبَر" ومناسبته لقوله تعالى في آخر السورة: "الْحَمْدُ لِلّه سَيُريكُمْ آيَلتِهِ فَتَعْرِفوَها 93" وانظر مناسبة "سَآتيكُمْ" لـ "سَيُرِيَكُمْ".
وبعد كل ذلك، انظر كيف تم وضع كل تعبير في موطنه اللائق به.
? كرّر فعل الإتيان في النمل، فقال: "سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ"، ولم يكرره في القصص، بل قال: "لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ"

فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرة. (انظر الآيات: 7 مرتين، 18، 21، 28، 37، 38، 39، 40، 54، 55، 87)
وتكرر في القصص ست مرات (انظر الآيات 29، 30، 46، 49، 71، 72) فناسب تكرار (آتيكم) في النمل من كل وجه.
? وقال في سورة النمل: " أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ" وقال في القصص: " نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ"
فذكر في سورة النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس، والشهاب: هو شعلة من النار ساطعة. (انظر لسان العرب (شهب) 1 / 491 ، القاموس المحيط (شهب) 1 / 91)
ومعنى (القَبَس) شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس يقال: قبس يقبس منه نارا، أي: أخذ منه نارا، وقبس العلمَ استفاده (انظر القاموس المحيط (قبس) 2 / 238 )
وأما (الجذوة) فهي الجمرة أو القبسة من النار (انظر القاموس المحيط (جذا) 4 / 311) وقيل: هي ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب، وفي معناه ما قيل: هي عود فيه نار بلا لهب. (انظر روح المعاني 20 / 72)
والمجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيه من اللهب الساطع، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضا. فهو أحسن من الجذوة في الاستضاءة والدفء.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ذكر أنه سيأتي بالشهاب مقبوساً من النار ، وليس مختَلَسا أو محمولا منها، لأن الشهاب يكون مقبوساً وغير مقبوس (انظر البحر المحيط 7 / 55) ، وهذا أدل على القوة وثبات الجنان، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار، ويقبس منها شعلة نار ساطعة.
أما في القصص فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار، ولم يقل إنه سيقبسها منها.

والجذوة قد تكون قبسا وغير قبس، ولا شك أن الحالة الأولى أكمل وأتم لما فيها من زيادة نفع الشهاب على الجذوة، ولما فيها من الدلالة على الثبات وقوة الجنان.
وقد وضع كل تعبير في موطنه اللائق به، ففي موطن الخوف ذكر الجمرة ، وفي غير موطن الخوف ذكر الشهاب والقبس.
? قال في سورة النمل: "فَلَمّا جاءَهَا نُودِيَ" وقال في سورة القصص: "فَلَمّا أَتاها نُودِيَ"
فما الفرق بينهما؟
قال الراغب الأصفهاني مفرقا بين الإتيان والمجيء: الإتيان مجيءٌ بسهولة، ومنه قيل للسيلِ المارّ على وجهه أتي" (المفردات في غريب القرآن 6). وقال: "المجيء كالإتيان، لكن المجيء أعم، لأن الإتيان مجيء بسهولة" (المفردات 102)
ولم يذكر أهل المعجمات ما ذكره الراغب، وإنما هم يفسرون واحدا بالآخر، فيفسرون جاء بأتى، وأتى بجاء، غير أنهم يذكرون في بعض تصريفات (أتى) ما يدل على السهولة، فيقولون مثلا في تفسير الطريق الميتاء من (أتى) "طريق مسلوك يسلكه كل أحد" وذلك لسهولته ويسره. ويقولون : "كل سيل سهلته الماء أتيّ" و "أتّوا جداولها: سهلوا طرق المياه إليها" يقال: (أتّيت الماء) إذا أصلحت مجراه حتى يجري إلى مقارّه .. ويقال: أتّيت للسيل، فأنا أؤتّيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضع ليخرج إليه .. وأتّيت الماء تأتيةً وتأتياً، أي: سهلت سبيله ليخرج إلى موضع"( لسان العرب (أتى) 18 / 14)
والذي استبان لي أن القرآن الكريم يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة، أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى) فهو يقول مثلا: "فَإذا جَاءَ أَمْرُنا وَفارَ التّنّورُ 27 " المؤمنون، وذلك لأن هذا المجيء فيه مشقة وشدة. وقال: "وجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالحَقّ 19" ق. وقال: "لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرَا 71" الكهف. وقال: "لقَدْ جِئْتَ شِيْئا نُكْرا 74" الكهف.

وقال: "قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً 27" مريم. وقال: "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً" مريم .
وقال: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً" الإسراء :81.
وقال: "فَإذا جاءَت الصّاخّة. يَوْمَ يَفِرّ المَرْءُ من أخيهِ" عبس. وقال: "فإذا جاءَت الطّامّةُ الكُبْرَى" النازعات.
وهذا كله مما فيه صعوبة ومشقة.
وقد تقول: وقد قال أيضا: "هَلْ أَتاكَ حَديثُ الغَاشِيَة" والجواب: أن الذي جاء هنا هو الحديث وليس الغاشية في حين ن الذي جاء هناك هو الطامة والصاخة ونحوهما مما ذكر
ويتضح الاختلاف بينهما في الآيات المتشابهة التي يختلف فيها الفعلان، وذلك نحو قوله تعالى: "أَتَى أَمْرُ الله" النحل، وقوله: "فَإذا جاءَ أَمْرُ اللهِ" غافر، ونحو قوله: "جاءَهُمْ نَصْرُنا" يوسف، و"أَتاهُمْ نَصْرُنا" الأنعام، ونحو قوله: "لجاءَهُمُ العَذابُ" العنكبوت، و"وأَتاهُمُ العَذابُ" النحل، وما إلى ذلك.
فإنه يتضح الفرق في اختيار أحدهما على الآخر، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: "أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 1"النحل. وقال: "فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ 78" غافر. فقد قال في النحل: "أَتَى أَمْرُ اللهِ"، وقال في غافر: "جاءَ أَمْرُ اللهِ"، وبأدنى نظر يتضح الفرق بين التعبيرين، فإن المجيء الثاني أشق وأصعب لما فيه من قضاء وخسران، في حين لم يزد في الآية الأولى على الإتيان. فاختار لما هو أصعب وأشق (جاء) ولما هو أيسر (أتى).

ونحو ذلك قوله تعالى: "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ110" يوسف
وقوله: "وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ34" الأنعام
فقال في آية يوسف "جاءَهُمْ نَصْرُنا" وفي آية الأنعام: "أتاهُمْ نَصْرُنا" ومن الواضح أن الحالة الأولى أشق وأصعب، وذلك أن الرسل بلغوا درجة الاستيئاس وهي أبعد وأبلغ، وذهب به الظن إلى أنهم كُذبوا، أي: أن الله سبحانه وتعالى كذبهم ولم يصدقهم فيما وعدهم به، وهذا أبلغ درجات اليأس وأبعدها، وعند ذاك جاءهم نصره سبحانه فنجّي من شاء وعوقب المجرمون.
في يحن ذكر في الآية الأخرى أنهم كُذّبوا، أي: كذّبهم الكافرون، وأوذوا فصبروا. وفرق بعيد بين الحالتين، فلقد يُكذّب الرسل وأتباعهم ويُؤذَون، ولكن الوصول إلى درجة اليأس والظن بالله الظنون البعيدة أمرٌ كبير.
ثم انظر إلى خاتمة الآيتين تر الفرق واضحا، فما ذكره من نجاة المؤمنين ونزول اليأس على الكافرين في آية يوسف مما لا تجده في آ]ة الأنعام يدلك على الفرق بينهما.
ومن ذلك قوله تعالى: "كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ . فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" الزمر:25 ـ 26

وقوله: "قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ. النحل 26 ـ27
فقال في الآيتين: "وأتاهُمُ العَذابُ" في حين قال: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ. يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" العنكبوت:53 ـ 54 ـ55
فقال: "فَجاءَهُمُ العَذابُ" وذلك أن الآيتين الأوليين في عذاب الدنيا بدليل قوله في آية النحل: "ثُمّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخزيهِم.." وقوله في آية الزمر: " فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" في حين أن آية العنكبوت في عذاب الآخرة، وحتى لو كانت في عذاب الدنيا فإن ما ذُكر فيها من العذاب أشق وأشد مما في الآيتين الأخريين بدليل قوله: "وإنَّ جَهَنّم لَمُحيطَةٌ بالكافِرينَ" وقوله: "يَوْمَ يَغشاهُمُ العَذابُ مِنْ فَوْقِهِم ومِنْ تَحْتِ أرْجُلِهم.." فجاء لما هو أشق وأشد بالفعل (جاء) ولما هو أيسر بـ (أتى).
وقد تقول: ولكنه قال: "ولَيَأتِيَنّهُم بَغْتةً" فاستعمل مضارع (أتى).

والجواب: أن القرآن لم يستعمل مضارعا للفعل (جاء) .. ولذلك كل ما كان من هذا المعنى مضارعا، استعمل له مضارع (أتى) فلا يدخل المضارع في الموازنة، وسيأتي بيان ذلك.
ومن ذلك قوله تعالى: "أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" التوبة: 70 ـ 71
فقال: " أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" وهو الموطن الوحيد الذي جاء فيه نحو هذا التعبير في القرآن الكريم في حين قال في المواطن الأخرى كلها: "جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ"
ولو نظرت في هذه التعبيرات، ودققت فيها لوجدت أن كل التعبيرات التي جاءت بالفعل (جاء) أشق وأصعب مما جاء بـ (أتى)، وإليك بيان ذلك.
قال تعالى: " تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ. وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ. ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" الأعراف:101 ـ 102 ـ 103

فانظر كيف قال في آية التوبة: "أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ." ولم يذكر أنهم كفروا أو عوقبوا، في حين قال في آيات الأعراف: "فَما كانُ,ا لِيؤْمِنوا بِمَا كذّبُوا مِن ْ قَبْل" فذكر عدم إيمانهم، وأنهم طُبع على قلوبهم: " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ"، وذكر أنه وجد أكثرهم فاسقين، وأنه لم يجد لأكثرهم عهدا، وذكر بعد ذلك ظلم فرعون وقومه لموسى وتكذيبهم بآيات الله وعاقبتهم.
فانظر موقف الأمم من الرسل في الحالتين وانظر استعمال كل من الفعلين جاء وأتى، يتبين لك الفرق واضحا بينهما.
ومنه قوله تعالى: " وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 13" يونس
فقال: "وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيّنات" وذلك أنه ذكر إهلاك القرون لظلمهم وذكر تكذيبهم وعدم إيمانهم وذكر جزاء المجرمين.
وقال: "أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 9" إبراهيم ، إلى أن يقول: "وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. "إبراهيم : 12 ـ 13

ويمضي في وصف عذاب الكفرة عذابا غليظا: "مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ. يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ" إبراهيم: 17
فقال أيضا: "وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهمْ بالبينات"، وأنا في غنى عن أبين موقف الأمم من رسلهم، وكفرهم بما أرسلوا به، وتهديدهم لهم بإخراجهم من الأرض، وعن ذكر عذاب الكافرين في الدنيا بإهلاكهم وفي الآخرة بما وصفه أفظع الوصف.
فانظر إتيانه بالفعل (جاء) وقارنه بالفعل (أتى) في آية التوبة يتضح الفرق بين استعمال الفعلين.
ومن ذلك قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ9 ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ" الروم:10
فذكر عاقبة الذين أساؤوا، وأنها السوأى تأنيث الأسوأ، أي: أسوأ الحالات على الإطلاق، وذكر تكذيب الأمم لرسلهم واستهزاءهم بهم، في حين لم يصرح في آية التوبة بتكذيب ولا استهزاء، ولم يذكر لهم عاقبة ما.
ومن ذلك قوله تعالى: "وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ25 ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 26" فاطر
فذكر تكذيب الأمم السابقة لرسلهم بعد أن جاؤوهم بكل ما يدعو إلى الإيمان من البينات والزبر والكتاب المنير، وذكر أخذَه لهم وعلّق على ذلك بقوله: "فَكَيْفَ كان نَكيرِ"

ومن ذلك قوله تعالى: " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ"غافر:82 إلى 85
فقال: "جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيّناتِ" ثم ذكر أن أممهم استهزؤوا برسلهم وبقوا على شركهم حتى رأوا بأس الله ينزل بهم. فلم ينفعهم إيمانهم بعد فوات الأوان.
قارن هذه الآيات التي وردت بالفعل (جاء) بالآية التي وردت بالفعل (أتى) وهي آية التوبة، يتبين الفرق بين استعمال الفعلين: جاء وأتى.
وقد تقول: ولكن ورد في القرآن (أتتكم الساعة) و (جاءتهم الساعة) والساعة واحدة فما الفرق؟
وأقول ابتداء أنه لا يصح اقتطاع جزء من الآية للاستدلال، بل ينبغي النظرُ في الآية كلها وفي السياق أيضا ليصحّ الاستدلالُ والحكم.
وإليك الآيتين اللتين فيهما ذِكرُ الساعة:
قال تعالى: " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ 31" الأنعام

وقال: "قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ 41" الأنعام
فقال في الآية الأولى: "جاءَتْهُم السّاعَةُ" وقال في الثانية: "أَتَتْكُم السّاعَةُ"
وبأدنى تأمل يتضح الفرق بين المقامين. فإن الأولى في الآخرة وفي الذين كذبوا باليوم الآخر، وهم نادمون متحسرون على ما فرطوا في الدنيا، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. وتوضحه الآية قبلها وهي قوله تعالى: " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ30 قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا.. "الأنعام ، في حين أن الثانية في الدنيا بدليل قوله: "أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" وقوله: "بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ " فذكر أنه يكشف ما يدعون إليه إن شاء، وهذا في الدنيا، وإلا فإن الله لا يكشف عن المشركين شيئا في الآخرة ولا يستجيب لهم البتة.
فالموقف الأول أشق وأشد مما في الثانية، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) بخلاف الآية الثانية.
فاتضح أن القرآن إنما يستعمل (جاء) لما هو أصعب وأشق. ويستعمل (أتى) لما هو أخف وأيسر.
ولعل من أسباب ذلك أن الفعل (جاء) أثقل من (أتى) في اللفظ بدليل أنه لم يرد في القرآن فعل مضارع لـ (جاء) ولا أمر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول، ولم يرد إلا الماضي وحده بخلاف (أتى) الذي وردت كل تصريفاته، فقد ورد منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول. فناسب بين ثقل اللفظ وثقل الموقف في (جاء)، وخفة اللفظ وخفة الموقف في (أتى) والله أعلم.

ونعود إلى ما نحن فيه من قصة موسى عليه السلام، فقد قال في سورة النمل: "فلما جاءها" وقال في سورة القصص: "فَلمّا أتاها" ذلك أن ما قطعه موسى على نفسه في النمل أصعب مما في القصص، فقد قطع في النمل على نفسه أن يأتيهم بخبر أو شهاب قبس، في حين ترجى ذلك في القصص. والقطع أشق وأصعب من الترجي. وأنه قطع في النمل، أن يأتيهم بشهاب قبس ، أي: بشعلة من النار ساطعة مقبوسة من النار التي رآها في حين أنه ترجّى في القصص أن يأتيهم بجمرة من النار، والأولى أصعب. ثم إن المهمة التي ستوكل إليه في النمل أصعب وأشق مما في القصص، فإنه طلب إليه في القصص أن يبلغ فرعون وملأه. وتبليغ القوم أوسع وأصعب من تبليغ الملأ، ذلك أن دائرة الملأ ضيقة، وهم المحيطون بفرعون في حين أن دائرة القوم واسعة، لأنهم منتشرون في المدن والقرى، وأن التعامل مع هذه الدائرة الواسعة من الناس صعب شاق، فإنهم مختلفون في الأمزجة والاستجابة والتصرف، فما في النمل أشق وأصعب، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) الذي هو أخف. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة طه: "فلما أتاها نُودِيِ يا موسى" ذلك لأنه أمره بالذهاب إلى فرعون ولم يذكر معه أحدا آخر: "اذهب إلى فرعون إنه طغى 24 قال رب اشرَحْ لي صَدْري 25 ويسّر لي أمري 26"
فانظر كيف لما أرسله إلى فرعون قال: "أتاها"، ولما أرسله إلى فرعون وملئه قال (أتاها) أيضا في حين لما أرسله إلى فرعون وقومه قال: "جاءها" وأنت ترى الفرق بين الموطنين ظاهرا.
? ذكر في القصص جهة النداء فقال: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ " ولم يذكر الجهة في النمل، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل، وموطن النمل موطن إيجاز كما ذكرت.

? قال في النمل: " نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ولم يذكر مثل ذلك في القصص، بل ذكر جهة النداء فقط، وذلك لأن الموقف في النمل موقف تعظيم كما أسلفنا وهذا القول تعظيم لله رب العالمين.
? قال في النمل "يا موسَى" وقال في القصص: "أَنْ يا موسَى" فجاء بـ (أن) المفسرة في القصص، ولم يأت بها في النمل، وذلك لأكثر من سبب:
منها أن المقام في النمل مقام تعظيم لله سبحانه، وتكريم لموسى كما ذكرنا فشرفه بالنداء المباشر في حين ليس المقام كذلك في القصص، فجاء بما يفسر الكلام، أي: ناديناه بنحو هذا، أو بما هذا معناه، فهناك فرق بين قولك: (أشرت إليه أن اذهب) و (قلت له اذهب) فالأول معناه: أشرت إليه بالذهاب، بأيّ لفظ أو دلالة تدل على هذا المعنى. وأما الثاني فقد قلت له هذا القول نصا، ومثله قوله تعالى: "وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 105"الصافات
أي: بما هذا تفسيره أو بما هذا معناه بخلاف قوله: "قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ" هود
ومنها أن المقام في سورة القصص مقام تبسّط وتفصيل فجاء بـ (أن) زيادة في التبسط.
ومنها أن ثقل التكليف في النمل يستدعي المباشرة في النداء، ذلك أن الموقف يختلف بحسب المهمة وقوة التكليف كما هو معلوم.
? قال في النمل: "إنّهُ أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ"، وقال في سورة القصص: "إِنّي أَنا اللهُ رَبُّ العالَمينَ"
فجاء بضمير الشأن الدال على التعظيم في آية النمل: "إِنّه أنا" ولم يأت به في القصص، ثم جاء باسميه الكريمين "العَزيزُ الحَكيم" في النمل زيادة في التعظيم.

ثم انظر إلى اختيار هذين الاسمين وتناسبهما مع مقام ثقل التكليف، فإن فرعون حاكم متجبر يرتدي رداء العزّة، ألا ترى كيف أقسم السحرة بعزته قائلين: "بِعِزّةِ فِرعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغَالِبونَ 44" الشعراء. فاختار من بين أسمائه (العزيز) معرفا بالألف واللام للدلالة على أنه هو العزيز ولا عزيز سواه، و(الحكيم) للدلالة على أنه لا حاكم ولا ذا حكمة سواه، فهو المتصف بهذين الوصفين على جهة الكمال حصرا. وفي تعريف هذين الاسمين بالألف واللام من الدلالة على الكمال والحصر ما لا يخفى ما لو قال (عزيز حكيم) فإنه قد يشاركه فيهما آخرون.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف أنه لما قال: "أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ" لم يذكر أن موسى سأل ربه أن يعزّزه ويقويه بأخيه، ولما لم يقل ذلك ذكر أنه سأل ربه أن يكون له ردءا، يصدقه ويقويه وهو أخوه هارون.
وقد تقول: ولكنه قال في القصص "إنّي أنا اللهُ ربّ العالمينَ" وفي ذلك من التعظيم ما لا يخفى
ونقول: وقد قال ذلك أيضا في النمل، فقد قال: "وسبحان الله ربّ العالمين" وزاد عليه: "إنّهُ أنا الله العَزيزُ الحَكيمُ" فاتضح الفرق بين المقامين.
وقد تقول: ولم قال في سورة طه: "إنّي أَنا ربّك فاخلعْ نَعلَيْكُ" بذكر ربوبيته له خصوصا، ولم يقل كما قال في سورتي النمل والقصص "ربّ العالمين"؟
والجواب: أنه في سورة طه كان الخطاب والتوجيه لموسى عليه السلام أولا فعلمه وأرشده فقال له: " إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 14 إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى 15" طه، فطلب منه العبادة وإقامة الصلاة .
وقال بعد ذلك: "لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنا الكُبْرى 23" طه، ثم ذكر منته عليه مرة أخرى فقال: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى37 إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى 38" طه .

ويمضي في ذكر منته عليه ولم يرد مثل ذلك في النمل، ولا في القصص. فإنه لم يذكر توجيها له أو إرشادا لعبادته في النمل، ولا في القصص فلم يأمره بعبادة أو صلاة أو تكليف خاص بشأنه. ثم إنه في سورة القصص وإن كان قد فصّل في ذكر ولادته ونشأته وما إلى ذلك فقد ذكرها في حالة الغيبة لا في حالة الخطاب: "وأوحينا إلى أمّ موسَى أَنْ أَرْضِعيهِ" "إنْ كادَتْ لَتُبدي به .. فرددناه إلى أمه .. ولمّا بلَغَ أشُدّه .. ودَخَل المَدينةَ .. "
في حين كان الكلام في سورة طه بصورة الخطاب. فناسب أن يقول له في طه: "أنا ربّك" بخلاف ما في النمل والقصص، والله أعلم.
? قال في النمل: "وَأَلْقِ عَصاكَ" وقال في القصص: "وأنْ ألْقِ عَصاكَ"
فجاء بـ (أن) المفسرة أو المصدرية. ونظيره ما مر في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى)
فقوله: "وأَلْقِ عَصاك" قول مباشر من رب العزة، وهو دال على التكريم.
وأما قوله: "وأنْ ألْقِ عَصاك" فإنه معناه أنه ناداه بما تفسيره هذا أو بما معناه هذا. فأنت إذا قلت: (ناديته أن اذهب) كان المعنى ناديته بالذهاب. فقد يكون النداء بها اللفظ أو بغيره بخلاف قولك: (ناديته اذهب)، أي: قلت له اذهب.
وهو نحو ما ذكرناه في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى) من أسباب ودواعٍ فلا داعي لتكرارها.
? قال في النمل: "يا موسَى لا تَخَفْ" وقال في القصص: "يا موسَى أقْبِلْ وَلا تَخَفْ"
بزيادة (أقبل) على ما في النمل، وذلك له أ:ثر من سبب.
منها : أن مقام الإيجاز في النمل يستدعي عدم الإطالة بخلاف مقام التفصيل في القصص.
ومنها أن شيوع جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف.
فوضع كل تعبير في مكانه الذي هو أليق به.
? قال في النمل: "إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلونَ" وقال في القصص: "إنّكَ مِنَ الآمِنينَ"
ذلك أن المقام في سورة القصص مقام الخوف، والخائف يحتاج إلى الأمن فأمنه قائلا: "إنّكَ مِنَ الآمِنينَ"

أما في سورة النمل فالمقام مقام التكريم والتشريف، فقال: "إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرسَلونَ" فألمح بذلك إلى نه منهم، وهذا تكريم وتشريف. ثم انظر كيف قال (لَدَيّ) مشعرا بالقرب، وهو زيادة في التكريم والتشريف.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف أنه لما قال في سورة النمل: "لَدَيّ" المفيدة للقرب ناداه بما يفيد القرب فقال: "يا موسى" ولم يقل: "أنْ يا موسى" كما قال في القصص، ففصل بين المنادي والمنادَى بما يفيد البعد. وأمره أيضا بما يفيد القرب بلا فاصل بينهما فقال: "وألقِ عَصاكَ" ولم يقل: "وأنْ ألقِ عَصاكَ" للدلالة على قرب المأمور منه. فناداه من قرب وأمرَه من قرب، وذلك لأنه كان منه قريبا، فانظر علو هذا التعبير ورفعته.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: "إنّي لا يَخافُ لَديّ المُرسَلونَ" ولم يقل: (إني لا يخاف مني المرسلون) لأن المرسلين لا يخافون بحضرته، ولكنهم يخشونه ويخافونه كل الخوف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أخشاكم لله) فهو أخوف الناس منه، وأخشاهم له.
? قال في النمل: "إلّا منْ ظَلَمَ ثمّ بَدّلَ حُسنا بَعدَ سوء فإنّي غَفورٌ رحيمٌ" ولم يقل مثل ذلك في القصص، لأنه لا يحسن أن يقال: (إنك من الآمنين إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء) ولو قال هذا لم يكن كلاما.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ناسب ذلك قول ملكة سبأ: "ربّ إني ظلَمْتُ نَفسي وأسْلَمْتُ مَع سُلَيمانَ لله ربّ العَالمينَ" النمل، فإنها ظلمت نفسها بكفرها وسجودها للشمس منجون الله، ثم بدلت حسنا بعد سوء، فأسلمت لله رب العالمين فلاءم هذا التعبير موطنه من كل ناحية.
وقد تقول: لقد ورد مثل هذا التعبير في سورة القصص أيضا وهو قوله تعالى: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 16" القصص

والحق أن المقامين مختلفان، فإن القول في سورة القصص هو قول موسى عليه السلام حين قتل المصري، وموسى لم يكن كافرا بالله، بل هو مؤمن بالله تعالى، ألا ترى إلى قوله منيبا إلى ربه بعدما فعل فعلته: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي" وقوله حين فر من مصر: "رَبّ نَجّني مِنَ القَوْمِ الظالِمينَ" وقوله: "قال عَسى ربي أن يَهْدِيَني سَواء السّبيل"
فإن موسى لم يبدل حسنا بعد سوء، ذلك انه عليه السلام لم يكن سيئا بخلاف ملكة سبأ، فإنها كانت مشركة، وقد بدلت حسنا بعد سوء. فما جاء من قوله: "إلّا من ظَلَمَ ثُمّ بَدّل حُسنا بَعدَ سوء.. " أكثر ملاءمة للموضع الذي ورد فيه من كل ناحية.
? قال في النمل: "وَأدخِلْ يَدَكَ في جَيْبِك" وقال في القصص: "اسْلُك يَدَكَ في جَيْبِك"
لقد استعمل في سورة القصص أمر الفعل (سلك) الذي يستعمل كثيرا في سلوك السبل فيقال: سلك الطريق والمكان سلكا، قال تعالى: "والله جَعَلَ لَكُم الأرْضَ بِساطا 19 لتَسْلُكوا مِنها سُبُلا فِجاجا 20" نوح، ذلك لأنه تردد سلوك الأمكنة والسبل في قصة موسى في القصص، بخلاف ما ورد في النمل. فقد ورد فيها، أي: في سورة القصص سلوك الصندوق بموسى وهو ملقى في اليم إلى قصر فرعون، وسلوك أخته وهي تقص أثره. وسلوك موسى الطريق إلى مدين بعد فراره من مصر، وسلوكه السبيل إلى العبد الصالح في مدي، وسير موسى بأهله وسلوكه الطريقَ إلى مصر، حتى إنه لم يذكر في النمل سيرَه بأهله بعد قضاء الأجل بل إنه طوى كل ذكر للسير والسلوك في القصة فقال مبتدئا: "إذْ قالَ موسَى لأهْلِهِ إنّي آنَسْتُ نارا سآتيكُمْ مِنها بِخَبر" بخلاف ما ورد في القصص، فإنه قال: "فلمّا قّضى موسى الأجَلَ وسارَ بأهلِهِ آنَسَ منْ جانِبِ الطورِ نارا" فحسن ذكر السلوك في القصص دون النمل.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الفعل (دخل) ومشتقاته تكرر خمس مرات ( انظر الآيات 12، 18، 19، 34، 44 ) في النمل في حين لم يرد هذا الفعل ولا شيء من مشتقاته في القصص، فناسب ذكره في النمل دون القصص.
ومن ناحية أخرى إن الإدخال أخص من السَّلك أو السلوك اللذين هما مصدر الفعل سلك، لأن السَّلك أو السلوك قد يكون إدخالا وغير إدخال، تقول: سلكت الطريق وسلكت المكان، أي: سرت فيه، وتقول: سلكت الخيط في المخيط، أي: أدخلته فيه. فالإدخال أخص وأشق من السلك والسلوك. فإن السَّلك قد يكون سهلا ميسورا، قال تعالى في النحل: "فاسْلُكي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً 69" فانظر كيف قال (ذللا) ليدلل على سهولته ويسره، وقال: "ألمْ تَرَ أنّ الله أنْزَلَ مِن السّماءِ ماء فَسَلَكَهُ ينابِيعَ في الأَرْضِ 21" الزمر. وهل هناك أيسر من سلوك الماء في الأرض وغوره فيها؟
فناسب وضع السلوك في موطن السهولة واليسر، ووضع الإدخال في موطن المشقة والتكليف الصعب. لقد ناسب الإدخال أن يوضع مع قوله: "سآتيكُمْ مِنها بِخَبَرٍ" وقوله: "فَلَمّا جاءَها" ومهمة التبليغ إلى فرعون وقومه.
وناسب أن يوضع السلوك في مقام الخوف، وأن يوضع لإدخال في مقام الأمن والثقة.
وناسب أن يوضع الإدخال وهو أخص من السلوك مع (الشهاب القبس) الذي هو أخص من الجذوة، وأن يوضع السلوك وهو أعم من الإدخال مع الجذوة من النار التي هي أعم من الشهاب القبس. فكل لفظة وضعت في مكانها الملائم لها تماما
? قال في القصص: "واضْمُم إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرّهْب" ولم يذكر مثل ذلك في النمل. و(الرهب) هو الخوف ، وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في القصة، ومناسب لجو التفصيل فيها بخلاف ما في النمل.
? قال في النمل: "في تِسْعِ آياتٍ" وقال في القصص: "فَذانِكَ بُرهانانِ"

فقد أعطاه في النمل تسع آيات إلى فرعون، وذكر في القصص برهانين، وذلك لما كان المقام في النمل مقامَ ثقة وقوة وسّع المهمة، فجعلهما إلى فرعون وقومه، ووسّع الآيات فجعلها تسعا، ولما كان المقام مقام خوف في القصص، ضيّق المهمة وقلل من ذكر الآيات. وكل تعبير وضع في مكانه المناسب.
ثم إن استعمال كلمة (الآيات) في النمل مناسب لما تردد من ذكر للآيات والآية في السورة فقد تردد ذكرُهما فيها عشر مرات، في حين تردد في القصص ست مرات. فناسب وضع (الآيات) في النمل ووضع البرهان في القصص الذي تردد فيها مرتين، في حين ورد في النمل مرة واحدة، فناسب كل تعبير مكانه.
? قال في النمل: "إلَى فِرْعَوْنَ وَقوْمِهِ" وقال في القصص: "إلى فِرْعَوْنَ ومَلئِهِ"
فوسع دائرة التبليغ في النمل كما ذكرنا، وذلك مناسب لجو التكريم في القصة، ومناسب لثقة موسى بنفسه التي أوضحتها القصة. ولما وسّع دائرة التبليغ وسّع الآيات التي أعطيها، بخلاف ما ورد في القصص
? قال في النمل: "فلَمّا جاءَتْهُم آياتُنا مُبْصِرَة ً قالوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ"
ومعنى ذلك أن موسى قبل المهمة ونفذها من دون ذكر لتردد أو مراجعة، وهو المناسب لمقام القوة والثقة والتكريم، في حين قال في القصص: "قال ربّ إني قتلت منهم نفسا فأخافُ أن يَقتُلونِ"، فذكر مراجعته لربه وخوفه على نفسه من القتل، وهو المناسب لجو الخوف في السورة ولجو التبسط والتفصيل في الكلام. وكل تعبير مناسب لموطنه الذي ورد فيه كما هو ظاهر. والله أعلم

لمسات في وصية لقمان لابنه
لمحات قرآنية تربوية (نظرات بيانية في وصية لقمان لابنه)
تبدأ الوصية من قوله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ( 19))
تلك هي الوصية وقد بدأت بذكر إتيان لقمان الحكمة
"وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" 12
الحكمة

والحكمة هي وضع الشيء في محله قولا وعملا، أو هي توفيق العلم بالعمل، فلا بد من الأمرين معا: القول والعمل، فمن أحسن القول ولم يحسن العمل فليس بحكيم، ومن أحسن العمل ولم يحسن القول فليس بحكيم.فالحكمة لها جانبان: جانب يتعلق بالقول، وجانب يتعلق بالعمل. والحكمة خير كثير كما قال الله تعالى: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" البقرة 269
الله تعالى مؤتي الحكمة ولذلك نلاحظ أنه تعالى قال: " وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ"
قال (آتينا) بإسناد الفعل إلى نفسه، ولم يقل: لقد أوتي لقمان الحكمة، بل نسب الإتيان لنفسه. والله تعالى في القرآن الكريم يسند الأمور إلى ذاته العلية في الأمور المهمة وأمور الخير، ولا ينسب الشر والسوء إلى نفسه ألبتة. قال تعالى: "وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً10" الجن
فعندما ذكر الشر بناه للمجهول، وعندما ذكر الخير ذكر الله تعالى نفسه.وهذا مطرد في القرآن الكريم، ونجده في نحو: "آتيناهم الكتاب" و "أوتوا الكتاب" فيقول الأولى في مقام الخير، وإن قال الثانية فهو في مقام السوء والذم. وقال تعالى: " وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً 83" الإسراء فعندما ذكر النعمة قال: (أنعمنا) بإسناد النعمة إلى نفسه تعالى. وعندما ذكر الشر قال: "وإذا مسه الشر" ولم يقل: إذا مسسناه بالشر.ولم ترد في القرآن مطلقا: زينا لهم سوء أعمالهم، وقد نجد: زينا لهم أعمالهم، بدون السوء، لأن الله تعالى لا ينسب السوء إلى نفسه، ولما كانت الحكمة خيرا محضا نسبها إلى نفسه
ـ إن قيل: فقد قال في موضع: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" البقرة 269

فالرد أنه عز وجل قد قال قبلها: "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" فنسب إتيان الحكمة إلى نفسه، ثم أعادها عامة بالفعل المبني للمجهول
مقام الشكر
- ( أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ) لها دلالتان:
الأولى : أن الحكمة لما كانت تفضلا ونعمة فعليه أن يشكر النعم، كما تقول: لقد آتاك الله نعمة فاشكره عليها. والله آتاه الحكمة فعليه أن يشكره لأن النعم ينبغي أن تقابل بالشكر لموليها. (آتاك نعمة الحكمة فاشكره عليها)
الثانية : أن من الحكمة أن تشكر ربك، فإذا شكرت ربك زادك من نعمه "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ 7)" إبراهيم ولو قال غير هذا ، مثلا (فاشكر لله) لكان فيه ضعف، ولم يؤد هذين المعنيين. وضعف المعنى يكون لأن الله تعالى آتاه النعمة "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ" فإن قال بعدها: (فاشكر لله ) فهذا أمر موجه لشخص آخر وهو الرسول، فيصير المعنى : آتى الله لقمان الحكمة فاشكر أنت!! كيف يكون؟ المفروض أن من أوتي الحكمة يشكر ولذلك قال: "أن اشكر لله" فجاء بأن التفسيرية ولو قال أي تعبير آخر لم يؤد هذا المعنى.
الشكر والكفر
( وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ 12)
"يشكر" قال الشكر بلفظ المضارع ، والكفران قاله بالفعل الماضي "ومن كفر" من الناحية النحوية الشرط يجعل الماضي استقبالا ، مثال (إذا جاء نصر الله)، فكلاهما استقبال. ويبقى السؤال : لماذا اختلف زمن الفعلين فكان الشكر بالمضارع والكفر بالمشي على أن الدلالة هي للاستقبال؟
من تتبعنا للتعبير القرآني وجدنا أنه إذا جاء بعد أداة الشرط بالفعل الماضي فذلك الفعل يُفعل مرة واحدة أو قليلا، وما جاء بالفعل المضارع يتكرر فعله

مثال: " وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا92" النساء وبعدها قال: "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا 93" النساء فعندما ذكر القتل الخطأ جاء بالفعل الماضي لأن هذا خطأ غير متعمد، إذن هو لا يتكرر وعندما جاء بالقتل العمد جاء بالفعل المضارع (ومن يقتل) لأنه ما دام يتعمد قتل المؤمن فكلما سنحت له الفرصة فعل. فجاء بالفعل المضارع الذي يدل على التكرار.
مثال آخر: "وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً 19" الإسراء ، فذكر الآخرة وجاء بالفعل الماضي لأن الآخرة واحدة وهي تراد. لكن عندما تحدث عن الدنيا قال: "وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ 145" آل عمران ، لأن إرادة الثواب تتكرر دائما.
كل عمل تفعله تريد الثواب، فهو إذن يتكرر والشيء المتكرر جاء به بالمضارع يشكر، فالشكر يتكرر لأن النعم لا تنتهي " وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ 34" إبراهيم .

فالشكر يتكرر، كلما أحدث لك نعمة وجب عليك أن تحدث له شكرا أما الكفر فهو أمر واحد حتى إن لم يتكرر، فإن كفر الإنسان بأمر ما فقد كفر، إن كفر بما يعتقد من الدين بالضرورة فقد كفر، لا ينبغي أن يكرر هذا الأمر لأنه إن أنكر شيئا من الدين بالضرورة واعتقد ذلك فقد كفر وانتهى ولا يحتاج إلى تكرار، أما الشكر فيحتاج إلى تكرار لأن النعم لا تنتهي. وفيه إشارة إلى أن الشكر ينبغي أن يتكرر وأن الكفر ينبغي أن يقطع، فخالف بينهما في التعبير فجاء بأحدهما في الزمن الحاضر الدال على التجدد والاستمرار وجاء بالآخر في الزمن الماضي الذي ينبغي أن ينتهي.
الله غني حميد
( فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ 12 )
جاء بإنما التي تفيد الحصر، أي الشكر لا يفيد إلا صاحبه ولا ينفع الله ولا يفيد إلا صاحبه حصرا أما الله فلا ينفعه شكر ولا تضره معصية
( يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر )
لذلك قال فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
جمع بين هاتين الصفتين الجليلتين الحميد أي المحمود على وجه الدوام والثبوت وهو تعالى غني محمود في غناه
- قد يكون الشخص غنيا غير محمود .
- أو محمودا غير غني .
- أو محمودا وهو ليس غنيا بعد، فإن اغتنى انقلب لأن المال قد يغير الأشخاص وقد يغير النفوس كما أن الفقر قد يغير النفوس .
- وقد يكون الشخص غنيا وغير محمود لأنه لا ينفع في غناه، ولا يؤدي حق الله عليه ولا يفيد الآخرين، بل قد يجر المصالح لنفسه على غناه .

- وقد يكون محمودا غير غني، ولو كان غنيا لما كان محمودا، فإن اجتمع الأمران فكان غنيا محمودا فذلك منتهى الكمال .
وفي آية أخرى في السورة نفسها قال: " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)
نقول: فلان غني أي هو من جملة الأغنياء، وقد يكون ملكا معه أغنياء فإذا قلت هو الغني فكأن الآخرين ليسوا شيئا بالنسبة إلى غناه وهو صاحب الغنى وحده.
فلماذا قال ها هنا فإن الله غني حميد وهناك في السورة نفسها هو الغني الحميد؟
نلاحظ أن في هذه الآية لم يذكر له ملكا ولا شيئا وهذا حتى في حياتنا اليومية نستعمله نقول أنا غني عنك كما قال الخليل:
أبلغ سليمان أني عنه في جو وفي غنى غير أني لست ذا مال
فقد تقول: أنا غني عنك، ولكن ليس بالضرورة أن تكون ذا ثروة ومال فهنا لم يذكر الله سبحانه لنفسه ملكا المعنى أن الله غني عن الشكر وعن الكفر لا ينفعه شكر ولا يضره كفر.
أما في الآية الأخرى فقد ذكر له ملكا " لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)
فعندما ذكر له ملك السموات والأرض المتسع ، فمن أغنى منه؟ فقال ( هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) .

أهمية الحكمة في الوعظ
( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 13 )
من هنا بدأت الوصية، فلماذا صدر بقوله: "ولقد آتينا.." وكان يمكن مثلا أن يحذفها؟
الحكمة لها جانبان : جانب قولي وجانب عملي، وحكمة لقمان ليست فيما ذكره من أحاديث وأقوال وما قاله لابنه من الوصية، وإنما أيضا في العمل الذي فعله وهو تعهده لابنه وعدم تركه بلا وعظ أو إرشاد، وفي هذا توجيه للآباء أن يتعهدوا أبناءهم ولا يتركوهم لمعلمي سوء ولا للطرقات.

وصدّر بالحكمة وهي ذات جانبين قولي وعملي لأمر آخر مهم، فعندما وصى ابنه فهل من الحكمة أن يوصي ابنه بشيء ويخالفه؟ هذا ليس من الحكمة ولو فعله فلن تنفع وصيته، لو خالف الوعظ عمل الواعظ والموجه لم تنفع الوصية بل لا بد أن يطبق ذلك على نفسه، فعندما قال آتينا لقمان الحكمة علمنا من هذا أن كل ما قاله لقمان لابنه فقد طبقه على نفسه أولا حتى يكون كلامه مؤثرا لذلك كان لهذا التصدير دور مهم في التربية والتوجيه.
ففي هذا القول ولقد آتينا لقمان الحكمة عدة دروس مهمة:
? الأول فيما قاله من الحكمة،
? الثاني في تعهده لابنه وتربيته وتعليمه وعدم تركه لأهل السوء والجهالة يفعلون في نفسه وعقله ما يشاء،
? الثالث قبل أن يعظ ابنه طبق ذلك على نفسه فرأى الابن في أبيه كل ما يقوله وينصحه به من خير ، لذلك كان لهذا التصدير ملمح تربوي مهم وهو توجيه الوعاظ والمرشدين والناصحين والآباء أن يبدؤوا بأنفسهم فإن ذلك من الحكمة وإلا سقطت جميع أقوالهم
التعهد بالنصح مع حسن اختيار الوقت
( وَهُوَ يَعِظُهُ )
نحن نعرف أنه يعظه ويتضح أنه وعظ من خلال الآيات والأوامر وسياق الكلام، فلماذا قال وَهُوَ يَعِظُهُ
فيها دلالتان
1. من حيث اللغة: الحال والاستئناس للدلالة على الاستمرار. وهو يعظه اختار الوقت المناسب للوعظ ، ليس كلاما طارئا يفعله هكذا، أو في وقت لا يكون الابن فيه مهيأ للتلقي، ولا يلقيه بغير اهتمام فلا تبلغ الوصية عند ذلك مبلغا لكنه جاء به في وقت مناسب للوعظ فيلقي ونفسه مهيأة لقبول الكلام فهو إذن اختار الوقت المناسب للوعظ والتوجيه
2. والأمر الثاني (وَهُوَ يَعِظُهُ) . فهذا من شأن لقمان أن يعظ ابنه، هو لا يتركه، وليست هذه هي المرة الأولى، هو من شأنه ألا يترك ابنه بل يتعاهده دائما، وهكذا ينبغي أن يكون المربي.
فكل كلمة فيها توجيه تربوي للمربين والواعظين والناصحين والآباء.
الرفق في الموعظة
(يا بني)

كلمة تصغير للتحبيب، أي ابدأ بالكلام اللين اللطيف الهين للابن وليس بالتعنيف والزجر. بل بحنان ورِقّة لأن الكلمة الطيبة الهينة اللينة تفتح القلوب المقفلة وتلين النفوس العصية، عكس الكلمة الشديدة المنفرة التي تقفل النفوس . لذلك قال ربنا لموسى عن فرعون: "فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى 44" طه .
وأنت أيها الأب إن أجلست ولدك إلى جانبك ووضعت يدك على رأسه وكتفه، وقلت له يا بني ، فتأكد أن هذه الكلمة بل هذه الحركة من المسح تؤثر أضعاف الكلام الذي تقوله ، وتؤثر في نفسه أكثر بكثير من كل كلام تقوله وتزيل أي شيء بينك وبينه من حجاب وتفتح قلبه للقبول. وعندها فهو إن أراد أن يخالفك فهو يخجل أن يخالفك، بهذه الكلمة اللطيفة الشفيقة تزيل ما بينك وبينه من حجاب، ويكون لك كتابا مفتوحا أمامك، وعندها سيقبل كلامك والكلمة الطيبة صدقة
لذلك بدأ بهذه الكلمة مع أنه من الممكن أن يبدأ الأب بالأمر مباشرة ولكن لها أثُرها الذي لا ينكر ولا يترك، فأراد ربنا أن يوجهنا إلى الطريقة اللطيفة الصحيحة المنتجة في تربية الأبناء وتوجيههم وإزالة الحجاب بيننا بينهم من دون تعنيف أو قسوة أو شدة، وبذلك تريح نفسه وتزيل كل حجاب بينك وبينه ونحن في حياتنا اليومية نعلم أن كلمة واحدة قد تؤدي إلى أضعاف ما فيها من السوء، وكلمة أخرى تهون الأمور العظيمة وتجعلها يسيرة
ولقد تعلمت درسا في هذه الحياة قلته لابني مرة وقد اشتد في أمر من الأمور في موقف ما، وأنا أتجاوز الستين بكثير، وكان الموقف شديدا جدا، وقد فعل فعلته في جهة ما وخُبّرت بذلك فجئت به ووضعته إلى جنبي وقلت له: يا فلان تعلمت من الحياة درسا أحب أن تتعلمه وهو أنه بالكلمة الشديدة الناهرة ربما لا أستطيع أن أحصل على حقي ولكن تعلمت أنه بالكلمة الهينة اللينة آخذ أكثر من حقي .
أس الوصية
( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ 13 )

لم يبدأ بالعبادة ولم يقل له اعبد الله وإنما بدأ بالنهي عن الشرك، وذلك لما يلي:
? أولا : التوحيد أس الأمور، ولا تقبل عبادة مع الشرك، فالتوحيد أهم شيء.
? ثانيا: العبادة تلي التوحيد وعدم الشرك فهي أخص منه. التوحيد تعلمه الصغير والكبير، فالمعتقدات تُتعلم في الصغر وما تعلم في الصغر فمن الصعب فيما بعد أن تجتثه من نفسه ، ولن يترك ما تعلمه حتى لو كان أستاذا جامعيا في أرقى الجامعات، هذا ما شهدناه وعايناه بأنفسنا فهذا الأمر يكون للصغير والكبير ، تعلمه لابنك وهو صغير، ويحتاجه وهو كبير، أما العبادة فتكون بعد التكليف.
? ثالثا : أمر آخر أنه أيسر، فالأمر بعدم الشرك (أي بالتوحيد) هو أيسر من التكليف بالعبادة، العبادة ثقيلة ولذلك نرى كثيرا من الناس موحدين ولكنهم يقصرون بالعبادة، فبدأ بما هو أعم وأيسر؛ أعم لأنه يشمل الصغير والكبير، وأيسر في الأداء والتكليف.
ثم قال ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ13 )
لماذا اختار الظلم؟ لماذا لم يختر : إثم عظيم، ولماذا لم يقل كبير؟
لو تقدم شخصان إلى وظيفة أحدهما يعلم أمر الوظيفة ودقائقها وأمورها وحدودها، ويعبر عن ذلك بأسلوب واضح سهل بين، والثاني تقدم معه ولكنه لا يعلم شيئا ولا يحسنها وهو فيه عبء، وعنده قصور فهم وإدراك، فإن سوينا بينهما أفليس ذلك ظلما؟
ولو تقدم اثنان للدراسات العليا وأحدهما يعرف الأمور بدقة ويجيب على كل شيء، وله أسلوب فصيح بليغ لطيف، وآخر لا يعلم شيئا ولا يفقه شيئا ولم يجب عن سؤال ولا يحسن أن يبين عن نفسه، فإن سويت بينهما أفليس ذلك ظلما؟
والفرق بين الله وبين المعبود الآخر أكبر بكثير، ليست هناك نسبة بين الخالق والمخلوق، بين مولي النعمة ومن ليس له نعمة، فإن كان ذاك الظلم لا نرضى به في حياتنا اليومية فكيف نرضى فيما هو أعظم منه فهذا إذن ظلم، وهو ظلم عظيم

والإنسان المشرك يحط من قدر نفسه لأن الآلهة التي يعبدها تكون أحط منه، وقصارى الأمر أن تكون مثله، فهو يعبد من هو أدنى منه، أو بمنزلته، فهذا حط وظلم للنفس بالحط من قدرها، إنه ظلم لأنه يورد نفسه موارد التهلكة ويخلدها في النار وهذا ظلم عظيم.
وأمر آخر أن الإنسان بطبيعته يكره الظلم، قد يرتضيه لنفسه لكن لا يرضى أن يقع عليه ظلم ، فاختار الأمر الذي تكرهه نفوس البشر (الظلم) وإن كان المرء بنفسه ظالما.
وفي هذا القول تعليل، فهو لم يقل له: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ وسكت، وإنما علل له، وهذا توجيه للآباء أن يعللوا لا أن يقتصروا على الأوامر والنواهي بلا تعليل، لا بد من ذكر السبب حتى يفهم لماذا، لا بد أن يعرف حتى يقتنع فهو بهذه النهاية ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ13) أفادنا أمورا كثيرة في التوجيه والنصح والتعليم والتربية.
عظم حق الوالدين
( وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ14 )
(ووصينا) من قائلها؟ هذه ليست وصية لقمان، هذا كلام الله ، لقمان لم ينه وصيته، هذه مداخلة، وستتواصل الوصية فيما بعد .قبل أن يتم الوصية قال الله ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ) ، ولم يدع لقمان يتم الوصية، بل تدخل سبحانه بهذا الكلام ، وذلك لأسباب:
? أولا : أمر الوالدين أمر عظيم، والوصية بهما كذلك، فالله تعالى هو الذي تولى هذا الأمر، ولم يترك لقمان يوصي ابنه به، فلما كان شأن الوالدين عظيما تولى ربنا تعالى أمرهما، لعظم منزلتهما عند الله تعالى.

? ثانيا : لو ترك لقمان يوصي ابنه يا بني أطع والديك لكان الأمر مختلفا. لأننا عادة في النصح والتوجيه ننظر للشخص الناصح هل له في هذا النصح نفع؟ فإن نصحك شخص ما فأنت تنظر هل في هذا النصح نفع يعود على الناصح؟ فإن كان فيه نفع يعود على الناصح فأنت تتريث وتفكر وتقول: قد يكون نصحني لأمر في نفسه، قد ينفعه، لو لم ينفعه لم ينصحني هذه النصيحة. لو ترك الله تعالى لقمان يوصي ابنه لكان ممكنا أن يظن الولد أن الوالد ينصحه بهذا لينتفع به، ولكن انتفت المنفعة هنا فالموصي هو الله وليست له فيه مصلحة.
وقال: ( ووصينا)، ولم يقل: وأوصينا
والله تعالى يقول (وصّى) بالتشديد إذا كان أمر الوصية شديداً ومهماً، لذلك يستعمل وصى في أمور الدين، وفي الأمور المعنوية: ("وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 132" البقرة ) ("وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ 131" النساء)
أما (أوصى) فيستعملها الله تعالى في الأمور المادية : "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" النساء
لم ترد في القرآن أوصى في أمور الدين إلا في مكان واحد اقترنت بالأمور المادية وهو قول السيد المسيح : "وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً 31" مريم
في غير هذه الآية لم ترد أوصى في أمور الدين، أما في هذا الموضع الوحيد فقد اقترنت الصلاة بالأمور المادية وقد قالها السيد المسيح في المهد وهو غير مكلف أصلا.
قال وصّى وأسند الوصية إلى ضمير التعظيم (ووصينا) والله تعالى ينسب الأمور إلى نفسه في الأمور المهمة وأمور الخير
ولم يقل بأبويه بل اختار بوالديه

الوالدان مثنى الوالد والوالدة، وهو تغليب للمذكر كعادة العرب في التغليب إذ يغلبون المذكر كالشمس والقمر يقولون عنهما (القمران).
والأبوان هما الأب والأم ولكنه أيضا بتغليب المذكر ولو غلب الوالدة لقال الوالدتين، فسواء قال بأبويه أو بوالديه فهو تغليب للمذكر، ولكن لماذا اختار الوالدين ولم يقل الأبوين؟
لو نظرنا إلى الآية لوجدناه يذكر الأم لا الأب: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ )
فذكر أولا الحمل والفطام من الرضاع (وفصاله) ولم يذكر الأب أصلا ذكر ما يتعلق بالأم (الحمل والفصال) وبينهما الولادة والوالدان من الولادة، والولادة تقوم بها الأم.إذن:
? أولا (المناسبة) فعندما ذكر الحمل والفصال ناسب ذكر الولادة.
? ثانيا: ذكره بالولادة وهو عاجز ضعيف، ولولا والداه لهلك فذكره به.
? ثالثا إشارة إلى انه ينبغي الإحسان إلى الأم أكثر من الأب، ومصاحبة الأم أكثر من الأب، لأن الولادة من شأن الأم وليست من شأن الأب.
لذلك فعندما قال (بوالديه) ذكر ما يتعلق في الأصل بالأم، ولذلك فهذه الناحية تقول : ينبغي الإحسان إلى الوالدة قبل الأب وأكثر من الأب. ولذلك لا تجد في القرآن الكريم البر أو الدعاء أو التوصية إلا بذكر الوالدين لا الأبوين
أمثلة :
"وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً 23" الإسراء
" وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً 36" النساء
" قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً 151" الأنعام وكذلك البر والدعاء والإحسان .

"رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ 41" إبراهيم
" رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً 28" نوح
"وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً 8" العنكبوت .
" وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً 15" الأحقاف .
لم يرد استعمال (الأبوين) إلا مرة في المواريث، حيث نصيب الأب أكثر من نصيب الأم، أو التساوي في الأنصبة. لكن في البر والتوصية والدعاء لم يأت إلا بلفظ الوالدين إلماحا إلى أن نصيب الأم ينبغي أن يكون أكثر من نصيب الأب.
كما ان لفظ (الأبوان) قد يأتي للجدين : "وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ 6" يوسف
ويأتي لآدم وحواء: "يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ 27" الأعراف
فاختيار الوالدين له دلالات مهمة.
ثم هو هنا لم يأت بالأب أصلا بل قال ( حملته أمه وهنا ..) ولم يرد ذكر للأب أبدا، لذلك كان اختيار الوالدين انسب من كل ناحية.
قد تقول إن هذا الأمر تخلف في قصة سيدنا يوسف عندما قال: "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً100" يوسف فاختار الأبوين. الجواب: لم يتخلف هذا الأمر، فعندما قال رفع أبويه لم يتخلف وإنما هو على الخط نفسه، وذلك لما يلي:
? أولا : في قصة يوسف لم يرد ذكر لأم مطلقا ورد ذكر الأب فهو الحزين وهو الذي ذهب بصره .. الخ ولم يرد ذكر للام أصلا في قصة يوسف.

? ثانيا : في هذا الاختيار أيضا تكريم للأم لأنه قال: "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً100" فالعادة أن يكرم الابن أبويه ، ليس أن يكرم الأبوان الابن ولكن هنا هم خروا له سجدا فالتكريم هنا حصل بالعكس من الأبوين للابن ولذلك جاء بلفظ الأبوين لا الوالدين إكراما للام فلم يقل: ورفع والديه
? وفيها إلماح آخر أن العرش ينبغي أن يكون للرجال .
فلما قال أبويه هنا ففيه تكريم للأم، ويلمح أن لعرش ينبغي أن يكون للرجال ، ويناسب ما ذكر عن الأب إذ القصة كلها مع الأب، فهو الأنسب من كل ناحية
وهنا قد يرد سؤال: إن الأم هي التي تتأثر وتتألم أكثر وتحزن فلماذا لم يرد ذكرها هنا؟ ألم تكن بمنزلة أبيه في اللوعة والحسرة؟
لا .. المسألة أمر آخر ، أم يوسف ليست أم بقية الإخوة ، هي أم يوسف وأخيه فقط ، ولذلك فيكون كلامها حساسا مع إخوته ، أما يعقوب عليه السلام فهو أبوهم جميعا ، فإذا عاتبهم أو كلمهم فهو أبوهم ، أما الأم فليست أمهم ، فإذا تكلمت ففي الأمر حساسية ، وهذا من حسن تقديرها للأمور فكتمت ما في نفسها وأخفت لوعتها حتى لا تثير هذه الحساسية في نفوسهم وهذا من حسن التقدير والأدب، فلننظر كيف يختار القرآن التعبيرات في مكانها ويعلمنا كيف نربي ونتكلم مع أبنائنا.

لمسات بيانية من سورة القمر
قال الله تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ {54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر].
سأل سائل: لم وحد تعالى: (النهر) في هذه الآية ولم يجمعه مع أن الجنات قبله جمع بخلاف المواضع الأخرى من القرآن الكريم، فإنه إذا جمع الجنة، جمع النهر أيضاً فيقول: (جنات تجري من تحتها الأنهار)
والجواب: أنه جمع في لفظ (النهر) عدة معان وأعطى أكثر من فائدة لا يفيدها فيما لو قال: (أنهار) ذلك أنه علاوة على أن فواصل الآيات، تقتضي (النهر) لا (الأنهار) لأن آيات السورة على هذا الوزن فقد جاء قبلها: (وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر) وجاء بعدها: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) فإن المعنى أيضاً ذلك من جهات أخرى منها:
أنة النهر اسم جنس بمعنى الأنهار، وهو بمعنى الجمع والكثرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أهلك الناس الدينار والدرهم" والمراد بالدينار والدرهم الجنس لا الواحد.
وجاء في (معاني القرآن): "ونهر معناه أنهار وهو في مذهبه كقوله: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) وزعم الكسائي أنه سمع العرب يقولون: أتينا فلاناً فكنا في لحمة ونبيذة فوحد ومعناه الكثير" .
ومنها: أن معاني (النهر) أيضاً السعة والسعة ههنا عامة تشمل سعة المنازل وسعة الرزق والمعيشة، وكل ما يقتضي تمام السعادة السعة فيه. جاء في (البحر المحيط): "ونهر: وسعة في الأرزاق والمنازل" . وجاء في (روح المعاني): "وعن ابن عباس تفسيره بالسعة والمراد بالسعة سعة المنازل على ما هو الظاهر، وقيل: سعة الرزق والمعيشة، وقيل: ما يعمهما".
ومنها: أن من معاني (النهر) أيضاً الضياء .
جاء في (لسان العرب): "وأما قوله ـ عز وجل ـ(إن المتقين في جنات ونهر) فقد يجوز أن يعني به السعة والضياء
، وأن يعني به النهر الذي هو مجرى الماء، على وضع الواحد موضع الجميع... وقيل في قوله: (جنات ونهر) أي: في ضياء وسعة، لأن الجنة ليس فيها ليل، إنما هو نور يتلألأ" .
وجاء في (معاني القرآن) لفراء: "ويقال: (إن المتقين في جنات ونهر) في ضياء وسعة" .
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فإن المتقين في جنات وأنهار كثيرة جارية، وفي سعة من العيش والرزق والسكن وعموم ما يقتضي السعة، وفي ضياء ونور يتلألأ ليس عندهم ليل ولا ظلمة.

فانظر كيف جمعت هذه الكلمة هذه المعاني كلها، إضافة إلى ما تقتضيه موسيقى فواصل الآيات بخلاف ما لو قال (أنهار)، فإنها لا تعني إلا شيئاً واحداً.
ثم انظر كيف أنهه لما كان المذكورون هم من خواص المؤمنين، وهم المتقون وليسوا عموم المؤمنين أعلى أجرهم ودرجتهم، فقال: (ونهر) ولم يقل: (وأنهار) ولما أعلى أجرهم ودرجتهم وبالغ في إنعامهم وإكرامهم جاء بالصفة والموصوف بما يدل على المبالغة فقال: (عند ملك مقتدر) ولم يقل: (ملك قادر) فإن (مليك) أبلغ من (ملك) و(مقتدر) أبلغ من (قادر) فإن كلمة (مليك) على صيغة (فعيل) وهي أبلغ واثبت من صيغة (فعل) .
جاء في (روح المعاني): "عند مليك، أي: ملك عظيم الملك، وهو صيغة مبالغة، وليست الياء من الإشباع" .
ولما جاء بالصيغة الدالة على الثبوت، قال: (في مقعد صدق) "ذلك لأن هذا المقعد ثابت لا يزول، فهو وحده مقعد الصدق، وكل المقاعد الأخرى كاذبة، لأنها تزول إما بزوال الملك صاحبه، وإما بزوال القعيد، وإما بطرده، وهذا المقعد وحده الذي لا يزول، وقد يفيد أيضاً أنه المقعد الذي صدقوا في الخبر به".
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن معنى الصدق ههنا يفيد معنى الخير أيضاً والجودة والصلاح فجمعت كلمة (الصدق) ههنا معنيي الخير والصدق معاً، كما جمع (النهر) أكثر من معنى ثم انظر كيف أنهم لما صدقوا في إيمانهم وعملهم، كان لهم مقعد الصدق.
و(المقتدر) أبلغ أيضاً من (القادر) ذلك أن (المقتدر) اسم فاعل من (اقتدر) وهذا أبلغ من (قدر) فإن صيغة (افتعل) قد تفيد المبالغة والتصرف والاجتهاد والطلب في تحصيل الفعل بخلاف فعل ومنه اكتسب واصطبر واجتهد قال تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة].
جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت: لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟

قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال".
وجاء في (البحر المحيط): "والذي يظهر لي أن الحسنات، هي مما تكتسب دون تكلف والسيئات ببناء المبالغة" .
وقال سيبويه: "كسب: أصاب، واكتسب: تتصرف واجتهد" .
فجاء ههنا، أي: في قوله: (مقتدر) بالصيغة الدالة على القدرة البالغة مع الملك الواسع الثابت.
فانظر كيف بالغ وأعظم في الأجر، وبالغ وأعظم في الملك، وبالغ وأعظم في القدرة لمن بالغ وجد في عمله وصدق فيه وهم المتقون.
ونريد أن نشير إلى أمر، وهو إطلاق وصف (المبالغة) على صفات الله نحو علام، وعليم، وغفور، وما إلى ذلك فقد توهم بعضهم أنه ينبغي أن لا يطلق على صفات الله وصف المبالغة، لأنها صفات الله وصف المبالغة، لأنها صفات حقيقية وليست مبالغاً فيها. وقد اعترض علي معترض ذات مرة بنحو هذا. مع أنهه من الواضح أن ليس المقصود كما ظن الظان أو توهم فالمقصود أن هذا البناء يفيد كثرة وقوع الفعل، وليس المقصود أن الأمر مبالغ فيه. فـ (عليم) أبلغ من (عالم) و(صبور) أبلغ من (صابر) ذلك أن الموصوف بعليم معناه أنه موصوف بكثرة العلم، وليس المقصود أن صاحبه وصف بهذا الوصف وهو لا يستحق أن يوصف به فكان الوصف به مبالغة.
ولا نريد أنم نطيل في كشف هذه الشبهة، فإنها فيما أحسب لا تستحق أكثر من هذا.

لمسة بيانية

من سورتي الطور والقلم
قال تعالى في سورة الطور:( فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)).
وقال في سورة القلم :( مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)).
فزاد قوله :(بكاهن) على ما في سورة القلم ، فما سبب ذاك ؟
والجواب : أن هناك أكثر من سبب دعا إلى هذه الزيادة.
1- منها أنه فصل في سورة الطور في ذكر أقوال الكفرة في الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد ذكروا أنه كاهن ، وذكروا أنه مجنون ، وذكروا أنه شاعر . ( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون). وقالوا إنه كاذب :(أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون).
في حين لم يذكر غير قولهم إنه مجنون في سورة القلم :(ويقولون إنه لمجنون) فناسب ذكر هذه الزيادة في سورة الطور.
2- ومنها أنه ذكر في سورة الطور قوله :(أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين) والاستماع مما تدعيه الكهنة لتابعيهم من الجنِّ ، فناسب ذلك ذكر الكهنة فيها.
3- ومنها أنه ذكر السحر في سورة الطور فقال :(أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ). فناسب ذكر السحر ذكرَ الكهنة.
4- ومما حسن ذلك أيضاً أنه توسع في القَسَم في أول سورة الطور بخلاف سورة القلم ، فقد قال :(والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع* والبحر المسجور).
في حين لم يقسم في سورة القلم إلا بالقلم وما يسطرون. فناسب التوسع في الطور هذه الزيادة.
5- ذكر في سورة القلم في آخر السورة قول الكفرة ، إنه لمجنون ولم يزد على هذا القول ، فقال :(وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون) فرد عليهم في أول السورة بنفي الجنون عنه فقال:(ما أنت بنعمة ربك بمجنون). فناسب آخر السورة أولها.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف ناسب التأكيد بالباء الزائدة في النفي (بمجنون) التوكيد باللام في الإثبات (لمجنون) لأن الباء لتوكيد النفي واللام لتوكيد الإثبات. والله أعلم.

لمسة بيانية

من سورتي المعارج والقارعة
قال تعالى في سورة المعارج :( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)).
وقال في سورة القارعة :( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5)).
فزاد كلمة (المنفوش) في سورة القارعة على ما في المعارج ، فما سبب ذاك؟
والجواب - والله أعلم :
1- أنه لما ذكر القارعة في أول السورة ، والقارعة من (القَرْعِ) ، وهو الضرب بالعصا ، ناسب ذلك ذكر النفش ؛ لأن من طرائق نفش الصوف أن يُقرعَ بالمقرعة. كما ناسب ذلك من ناحية أخرى وهي أن الجبال تهشم بالمقراع - وهو من القَرْع - وهو فأس عظيم تحطم به الحجارة ، فناسب ذلك ذكر النفش أيضاً.
فلفظ القارعة أنسب شيء لهذا التعبير. كما ناسب ذكر القراعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله :(يوم يكون الناس كالفراش المبثوث) أيضاً ؛ لأنك إذا قرعت طار الفراش وانتشر. ولم يحسن ذكر (الفراش) وحده كما لم يحسن ذكر (العهن) وحده.

2- إن ما تقدم من ذكر اليوم الآخر في سورة القارعة ، أهول وأشد مما ذكر في سورة المعارج . فقد قال في سورة المعارج :(تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة * فاصبر صبراً جميلاً * إنهم يرونه بعيداً* ونراه قريباً). وليس متفقاً على تفسير أن المراد بهذا اليوم ، هو اليوم الآخر. وإذا كان المقصود به اليوم الآخر فإنه لم يذكر إلا طول ذلك اليوم ، وأنه تعرج الملائكة والروح فيه. في حين قال في سورة القارعة :(القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة) فكرر ذكرها وعَظَّمها وهوَّلها. فناسب هذا التعظيم والتهويل أن يذكر أن الجبال تكون فيه كالعهن المنفوش. وكونها كالعهن المنفوش أعظم وأهول من أن تكون كالعهن من غير نفش كما هو ظاهر.
3- ذكر في سورة المعارج أن العذاب (واقع) وأنه ليس له دافع (سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع) ووقوع الثقل على الصوف ، من غير دفع له لا ينفشه بخلاف ما في القارعة ، فإنه ذكر القرع وكرره ، والقرع ينفشه وخاصة إذا تكرر ، فناسب ذلك ذكر النفش فيها أيضاً.
4- التوسع والتفصيل في ذكر القارعة حسَّن ذكر الزيادة والتفصيل فيها ، بخلاف الإجمال في سورة المعارج ، فإنه لم يزد على أن يقول :(في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).
5- إن الفواصل في السورتين تقتضي أن يكون كل تعبير في مكانه ، ففي سورة القارعة ، قال تعالى :(يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش). فناسبت كلمة (المنفوش) كلمةَ (المبثوث).
وفي سورة المعارج ، قال :(يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن*). فناسب (العهن) (المهل).

6- ناسب ذكر العهن المنفوش أيضاً قوله في آخر السورة :(نار حامية) لأن النار الحامية هي التي تذيب الجبال ، وتجعلها كالعهن المنفوش ، وذلك من شدة الحرارة ، في حين ذكر صفة النار في المعارج بقوله :(كلا إنها لظى * نزاعة للشوى) . والشوى هو جلد الإنسان. والحرارة التي تستدعي نزع جلد الإنسان أقل من التي تذيب الجبال ، وتجعلها كالعهن المنفوش ، فناسب زيادة (المنفوش) في القارعة من كل ناحية. والله أعلم.
7- كما أن ذكر النار الحامية مناسب للقارعة من ناحية أخرى ، ذلك أن (القَرَّاعة) - وهي من لفظ القارعة - هي القداحة التي تقدح بها النار.
فناسب ذكر القارعة ، ذكر الصوف المنفوش ، وذكر النار الحامية ، فناسب آخر السورة أولها.
وبهذا نرى أن ذكر القارعة حسَّنَ ذكر (المبثوث) مع الفراش ، وذكر (المنفوش) مع الصوف ، وذكر النار الحامية في آخر السورة. والله أعلم.

سورة الحديد

نظرة عامة:
تبدأ سورة الحديد بقوله تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هل لها علاقة بما قبلها؟ هي قبلها سورة الواقعة تنتهي بقوله تعالى (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)) وقال بعدها (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) الحشر) يعني لقد سبّح لله فسبِّح أنت، توافق مع ما في السموات والأرض، هؤلاء كلهم سبحوا الله سبحانه وتعالى فسبِّح أنت باسم ربك العظيم. لا شك أن هذه مناسبة بيانية لطيفة.

علاقتها بما بعدها؟ بعض الذين كتبوا في القرآن قالوا: القرآن في إتصال بعضه ببعض وقالوا كالسورة الواحدة ثم قالوا بل كالآية الواحدة بل قالوا كالكلمة الواحدة في كونه متصلاً بعضه ببعض. وقال الرازي " هو كالكلمة الواحدة في توافقه وإتصال بعضه ببعض". فعلاقة السورة بما بعدها: خاتمة السورة هي (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)) وتأتي بعدها سورة المجادلة (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)) نسأل: جبار السموات والأرض ملك الملوك يسمع لشكوى امرأة لم يجد لها الرسول صلى الله عليه وسلم مخرجاً أليس هذا من الفضل العظيم؟ جبار السموات والأرض ملك الملوك يسمع لخولة بنت ثعلبة تجادل في زوجها أوس ابن الصامت فإذن أولاً من أعظم الفضل أن يسمع الله سبحانه وتعالى لهذه المرأة ويذكر لها مخرجاً والرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر لها مخرجاً وإنما قال "لا أراك إلا قد حرُمتِ عليه"، هذا أمر. والأمر الآخر الآية الأولى في سورة المجادلة (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) قال تعالى (يسمع) ولم يقل يعلم لأن العلم قد تكون بعيداً عنه وتعلم أما السمع فيدل على القُرب. في أوائل سورة الحديد قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4))

هو معكم، إذن يسمع تحاوركما، الذي معك يسمع التحاور إذن هناك إرتباط. في آية المجادلة قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أليس هذا مرتبطاً بقوله تعالى في سورة الحديد (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)؟ إذن الإرتباط واضح ظاهر سواء كان في خاتمة السورة السابقة أو في بداية السورة اللاحقة. إذن هذا الترتيب هو ترتيب توقيفي وهذا الذي عليه الجمهور. والعرب كانت تفهم هذا الكلام وتفهم أكثر مما نفهم لكن فقط الناحبة العلمية والمكتشفات العلمية هذا أمر آخر. لكن من حيث البلاغة هم يفهمون أكثر مما نفهم لذلك عندما تحداهم بسورة قصيرة كالكوثر أو العصر أو الصمد (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ (23) البقرة) لم يفعلوا، سور قصيرة ليس فيها تشريع ولا قصص ولا تاريخ لكنهم سكتوا وعجزوا معناه أنهم كافرهم ومسلمهم يدركون من أمور البلاغة ما لا ندركه نحن.

(سبّح) ما معنى كلمة التسبيح؟ وهل له أنواع؟

التسبيح هو التنزيه عما لا يليق، أصل التسبيح هو التنزيه (سبّح لله) أي نزّهه هؤلاء كلهم بما نفقه وبما لا نفقه من تسبيحهم (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الإسراء) الطير تسبّح والأشجار تسبّح وكل شيء يسبح (وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) الرعد) لا نفقه تسبيحها. التسبيح هو التنزيه عن كل ما لا يليق، عن كل نقص، أن تقول لله ولد أو تشبهه بخلقه أو أي شيء لا يليق بذاته. التسبيح ورد في صور شتّى: ورد التسبيح بالفعل الماضي (سبّح) وورد بالفعل المضارع (يسبح) وورد بفعل الأمر (فسبِّح) (سبِّح اسم ربك) وورد بإسم المصدر (سبحان الذي أسرى بعبده) كل هذا ورد فيه، لماذا؟ سبّح للزمن الماضي، يسبح مضارع للحال والاستقبال (المضارع للاستقبال كما في قوله تعالى (إن الله يفصل بينهم) هذا في يوم القيامة) حتى أن بعض النحاة قالوا هو للإستقبال أولاً ثم للحال. (سبِّح) الأمر وهو يدل على أن تبدأ به وتستمر، سبحان إسم مصدر. إسم المصدر قريب من المصدر، سبحان معناه علمٌ على التنزيه.نلاحظ أن الفعل مرتبط بزمن وبفاعل حتى يكون فعلاً، المصدر هو الحدث المجرّد الذي ليس له زمن ولا فاعل. إذن صار التنزيه إستغراق الزمن الماضي (سبح) والحال والمستقبل (يسبح) والأمر بالتسبيح ومداومته (سبّح) وسبحان التسبيح وإن لم يكن هناك من لم يسبح في السموات والأرض قبل الزمان وبعد الزمان إن كان أحد أو لم يكن فهو يستحق التنزيه سبحانه سواء كان هناك من يسبح بفاعل أو بدون فاعل فاستغرق جميع الأزمنة وقبل الأزمنة وبعد الأزمنة واستغرق الخلق وما قبل الخلق وما بعد الخلق.

ليس هذا فقط إنما لاحظ كيف ورد التسبيح؟ ورد التسبيح (سبِّح اسم ربك الأعلى) ذكر الإسم، و(سبّحوه بكرة وأصيلا) لم يذكر الإسم وذكر المفعول به مباشرة، (سبّحه) (سبِّح اسم ربك الأعلى) متعدي وسبّح بإسمه متعدي بالباء، متعدي بنفسه والتعدية بالإسم وبالحمد (فسبح بحمد ربك)، (سبّح) هو في الأصل فعل متعدي. الفعل اللازم هو الذي يكتفي بفاعله ولا يأخذ مفعول به مثل ذهب ومشى ونام، الفعل المتعدي يتعدى إلى مفعول به مثل أعطى، وأحياناً يستعمل المتعدي كاللازم بحسب الحاجة مثلاً أحياناً يكون متعدياً إلى مفعوليم أو يذكر مفعولاً واحداً مثلاً (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) الضحى) ماذا يعطيك؟ أطلق العطاء ولم يقيّده بأمر معيّن. وقالوا يستعمل إستعمال اللازم كما في قوله تعالى (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) التوبة) وأحياناً لا يذكر المفعول به أصلاً (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) يونس) (يفقهون) فعل سمع متعدي (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) النمل) علم تأخذ مفعولين ما ذكرها لأنه أراد الفعل بالذات ولم يُرِد المتعلق. قد نستعمل المتعدي كاللازم نريد الفعل وليس مرتبطاً بالمفعول به كما تقول مثلاً: فلان يعطي ويمنع، ماذا يعطي؟ وماذا يمنع؟ (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) هو يسمع ويرى ولا يقيّد بشيء معين.

لم لم يستخدم إسم المصدر ليخرجه من دائرة الزمان ودائرة الفعل؟
هذا فيه زمان وفيه فاعل (أسمع وأرى) الفاعل موجود والزمن موجود.
(سبّح) يستخدمه القرآن متعدياً بنفسه مرة أو بحرف جرّ مرة أخرى فهل هناك من فرق بياني؟

سبّحه أي نزّهه، سبّح لله للتعليل أي الإخلاص تسبّحه لأجله (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) الأنعام) يسموها لام التعليل لبيان العِلّة وهي تدل على الإخلاص. فقوله (سبّح لله) أي أخلص التسبيح له فمن صلّى ولم يصليّ له فلا تقبل صلاته لأنه صلّى رياء ولم يصلي لله، هو قام بالفعل لكن لم يصلي لله لأنه لم يُخلِص، لو سبّح أمام الناس لكن لم يكن التسبيح لله فهو لم يسبح لله، هذا هو الإخلاص معقد النية التي تتحول إلى عبادة ألم يقل تعالى (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (6) الماعون) هم يصلّون ولكنهم يراءون، (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) لو أنفق لله لقُبِل، لو سبّح لله لقُبِل. إذن هناك فرق (سبّح) قام بالفعل لكن (سبّح لله) قام بالفعل وأخلص التسبيح له (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) لو نسك لغير الله ما يُقبل.

إذا تعدى الفعل بنفسه (سبّحه أي نزّهه) أي قام بالفعل، (سبّح لله) صلّى وصلّى له، زكّى وزكّى له، نسك ونسك له، لأجله إذن (سبح لله) أي سبّحه بإخلاص.

يقول تعالى (سبح لله ما في السموات والأرض) ومرة يقول (سبح لله ما في السموات وما في الأرض) فهل هناك فارق بينهما؟

كل الآيات بلا استثناء إذا كرر (ما) يعقب الآية بالكلام على أهل الأرض في كل القرآن في آيات التسبيح كلها، إذا قال (ما في السموات وما في الأرض) يعقب الكلام لأهل الأرض (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) الصف) لأهل الأرض، في سورة الحشر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (2)) لأهل الأرض. وإذا لم يكرر (ما) لا يذكر أهل الأرض لا يعقبها وإنما يعقبها بشيء عن نفسه أو شيئ آخر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) الحديد) لم يتكلم على أهل الأرض. في جميع القرآن حيث كرر (ما) يعقب الآية بالكلام على أهل الأرض في جميع القرآن ولذلك لاحظ في سورة الحشر بدأ بتكرار (ما) وانتهت السورة بقوله تعالى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)) ما كرر (ما)، سورة الحشر أولها قال (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) كرر (ما) وفي نهاية السورة (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لم يكرر (ما) لأنه لم يأت بعدها كلام على أهل الأرض وانتهت السورة. لذلك نقول القرآن تعبير فني مقصود كل كلمة، كل تعبير، كل ذكر، كل

حذف قُصِد قصداً ولم يأت هكذا.
ما الفرق بين (ما) و (من) في الإستخدام اللغوي؟
في اللغة تستعمل (ما) لذوات غير العاقل ولصفات العقلاء (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ (29) طه) ماذا في يمينه؟ عصاه، (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) لذات غير العاقل ولصفات العقلاء. تقول من هذا؟ هذا فلان، تسأل ما هو؟ تسأل عن صفته فيقال مثلاً هو تاجر، (من هو؟) تسأل عن ذاته. (ما) هي تستعمل لأمرين: لذات غير العاقل ولصفات العقلاء (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (3) النساء) عاقل وربنا سبحانه وتعالى يستخدمها لنفسه كما جاء في سورة الشمس (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)) يتكلم عن نفسه سبحانه. (ما) تقع على صفات أولي العلم جميعاً حتى قسم من النُحاة أدق لا يقولون العقل لأن الله تعالى لا يوصف بالعقل ولا يصق نفسه أنه العاقل وإنما العالِم، فيقول النحاة لذوي العلم وذوات غير العاقل. في سورة الليل قال تعالى (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (3)) من الخالق؟ الله سبحانه وتعالى، في سورة الكافرون (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)) ما أعبد هو الله تعالى، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4)) الأصنام غير عاقلة و(ما) تستعمل لذوات غير العاقل وتستعمل لصفات العقلاء.

(من) إذا إنفردت تكون لذوات العقلاء تحديداً، قد تستعمل في مواطن تخرج عن هذا الأمر مثلاً أنت تُنزِلأ غير العاقل منزلة العاقل، تتكلم مع حصانك يقولون لك: من تُكلِّم؟ تقول: أكلِّم من يفهمني، من يحفظني، هذا تجوّز. في الأصل أن (من) لذات غير العاقل وأحياناً يشترط العاقل مع غير العاقل فتطلق عليهم (من) فيصير تفصيل (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) النور) من يمشي على بطنه غير العاقل، من يمشي على رجلين الإنسان، اجتمعت في عموم فصّل بـ (من) لها مواطن. أما إذا انفردت فلا تكون إلا للعاقل (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك) لذي العِلم.

(سبّح لله) بصيغة الماضي وفي بعض السور (يسبح) بصيغة المضارع فهل هذا مقصود بذاته؟

نلاحظ أنه كل سورة تبدأ بـ (سبّح) بالفعل الماصي لا بد أن يجري فيها ذكر للقتال في كل القرآن أي سورة تبدأ بـ (سبّح) فيها ذكر للقتال والمبدوءة بـ (يسبح) ليس فيها ذكر للقتال أبداً. سورة الصف (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4)) كل التي تبدأ بـ (سبّح) لا بد أن يجري فيها ذكر القتال. هذه الآية في سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)) ليس هنالك سورة في القرآن تبدأ بـ (سبح) إلا ويجري فيها ذكر للقتال وليس هنالك سورة في القرآن تبدأ بـ (يسبح) إلا لم يذكر فيها القتال. هذا توجيه للناس في الحاضر والمستقبل أن يتركوا القتال، أن لا يقاتلوا، الذي جرى جرى في تاريخ البشرية والله تعالى حكيم فعل ما فعل ودعا الناس يفعلون ما يشاؤون، هو التوجيه للخلق، للعقلاء، للناس، للمسلمين أنه في الحال والاستقبال عليهم أن يتركوا القتال ويعيشوا حياتهم، ينصرفوا إلى التعاون وما هو أنفع وما هو أجدى وما هو خير. هو توجيه لما يقول (يسبح) المضارع يدل على الحال والاستقبال لم يذكر القتال وكأنما هو توجيه - والله أعلم - للخلق في حاضرهم ومستقبلهم أن يتركوا القتال، أن لا يتقاتلوا فيما بينهم، أن يتفاهموا، أن يتحاوروا، أن يتحادثوا، أن تكون صدورهم رحبة، هذا أنفع لهم من القتال، الماضي ماضي ذهب لكن (يسبح) كأنه توجيه لعباده. الرابط بين القتال والتسبيح: التنزيه عما لا يليق والقتال لا يليق كما قالت

الملائكة (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) البقرة).

تقديم الجار والمجرور على الفاعل في قوله (سبح لله ما في السموات والأرض):
التقديم حسب الاهتمام في البلاغة، هل الكلام على الفاعل الآن أو على مستحق التسبيح؟ الكلام على الله وليس على الفاعل لكن يتقدم المفعول على الفاعل لأغراض بلاغية.
لماذا قدم السموات على الأرض؟ أولاً من الذين كان يسبح سابقاً أهل السماء أو أهل الأرض؟ أهل السماء لأن أهل الأرض لم يكونوا موجودين أصلاً، قبل أن خلق آدم فبدأ بمن هو أسبق تسبيحاً، بمن هو أدوم تسبيحاً (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) الأنبياء) (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) فصلت) فبدأ بأهل السماء لأنهم أسبق في التسبيح قبل خلق آدم ولأنهم أدوم تسبيحاً، أدوم في هذه العبادة.

أول آية في سورة الحديد من الناحية البيانية:
ذكرنا أن فيها تقديم وتأخير وفعل ماضي ومضارع لكن الآية (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) العزيز في اللغة هو الغالب الممتنع والحكيم لها دلالتان إما أن تكون من الحُكم أو من الحِكمة. أصلاً الحكيم لها أكثر من دلالة لكن هنا فيها دلالتين. الحكيم قد تكون إسم مفعول بمعنى محكم (فعيل بمعنى مفعول مثل قتيل بمعنى مقتول) وحكيم بمعنى مُحكم قال تعالى (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) آل عمران) وفي سورة هود قال تعالى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)) يعني مُحكم. هنا في هذه الآية حكيم لها دلالتان: حكيم من الحُكم وحكيم من الحِكمة ونجمع المعنيين للتوسع في المعنى لأنه أحياناً في اللغة الكلمة الواحدة يراد كل معانيها التي تحتملها في آن واحد وهذا يسمى التوسع في المعنى في جملة واحدة تحتمل كل دلالاتها اللغوية ويريد هذا الشيء وليس لها معنى محدداً لأن أحياناً المعنى احتمالي. الجملة العربية نوعان ذات جلالة قطعية وذات دلالة احتمالية حتى لو وضعتها في سياقها. دلالة قطعية أي دلالة واحدة (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (275) البقرة) دلالة واحدة وتأتي بدلالة احتمالية تحتمل أكثر من معنى، تقول: اشتريت قدحَ ماءٍ، ماذا اشتريت؟ ماء أو قدح؟ إذا قلتها بالإضافة فيها إحتمالان إحتمال أنك اشتريت الماء ومحتمل اشتريت القدح، فلو قلتها بالنصب : إشتريت قدحاً ماءً تعني أنك اشتريت الماء فقط ولم تشتر القدح، إشتريت الماء ولا يمكن أن تكون اشتريت القدح. هنا الحكيم يحتمل المعنيان والمعنيان مرادان.

الحلقة الثالثة:
سورة الحديد:
تكلمنا في الحلقة الماضية على مفتتح سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بالتقديم والتأخير وذكر (ما) وعدم ذكرها وتوقفنا في نهاية الحلقة عند (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وقلنا أن معنى العزيز هو الغالب الممتنع والحكيم فيها إحتمالان فعيل من الحِكمة أو من الحُكم. الحكمة هي وضع الشيء في محله قولاً وعملاً ويقولون (توفيق العلم بالعمل). بالنسبة للناس إذا يتكلم واحد في غير مكانه وفي غير مقام فهو ليس بحكيم وإنما ينبغي أن يختار الوقت المناسب مع الأشحاص المناسبين ويتكلم بما هو في مستواهم ولا ينبغي أن يقول شيئاً ويفعل ضده فهذا ليس بحكيم. إذن الحكمة وضع الشيء في محله قولاً وعملاً. والله تعالى ذو الحكمة البالغة. الحكيم فيها اعتباران: قد تكون من باب الحكمة (الحكيم) وقد تكون من باب الحُكم (حكيم) والآية تجمعهما معاً وهذا يسمى باب التوسع في المعنى. أحياناً يؤتى بكلمة واحدة أو تعبير واحد يجمع عدة معاني كلها مرادة داخل سياق واحد. إذا أردت أن تعيّن لا بد أن تأتي أما بتعبير ذي دلالة واحدة قطعية أو تأتي بأمور أخرى حتى تصل إلى هدفك. مثال قوله تعالى: (وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا (160) النساء) ما المقصود؟ كثيراً من الناس؟ كثيراً من الصدّ؟ كثيراً من الوقت؟ يحتمل ولا يوجد قرينة سياقية تحدد أحدها وإنما أرادها الله سبحانه وتعالى جميعاً يصدون كثيراً من الناس وكثير من الصدّ، هذا يسمى التوسع في المعنى. (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) هل قليلاً من الفهم؟ قليلاً منهم؟ يحتمل وهي مرادة. (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) التوبة) هل هو القليل من الضحك؟ أو من الوقت؟ المعنى: فليضحكوا ضحكاً قليلاً وقتاً قليلاً وليبكوا بكاءً كثيراً زمناً

كثيراً ولو أراد تعالى أن يحدد يأتي بما يحدد كما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) الأحزاب) المراد هنا الذكر. هناك تعبيرات يسموها احتمالية ويراد بها أن تجمع لها المعاني من باب التوسع في المعنى. مثلاً في الأحكام الشرعية: (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ (282) البقرة) و (لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) هذا حكم شرعي. (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ) (لا) ناهية وليست نافية بدليل الراء في (يضارَّ) مفتوحة. هل هي لا يضارَر؟ أي لا يضره أحد أو لا يضارِر، هو لا يضر أحداً؟ محتمل أن الكاتب والشهيد يضغط عليه ويضر عليه ويهدد فيغير من شهادته يحتمل هذا المعنى أو أن الشهيد لا يريد أن يشهد لأسباب في نفسه، يغير في الشهادة. لا يضارَر أو لا يضارِر؟ لو أراد أن يقيّد كان يقول ولا يضارَر فيكون قطعاً هو المقصود (نائب فاعل) لو أراد أن الكاتب هو الذي يُضرِ يقول لا يضارِر. مع أن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن (ومن يرتدد) في مكان وقال (ومن يرتد) في مكان آخر (من يشاقق) و (من يشاق) بدل أن يقول ولا يضارِر أو ولا يضارَر جاء بتعبير يجمعهما معاً يريد كلاهما. إذن لو فك يجعل هناك عطف لكنه أوجز تعبيراً ويجمع المعاني ويسمى التوسع في المعنى.
(لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) لا يوقع عليها ضرر يحبث الأب يضرها إذا كانت مطلقة؟ أو هي لا تضر زوجها بحيث تمنع إبنها؟ ما المقصود؟ المعنيان مرادان وكلاهما منهي. عندنا باب إسمه التوسع في المعنى في علم المعنى، عندنا دلالة قطعية وعندنا دلالة احتمالية وهذه الاحتمالية تحتمل معاني قد تراد كلها أو بعضها فإذا أريد بعضها أو كلها يسموه التوسع في المعنى.

الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم، هذا الجمع (العزيز الحكيم) أجمل جمع: العزيز قد يكون حكيماً وقد لا يكون حكيماً، وقد يكون حاكماً وقد لا يكون حاكماً، الحاكم هو منتهى العزة منتهى العزة أن يكون حاكماً فإذن الآن صار كمال العزة بالحكم أعزّ شيء. نأتي إلى الحكمة إذا كان العزيز متهوراً تكون عزّته صفة ذم فإذن ينبغي أن يتمم بالحكمة. فإذن ربُّنا تعالى هو العزيز الحكيم والحاكم الحكيم، كمّل في العزة بالحُكم فكان أعلى شيء لأن منتهى العزة أن يكون حاكماً وأكمل الكمال عندما كان عزيزاً فهو حكيم وعندما كان حكيماً فهو حكيم إذن اجتمعت العزة والحكم والحكمة. لو كان عزيزاً غير حكيم تكون صفة ذم ولو كان حاكماً غير حكيم تكون صفة ذم. إذن الإثنين مرادان وقدّم العزيز على الحكيم لأنه عزّ فحكم، ليس عندنا في القرآن الكريم حكيم عزيز.
ما الحكمة من تقديم العزة؟ العزة قد لا يكون صاحبها حكميماً، هو تدرج، فبدأ بما هو أقل ثم انتقل للأعلى، يكون عزيزاً ثم يكون حاكماً، كيف يكون حاكماً؟ كيف وصل إلى الحكم؟ إذا لم يكن هناك جماعة تعزه فتوصله إلى الجكم؟ لا بد أن هناك جماعة أوصلوه فلا بد أن يكون عزيزاً عند هؤلاء حتى أوصلوه، إذن عزّ فحكم.

الأمر الآخر، قال (العزيز الحكيم) بالتعريف ولم يقل هو عزيز حكيم بالتنكير لأنه أراد أن يقصر العزة في الحقيقية وحده لا عزّة لغيره على سبيل الحقيقة والحكيم هو الحاكم في الحقيقة ولا حاكم سواه على وجه الحقيقة. أإن الله تعالى هو الذي يعز ويذل ويؤتي الحكم وينزعه (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) آل عمران) إذن هو صاحب العزة، الحكمة (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء (269) البقرة)، الحكم (وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (41) الرعد) هذا التعريف القصر على أنه في الحقيقة كل عزة سوى عزته هي منه سبحانه سواء أعز أو أذلّ. وقد استخدم كلمة (عزيز) نكرة في القرآن وهذا بحسب السياق الذي تأتي فيه وهذا يحدد التنكير والتعريف.

الآية التالية: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) الحديد) ذكر أولاً أنه سبح له ما في السموات والأرض ثم ذكر أن له ملك السموات والأرض وهذا يقتضي أنه ملِك ما فيهما لأن الملك هو الحُكم (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) الزخرف) إذن لما قال (له الملك) إذن هو الملِك لأن المُلكِ لا يكون إلا على رعيّة، إذن هو الملِك، هو ملِك ما فيهما. أفاد تقديم الجار والمجرور (له) على أنه لا مُلك لأحد سواه على الحقيقة.

في خارج القرآن يمكن أن يقال: (ملك السموات والأرض له) لو قدمنا الخبر وكان المبتدأ معرفاً لأن أحياناً التقديم يصير واجباً إذا كان نكرة، تقول: في الدار رجل، (لا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تُفِد). لكن إذا كان المبتدأ معرفة فتقديم الخبر يقولون للإهتمام وأبرزها القصر. محمد قائم، قائم محمد ، محمد في الدار، في الدار محمد، "محمد في الدار" هذه مبتدأ وخبر، "في الدار محمد" مبتدأ وخبر لكن قدمنا الخبر كأن الشخص يقول له لا ليس في الدار فتقول له لا في الدار، (محمد في الدار) إذا كان المخاطب خالي الذهن وسألته أين محمد؟ يقول: محمد في الدار ولا يقول في الدار محمد، الأصل عدم التقديم، الأصل حفظ المراتب وعدم التقديم: الفعل، الفاعل، المفعول به ثم القيود، هذا هو الأصل هذا لا يُسأل القائل لم قال هكذا؟ إذا قال أحدهم: أكرم محمدٌ خالداً لا نسأله لم قلت هذا؟. ولكن إذا قال محمد أكرم خالداً نقول لماذا قدّمت محمد؟ لأنه خالف الترتيب. "في الدار محمد" يجب أن يكون هناك أمر أن المخاطب يعتقد أن محمداً ليس في الدار، تقول له أنت هو في الدار، هو يرى أنه في الدكان، في المحل. من أهم أغراضه القصر وله أغراض أخرى كالاهتمام. في قوله تعالى (له ملك السموات والأرض) هذا حصراً، لو قلنا (ملك السموات والأرض له) هذا إخبار لكن لا ينفي أن يكون كما تقول فلان يملك وفلان لا يملك، لا يمنع أن يكون لأحد آخر ملك، هناك مالكين آخرين في هذا الملك، ليس هو الملك الوحيد وقد يكون هناك مالكون آخرون تحت هذا الملك، لكن له الملك حصراً لا ملك إلا هو حصراً ليس لغيره ولو قيل (ملك السموات والأرض له) يكون إخباراً وليس من باب الحصر.

سؤال من المقدم: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ما دلالة ورود هذه الآية بعد الآية الأولى؟ وهل هناك علاقة رابطة بينهما؟

ينزه الله تعالى، الشخص قد يُحمد في ذاته لم يكن مالكاً أو ملكاً فإن حكم فقد يتغير. شخص تعرفه في ذاته جيد ليس ملكاً فإذا صار ملكاً فقد يتغير أو ليس مالكاً فإن ملك على آخرين قد يتغير. إذن ربنا تعالى ذكر أنه منزّه في جميع أحواله: منزه في ذاته (سبح لله) قبل أن يكون هناك ملك وقبل أن يكون هناك أحد، ومنزّه في صفاته، منزه في عزته، منزه في حكمته، منزه في حكمه، منزّه في ملكه، منزّه في إحيائه وإماتته، لا يحيي ويميت عن عبث وإنما لحكمة، فهو منزه في كل ذلك، لا يفعل ذلك إلا عن حكمة. هذا يدل على خضوع أهل السموات والأرض له خضوع قهر وخضوع عبادة. قهر يعني غالب، قوة. (الذي له ملك السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) هذا متمكن ورب العالمين وصف تعالى نفسه بالقهار (الواحد القهار) والقهر هو التمكن، هذا خضوع قهر. كثير من الرؤوساء في الدول يُخضِعون رعيتهم خضوع قهر. ربنا له خضوع، خضوع قهر باعتبار أنه هو المتمكن العزيز الحبار والمحيي والمميت هذا خضوع قهر لأنه متمكن. وخضوع عبادة (سبح لله) إذن هو يستحق التنزيه في كل هذه لأنه عندما تعز واحداً تخضع له خضوع عبادة؟ الرؤوساء هل تخضع لهم رعيتهم خضوع قهر أو خضوع عبادة؟ خضوع قهر. رب العالمين سبحانه وتعالى عباده يخضعون له في ملكه خضوعان: قهر وعبادة. البعادة (سبح لله) وقهر (العزيز الحكيم)، (يحيي ويميت) هذا قهر، سبحان من قهر عباده بالموت. إذن هذه الآية جمعت تنزيه خضوع العبادة (سبح لله) وخضوع القهر بما ذكر من الصفات فهو منزّه في ذاته وصفاته سبحانه.

سؤال من المقدم: ورد في بعض آي القرآن الكريم (السموات والأرض وما بينهما) أما في هذه السورة فلم يرد (ما بينهما) فهل لهذا دلالة؟

كل موطن في القرآن الكريم يذكر (وما بينهما) يأتي تعقيب على من يذكر صفات الله تعالى بغير ما يستحق، تعقيب على قول النصارى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وعلى قول اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المائدة). بعد أن قال تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا (17) المائدة) يقول بعدها (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) المائدة) لِمَ يتخذ الولد وهو الغني؟ له ملك السموات والأرض وما بينهما لا يحتاج الولد. اليهود يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تأتي بعدها (وما بينهما) لماذا رقّيتم أنفسكم؟ هو تعالى لا يحتاج هذا حتى يتخذكم أبناء، لِمَ يتخذكم أبناء وهو الغني؟
لاحظنا أنه في كل موطن يقول (وما بينهما) تأتي تعقيب في الله على ما لا يليق. (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا (17) المائدة) (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المائدة).

موطن آخر بياني (له ملك السموات والأرض وما بينهما) فيها ذكر ثلاثة أشياء: السموات، الأرض، ما بينهما، أبداً في كل موطن في القرآن الكريم يذكر فيها (وما بينهما) يذكر ثلاث ملل: اليهود والنصارى والمسلمين. في كل موطن يذكر (وما بينهما) يذكر في السياق ثلاث ملل اليهود والنصارى والمسلمين: في المائدة ذكر الكلام على بني إسرائيل (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ (12)) ، نصارى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ (14) المائدة)، أهل الكتاب (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) المائدة)، ثلاث ملل. في الزخرف ذكر موسى وفرعون (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46)) وذكر عيسى (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)) ثم قال (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)) في كل القرآن إذا قال (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)) يذكر ثلاث ملل. وإذا لم يذكرها لا يذكر.
في آية سورة الحديد لم يقل (وما بينهما) لأن ما بينهما تعقيب على ذكر ما لا يليق بجلال الله والآية فيها تنزيه لله تعالى. والأمر الآخر ذكر ثلاث ملل وليس في الآية ذكر لها.

(يحيي ويميت) هو المنزّه في كل ما يفعل، في إحيائه وفي إماتته، في كل شيء وهذا يدل على التوحيد (وهو العزيز الحكيم) لا حكيم سواه ولا عزيز سواه هو الحاكم في كل شيء.

سؤال من المقدم: (سبح) بالفعل الماضي، (العزيز الحكيم)، (يحيي ويميت) بالفعل المضارع؟ وفي القرآن قال أحيا وأمات، وقدم الموت على الحياة؟

هذه لأن الموت والحياة مستمر. في مواطن أخرى قال (أمات وأحيا) قدم الموت. الأصل للأحياء والأموات أنه كان حيّاً فأماته الموت يسبق الحياة. وقد تذكر في صفات الله تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) النجم) وقد يتكلم عن أموات سابقة أماتهم ثم أحياهم فيذكر الموت أولاً (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) النجم).

الفعل المضارع له أكثر من دلالة: هو يدل على الحال والاستقبال ويدل على الإستمرار أحياناً ويدل على الحقيقة غير مقترنة بزمن، تقول مثلاً: يذوب السكر في الماء، هذه تسمى الحقيقة من حيث هي لا تقول متى؟ لو أردنا أن نتكلم عن الفعل المضارع نفرد له حلقة كاملة.

في قوله تعالى (وهو على كل شيء قدير) فيها تقديم وتأخير: هو قدير على كل شيء أراد أن كل شيء حصراً، العموم. وهنا قال (قدير) ولم يقل قادر مع أنه استخدم قادر في مواطن أخرى في القرآن لأن قدير من صيغ المبالغة على وزن فعيل، إذا عمم القدرة (وهو على كل شيء قدير) أو أطلقها (وهو العليم القدير) قادر على كل شيء هذه يستعمل صيغ المبالغة (على كل شيء) فيها كثرة. إذا عمّم أو أطلق يستعمل المبالغة، إذا عممها أي إذا قال (على كل شيء) يستخدم (قدير) وإذا قيّدها بشيء يقول (قادر) (وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (37) الأنعام) قُيّدت بإنزال آية، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) الأنعام) قيدت بالعذاب، إذا قيّدها يقول قادر لأن قادر إسم فاعل وليس مبالغة، (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) يس) قادر إسم فاعل من فعل قدر، قدير صيغة مبالغة. قدر هي مشترك لفظي (فقدر عليه رزقه) مشترك لفظي أي لها أكثر من معنى, يقولون مشترَك لفظي وأنا أرجح مشترِك لأنه إسم فاعل لأن الفعل غير متعدي فلما تقول مشترَك يحتاج مشترك لكذا تقديراً والمشترِك هو الأصل. فحيث أطلق القدرة أو عممها أطلق الصفة (وهو على شيء قدير) ومتى قيّدها قال (قادر) ليس فيها مبالغة وليس فيها كثرة، قدير فيها كثرة. فإذن حيث أطلقها يأتي بصيغ المبالغة وحيث عمّمها بكل شيء يأتي بصيغة مبالغة وحيث قيّدها يأتي بإسم الفاعل، هذا الفارق الدلالي بين إسم الفاعل وبين صيغ المبالغة التي تدل على التكثير.

الحلقة الخامسة:

تابع سورة الحديد:

نظرة عامة على الآية (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)):

قال تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الأول الذي ليس لوجوده بداية وهو قبل كل شيء، الآخر الذي ليس لوجوده نهاية، ليس لوجوده بداية وليس لوجوده نهاية، ليس بعده شيء لأنه آخر (هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (88) القصص) هذا من حيث الدلالة. الظاهر لها دلالتان في اللغة وهما مقصودان في الآية: الأول: الظاهر هو الذي ظهر للعقول بالدلائل، تجلّى للعقول بالدلائل التي أقامها على وجوده فهو ظاهر (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (10) إبراهيم) إذن هو ظاهر ظهر بآياته ومعجزاته الدالة في الكون. إذن الظاهر الذي ظهر للعقول وتجلّى كما قال أحدهم: لو كُشِف الحجاب ما ازددت يقيناً. والظاهر يأتي بمعنى الغالب في اللغة أي العالي على كل شيء من الظهور أي الغَلَبة (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) الصف) ظاهرين أي غالبين. إذن الظاهر لها دلالتان: الذي ظهر للعقول وتجلى للعقول بآياته والظاهر هو الغالب القهّار. الباطن أيضاً لها دلالتان، الأولى: غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار كما قال تعالى (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) الأنعام)، والباطن أيضاً الذي يعلم كل شيء وويعلم بواطن الأمور وخفاياها، ما ظهر وما بطن من الأمور. إذن الظاهر لها دلالتان والباطن لها دلالتان هذا من حيث اللغة. الكلمة أحياناً يكون لها أكثر من دلالة تُراد ويحتملها السياق. هو اذن الذي تجلى وهو الغالب القهار وهو المحتجب عن الأبصار الذي لا تدركه الأبصار وهو الذي يعلم خفايا الأمور وبواطنها.

تعريف الصفات: ما قال تعالى: هو أول آخر ظاهر باطن وإنما قال (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) بالتعريف لأن التعريف هو للقصر أي أنه لا يشاركه في هذه الصفات أحد يعني ليس معه أول ولو قال هو أول يحتمل أن يشاركه أحد أما الأول فهي حصر، تحديداً والآخر تحديداً والظاهر إذن لا يشاركه في هذه الصفات أحد ولا شيء. الأمر الآخر أنه لم يقيّد هذه الصفات بشيء لا بإضافة ولا وصف فلم يقل مثلاً هو أول الحكماء، أول الأغنياء، الأول في كذا وبعد ذلك تتقيد الأولية بما أضاف أو بما يليها. هذه مطلقة لم يقيدها بشيء إذن هو الأول على الإطلاق ليس بموجب شيء معين ولا مقيد بأمر معين، هو الأول. الأول بالنسبة لمن؟ ومتى؟ لكل شيء فهو سبحانه قبل الزمن وكلمة الأول تخرج من نطاق الزمن ولو أراد أن يقيدها لقيدها فأنت يمكن أن تقول: هو الأول في الفصل مثلاً، هو الأول في السباق. لو قلت هذا الطالب هو الأول هذه يحددها أنت ما يريد فقد تكون القرينة مقولة وقد تكون مفهومة من السياق والمقام هو الذي يحدد وليس من الضروري أن تنطق كل القرائن. هنا في هذه الآية ليس من قرينة تحدد فهو الأول والآخر والظاهر والباطن على الإطلاق وعلى القصر والتعريف هنا يفيد القصر وعدم التقييد يفيد الإطلاق.

فائدة العطف في (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ):

ما قال تعالى هو الأول الآخر كما قال في موضع آخر (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) الحشر) لأن العطف يأتي في الصفات فيما تباعَد من الصفات لأنه يصير أمراً مستغرباً، أما في الصفات القريبة فلا يؤتى بالعطف. أحياناً تأتي الواو للإهتمام وللتباعد ما بين الصفات. إذا كانت الصفات متباعدة يؤتى بالواو يعني ليست متقاربة من حيث أحداثها، مثلاً أنت تقول تتكلم مع شخص عن فلان وهو يعرفه لكن لا يعلم مثلاً أنه شاعر فتقول له: هو شاعر، فيقول : هو شاعر؟ فتقول وطبيب، الشعر والطب متباعد فيقول وطبيب؟ يستغرب من إجتماع هذه الصفات المتباعدة التي لا يعلمها هو في شخص، لذا تأتي الواو فإذا تباعدت الصفات فيحسن الإتيان بالواو. (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) الأول والآخر والظاهر والباطن صفات متباعدة ليست مثل العزيز الحكيم المتقاربة العزة والحكم متقاربة لكن الأول والآخر منتهى التباعد والظاهر والباطن منتهى التباعد.
هذه الآية دلّت على إبطال الشِرك: هو الأول إذن ليس معه شريك إذن دلت على إبطال الشرك لأنه الأول إذن ليس معه شريك وأنه الغني المطلق، هو الأول إذن كل ما نراه من الأمور هو الذي أوجدها لأنه هو الأول لأنه هو الغني المطلق لا يحتاج إلى شيء لأنه قبل كل شيء الخالق القادر. ثم دل قوله (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) على العلم المطلق فهو الإله الحق في العلم والغنى والقدرة والوجود وعدم الشرك. (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي محيط علمه بكل شيء في الكون.
ما دلالة استخدام صيغة عليم ولم يقل عالم أو علام؟

عليم صيغة مبالغة على وزن فعيل، علاّم أيضاً صيغة مبالغة على وزن فعّال، عالم إسم فاعل. مبالغة تعني كثرة في الأشياء، هو القرآن له تخصيصات في الإستعمال أحياناً يخصص بعض المفردات بمعنىً معين وإستعمال معين ودلالة معينة بما يدل على القصد في الإستعمال. سابقاً فيما قبل، العرب لغوياً يقولون الريح والرياح ويستعملون الريح للشر والرياح للخير، والقاعدين في القرآن القاعدين عن الجهاد مع أن القعود هو ضد القيام لكن القرآن خصصها هكذا. ليس كلام العرب التخصيص ولكن القرآن يخصص في الإستعمال. إنما هو يخصصها بمعنى من المعاني وهذا يدل على التحديد والإرادة في التخصيص. لما يخصص كلمة بمعنى معين مثلاً الصلاة خصصها بمعنى واحد وهو العبادة، الصوم والصيام، الصيام خصصها للعبادة في القرآن والصوم خصصها الصمت ولا تجد في القرآن كلمة صوم للعبادة وإنما كلمة صيام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (183) البقرة) بينما الصوم خصصها للصمت (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) مريم) الصوم عن الكلام. القرآن أحياناً يخصص المفردة بمعنى من معانيها. اللمسة البيانية في هذا التخصيص يدل على القصد في التعبير أنه ليس كلاماً ملقى هكذا لكنه مقصود.

كلمة عالِم في القرآن لم ترد إلا في عالم الغيب مفرداً أو الغيب والشهادة، إما الغيب وإما الغيب والشهادة في القرآن كله لم ترد كلمة عالِم في 14 موضعاً لم ترد بمعنى آخر. مقترنة بالغيب (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) الجن) أو بالغيب والشهادة (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) الأنعام) أو لم تقترن (عالِم) إسم فاعل لا يدل على الكثير عادة فاستعملها بالمفرد الذي لا يدل على التكثير. (عليم) خصصها للغيوب (وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78) التوبة) لا تجد كلمة علام في القرآن في غير علام الغيوب ولم ترد إلا مع الغيوب جمع الغيب مجموعة، العلاّم كثرة والغيوب كثرة مثل سمّاع وسميع في القرآن: سمّاع استعملها في الذمّ (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ (41) المائدة) (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (47) التوبة) وسميع إستعملها تعالى لنفسه (وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) واستعملها في الثناء على الإنسان (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) الإنسان) وسماع لم يستعملها إلا في الذم. إذن القرآن يخصص في الاستعمال. عليم مطلقة ويستعملها في كل المعلومات على سبيل الإطلاق (بكل شيء عليم) يستعملها إما للإطلاق على الكثير أو يطلقها بدون تقييد (واسع عليم) أو يستعملها مع الجمع أو فعل الجمع. مثلاً لما يقول (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) يونس) هذه مطلقة (كل) تدل على العموم، (بكل شيء عليم) هذا إطلاق، أو على العموم. قلنا إذن يستعملها مطلقة (إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)، أو عامة (بكل شيء عليم) أو مع الجمع أو مع فعل الجمع. مع الجمع (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ) جمع، (فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ

بِالْمُفْسِدِينَ) جمع، (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) جمع، (إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) جمع. إما أن تستعمل عامة مع لكل الخلق، كل شيء أو مطلقة (واسع عليم) (سميع عليم) ليست مقيدة بشيء أو بالجمع (المتقين، المفسدين، الظالمين، بذات الصدور) أو بفعل الجمع (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة) لم يقل وما تفعل من خير، (وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) يوسف) (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) النور) للجمع أو فعل الجمع. إذن كلمة عليم لم تحدد بشيء معين إما للعموم أو كونها مطلقة من كل شيء أو مع الجمع أو مع فعل الجمع لم يأت مع متعلق مفرد مطلقاً في القرآن لا تجد عليم بفلان أو بفعل فلان. علاّم محددة، عالِم محددة، عليم هذه استعمالاتها. إذا أراد أحدهم أن يدرس هذه الاستعمالات تدرس في باب تخصيص الألفاظ القرآنية، هذه ظاهرة في القرآن وقد نأخذ عليها عدة حلقات لاحقاً.
هذه الآية مرتبطة بما بعدها: الأول مرتبط بقوله (هو الذي خلق السموات والأرض) الذي خلق السموات والأرض هو الأول، الآخر مرتبط بقوله (وإلى الله ترجع الأمور)، الظاهر قلنا لها معنيان إذا كان بمعنى الغالب يقول بعدها (له ملك السموات والأرض) فالذي له الملك غالب، وإذا كان بمعنى المتجلي للعباد (الذي خلق السموات والأرض) لأن السموات والأرض آيات دالة على وجوده، الباطن إذا كانت بمعنى المحتجب يرتبط بقوله (وهو معكم أينما كنتم) وإذا كان بمعنى الذي يعلم بواطن الأمور وخفاياها فيرتبط بقوله (وهو عليم بذات الصدور) (وهو بكل شيء عليم). إذن الآية مرتبطة إرتباطاً بما قبلها وهذه سمة في القرآن الكريم كل كلماته مرتبطة وسبق أن قلنا أن الرازي يقول أن سور القرآن كلها كالآية الواحدة بل كالكلمة الواحدة في ترابطها.

نظرة عامة على الآية (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)):
قوله تعالى (الذي خلق السموات والأرض) يدل على أنه المالِك لهما هو خلقهما إذن هو المالِك إضافة إلى أنه الأول هو الخالق إذن هو المالك. دل قوله في قوله (له ملك السموات والأرض) قبلها وبعدها على أنه هو المالك إذن هو المالك وقبلها وبعدها هو الملِك لأن المُلك من الحكم هو ملك مالك إذن هو مالك الملك كما قال تعالى في آية أخرى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ (26) آل عمران). المُلك من الحُكم (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْر (51) الزخرف) صاحبه ملِك، المِلك بكسر الميم من التملّك البيع والشراء صاحبه مالك. المُلك بضم الميم صاحبه ملِك والمِلك بكسر الميم صاحبه مالِك. (له ملك السموات والأرض) إذن هو الملِك. كل من الملِك والمالك له تصرف يختلف عن الآخر. لما قال له مُلك يعني هو ملِك، فرعون ملِك مصر لكنه ليس مالكاً لها، هو يحكم ولا يملك أما الله سبحانه وتعالى ذكر أكرين: له ملك إذن هو ملِك وقال خلق السموات والأرض إذن هو مالك إذن هو مالك الملك السموات والأرض هو خلقخما فهي ملكه وهو الملِك المالِك كما قال في آية أخرى (مالك الملك). المُلك هو مِلكه كما يملك المالك أي شيء ولذلك في سورة الفاتحة نزلت الآية مرتين (مالِك يوم الدين) ونرلت (ملِك يوم الدين) قراءتين متواترتين وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما حتى يجمع معنى مالك الملك ينبغي أن تنزل مرتين: مالِك تدل على معنى وملِك تدل على معنى وهو مالك وملك فأنزلها ربنا تعالى مرتين مرة مالك ومرة ملك. إذن الذي خلق السموات والأرض هو يملكهما وقال قبلها وبعدها (له ما في السموات والأرض) إذن هو الملِك إذن هو مالك المُلك. لما كان كل من الملِك والمالِك كلاهما ينبغي أن لا يندّ عنه في ملكه شيء. المالك ينبغي أن يعلم كل شيء عما يملكه. المالك ينبغي أن يعلم ماذا يملك والملك ينبغي أن يعلم ماذا يملك، إذن كلاهما المالك والملك ينبغي أن يعلما عن ملكه أو عن ما يملك إذا كان مالكاً ولما كان ربنا

سبحانه وتعالى مالك الملك إذن ينبغي أن يعلم كل شيء في مِلكه فقال (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لأنه لا يصح لملك أو مالك أن لا يعلم شيئاً فيما يملك ولذلك لا يندّ عنه في ملكوته شيء لا المسكن ولا الساكن في الأرض ولا في السماء كلها. وليس ذلك فقط، ليس يعلم فقط وإنما أول مرة ذكر العلم المطلق (يعلم ما يلج) ليس ذلك فقط وإنما هو يُبصر ما فيهما (بما تعملون بصير) ليس العلم فقط لأن العلم قد يأتي عن طريق الإخبار. الفرق بين العليم والبصير أن العليم قد يأتي عن طريق الخبر وليس بالضرورة أن يرى فالملِك قد تأتيه الأخبار دون أن يبصر. هذه مرحلة أخرى ليس فقط يعلم وإنما هو يُبصر أيضاً (والله بما تعملون بصير) وأيضاً له مرتبة فوق الإبصار وهي المعيّة والمصاحبة (وهو معكم) لأن البصير قد يبصر عن بعيد، معكم تفيد أنه معنا (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) ق) (والله معكم أينما كنتم) فهذه مرحلة فوق الإبصار، وله مرتبة فوق ذلك في الآية وليس فقط المعية والمصاحبة وإنما هو يعلم ماذا نفعل والسبب ظاهراً وباطناً ويعلم عمل كل عامل لِمَ عمله؟ لأنه أحياناً أنت ترى الإنسان يعمل عملاً وأنت لا تعلم لِمَ فعل ذلك؟ الله تعالى ليس فقط يعلم العمل ولا يبصره ولا معه وإنما يعلم لِمَ فعله. (بما تعملون بصير) بصير لها معنيان: البصر الرؤية هو سبحانه يرى لأنه قال (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) ولكن ليس كرؤيتنا لأنه كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك. تأتي البصر بمعنى الرؤية وتأتي بمعنى علِم دواخل النفوس بصير بما يعمل العاملون. بصير ليست

بمعنى واحد (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ (96) طه) هذا بصر وبصير بالشيء أي بدواخل الأمور.
هذه الآية ذكرت كل مراتب العلم:
عليم (يعلم ما يلج ) إذن هو يعلم الداخل والخارج والصاعد والنازل، هذا العلم.
مصاحب لنا أينما كنا (وهو معكم أينما كنتم)
مبصر لأعمالنا (والله بما تعملون بصير)
ويعلم لِمَ فعلنا ذلك
إذن إستوفى كل مراتب العلم وهذا يتناسب مع الآية السابقة (وهو بكل شيء عليم) وارتبطت بها ارتباطاً. في الآية السابقة قال تعالى (وهو بكل شيء عليم) وهذه الآية (والله بما تعملون بصير) لم يقل وهو بما تعملون بصير مع أنه استعمل (هو) في الآية لأنه تكرر الضمير (هو) فأراد أن يغير.

عرفنا ترتيب الآية وهيكلها لكن ننظر الآن كيف استعملها؟ لو لاحظنا قال (يعلم ما يلج في الأرض) لم يقل يعلم ما يولِج في الأرض (يلج بمعنى يدخل) أي يعلم ما يولجه هو، الله تعالى من قدرته أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل إنما قال (يلج) أي يدخل، من حيث العلم عادةً الشخص الفرد يعلم ما يفعله هو ولو قال يولج لكان طبيعياً أنه يعلم ما يفعله هو وما يولجه هو، هذه قدرة (يولج) وتلك علم (يلج) لكن لما قال (يلج) فهذا يدل على العلم، هو ما قال يعلم ما يولِج لأنه قطعاً هو يولِج فهو يعلم لكنه قال (يلج) هذا يدل على العلم. وقال (وما يخرج) وما قال وما يُخرِج وقال وما ينزل ما قال وما يُنزِل وقال وما يعرج ولم يقل وما يُعرِج وهذا يدل على العلم فقال ما يدل على العلم هذا أمر. والأمر الآخر قدّم تعالى ما يتعلق بالأرض على ما يتعلق بالسماء (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) لأن الكلام على أهل الأرض (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) إذن لما كان الكلام على أهل الأرض يتكلم عن مسكنهم لما قال (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يتكلم عن الأرض فيبدأ بأهل الأرض. مع أنه قال (خلق السموات والأرض) قدّم السموات هنا لأن خلق السموات أسبق. لكن هنا يتكلم عن العلم فقدّم الأرض.

الأمر الآخر من الناحية الفنية ناسب بين صورتين فيما يتعلق بالأرض والسماء، صورة فنية: بالنسبة للأرض قال (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) وفي السماء قال (وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) وفي الأرض قال (ما يلج) وفي السماء (وما ينزل) وكلاهما نزول إلى أسفل (ما يلج في الأرض) إنزال ودخول. هذه ما يلج في الأرض ينزل فيها وكثير مما ينزل من السماء هو يلج في الأرض من مطر وغيره. ثم قال (وما يخرج منها) و (وما يعرج فيها) وكلاهما إرتفاع وعلو. إذن من الناحية الفنية ناسب وليس فقط إختيار مفردات لكن يناسب بين الصور: ما يلج وما ينزل، وما يخرج وما يعرج وكما قلنا أن كثيراً مما ينزل قد يلج في الأرض وكثيراً مما يخرج يعرج إلى السماء: (وما يخرج منها) فيها احتمالين ما يخرج منها من الحشرات والنبات أو ما يخرج من محيطها. هذه الفكرة العامة عن الآية.

ما دلالة استخدام بعض الأفعال المحددة: السموات جمع والأرض مفرد؟

القرآن لم يذكر الأرض بالجمع مطلقاً، السموات سبع ولم يجمع كلمة الأرض في القرآن أبداً وإنما قال (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (12) الطلاق) أما في الحديث فجمع الأرض على أرضين "طوِّق من سبع أراضين". (من السماء) لم يقل السموات لأن السموات ذكرها مع الخلق.

أقسام الكتاب
1 2 3 4 5 6 7 8